رواية ثمن العروس مختار وغزل الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم اماني سيد
رواية ثمن العروس مختار وغزل الفصل الثالث والعشرون 23 هى رواية من كتابة اماني سيد رواية ثمن العروس مختار وغزل الفصل الثالث والعشرون 23 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية ثمن العروس مختار وغزل الفصل الثالث والعشرون 23 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية ثمن العروس مختار وغزل الفصل الثالث والعشرون 23
رواية ثمن العروس مختار وغزل الفصل الثالث والعشرون 23
مرّت ثلاثة أشهر كاملة على كل الأحداث السابقة، ثلاثة أشهر تغيّرت فيها أشياء كثيرة داخل حياة مختار وغزل. المشروع بدأ يأخذ طريقه الحقيقي بعد انضمام والد غزل، وكريم أثبت خلال الفترة الماضية أنه اختيار موفق جدًا للشراكة، بينما انتهت حكاية ليلى تمامًا، واختفت من حياة غزل ومختار وكأنها صفحة أُغلقت إلى الأبد. لم تعد هناك رسائل مجهولة، ولا مكالمات تثير القلق، ولا ظهور مفاجئ يعيدهما إلى الماضي، ومع مرور الأيام أصبحت غزل تشعر أن حياتها أخيرًا استقرت، وأن البيت الذي دخلته في البداية وهي لا تعرف ماذا ينتظرها بدا لها الآن أكثر الأماكن أمانًا في الدنيا.
وفي صباح أحد الأيام، استيقظت غزل على شعور غريب بالدوار، جلست على طرف السرير وهي تضع يدها على رأسها، وحاولت أن تأخذ نفسًا عميقًا، لكن الغثيان الذي شعرت به جعلها تنهض بسرعة وتتجه إلى الحمام. وبعد دقائق خرجت وهي تبدو مرهقة، فوجدت مختار يقف أمامها بقلق واضح، وقال وهو يقترب منها:
ـ غزل، مالك؟ إنتِ من كام يوم مش على بعضك، مرة تقولي صداع ومرة تقولي تعبانة، والنهارده وشك أصفر كده، ليه ما قولتيليش؟
نظرت إليه وهي تحاول أن تبتسم
ـ والله ما كنت عارفة في إيه، افتكرت إني مرهقة من الشغل، بس الدوخة دي جديدة عليا." أمسك يدها وجلس بها على طرف السرير
ـ يبقى لازم نروح للدكتور النهارده، ومش هقبل منك أي حجة، إنتِ أهم عندي من أي شغل ومن أي حاجة تانية.
" ابتسمت غزل وقالت
ـ حاضر، بس استنى...
توقفت غزل فجأة، وحاولت تقوم من على طرف السرير وهي تستند بيدها على كتف مختار، لكنها ما إن وقفت حتى شعرت بدوار شديد اجتاح رأسها، وتشوش كل شيء أمام عينيها، فوضعت يدها على جبينها وقالت بصوت ضعيف:
ـ مختار... أنا حاسة إني...
لم تكمل جملتها، فقد ارتخت قدماها فجأة، وكادت تسقط على الأرض، لكن مختار لحق بها في اللحظة الأخيرة وأمسكها بين ذراعيه.
ـ غزل!
لم تجبه، فقد أغمضت عينيها تمامًا، وسقط رأسها على صدره بلا حركة.
تجمد مختار للحظة، ثم بدأ يناديها بصوت مرتجف وهو يحاول إفاقتها:
ـ غزل... غزل افتحي عينيكي، حبيبتي ردي عليا، غزل!
لم يجد أي رد، فحملها بين ذراعيه بسرعة، وخرج من الغرفة مسرعا اللى اقرب مستشفى
كانت والدته تجلس في الأسفل، وما إن سمعت صوته حتى نهضت من مكانها وصعدت درجات السلم مسرعة، وعندما رأته يحمل غزل فاقدة الوعي، شهقت بفزع واندفعت نحوه.
ـ مالها غزل؟! حصل لها إيه؟!
قال مختار وهو ينزل بها الدرج بسرعة:
ـ مش عارف يا ماما، كانت بتتكلم معايا وفجأة وهي بتقوم وقعت وغمى عليها.
وضعت والدته يدها على قلبها وهي تسير بجواره:
ـ يا ساتر يا رب! طيب خدها المستشفى بسرعة، أنا جاية معاكم.
ـ ماما خليكي هنا، أنا هتصرف.
صرخت فيه وهي تتبعه نحو الباب:
ـ أسيبها إزاي يا مختار؟ دي زي بنتي، يلا بسرعة!
خرج مختار بها إلى السيارة، وفتحت والدته الباب الخلفي وجلست بجوار غزل، بينما وضعها مختار بحذر في المقعد الخلفي، ثم انطلق بالسيارة بأقصى سرعة يستطيعها، وكل عدة ثوانٍ كان يلتفت إليها من المرآة وهو يناديها بقلق:
ـ غزل... حبيبتي، سامعاني؟
ظلت والدته تمسك يد غزل وتربت عليها وهي تقول بخوف:
ـ يا رب تقوم بالسلامة يا رب، يا رب ما يكون فيها حاجة، يا ابني سوق بالراحة.
رد مختار بعصبية ممزوجة بالخوف:
ـ ماما أنا سايق كويس، بس لازم نوصل بسرعة.
ـ طب طمني عليها.
ـ أنا نفسي أطمن عليها.
وبعد دقائق قليلة، تحركت أصابع غزل ببطء، ثم فتحت عينيها بصعوبة، ونظرت حولها وهي لا تفهم أين هي، قبل أن تقول بصوت ضعيف:
ـ إحنا فين؟
التفت مختار إليها بسرعة، وكأنه كان ينتظر هذه الكلمة منذ دهر:
ـ غزل! الحمد لله إنك فوقتي، إنتِ خوفتيني عليكي.
نظرت إليه باستغراب، ثم قالت:
ـ أنا حصل لي إيه؟
أجابتها والدته قبل أن يتكلم مختار:
ـ اغمي عليكي يا حبيبتي، وإحنا رايحين المستشفى.
