رواية لولا الغرام الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم روز امين

رواية لولا الغرام الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم روز امين

رواية لولا الغرام الفصل الثالث والعشرون 23 هى رواية من كتابة روز امين رواية لولا الغرام الفصل الثالث والعشرون 23 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية لولا الغرام الفصل الثالث والعشرون 23 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية لولا الغرام الفصل الثالث والعشرون 23

رواية لولا الغرام بقلم روز امين

رواية لولا الغرام الفصل الثالث والعشرون 23

«لستُ قلقًا فاتنتي، سأجعلُكِ تعشقينني حدّ الاكتفاء، حدّ الغرق في أدق تفاصيل ملامحي، ونبرة صوتي حين أُناديكِ، سأنسجُ من جنوني حكايةً تبتلعُ شكوكَكِ، لتجدي نفسَكِ تذوبين عشقًا في تفاصيلي، تمامًا كما ذبتُ أنا في محرابِ عينيكِ، سأهزمُ بأماني مخاوفَكِ، سأغمرُكِ باهتمامي، وأُحاصرُ أيامَكِ بظِلي، حتى أجِدَ كُل نبضةٍ في قلبِكِ تهتفُ باسمي، وكل فكرةٍ في عقلِكِ تبدأُ بي، وتنتهي عِندي.

أنتِ لي، وكبرياءُ ثقتي يخبرني أنكِ لن تقاومي هذا السيلَ الجارفَ من مشاعري، ستستسلمين لغرامي الطاغي، وتُعلنين ذوبانكِ الكامل في تفاصيلي، كما فعلتُ أنا تمامًا، فقط اصبري.»

"أشرف عزام المهدي"
بقلمي «روز أمين»

________♕________

أغمض عينيه مرة أخرى، وهتف بها مجددًا من بين شفتيه المرتعشتين:
-وحشتيني اوي يا دليلة.

هوت الكلمات على رأسها كالصاعقة، تجمدت الدماء في عروقها وشُل لسانها تمامًا، أطالت الصمت، فما كان منه إلا أن سألها بنبرة متهدجة، تكاد تخنقها الدموع:
-ساكته ليه يا دليله؟

تسلل الخوف إلى أوصالها، أخذت نفسًا عميقًا وراحت تجيب بارتباكٍ تجلى بين حروفها:
-ما فيش.

قرر أن يحاورها بذكاء شديد، يدرك مواطن ضعفها ويعرف كيف يدير الدفة لصالحه، لذا خفض نبرته لتصبح ناعمة، دافئة، وتفيض بالرومانسية وهو يتابع:
-انتِ زعلانه عشان بقول لك وحشتيني؟

لم تجد حرفاً تسعف به نفسها، بينما أخذت حبات العرق البارد تتشكل على جبينها من فرط التوتر،بينما استغل هو هذا الصمت، وقرر الضغط على مشاعرها البكر، ليتحدث بصوت يقطر هياماً وعشقاً:
-أنا مش قاصد اضايقك على فكرة، أنا بس بشرح لك مشاعري واللي حاسس بيه ناحيتك.
+

ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بوجنتيها تشتعلان حمرة، بينما سرت سخونة غريبة في جسدها بأكمله من فرط الخجل، فهي المرة الأولى التي تواجه فيها سيلاً من كلمات الغزل، لتترك عاطفتها وعقلها في ارتباكٍ تام.

شعر بارتباكها،فسارع يتدارك الموقف رغبةً منه في طمأنتها وإزالة تشنجها، فخفض نبرته وقال بهدوء:
- تحبي نغير الموضوع ونتكلم في حاجة تانية؟

لم تكد الكلمات تخرج من فمه حتى أجابته بسرعة البرق، متناسية خجلها أمام رغبتها في النجاة من هذا الحوار:
-اه ياريت.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة حانية، لكن سرعان ما تحولت نبرته إلى أنين يفيض بالوجع والألم وهو يسألها:
-انتِ ليه رفضاني يا دليلة؟

أصابت كلماته نياط قلبها فأوجعته، تنحنحت محاولة استجماع شتات نفسها، ثم قالت بخجلٍ حذر:
-انا مش رفضاك لشخصك يا أشرف، أنا بس مش عارفة أشوفك غير أخويا.

لم يدعها تُكمل كلماتها، إذ قاطعها بصوت قوي، متزن، يملؤه الاعتراض الصريح:
-بس أنا مش اخوكِ يا دليلة.

ثم تراجعت حدته فجأة ليحل محلها صوتٍ يهيمُ غرامًا :
-انا بحبك بجد.

عادت لتبتلع ريقها بتوتر تضاعف عن ذي قبل، كان يعلم تماماً أنها غارقة في خجلها وعاجزة عن الرد، فأراد تخفيف العبء عنها، لذا حور مسار الحديث قائلاً:
-طب انتي عارفة ان أنا بحبك من زمان اوي؟

ضيقت ما بين عينيها بدهشة واستغراب، وسألته بنبرة متسائلة:
-زمان؟!

اتسعت ابتسامته وتسارعت دقات قلبه وهو يستدعي أطياف الماضي، بدأ يشرح لها بصوت يفيض بحنين الذكريات الدافئة:
-هو مكنش حب اوي يعني، الموضوع بدأ معايا بحاجة غريبة اوي، من لما كان عندك عشر سنين، لما كنتوا بتنزلوا أجازة من السعودية

كانت تستمع إليه بإنصاتٍ تام بعدما استطاع جذب انتباهها،وراح يعبر بكلماتٍ دافئة:
-كل ما كنت أشوفك أحس بحاجة بتشدني ليكِ، ولما كنت ابص في عيونك، مكنتش بعرف أبعد عيوني عنهم أبدًا .

ساد الصمت بينهما للحظة، قبل أن يتابع بصوت حنون تخلله وجع دفين:
-كأن فيهم سحر بيقيدني.

في تلك اللحظة، عجز عقلها عن استيعاب ما تسمعه أذناها، حين أضاف بدهشة:
-وأفضل طول اليوم مشغول وبفكر فيكِ،وفي كل حاجة حصلت منك ،أي كلمة،حركة مميزة،ضحكة حلوة عيونك نورت فيها .

تسمرت مكانها وهي تسأل نفسها بذهول:
-أيُعقل أن يحمل قلبٌ كُل هذا الغرام لسنوات دون أن ينكشف سره؟ وكيف لها ألا تشعر بأنفاسه التي كانت تدور في فلكها طوال تلك السنين، دون أن تلمح وميضًا واحدًا من ذاك العشق الخفي؟

تحول صوته فجأة إلى نبرة يغلفها الانتقاد والتعجب من نفسه، وتابع قائلاً:
-كنت بستغرب نفسي اوي، ايه اللي يخليني أقعد طول الليل أفكر في عيلة صغيرة وتصرفاتها بالشكل ده؟ ازاي من مجرد ابتسامة صغيرة منك ليا على حاجة بسيطة عملتها لك، قلبي يطير ويرفرف؟!

كانت تستمع إليه وجسدها متسمر، بينما عقلها عاجز عن استيعاب حجم هذا العشق المتجذر في قلبه منذ سنوات، لم يعطها فرصة للاستفاقة، بل تابع بابتسامة وصوت مليئ بالحماس:
-فاكرة الطيارة؟!

ضيقت ما بين عينيها بجهلٍ، وسألته بنبرة حائرة:
-طيارة؟ طيارة ايه؟

ارتفع مؤشر الحماس في صوته ونبرات وجهه وهو يجيبها متلهفاً:
-الطيارة الورق اللي كانت متعلقة في عمود الكهربا
بات يفسر لها أكثر:
-السلك العمومي اللي قدام بيت جدتك رقية.

فجأة، ومضت عيناها بلمعة براقة، ورقص قلبها بين أضلعها فرحاً حين انقشعت الغمامة عن ذاكرتها، وتجسدت تفاصيل ذلك اليوم الجميلة أمام عينيها كأنه حدث بالأمس.

