رواية لولا الغرام الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم روز امين
رواية لولا الغرام الفصل الثاني والعشرون 22 هى رواية من كتابة روز امين رواية لولا الغرام الفصل الثاني والعشرون 22 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية لولا الغرام الفصل الثاني والعشرون 22 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية لولا الغرام الفصل الثاني والعشرون 22
رواية لولا الغرام الفصل الثاني والعشرون 22
«"كيف؟" و"متى؟" والأكثر دهشةً "لماذا؟"... كل هذه الأسئلة كانت تدور في خُلدها بلا إجاباتٍ، وقفت عاجزةً كأنما توقف الزمن فجأةً، بينما تتردد كلمات الخبرِ في رأسها كصدى بعيدٍ ،ليدخل عقلها في حلقةٍ مفرغةٍ تتصارعُ فيها الأفكارُ كأمواجِ بحرٍ هائجٍ في ليلةٍ مظلمةٍ.
تعالت الأصوات من حولها، وازدحمت وجوههم المألوفة لـتُطوقها، أيادٍ تمتدُ لدفعها، وهمساتٌ تتصاعد حتى تحولت إلى محاولاتٍ مستميتةٍ لإقناعها بما تراه مستحيلاً، ذلك الدرب الذي طالما نظرت إليه كخطٍ موازٍ لحياتها لا يمكن أن يلتقي بمسارها أبداً،أصبحوا اليوم يطالبونها بأن تجعله واقعها، وبأن تسير فيه طائعة.
هي لم ترفض لمجرد الرفض، هي فقط ضائعة، تتُوقُ لدقيقةٍ واحدةٍ يتوقف فيها الزمان عن الدوران، ويصمت فيها الجميع، حتى تستمع لنداء روحها الخافت الذي توارى وسط كل هذا الزحام.»
" دليلة صادق بدران"
بقلمي «روز أمين»
________♕_______
وقعت الكلمات على مسامعها كالصاعقة، فتجمدت أطرافها وغرقت في ذهول تام، بينما تشتتت أفكارها وعجز عقلها عن استيعاب ما قاله والدها للتو.
كيف لعقلها أن يصدق؟ أشرف، ذلك الذي لم ترى فيه يوماً سوى شقيقًا، بات يراها اليوم أنثى وشريكة لعمره، هزت رأسها رافضة والارتجاف ينهش جسدها، تعمفت في عيني والدها، لعلها تجد دليلاً يثبت أنها لم تسمع جيداً، قبل أن تخرج حروفها متمتمة بغير استيعاب:
-أشرف مين يا بابا؟
أخرجت"منى" تنهيدة حارة، وراحت تطالعها بنظرات يملؤها الإشفاق والحزن، بينما تابعت دليلة بوجوم ودهشة عارمة:
-أشرف ابن عمتي فيفي؟
واشارت على نفسها:
-طالبني أنا للجواز،؟! هو حضرتك بتتكلم بجد؟
كان يتطلع علبها بملامح جامدة، وعلامات التعجب ترتسم على وجهه من رد فعلها المبالغ فيه، ثم تحدث مستنكرًا:
-فيه ايه يا دليلة؟هي الحاجات دي فيها هزار،ثم أنا مش فاهم إيه اللي مخليكي مش مصدقة ومذهولة أوي كده؟!
+
انطلقت حروفها بنبرة حادة، بينما كان صوتها يتهادى متحشرجاً بالدموع الحبيسة:
-لأنه ما ينفعش يا بابا، أشرف ده عمري ما شفته غير أخويا الكبير، مش ده كلام حضرتك؟
ثم التفتت إليه بنظرة يملؤها اللوم والعتاب المرير، وتابعت متسائلة:
-مش حضرتك اللي دايما تقول لي إن أبيه علي وأشرف دول إخواتك وسندك يا دليلة؟
استنكر تفكيرها، وقطب حاجبيه قائلًا بحدة:
-بس أشرف مش أخوكِ، أشرف ابن عمتك، وراجل محترم وأنا اللي مربيه بإيدي، وواثق فيه وعارف إنه هيكون سند ليكِ بعدي إنتِ وأخوكِ.
انفجر بركان مشاعرها الهائلة التي عجزت عن كبتها، بينما تلألأت عيناها بشرارت غضبٍ عارم وهي تصيح معترضة بشدة:
-وأنا مش هتجوز حد علشان يكون لي سند يا بابا.
صمتت للحظة، ثم نظرت في عمق عينيه وتابعت بنبرة منكسرة:
-وأساسًا هحتاج سند ليه وأنت موجود؟
زفر ببطء، وحاول التحدث بهدوء ليمتص ثورتها العارمة:
-هو أنا يا بنتي هعيش لك العمر كله؟
هتفت بلهفة يتملكها خوفًا حقيقيًا من فكرة الفقد:
-ربنا يخليك لينا ويطول في عمرك يا بابا.
ثم عادت ملامحها مكفهرة وتصلبت من جديد، وهي تتابع حديثها بلهجة مستنكرة:
-بس أشرف أنا عمري ما فكرت فيه ولا شوفته غير إنه أخويا، وبعدين ده أكبر مني بعشر سنين، هو ازاي يفكر فيا كده أصلاً؟
حاول جاهدًا إقناعها بالمنطق والعقلانية، فقال بصوت هادئ:
-السن عمره ما كان مشكلة يا دليلة، وحوالينا ناس كتير فرق السن أكبر من كده بكتير، ومع ذلك عايشين مبسوطين ومتفاهمين.
قاطعته بصوت غاضب ومنفعل:
-أنا مليش دعوة بحد، أنا في نفسي، وأنا مش عاوزة اتجوز أشرف.
لم يستسلم ، بل زاد من ضغطه عليها متمسكًا بموقفه وهو يترجاها بكلماته المستعطفة:
-طب ادي لنفسك فرصة تفكري وتصلي استخارة، ما ينفعش تقولي رأيك في موضوع مصيري زي ده من غير تفكير سليم.
لم يكن يدرك أن إصراره وضغطه هذا يدفعان ابنته إلى حافة الهاوية، كانت مثقلة بالهموم،تشعر باختناق إثر صدمتها بفضل نتيجة الثانوية العامة وضياع حلم غزلته خيطاً بخيط طوال عمرها، لتأتي هذه الصدمة الجديدة كضربة قاضية تلتهم آخر ذرات طاقتها وصمودها.
لم تعد قادرة على تحمل المزيد من الضغوط، فقد بلغت طاقتها ذروتها، وانفجرت بصوت عالٍ، وهي النبرة التي لم يسبق لوالديها أن سمعاها منها من قبل، صرخت والدموع تحرق وجنتيها:
-هو حضرتك معايا ولا مع أشرف يا بابا؟ أنا اللي بنتك على فكرة؟!، أنا اللي حلمي انهار ومستقبلي اتدمر.
وتابعت عاتبة:
-وبدل ما حضرتك تاخدني في حضنك وتواسيني، جاي تكلمني في جواز؟ ومن مين؟ من واحد أكبر مني بعشر سنين، ومفيش بيني وبينه أي حاجة تجمعنا غير إنه ابن عمتي.
إلى هنا وعجزت الكلمات عن الخروج، ففاضت دموعها بغزارة وانهمرت في بكاء مرير، وتابعت بانهيار يمزق القلوب:
-هو أنا للدرجة دي مش فارقة معاكم؟
لم تتحمل "منى" رؤية ابنتها على هذه الحالة، هرعت إليها على الفور، وجلست بجانبها تضمها إلى صدرها بحنان جارف، وقالت محاولة طمأنتها:
-ما تقوليش كدا يا قلبي، إحنا بنحبك وانتِ أغلى حاجة عندنا يا دليلة.