حاولت غزل أن تعتدل في جلستها، لكن والدته منعتها وهي تقول:
ـ متتحركيش، خليكي مكانك لحد ما نوصل.
نظرت غزل إلى مختار، فوجدت القلق واضحًا على وجهه، فحاولت أن تطمئنه:
قصصـ أنا كويسة، متخافش.
أجابها وهو ينظر إليها من المرآة:
ـ لما كشفوا عليكي الدكتور هو اللي يقول إنك كويسة، مش إنتِ.
وصلوا إلى المستشفى، وترجل مختار بسرعة وفتح الباب، ثم ساعد غزل على النزول، بينما أسرعت والدته تنادي أحد أفراد الطاقم الطبي. وبعد دقائق دخلت غزل إلى غرفة الكشف، وظل مختار ووالدته في الخارج، وكل واحد منهما يعيش حالة مختلفة من القلق.
كان مختار يقف بجانب الدكتور اثناء الكشف بينما جلست والدته وهي تدعو بصوت منخفض:
ـ يا رب استرها عليها، يا رب ما يكون فيها حاجة، دي لسه صغيرة ومفيش حد هيستحمل فيها حاجة.
التفت إليها مختار وقال:
ـ ماما، غزل قالت إنها كانت حاسة بدوخة من كام يوم، وأنا كنت فاكر إنها إرهاق.
نظرت إليه والدته بعتاب:
ـ وإنت كنت سايبها كده ليه؟
ـ والله ما كنت أعرف إنها هتغمى عليها.
ـ خلاص يا ابني، المهم ربنا يقومها بالسلامة.
بعد دقائق، انتهى الطبيب من الكشف، فساله مختار
ـ طمني يا دكتور، هي مالها؟
ابتسم الطبيب ابتسامة هادئة وقال:
ـ متقلقش، هي بخير.
تنفس مختار الصعداء، بينما نهضت والدته بسرعة وسألت:
ـ يعني مفيش حاجة خطيرة؟
ـ لا، مفيش حاجة خطيرة، بالعكس... أنا عندي خبر هيفرحكم.
نظر مختار إليه باستغراب، وقال:
ـ خبر إيه؟
ابتسم الطبيب وقال:
ـ مدام غزل حامل.
توقف مختار مكانه وكأنه لم يسمع جيدًا.
ـ حامل؟
ضحك الطبيب:
ـ أيوه، حامل، وده سبب كبير من أسباب الدوخة والغثيان اللي حصل لها، وطبعًا هنحتاج نعمل لها شوية فحوصات ونتابع الحمل بشكل منتظم، لكن مبدئيًا الأمور مطمئنة.
ظلت والدة مختار تنظر إلى الطبيب بذهول، ثم قالت:
ـ حامل؟! غزل حامل بجد؟
ـ أيوه يا مدام.
وضعت يديها على وجهها، ثم بدأت تضحك وهي تبكي من شدة الفرح:
ـ يا رب لك الحمد! يا رب لك الحمد! أنا هبقى جدة!
أما مختار فظل واقفًا في مكانه للحظات، وكأن الخبر أكبر من أن يستوعبه، ثم ابتسم ابتسامة واسعة، وقال للطبيب:
ـ حضرتك متأكد؟
ضحك الطبيب:
ـ أيوه متأكد، ولو حابب نعمل تحليل تاني عشان تطمن أكتر، نعمله، لكن النتيجة واضحة.
اقتربت منه والدته وهي تمسك بذراعه بقوة:
ـ سمعت يا مختار؟ إنت هتبقى أب!
نظر إليها وكأنه استوعب الكلمة لأول مرة، ثم قال بفرحة واضحة:
ـ أنا هبقى أب يا ماما!
احتضنته والدته وهي تضحك وتبكي:
ـ وأنا هبقى جدة! أول حفيد في العيلة يا ابني، أول حفيد!
ضحك مختار وهو يمسح دموعه التي نزلت رغماً عنه، وقال:
ـ يا ماما أنا مش مصدق نفسي.
ـ وأنا كمان مش مصدقة! يا رب لك الحمد، يا رب يتمم لها على خير.
فتح الطبيب الباب وقال:
ـ اسيبكم بقوا ولو احتاجتوا حاجه نادونى وفى ممرضه هتيجى تاخد منها عينه دم عشان نعمل التحاليل المطلوبة
خرج الدكتور واقترب منها وهو يحاول أن يتمالك نفسه، ثم جلس بجوارها وأمسك يدها، وقال بابتسامة لم تستطع عينيه إخفاء فرحتها:
ـ قال إنك كويسة.
تنفست غزل براحة، ثم سألته:
ـ بس إيه سبب الإغماء؟
نظر إليها للحظات، ثم ضحك، وقال:
ـ السبب إنك حامل.
اتسعت عيناها، وظلت تنظر إليه دون كلام، وكأنها لم تستوعب الجملة.
ـ حامل؟
هز رأسه وهو يضحك:
ـ أيوه يا غزل، إنتِ حامل.
وضعت يدها على بطنها دون وعي، ثم نظرت إليه مرة أخرى، وبدأت عيناها تمتلئان بالدموع.
ـ بجد؟
أمسك يدها وقبلها وقال:
ـ بجد، والله بجد.
لم تستطع غزل منع دموعها، وابتسمت وهي تقول: ـ أنا مش مصدقة.
اقترب منها مختار أكثر وقال بصوت مرتجف من شدة الفرح:
ـ وأنا كمان مش مصدق، بس أجمل خبر سمعته في حياتي.
ضحكت غزل وسط بكائها، وقالت:
ـ مختار... إحنا هنكون بابا وماما.
ابتسم وهو يضم يدها بين يديه:
ـ أيوه، أخيرًا هيبقى في حد صغير يناديني بابا.
ضحكت وهي تمسح دموعها:
ـ وأنا هبقى ماما.
ـ وهتبقي أحلى ماما في الدنيا
في تلك اللحظة دخلت والدة مختار وهي لا تزال تضحك من شدة فرحتها، وقالت:
ـ أنا سمعتكم من بره! أهو ابني أخيرًا هيبقى أب!
ضحكت غزل وقالت:
ـ مبروك يا ماما.