هتفت بصوت يفيض بالبهجة:
-ايوا افتكرت، دي كانت طيارة حلوة أوي، وانت يومها جبتها لي يا أشرف.

رفرف قلبه بين ضلوعه واهتزت مشاعره حين سمع اسمه ينساب بين شفتيها بتلك العفوية والفرحة، وفي تلك اللحظة، وبلا مقدمات، جرفهما تيار الذكريات معاً، ليعودا بالزمن إلى ما قبل ثماني سنوات.

كان الوقت صيفاً، والشمس تلملم خيوطها الذهبية لتعلن عن وقت الغروب، كانت العائلة بأكملها تحتشد في بيت الجدة "رقية"، ابتهاجاً بحضور "صادق" وعائلته الذين أتوا من المملكة العربية السعودية لقضاء إجازتهم السنوية في البلدة.

خرج صادق برفقة رجال العائلة متوجهين صوب "الأرض الزراعية"، وقبل أن يغادر، قطعت دليلة طريقه لتأخذ منه بعض النقود بغرض شراء الأيس كريم "الجيلاتي" من المتجر المجاور للمنزل.

ما إن خطت قدمها خارج البوابة الحديدية، حتى تسمرت مكانها، إذ جذب انتباهها مشهد طائرة ورقية ذات ألوان زاهية ورائعة، تشابكت أطرافها بين أسلاك عمود الكهرباء العمومي المنتصب أمام البيت، وقفت الطفلة تتطلعُ ببصرها إلى الأعلى، مبهورة بتلك الألوان.

في هذه الأثناء، كان "أشرف" الذي كان يبلغ من العمر آنذاك عشرين عاماً، قادماً من منزلهم، لمح وقوفها وتشتت ذهنها، فتقدم نحوها وسألها بفضول:
-واقفة كده ليه يا دليلة؟

أجابته وعيناها لا تزالان معلقتين بالطائرة، وكأنها واقعة تحت تأثير تعويذة سحرية:
-بتفرج على الطيارة.

ثم التفتت إليه، ونظرت في عينيه بذات النظرات الهائمة والشغوفة التي كانت ترمق بها الطائرة، وسألته برجاء طفولي:
-هو انت متعرفش تجيبها لي؟

ابتسم ل براءتها، وقال لها محاولاً عقلنة الأمر بهدوء:
-بس دي متعلقة في السلك العمومي، وكمان عالية أوي.

زفرت بضيق، وتهدلت كتفاها بإحباط شديد وهي تقول:
-يا خسارة.

تآلم قلبه لرؤية تلك الخيبة الفجائية في عينيها، فسارع بوعدها قائلاً:
-هبقى اشتري لك واحدة بكرة.

هزت رأسها بأسى وتمردًا:
-بس انا كنت عاوزة دي.

أنزلت ذراعيها باستسلام، واستدارت متوجهة نحو المتجر لتشتري "الجيلاتي" بقلبٍ محطم

وقف يراقب أثر خطوتها المبتعدة، ولدت في داخله قوة خفية وإصرار عنيد لم يفهمه، لم يستيقظ من سكرته إلا وهو يقتحم حديقة جدته بخطوات واسعة، متوجهاً صوب السلم الخشبي الموضوع على الحائط.

رفعه بقوة متناسياً خطورة الأمر، وخرج به إلى الشارع تحت نظرات الذهول من الجميع، جاءه صوت والدته "فاطمة" مستنكراً ومستفسراً بدهشة:
-واخد السلم ورايح بيه على فين يا أشرف؟!

تابع خطواته بثبات نحو البوابة الخارجية، وأجاب والدته بهدوء تام دون أن يلتفت خلفه:
-هعمل بيه حاجة يا ماما.

أسند السلم على عمود الكهرباء، وبدأ يتسلقه دون أدنى تفكير في الخطر الذي يحدق به، أو الصعق الكهربائي الذي قد ينهي حياته في ثوانٍ.

كل ما كان يشغل عقله وقلبه في تلك اللحظة هو انتزاع غيمة الحزن التي رآها في عينيها الصغيرتين، ليعيد رسم تلك البسمة التي تضيء وجهها، وتُظهر اللمعة الساحرة التي تسكن عينيها كلما ضحكت من قلبها.

انتفضت "فاطمة" من فوق الدكة الخشبية بذعر، وصاحت بهلع وقد تملكتها الصدمة:
-بتعمل ايه يا ولا؟!

هرولت نحو الخارج بقلب يرتجف، ولحقت بها "عايدة" و"أماني"، بينما تبعتهن الجدة "رقية" بخطوات ثقيلة حتى وصلت إلى عتبة الباب الخارجي.

صرخت فاطمة وهي تترجاه بهلعٍ يملأ عينيها:
-انزل يا ابني لتتكهرب حرام عليك.

أجابها ونظراته مثبتة بالكامل على هدفه، بينما يداه تواصلان تسلق درجات السلم:
-هجيب الطيارة وانزل على طول يا ماما.

هتفت الجدة بنبرة يملؤها الخوف والرجاء معاً:
-يا واد طيارة ايه اللي هتودي نفسك في شربة ماية علشانها؟! انزل وانا هبعت اجيب لك واحدة غيرها.

لم يكن يستمع لأحداً، أو بالأحرى، صم أذنيه عن كل الأصوات إلا صدى حزن صغيرته.

وصل إلى قمة السلم، ومد يديه بحذر شديد يبدد الخيوط المتشابكة والمعلقة بين الأسلاك، في تلك الأثناء، عادت دليلة وهي تمسك بقطع الآيس كريم تتناولها بعفوية، لتتسع عيناها بصدمة مروعة حين رأت ذاك المتهور يقف على ذلك السلم بارتفاع مرعب. تملكها الرعب، خاصة حين تعالت صرخات فاطمة النادبة:
-يا ابني انزل حرام عليك، انت ليه دايمًا غاوي توجع قلبي معاك؟!

حاول الحفاظ على ثباته وهو يعالج الخيوط العالقة، وأجابها محاولاً تهدئتها:
-ما خلاص بقى يا فيفي بطلي ندب، قولت لك هفوك الطيارة وانزل بسرعة.

صرخت عايدة برعب وهي تضرب كفاً بكف:
-قطيعة تقطع الطيارة على سنينها، انت عبيط يا ابني؟! يا ولا انزل لتتكهرب.

شاركتها أماني التضرع والدعاء وهي تهتف:
-يا حبيبي اسمع الكلام وانزل الله يهديك.

أما "منى"، فكانت تقف وعيناها مذهولتان لا تستوعبان هذا الجنون، كيف لشاب في مقتبل العمر أن يلقي بنفسه في جوف الخطر، ويعرض حياته للموت من أجل قطعة ورق ملونة؟! هتفت برعب تناديه:
-اسمع كلام مامتك وانزل يا اشرف، انت كده بترمي نفسك في التهلكة يا ابني.

تسلل شعور حارق بالذنب إلى قلب الصغيرة، أدركت أنها هي السبب في كل هذا الصخب والذعر، وبدأت دقات قلبها تقرع كالطبول خوفاً عليه.

سألت نفسها برعب:
-ماذا لو أصابه مكروهًا، كيف ستعيش حياتها وهي تحمل ذنب موته؟كانت الأنفاس محبوسة، والعيون شاخصة ومذهولة، والجميع يقف في الشارع بقلوب ترتعش من فرط الخوف والترقب.

أخيراً، نجح في فك خيوطها المتشابكة بحذر شديد، في دقائق مرت على الجميع كأنها سنوات من القلق والترقب، هبط درجات السلم بثبات وهو يقبض على الطائرة بيديه، بينما لم تفارق عيناه تلك الصغيرة الواقفة هناك، والذهول ما زال يبسط سيطرته الكاملة عليها.

