رواية ثمن العروس مختار وغزل الفصل العشرون 20 بقلم اماني سيد
رواية ثمن العروس مختار وغزل الفصل العشرون 20 هى رواية من كتابة اماني سيد رواية ثمن العروس مختار وغزل الفصل العشرون 20 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية ثمن العروس مختار وغزل الفصل العشرون 20 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية ثمن العروس مختار وغزل الفصل العشرون 20
رواية ثمن العروس مختار وغزل الفصل العشرون 20
رن الهاتف مرة... ثم ثانية، وجاء صوت كريم سريعًا فور فتح الخط:
ـ أخيرًا يا مختار، حمد لله على السلامة. حاولت أتصل بيك أكتر من مرة، لكن تليفونك كان مقفول.
رد مختار بهدوء:
ـ الله يسلمك يا كريم. كنت مسافر، وقافل الموبايل اليومين اللي فاتوا.
تغير صوت كريم إلى الجدية:
ـ كنت محتاج أكلمك ضروري. في موضوع حصل في الشركة ومش مناسب نتكلم فيه في التليفون.
اعتدل مختار في جلسته، وقال:
ـ حصل إيه؟
ـ خلينا نتقابل أحسن، عندي كلام كتير لازم أقوله لك، والموضوع متعلق بالمشروع وبغزل.
تغيرت ملامح مختار فورًا، بينما رفعت غزل عينيها إليه بقلق.
قال مختار:
ـ تعالى الفيلا.
ـ تمام. هكون عندك خلال ساعة.
ـ مستنيك.
أنهى مختار المكالمة، ونظر إلى غزل.
ـ كريم جاي لنا.
سألته بقلق:
ـ قال لك في إيه؟
ـ قال إن الموضوع متعلق بالمشروع. ماتقلقيش
تنهدت غزل، ثم قالت:
ـ شكل الهدوء خلص بسرعة.
أمسك مختار يدها وقال:
ـ مهما كان اللي هيحصل مش عايزك تقلقى
بعد حوالي ساعة، وصلت سيارة كريم إلى الفيلا.
دخل كريم إلى غرفة الجلوس، فوقف مختار لاستقباله، وتصافح الاثنان بحرارة، ثم جلسا بينما بقيت غزل إلى جوار مختار.
نظر مختار إلى كريم مباشرة وقال:
ـ خير؟
أخذ كريم نفسًا عميقًا، ووضع الملف الذي يحمله على الطاولة.
ـ الموضوع بخصوص ليلى.
تصلبت ملامح مختار قليلًا.
ـ عملت إيه؟
ـ من البداية أنا كنت شايف إن اختلافها مع غزل ممكن يكون مجرد اختلاف في وجهات النظر، وده طبيعي في أي مشروع. لكن اللي حصل النهارده خلاني أغير رأيي.
ـ إيه اللي حصل؟
ـ ليلى بدأت تتعامل مع خطة غزل على إنها مشكلة لازم تتشال من طريقها، مش مجرد خطة عندها عليها ملاحظات.
نظرت غزل إلى كريم بهدوء، بينما قال مختار:
ـ يعني إيه؟
ـ يعني إنها عايزة تقنع المستثمرين إن وجود غزل في المشروع مش في مصلحة الشغل، وإن بعض قراراتها ممكن تضر بالمشروع.
اشتدت نظرة مختار.
ـ وعلى أي أساس؟
ـ مفيش أساس قوي. معظم اعتراضاتها قابلة للنقاش، لكن المشكلة مش في الاعتراض نفسه... المشكلة في الطريقة اللي بتتكلم بيها عن غزل.
صمت كريم للحظة، ثم أكمل:
ـ وأنا شايف إن الموضوع شخصي أكتر مما هو مهني.
لم يتحدث مختار.
ـ ليلى لسه عندها مشكلة مع وجود غزل في حياتك، وده بدأ ينعكس على الشغل.
خفضت غزل عينيها، بينما سأل مختار ببرود:
ـ وإيه اللي ناوية تعمله؟
ـ طلبت اجتماع منفصل مع المستثمرين قبل الاجتماع الرسمي، وكانت عايزة تعرض عليهم تعديلات على الخطة من غير ما غزل تكون موجودة.