اقتربت منها والدته واحتضنتها بحنان، ثم قبلت رأسها وهي تقول:
ـ مبروك علينا كلنا يا حبيبتي، ربنا يتمملك على خير، أنا مش عارفة أفرح إزاي أكتر من كده، أول حفيد في العيلة، أول حفيد يا غزل!
ضحك مختار وهو ينظر إليهما:
ـ خلاص يا ماما، كده هتخلي غزل تفتكر إن الحمل بتاعك إنتِ.
ردت عليه والدته وهي تضحك:
ـ طبعًا بتاعي، ده أول حفيد ليا، وبعدين إنت متعرفش أنا هعمل فيه إيه.
قالت غزل وهي تضحك:
ـ ربنا يستر عليه من دلعك.
أجابتها والدته بحماس:
ـ ده أنا هدلعكم إنتوا الاتنين، إنتِ عشان أم حفيدي، وهو عشان أول فرحة في البيت.
نظر مختار إلى غزل، وكانت السعادة تملأ عينيه، ثم وضع يده فوق يدها الموضوعة على بطنها وقال بهدوء:
ـ أهم حاجة عندي إنك إنتِ والبيبي تكونوا بخير، ومن النهارده مفيش حاجة في الدنيا أهم منكم.
ابتسمت غزل وهي تنظر إليه،
ـ شكل حياتنا هتتغير أوي.
ابتسم مختار وقال:
ـ تتغير، بس للأحلى.
وفي تلك اللحظة، لم يكن أي منهما يعرف ماذا يحمل لهما المستقبل، ولا كيف سيصبح البيت بعد أشهر قليلة، لكنهما كانا يعرفان شيئًا واحدًا فقط...
أن قلبًا صغيرًا لم يأتِ إلى الدنيا بعد، استطاع في لحظة واحدة أن يجعل فرحة عائلة كاملة لا توصف، وأن يغلق آخر صفحة من الماضي، ويفتح أمام مختار وغزل أجمل فصل في حياتهما.
بعد أن انتهى الطبيب من كل الفحوصات المطلوبة، وأجرت غزل تحليل الحمل وباقي التحاليل اللازمة، ظل مختار بجوارها ينتظر النتيجة بفارغ الصبر، بينما كانت والدته تجلس أمامهما وهي لا تكف عن الابتسام. وبعد فترة خرج الطبيب إليهم مرة أخرى، وأكد لهم أن الحمل بالفعل في بدايته وأن كل المؤشرات مطمئنة، وطلب منهم فقط المتابعة والاهتمام بالتغذية والراحة والالتزام بالمواعيد القادمة. عندها شعر مختار وكأن جبلًا كاملًا انزاح عن صدره، وأمسك يد غزل وهو يقول بسعادة: ـ الحمد لله، يعني مفيش حاجة تقلق؟ رد الطبيب بابتسامة: ـ الحمد لله، الأمور كويسة، ومبروك مرة تانية، وإن شاء الله ربنا يتمم لكم على خير. ابتسمت والدة مختار وقالت: ـ ربنا يبارك فيك يا دكتور، كفاية إنك طمنت قلبي.
خرجوا من المستشفى بعد أن اطمأنوا تمامًا، واتجهوا إلى السيارة، وما إن أغلق مختار الباب خلف غزل حتى نظر إليها من المرآة وقال:
ـ خلاص بقى، نقدر نروح البيت وإحنا مطمنين؟ ردت غزل وهي تبتسم:
ـ أيوه، الحمد لله. جلست والدته بجوارها في المقعد الخلفي، بينما تولى مختار القيادة، ولم تمر سوى دقائق قليلة حتى بدأ الصمت يختفي تدريجيًا، وبدأت الأفكار الغريبة تظهر في رأس الثلاثة.
قال مختار فجأة وهو ينظر إلى الطريق:
ـ على فكرة، أنا حسمت موضوع الاسم. نظرت إليه غزل باستغراب وقالت:
ـ حسمت إيه؟ إحنا لسه راجعين من المستشفى، إنت لحقت؟ ضحكت والدته وقالت:
ـ سيبيه يا غزل، ده ابني من ساعة ما عرف إنك حامل وهو مخطط للجواز والولادة والحضانة كمان. رد مختار بثقة:
ـ أنا بقول بس نبدأ نفكر من دلوقتي، عشان لما نعرف ولد ولا بنت نبقى جاهزين. سألته غزل وهي تضحك:
ـ طيب إيه الاسم العبقري اللي حضرتك حسمته؟ قال فورًا:
ـ لو بنت، هنسميها غزال
. التفتت غزل إليه بسرعة وقالت:
ـ غزال؟! هو أنا ناقصة واحدة شبه اسمي؟ فضحكت والدته بصوت عالٍ
ـ يا ابني حرام عليك، هتجيب بنت اسمها غزال جنب غزل؟ الناس هتتلخبط، هتنادي واحدة ترد التانية!
ـ بالعكس، أنا شايف الاسم جميل، غزل وغزال، اسمين شبه بعض، وبعدين أنا نفسي في بنت. نظرت إليه غزل باستنكار مصطنع
ـ لأ، أنا نفسي في ولد. رد مختار بسرعة
ـ لا يا ستي، بنت.
ـ ولد، ويكون شبهك كمان. تدخلت والدته من الخلف وقالت:
ـ وأنا مالي؟ أنا عايزة حفيدي ييجي بالسلامة وخلاص، ولد ولا بنت مش هتفرق، المهم ربنا يتمم لها على خير. لكن مختار لم يقتنع
ـ لا يا ماما، أنا نفسي في بنت، نفسي تبقى صغيرة كده وأفضل أدلع فيها وأجيب لها كل اللي نفسها فيه. ردت غزل فورًا
ـ وأنا نفسي في ولد، عايزاه يبقى شبهك، نفس عيونك ونفس ضحكتك، وأشوفك وإنت بتربي نسخة صغيرة منك.
نظر إليها مختار من المرآة وقال بمكر
ـ يعني إنتِ عايزة نسخة مني؟ أيوه.