استقبلته والدته بوابل من التوبيخ والصراخ اللائم، لكنه تجنب الرد متحملاً ثورتها ببرود، فركن الطائرة جانباً، وحمل السلم ليعيده إلى مكانه بالداخل.

ومع تلاشي الخطر، عادت العائلة تدريجياً لداخل المنزل، بينما خرج أشرف مجدداً إلى الشارع ليتفقد طائرته، فوجد دليلة لا تزال متسمرة في بقعتها، تعجز عن تصديق أنه جازف بحياته من أجلها.

ابتسم لها بهدوء بدد خوفها، ثم توجه نحو الطائرة، حملها وجلس على تلك "المصطبة الخرسانية" الممتدة أمام الباب، في ثوانٍ معدودة، التفّ حوله أطفال العائلة يراقبون أصابعه وهي تبدأ في إصلاح التلف الذي لحق بها، بينما تحركت دليلة بخطوات وئيدة، واقتربت منه على استحياء.

لمح اقترابها، فرفع بصره ونظر إليها، ثم أشار بيده إلى المساحة الفارغة بجواره على المصطبة قائلاً:
-اقعدي.

امتثلت لإشارته وجلست بالفعل، وقبل أن تسبقها شجاعتها، سألته بنبرة خافتة:
-هو انت جبتها علشاني؟

أدار وجهه نحوها، وتلاقت عيناه بعينيها، فرفرف قلبه بين أضلعه حين رأى تلك اللمعة البراقة الساحرة التي تمنى رؤيتها تضيء مقلتيها، اكتفى بهز رأسه إيجاباً دون أن ينطق بحرف، فغمرتها سعادة طفولية عارمة.

أنهى إصلاح الطائرة، فتعالت تهليلات الأطفال وصيحاتهم، وكل منهم يرجوه أن يعطيه إياها، لكنه تجاهل صخبهم جميعاً، ومد ذراعه بالطائرة نحوها هي، قائلاً بنبرة حانية:
-يلا طيريها.

كانت ضربات قلبها تقفز من فرط الفرح والبهجة، فخطفتها من يده بسرعة وبدأت في محاولة تحليقها، اقترب منها خطوة، ووجهها قائلاً:
-ارفعي ايدك لفوق علشان الهوا يطيرها.

هزت رأسها بطفولية، ثم التفتت إليه برجاء:
-طب امسك الخيط معايا علشان ايدي قصيرة.

ابتسم وتقدم خلفها، فقبض بيده الكبيرة على الخيط يشارك يدها الصغيرة توجيه الطائرة في السماء، تلاعب الهواء بها حتى كاد يقربها من العمود مجدداً، فسحب الخيط بحركة سريعة ومحترفة وهو يمازحها:
-لا بقولك ايه، المرة دي لو لفت على العمود مش هعرف اجيبها لك تاني، لان فيفي لو شافتني بقرب من السلم، هتجيبه هي.

وتابع مازحًا:
-بس علشان تعلقني مكان الطيارة.

انطلقت ضحكاتها فجأة بطريقة هيستيرية رنت في أرجاء المكان، تسمر في مكانه فجأة، وشخص ببصره نحوها، مركزاً في رنين ضحكتها وعينيها اللتين تقفز منهما السعادة قفزاً.

في تلك اللحظة، داهمه شعور غريب وعميق اجتاح كيانه بالكامل، شعر أن تلك الصغيرة تخصه وحده، وأن نظرتها وسعادتها وفرحتها هي مسؤوليته الشخصية منذ الآن وحتى نهاية العمر.

تنفس الصعداء براحة لم يعهدها من قبل، ووقف يراقبها بامتلاك وحنان وهي تقفز من حوله بسعادة وفرحة غامرة لم يشهد لها مثيلاً في حياته.

كانا يسترجعان تلك الذكرى الجميلة، يتشاركان تفاصيلها تحت وطأة ضحكاتهما الصافية ونقاشهما الذي اندمجا فيه لدرجة جعلتهما ينسيان توتر البدايات.

ضحكت دليلة بقوة من أعماق قلبها وهي تقول له بعفوية:
-بس انت كنت مجنون يا اشرف بجد، ازاي قدرت تطلع على العمود وتغامر بحياتك علشان حتة طيارة؟!

تبدلت لهجته في الحال، وانتقلت نبرته من المرح إلى رزانة بالغة يقطر منها الهيام والعشق، وهو يجيبها بنبرة اخترقت حصونها:
-أنا ممكن أعمل أي حاجة في الدنيا، علشان خاطر بس اشوفك سعيدة يا دليلة.

ساد الصمت فجأة، وانعقد لسانها وتملكها خجل شديد جعل وجنتيها تشتعلان حمرة، تنحنحت بارتباك محاولة الهروب من حصار كلماته، وقالت له بحذرٍ:
-طب أنا هقفل بقى يا أشرف علشان خارجة مع ندى صاحبتي.

تنهد بعمق، محاولاً تهدئة ضربات قلبه التي تسارعت فجأة، ثم قال بنبرة هادئة ومستسلمة:
-تمام، بس هو انا ينفع أكلمك بالليل شوية؟

أغلقت عينيها بضيق حاد، فهي لا تزال غير متقبلة لفكرة ارتباطهما، وينازعها في صدرها شعور غريب ومتناقض، لا يمكنها إنكار أنها استمتعت بالحديث معه، وأن السعادة غمرتها وهي تسترجع ذكريات طفولتها وتضحك من قلبها، لكن شعورها بأنها "مجبرة" على هذا التواصل كان يضع قفلاً ثقيلاً على قلبها ويجعلها تنفر من الموقف بكامله.

حين طال صمتها شعر أشرف بالخذلان، فقال بنبرة انكسار حزينة:
-لو مش حابة خلاص، بلاش تضغطي على نفسك.

أصابت نبرة الحزن الدفينة في صوته نياط قلبها، وجرحتها، وأعادت إليها ذلك الشعور القديم بالذنب.

لم تشعر بنفسها إلا وهي تندفع بالرد بسرعة ولهفة، مدفوعة برغبة عارمة في ألا يتأذى بسبها:
-لا عادي، خلاص هستناك.

أغمض عينيه وتنهد بانتشاء وعمق، مستنشقاً عبير نصر مؤقت غزاهُ، فقد بدأ يحس أخيراً أن طريقه الصعب نحو قلبها بدأ يتمهد خطوة تلو الأخرى.

_______♕_______
#لَوْلاَ_الغَرَامُ_روز_أمين

في ردهة قسم الشرطة، بعد أن وصل الطلاب المشاغبون واقتيدوا إلى هناك، أمرهم الضابط بالجلوس خارج غرفته بانتظار استكمال الإجراءات، غادر الضابط متوجهاً إلى دورة المياه، وفي تلك اللحظات ، اقتحم "رشيد" المكان يهرول والذعر يأكل ملامحه.

كانت عيناه تدوران بجنون وسط الحشد، تبحثان عن شقيقته بين سيل الشباب المتكدسين في الممر، كانت تقف هناك، مرتعبة، تحبس دموعها القريبة خلف مقلتيها، بينما جسدها بأكمله يتنفض من فرط الخوف.

لم تكن تتخيل أبداً أن الأمور ستؤول إلى هذا الحد، فقد ظنت أن المسألة مجرد مظاهرة عفوية تعبر فيها عن رأيها ورفضها للممارسات الصهيونية الحقيرة، لتنتهي بشكل سلمي متحضر وتعود بعدها إلى بيتها قبل أن يشعر بغيابها أحد، وخاصة والدها الصارم.

قادته خطواته نحوها، أسرع صوبها ودون مقدمات جذبها إلى صدره، محتضناً إياها بقوة كي يمتص خوفها وينقل إليها الأمان، مخبراً إياها بوجوده.

