رواية ليلة في منزل طير جارح الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم ياسمين عادل
رواية ليلة في منزل طير جارح الفصل الثالث والثلاثون 33 هى رواية من كتابة سوما العربي رواية ليلة في منزل طير جارح الفصل الثالث والثلاثون 33 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية ليلة في منزل طير جارح الفصل الثالث والثلاثون 33 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية ليلة في منزل طير جارح الفصل الثالث والثلاثون 33
رواية ليلة في منزل طير جارح الفصل الثالث والثلاثون 33
"أحيانًا تولد وبداخلك شخصين، أحدهما يخشى الدم؛ بينما الآخر يعرف جيدًا متى وكيف يسيل."
_____________________________________
وضعت أمامها صينية كبيرة تحمل صنوف متعددة من الطعام، مع رعاية احتياجات جسدها من العناصر الغذائية الضرورية والهامّة لنمو صحي للجنين والحفاظ على جسدها من الإنهيار خلال فترات الوهن القادمة. نظرت "رحيل" إلى الطعام مستنكرة، ثم صوّبت عيناها إليها وهي تردف بفظاظة :
- مش قولتلك مش عايزة حاجه!.. ومش عايزاكي انتي كمان هنا معايا، سيبيني لوحدي.
ذمّت "ناهد" على شفتيها بأسف وهي تنقل إليها بإيجاز الأوامر التي كُلفت بها من "هاشم" بالإعتناء بها ومرافقتها طيلة الوقت :
- للأسف مقدرش، أنا جايه هنا عشان مهمة محددة مقدرش أخالفها.
رمقتها "رحيل" شزرًا قبيل صياحها :
- وانا مش عايـزاكـي هنـا.
طرقتين على الباب قبل أن تدخل تلك الفتاة الثلاثينية وهي تقول :
- معاد العلاج جه ياهانم.
ثم ولجت متجهة إليها وهي تتابع :
- ممكن تاكلي كويس قبل العلاج؟.
كانت نظرات الذهول على تعابيرها بينّة للغاية، وإذ بها تتفاجأ إنها محاطة بعاملات جدد لتطويق تحركاتها وفرض سيطرته عليها حتى وهو في الخارج. عقدت "رحيل" ذراعيها أمام صدرها وهي تسألها بإستنكار :
- وانتي مين انتي كمان؟.
- أنا ريهام.. ممرضة وهفضل مع حضرتك لحد الولادة ان شاء الله.
وزعت نظرات الرفض والإمتعاض بينهن وهي تقول :
- أنا ولا عايزة خدامين ولا ممرضين، سيبوني في حالي وأخرجوا برا.
أظهرت "ريهام" جديتها وهي تقول :
- أنا كده هضطر أعلق لحضرتك محاليل بديل للتغذية اللي رفضاها، عشان صحة الجنين وصحتك.
ثم نظرت لصديقتها من أجل تنفيذ الخطوة التالية، وهي تكبيل حركتها وإجبارها من أجل وضع المحاليل الطبية؛ لكنها تشنجت بشدة وهي تبتعد بظهرها للخلف، لتصرخ فيهن صراخًا متعصبًا:
- خــلاص أبعـدوا.. أبعـدوا.
ابتعدن عن الفراش ثم بدأت "ناهد" في سحب طاولة الطعام للإقتراب منها وهي تعقب :
- صدقيني إحنا هنا في خدمتك ووظيفتنا الإهتمام بيكي وبس.
ثم ابتسمت وهي تمازحها :
- في حد يلاقي دلع ويقول لأ.
حدجتها "رحيل" بنظرات مستحقرة وهي ترد :
- هو انتي هتصاحبيني؟؟؟.
تراجعت "ناهد" عن الأسلوب اللين الطريف، وتحولت تعابير وجهها للجمود الفوري وهي تقدم لها الطعام :
- أتفضلي.
نظرت "رحيل" للطعام وقد بدأ شعور الغثيان يهاجمها، لم تتحمل تلك الرائحة المنبعثة منه على الإطلاق، على الرغم من إنه شهي وطازج، إلا أن أعراض الحمل الأولى بدأت تتكاثر عليها وكانت تلك أولاهم.
انتفضت "رحيل" من مكانها وركضت نحو دورة المياة وكلاهن من خلفها، تقيأت وهي تحس تلك الحرارة الشديدة تنبعث من جوفها، حتى آلمتها معدتها وبدأ الوجع ينتشر في أنحاء أخرى من جسدها. مدّت "ريهام" يدها إليها كي تساعدها على النهوض لكنها رفض ذلك العون الذي تبغضه، ثم تحاملت على نفسها واستندت على الجدار لكي تغسل وجهها، ثم إتكأت ببطء حتى تصل للخارج من أخرى.