رفع مختار حاجبه:
ـ وإنت وافقت؟
ـ لأ.
تنفس مختار ببطء، ثم قال:
ـ كويس.
لكن كريم لم يتوقف.
ـ في حاجة أهم.
نظر إليه مختار.
ـ ليلى مش هدفها بس إنها تعدل الخطة... هي عايزة تظهر قدام المستثمرين إن غزل هي الحلقة الأضعف في الفريق، ولو قدرت تثبت ده، هتضغط عشان يتم تقليل دورها في المشروع أو استبعادها منه.
ساد الصمت في الغرفة.
قالت غزل بهدوء:
ـ هي عايزة تخرجني من المشروع.
رد كريم:
ـ أنا شايف إن ده اللي بتحاول توصله.
نظر مختار إلى غزل، ثم قال:
ـ وليه بتعمل كل ده؟
أجاب كريم بصراحة:
ـ اكيد انتوا ادرى منى بده .
تغيرت ملامح مختار، لكنه حافظ على هدوئه.
ـ يعني الموضوع وصل للدرجة دي؟
ـ للأسف.
ثم أضاف كريم:
ـ وأنا كان ممكن أعتبره مجرد خلاف شغل وأسكت، لكن لو سكت دلوقتي، الاجتماع الجاي ممكن يتحول لمعركة، وساعتها المشروع كله هو اللي هيدفع الثمن.وانا مش عايز اضحى بمشروع بالحجم ده عشان خلافات شخصيه
أومأ مختار ببطء.
ـ عملت الصح إنك جيت قلت لي.
ثم التفت إلى غزل، وأمسك يدها.
ـ وبالنسبة لغزل، محدش هيشيلها من المشروع عشان حد عنده مشكلة شخصية معاها.
قال كريم:
ـ وأنا متفق معاك. عشان كده الاجتماع الجاي لازم يبقى واضح من البداية: كل واحدة تعرض رؤيتها، وكل قرار يتاخد قدام الكل، ومفيش حد ينفرد بالمستثمرين أو يحاول يفرض رأيه من ورا الفريق.
قال مختار بحسم:
ـ اتفقنا.
ثم نظر إلى كريم:
ـ وأنا هكون موجود في الاجتماع.
ـ ده الأفضل.
ساد الصمت للحظات، قبل أن تقول غزل:
ـ أنا مش خايفة من ليلى.
التفت إليها مختار.
تابعت بثبات:
ـ لو عندها اعتراض على شغلي، تسمعهولي قدام الكل. ولو عندها دليل إن حاجة في خطتي غلط، أنا أول واحدة هتقبل ده. لكن مش هسمح إن حد يحول حياتي الشخصية لمعركة في شغلي.
ابتسم كريم لأول مرة.
ـ وده بالضبط اللي كنت متوقعه منك طابما واثقه فى شغلك يبقى تمام ولو فعلاً فى اخطاء نلحق نصلحها من البداية
نظر مختار إلى غزل بفخر واضح، ثم قال:
ـ يبقى نستنى الاجتماع.
لكن كريم هز رأسه ببطء.
ـ لا... أنا شايف إننا ما نستناش بس.
نظر إليه مختار باستفهام.
ـ لازم نكون مستعدين لليلى قبل ما هي تبدأ.
ظل كريم صامتًا للحظات بعد كلماته الأخيرة، بينما كان مختار ينظر إليه باهتمام، منتظرًا أن يكمل.:
ـ تقصد إيه بـ"نكون مستعدين"؟
أخذ كريم نفسًا عميقًا، ثم قال بجدية:
ـ أنا شايف إن لازم نعيد النظر في وجود ليلى في الشراكة من الأساس.
رفع مختار حاجبه بدهشة، بينما نظرت غزل إلى كريم دون أن تتدخل.
ـ نعيد النظر يعني إيه؟
ـ يعني تخرج من الشراكة.
ساد الصمت داخل الغرفة.
ظل مختار ينظر إليه للحظات، وكأنه يحاول استيعاب الفكرة.
ـ إنت شايف إننا ننهي شراكتنا معاها عشان خلاف حصل بينها وبين غزل؟
هز كريم رأسه.
ـ لأ. أنا شايف إننا ننهي الشراكة لأن الخلاف ده كشف لنا مشكلة أكبر.