أجهشت الفتاة في بكاء مرير، ليشعر "صادق" بوخزة ندم اقتحمت قلبه، اقترب من ابنته ببطء، وجذبها من أحضان والدتها ليدفنها بين ذراعيه، ومسح على رأسها بحنو بالغ، قائلاً بصوت يملؤه الأسف:
-بقى أنا مش حاسس بيكِ يا دليلة؟
ثم تابع موضحًا بنبرة هادئة وسط شهقاتها المريرة:
-أنا آسف، انتِ عندك حق فعلاً، يمكن أنا اخترت التوقيت الغلط إني أفاتحك في موضوع مهم بالشكل ده، إحنا نأجل الكلام لوقت تاني.
رفعت رأسها سريعًا لتبتعد عن أحضانه قليلاً، ونظرت إليه وعيناها تلتمع بالرجاء وهي تقول:
-بس أنا مش متقبلة الموضوع خالص يا بابا، وقولت لحضرتك إني مش شايفه أشرف غير أخويا.
قررت "منى" التدخل بقوة وعزم لحماية ابنتها وحسم الموقف، جذبتها بقوة ودفنتها في صدرها من جديد، ثم وجهت حديثها إلى صادق بنبرة حازمة وحاسمة:
-كفاية لحد كدا يا صادق.
2
ثم تابعت وهي تترجاه بعينيها لتنهي هذا العبء النفسي عن ابنتهما:
-أرجوك انهي المهزلة دي حالاً، اتصل بابن أختك وقول له بصراحة إن البنت شيفاك أخوها وبس.
ثم أضافت بعقلانية ومنطق لا يقبلان الجدال:
-ده جواز يا صادق، ومن أهم شروطه القبول، والبنت مش حساه ولا عاوزاه.
تأثر صادق تأثرًا بالغًا بكلمات زوجته القاطعة، وبدموع ابنته وانهيارها الذي شل تفكيره، تنهد باستسلام يخفي وراءه غصة، فهو يحب أشرف، ولن ينكر أنه كان مقتنعًا به تمامًا كزوج لابنته، وسندًا وحمايةً لأولاده من بعده، لكن أمام هذه الدموع المنهمرة ونفسية ابنته المنكسرة، تلاشت كل رغباته، فنفسية "دليلة" أهم بكثيرًا مما يريد.
لذا نظر إلى زوجته وقال بنبرة مستسلمة:
-حاضر يا منى، هكلمه بكرة وأبلغه.
تنهد بعمق، وأخذ نفسًا طويلاً يطرد به حزنه وثقل الهموم التي جثمت على صدره، ثم التفت إلى ابنته وحاول رسم ابتسامة حانية على وجهه :
-بطلي عياط وقومي اغسلي وشك والبسي فستان شيك.
رفعت عينيها المثقلتين بالدموع صوب وجهه، فتمزق قلبه ألمًا أمام ملامحها المنكسرة، ومع ذلك حافظ على ابتسامته وتابع مشجعاً:
-هنخرج أنا وبنوتي الحلوة علشان تختاري بنفسك هدية نجاحك.
نظرت إليه بنظرة يملؤها الانكسار والخذلان، وقالت بنبرة متحشرجة:
-هو فين النجاح ده يا بابا؟
هرولت دموع عيناها مجددًا وهي تضيف بحزن دفين:
-أنا خذلتك وضيعت حلمك اللي عيشت سنين تزرعه جوايا وتجهزني ليه.
2
حاوط وجهها بكفيه الحانيتين، ونظر في عينيها اللامعتين بالدموع وقلبه ينفطر ألمًا على حالها، لكنه استجمع قوته وتماسك أمام دموع منى التي كانت تراقب ابنتها بحزن جارف، وقال بنبرة دافئة:
-هو إحنا مش لسه متكلمين في الموضوع ده يا حبيبتي؟ وقولت لك إن قيمتك انتي اللي هتصنعيها وتفرضيها ع الكل باجتهادك وتميزك.
ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة مشجعة وهو يتابع:
-إيه رأيك لما التنسيق ينزل، نقعد مع بعض ونخلق حلم جديد، ونبتدي في خطواته وتحقيقه واحدة واحدة؟
ابتسمت بمرارة وانكسار ظهرا على ملامحها، وقالت بصوت مختنق:
-بس أنا لسه منستش الحلم الأولاني يا بابا.
قاطعها برفق ليغلق باب الحزن :
-الحلم الأولاني عدى خلاص وانتهى، خلينا في الحلم الجديد، واللي أنا متأكد إنك إن شاء الله هتحققيه وبجدارة كمان.
ثم أضاف بنبرة تتدفق نها العزيمة والقوة:
-أنا بنتي بطلة، ومفيش حاجة تقدر تهزمها، إحنا اللي بنشكل بوعينا واقعنا، مش الواقع هو اللي بيقيد أحلامنا.
وتابع مؤكدًا:
-النجاح مش ضربة حظ يا دليلة، النجاح اختيار إحنا اللي بنصنعه بتفاصيلنا.
لامست كلماته قلبها، فأحدثت فيه أثرًا إيجابيًا هدأ من روعها، ابتسمت برقة محاولة الخروج من شرنقة حزنها، وسألته بمرح:
-هتجيب لي هدية إيه؟
أجابها بنبرة تقطر حنانًا :
-اللي تؤمري بيه كله يا قلب أبوكِ.
كانت منى تتابع حوارهما والدموع تترقرق في عينيها تأثرًا بهذا المشهد الدافئ، بينما تابع صادق قائلاً لابنته:
-أنا هجيب لك تليفون محمول وده هديتي ليكِ، وانتِ شوفي عاوزة إيه تاني، وأنا تحت أمر ست البنات.
اتسعت عيناها بذهولٍ، وسألته بعدم تصديق:
-هتجيب لي تليفون محمول بجد يا بابا؟!
رد عليها بابتسامة حانية:
-أنا مقرر الموضوع من مدة، علشان لما تروحي الكلية نقى نطمن عليكِ منه.
انفرجت أساريرها وابتسمت بسعادة غامرة، وتحولت عيناها في لحظة من كتلة حزن منكسر إلى بريق يشع حنينًا وفرحًا.
في تلك اللحظة، جذبتها منى إلى حضنها مجددًا وقبلت رأسها قائلة:
-مبروك يا حبيبتي، قومي البسي يلا علشان تلحقوا تخرجوا وترجعوا بدري،الساعة داخلة على عشرة.
نهضت دليلة سريعاً، وصعدت درجات السلم متجهة إلى غرفتها، بمجرد أن غابت عن الأنظار، تبدلت ملامح صادق تمامًا، وجسدت تقاطيع وجهه حزنًا دفينًا وهمًا ثقيلاً، شعر به بعد مواجهة ابنته.لاحظت منى هذا التحول، اقتربت منه وربتت على يده بحنو، وقالت لتواسيه:
-كده أحسن يا صادق، مصلحة بنتك أهم من أي اعتبارات تانية.
تنهد بعمق ، ثم قال بصوت خافت:
-الله المستعان يا منى.
________♕________
داخل منزل "داليا" و"علي"، تطلعت عليه بنظرة تحمل الكثير من التساؤل، وقالت بنبرة مستفسرة:
- خير يا علي؟
أمسك بيديها باحتواء دافئ، غامرًا إياها بنظرة عميقة قبل أن يقول:
- بصي يا حبيبتي، انا بعد ما فكرت في حياتنا واستقرارها.