سحبت منديل ورقي لتمسح به وجهها، ونظرت إليهن وهي تردف :
- مش عايزة الأكل ده.. أنا عايزة سمك.
نظرت "ناهد" لساعة يدها قبل أن تجيب :
- حالًا.
رفعت صينية الطعام الذي لم ترغب به وخرجت، ثم هبطت الدرج لترى "هاشم" بالأسفل ونظراته المستهجنة على الطعام :
- إيه ده ؟! الأكل زي ما هو؟؟.
ثم نظر إليها وعيناه تحدق فيها :
- أمال انتي جايه هنا تهببي إيه؟!
أجابته برسمية :
- الهانم مش عايزة الأكل ده.. عايزة سمك.
قطب "هاشم" جبينه بإستغراب :
- يعني انتي صدقتي إنها هتاكل عادي بس مشكلتها في نوع للأكل مش كده!.
شرحت له "ناهد" بإيجاز :
- المدام أول ما شافت الأكل نفسها غمّت عليها ورجعت، يعني فعلًا مش متقبلاه، وطبيعي يكون نفسها في أكل معين فـ انا هجيبلها اللي عايزاه وهتاكله.
- طب روحي وانا هتصرف.
أخرج هاتفه من جيب معطفهِ وبحث عن ذلك الرقم فيه فلم يجده، فـ تواصل مع "مراد" لكي يجده له :
- أيوة يامراد.. كان في مطعم سمك بنطلب منه لما نيجي هنا، معاك رقمه؟؟.
************************************
كان يراقب ولده من النافذة العلوية للبيت القديم المتهالك الذي انتقلت إليه العائلة مؤخرًا، بعدما بات البيت الكبير لـ آل طحّان گكومة محترقة بالية، وقد يحتاج لشهور عديدة كي يستعيد قوته وبنيانهِ. كان جليًا عليه إنه يتحدث في أمرٍ هام، حتى إنه كان ينظر يمينًا ويسارًا من الحين للآخر، كي يتأكد إنه مُحاط بالسرية والهدوء، مما زرع الريبة في نفس "حمدي"، وجعل صدرهِ يتآكل خشية أن يحدث ما يفكر فيه.
تحرك "حمدي" من مكانه متكئًا على عكازتهِ، فـ استوقفته "سعاد" وهي تنظر إليه بتمردٍ، ولا زالت ترتدي ملابسها السوداء التي أقسمت ألا تنزعها إلا بعد عودتهم للديار. تأفف "حمدي" وهو يشيح بوجهه عنها صائحًا :
- أبعدي من قدامي ياولـية.. خليني أشوف ابنك الحيلة بيهبب إيه من ورايا.
لم تهتم بكلماته أو تعطي لها أي أهمية، بل سألته عن الأمر الذي نهش في ضلوعها وكأنه حريقًا مُضرمًا:
- هرجع داري أمتى ياحج؟!.. لينا شهور واحنا هنا.
لكزها بعكازتهِ كي تبتعد من أمامه، متجاهلًا حتى الرد عليها، ومضى في طريقه وهو يتمتم بكلمات لم تفهمها، بينما هي گالجمرة المشتعلة، لا تنطفئ نارها أبدًا.
خرج "حمدي" من المنزل ليجد "حسين" قد أنهى مكالمته الهامة، فسأله بتوجس :
- كنت بتكلم مين ياحسين؟.
تنهد "حسين" قبل أن يجيبه بنبرة تشوبها رائحة الخديعة:
- المحامي ياحج، بتابع معاه وضعي يعني.
وقف "حمدي" أمامه وهو ينظر لعيناه المظلمة، كي يقرأ ما بينهما من سطور؛ لكنه عجز عن رؤية أي شئ سوى الظلام المقلق الخطير. ضرب "حمدي" الأرض بعكازته وهو يأمره بلا مناقشة أو تريُّث :
- اللي في دماغك ده تشيله نهائي، أبعد عن العزيزي ياولدي.. ده مش وقته ولا معاده.
تجهم وجه "حسين" على الفور، ولم يُخفي السوء المبيت في نواياه وهو يرد :
- أبــعـد!!.. هو اللي واقف في طريقي يابا.. كان الأولى هو اللي يبعد، وميلمسش حاجه مش بتاعته.