ـ طب خلاص، أنا موافق على الولد
ـ إنت وافقت بسرعة ليه؟
ـ عشان لو طلع شبهّي، هتفضلي طول عمرك تقوليلي أنا السبب. ضحكت والدته وهي تهز رأسها
ـ والله إنتوا الاتنين لسه هتتخانقوا على طفل لسه ربنا ما كاتبش حتى نعرف هو ولد ولا بنت!
ـ بس أنا حابب اسم غزال.
ـ وأنا مش موافقة.
ـ ليه؟ الاسم حلو.
ـ عشان كل ما تنادي غزال هبصلك، ولما تناديني غزل هبقى مش عارفة بتكلمني أنا ولا بنتك. تدخلت والدته وهي تضحك:
ـ عندها حق، وبعدين تخيل يا مختار لما تبقى واقف في البيت وتقول "يا غزال"، غزل ترد عليك، وتيجي البنت تقول لك "نعم يا بابا"، وإنت نفسك مش عارف كنت بتنادي مين! انفجر الثلاثة بالضحك،
ـ خلاص، نلاقي اسم تاني، بس أنا مصمم على بنت.
ـ وأنا مصممة على ولد
. فقالت والدته وهي تنظر إليهما من المرآة الأمامية:
ـ طب خلاص، بدل ما نفضل نختلف كده، ادعوا ربنا يرزقكم بتوأم، ولد وبنت، وكل واحد ياخد اللي نفسه فيه ونخلص. ساد الصمت للحظة، ثم نظر مختار إلى غزل، ونظرت غزل إليه، فقالت والدته وهي تضحك:
ـ إيه؟ عجبتكم الفكرة؟
ـ والله فكرة حلوة.
ـ توأم؟! ده أنا لسه حامل من كام أسبوع، إنتوا هتجيبوا لي اتنين مرة واحدة؟ ضحكت والدته
ـ ليه لا؟ ربنا قادر على كل حاجة، وبعدين أنا نفسي في ولد وبنت، ولد لمختار يدلع فيه، وبنت ليكي تدلعي فيها، ونبقى خلصنا من الخناقة دي.
ـ خلاص يا ماما، ادعي. رفعت والدته يديها قليلًا
ـ يا رب يا حبيبي، لو في الخير ليهم، ارزقهم بتوأم، ولد وبنت، وييجوا بالسلامة وتفرح بيهم قلوبنا كلنا.
ـ إنتِ كده بجد نفسك في توأم؟ ردت والدته بحماس
ـ طبعًا! ده أنا هبقى أسعد واحدة في الدنيا، واحد أشيله وواحدة أشيلها، وأشوف البيت مليان حركة وصوت وضحك
ـ بس خلي بالك يا ماما، لو طلعوا توأم فعلًا، إنتِ اللي طلبتيهم.
ـ وأنا هكون أول واحدة تشكر ربنا عليهم.
ـ بس لو طلعوا توأم، أنا هاخد الولد وإنتِ تاخدي البنت.
ـ لا طبعًا، الاتنين بتوعي.
ـ أهو بدأنا نتخانق قبل ما يوصلوا!
ـ يا ولاد، سيبوا العيال تيجي الأول، وبعدها اتخانقوا براحتكم. المهم دلوقتي إن غزل ترتاح، وإنت يا مختار تسوق على مهلك ومتبطلش تلف رقبتك عليها كل دقيقتين.
ـ حاضر يا ماما، بس أنا لسه مش مصدق إني هبقى أب. وضعت غزل يدها فوق بطنها دون أن تشعر،
ـ وأنا مش مصدقة إني هبقى ماما. نظر إليها مختار طويلًا،
ـ مهما كان ولد أو بنت، ومهما كان اسمه إيه، أهم حاجة عندي إنه ييجي بالسلامة، ويكون بين إيدينا، وإنتِ بخير.
ـ دي الحاجة الوحيدة اللي متفقين عليها من غير خناق.
ضحكت والدته من المقعد الخلفي
ـ أهو أخيرًا اتفقتوا على حاجة! وبعدين أنا عندي إحساس إن ربنا هيرزقكم بالاتنين، ولد وبنت، وساعتها هتبقوا إنتوا الاتنين مبسوطين وأنا هبقى مبسوطة أكتر منكم.
ـ خلاص يا ماما، هنعتبرها دعوة رسمية.
ـ لأ، دي دعوة من قلبي، وربنا يحققها لو فيها الخير.
واصلوا طريقهم إلى البيت، والضحكات لا تتوقف داخل السيارة، وكل واحد منهم يتخيل شكل الطفل القادم بطريقته الخاصة؛ مختار يتخيل طفلة صغيرة يحملها بين ذراعيه ويناديها باسم اختاره من الآن، وغزل تتخيل ولدًا صغيرًا يحمل ملامح أبيه ويجري في البيت، أما والدته فكانت لا تزال تدعو في سرها أن تتحقق أمنيتها فيأتيهما توأم، ولد وبنت، حتى لا يختلفا أكثر من ذلك.
ولم يكن أي منهم يعلم أن الأيام القادمة تحمل لهم مفاجآت أكبر مما تخيلوا، وأن تلك الرحلة الصغيرة إلى البيت لم تكن مجرد عودة من المستشفى...
بل كانت أول خطوة في أجمل فصل من حكاية مختار وغزل.
بعد مرور فترة على العشاء الذي جمع كريم بعائلة مختار، كانت العلاقة بينه وبين سارة قد بدأت تتغير بهدوء. لم يعد الأمر مجرد إعجاب عابر أو انطباع جيد تركه كل منهما لدى الآخر، فالأحاديث بينهما زادت، وأصبح كريم يجد أي سبب بسيط ليتواصل معها، بينما كانت سارة رغم خجلها تلاحظ اهتمامه وتبتسم كلما ظهر اسمه على هاتفها.
وفي أحد الأيام، رن هاتف سارة، وما إن رأت اسم كريم حتى ترددت لحظة قبل أن تجيب.
ـ ألو، كريم؟
جاءها صوته هادئًا وفيه شيء من التردد المصطنع.
ـ أيوه، معلش لو عطلتك، بس كنت عايز منك خدمة.