تابع بنبرة غلفها بزيف لم تلحظه:
- واستقرار مامتك اللي تعبناها كتير معانا، قررت اجيب واحدة تقعد مع البنت هنا.
وراح يشرح لها:
- بنتنا من حقها تستقر وتحس بالامان في بيتها يا داليا.
نظرت إليه بحيرة وتشتت بدا واضحًا في عينيها، وقالت بنبرة مرتبكة:
- بس كده ماما ممكن تزعل يا علي.
تبدلت ملامحه فجأة، وسألها بحدة لم يستطع السيطرة عليها:
-معلش وايه اللي يزعل امك في حاجة زي كدا؟ الموضوع ده ما يخصش حد غيرنا.
تراجع إلى الخلف قليلاً، ثم أردف مؤكدًا بنبرة حاول خروحها هادئة:
-وبعدين بالعكس، دي المفروض تفرح اننا هنشيل عنها همنا، وهي تفضي لنفسها وحياتها وبيتها، وترتاح.
تأملته بتشتت وعجز عن الاستيعاب، ثم استسلمت قائلة:
-خلاص يا علي خليني اكلمها الاول واقول لها.
لم تكد تنهي جملتها حتى اشتعلت عيناه بغضب مكتوم، وخرج صوته حادًا وقاطعًا:
- تكلمي مين يا داليا؟ انا ببلغك بالقرار اللي هيتنفذ خلاص.
استفزتها كلماته وصيغة الآمر التي تحدث بها، فنظرت إليه بحدة مماثلة وقالت بحنق:
- هو فيه ايه يا علي؟ انا ليه حاسه انك ما بقتش طايق سيره ماما تيجي قدامك.
تهرب من نظراتها وقال بصرامة حاسمة:
- لو سمحتي بلاش تدخلينا في المنطقه دي، انا بكلمك في نقطه معينه، ان انا خلاص قررت اجيب شغاله تستقر في البيت وتقعد مع البنت.
ثم أضاف بإصرار لا يقبل النقاش:
-ومن بكره هكلم ماما علشان تختار لنا واحده كويسة من البلد وتكون مضمونه.
اتسعت عيناها بصدمة حادة، وراحت تهتف مستنكرة:
-بلد ايه اللي هتجيب لي منها ناني تربي البنت يا علي؟!
ثم تابعت بصرامة وقوة غلبت صدمتها:
- لو فعلاً هنحيب واحدة، يبقى نختارها صح، نروح انا وانت مكتب متخصص ونختار منه بنت مثقفة، على الأقل أكون سايبة بنتي مع حد وواثقة انها هتضيف لها وهتربيها صح.
سألها باستنكار وهو يحاول إيجاد ثغرة في منطقها:
- وانت هيجي لك قلب تسيبي بنتك وبيتك في امانة واحدة لا نعرفها ولا تعرفنا؟
أجابته بثقة تامة:
-المكاتب دي مضمونة ومش بيشغلوا اي حد معاهم، دول بيعملوا لهم فيش وتشبيه، وبيكون ليهم ملف كامل، والمكتب بيكون على وعي وصلة مع الشرطة.
دار بينهما نقاش طويل هدأ فيه ثوران غضبه، حتى اقتنع برأيها في النهاية وقال:
- خلاص يا داليا، من بكرة ننزل ندور على مكتب كويس.
تنفست الصعداء وهدأت ملامحها بعدما استطاعت اقناعه:
- تمام، وكمان عاوزين نشوف حضانة كويسة نقدم لها فيها.
عقد حاجبيه مستغربًا وسألها:
-مش لسه شوية على موضوع الحضانة؟!
ارتسم على وجهها العبوس وقالت بنبرة حزينة:
-لا مش بدري، أنا كنت هفاتحك في الموضوع ده قريب.
تأمل وجهها الحزين، فرق قلبه لملامحها المتهجمة، اقترب منها ببطء، ومرر أنامله بنعومة بالغة على خدها، ونطق هامسًا بنبرة تقطر رقة:
-طب ليه مكشرة ؟
تنهدت بحزن دفين وحاولت التهرب من حصاره قائلة:
- مفيش حاجة.
تحركت مغادرة مكانها، لكنه قبض على يدها برفق وشدها نحو صدره، لتباغتها ذراعاه اللتان أحاطتا بها باحتواء تام.
تنهدت بشدة ومع محاولاته المستميتة لنيل رضاها، تلاشت قوامتها أمام حنانه، فانسجمت مع دقات قلبه، وضمت ذراعيها حوله مندمجة في أحضانه الدافئة.
__________♕__________
اصطحب صادق ابنته للخارح، ابتاع لها الهاتف الجديد، ومجموعة هائلة من الهدايا، في محاولة منه لترميم ما انكسر بداخلها.
أفلحت محاولاته نسبيًا في تهدئة ثورتها مؤقتًا، لم تكن السعادة تملأ وجهها، لكن الرضا كان مرتسمًا على ملامحها، فور عودتهم إلى المنزل، صعدت مباشرة إلى غرفتها لتستسلم للنوم من شدة الاعياء، ولحق بها شقيقها ليغفو هو الآخر، ليخلو الطابق الأرضي إلا من "صادق" و"منى"، جلسا أمام التلفاز في صمت مهيب.
قطع ذلك الصمت رنين هاتفه المحمول، ألقى نظرة على الشاشة المضيئة فرأى اسم "أشرف"، تنفس ببطء وثقل، وارتسمت على وجهه علامات الحيرة
لمحت تردده، فقالت بنبرة حاسمة تحثه بها على المواجهة:
- رد عليه وقول له الحقيقة وانهي الموضوع يا صادق.
زفر بهموم تثقل كاهله، وأجابها متهربًا:
-بعدين يا منى، بعدين.
كانت رغبتها في إغلاق هذه الصفحة العالقة تدفعها للإلحاح، لذا قالت بعتاب:
-ولحد امتى هتفضل تهرب من الرد على مكالماته؟
التمعت عيناه بحدة وغضب عارم لم يستطع كبحه، ليصيح بصوت متحشرج:
- ده مش هروب يا منى،أنا هبلغه اكيد، بس مش لازم النهاردة.
أدركت حجم الضيق والشجن الكامن وراء ثورته المفاجئة، فالتزمت الصمت، وسحبت بصرها بهدوء لتعاود التركيز في شاشة التلفاز، تاركة له مساحته الخاصة.
على الجانب الآخر، كان يذرع بهو المسكن ذهابًا وإيابًا، يدور حول نفسه وقد تملكه توتر عاصف، بدأت الحيرة تنهش عقله، فعدم رد خاله عليه يعد سابقة هي الأولى من نوعها، مما ضاعف من هواجسه.
حاول التقاط أنفاسه وتسكين مخاوفه، فأخذ يحدث نفسه بصوت خافت:
-اهدى يا اشرف وبلاش التوتر اللي انت فيه ده.
ثم تابع وهو يحاول إيجاد مبرر منطقي:
-الوقت متأخر واكيد نايم ومسمعش الموبايل، اهدى، دليلة مش هتكون لحد غيرك، ان شاءالله مش هتكون لحد غيرك.
تحرك بخطوات مثقلة وجلس على طرف الأريكة، واضعًا رأسه بين كفيه، وأخذ ينظم أنفاسه المتلاحقة في محاولة مستميتة لاستعادة هدوئه المفقود.