ثم مال قليلًا إلى الأمام، وقال:
ـ ليلى لو سكتت المرة دي، مش هتسكت المرة الجاية. ولو حسّت إن غزل أخدت منها حاجة أو إن وجودها في المشروع بيهدد مكانتها، ممكن تدخل في تفاصيل أكتر، وكل مرة هتحاول تثبت إنها صح. المشكلة إننا مش بنتكلم عن مشروع صغير نقدر نجرب فيه ونغلط ونصلح. إحنا بنتكلم عن مشروع استثماراته كبيرة، وأي قرار غلط ممكن يكلفنا كتير.
ظل مختار صامتًا.
تابع كريم:
ـ أنا مش شايف إن ليلى هتقدر تفصل بين مشاعرها وبين قراراتها المهنية، وده خطر علينا كلنا.
قال مختار:
ـ بس إخراجها من الشراكة مش قرار سهل.
ـ عارف.
ـ وهي شريكة من البداية، وليها نسبة وحقوق والتزامات.
ـ وعشان كده أنا مش بقول نطلعها بكرة الصبح. أنا بقول نبدأ ندور على رجل أعمال تاني يدخل مكانها، وبعدها نتفاوض معاها بشكل قانوني ومحترم، وكل واحد ياخد حقه.
تدخلت غزل لأول مرة، وقالت بهدوء:
ـ بس مش عايزة يكون القرار بسببي.
التفت إليها كريم.
ـ القرار مش بسببك يا غزل.
ثم نظر إلى مختار وقال:
ـ لو كانت ليلى بتختلف مع غزل في الشغل بس، كنت أول واحد أقول لكم سيبوها وكملوا. لكن أنا شايف إن الموضوع بيتحول تدريجيًا لحرب شخصية، والحرب دي لو دخلت جوه المشروع، مش هتفرق بينك وبين غزل وبيني وبين أي حد .
قال مختار:
ـ يعني أنت شايف إن الأفضل نستبدلها قبل ما المشكلة تكبر؟
ـ بالضبط.
صمت مختار قليلًا، ثم اتكأ إلى الخلف.
ـ وعندك حد في بالك؟
ابتسم كريم ابتسامة خفيفة.
ـ عندي اسمين ممكن نتكلم معاهم. رجال أعمال عندهم خبرة في نفس المجال، والأهم إنهم مش داخلين بعلاقات شخصية ولا عندهم حسابات قديمة مع أي حد في المشروع.
سأل مختار:
ـ ومين أقربهم للمشروع؟
ـ في واحد تحديدًا شايفه مناسب جدًا، لكن مش عايز أذكر اسمه قبل ما نتأكد إنه مهتم أصلًا بالدخول.
أومأ مختار ببطء.
ـ تمام. اتواصل معاه بشكل مبدئي.
نظرت غزل إلى مختار، فوجدته يفكر بجدية.
قال كريم:
ـ وفي حاجة تانية.
رفع مختار عينيه إليه.
ـ لحد ما نلاقي البديل، لازم نحط حدود واضحة لليلى. مفيش قرارات منفردة، ومفيش اجتماعات مع المستثمرين من غير علم باقي الشركاء.
قال مختار بحسم:
ـ ده أكيد.
ثم نظر إلى غزل، وأكمل:
ـ وغزل هتكمل في المشروع بشكل طبيعي. محدش هيطلب منها تتراجع خطوة عشان يرضي حد.
خفضت غزل عينيها قليلًا، بينما قال كريم:
ـ وأنا متأكد إن ده الصح.
ثم أغلق الملف أمامه ونهض من مكانه.
ـ أنا مش عايز نستنى لحد ما تحصل كارثة عشان نتحرك. لو ليلى عايزة تثبت إنها صح، ممكن تفضل تعدل وتضغط وتدخل في كل قرار لحد ما المشروع نفسه يتعطل. ساعتها هنكون خسرنا وقت وفلوس وسمعة... وكل ده عشان شخص واحد مش قادر يفصل الماضي عن الشغل.
وقف مختار هو الآخر.
ـ اتفقنا.
مد كريم يده إليه، فصافحه مختار بثبات.
ـ ابدأ شوف البديل، وأنا هراجع عقد الشراكة وكل التفاصيل القانونية.