جلست سارة على طرف السرير وهي تحاول أن تخفي ابتسامتها.
ـ خدمة إيه؟
ـ فاكرة الصورة اللي ورتهالى قبل كده؟
رفعت حاجبها باستغراب.
ـ أنهي صورة؟
ـ الصورة اللي كنتِ بتتكلمي عنها بتاعة الشغل... أنا محتاج صورة تانية شبهها، عشان عايز آخدها البيت.
سكتت سارة لحظة، ثم ضحكت وهي تدرك أنه يتحدث عن اللوحة والصور التي كانت تستخدمها في عملها.
ـ طب ما تقول من الأول إنك عايز صورة، إيه لازمة اللف والدوران ده كله؟
ضحك كريم من الطرف الآخر.
ـ ما هو لو قلت لك عايز صورة وخلاص، ممكن تقوليلي لأ. إنما لما أقول لك إني محتاجها للشغل، هتساعديني.
ـ يعني إنت بتستغل الشغل عشان تاخد اللي إنت عايزه؟
ـ ممكن.
ضحكت سارة، ثم بدأت تبحث عن الصورة على هاتفها.
ـ طب استنى لما أشوفها وأبعتهالك.
ـ لا، أنا مش عايزها على الموبايل، أنا عايز واحدة مطبوعة.
ـ وليه؟
ـ عشان أحطها عندي في البيت.
توقفت أصابعها عن الحركة، وشعرت أن نبرته تغيرت قليلًا.
ـ عندك في البيت ليه؟
ساد صمت قصير من الطرف الآخر، ثم جاء صوته أكثر هدوءًا.
ـ عشان عجبانى من ساعه ماشوفتها.
لم تعرف سارة بماذا تجيب، فاكتفت بابتسامة لم يرها، بينما استغل كريم صمتها ليكمل حديثه.
ـ وبعدين بصراحة أنا بقيت بحب الحاجات اللي ليها علاقة بيكي.
خفضت سارة عينيها، وشعرت بحرارة خفيفة في وجهها.
ـ كريم...
ـ نعم؟
ـ إنت بتتكلم كده ليه؟
ضحك بخفة.
ـ عشان أقول لك الحقيقة، ولا عايزاني أفضل أتحجج كل مرة بصورة وشغل عشان أكلمك؟
رفعت سارة عينيها إلى المرآة أمامها، وكأنها تحاول أن تفهم إلى أين يأخذها هذا الحديث.
ـ يعني كل المرات اللي كنت بتكلمني فيها عشان الصور كان عندك حجة؟
ـ مش كلها... بس بعضها.
ضحكت رغماً عنها، وشعرت أن المسافة بينهما التي كانت في البداية مليئة بالحذر أصبحت الآن أقصر بكثير.
ومع الأيام، لم تعد مكالمات كريم مرتبطة بالصور أو العمل فقط. أصبح يسألها عن يومها، وعن الأشياء التي تحبها، وعن الأماكن التي تتمنى زيارتها، وهي أيضًا بدأت تنتظر مكالماته دون أن تعترف لنفسها بذلك. كان كل منهما يكتشف الآخر بهدوء، حتى أدرك كريم بعد فترة أنه لم يعد يتعامل مع سارة باعتبارها أخت شريكه فقط، وإنما أصبحت بالنسبة إليه الإنسانة التي يريد أن تكمل معه حياته.
وفي إحدى الأمسيات، كان كريم جالسًا مع والدته، وظل صامتًا لفترة طويلة حتى لاحظت شروده.
ـ مالك يا كريم؟ من ساعة ما قعدت وإنت ساكت.
رفع عينيه إليها، ثم ابتسم ابتسامة مختلفة هذه المرة.
ـ ماما، أنا عايز أكلمك في موضوع.
نظرت إليه باهتمام.
ـ خير؟
أخذ نفسًا عميقًا، ثم حسم أمره.
ـ أنا عايز أتقدم لسارة.
اتسعت ابتسامة والدته فورًا، وكأنها كانت تنتظر هذه الجملة منذ وقت طويل.
ـ أخيرًا نطقتها!
ضحك كريم وهو يهز رأسه.
ـ يعني إنتِ كنتِ عارفة؟
ـ يا ابني أنا أمك، فاكرة إني مش واخدة بالي من فرحتك كل ما اسمها ييجي؟
ضحك كريم، ثم جلس بجوارها.
ـ أنا فعلًا مرتاح لها يا ماما، وحاسس إنها الإنسانة اللي ممكن أكمل معاها حياتي، ومش عايز أفضل أطول أكتر من كده.
وضعت والدته يدها على يده وهي تبتسم بسعادة.
ـ يبقى مفيش كلام كتير، إحنا نروح نخبط على الباب من بابه، وربنا يكتب لكم الخير.
وفي الوقت نفسه، لم تكن سارة تعرف أن المكالمة التي بدأت بحجة بسيطة من كريم للحصول على صورة أخرى، كانت قد تحولت في قلبه إلى قرار حقيقي سيغير حياتهما معًا.
مرّ يومان، وخلالهما ظل كريم يفكر في الطريقة التي يريد أن يطلب بها سارة، لم يكن يريد أن يرسل لها رسالة أو يتحدث معها بشكل مباشر، لأنه كان يشعر أن هذه اللحظة تستحق أن تكون مختلفة، وأن يرى فرحتها بعينيه عندما تعرف أنه جاء إلى بيتها من أجلها. لذلك، وفي مساء هادئ، أجرى اتصالًا بوالدها، وبعد بعض كلمات الترحيب المعتادة، انتقل مباشرة إلى ما جاء من أجله.
ـ عمي، أنا بصراحة كنت عايز أكلم حضرتك في موضوع مهم، وكنت أتمنى إن الكلام ده يكون بيني وبينك الأول قبل ما أي حد يعرف.
استمع والد سارة باهتمام، بينما أكمل كريم بصوت يحمل قدرًا واضحًا من الجدية.
ـ أنا عايز أطلب إيد سارة، وأنا مش داخل الموضوع ده لمجرد إعجاب أو كلام عابر، أنا اتعاملت معاها الفترة اللي فاتت، وعرفت أخلاقها وطريقة تفكيرها، وكل يوم كان بيعدي كنت بتأكد أكتر إني عايزها تكون مراتي وتكمل حياتها معايا.
ساد الصمت للحظات، ثم جاء صوت والدها وقد ظهر فيه الرضا.
ـ يا كريم، أنا ملاحظ من فترة إن في ارتياح بينك وبين سارة، وبصراحة أنا شايفك راجل محترم، ومش هلاقي أفضل منك لبنتي، لكن بما إنك عايز تعملها مفاجأة، أنا هساعدك.
تنفس كريم براحة كبيرة، وكأنه كان يحمل فوق صدره شيئًا ثقيلًا وانتظر هذه الموافقة حتى يستطيع أن يلتقط أنفاسه.
ـ ربنا يخليك يا عمي، أنا فعلًا كنت أتمنى إن حضرتك توافق، وعشان كده عندي طلب تاني... متقولش لسارة أي حاجة، أنا عايزها تتفاجئ.
ضحك والدها.
ـ ولا هقول لها ولا لحد، بس تعالى العشا عندنا بكرة، وهخلي الموضوع يبان عشا عادي.
ـ اتفقنا يا عمي، وربنا يقدرني وأكون قد ثقتك.
في اليوم التالي، بدأ والد سارة يدعو الجميع إلى العشاء، ولم يعطِ أحدًا سببًا واضحًا، وكلما سأله مختار عن المناسبة اكتفى بابتسامة غامضة.
ـ يعني إيه عشا وخلاص؟ أكيد في حاجة.
ضحك والد سارة وهو يناوله فنجان القهوة.
ـ يا ابني هو لازم كل مرة يكون في مصيبة عشان نعزمكم على العشا؟ اعتبرها لمة عائلية.
لم يقتنع مختار تمامًا، لكنه لم يجد سببًا يجعله يلح أكثر، بينما كانت سارة نفسها تتساءل عن سبب تجمع الجميع في ذلك المساء، خصوصًا أن والدها بدا أكثر هدوءًا وابتسامًا من المعتاد.
وبعد وصول الجميع، امتلأ البيت بالأحاديث والضحكات، وجلست سارة بينهم وهي تتابع والدها من وقت لآخر، تحاول أن تفهم سبب ذلك الغموض، بينما كان كريم أكثر شخص يحاول إخفاء توتره.
كلما وقعت عيناه على سارة، ابتسم لها، ثم يبعد نظره سريعًا حتى لا تلاحظ شيئًا، لكن سارة بدأت تنتبه إلى تصرفاته، وأصبحت تراقبه من طرف عينيها في حيرة.
انتهى العشاء، وانتقل الجميع إلى غرفة الجلوس، وبدأت القهوة تدور بينهم، واستقر كل واحد في مكانه، بينما كان كريم يمسك فنجانه دون أن يشرب منه تقريبًا.
لاحظ مختار توتره، فاقترب منه قليلًا.
ـ إنت مالك؟
ابتسم كريم وهو يحاول أن يبدو طبيعيًا.
ـ مفيش، أنا كويس.
ـ لأ، إنت مش كويس، من ساعة ما دخلنا وإنت عامل زي واحد داخل امتحان.
ضحك كريم بخفة، لكنه لم يرد، بينما كانت سارة تنظر إليه من بعيد دون أن تفهم شيئًا.
وفجأة وضع كريم فنجان القهوة أمامه، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم نظر إلى والد سارة.
ـ عمي، أنا كنت طالب منك إن الموضوع يفضل سر لحد اللحظة دي، وأعتقد إن الوقت جه.
توقفت الأحاديث في الغرفة، والتفت الجميع إليه، بينما شعرت سارة بأن قلبها بدأ يخفق بطريقة غريبة.
نظر كريم إليها مباشرة، وكانت نظراته هذه المرة مختلفة تمامًا، لا تحمل ذلك التردد الذي اعتادته منه، وإنما كانت مليئة بالثقة والصدق.
ـ سارة، أنا من فترة وأنا بفكر في الكلام اللي هقوله لك، وكل مرة كنت أقول لنفسي لازم أختار الوقت الصح، لحد ما فهمت إن مفيش وقت هيكون أهم من اللحظة اللي أقول لك فيها قدام أهلك إن أنا عايزك تكوني شريكة حياتي.
تجمدت سارة في مكانها، واتسعت عيناها، بينما وضعت يدها على صدرها دون أن تشعر.
أكمل كريم بصوت أكثر دفئًا.
ـ أنا اتعرفت عليكِ الأول من خلال الشغل، وبعدها بقيت أكتشف فيكي حاجات كتير خلتني أحترمك وأرتاح لك، ومع الوقت بقيت مستني كلامنا ومكالماتنا، وبقي وجودك في يومي حاجة أنا مش عايز أخسرها. عشان كده أنا النهارده جيت من الباب، وكلمت والدك قبل ما أكلمك، وطلبي قدام الكل إنك توافقي تكوني مراتي.
لم تستطع سارة الرد.
كانت تنظر إليه والدموع بدأت تتجمع في عينيها، وكأنها تحاول أن تستوعب كل شيء في لحظة واحدة؛ المكالمات التي كانت تظنها عادية، الأعذار التي كان يختلقها حتى يسمع صوتها، اهتمامه الذي كانت تخجل من الاعتراف بأنه أسعدها، وكل التفاصيل الصغيرة التي لم تكن تعرف أنها كانت تقود إلى هذه اللحظة.
نظرت إلى والدها، فوجدته يبتسم لها، ثم إلى والدتها التي كانت تمسح دمعة نزلت من عينها وهي تبتسم.
اقتربت غزل منها وأمسكت يدها، بينما كان مختار يبتسم لكريم بفخر واضح.
وأخيرًا رفعت سارة عينيها إلى كريم، وحاولت أن تتكلم، لكن صوتها خرج ضعيفًا من شدة تأثرها.
ـ أنا... مش عارفة أقول إيه.
ابتسم كريم، وكانت عيناه تلمعان بفرحة واضحة.
ـ قوليلي بس إنك موافقة، وأنا هفهم كل حاجة تانية.