________♕________
في اليوم التالي، تحركت إلى منزل والدها السيد "عبد الله" فور انتهائها من دوام العمل، بدا الإنهاك على ملامحها.
جلست برفقة والدتها لتفرغ ما في جعبتها، فقصت عليها كل ما دار بينها وبين "علي" من نقاش حاد حول أمر المربية.
امتعضت ملامح "نعمة" وانطلقت حروفها بنبرة مشحونة بالضيق والرفض القاطع:
- جوزك خلاص، من ساعه ما الفلوس جريت في ايده وهو اتكبر علينا، وبدل ما يشكرني على كل اللي عملته معاه وتربيتي لبنته، قرر يطردني من حياتكم.
ثم تابعت بنبرة حادة غاضبة:
-ده انا خرجت معاش مبكر خمس سنين علشان اقعد ببنته، وفي الاخر تكون دي طريقة شكره ليا؟!
أسرعت "داليا" نحوها، وقبضت على يديها بحنان محاولة امتصاص ثورتها وتهدئة روعها، وقالت بصوت هادئ ونظراتٍ مستعطفة:
- يا ماما هو ايه اللي حصل لكلامك ده كله؟ علي بيحبك وبيحترمك، وده واضح للكل من معاملته معاكِ، واللي عمله ده كان لازم يتعمل علشان نخفف الضغط من عليكِ شوية، البنت صغيرة وطول الوقت ليها طلبات وبتزن، وبابا مبقاش حمل دوشتها.
ثم نظرت في عيني والدتها برجاء حار، وتابعت:
- بصي للموضوع من الناحية الايجابية يا حبيبتي.
أمالت رأسها، ولوت فمها بملامح عابسة لم تخلُ من العناد، لكنها استسلمت لرجاء ابنتها في النهاية قائلة:
-ماشي يا داليا، علشان خاطرك انت بس.
وتابعت باشادة:
- بس كويس انك اصريتي تجيبي ناني متدربة.
هزت "داليا" رأسها بهدوء معلنة انتهاء الأزمة، انحنت لتلتقط ابنتها الصغيرة، ثم وقفت وهي تعدل من هندامها قائلة:
- انا هروح علشان "علي" زمانه رجع.
غادرت حاملة طفلتها، وعادت إلى منزلها، وفور أن فتحت الباب، باغتتها رائحة الطعام الشهي، إذ وجدته قد عاد قبلها، جالبًا معه وجبات جاهزة من الخارج، وكان يقف في انتظارهما وعيناه تلمعان بابتسامة دافئة تحمل وعدًا بليلة هادئة.
________♕________
في الساعات الأولى من المساء، أنهى "أشرف" دوامه في مكتبه، وتوجه صوب أحد المطاعم ليتناول وجبة الغداء على عجل، ثم خرج وتحرك مستقلاً سيارته، قاصدًا المزرعة لمتابعة باقي أعماله.
كان القلق ينهش روحه، وعقله مشتتًا طوال اليوم بالتفكير في خاله الذي تجاهل اتصاله ليلة أمس بشكل مريب، اتخذ قراره بأن يتريث قليلاً، منتظرًا عودته إلى البيت ليلاً ليعاود الاتصال به مرة أخرى، وهو يمني نفسه بسماع الكلمة المنتظرة التي ستثلج صدره وتريح قلبه العليل.
وفي مكان آخر، وتحديدًا في مدينة "المنصورة"، كانت "عايدة" تجلس في بيت والدتها، دفعها الفضول للسؤال بنبرة متلهفة:
-ما تعرفيش صادق رد على اشرف باية يا ماما؟
هزت الأخرى رأسها بنفي، ثم قالت:
- ما اتصلتش وحياتك يا عايدة، كان قايل لي امبارح لما كلمته اطمن على نتيجة دليلة، ان اشرف مستني وانه هيكلم بنته بالليل.
نهضت "عايدة" على الفور، وقالت بإصرار:
-انا هجيب التليفون ونتصل بصادق نتطمن.
وبالفعل، أمسكت الهاتف وضغطت أزراره لتتصل، وبعد تبادل عبارات السلام والترحيب المعتادة، بادرت بسؤاله عن رأي الفتاة، جاءها صوته هادئًا، يغلفه ثقل وهموم تثقل أنفاسه:
- دليلة رفضت الفكرة نفسها يا ماما.
وقعت الكلمات على مسامع "رقية" فكادت تجن، هتفت باستنكار شديد وصوت مرتفع:
- هو ده عريس يترفض يا صادق؟ امال لو مش انت اللي مرىبيه وعارف اخلاقه.
أطلق تنهيدة حارة، وجاء رده مشحونًا بالأسى:
- يا ماما وانا بايدي ايه اعمله؟ البنت شيفاه اخوها.
جذبت "عايدة" سماعة الهاتف من يد والدتها بلهفة، وقالت بجرأة وثقة:
- ادهوني يا ماما انا هعرف اقنعه.
فباغتها بقوله المتهكم حزنًا:
- هتنقنعيني باية يا عايدة؟ هو انا اللي هتجوزه واعيش معاه؟
لم تتراجع بل أردفت تلح عليه بقوة:
- بس تقدر تقنع بنتك يا صادق، الولد ما يترفضش، ده فرصة مش هتتعوض، بلاش تضيعه من ايد بنتك.
ثم تابعت بتمنى ونبرة تملؤها الحسرة :
-طب ياريته كان طلب شهيرة، كانت تبقى امها داعية لها، بس يا خسارة، الاتنين ما بيطقوش يشوفوا خلقة بعض.
دار بينهم نقاش طويل، تخللته محاولات مستميتة وضغوط مكثفة من "رقية" و"عايدة" لثني رأسه. لكنه حسم الجدال بصرامة قاطعة ونبرة حازمة وضعت حدًا لكل شيء:
-خلاص يا ماما، الموضوع بالنسبة لي انتهى، انا وعدت بنتي وخلاص، واول ما أشرف يكلمني هبلغه، وربنا يكرمه ويتحوز ست البنات اللي تستاهله.
________♕________
خرجت إلى شوارع الحي لتستنشق بعض الهواء برفقة صديقتها المقربة "ندى"، حيث كانت الخطوات تجمعهما وسط الأشجار الكثيفة المصطفة على جانبي هذا الطريق الهادئ.
راحت نسمات الصيف المنعشة تداعب وجهيهما لتخفف قليلاً من وطأة ما اصابهما من حزن، التفتت "دليلة" نحو رفيقتها، وأفرغت ما في جعبتها من هموم، قصت عليها تفاصيل عرض زواج "أشرف" المرفوض.
استمعت بإنصات، ثم علقت بنبرة لائمة:
- طب وانتِ ليه رفضتي من غير ما تدي لنفسك فرصة تفكري؟
نظرت إليها بحنقٍ واستنكار واضحين، وردت بنبرة حادة بعض الشيء:
- انتِ هتعملي زي بابا يا ندى؟
ضحكت بخفة لتلطيف حدة الحوار، وتابعت بمرح وإعجاب لم تخفه عيناها:
- بصراحة بقى أشرف ده زي القمر ويستاهل تدي له فرصة، ده شبه الممثلين الاجانب يا بنتي بلون عيونه الأخضر.
هزت رأسها برفض قاطع حسمت به رأيها، وراحت تقول متهكمة:
- زي القمر لنفسه يا ستي، وحلال جماله وعيونه على اللي هتتجوزه.
ثم لوحت بيدها في الهواء لتؤكد وجهة نظرها المنطقية:
- يا بنتي ده اكبر مني بعشر سنين بحالهم.
انحنت "ندى" نحو حوضٍ من الزهور المتفتحة على جنبات الممشى، قطفت زهرتين نضرتين، قدمت إحداهما لـ"دليلة" واحتفظت بالأخرى لنفسها، وتحدثت وهي تزن الأمور بعقلانية هادئة:
- هو موضوع السن فعلاً مشكلة.
أسرعت الأخرى تشير على العائق الأكبر الذي يقف بينهما:
- المشكلة اللي اكبر من السن هو اني مش بشوفه غير أخويا يا ندوش.
أدركت "ندى" أن النقاش في هذا الباب صار مغلقًا، فقررت بذكاء تغيير مجرى الحديث لإخراج صديقتها من دائرته، وقالت بنبرة هادئة:
- سيبك من اشرف وخلينا في اللي يخصنا، نويتي تقدمي في ايه لما التنسيق يفتح؟
ارتسمت ملامح الثقة واليقين على وجهها وأجابت دون أي تردد:
-ان شاءالله ألسن عين شمس.
هتفت ندى بابتسامة عريضة يملؤها الأمل:
- وانا كمان هقدم ألسن، وان شاءالله نكون مع بعض.
ارتسمت على شفتيهما ابتسامة دافئة أحيت عهود الصداقة بينهما، وواصلتا خطاهما في ذلك الممر، وراحت كلً منهما تستنشق نسمات الهواء لتملأ روحها بطاقة إيجابية تزيح عن كاهلهما هموم ما مرتا به.
_________♕_______
حلّ الليل سريعًا، عاد إلى شقته والعبس يكسو ملامحه، دلف إلى الحمام عل الماء الدافئ يهدأ من قلقه المتصاعد، لكن دون جدوى.
أمسك بهاتفه، وضغط على زر الاتصال برقم خاله، بينما كانت ضربات قلبه تتسارع في صدره كطبل حرب عنيف، في تلك الأثناء، كان صادق يدفع عربة التسوق خارجًا من المتجر"السوبر ماركت"
وقف أمام صندوق سيارته الخلفي وبدأ ينقل الأكياس إليه بآلية،اهتز هاتفه برنينه المألوف، أخرجه من جيبه، وما إن وقعت عيناه على اسم "أشرف" حتى شعر بغصة مريرة تطبق على أنفاسه.
تملكه العجز، فكيف يخبره أن ابنته قد رفضته؟ وكيف يجرؤ على تهشيم ذلك القلب العاشق؟ استمر في ترتيب الأكياس بنبضات متسارعة ويدين مرتعشتين قبل أن يجيب على المكالمة.
بعد تبادل السلام السريع، انطلق صوت أشرف بلهفة حارقة لم يستطع إخفاءها:
-حضرتك كلمت دليلة يا خالي؟
أغمض عينيه بأسى، وأسند ظهره إلى السيارة متنهدًا، ثم قال بصوت متأثر:
-اه يا حبيبي كلمتها.
سأله بنفاد صبر ونبرة متوسلة:
-وقالت لك ايه؟
ابتلع ريقه، وحشد شجاعته ليمهد له الأمر قائلاً:
-أول حاجة عاوزك تعرف إني شايفك سيد الرجالة كلهم، وانا عمري ما أتمنى لبنتي سند وراجل أحسن منك.
تسلل الرعب إلى أوصاله ما إن استمع إلى هذه المقدمة التي لا تبشر بخير، فقاطعه بنبرة متوجسة:
-قولي رأيها بدون مقدمات يا خالي.
تصاعدت حرارة الخجل في جسد صادق، وسال عرق باردًا على جبينه لصعوبة الموقف، ثم زفر بقوة، ومسح جبهته وهو ينطق بالكلمات التي تمنى ألا يقولها أبدًا:
-دليلة بتقول إنها بتعزك زي أخوها يا أشرف، وللأسف يا ابني.
سقطت الكلمات على قلبه كصاعقة مزقته لاربًا. شعر بصدمة زلزلت كيانه، لكن شرارة الرفض لم تطفئ شعلة العناد في روحه.
فهي ليست مجرد رغبة عابرة، إنها حبيبته، حلمه الذي ولد بين ضلوعه وكبر مع كل نبضة حتى صار جزءًا من دمائه، لن يستسلم، ولن يتخلى عن حقه في المحاربة لأجلها حتى آخر نفس.
استجمع شتات روحه المبعثرة، وتحدث بلهجة حاول أن تبدو قاطعة، لكنها متحشرجة بالرجاء:
-أنا هطلب من حضرتك طلب، و لو ليا غلاوة في قلبك يا خالي توافق عليه.
أجابه صادق بنبرة حانية:
-قول يا ابني، ولو في إيدي صدقني مش هتأخر.
اندفع بالحديث دون تفكير، كمن يتشبث بالقشة الأخيرة قبل الغرق، وهتف بصوت متهدج:
-أنا عاوز اتكلم مع دليلة، كفرصة أخيرة حضرتك هتقدمها لي، نتكلم لمدة شهر مثلاً، وأنا هحاول أقنعها بيا، وبعد المدة ما تخلص، لو رأيها فضل زي ما هو، هيكون ده نصيبي من الدنيا.
3
صمت لبرهة، ثم تلاشت نبرة التحدي ليحل محلها إحباط ثقيل واستسلام مرير وهو يتابع:
-وأنا هرضى بيه.
ساد الصمت لمدة ثواني، عجز فيهم صادق عن النطق، كانت نبرة أشرف تنزف وجعًا وهو يستجدي تلك الفرصة، متمسكًا بآخر أنفاس الأمل للفوز بقلب ابنتة.
لامست حرارة صدقه الطاغي شغاف قلب صادق، تمنى من أعماقه لو يكون من نصيب ابنته، ليوارى قلقه الدائم عليها، وليرتاح باله وهو يودعها بين يدين حانيتين أمينتين.
طال صمته فتسلل القلق إلى قلب أشرف الذي سأله بحذرٍ وترقب:
-قولت إيه يا خالي؟
تنهد بعمق بعد تفكير طويل، وطرد حيرته قائلاً:
-حاضر يا أشرف، بس اصبر كمان أسبوع وأفاتحها في الموضوع.
أفلتت منه زفرة حزينة، وقال بإحباط لم يستطع كبحه:
-لسه هستنى أسبوع بحاله.
رغم قتامة الموقف، انطلقت ضحكة خافتة من فم صادق تفيضُ حنانًا وهو يقول:
-والله ما فيه حاجة مخوفاني منك إلا استعجالك ده.
قاطعه هاتفاً بعجالة، في محاولة مستميتة لتدارك الموقف وإصلاح ما يمكن إصلاحه:
-خلاص يا خالي اللي تشوفه أنا تحت أمرك فيه.
اجابه بنبرة رصينة هادئة، تحمل في طياتها صدقاً:
-أنا لو عليا أكلمها النهاردة، بس البنت لسه متأثرة من النتيجة، اديني أسبوع يكون التنسيق نزل وهي قدمت للجامعة وتكون هديت شوية.
تراجع أمام رغبة خاله، واجتاحت صوته نبرة رومانسية جارفة وهو يعلن موافقته:
-تمام يا خالي، وأنا هستناها، ولو وصلت لأني أستناها العمر كله هعمل كده، المهم في الآخر أنول مرادي وتوافق عليا.
أثلجت تلك الكلمات صدر صادق، ففاض قلبه بسعادة غامرة استشعرها من صدق حب أشرف لابنته، حينها فقط، تبددت مخاوفه وأيقن أن هذا الشاب هو الحصن المنيع الذي سيحمي دليلة من تقلبات الزمن، وهو الشخص الوحيد القادر على إسعادها.
تبادلا كلمات الوداع قبل أن ينتهي الاتصال، ليغرق أشرف في ترقب طويل وعزلة موحشة،بات أسيرًا لانتظارٍ مرير، ليس له فيه زادٌ سوى الأمل في أن يفي خاله بوعده.
________♕________
زحفت الأيام التالية ببطء شديد، حاملة معها أثقل أنواع الحروب، حرب الأعصاب والضغط الصامت من الجميع،فقد أصبحت سماعة الهاتف كعضو إضافي نبت في جسد دليلة، وسيلة تعذيب لا تهدأ تلاحقها بها عائلتها في كل ساعة.
كانت المكالمات تتناوب عليها بلا رحمة، فتارة تنفث "رقية" عتابها في أذنها، وتارة تمطرها "عايدة" بالنصائح ، بينما كانت "أماني" تحاصرها بعبارات باردة تطالبها فيها بـ "التفكير العميق" وتغليب العقل.
وحتى الجدة "وفاء"، التي كانت تظنها الملاذ الآمن، انضمت إلى جبهة الحصار، ألقت بثقل سنوات خبرتها وطالبتها بفرصة لأشرف، مرددة بنبرة لا تقبل الجدال أنه "فرصة هائلة لا يجوز تفويتها"
عند نهاية كل ليلة، كانت تدير ظهرها للعالم، وتدس وجهها في وسادتها لتجهش ببكاء مرير، مستسلمة لدموع الألم التي باتت طقسها اليومي قبل النوم.
كانت تشعر بنفاذ الأكسجين من حولها، كأنها تقف في مركز دائرة، تحيط بها أبواق عائلية مفتوحة على آخرها، تطلق أصواتًا حادة تطن في رأسها بلا انقطاع.
اجتاحتها رغبة عارمة في أن ترفع صوتها وتصرخ بملء حنجرتها، أن تضرب بيديها على هذا الجدار الخانق وتهتف في وجوههم، بأن يكفوا وليصمتوا
لكن الكلمة كانت تموت في حلقها قبل أن تولد، فحياؤها الفطري، وتربيتها السليمة التي نشأت داخلها، كانت دائمًا أقوى من رغبتها في التمرد.
كانت الأغلال غير المرئية تمنعها من الصراخ، لتظل محبوسة في صمتها، تدفع ثمن رغبة الآخرين في صياغة مستقبلها.
_______♕________
2
استيقظت "بسمة" من نومها بنشاط، دلفت إلى الحمام، توضأت ثم دلفت إلى غرفتها لتؤدي ركعتي الضحى بسكينة وهدوء، انتقت ملابسها بعناية وارتدتها، وقبل أن تغادر، اتجهت صوب المطبخ بحلته الجديدة، حيث كانت والدتها تقف أمام الموقد الحديث، ككل أجهزة المنزل بعدما جددت كل شيء بمال "الجمعية"، كانت غارقة في إعداد طعام الغداء وسط تصاعد الأبخرة وروائح الطهي الذكية.
تسللت من خلفها بخفة، وضمتها بحنان ، ثم طبعت قبلة رقيقة على وجنتها وهتفت بمرح:
-صباح الفل يا سمسم.
التفتت إليها ورمقتها بنظرة حائرة، وقد عقدت حاجبيها بدهشة قبل ان تقول:
- صباح ايه يا أم صباح؟ ده الظهر قرب ياذن يا بنتي!
ثم تفحصت هيئتها بنظرات فاحصة من منبت شعرها حتى أخمص قدميها، وأردفت بتساؤل:
- وبعدين انت لابسه ومتشيكه كده ورايحه على فين ان شاءالله؟
اتجهت نحو المبرد بخطوات مراوغة، أخرجت بعضًا من عُلب الجبن ومعجون الفراولة، "المربى"، ثم وضعتها على الطاولة الخشبية، التقطت قطعة من الخبز، وبدأت تفرد عليه الجبن بهدوء مصطنع وهي تجيب:
- رايحه الجامعه يا ماما وراجعة على طول.
توقفت "سامية" عما بيديها، وبدت على وجهها علامات الاستغراب الشديد التي سرعان ما تحولت إلى استنكار واضح، وقالت بنبرة لا تخلوا من الشك:
-جامعه ايه يا بت انتِ اللي هتروحيها في الاجازة؟ انتِ بتضحكي عليا يا بسمة؟!
قضمت قطمة صغيرة من شطيرتها، وحاولت جاهدة تبديد شكوك والدتها بابتسامة هادئة:
- وانا هضحك عليكِ ليه بس يا ماما؟ صدقيني عندنا اجتماع هناك للطلاب مهم جدا ولازم اروح.
لوت فمها بتهكم، وتابعت باستنكار لاذع:
- اجتماع ايه يختي ده كمان؟! فاكرالي نفسك وكيلة وزارة يا بت؟
ضحكت بخفة لتمتص غضب والدتها، وقالت بنبرة جادة ومقنعة:
-ده اجتماع مهم لكل الطلاب يا ماما.
زفرت "سامية" الهواء بقوة وضيق، وضربت كفًا بكف قائلة بعتاب:
- وده وقته يا بسمة؟ ما انتِ عارفة ان اخوكِ يا دوب راجع من شغله ليه تلات ايام، ده بدل ما تقعدي تساعديني علشان نخلص له الغدا بسرعة.
تجرعت كوبًا من الماء دفعة واحدة لتنهي نقاشها، ثم اقتربت من والدتها قائلة بنبرة حانية مستعطفة:
-يا حبيبتي رشيد لسه نايم، ومش هيصحى الوقت، صدقيني هروح ومش هتأخر.
ولم تنتظر ردًا، إذ طبعت قبلة سريعة وخاطفة على وجنتها، واستدارت تهرول نحو الباب الخارجي بخطوات متسارعة كمن يهرب من حصار، تطلعت "سامية" في أثرها، وأطلقت تنهيدة طويلة نابعة من الأعماق ، وتمتمت بدعاء صادق:
-ربنا يهديكِ يا بنتي.
________♕_______
وقفت تلتقط أنفاسها أمام البوابة الشاهقة لجامعة القاهرة، حيث كانت صديقاتها بانتظارها على أحر من الجمر، ما إن اقتربت حتى عاجلتها إحداهن بعتاب :
-اتأخرتي ليه؟
تنهدت وهي ترتب غطاء رأسها قائلة بنبرة متوجسة:
-على ما عرفت أفلت من ماما.
رمقتها صديقة أخرى بنظرة فاحصة وسألتها:
-انتِ قولتي لها انتي جاية هنا ليه؟
هزت رأسها بنفي سريع وذعر تجلى بنظراتها:
-لا طبعاً، دي لو عرفت إني جاية مظاهرة كانت خربت الدنيا، ومكنتش سمحت لي اخرج أبداً.
قطع حديثهن صديقهن الشاب، مشيرًا بيده نحو الداخل بعجلة:
-طب يلا ندخل، الشباب جوة كلهم منتظرينا علشان نبدأ.
ولجت برفقة زملائها إلى قلب الجامعة، ليروا مشهد مهيب، حيث كان الفناء يمتلؤ بحشود من الشباب الذين تعاهدوا على الحضور، يجمعهم غضب عارم وصوت واحد تمثل في لافتات بيضاء رُفعت عاليًا، تندد بالعدوان وتجبره في أرض فلسطين الحبيبة.
في منتصف الحشد، وقف شاب من طلاب الدفعة الرابعة، وهو صاحب الشرارة الأولى لهذه الانتفاضة الطلابية، رفع لافتة خُطت عليها عبارة "عاشت فلسطين حرة مستقلة "، وهتف فيهم محمسًا:
-جاهزين يا شباب؟
2
انطلق الرد كأنه هزة أرضية، بصوت قوي، هادر، ومنظم:
-جاهزين بإذن الله.
تابع الشاب بنبرة قيادية حازمة رسمت خطة التحرك:
-كلنا هنرفع اللافتات وبصوت قوي هنردد مع بعض، هنخرج برة ونمشي في الشوارع بهدوء، لحد ما نوصل لميدان التحرير، وهناك فيه حشد تاني منتظرنا.
ثم استطرد بقوة وعينيه تلمعان بالإصرار:
-مظاهرتنا سليمة، الغرض منها توصيل صوتنا لأجهزة الدولة وللعالم كله إننا رافضين التغول والعدوان الغاشم للكيان الصهيوني المحتل.
تعالت الهتافات لتهز أركان المكان، وارتفعت اللافتات لنصرة القضية الفلسطينية، كان الطوفان البشري داخل الأسوار مرعبًا لدرجة جعلت أفراد أمن الجامعة يتملكهم الذعر، فأسرع مسؤول الأمن لإبلاغ عميد الكلية بالوضع.
لم يتردد العميد أمام هذه المسؤولية الجسيمة، وأصدر أمرًا فوريًا بغلق البوابات فورًا، وفي الوقت ذاته، أجرى اتصالاً عاجلاً برجال الشرطة، لم تمر سوى ربع ساعة حتى شق صمت الشوارع المحيطة دوي صفارات الإنذار، وتوقفت أربع سيارات شرطة ضخمة أمام الأسوار.
انفتحت باب السيارة الأمامية، ونزل منها ضابطًا شابًا حُبست الأنفاس فور ظهوره، اتجهت نحوه الأعين بفضول، إنه الرائد "هشام موافي الحديدي"، البالغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا.
1
كان يمتلك مظهرًا طاغيًا من الهيبة والوسامة، طويل القامة، بجسد رياضي متناسق كأنه نُحت بعناية، وملامح وجه حادة، جذابة، وصارمة تشي بجدية لا تعرف المزاح.
تحرك بخطوات ثابتة وواثقة نحو البوابة المغلقة التي كان الطلاب يتجمهرون خلف قضبانها الحديدية، وأصوات هتافاتهم لفلسطين تصم الآذان.
وقف"هشام" يتابع هذا الهيجان الثوري بنظرات غامضة، باردة، لا يمكن تفسيرها من خلف نظارته الشمسية السوداء.
كانت المظاهرة في غاية التنظيم والترتيب، ففي الصفوف الأولى وقف القائد الشاب محمولاً على أكتاف زملائه ليقود الهتاف، ويحيط به أصدقاؤه من الشباب والفتيات كدرع بشري.
من بينهم كانت "بسمة"، التي لفت شال فلسطين الشهير حول كتفيها بنخوة، ورفعت لافتة بيضاء كُتب عليها بخط عريض: "عاشت فلسطين حرة مستقلة".
وسط هذا الوهج الحماسي، رفع الرائد هشام يده ببرود قاتل، وقال بصوت جهوري هادئ لكنه يحمل نبرة الآمر:
-بطل يا ابني أنت وهو اللي بتعملوه ده خلونا نعرف نسمع بعض.
خمدت الأصوات تدريجيًا وساد الصمت، ليوجه إليهم هشام سؤاله بنبرة متهكمة:
-ممكن أعرف آخرت الهبل اللي أنتوا عاملينه ده، وايه الغرض منه؟
رد القائد الشاب من فوق الأكتاف بقوة وثبات:
-طلبتنا بسيطة وواضحة يا فندم، عاوزين نخرج ونكمل مسيرتنا.
سأله هشام بهدوء وثقة حذرة:
-أنت بقى الزعيم اللي مجمع العيال دي معاك؟
لم تتحمل بسمة الكلمة، فاندفع صوتها حادًا وقويًا يخرق الصمت:
-إحنا مش عيال حضرتك، إحنا شباب وطلبة محترمين.
التفتت عينا هشام نحوها، ونقل نظراته الغامضة إلى ملامحها الثائرة، ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، مجردة من أي مشاعر، وقال:
-ماشي يا ست المحترمة.
ثم أشار بيده نحو الساحة قائلاً بلهجة حازمة لا تقبل النقاش:
-ارجعوا لورا شوية وارموا اللافتات دي من أديكم، واقفوا طابور علشان نخرجكم من هنا، وكل واحد هيخرج يتفضل على بيته حالاً، وإلا..
وقبل أن يكمل وعيده، قاطعته بسمة بإصرار عنيد تلمع به عيناها:
-إحنا مش هنخرج من هنا غير على ميدان التحرير، حضرتك إحنا عاملين مظاهرة سلمية.
بأصابع واثقة وحركة تنضح بالجاذبية والهيبة، خلع هشام نظارته الشمسية السوداء، لتظهر عيناه الحادتان الفاحصتان.
حدق في وجهها مباشرة، وسألها بسخرية لاذعة:
-ويا ترى يا أستاذة سلمية، معاكم تصريح بالمظاهرة دي؟!
تدخل القائد مسرعًا ليخفف من حدة المواجهة، ورد بهدوء:
-إحنا قدمنا قبل كدا كذا مرة وطلبنا اترفض يا افندم، وبعدين يا فندم إحنا مش ناويين نعمل مشاكل، مظاهرتنا هتكون سليمة زي ما قولنا لحضرتك.
هز هشام رأسه، وتبدلت نبرته الساخرة إلى واقعية حازمة تشرح أبعاد الموقف الأمني:
-ده اللي أنت ناويه، لكن فيه ناس كتير بتحب تركب الموجة وتستغل التجمعات دي وتخلق فوضة صعب التحكم فيها، وللأسف بتنتهي دايماً بكوارث، بلدك فيه كتير مترصد لها، ومستنيين أي فرصة، علشان كده أي مظاهرة لازم تكون بتصريح ومؤمنة من قوات أمن لحمايتكم أولاً، ومنع أي أعمال شغب.
ثم تابع وهو يعيد نظراته الصارمة نحو الحشد:
-فعلشان تحافظوا على نفسكم وعلى أمن وأمان البلد، يلا ارجعوا لورا واقفوا لي طابور.
انفجر الحشد فجأة بالرفض القاطع، وتحولت الساحة إلى بركان غاضب، بدأت الحناجر تهتف بشعارات معادية للشرطة وتعنتها، وكانت بسمة في مقدمة الهاتقين بحماس أعمى، هنا، تحولت ملامح هشام إلى قناع من حديد، والتفت إلى رجاله قائلاً بصوت جهوري صارم:
-يلا يا ابني انتَ وهو لموا لي كل العيال المعترضة .
ثم التفت بوجهه ونظر إلى بسمة مباشرة وعيناه تشتعلان بتحدٍ غريب، وأضاف:
-وأولهم أنسة سلمية،عاوزها تنور البوكس أول واحدة.