أما هي، فارتمت في حضنه باستسلام طفولي، وكأنها تعلن له أنها ألقت بحملها وهمها كله فوق عاتقه ليحله، أبعدها عن حضنه بسرعة، وحاوط وجهها بكفيه يتلمس ملامحها، وقال بنبرة لاهثة:
-انت كويسة؟

هزت رأسها بقوة زائفة، وارتدت قناع الشجاعة وهي تجيب:
-انا كويسة ما تخافش عليا.

في تلك الأثناء، كان الضابط "هشام موافي" عائداً إلى مكتبه، فاستوقفه المشهد ووقف يراقبه بفضول، خاصة حين تبدلت ملامح رشيد فجأة من منتهى الحنية والخوف إلى ذروة الحدة والغضب، وهو يرمقها بنظرات لائمة صائحاً:
-طبعاً مش خايف يا هانم، وهخاف ليه اصلا؟! هو كان حصل حاجة تدعو للخوف؟! ده يادوب الاستاذة ماشية في مظاهرة بدون ترخيص، وتعدت بالكلام على رجال الشرطة، ومقبوض عليها ومرمية في القسم زي المجرمين وقطاعين الطرق.

ثم رفع يديه ملوحاً بهما بطريقة مسرحية ساخرة، وتابع بتهكم:
-بصراحة، حاجة تدعو للفخر.

تدخل قائد الحركة الطلابية متحدثاً بقوة وعزم وثبات:
-برغم ان حضرتك بتتريق، بس انك تخرج عن صمتك وتقرر تقف في صف الحق، فهي فعلاً حاجة تدعو للفخر.

التفت إليه رشيد، وقال بنبرة جادة وحاسمة:
-محدش يقدر يقول غير كدا، بس علشان تساند الحق، انت كمان لازم تنظم نفسك وتمشي مظبوط.

قاطع نقاشهم الضابط هشام الذي قرر التدخل لفرض هيبته، ونظر إلى رشيد بجدية صارمة سائلاً:
-انت مين يا استاذ وبتعمل ايه هنا؟!

انتبه لوجوده، وتحدث باحترام رسمي:
-أنا أخو الطالبة بسمة عبدالرحمن المسيري يا فندم، وجاي علشان اضمنها.

أجابه الضابط بجمود مهني اعتاد عليه:
-تضمنها ازاي والتحقيقات لسه مخلصتش يا استاذ؟

ثم نقل بصره نحو بسمة، فلمح دموعها التي حاربت بكل كبريائها لتحبسها، وقد أعلنت التمرد أخيراً وانسابت على وجنتيها، رأى في عينيها لأول مرة الخوف والندم، فمنذ أن رآها قبل قليل لم يلمس فيها سوى التمرد والعناد والكبرياء، لكن كل تلك القوة تلاشت فجأة، وتحولت إلى ضعف خالص وندم شديد في حضرة شقيقها الأكبر

وبلحظة رق قلبه لحالها، فبادر دون تردد بالإشارة نحو مكتبه قائلاً لرشيد ونظراته الحائرة:
-حصلني انت وهي على المكتب.

أشار لشقيقته، فتجاوزته بخطوات مرتعشة تتبع أثر الضابط، دلف هشام إلى مكتبه، ووقف خلف مقعده وهو يشير بيده إلى رشيد بصرامة مهنية:
-هات بطاقتك.

تناول البطاقة، ودقق النظر في بياناتها بتمعن، ثم جلس وأشار لرشيد ليتخذ مكانه أمامه، بقيت بسمة واقفة، وعيناها تفيضان بدموع تعجز عن كبحها، فرمقها هشام وقال بنبرة تهكمية ساخرة :
-الوقت بتعيطي؟! ما كنتي عاملة فيها سبع رجالة في بعض في الجامعة.

أمالت رأسها خجلاً، وأشاحت بنظراتها عنه هرباً من قسوة لومه، ليلتفت الضابط نحو شقيقها متابعاً:
-واما حضرتك مهندس بترول وليك مستقبل كبير، سايب اختك ماشية في الطريق ده ليه؟!

وتابع موضحًا:
-طريق السياسة والجري ورا الثورجية اخرته حبس وبهدلة وقلة قيمة، خصوصا انها بنت.

تنفس الصعداء، وأجاب بهدوء ورزانة حاول الحفاظ عليهما:
-انا عارف ومقدر كلام حضرتك كويس يا فندم، بس حضرتك لازم كمان نقدر ان دول شباب، وحماسهم وتعاطفهم تجاة قضية مهمة زي قضية فلسطين ده حق مشروع.

واستطرد مفسرًا:
-فلسطين بالنسبة لنا كمصريين مش مجرد قضية سياسية، دي عقيدة اتولدنا بيها،كلنا اتربينا على ان فلسطين قضية كل مصري وعربي، وواجب علينا كعرب المساندة والثورة والاعتراض في وش العدوان الغاشم.
1

اعتدل الضابط في جلسته، وأردف مستشهداً بكلماته:
-وانا مش معترض، وهعيد لك الكلام اللي انت بنفسك لسه قايله للشباب بره، البلد ليها قوانين، ولازم نحترمها ونساعد في حمايتها مع بعض بالتنظيم.

أومأ رشيد برأسه تأييداً، وتابع بذكاء:
-انا فاهم كلام حضرتك وبحترمه جداً يا فندم، وعلى فكرة، انا كنت رئيس اتحاد الطلبة لجامعة القاهرة لمدة تلات سنين، وأي مظاهرة قومنا بيها كانت بتصريح من الامن، ومأمنة برجال الشرطة.

استمع هشام إلى حديثه بإعجاب شديد تسلل إلى ملامحه، فقد راقت له عقلية هذا الشاب وهدوءه المتزن، أشار إليه مؤكداً:
-بالظبط يا باشمهندس، ده اللي انا بقوله، كلنا مع القضية ونصرة فلسطين ومع استرداد حقوق الشعب الفلسطيني بالكامل وطرد العدوان

وتابع معللاً:
- لكن وانا بعمل ده ما اضرش بلدي واساعد على خلق فوضى تدي فرصة للمتربصين بيها،إنهم يخربوا فيها براحتهم.

تحدث رشيد بنبرة رجاء حارة، مستعطفاً الجانب الإنساني في ذاك الشاب الخلوق:
-كلام جنابك مظبوط يا فندم، بس انا بناشد في حضرتك الاخ الكبير للشباب دول وتديهم العذر.

وراح يشرح له مفسرًا:
- بسمة أول مرة تخرج في مظاهرة، واكيد مكنتش تعرف خطورة خروج بنت في مظاهرة غير مصرح بيها وبدون حراصة امنية، واظن انها اتعلمت الدرس بدليل دموعها اللي حضرتك شايفها.

نقل هشام بصره نحو الفتاة ، وعلق بتهكم لم يخلُ من ملامح انبهار خفي بشجاعتها السابقة:
-الاستاذة اللي دموعها مغرقة وشها وخدعاك دي، كانت واقفة في الصف الاول، وعمالة تشوح لي باديها وتقولي مش هنتحرك غير لما تفتحولنا البوابة ونكمل مظاهراتنا السلمية.

ثم وجه حديثه إليها مباشرة بنبرة لاذعة:
-الا ما قولتليش يا أستاذة، اخبار الموقرة "سلمية" معاكِ ايه الوقت وانتِ مجرجرة اخوكِ المحترم وراكِ في أقسام الشرطة؟!

أصابت كلماته ووجع لومه مكاناً عميقاً في صدرها، فضاعفت من وطأة شعورها بالذنب تجاه شقيقها الذي وضعته في موقفًا حرجًا، انسابت دموعها بغزارة أكبر، وتحشرجت أنفاسها بصوت بكاء متهدج زلزل كيان رشيد.

أغمض عينيه بألم، وشعر بالمرارة وهي تهاجمه مجدداً، فهو يبغض العجز أكثر من أي شيء في الحياة،لذا تماسك بصعوبة، وتوجه إلى الضابط برجاء أخير:
-انا بوعدك يا هشام بيه ان دي هتكون اخر مرة بسمة هتمشي في مظاهرات، بس علشان خاطر ربنا تخرجها هي وزمايلها.
وتابع بنظراتٍ مترجية:
-بابا راجل مسالم وطول عمره ماشي جنب الحيط، ولو عرف اللي حصل، وانها اتقبض عليها، مش بعيد يجرى له حاجة.