قال كلمته الأخيرة منوهًا على ملكيته - الغير مستحقة- لها، وهو يشدد على إنه لن يترك الأمر :
- بس طالما هو اللي بدأ يبقى خلاص.. مبدهاش بقى.
ثم نظر للمنزل القديم الذي يسكنوه وهو يقول متحسرًا :
- إزاي قلبك طاوعك ياحج ترجع بيت جدي الكبير وتنسى اللي حصلنا!! وكمان بتقولي بكل سهولة كده أبعد؟!..
تنهد "حمدي" وهو يتحدث إليه ببعض العقلانية، لكي يتفادى أعظم الخسائر، ولا يضحي بولده الثاني في حروب العوائل :
- أسمع ياحسين، أنا عارف هنجيب حقنا إزاي، بس انت لازم تبعد الحكومة عينها عليك ياولدي.. سيبني أنا هتصرف معاه في الوقت والمكان المناسب، من غير ما نسيب ورانا أثر.. دلوقت لازم تفكر في حاجه أهم.
قطب "حسين" جبينه وتلك البسمة المستهزئة قد تبينت على ثغره :
- هو إيه بقى الأهم من سمعتنا واعتبارنا ياحج؟؟.
وضع "حمدي" كفه على كتف "حسين" وهو يردف بـ :
- ولادك ياحسين.. لازم العيال ييجوا يعيشوا هنا تحت ضلك ياولدي، عمرو مش هيربي ولاد ولدي وأبوهم عايش.
أشاح "حسين" بوجهه جانبًا، وكأنه لم يهتم للأمر كثيرًا :
- مش وقته يا حج، خليها تفرح بيهم يومين، هي كمان ليها حساب معايا، وأكـيد هييجـي وقتـه.
************************************
كان بالأسفل ينظر إليها رافعًا رأسه إلى أعلى، حيث كانت تجلس بالشرفة تتناول طعامها وهي توليه ظهرها لا تراه، وعلى ما يبدو إنها فرغت من ذلك للتو.
رفعت "ناهد" صينية الطعام ودخلت، بينما تولّت "ريهام" مهمة إعطائها دواءها، فدخل "هاشم" ليرى "ناهد" قد نزلت الدرجات القليلة وتنظر إليه. ألقى "هاشم" نظرة على الطعام، ثم عاد ينظر إليها مستنكرًا :
- إيه ده ؟؟دي مكلتش حاجه؟.
- بالعكس يافندم كلت وشبعت، بس الشهور الأولى بتكون أكلة الحامل ضعيفة شويه، متقلقش أنا هخلي بالي منها كويس أوي.
أشار إليها لكي تنصرف، وعيناه متسلطة على باب غرفتها، متحيرًا ما بين زيارتها أو لا!.. وفي الأخير نفض عن ذهنه تلك الفكرة، ليدعها قليلًا مع بعض التجاهل، بعد فعلتها التي أقدمت عليها أمس.
جلست "ريهام" في زاويةٍ ما، بعد أن فتحت إليها التلفاز لكي تلتهي قليلًا، فأمسكت "رحيل" بجهاز التحكم وراحت تُقلب بين القنوات الفضائية بنظرات فارغة، كأنها لا ترى أي شئ من الأساس، وإنما تضيع الوقت هباءًا لكي يمر وينتهي؛ وإذ بعيناها تقف على ذلك الخبر المكتوب أسفل الشاشة في شريط أحمر بخط واضح وصريح :
"القاتلة مزّقت ذراعيّ زوجها بعدما قتلتهُ لكي تنتقم منه لضربهِ إياها"
تعلقت عينا "رحيل" بالعبارة، وقرأتها لأكثر من مرة تباعًا، ثم غاب عقلها عن الوعي لبضع لحظات، وهي تفكر في تلك الفكرة الشنيعة، لأول مرة منذ حدث ما حدث. فجأة انتبهت إنها ليست بمفردها، وأن ثمة عيون تتفحصها وتراقبها عن كثب، فـ غيّرت القناة على الفور وهي توجه الكلام إلى "ريهام" :
- أنا عايزة الجرايد بتاعت بكرة الصبح.
أومأت "ريهام" رأسها بالإيجاب :
- حاضر.. الصبح يكونوا عند سيادتك.
أغلقت "رحيل" التلفاز وتركت الجهاز وهي تقول :
- أقفلي النور وأطلعي برا عايزة أنام.