ضحكت سارة وسط دموعها، وهزت رأسها بخجل.
ـ موافقة.
في اللحظة نفسها، تعالت الزغاريد والضحكات في البيت، ووقفت والدتها تحتضنها وهي تبكي من شدة الفرح، بينما اندفعت غزل نحوها واحتضنتها بقوة.
ـ ألف مبروك يا سارة، أنا مش مصدقة إنك هتبقي عروسة!
ضحكت سارة وهي تمسح دموعها.
ـ وأنا كمان مش مصدقة.
اقترب والدها من كريم ومد يده إليه، وعيناه تحملان رضا الأب الذي اطمأن على ابنته.
ـ ربنا يسعدكم يا ابني، وأنا شايلك أمانة، وأتمنى تكون دايمًا قدها.
صافحه كريم بكل احترام.
ـ بإذن الله يا عمي، وأنا أوعدك إني هحافظ عليها وأصونها طول عمري.
أما سارة فظلت واقفة وسط الجميع، وقلبها لا يزال يخفق بقوة، وكلما نظرت إلى كريم شعرت أن الدموع تعود إلى عينيها من جديد، لم تكن فرحتها فقط لأنه تقدم لها، بل لأنها اكتشفت أن الشخص الذي أحبته في صمت كان يحمل لها المشاعر نفسها، وأن كل تلك التفاصيل الصغيرة التي جعلتها تبتسم طوال الأيام الماضية لم تكن من خيالها.
اقتربت منها غزل مرة أخرى، وهمست لها وهي تضحك.
ـ إيه رأيك بقى في حجة الصورة؟
ضحكت سارة، وازدادت دموعها.
ـ متفكرنيش، أنا كنت مصدقة إنه عايز صورة بجد!
نظر إليه كريم باعتراض مصطنع.
ـ ما تفضحنيش بقى.
تعالت الضحكات من جديد، وفي تلك اللحظة شعرت أن كل شيء حدث في وقته الصحيح؛
مرّت ستة أشهر أخرى، وكأن الأيام قررت أن تحمل معها الفرح . خلال تلك الفترة تغيرت تفاصيل كثيرة داخل البيت، وأصبح اسم كريم وسارة مرتبطًا بالفرح والاستعدادات، بينما كانت غزل تتابع كل شيء وهي تحمل طفلها الذي كبر في أحشائها يومًا بعد يوم. كانت شهور حملها الأخيرة قد بدأت تظهر بوضوح عليها، ومع ذلك كانت تصر على حضور كل تفاصيل تجهيزات فرح سارة، وكأنها لا تريد أن تفوّت لحظة واحدة من فرحة أختها وصديقتها.
وفي ليلة الفرح، كان البيت والقاعة يمتلئان بالزغاريد والضحكات، بينما وقفت سارة بفستانها الأبيض وسط الجميع، وعيناها تبحثان عن كريم بين الحاضرين. وما إن وقعت عيناها عليه حتى ابتسم لها، وكانت ابتسامته كافية لتجعل قلبها يخفق بالطريقة نفسها التي خفق بها يوم طلب يدها أمام عائلتها.
اقترب منها في إحدى اللحظات التي ابتعد فيها الجميع قليلًا، ووقف أمامها وهو يتأملها بصمت، وكأن الكلمات لم تعد تكفي لوصف ما يشعر به.
ـ إنتِ عارفة إن لحد دلوقتي مش مصدق إنك بقيتي مراتي؟
ابتسمت سارة بخجل، ورفعت عينيها إليه.
ـ وأنا مش مصدقة إن اليوم ده جه بسرعة كده.
ظل ينظر إليها للحظات، ثم أمسك يدها بحنان.
ـ فاكرة أول مرة كلمتك فيها بحجة الصورة؟
ضحكت وهي تهز رأسها.
ـ أنساها إزاي؟ كنت فاكرة إنك فعلًا محتاج صورة.
ـ وأنا كنت فعلًا محتاجها.
نظرت إليه باستغراب، فضحك وأكمل:
ـ كنت محتاج أي سبب يخليني أكلمك.
خفضت سارة عينيها، بينما اقترب منها أكثر.
ـ أنا من أول يوم حسيت إن فيكي حاجة مختلفة، بس كنت خايف أقول لنفسي إن الموضوع كبر، لحد ما لقيتني مش عايز يوم يعدي من غير ما أسمع صوتك.
رفعت عينيها إليه، وامتلأت نظرتها بالحب.
ـ وأنا كنت كل مرة أشوف اسمك على موبايلي أفرح، وأقعد أضحك على نفسي وأقول أكيد بيتصل عشان الشغل.
ابتسم كريم.
ـ وأنا كنت أعمل نفسي بتصل عشان الشغل.
ضحكت سارة، ثم سكتت للحظة، قبل أن تضغط على يده.
ـ أنا سعيدة أوي يا كريم.
اقترب منها قليلًا، وقال بصوت هادئ:
ـ وأنا أسعد منك، عشان أخيرًا بقيتي معايا، واللي جاي كله هنعمله سوا.
نظرت إليه بحب، ثم ابتسمت وهي تقول:
ـ ربنا يخليك ليا.
ضم يدها بين يديه، وظل ينظر إليها وكأن الضجيج من حولهما اختفى تمامًا، ولم يبقَ في تلك اللحظة سوى اثنين وجدا أخيرًا طريقهما إلى بعضهما.
ومرّ شهران آخران، وجاء اليوم الذي كانت العائلة تنتظره منذ أن عرفت بخبر حمل غزل. كانت الساعات الأولى من الصباح مختلفة، فقد بدأت آلام الولادة تشتد، وامتلأ البيت بحركة غير معتادة، بينما كان مختار يتحرك في كل اتجاه وهو يحاول أن يبدو متماسكًا، لكنه كان أكثر شخص يكشف خوفه.
كانت والدته تقف بجوار غزل وتحاول أن تطمئنها، بينما كان والدها ووالدتها ينتظران في الخارج، وسارة وكريم إلى جوارهما، والجميع يدعو لها.
ـ يا رب تقوم بالسلامة يا رب.
كان مختار يمشي أمام باب الغرفة ذهابًا وإيابًا، وكلما سمع صوتًا من الداخل توقف مكانه، ثم يعود للمشي من جديد.
اقتربت منه والدته وربتت على كتفه.
ـ اقعد يا مختار، إنت كده هتخرم الأرض من كتر ما بتلف.
نظر إليها بعينين مليئتين بالقلق.
ـ ماما، أنا خايف عليها.
ـ كلنا خايفين يا ابني، بس دي ساعة ولادتها، وربنا معاها.
بعد وقت بدا للجميع أطول من عمر كامل، خرج الطبيب أخيرًا، فاندفع مختار نحوه.
ـ غزل عاملة إيه يا دكتور؟
ابتسم الطبيب، وكانت ابتسامته كافية ليجعل الجميع يلتقط أنفاسه.
ـ الحمد لله، هي كويسة، والولادة تمت بخير، ومبروك... ربنا رزقكم بتوأم.
تجمد مختار للحظة، وكأن عقله احتاج وقتًا ليستوعب الجملة.
ـ توأم؟
ضحك الطبيب.
ـ أيوه، ولد وبنت.
تعالت الزغاريد في المكان، واحتضنت والدة مختار والدته غزل وهي تبكي من شدة الفرح، بينما رفع والد غزل يديه إلى السماء يحمد الله، وضحكت سارة وهي تمسح دموعها.
أما مختار فلم يكن يرى أمامه سوى باب الغرفة، وكأن العالم كله اختفى من حوله.
ـ ينفع أشوفهم؟
ابتسم الطبيب.
ـ طبعًا، بس واحدة واحدة، وغزل محتاجة ترتاح.
دخل مختار إلى الغرفة، وكانت غزل مستلقية على السرير وقد بدا عليها التعب، لكن ابتسامتها كانت أوسع من كل الإرهاق.
اقترب منها وجلس بجوارها، ثم أمسك يدها وقبلها طويلًا.
ـ حمد لله على سلامتك يا حبيبتي.
ابتسمت غزل وهي تحاول حبس دموعها.
ـ شفت؟ ربنا حقق دعوة ماما.
ضحك مختار وهو يمسح دمعة نزلت من عينه.
ـ توأم... أنا لسه مش مصدق.
التفتت غزل نحو الطفلين، ثم ابتسمت.
ـ ولد وبنت.
ظل مختار ينظر إليهما، ثم اقترب من سريريهما الصغيرين، وعيناه لا تفارقان وجهيهما.
ـ أنا كنت نفسي في بنت، وإنتِ كنتِ نفسك في ولد، وربنا ادانا الاتنين.
ضحكت غزل رغم تعبها.
ـ عشان نخلص من الخناقة.
التفت إليها مختار، ثم عاد ينظر إلى ابنته الصغيرة.
ـ بس أنا عندي شرط.
رفعت غزل حاجبها.
ـ شرط إيه؟
ابتسم وهو يقترب من الصغيرة.
ـ البنت اسمها غزال.
ضحكت غزل، وكأنها كانت تتوقع هذه الجملة منذ اليوم الذي عرف فيه بحملها.
ـ مختار! لسه فاكر الاسم ده؟
ـ طبعًا فاكره، وأنا من أول يوم مصمم عليه.
ـ بس أنا قلت لك إن الناس هتلخبط بين غزل وغزال.
اقترب منها وهو يبتسم.
ـ الناس تتلخبط براحتها، أنا عايز بنتي اسمها غزال.
نظرت غزل إلى طفلتها، ثم إلى مختار، ولم تستطع أن تمنع ابتسامتها.
ـ خلاص... غزال.
اتسعت ابتسامته، ثم انحنى وقبّل جبينها.
ـ ربنا يخليكي ليا.
وفي الخارج، كانت العائلتان تتناقلان خبر التوأم وسط الزغاريد والضحكات، وكل شخص يريد أن يرى الصغيرين ويحملهما، بينما كانت والدة مختار تردد بسعادة أن دعاءها تحقق كما تمنت تمامًا.
وبعد قليل، خرج مختار يحمل ابنه بين ذراعيه، بينما كانت والدته تحمل الصغيرة، وتعالت الفرحة من جديد.
اقتربت غزل من الباب وهي تستند إلى والدتها، وعيناها تلمعان بالدموع عندما رأت أسرتها كلها ملتفة حول طفليها.
وفي تلك اللحظة، نظر مختار إلى غزل، ثم إلى طفليه، وشعر أن كل ما مر بهما من خوف ومشاكل وغيرة وقلق لم يكن إلا طريقًا أوصلهما إلى هذه اللحظة.
اقترب منها، ومد يده إليها، فوضعت يدها في يده.
ـ فاكرة أول يوم دخلتي فيه حياتي؟
ابتسمت غزل.
ـ فاكره.
ـ أنا وقتها مكنتش أعرف إنك هتبقي كل حياتي.
نظرت إليه والدموع تملأ عينيها.
ـ وأنا مكنتش أعرف إن البيت ده هيبقى بيتي، وإن عيلتك هتبقى عيلتي، وإن في يوم هقف هنا وأنا شايلة أجمل هدية في الدنيا.
ضغط مختار على يدها، بينما ارتفعت أصوات الضحكات والزغاريد من حولهما.
وفي وسط تلك العائلة التي اجتمعت أخيرًا على الفرح، كان طفلان صغيران قد أعلنا بداية حياة جديدة؛ غزال الصغيرة التي أصر مختار على اسمها، وطفلهما الذي اختارت له غزل الاسم الذي أحبه قلبها.
وهكذا انتهت حكاية «ثمن العروس»؛ لم يكن ثمن العروس مالًا ولا صفقة ولا اتفاقًا، بل كان ثمنها سنوات من الاختبارات والخوف والغيرة، حتى وصلت غزل إلى المكان الذي اكتشفت فيه أن الحب الحقيقي لا يُقاس بما يبدأ به الإنسان، وإنما بما يصبح عليه في النهاية.
وانتهت الحكاية... لكن حياة مختار وغزل الحقيقية كانت قد بدأت للتو.
تمت بحمدلله
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