في ثوانٍ معدودة، انقلب المكان إلى هرج ومرج عارم. تقدم رجال الشرطة، وفتحوا البوابات الحديدية بقوة، واندفعوا داخل الفناء يلقون القبض على مثيري الشغب والطلبة المعترضين وسط صراخ واشتباكات ملأت الأجواء صخبًا.
________♕_______
كان يستسلم لنوام عميق ومريح في غرفته بعد تجديدها بالكامل ككل أثاث منزلهم، مستمتعًا بـ إجازته الخمسة عشر يومًا، فجأة، تحطم هذا السكون بعنف إثر اقتحام والدته للباب، اندفعت نحوه بجسد يرتجف، والهلع يكسو ملامحها بالكامل، وهتفت بصوت مرعوب متحشرج:
-الحقني يا رشيد، الحقني يا ابني.
انتفض من فراشه بفزع تملك أوصاله، وسألها وعيناه متسعتان من الصدمة:
-فيه إيه يا ماما؟.
أخذت تلطم على فخذيها بقلة حيلة وتبكي بحرقة قائلة:
-مصيبة يا ابني وحطت علينا، أختك بسمة.
هبطت قدميه على الأرض ووقف أمامها في جسد منتفض، بينما تحولت دقات قلبه إلى طبول تتسارع بعنف، وسألها بنبرة حادة من فرط الخوف:
-مالها بسمة يا ماما؟
ردت بنبرة صارخة والدموع تملأ وجهها:
-صاحبتها اتصلت بيا من شوية، وبتقول إنها اتقبض عليها وهي ماشية في مظاهرات.
_________♕_________
في الوقت ذاته،داخل منزل صادق بدران، ظهرت نتيجة التنسيق أخيرًا لتعلن قبول "دليلة" في كلية الألسن بجامعة عين شمس.
2
ومع هذا النبأ، بدأت ثورتها الداخلية تخمد تدريجيًا، لتطوي صفحة حلمها القديم برضا تام بقضاء الله وقدره.
إلا أن هذه السكينة لم تدم طويلاً، إذ عاود والدها إلحاحه الشديد عليها بشأن موضوع "أشرف"، متجاهلاً رفضها المتكرر في كل مرة.
واليوم، اتخذ صادق قراره بمفاتحتها مجددًا، رغم معارضة زوجته الشديدة، والتي انفجرت في وجهه قائلة بضيق:
-حرام عليك يا صادق، كفاية تضغط على البنت اكتر من كده.
وتابعت عاتبة:
-مش كفاية عليها الحصار اللي مامتك واخواتك عاملينه عليها؟
ثم تابعت بنبرة تحمل الكثير من الإشادة والتقدير:
-طب والله فيفي طلعت اعقل واحدة فيكم، لامت اخواتها وقالت لابنها سيب البنت براحتها، طالما مش متقبله الموضوع يبقى ربنا عاوز كده.
زفر بضيق، محاولًا إنهاء ذالك الجدال ، وقال مستسلمًا:
-خلاص بقى يا منى، اهي اخر محاولة علشان الولد ما يزعلش، ولو بنتك فضلت مصممة على رأيها يبقى خلاص، محدش هيفتح معاها الموضوع ده تاني.
كان يحمل في أعماقه أمنية دفينة بأن توافق دليلة، ليطمئن قلبه ويرتاح باله وهو يراها في حماية شاب يرى فيه نسخته الثانية.
وتحت نظرات منى الغاضبة والرافضة لتصرفاته التي تراها غير مسؤولة، صعد إلى غرفة ابنته، طرق الباب بخفة ثم دلف إلى الداخل، ليرى دليلة تجلس فوق فراشها مستغرقة في قراءة إحدى الروايات.
تقدم نحوها بخطوات هادئة وسألها بتردد:
-فاضية نتكلم شوية؟
أغلقت روايتها، وأشارت إلى المساحة الفارغة بجوارها على الفراش قائلة بابتسامة ترحيب:
-طبعاً، اتفضل حضرتك.
تحرك وجلس بجوارها، ثم التفت إليها بابتسامة حنونة تشع دِفئًا وأمانًا، وسألها بصوت هادئ:
-انتِ واثقة اني بحبك وانك اغلي ما في حياتي ولا لا؟
أجابته دون تردد وبعفوية صادقة:
-اكيد يا حبيبي.
أمسك كفيها بين يديه، محاوطًا إياهما بحنان جارف، وتابع برجاء:
-طب عشان خاطري، لو كنت غالي عليكِ، ادي فرصة لابن عمتك وكلميه.
اخرجت تنهيدة عميقة، وشعرت بضيق يتسلل إلى أعماقها، لكن صادق استمر في حديثه الهادئ، بينما رفع يده ليعدل وضع نظارته الطبية بوقار:
-تاكدي ان محدش في الكون ده كله هيحبك ولا هيتمنى لك الخير ويخاف على مصلحتك قدي.
وتابع مؤكدًا:
- وانا يا بنتي شايف مصلحتك في انك تدي لنفسك ولـ اشرف فرصة أخيرة، بعدها والله ما هفتح الموضوع ده تاني لو فضلتي على موقفك.
نظرات عيني والدها المترجية ووعده الصادق لها بثا في روحها طمأنينة مؤقتة، ولم تشعر بنفسها إلا وهي تهز رأسها بالموافقة، بينما ارتسمت على ثغرها ابتسامة خافتة مستسلمة.
لم يستوعب استجابتها، فتهلل وجهه فرحًا، والتقط هاتفه بسرعة مذهلة ليتصل بأشرف، الذي كان يقضي يوم إجازته جالسًا في المنزل يترقب أي بارقة أمل. أخبره صادق بالموافقة وطلب منه الاتصال بها حالاً، ثم أملاه رقم هاتفها المحمول.
نظرت إلى والدها بعتاب رقيق وقالت بلوم:
-على طول كده يا بابا؟ طب كنت اجلت المكالمة لبكرة.
أجابها وهو يتنفس الصعداء، كأنما أزاح جبلاً من الهموم كان جاثمًا فوق صدره:
-يا بنتي الراجل مستني ليه 15 يوم، وانا كنت واعدة اني هرد عليه بعد اسبوع واحد، اديكي قدمتي في كليتك وارتاحتي، ايه بقى اللي يمنع؟
نظرت إليه بهدوء، لكن جسدها انتفض بغتة حينما اهتز هاتفها معلنًا عن اتصال وارد.
انسحب والدها من الغرفة، تاركًا إياها بمفردها لكي تتحدث براحتها دون خجل.
ضغطت على زر الرد، وقالت بصوتها الناعم الدافئ:
-ألو.
على الطرف الآخر، ما إن تغلغل صوتها إلى مسامعه حتى أغمض عينيه بقوة، وتسارعت دقات قلبه بعنف لتصبح كطبول حرب تقرع في صدره.
تمالك نفسه بصعوبة، وتحدث بصوت يفيض بالحنان والهيام:
-ازيك يا دليلة؟
أجابته بنبرة هادئة متحفظة:
-ازيك انت يا أشرف.
كان لسماع حروف اسمه يتردد بين شفتيها مفعول السحر، انتفض جسده بأكمله وكاد قلبه أن يقفز من مكانه فرحًا، التقط أنفاسه المتهدجة محاولاً تهدئة روعه، ثم قال باشتياق ولهفة بالغة فضحتها نبراته:
-وحشتيني.
أغمض عينيه مرة أخرى، وهتف بها مجددًا من بين شفتيه المرتعشتين:
-وحشتيني اوي يا دليلة.