في تلك اللحظة، ورغم صرامة بدلته العسكرية، غزا قلب هشام شعور غريب بالشفقة والرحمة، فقد أوجعه حقاً مشهد انكسار تلك الفتاة المتمردة.

وبرغم هذا، وجه نظراته الصارمة إليها، ووجه كلامه بعتاب لائم:
-يا ترى مبسوطة يا بسمة؟! ليه تخلي باشمهندس محترم زي اخوكِ يدخل قسم شرطة ايا كان السبب؟!

ثم تابع بنبرة حملت وعيداً مبطناً بالرحمة:
-انا هسيبك بس علشانه.

برغم وطأة الموقف، انبعثت فيها روح التمرد من جديد، فالتفتت إليه وتحدثت بهدوء من بين دموعها:
-طب وبالنسبة لزمايلي؟ انا لا يمكن اتحرك من غيرهم.

اتسعت ابتسامة هشام الساخرة، وأشار بيده نحوها وهو يلتفت إلى شقيقها متعجباً:
-اتفضل اللماضة، مش دي اللي لسه بتوعدني انها مش هتمشي في مظاهرات تاني؟!

انتقل الغضب إلى عيني رشيد اللتين أخذتا تقذفان الشرر من فرط الحرج والضيق، والتفت نحوها صائحاً بحدة أرعبتها:
-مش عاوز اسمع صوتك غير وانتِ بتقولي حاضر وبس.

ضربت بقدمها على الأرض باعتراض نابع من قهرها، وقالت معترضة:
-يا رشيد.

قاطعها بزمجرة حاسمة لم تعهدها منه:
-انا قولت ايه؟!

تراجعت خطوة إلى الخلف، وأجابت وعيناها تفيضان بدموع الانكسار:
-حاضر.

كان هشام يراقب تبدل حالاتها بدهشة واستغراب شديدين، أيعقل أن تكون هذه الفتاة الثائرة التي كانت تقف بالخارج بملامح لا تهاب أحداً، تتحول أمام شقيقها الأكبر إلى قطة وديعة؟!

أمسك بالقلم، وأنهى تدوين المحضر، ثم أشار إليها ببرود :
-تعالي امضي.

تقدمت نحو مكتبه بخطوات وئيدة،أحنت جسدها لتخط توقيعها على الأوراق المطروحة أمامه، مد يده ليسلمها بطاقتها الشخصية، وتلاقت نظراته بعينيها مباشرة، فقال بنبرة حازمة ومؤكدة:
-مش عاوز اشوفك هنا تاني يا بسمة، مفهوم؟

هزت رأسها بإذعان وانكسار:
-مفهوم حضرتك.

لم يطِق رؤية ملامح الخوف التي تملكتها، فأراد بث الطمأنينة في قلبها مكملاً:
-واطمني يا ستي بخصوص اصحابك، كلهم هيخرجوا حالا.

في لمح البصر، انقشعت غيوم الحزن عن وجهها، وتحولت ملامحها إلى سعادة غامرة، واتسعت عيناها ببريق مبهج وهي تسأله بلهفة:
-بجد يا فندم؟!

ارتسمت على شفتيه ابتسامة رقيقة ودافئة تتماشى مع خطوط ملامحه الوسيمة، وأجابها بنبرة لينة:
-بجد يا استاذة، يكون في معلومك، لو شوفتك هنا تاني مش هخرجك.

أومأت برأسها بهدوء، مستشعرة دفء نبرته الأخيرة، وقف رشيد وتقدم بالشكر الجزيل قائلاً:
-متشكر اوي يا فندم.

نهض هشام من خلف مكتبه، ومد يده لمصافحته في بادرة احترام استغربها رشيد كثيراً، وعقّب الضابط بوقار:
-اتشرفت بمعرفتك باشمهندس.

ثم مد يده الأخرى بالهوية قائلاً:
-بطاقتك.

التقطها رشيد بامتنان، وجدد شكره للضابط، ثم استدار مغادراً الغرفة بصحبة شقيقته، تحت نظرات هشام المثبتة التي راحت تشيعهما وتلاحق خطاهما، وتحديداً تلك الفتاة المتمردة التي تركت خلفها أثراً لم يمحُه غيابها.

__________♕__________

في بهو منزل "كمال"، جلس بصحبة زوجته ووالدتها التي حضرت لزيارتهما، يحتسون الشاي الدافئ في جلسة هادئة، لم يدم الهدوء طويلاً إذ قطعت "رغدة" الصمت قائلة بلوم خفيف وجهته لوالدتها:
-انا ما كنتش عاوزاكِ تدخلي خالص يا ماما في موضوع دليلة، ويكون في علمك، "منى" زعلانة منك.

تنهدت وفاء بقلة حيلة، ودافعت عن موقفها قائلة:
-هو انا اتدخلت من نفسي يا بنتي؟! ما على يدك صادق هو اللي جالي البيت وطلب مني اتكلم مع البنت.

وتابعت موضحة:
-قال لي انها بتحبك وبتسمع كلامك، ولما تقولي لها انت عليه، هتدي له فرصه يتكلم معاها.

ثم اعتدلت في جلستها، وتابعت بنبرة صادقة وجادة تنم عن احترامٍ دفين لـ أشرف:
-وبيني وبينكم بقى، انا الواد ده بحبه من وهو صغير، كان عيل هادي كده ومحترم، ودون عن عيال اهل صادق كلهم كان في حاله ومؤدب، وبعدين يا بنتي ده فرصة حلوة قوي لبنت اختك.

وتابعت مستنكرة:
- انا مش عارفة منى اختك رافضة ليه.

ردت مبررة مخاوف شقيقتها بنبرة هادئة:
-منى خايفه على بنتها وده حقها، وما حدش يقدر يلوم عليها في كده، اهل صادق شداد وكلنا عارفين الكلام ده، وبعدين احتمالية ان بنتها تروح تعيش في وسطيهم هناك مضايقاها.

تدخل كمال ليعيد صياغة الأمور بعقلانية ومنطق، فعقب قائلاً:"
-هيعيش ازاي هناك بس يا رغدة اذا كان شغله كله في السعودية؟! ولو نزل مصر اكيد هيعيش في القاهره علشان شغله كمحاسب.

تهللت أسارير وفاء لكلامه، وأشارت بوهج الحماس والـتأييد قائلة:
-والنبي تقول لها يا كمال يا ابني، انا لساني دلدل مع بناتي.

نظرت إليها رغدة بيأس، وقالت بنبرة حاسمة:
-طب اهي البنت اتكلمت معاه، يا رب صادق واهله بقى يرتاحوا ويهدوا، مع اني متاكده ان البنت هترفض.

لوحت وفاء بالأمل وهي تجيبها:
-مين اللي قال لك؟! ما يمكن ربنا يهديها وتوافق، اطلعي منها انت واختك بس وهي تعمر.
1

هزت رغدة رأسها باستنكار واضح ، ثم التزامت الصمت تجنباً لإطالة الجدال.

شاور كمال لوالدة زوجته محاولاً تلطيف تلك الأجواء المشحونة، وقال متودداً:
-اشربي الشاي يا ماما.

قطع خلوتهم دلوف "وائل"، الذي اتجه بخطوات مرحة نحو جدته، وانحنى يقبل رأسها بحنو بالغ قائلاً بروح فكاهية:
-فوفة الحلوة عندنا؟! يادي النور يادي النور.

ارتسمت ابتسامة دافئة على ثغرها، ورمقته بنظرات تفيض بالحب وهي تسأله:
-ازيك يا حبيبي، عامل ايه في كليتك؟.