ثم التفت مختار إلى غزل، التي كانت لا تزال صامتة.
لاحظ كريم نظرتها، فقال بهدوء:
ـ ومتشيليش نفسك ذنب القرار ده يا غزل. لو ليلى خرجت من الشراكة، فده مش لأنها خسرت قدامك... ده لأنها اختارت تدخل مشاعرها في مكان المفروض مفيهوش غير حسابات الشغل.
غادرت الكلمات قلب غزل بثقل، لكنها لم تجب.
أما مختار، فظل واقفًا للحظات، وعيناه تحملان تفكيرًا عميقًا.
كان يعلم أن إخراج ليلى من المشروع لن يكون سهلًا...
لكن ربما الأصعب من إخراجها الآن، هو أن يتركها داخله حتى تصبح قادرة على هدم كل شيء فقط لتثبت أنها لم تخسر.
خرج كريم من غرفة الجلوس بصحبة مختار، بينما كان حديثهما لا يزال مستمرًا حول المشروع ورجل الأعمال الذي يمكن أن يحل محل ليلى.
قال كريم وهو يسير إلى جواره:
ـ هبدأ أتواصل مع الاسم اللي قلت لك عليه، ولو حسيت إنه مناسب هرتب معاه مقابلة ونشوف الموضوع.
أومأ مختار:
ـ تمام، بس خلينا ناخد وقتنا. مش عايز ندخل شريك جديد لمجرد إننا نخرج ليلى.
ـ وأنا متفق معاك. المهم نلاقي حد يضيف للمشروع، مش مجرد بديل.
وصلا إلى باب الفيلا، لكن قبل أن يخرج كريم، لمح مختار سارة جالسة في الجهة الأخرى من الحديقة.
كانت تجلس وحدها تحت إحدى المظلات، وأمامها لوحة صغيرة، بينما تمسك قلمًا للرسم وتضع اللمسات الأخيرة على ما أمامها. كانت منهمكة تمامًا فيما تفعل، لدرجة أنها لم تنتبه إلى وجودهما.
ابتسم مختار، ثم ناداها:
ـ سارة!
رفعت رأسها فجأة، ونظرت ناحيتهما.
ـ نعم يا مختار؟
أشار إليها بيده.
ـ تعالي هنا.
وضعت القلم جانبًا، ونهضت من مكانها، ثم اقتربت منهما بخطوات هادئة.
قال مختار:
ـ عايز أعرفك على كريم.
ثم التفت إلى كريم:
ـ كريم شريك معايا في المشروع.
مد كريم يده إليها باحترام.
ـ أهلًا.
صافحته سارة بخجل بسيط:
ـ أهلًا وسهلًا.
قال مختار:
ـ ساره اختى الصغيره خريجه فنون جميله ومغرقالنا الفيلا بأعمالها
وقعت عينا كريم على اللوحة التي كانت لا تزال تحمل آثار الفرشاة والألوان.
ـ كنتى بترسمي؟
نظرت سارة إلى اللوحة، ثم ابتسمت.
ـ آه،
اقترب كريم قليلًا، لكنه لم يلمس اللوحة.
ـ واضح إنك بتحبي التفاصيل.
نظرت إليه سارة باستغراب بسيط، ثم قالت:
ـ ليه قلت كده؟
ابتسم كريم:
ـ عشان اللوحة كلها تفاصيل صغيرة، ولو حد مش مركز مش هياخد باله منها.
نظرت سارة إلى اللوحة مرة أخرى، ثم قالت:
ـ يمكن عشان أنا أصلًا بحب الحاجات اللي الناس بتعدي عليها ومتاخدش بالها منها.
ظل كريم ينظر إليها للحظة، وكأن جملتها لفتت انتباهه أكثر مما توقع.
أما مختار، فابتسم ابتسامة خفيفة وهو يراقب الحوار، ثم قال:
ـ واضح إنكم لقيتوا موضوع تتكلموا فيه.
ضحكت سارة بخجل:
ـ إحنا لسه بنتعرف.
قال كريم:
ـ فعلًا، بس واضح إن سارة عندها ذوق مختلف في الرسم.