ثم فتحت إضاءة الأباجورة الخافتة ودثرت نفسها بالغطاء، فـ أغلقت "ريهام" الإضاءة الأساسية وعادت تجلس مكانها في صمت، لتتأفف "رحيل" وتشيح بوجهها بعيدًا، وقد ضاق صدرها لما يفعله في حقها، بدلًا من الندم.. الإعتذار.. التراجع عن إيذائها.. مازال مستمرًا في استعبادها والتلاعب بها واستخدامها گآداة لتنفيذ رغباتهِ، ورغبته فيها الآن لأطفاله الذين تحتضنهم في رحِمها، ليس في "رحيـل" نفسها،وهذا هو أكبر ما يؤذيها.
*************************************
كانت الشمس قد استقرت في حُضن السماء الصافية، تنسدل خيوطها اللامعة على الكون في تناغمٍ ودفء، مرّت الساعات الماضية بسرعة البرق؛ إلا عليها هي، وكأن الليل كُله مرّ عليها في التفكير الطويل والمرهق.
تقدمت منها "ريهام" بتؤدة لئلا توقظها، ونظرت إليها من مسافة مقبولة هكذا لتطمئن عليها وهي نائمة، لتتفاجأ بها مستيقظة ولكنها ممدة هكذا على جانبها، تنظر للسماء عبر زجاج الشرفة الشفاف، بعينين فارغتين ساكنتين. كادت "ريهام" تبتعد عنها إلا أنها سمعت صوتها الضعيف وهي تقول :
- عايزة عصير لمون.
تنحنحت "ريهام" وهي تلبي رغبتها على الفور - كما أمرها "هاشم" -، وانسحبت للخارج لكي تتحدث إلى "ناهد" فتُجهز لها المشروب والإفطار.
حينئذٍ، كان "هاشم" قد استيقظ للتو وخرج من غرفتهِ، مرّ على غرفتها ووقف هناك للحظات، مدّ يده بتردد نحو المقبض؛ لكنه جمد هكذا وهو ينظر للفراغ، إذ كانت قطعة بداخله تحثّه على عدم الإحتكاك المباشر بها على الأقل حاليًا، لعلها تهدأ قليلًا وتفكر مليًا في أمر الإجهاض الذي جال على خاطرها مع أول اصطدام معه. سحب يده على الفور وتحرك نحو الدرج ليصادف "ريهام" في طريقه، فـ رمقها شزرًا وهو يسألها بشئ من الحِدة:
- انتي إيه اللي خرجك من الأوضة؟؟.. مش فهمتك متسيبهاش لوحدها ثانية واحدة؟!.
توترت "ريهام" على الفور وهي تخبره بـ مبررها لعله يغفر لها :
- المدام طلبت عصير لمون وكنت بقول لناهد تعمله مع الفطار.
فـ صاح بوجهها ليجعلها ترتجف في مكانها بغتةً :
- أمـال التلـيفونات اتعملت ليـه!! .
أطرقت رأسها لئلا ترى تلك النظرات التي تُرجفها، وهتفت بصوت يخالجهُ القلق :
- أسفه.. مش هتكرر تاني.
أشار لها كي تتحرك من أمامه، فأسرعت بالفرار قبل أن تفقد وعيها، وعادت تدخل إليها وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة بالغة، لترى "رحيل" جالسة على الفراش ترنو إليها بشماتة، قبل أن تردف قائلة :
- شوفتي الباشا اللي جايبكم وبتسمعي كلامه بالحرف عاملك إزاي!..
نظرت "ريهام" لساعة يدها متجاهلة تلك العبارة الشامتة وهي تقول :
- ده معاد الدوا بتاع الغدة الدرقية قبل الفطار بنص ساعة.. لازم ناخده دلوقتي.
وانتقلت إلى حقيبة علاجها كي تختار الأقراص المطلوبة، ثم سكبت الماء في الكأس ومدتهُ إليها ولا تزال تُهرب عيناها من النظر إليها، حتى فرغت من أداء المهمة، في اللحظة التي دخلت فيها "ناهد" وهي تحمل طعام الإفطار لتسألها :
-تحبي تفطري هنا ولا في البلكونة؟.
لم تردّ "رحيل" عليها، بل نهضت عن الفراش وسحبت وشاح الرأس كي تضعه على رأسها بشكل فوضوي هكذا، ثم فتحت الشرفة لكي تفهم "ناهد" جوابها الغير مباشر. جلست "رحيل" على الطاولة المستديرة وهي تنظر للأطعمة التي تجهزت لأجلها، على الرغم من عدم اشتهائها للطعام البتة إلا إنها أصرت على تناول بضعة لُقيمات، من أجل حياة أطفالها اللائي لا ذنب لهم فيما يحدث، ثم نظرت لشراب الليمون وفي عيناها لمحات من التردد، قبيل أن تهمّ بإمساكهِ لإرتشاف أول رشفة منه.
كان "هاشم" بالأسفل يستعد للخروج؛ عقله مسلوبًا بالمكالمة الهاتفية الهامة التي كان يُجريها، حينئذٍ رفع عيناه بالصدفة نحو الشرفة ليراها هناك؛ لكنه لاحظ شيئًا ما غير طبيعي، كأنها تتألم أو تشكو من شئ ما، وفجأة نهضت عن الطاولة وأسقطت صينية الطعام كلها وهي تتمسك ببطنها وتصرخ صراخًا مستغيثًا، فلم يشعر "هاشم" بنفسه إلا وهو يركض ركضًا مهرولًا إليها، وقد دبّ الذعر في صدرهِ دبًا، حتى وصل للغرفة واقتحمها، ليراها بين يدي "ناهد" و "ريهام" يسانداها نحو الفراش، فسألهم بإرتياع :
- في إيـه اللي حـصل؟.
أجابته "ريهام" بنبرة قلقة :
- رجعت وجالها مغص شديد فجأة، هكلم دكتور فتحي حالًا.
لم ينتظر "هاشم" وبادر بـ مساندتها أولًا :
- لا لا، أنا هاخدها على المستشفى على طول.
كانت خطواتها ثقيلة ويدها على بطنها الموجوعة، فلم يتحمل "هاشم" بطئها هذا، وانحنى فورًا لكي يحملها بين ذراعيه وينطلق على الفور، بدون أن يهتم لرفضها المتكرر ومحاولتها المستميتة لكي يفلتها :
- نزلني همشي لوحدي آآآه.
- شششش اسكتي شويـه.. حتى في المرض بتـعافري معايا!.
كانت "ريهام" من خلفهِ لكي تذهب برفقتهم، فساعدت في فتح باب السيارة الأمامي لها وأجلستها، ثم جلست في الخلف وهي تُطمئنها:
- متقلقيش يامدام خير.. خير.
لحظات قليلة وكان "هاشم" يغادر بها من هنا، ودقّات قلبه تنبض بقوة تكاد تُسمع للخارج، طيلة الطريق عيناه تتبادلان النظر بينها وبين الطريق، وهو يدعو الله في نفسه ألا يُصيب صغارهِ شيئًا.
ألا يقولون أن الأب يصبح أبًا بعدما يحمل طفله في حُضنه للمرة الأولى!.. قد حدث العكس مع "هاشم" تمامًا، لقد شعر بأطفاله الذين لم يولدوا بعد وكأنهم قطعة من قلبه منذ أن علم بحملها، وقد تضاعف الأمر حينما شعر بخطر فقدانهم بعد أن علم برغبتها في التخلص منهم. الآن يحس نفس شعور الفقد الذي انتفش في صدره حينما هربّت "رحيل" ابنته من بين يديهِ، وكأنه على أعتاب فقدان طفلين آخرين!.
ضرب "هاشم" على المقود بقوةٍ حينما تذّكر لوهله ما فعلته هي معه؛ لكنه كتم ذلك الشعور لحين الإطمئنان على أطفاله وعليها، بعد تلك الوعكة المفاجئة التي هاجمتها فجأة.
**************************************
رفعت "هدى "جهاز التصوير بالموجات فوق صوتية عنها وأعطتها مناديل ورقية وهي تردف :
- خير ان شاء الله.
كان "هاشم" يقف بالجوار، عيناه على الشاشة الصغيرة كي يتبين من خلالها وضع الأجنة، وما أن نهضت "هدى" عن المقعد المتحرك الصغير لحق بها وهو يسألها بفضول وقلق :
- في إيه ياهدى؟.. الوضع ميطمنش ولا إيه؟.
أشارت إليه كي يجلس أمامها لتقول في هدوء رتيب :
- متقلقش خالص، التقلصات دي طبيعية جدًا في أول الشهور، دي إنقباضات الرحم لأنه بيكبر وبيهيأ نفسه للتمدد، لكن الوصف اللي وصفتهولي للمغص كان مبالغ فيه شويه، أنا افتكرت في حاجه تانية هتضطرنا للتدخل الفوري بس خلاص احنا كده اطمنا.
أخيرًا تنفس، أخيـرًا سحب شهيقًا عميقًا وزفرهُ على مهلٍ، بينما كانت "رحيل" تُهندم ملابسها بمساعدة الممرضة كانت "هدى" تكتب الوصفة العلاجية لتخفيف آلامها :
- ده مسكن للألم آمن للحوامل، لكن الإستخدام بحذر ولمدة أسبوع مش أكتر ويكون بعد الأكل مش على معدة فاضية.
تناول "هاشم" الوصفة العلاجية ونظر إليها نظرة خاطفة قبل أن يطويها، لتمتد يد "رحيل" وتتناولها منه برفق وهي تقول :
- شكرًا.
وضعتها في جيب بنطالها المنزلي ثم تحركت للخروج من غرفة الكشف، فـ استغلت "هدى" فرصة خروجها لتهمس في تحذير :
- هاشم، حمل المدام بتاعتك مش هيكون سهل، الأفضل تلاقي طريقة لتحسين نفسيتها بدل ما هتلاقي عواقب مش هتعجبك أبدًا.. الحزن والغضب والزعل كل دي مشاعر ممنوعة عن الحامل خصوصًا اللي في وضعها.
لم يترك "هاشم" ملامح الضيق تبرز على وجهه، وتصنّع كأنه تقبّل النصيحة بينما صدره يعج بالحرارة المرتفعة كأنه غليان. أومأ رأسه إيماءة خفيفة أعقبها بالخروج من الغرفة، ليجدها واقفة لدى قسم الإستقبال وتتحدث لإحداهن، فـ اقترب منها ليستمع إلى آخر الكلمات :
- هتحجزي بالتليفون وتاخدي رقم الحجز وتيجي قبلها بنص ساعة.
- شكرًا.
استدارت لتنصرف فوجدته خلفها مباشرة، يسألها بفتور غير مكترث :
- بتسألي على إيه؟.
أشاحت وجهها وهي تجيب بإقتضاب :
- بسأل على دكتور عظام عشان أكمل علاج رجلي.
- هنا لأ.. أنا هبقى أشوفلك دكتور كويس..يلا.
وأشار إليها لتسبقه، فتحركت بتباطؤ متعمد وهو من خلفها، وظلت هكذا إلى أن خرجت من المشفى، فتحت لها "ريهام" باب السيارة لكي تستقر مكانها؛ لكنها أشارت للصيدلية وهي تقول :
- هجيب العلاج ده وآجي.
- هاتي الروشتة وانا هجيبه.
تجاهلت حتى النظر إليه، وهتفت بنبرة معترضة :
- عايزة أجيب حاجات شخصية تلزمني.
نفخ "هاشم" بنفاذ صبر، وأخرج محفظتهِ ثم ناولها بطاقته البنكية وهو يأمرها بـ :
- دقيقتين ومتتأخريش.
نظرت ليده الممدودة بالبطاقة، ثم أشارت لـ "ريهام" وهي تقول :
- هاتي الفيزا منه وتعالي ورايا.
ناولها "هاشم" البطاقة ورأسه تكاد تنفجر من فرط الغيظ، والله لولا حملها لكان أمسك بها وأطاح بجسدها باب الصيدلية الزجاجي لكي يبرد السعير الذي نشب بين ضلوعهِ. مشت "ريهام" من خلفها خطوات حتى وصلت أمام الصيدلية، فـ التفتت إليها "رحيل" وسحبت البطاقة من يدها وهي تردف بلهجة فظّة :
- استنيني هنا، أنا مش بحب الحراسات الشخصية.
وقفت "ريهام" بالخارج لكي تتركها تتحرك بحرية، معتمدة على أن الزجاج شفاف وبالتالي ستكون أمام عينيها بلا فرار، فدخلت "رحيل" الصيدلية وقامت بشراء بضعة أشياء، لتقع عيناها على القسم المخصص للعناية بالأطفال، غسول الشعر والجسم وفرش الشعر وعبوات الحليب الصناعي ومستلزمات العناية بالجلد.. إلى آخره. لمعت عيناها بتأثرٍ وكادت الدموع تُغرق وجهها، إلا إنها تداركت الأمر في أوله قبل أن يتفاقم، وبسطت يدها لتنتقي أشهر الأنواع المستوردة من الماركات العالمية، ومن كل شئ عبوتين وثلاث عبوات وأحيانًا أربع، ابتاعت كل ما تشتهيه حتى شبعت، و امتلأت الأكياس أمامها وهي تقوم بالدفع، فدخلت إليها "ريهام" لكي تعاونها في حمل الحقائب، لتوجهها "رحيل" قائلة :
- خديهم على العربية وانا جاية وراكي.
أومأت "ريهام" رأسها بتفهم، وبالفعل حملت الأكياس وخرجت، بينما نظرت "رحيل" إلى ظلها حتى اختفت، وعادت تسأل الطبيب الصيدلي قائلة :
- لو سمحت عندي فأر كبير في البيت وعايزة سم فران يموته، بس ميكونش له ريحة عشان أنا حامل وكده.
كان "هاشم" جالسًا في السيارة بهذا الصمت المرعب، إلى أن آتته رسالة البنك بسحب مبلغ نقدي، فنظر إليها بعدم اكتراث، إلى أن تحولت نظراته للذهول وهو يهتف :
- ٣٢ ألف جنيه!!!! ليه ده انتي لو اشتريتي الصيدلية كلها مش هتبقى بالمبلغ ده!.
كاد يهبط عن السيارة إلا إنه رأى "ريهام" مقبلة عليه حاملة الكثير من الأكياس، فـ انتظر حتى أتت وفتح لها حقيبة السيارة وهو يسأل بفضول :
- إيه كل الحاجات دي؟؟.
ابتسمت "ريهام" وهي تجيب بعفوية:
- المدام اشترت شويه مستلزمات للبيبي.
فـ صحح لها "هاشم" مستنكرًا :
- قصدك الـ Babys مش الـ baby، اتنين ياريهام، يعني اهتمام مضاعف وتركيز مضاعف، فهمتي حاجه ؟.
وضعت "ريهام" الأكياس وهي تجيب :
- في عنيا والله يافندم.
- يلا أركبي.
كان يراوده الفضول حول ما ابتاعتهُ، ففتح الأكياس يتفقد محتوياتها، لينبعج فمهِ بإبتسامة مشرقة وهو يلمس الأشياء، كأنما يلمس أطفاله. أمتد الأمل أمام عينيه، واستراح قلبه قليلًا بعدما شعر إنها تراجعت عن فكرة التخلص من الأجنّة، بل وبدأت التجهيز المبكر لمجيئهم أيضًا، وفي أوّج شعوره بالسكينة والسعادة أتى صوتها من الخلف ليُعكر ذلك الصفو من جديد :
- انت مكنتش تستاهل الفرحة اللي شيفاها في عنيك دلوقتي، لو عليا مكنتش أسيبك تتهنى بلحظة سعادة واحدة، بس إرادة ربنا بقى هنعمل إيه!.
لم يلتفت إليها ولم يُعيرها أدنى اهتمام، حتى تأكد إنها انصرفت واستقلت مكانها بالسيارة، فصفق الباب وراح يستقر خلف المقوّد، بدون أن ينبث بكلمة واحدة تعقيبًا على ما تفوهت به، كأنه اختار التجاهل لها، بدون أن يفكر هل يجدي تجاهله لها نفعًا أم لا.
***************************************
لقد أهلكها ضميرها منذ أن أمسكت بقنينة السُم ووضعتها في جيبها حتى هذه اللحظة، لم يسكت صوت قلبها الضعيف لحظة واحدة عن التأنيب والتجريح فيها على ما فكرت فيه للحظة واحدة، حتى إنها بكت أسفل صنبور المياة وهي تستحم بعدما عادت من الخارج.
لقد حوّلها "هاشم" لإنسانة تُشبهه تمامًا، مظلمة.. حاقدة.. قاتلة تنوي زهق نفس إنسان، وإن مكثت هنا أكثر من ذلك قد يتطور معها الأمر أكثر، وطال معها ذلك التأنيب طويلًا حتى عزفت عن تنفيذ فكرتها الشيطانية المجنونة.
خرجت "رحيل" من غرفتها وقد اشتهت التجول في المنزل، منذ أن أتت لم تراه أو تستكشف معالمه، فواجهت "ريهام" أمامها وهي تبتسم :
- أؤمري يامدام ؟
- أنا جوعت و....
- ناهد خلصت الأكل وطالعة بيه حالًا، أنا كنت بتأكد إن الإصناف اللي طلبتيها جاهزة و...
قاطعت "رحيل" حديثها لتقول في هدوء لم تعتدهُ "ريهام" منها :
- عايزة آكل في الجنينة، بلغيها لو سمحتي وانا هنزل لوحدي.
أحست "ريهام" بإنها على بداية طريق التخلص من حالة الإكتئاب التي كانت بداخلها، خاصة وإنها قضت أكثر الوقت مع الأشياء التي ابتاعتها اليوم لتتعلم كيفية الإستخدام وهكذا، فلم تمانع من تركها بمفردها -رغم تحذيرات "هاشم" المشددة -.. وذهبت لكي تلبّي رغبتها على الفور.
نظرت "رحيل" للردهه المقابلة بفضول، ثم مشت خطوات لكي تتفقد الغرف، كأن بداخلها أمل اختيار غرفة الصغار للبدء في تجهيزها والتفكير في إعدادها؛ لكن تلك البسمة المتأملة تلاشت على الفور، حينما سمعت صوته من خلف أحد الأبواب، فنظرت من حولها لتتأكد إنها بمفردها، ثم مدّت آذانها لكي تتلصص عليه بحذر شديد، لتتفاجأ بصوتهِ وهو يقول :
- وحياة أمها ما هيحصل، ياأما تعيش هنا مع أولادي تربيهم وتراعيهم وتبقى أقل من أقل مربية، ياأما مش هتشوفهم تاني يوم واحد في عمرها، مش هستنى لما تهربهم مني زي ليلى اللي معرفش أي حاجه عنها لحد دلوقتي و.......
توقفت الساعة، توقف سمعها وبصرها، توقفت مداركها، توقف كل شئ للحظات، وهي تستمع لتلك الكلمات السامّة التي نهشت فيها وحطمت آمالها الصغيرة التي لم تنبت بعد. ابتعدت عن الغرفة بعينين زائغتين تفتقدان الأمان والسكينة، تكاد تسقط أرضًا من شدة وطأة الكلمات عليها، وشيطان نفسها يلومها لأنها لوهله تراجعت عن فكرة التخلص منه ومن شرورهِ التي ارتكبها ومازال مستمرًا، يحثّها على أن الطريق الوحيد للخلاص هو إنهاء أمرهِ نهائيًا، وإنها ستكون السبب في حماية نفسها والآخرين منه.
*************************************
جلست في الحديقة أمام تلك الطاولة الزجاجية الصغيرة، تنظر للطعام بعينين متوجستين، أطرافها باردة گالجليد، وأصابعها ترتجف ارتجافًا وهي تحاول التظاهر بأن شيئًا لم يكن؛ لكن بداخلها تتصارع نواة الخير والشر، طرف يشجع ما فعلته، وطرف يحثها على اللحاق به قبل أن ينتهي الأمر عند جريمتها الشنعاء.
فركت بشرتها بقوة وهي تستعيد لحظات مضت، أقدمت فيها على دسّ السم في طعامهِ خِلسة، حيث دلفت للمطبخ في لحظة سهوٍ، لتجد طعامه ما زال على الموقد ينتظر التسوية، فلم تتردد لحظة واحدة، و سرعان ما سكبت القنينة كاملة في الحساء المغلي ومزجتهُ جيدًا، وأعادت القنينة لجيب بنطالها على الفور وقد بدأ جسدها كله في الإرتجاف، فـ هرعت للخارج قبل أن ينكشف أمرها، وعيناها تنظر لليمين واليسار بتخوّف شديد.
هزّت "رحيل" رأسها حتى عادت للواقع مرة أخرى، وكأنها أدركت للتو ما الذي فعلتهُ منذ قليل، گمن كانت مغيبة أو ما شابه، فـ انتفضت من مكانها وركضت للداخل بدون أدنى انتباه لما تبذله من مجهود، وكل ما يشغلها ألا تكون هي قاتلتهِ، ألا ترتكب تلك الجريمة التي بالفعل ستنهي حياتها بالكامل؛ لكنها على ما يبدو قد تأخرت في الإستيقاظ.
دخلت إليه لتجده مُلقى على وجهه، طعامه مازال على المائدة، وهو فاقدًا للوعي تمامًا، فـ تصلبّت في مكانها وهي تنظر إليه بهلع، و هرعت نحوه لكي تعدل وضعيته كي تراه؛ فلم تشعر به حتى يتنفس، ثقيلًا باهتًا شاحبًا باردًا، فخبطت بكفها على وجهه وهي تنادي بنبرة مفزوعة :
- هـاشم!.. هاشم قوم رد عليا، أنا معملتش حاجه، قـــوم أنا معملتـش فـيك حـاجــه، هــاشــم......
***************************************
*********************************