أجابها وهو يهز رأسه برضا وثقة:
-الحمد لله يا تيته كله تمام، بس احنا في أجازة لو مش واخدة بالك.

_______♕_______

مضى طريق العودة في صمتٍ مخيف،لم يلتفت نحو بسمة ولو لملحة واحدة، ظل يطالع الطريق أمامه بملامح جامدة كالصخر، لكن يداه القابضتان على عجلة القيادة بقوة حطمت عظام أصابعه كانت تفضح ذلك البركان الثائر في صدره، لم يكن غاضباً منها، بل كان غاضباً من فكرة أنها تعرضت للأذى، ومذعوراً من احتمالية تعرضها للإهانة، أما هي، فكانت تجلس بجواره بجسد يرتجف، وعينين تائهتين ينهشها الندم والخوف.

وصلا للمنزل، وما إن فُتح باب الشقة، حتى وجدا سامية، تجلس بجوار كريم، والدموع تغرق وجنتيها، فور رؤيتها لـ بسمة، انتفضت مهرولةً نحوها، وقالت بنبرة منكسرة لائمة:
-كده يا بسمة؟ على آخر الزمن اخوكِ يروح يجيبك من القسم، هي دي الأمانة اللي أبوكِ مأمنها لك يا بنتي؟
وتابعت بنظرات جالدة:
- بتكذبي عليا يا بسمة؟

في حين اندفع كريم نحو شقيقته كالإعصار، وقبض على ذراعها بقوة وعنف هز كيانها، صاح بوجهها وعيناه تشتعلان غضباً:
-والله عال يا ست بسمة، على آخر الزمن هنروح نلمك من الأقسام زي بنات الشوارع؟ والله لأموتك يا بسمة.

تدخل رشيد بسرعة قبل أن يتطور الأمر، واندفع يخلص ذراع بسمة من قبضته الجافة، دافعاً بكريم بعيداً وهو يحاول الحفاظ على هدوئه:
-اهدى يا كريم، الأمور ما تتحلش بالطريقة دي يا اخي.

التفت إليه صارخاً بملء صوته، والشرار يتطاير من عينيه:
-أمال هتتحل إزاي يا رشيد؟! الهانم فضحتنا، وبكرة لما أهل الحتة يعرفوا هتبقى سيرتنا على كل لسان.

جذبت يدها بقوة، وحاولت استجماع شجاعتها المنهارة، وراحت تهتف وهي تبحث عن كرامتها المذبوحة:
-أنا ما عملتش حاجة غلط عشان تشبهني ببنات الشوارع،أنا كنت في مظاهرة محترمة في وسط طلبة محترمين، وفي قلب الجامعة.

تضاعف غضب كريم، وبدا وكأنه سيفقد السيطرة تماماً على أفعاله، فرمقها بنظرة حارقة وهو يقول:
-أنتِ يا بنت جايبة البجاحة دي منين؟ يعني بعد المصيبة اللي عملتيها لسه ليكِ عين تتكلمي؟!

وتابع مهددًا:
-طب إيه رأيك بقى عشان قلة أدبك دي ما أنتيش رايحة الكلية تاني، ولا رجلك هتعتب برة الباب ده تاني.

لم يتمكن رشيد من كبح جماحه أكثر، فصاح بكريم بعصبية شديدة هزت أرجاء المكان:
-ما تهدى بقى يا أخي خلينا نعرف نتكلم بالعقل.

انتهزت الأم فرصة المشاحنة بين الشابين، فجذبت بسمة بسرعة من بينهما، ودفعتها بقوة نحو غرفتها قائلة بهلعٍ:
-ادخلي جوة يا مقصوفة الرقبة، غيري هدومك قبل أبوكِ ما يجي ويشوفك بالمنظر ده ويجرى له حاجة بسببك.

دلفت إلى غرفتها وأغلقت الباب، لترتمي على سريرها وتنفجر في بكاء مرير، تختلط فيه مشاعر الخوف بالمهانة.

في الخارج، زفر رشيد بضيق شديد، ثم أمسك بكريم الذي كان يتنفس بسرعة من فرط عصبيته، وقاده برفق نحو الأريكة، قائلاً في محاولة لتهدئته:
-تعال اقعد يا كريم وصل على النبي كده.

هز كريم رأسه بجنون، وقال وهو يجلس مرغماً:
-أهدى إزاي يا رشيد؟! ده احنا سيرتنا هتبقى على كل لسان في الحتة.

أجابه بنبرة عقلانية وهدوء استدعاه بصعوبة :
-وأهل الحتة هيعرفوا منين بس يا ابني؟

عقب كريم بيأس:
-هي في حاجة بتستخبى؟ ما الهانم معاها بنات هنا من الحارة في كلية القاهرة، وأكيد الطلبة بتبلغ بعضها.

نظر إليه بعمق، محاولاً تهوين الأمر والدفاع عن شقيقته:
-حتى لو ده حصل إيه المشكلة؟ هي أختك كانت عملت إيه يعني؟ عيلة متهورة وطلعت في مظاهرة، لا عملت شيء مخل ولا حاجة لا قدر الله توطي راسنا.

قطع نقاشهما صوت حركة المفتاح في الباب الخارجي، انتفضت الأم، ومسحت دموعها بكم ثوبها بسرعة، والتفتت إليهما محذرة بنبرة هامسة متعجلة:
-أبوكم جه، أوعى حد فيكم ينطق قدامه بحرف من اللي حصل.

ولج عبد الرحمن، يحمل بطيخة كبيرة بين يديه، ووجهه يكشف عن إرهاق يوم طويل، نظر إلى تجمعهم غير المعتاد وقال بنبرة هادئة:
-السلام عليكم.

رد الجميع السلام بصوت واحد محاولين رسم ملامح طبيعية، أسرع رشيد نحوه وأخذ منه البطيخة متوجهاً بها إلى المطبخ، بينما اقتربت سامية من زوجها بابتسامة باهتة وقالت:
-تسلم إيدك، تعيش وتجيب لنا يا أخويا، على ما تغير هدومك وتصلي العصر هكون جهزت لكم الغدا.

مرت الدقائق الثقيلة كأنها دهور، حتى وضعت الأم الطعام وبدأوا بتناول الغداء معاً في جو مشحون بالتوتر، التفت عبد الرحمن حول المائدة ولم يجد ابنته، فسأل بفضول:
-أمال فين بسمة؟.

سارعت سامية بالإجابة بنبرة عادية مصطنعة:
-دي عندها صداع ونامت يا اخويا.

تنفس الجميع الصعداء بعد أن انطوت هذه الصفحة الصعبة من اليوم، ومرت العاصفة بسلام.

______♕_______

بمنزل فاطمة، جلست برفقة رقية، عايدة، وأماني، تحدثت عايدة والبهجة تلمع في عينيها وهي تبشرهم بنبرة حماسية:
-مش أنا كلمت أشرف امبارح وقال لي إنه بدأ يكلم دليلة، وقالي كمان ان فيه بوادر خير، وأنا بكرة هتصل بدليلة وأجس نبضها.

لم تكد تنهي بجملتها، حتى التفتت إليها فاطمة، وبدت على ملامحها الجدية والانزعاج، وهي تقول بنبرة حاسمة:
-بقول لك إيه يا عايدة، ابعدي خالص عن الموضوع ده وسيبي البنت هي اللي تقرر بنفسها، وتقول إذا كانت عايزاه ولا لأ.

امتعضت ملامح رقية، واعتلت وجهها دهشة ممزوجة بضيق، وراحت تهتف بكلماتٍ عاتبة:
-جرى لك إيه يا فاطمة؟ أنتِ كل ما واحدة فينا تتكلم تقولي ابعدوا عن الموضوع وسيبوا البنت براحتها.

وتابعت مستنكرة:
-دي عيلة صغيرة ولازم نوعيها على مصلحتها.