رفعت سارة حاجبها بمزاح بسيط:
ـ دي أول مرة حد يشوف رسمة ليا ويقول عليها ذوق مختلف بدل ما يقول حلوة وخلاص.
ضحك كريم:
ـ عشان "حلوة" كلمة سهلة. أنا بحب أعرف الحاجة ليه حلوة.
توقفت سارة للحظة، ونظرت إليه، ثم ابتسمت دون أن تجد ردًا مناسبًا.
تدخل مختار وهو يفتح باب السيارة:
ـ خلاص يا كريم، قبل ما تخلينا نقف على الباب للصبح.
ضحك كريم، ثم التفت إلى سارة:
ـ اتبسطت بمعرفتك.
ـ وأنا كمان.
أومأ مختار لها:
ـ سلام يا سارة.
ـ سلام.
استقل كريم السيارة، وقبل أن يغلق الباب، ألقى نظرة أخيرة باتجاه الحديقة.
كانت سارة قد عادت إلى مكانها، وجلست أمام لوحتها من جديد، لكنها هذه المرة لم تمسك القلم فورًا
ظلت للحظات تنظر أمامها بشرود، قبل أن تهز رأسها كأنها تستعيد تركيزها، ثم عادت للرسم
انطلقت سيارة كريم مبتعدة عن الفيلا، بينما أغلق مختار الباب الخارجي ببطء. وقف لثوانٍ معدودة في الردهة ينسق أفكاره، يمحو آثار حديث العمل الشاق واستراتيجيات المواجهة مع "ليلى"، ليُفسح المجال تمامًا لما هو أهم... غزل.
عاد بخطوات هادئة إلى غرفة الجلوس. كانت غزل لا تزال جالسة في مكانها، تجلس بشرود، وأصابعها تتشابك ببعضها في توتر صامت. لم تتكلم، لكن نظراتها التي رفعتها نحوه فور دخوله كانت تفيض بأسئلة لم تُنطق، وبثقل مشاعر تحاول أن تخفيها كي لا تبدو ضعيفة.
اقترب مختار منها دون أن ينبس ببنت شفة. لم يجلس على المقعد المقابل، بل جثا على ركبتيه أمامه مباشرة، ليصبح مستوى عينيه في مستوى عينيها تمامًا. رفع يديه بهدوء وأمسك بكفيها اللذين كانا برادين كالثلج، لمسهما بعطفٍ أذاب الجمود الذي سكن الغرفة منذ وصول كريم.
رفع كفها الأيمن ببطء نحو شفتيه. طبع قبلة دافئة، خفيفة وناعمة للغاية على طراطيف أصابعها... إصبعًا تلو الآخر. كان ملمس أنفاسه الدافئة على أطراف بنانها كفيلًا بإنعاش رجفة خفيفة تسللت إلى جسدها كله. أغمضت غزل عينيها لثوانٍ، وكأن تلك اللمسة البسيطة كانت الملاذ الوحيد الذي تحتاجه لتستعيد أنفاسها.
همس مختار وهو ما يزال يمسك بأطراف أصابعها قرب فمه، ونظراته المشتعلة بالدفء واليقين تتطلع إلى عمق عينيها:
ـ الجميل بتاعي سرحان في إيه؟
ابتسمت غزل ابتسامة باهطة محاولة التماس القوة، وقالت بصوت خفيض:
ـ خايفة أكون السبب في المشاكل دي كلها يا مختار... خايفة إن وجودي بيعطل شغلك أو بيعمل أزمات مالهاش لازمة.
وضع مختار كفها بين كفيه واعتصرها بحنان قاطع، ثم قال بنبرة رجولية حاسمة تفيض حبًا وثقة:
ـ تعطليني؟ أنتِ القوة الوحيدة اللي بتخليني أقف على شغلي بقلب جامد يا غزل. بصيلي هنا...
رفع ذقنها بأطراف أصابعه ليجبرها على النظر في عينيه مباشرة، وأكمل بنبرة صوت خفيضة وساحرة
ـ أنا واثق فيكِ... وواثق في شغلك أكتر ما تتخيلي. خطتك، مجهودك، وذكاؤك هما أساس المشروع ده، ومحدش في الدنيا - مهما كان مين - هيقدر يقلل من قيمتك أو يمس حرف واحد من اللي عملتيه. ليلى مشكلتها مش مع شغل غزل... ليلى مشكلتها إنها بتشوفك وقفتِ في المكان اللي هي عمرها ما قدرت توصل له، بتشوف ثقتك ونجاحك ووجودك في حياتي.
دنت غزل منه قليلاً، ونظرت إلى تفاصيل وجهه القريب جدًا منها، وكأن كلماته كانت الغطاء الأدفأ لرأسها الثقيل. قالت بصوت يملؤه الامتنان:
ـ بس أنا مش عايزاك تدخل حرب مع حد عشاني...
قاطعها بموجة دافئة من الغزل وهو يقترب أكثر، حتى التقت أنفاسهما، وطبع قبلة حانية طويلة على جبينها، قبل أن يعود ويُقبل طراطيف أصابعها مرة أخرى بشغف أعمق، معسولٍ بحسّ الرعاية والاحتواء. قال وهو يبتسم ابتسامة ساحرة أذابت كل مخاوفها: ـ حرب؟ لو الدنيا كلها وقفت قصادك يا غزل، هكون أنا السند والظهر اللي بيمحي أي خطورة قبل ما توصل لك. أنتِ مش بس حبيبتي أنتِ شريكة عمري ونجاحي. والشغل اللي عملتيه في المشروع ده بالذات هيخليهم كلهم يقفوا يسقفوا لك في الاجتماع الجاي، وأنا أولهم.
انطلقت ضحكة خفيفة وناعمة من بين شفتي غزل، واختفت كل علامات القلق من وجهها كأنها لم تكن. حركت أصابعها لتداعب كف مختار، وقالت بدلال وارتياح:
ـ يعني مش خايف عليّ من الاجتماع؟
انحنى مختار ليميل برأسه على كتفها، واستنشق عبير شعرها ببطء وهو يهمس بجانب أذنها:
ـ يخاف عليكِ اللي ما يعرفكيش... أما أنا، فـ خايف على أي حد يقف في طريقك. أنتِ ست البنات، وأقوى بكتير من إنك تقلقي من شوية حركات مكشوفة. الهدوء اللي قلتي إنه خلص؟ لا يا غزل... الهدوء هيفضل في حياتنا، طول ما أنا ماسك إيدك كده.
احتمت غزل بكتفه، وضغطت على يده بقوة وهي تشعر بأن كل طاقات العالم لا تستطيع أن تهز ثباتها ما دام هذا الرجل يقف خلفها، ويثبت لها في كل لحظة أن مكانتها عنده لا تُقاس بالحسابات ولا تتأثر بالمعارك.
كانت والدة مختار تجلس في الصالة، بينما كانت سارة تدخل من الحديقة بعد أن انتهت من الرسم، وتضع أدواتها جانبًا.
رفعت والدتها عينيها إليها وقالت:
ـ سارة؟
ـ نعم يا ماما؟
ـ هو مين الشاب اللي خرج من شوية؟
توقفت سارة لحظة، ثم قالت:
ـ شاب مين ؟
ـ اللي كان واقف مع مختار عند باب الفيلا... أنا شوفته وهو خارج.
ابتسمت سارة وقالت:
ـ آه، ده كريم.
ـ كريم مين؟
ـ كريم الدمنهورى شريك مختار في المشروع الجديد.
أومأت والدتها، ثم سألتها باهتمام:
ـ أول مرة أشوفه هنا.
ـ هو غالبًا كان جاي يتكلم مع مختار في الشغل.
ـ شكله محترم.
ـ أيوه، هو محترم.
نظرت إليها والدتها بطرف عينها:
ـ إنتِ تعرفيه؟
ـ لأ، اتعرفنا النهارده بس.
ـ آه... يعني اتعرفتوا.
ضحكت سارة:
ـ يا ماما، مختار هو اللي عرفني عليه.
ـ طيب، عنده كام سنة؟
رفعت سارة حاجبها:
ـ هو إيه التحقيق ده؟
ـ بسأل يا بنتي.
ـ معرفش بالضبط... بس شكله في التلاتينات.
ـ متجوز؟
ضحكت سارة:
ـ والله ما سألت!
ـ طب وإنتِ تعرفي منين إنه مش متجوز؟
ـ معرفش، وأنا أصلًا ما فكرتش أسأل.
ابتسمت والدتها بمكر:
ـ بس لو فكرتِ... هتعرفي .
ـ ماما!
ضحكت الأم:
ـ إيه يا بنتي؟ ما أنا بسأل عادي.
ـ أصل أسئلتك مش عادية خالص.
ـ طب خلاص، مش هسأل.
سكتت لحظة، ثم قالت بمنتهى البراءة
ـ بس هو شكله ابن ناس.
نظرت سارة إليها وضحكت:
ـ هو إنتِ شفتيه دقيقتين عشان تحكمي عليه؟
ـ الأم بتعرف من أول نظرة.
ـ يا سلام!
ـ وبعدين مختار مش هيجيب أي حد يقعد معاه في شغله.
أومأت سارة:
ـ دي حقيقة.
ثم اتجهت ناحية السلم، لكن والدتها نادتها:
ـ سارة!
التفتت إليها:
ـ نعم؟
ـ لو كريم جه تاني، عرفيني.
ـ ليه؟
ابتسمت والدتها
ـ عشان أعرف شريك ابني كويس.
ضيقت سارة عينيها بشك:
ـ آه... شريك ابنك؟
ـ أيوه.
ـ طيب.
استدارت سارة لتصعد، فسمعت والدتها تقول خلفها:
ـ ومتقلقيش، أنا مش هسأله قدامك إذا كان مرتبط ولا لأ.
توقفت سارة مكانها، ثم التفتت إليها بصدمة:
ـ مامااا!
انفجرت والدتها في الضحك:
ـ خلاص يا بنتي، بهزر!
هزت سارة رأسها وهي تضحك رغمًا عنها:
ـ ربنا يستر من دماغك.
ـ وأنا مستنية أشوف آخر الحكاية.
ـ مفيش حكاية أصلًا!
قالتها سارة وهي تصعد الدرج، بينما ظلت والدتها تضحك وحدها في الصالة، وقد بدا عليها أنها بدأت تستمتع بفكرة جديدة تمامًا.
كان مختار نازل من الطابق العلوي، حين وجد والدته تجلس في الصالة، وما إن لمحته حتى اعتدلت في جلستها وكأنها كانت تنتظره.
ـ مختار!
توقف على أول درجة ونظر إليها.
ـ نعم يا ماما؟
ـ تعالى اقعد هنا دقيقة.
نظر إليها بشك.
ـ خير؟
ـ تعالى بس.
نزل مختار وجلس أمامها.
ـ قولي.
سكتت والدته لحظة، ثم قالت بنبرة تبدو عادية جدًا:
ـ كريم اللي كان هنا من شوية... ده شريكك في المشروع، صح؟
أومأ مختار:
ـ أيوه.
ـ كويس.
انتظر مختار، لكنه لم يجد سؤالًا آخر.
ـ كويس وبعدين؟
ـ ولا حاجة... بس بسأل.
نظر إليها بريبة.
ـ إنتِ عمرك ما سألتي عن شريك ليا بالشكل ده.
ابتسمت والدته:
ـ ما هو كريم أول مرة أشوفه.
ـ شفتيه قبل كده من بعيد.
ـ أهو شوفته النهارده كويس.
ثم مالت نحوه وسألته:
ـ هو متجوز؟
اتسعت عينا مختار.
ـ إيه؟
ـ بسأل متجوز ولا لأ.
ـ وإنتِ عايزة تعرفي ليه؟
ـ يا ابني عايزة أعرف.
ـ ليه؟
ـ فضول.
ـ فضول إيه؟
ـ فضول أم.
ضحك مختار:
ـ ماما، إنتِ بتدوري ورا حاجة.
رفعت حاجبها:
ـ حاجة إيه؟ هو أنا لو سألت على واحد يبقى بدور ورا حاجة؟
ـ أيوه، سؤالك انتى بالذات بيكون وراه مصيبه
توقفت والدته لحظة، ثم قالت بسرعة:
حاولت والدته تغيير الموضوع:
ـ المهم... كريم متجوز ولا لأ؟
ضحك مختار:
ـ لأ، مش متجوز.
اتسعت ابتسامتها فورًا.
ـ مش متجوز؟
ـ أيوه.
ـ ومتأكد؟
ـ متأكد.
ـ يعني مفيش خطوبة؟
ـ مفيش.
ـ ولا مرتبط؟
ـ على حد علمي لأ.
وضعت والدته كوب الشاي على الطاولة، وقالت بحماس:
ـ يبقى تعزمه عندنا.
نظر إليها مختار لثوانٍ.
ـ أعزمه ليه؟
ـ عشان يتعشى معانا.
ـ هو أنا كل ما أعرف واحد مش متجوز أعزمه على العشا؟
ـ لأ، بس كريم تحديدًا.
ـ وليه تحديدًا؟
ـ عشان شريكك.
ـ عندنا اجتماعات في الشركة.
ـ ما هو ياكل معانا الأول.
ضحك مختار:
ـ ماما، دي مش عزومة شغل.
ـ وأنا قلت إنها عزومة شغل؟
ـ أمال إيه؟
ابتسمت والدته بمكر:
ـ عزومة عائلية.
حدق مختار فيها، ثم انفجر ضاحكًا.
ـ عائلية إيه بس؟! الراجل شافنا مرة واحدة.
ـ عشان يشوفنا تاني.
ـ يا ماما!
ـ إيه يا ابني؟ عزومة أكل مش جواز.
ـ أنا عارف، بس إنتِ بتتكلمي كأنك بتجهزي له لجنة مقابلة.
ضحكت والدته:
ـ طيب ما تعزمه وخلاص.
ـ مشغول.
ـ اسأله.
ـ عنده شغل.
ـ اسأله برضه.
ـ ممكن يكون مسافر.
ـ لما يرجع.
ـ ممكن ما يحبش العزومات.
ـ مين بيرفض عزومة أم مختار؟
ـ أنا لو مكانه هرفض.
ـ إنت مالك؟
ضحك مختار وهز رأسه.
ـ طب وبعدين؟
ـ يعني هتعزمه؟
تنهد مختار:
ـ حاضر، هعزمه.
ابتسمت والدته بانتصار:
ـ بس خليه ييجي يوم تكون سارة موجودة.
توقف مختار عن الضحك، ونظر إليها مباشرة.
ـ آآآه... أهو وصلنا للسبب الحقيقي.
ـ سبب إيه؟
ـ كل ده عشان سارة.
ـ وأنا قلت سارة فين؟
ـ ماما، أنا أخوها وعارفك.
حاولت والدته التماسك، لكنها انفجرت بالضحك.
ـ طيب يا سيدي، أنا أمها وعايزة أطمن عليها.
ـ تطمني عليها مع كريم؟
ـ هو شكله محترم.
ـ شوفتيه عشر دقايق!
ـ كفاية.
ـ كفاية لإيه؟
ـ الأم عندها حاسة سادسة.
ضحك مختار:
ـ حاسة سادسة إيه بس؟ إنتِ هتبوظيلي المشروع قبل ما يبدأ.
ـ ليه؟
ـ عشان بدل ما أجيب شريك جديد للمشروع، هبقى جايب عريس جديد للبيت.
ـ ومين قال عريس؟
ـ أمال عزومة العيلة دي إيه؟
رفعت والدته كتفيها ببراءة:
ـ يمكن يعجبنا.
ـ يا ماما!
ـ خلاص، خلاص... اعزمه بس.
نهض مختار وهو يضحك:
ـ حاضر، هعزمه.
ثم أضاف وهو يتجه ناحية الدرج:
ـ بس لو حصل أي حاجة، أنا معرفكيش.
نادته والدته:
ـ مختار!
التفت.
ـ نعم؟
ـ خليه ييجي بدري شوية.
ضحك:
ـ ليه؟
ـ عشان العشا.
ـ حاضر.
ـ ومتقولوش إن سارة موجودة.
رفع مختار يده مستسلمًا:
ـ والله إنتِ حالة ميؤوس منها.
ضحكت والدته
ـ وأنا أمك، يعني من حقي أزن عليك.
هز مختار رأسه وهو يصعد الدرج، بينما عادت والدته إلى كوب الشاي وهي تبتسم في رضا، وكأنها أتمت أول خطوة في خطة لم تخبر أحدًا بتفاصيلها بعد.
ياترى موافقين على اسلوب ام مختار
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