تنهدت فاطمة بثقل، ونظرت إلى والدتها بعينين يملؤهما الخوف والقلق، وقالت مدافعة عن وجهة نظرها:
-يا ماما أنا عايزة البنت تختاره بمزاجها ومن غير ضغط، عشان بعد كده ما يحصلش في الأمور أمور وأخسر أنا أخويا فيها.

أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تتابع بنبرة جادة:
-أنا كلمت أشرف وقلت له آخرك معاها الشهر ده، ولو البنت قالت لأ تبقى هي حرة وإياك تضغط عليها تاني، هي ولا خالك.
2

اتسعت أعين الحاضرات بدهشة واستغراب، وتبادلن نظرات صامتة ومليئة بالتساؤلات.

كن يظنن أن فاطمة ستكون أول من يطير فرحاً بهذا التقارب، فهي تحب دليلة من أعماق قلبها، لكن هوس فقدان شقيقها، وذلك الخوف المرعب من خسارته إن فشلت تلك الزيجة، كان يفرض سيطرته الكاملة على مشاعرها، ويبدد أي بارقة سعادة .
1

_______♕_______

مع مرور الأيام، بدأ أشرف في نسج خيوطه الساحرة بحرفية حول دليلة، واضعاً نصب عينيه تحدياً واحداً لا بديل عنه، وهو أن يغزو قلبها البرئ ويجعلها تذوب عشقاً فيه.

توالت مكالماتهما اليومية على مدار عشرة أيام، كشِباكٍ من حرير، طوق بها قلبها حتى تعلقت به تمامًا دون أن تدرك، وغدت دقات الساعة وهي تعلن التاسعة مساءً اللحن الأجمل لمسامعها،والطقس المقدس الذي لا تكتمل سعادة يومها إلا به.
1

لكن في اليوم الحادي عشر، دقت الساعة التاسعة، ولم ينير هاتفها بحروف اسمه،انتابتها حيرة ممزوجة بغصة غريبة، وظلت تطالع شاشة هاتفها المظلمة، منتظرة لقرابة ساعة كاملة، والوقت يمر كأنه دهر.

وعندما استبد بها القلق ولم يأتِ صوته، هربت من جدران غرفتها الضيقة ونزلت لتجلس مع والدتها في حديقة المنزل، مستسلمة لنسيم الليل، لكن عقلها كان شاردًا بعيداً، يبحث عن تفسير لغيابه المفاجئ.

تكرر المشهد الصامت في اليوم التالي، جاءت التاسعة، فصعدت غرفتها بلهفة تخفيها عن الجميع، لكن الهاتف ظل على صمته العنيد.

تملكها ضيقٍ عارم من ذلك الـ أشرف، وراحت تذرع الغرفة ذهاباً وإياباً بقلق متزايد، لمعت في رأسها فكرة أن تبادر هي بالاتصال لتطمئن عليه، لكن كبريائها وخجلها الأنثوي منعاها، وتحت هذا الحصار، لم تجد ملاذاً سوى صديقتها "ندى"، فطلبت رقمها على الفور وقصت عليها ما حدث بنبرة متوترة.

أجابتها ندى مستغربة:
-طب وأنتِ زعلانة ليه؟ أنتِ أصلاً مجبرة على مكالماته.

شعرت بارتباك شديد، ووجنتيها اشتعلتا حمرة، فهتفت بسرعة محاولة مداراة ملامحها حتى عن نفسها:
-هو أنا بقول لك إن أنا زعلانة؟! أنا بس مستغربة،وخايفة ليكون جرى له حاجة ولا تعبان.

انطلقت ضحكات ندى عبر الهاتف، وقالت بنبرة ذات مغزى ومشاكسة:
-شكلك بدأتي تتعلقي بيه يا قطتي.

انتفضت وكأنها تنفي عن نفسها تهمة عظمى، وراحت تقول بنبرة متلاحقة مليئة بالإنكار:
-أتعلق إيه بس يا بنتي! أنا زي ما قلت لك بالضبط، خايفة ليكون تعبان، في الآخر هو ابن عمتي برضوا.

كررت ندى ضحكتها، وقالت متهكمة:
-هحاول أصدقك.

شعرت دليلة أن حصونها تكاد تتهاوى أمام ذكاء صديقتها، فسارعت إلى تغيير مجرى الحديث كلياً، قافزة إلى موضوع آخر لتلوذ بالفرار من تلميحات ندى التي أيقظت في صدرها مشاعر لم تكن مستعدة لمواجهتها بعد.
________♕________

جاء اليوم الثالث، وكانت عقارب الساعة تشير إلى الثامنة والنصف مساءً، جلست إلى الطاولة تتناول العشاء مع والديها وشقيقها، جسدها وحده هو من كان حاضراً، بينما تاهت عيناها وهي ترمق الساعة المعلقة على الحائط بين الثانية والأخرى بلهفة قلقة.

لم تفت تلك النظرات المشتتة والدتها التي تنفست الصعداء في تنهيدة صامتة، لقد أدركت بغريزتها أن ابنتها قد وقعت في شباك العشق بالفعل، وأن قلبها بات معلقاً بذلك الصياد الماهر.

أنهت طعامها بسرعة وتوتر ملحوظين، ثم نهضت قائلة بنبرة مهتزة:
-أنا طالعة أوضتي يا ماما، عاوزه حاجه؟

أطرقت منى بصرها نحو صحن طعامها، وانعكس قلقها على وجهها الذي توشح بحزن باهت، من شدة الخوف على صغيرتها، وقالت بنبرة ساكنة:
-اطلعي يا دليلة.

على الجانب الآخر، كانت نظرات "صادق" تتابع ابنته الراحلة بملامح هادئة، وكأنه يرى الأمور تسير في نصابها الصحيح.

دلفت دليلة إلى غرفتها، والتوتر يأكل ثباتها، نظرت إلى هاتفها للحظات، ثم ألقته فوق الفراش وعادت تذرع الغرفة ذهاباً وإياباً في حلقات مفرغة، وكل بضع دقائق تطالع ساعة معصمها بقلب يخفق بعنف.

وما إن أعلنت العقارب تمام التاسعة، حتى التفتت نحو الهاتف الملقى على الفراش، وعيناها تلمعان بأمل يترقب تلك النغمة المألوفة، مرت دقيقة، ثم دقيقتان، وأصبحت الساعة التاسعة ودقيقتين دون جدوى.

أصيبت بإحباط شديد، واجتاحتها موجة من الضيق والخذلان، وكادت أن تستسلم لليأس، لولا أن انشق صمت الغرفة فجأة برنين الهاتف ، لتضيء الشاشة باسمه، طارت فرحاً، وجرت نحو الفراش تلتقط الهاتف بلهفة عارمة لم تستطع تزييفها، ضغطت زر الرد قائلة بملء صوتها المشتاق:
-ألو.

جاءها صوته من الطرف الآخر مسترخياً ومفعماً بهدوءٍ مريب:
-إزيك يا دليلة؟

أثار هذا البرود المصطنع حنقها، وامتزج شوقها بحدة وغضب طفولي كأنها تعاتبه على قسوة غيابه، فسألته بنبرة لاذعة:
-أنت ما رنتش ليك يومين ليه؟!

رغم أن قلبه كاد يرقص طرباً من فرط السعادة بلمس ذلك الاهتمام وتلك اللهفة الواضحة في صوتها، إلا أنه حافظ على نبرته الهادئة والمقصودة لإتمام خطته، وأجابها متصنعاً الأسف:
-معلش، اليومين اللي فاتوا كان عندي شغل كتير جداً وكنت برجع البيت متأخر.

ثم أردف بحجة ذكية:
-وكنت بخاف أرن عليكِ لتكوني نايمة.

سارعت بالنفي لتنزع عنه ذلك العذر، وقالت دون تفكير:
-أنا مش بنام بدري على فكرة.

اتسعت ابتسامته، وغمره شعور بأن الأرض لا تسعه من فرط البهجة والانتصار، وبكل جرأة، ووثوق عاشق يدرك مدى جاذبيته، باغتَها بسؤال مباشر:
-وحشتك؟

صُعقت من جرأته، واشتعلت وجنتاها بحمرة الخجل الطاغي، فالتزمت الصمت تماماً، عاجزة عن الرد.

أدرك حرجها، فابتسم والتف حول السؤال بلطف مغيرًا صيغته:
-قصدي يعني، وحشك كلامنا وحكاوينا بتاعة كل ليلة؟

تسللت ابتسامة رقيقة إلى شفتيها، وتلاشت حصون كبريائها أمام نبرته المهلكة، فقالت بعفوية:
-بصراحة، آه.

ثم تابعت بحماس أخذ يجرفها دون وعي:
-تعرف لما ما كلمتنيش امبارح، قعدت أفتكر كلامنا أول يوم عن الطيارة، و......

ولم تكد تكمل عباراتها، حتى قاطع سيل كلماتها بصوت عميق ودافئ، هز كيانها وأوقف الزمن من حولها حين قال:
-دليلة أنا بحبك، وخلاص مبقتش قادر أكتمها جوايا أكتر من كده.

نزلت الكلمة على قلبها كزلزال عنيف بعثر دقاته، وبدون وعي منها، شعرت بانتفاضة تسري في جسدها بالكامل، بينما واصل أشرف حديثه بنبرة مغلفة بالصدق وعشق جارف وصل للمنتهى:
-وأنتِ كمان على فكرة بتحبيني.

وتابع يشرح لها:
- لهفة صوتك وأنتِ بتردي عليا النهاردة فتنت عليكِ.

ثم أردف بيقينٍ حازم:
-زعلك مني وأنتِ بتلوميني أكدوا لي إني بقيت كل دنيتك، زي ما أنتِ كل دنيتي.

حين طال صمتها، انخفض صوته إلى همس دافئ دغدغ حواسها:
-ساكتة ليه يا حبيبتي؟

أحدثت كلمة "حبيبتي" رجة أخرى في كيانها، وشعرت وكأنه يتعمد حصارها بمشاعره من جميع الجهات ولا يترك لها منفذاً للهروب.

أغمضت عينيها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة تلقائية عذبة، تحمحمت محاولة استجماع شتات صوتها، وراحت تقول بحرج:
-عاوزني أقول إيه؟

أجابها بسرعة ولهفة عاشق ينتظر الخلاص:
-قولي إنك موافقة وريحي قلبي بقى.

رغم أن حصونها بدأت تتهاوى بالفعل، وقلبها أخذ يميل نحوه بوضوح، إلا أنها تراجعت خطوة للوراء بدافع الخوف والتردد، وقالت بصوت متهدج:
-اديني شوية وقت يا أشرف، مش عاوزة أقول ردي غير لما أكون حساه قوي ومقتنعة.

أتاها رده بنبرة صارمة تشملها الجدية، نبرة رجلٍ يمتلك القدرة على ترجمة بريق عينيها، وقراءتهما حتى من وراء شاشة الهاتف:
-أنتِ حبتيني خلاص يا دليلة، ولسه هتوصلي في حبي لدرجة عمرك ما كنتي تتخيلي إنك توصلي ليها،خليكِ فاكرة الكلام ده كويس أوي،لأني بكرة هفكرك بيه يا قلبي.
1

ثم تابع بمرونة وثقة فائقة:
-على العموم أنا هنفذ لك اللي أنتِ عاوزاه وهسيبك براحتك، هسيبك لحد ما تيجي لي بنفسك وتقولي لي.

صمت لثوانٍ معدودة، قبل أن ينطق بحروف يقطر منها الهيام تقطيرا:
-"بحبك ومبقتش قادرة أستغنى عنك يا أشرف"

كانت كلماته تتوالى لتثير فوضى عارمة في مشاعرها البكر وتهز أركان كيانها، ولولا حيائها الفطري، لأعلنت له في تلك اللحظة بالذات، أنه غدا يسكن أدق تفاصيل حياتها.

أطلق زفيراً حاراً تختبئ خلفه مشقة يومه الطويل، ثم قال بنبرة خافتة:
-أنا هقفل بقى عشان هقوم بدري.

سألته بلهفة عفوية لم تستطع كبحها:
-لسه بدري؟

اتسعت ابتسامته بزهوٍ، وسكنت سعادة الدنيا بأسرها قلبه، فراح يجيبها بصدق وعذوبة:
-غصب عني والله، اليومين دول عندي تقفيل حسابات في الشركة والمزرعة وهلكان ما بينهم.

أومأت برأسها بتفهم، وقالت بصوت ناعم:
-أوك، ربنا معاك.

همس لها بصوتٍ دافئ يفيض عشقاً وهياماً:
-تصبحي على خير يا نجمتي.
اتسعت حدقتاها من فرط المفاجأة،وراحت تردد بغير تصديق:
-نجمتك؟

انطلق رده كالسهم دون تردد أو تفكير، وكأن الكلمات كانت تتأهب على شفتيه:
-أيوا يا دليلة، أنتِ نجمتي العالية اللي عشت عمري كله أحلم بيها.

ثم أضاف بصوتٍ مخملي هامس، تقطر من حروفه لوعة التمني:
- ومكمل على أمل إني أطولها وألمسها بإيديا.

شعرت كأنها فراشة ترفرف بجناحيها الزاهيين وتحلق بعيداً فوق السحاب، وبمجرد أن أنهت المكالمة، دارت حول نفسها في أرجاء غرفتها،لتتراقص بخفة كالفراشات.

هرعت نحو النافذة، وظلت تتأمل النجوم المتلألئة في السماء، وتدندن معها بسعادة وهيام لا يوصفان، كانت هذه المرة الأولى التي تتذوق فيها حلاوة هذه الأحاسيس وتقتحمها تلك المشاعر الجارفة.

اندفعت نحو هاتفها لتتصل بندى دون تردد، فقد ضاق صدرها بفيض الفرحة، وقررت أخيراً أن تبوح لها عن تلك المشاعر الجارفة.

مرت خمسة أيام أخرى، في كل ليلة، ومع اقتراب الساعة التاسعة، كانت تهرع نحو غرفتها لتنتظر موعد اتصاله وكأنها تترقب هلال العيد بلهفة.

وبخبرته العريضة، كان يعرف كيف يعلقها به أكثر مع كل يوم يمر، ويزيد من جرعة اشتياقها له، حتى جاء صباح يومٍ استيقظت فيه وقد حسمت أمرها واتخذت قرارها النهائي.

نزلت إلى الطابق السفلي لتجد والدتها في المطبخ، فسألتها بهدوء مصطنع:
-فين بابا يا ماما؟

أجابتها دون أن تلتفت:
-قاعد برة في الجنينة.

ثم تابعت وهي تسكب القهوة في الفنجان:
-خدي القهوة دي معاكِ وديها له.

التقطت الفنجان وتوجهت صوب الحديقة،لتجد والدها يتهادى بخطوات ساكنة بين ظلال الأشجار. دنت منه والبسمة ترتسم بعذوبة على محياها، وقالت:
-صباح الخير يا بابا.

التفت صوبها وانفرجت أساريره عن ابتسامة حانية، وبسط كفه ليأخذ منها الفنجان وهو يقول:
-صباح النور يا حبيبتي.

وقفت أمامه، وأخذت تفرك يديها بتوتر بدا واضحاً على ملامحها المرتبكة، وقالت بصوت متهدج:
-بابا، كنت عاوزة أقول لك على حاجة.

ارتشف رشفة من قهوته، ونظر إليها بحنو بالغ وهو يقول:
-قولي يا قلب بابا.

بلعت ريقها بصعوبة، واستدعت كل ما تملك من شجاعة وقوة للافصاح عما يجيش به صدرها، وقالت بنبرة قاطعة:
-أنا موافقة على خطوبتي من أشرف.

انتهى الفصل

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا