رواية اشباح المخابرات الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم ايه محمد رفعت
رواية اشباح المخابرات الفصل السادس والثلاثون 36 هى رواية من كتابة ايه محمد رفعت رواية اشباح المخابرات الفصل السادس والثلاثون 36 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية اشباح المخابرات الفصل السادس والثلاثون 36 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية اشباح المخابرات الفصل السادس والثلاثون 36
رواية اشباح المخابرات الفصل السادس والثلاثون 36
توقفت محلها وهي لا تستوعب ما قاله هذا الماكر للتو، استدارت صوبه تحدق فيه بنظرةٍ ثاقبة، وحينما رأت تلك البسمة الخبيثة تحتل ثغره سألته:
_إنت قولت إيه؟
اتسعت بسمته وأجابها بينما يستند على ذراعيه:
_عارف إن اللي اتقال زي الطرب الموسيقي كده، بس لما بيتعاد كتير بيفقد رونقه، ومع ذلك هعيده تاني عشان خاطر عيون الغزال دول.
وغمز برماديتيه وهو يحرر قوله:
_أنا بحبك يا دكتورة.
بصعوبة اختلقت الكلمات عن لسانها، ورددت بتيهة مما وضعها به:
_إنت اتجننت! إزاي تسمح لنفسك تتكلم معايا كده؟
قال بجرأة ودون ذرة تراجع عما قاله:
_إيه الجنان في الحوار، حبيتك وعايز أتجوزك فين الغلط اللي في الموضوع؟
برقت بدهشةٍ من ثقته بالحديث، وسلاسة قوله، كأنما الأمر عاديًا، بينما يتابع هو وهو يراقبها بمكرٍ:
_الا بقى لو قلبك ملك لراجل تاني يا دكتورة.
واستطرد بملامح اجتهد ليجعلها اجرامية رغم نبرته المرحة:
_لو ده حصل هتكوني بتحكمي عليه بالموت، أنتِ محتاجة تعيدي حساباتك كويسة، وتفكري في العرض ده كويس، وبالاخص في صاحب العرض.
شيعته بنظرة غاضبة، وصاحت:
_مش محتاجة أفكر، عرضك مرفوض من قبل ما أفكر فيه.
بسمته الهادئة أغاظتها، وخاصة حينما قال:
_صدقيني محتاجة تفكري وتحسبيها صح يا دكتورة، موافقتك لما تيجي برضاكِ أفضل لما تكوني مطيعة بالاجبار.
ربعت يديها أمام صدرها بقوة لحقت نبرتها:
_سيادتك بتهددني؟
هز رأسه بكل تأكيد:
_بالظبط.
واستطرد ببسمة ماكرة:
_ أنا عمري ما حرمت قلبي من حاجة هو عايزها، لأنه قنوع ومالوش طلبات أصلًا، المرادي لما طلب، طلب جميلة قصر الوحش فأعتقد إني هلبي ليه طلبه أكيد، خاصة إن الطلب المرادي عاجبني، قلبي سلطاني وكلمته مُطاعة يا دكتورة.
تحررت من عقدة يديها، وفاهت ببرود:
_شكلك عايشلي دور سلطان زمانك وأنا الجارية، فوق يا حبيبي زمن الجواري اللي مقطعين نفسهم عشان السلطان ده انقرض مع العصر العثماني، إنت مش محتاج دكتور علاج طبيعي، إنت محتاج دكتور يعالجك نفسيًا.
توالت ضحكاته الرجولية تباعًا، وهو يغلق عينيه هاتفًا باستمتاعٍ:
_حبيبك!! الكلمة دي عايشتني في حالة عمري ما تخيلت إني هعيشها في يوم من الأيام!
وأضاف وهو يغمز لها برماديتيه:
_وأنا كمان بحبك يا قلب حبيبك!
احتقنت بنيتاها من شدة الغضب، وما يجتاحها إلحاح "زين" على انسحابها، فقطعت فرحته عمدًا:
_أنا مستحيل أكمل مع شخص مريض زيك، شوفلك حد غيري يعالجك.
واستدارت حتى تنسحب من جناحه وهي تعقد العزم برحيلها بشكل نهائي، فاذا بالباب لا ينصاع لها، بدا وكأنه مصنوع من الحديد، حاولت "قدس" فتحه أكثر من مرةٍ.
ظهر "ماتيو" أمامها فجأة، فصاحت له حينما فشلت بفتح الباب الموصد بقوة:
_افتح الزفت ده وحالًا.
سند "عثمان" يديه معًا على مقعده وقابلها بنظرةٍ عميقة:
_الظاهر إنك نسيتي أن أوامري أنا هي اللي بتتنفذ هنا يا دكتورة.
استدارت صوبه بجنون حارق، وبعصبية هدرت:
_إنت عايز إيه بالظبط؟
أجابها بثبات جريء:
_عايزك!
توسعت مُقلتيها بدهشةٍ من فظاظته، ورددت بغيظٍ من برود نبرته:
_في أحلامك، قولتلك قبل كده أنا مش زي أي بنت صورها ليك عقلك.
هز رأسه بثباتٍ وقال ببسمةٍ ثابتة:
_عارف إنك مختلفة عنهم كلهم يا دكتورة، وده اللي علقني بيكِ.
تحررت عن صمتها المؤقت، وبهدوء خطير قالت:
_افتح الباب وخليني أخرج من هنا بهدوء، والا آ..
قصدت أن تمنع باقي جملتها لتثير ريبته، فمال برأسه صوب رأسها القريب من محل جلوسه وردد ببسمته الباردة:
_وإلا إيـه؟
حافظت "قدس" على قوتها الجسمانية قدر ما استطاعت، كانت تود قتله في تلك اللحظة، لتثبت له ما تستطيع فعله، وربما بافسادها ل"ماتيو" باحداثها اصابة مستهدفة في نقاط ضعفه كانت لتبهره بقوتها التي تحتجزها خلف ردائها الطبي، وما يفوق قوتها هو سيطرتها عليها لتبدو أمامه انسانه طبيعية.
لذا اطفأت لهيبها الغاضب، وهتفت بمنطقية تمتلكها أي طبيبة محلها :
_ممكن ببساطة أعمل مكالمة صغيرة للشرطة وأتهمك إنك خاطفني.
راقبها بنظرة جامدة، ثم ابتسم وهو يلقي قنبلته المؤقتة:
_وأنا ببساطة هبلغهم إن في سوء تفاهم، مهو مفيش زوج بيخطف زوجته في بيته! المفروض إن ده مكانها الطبيعي ولا إيه يا دكتورة؟!
******
أعاد وضع القطعة المُبللة على جبينها مجددًا، وهو يتأملها بحزنٍ شديد، مازال يأمل أن تخف حرارتها المتزايدة عن الحد الطبيعي، سحب "الجنرال" القطعة للوعاء الممتلئ بالمياه، يسحب فيه كمية قليلة ثم وضعه على جبينها وهو يتنهد بألمٍ:
_شوفتي وصلتينا لفين يا مرين؟
وأضاف وهو يتابع التطلع لوجهها الشاحب:
_إنتِ بتعافري لوحدك وأنا من مكاني هنا عاجز، عاجز حتى إني أكون جانبك بالقدر اللي يريح قلبي الموجوع، حرمتيني من إني أكون جانبك من البداية وحرمتيني مرة تانية من القرب اللي خصيتي بيه زين!
سحب قطعة القماش مجددًا ثم وضعها بالمياه وأعادها لجبينها وهو يتابع ببسمة وجع:
_ أنا راضي، راضي وصابر على عنادك ده لأبعد حد، بس المهم إنك متتأذيش!
واستطرد وابتسامته تتسع رويدا رويدًا:
_اشتقت لتحدياتك وعنادك قصادي، بالرغم من إني أحيانًا بجاهد إني أمنع تفكيري الاجرامي عنك من شدة العصبية بس حاليًا أنا جاهز أكون صبور أكتر من الأول، بس أشوفك واقفة على رجليكِ تاني!
تلاشت ابتساماته حينما لم يجد أي رد فعل منها، فمال يناديها بقلقٍ:
_مرين سامعاني!
رفرفت بجفنيها الثقيلين، لتحرر دمعة تهاوت على خدها بشكلٍ أكد له بأنها تنصت لكل كلمة، ولكنها لا تستطيع أن تفتح مُقلتيها من شدة الحرارة، بل عادت تتمتم بعدم وعي:
_ياسيـن!
عاد وجهه التعيس يحمل أروع ابتسامة جذابة، بينما يهمس بسخطٍ:
_تعبتي قلبه وقريبًا هتقضي عليه ويتحقق مرادك عنيدة هانم!
عاد يكرر ما يفعله حتى يضمن إنخفاض الحرارة عنها؛ فاذا بهاتفه يعود للرنين المزعج من جديد، تجاهله "ياسين" مع علمه بمن المتصل؟
وكأنه يضع مهمته وحياته بأكمله رهن قدميها، لا يبالي الا بها، كل شيء توقف من حوله حتى تفتح عينيها وتسترد عافيتها.
_رد على الموبايل، وأقبل باللي هيتقالك!
صوتًا تحرر من خلفه، جعله يستدير بلهفةٍ وعدم استيعاب، فاذا به ينتفض عن مقعده وهو يردد بهمسٍ خافت:
_باشا!
انتقل بصره لمحل ابنته، وكأنه لا يرى سواها، وقد تشكل الغضب والحزن بموجة عاصفة، تكاد أن تستحضر فيه إبليس، تحرك برزانة، ليحتل محل "ياسين" الذي تراجع خطوتين للخلف، تاركًا الساحة لقائده بأن يطمئن على ابنته القريبة لقلبه قربًا لم يصل له أحدٌ من أبنائه.
تابع جرحها بعناية، وتفقد حالتها بنظرة خبرة قد لا يحصلها طبيبًا يومًا، فمن اعتاد التأقلم مع الجروح وعلاجها سيفوق أي تجارب غير مباشرة على المرضى.
سحب قطعة القماش وإذ به يتولى الأمر محل "ياسين"، بينما يهتف بجمود:
_لازم تكون هناك زي ما هما عايزين.
تساءل "ياسين" في حيرةٍ:
_هناك فين؟
شمله الآن بنظرة عميقة من زيتونته الساحرة، قبل أن يحرر قوله الصارم:
_في جحرهم.
وأضاف وهو يحيطه بنظرة غامضة:
_رد على تليفونك.
تعجب "ياسين" من قوله، الهاتف لم يكن يعلن رنينه،وإذا به يعيد الرنين في تلك اللحظة، رفع الهاتف وهو يستمع ل"تيام" الذي يخبره بضرورة التوجه للموقع الذي سيرسله له، وهناك سيجد طائرة في انتظاره حتى تنقله للمكان المحدد.
وضع الهاتف عن أذنه، وراقب قائده الذي ردد وهو يتابع الاعتناء بصغيرته:
_جهز نفسك بسرعة.
وأضاف بمكرٍ لم يخسره يومًا في أشد المحن:
_زمان حطيتك إنت وزين في مواجهة بعض، مكنش عندكم استعداد تقفوا دقيقة قصاد بعض، النهاردة اجباري هتنخضعوا لده.
صعق "ياسين" مما استمع له، فاذا به يمنحه ابتسامة خبيثة، ويتابع:
_قولي يا ياسين، مسبقش ليك قبل كده إنك مثلت مشهد مثالي قصاد حد من عيلتك!
زوى حاجبيه بعدم فهم لما يلمح له هذا القائد، فازدادت بسمة "الاسطورة" خبثًا وردد وهو يشيعه بنظرة بطيئة:
_ أعتقد أن الطفل اللي قدر يخدع الوحش لسنين طويلة أنه طالع لرحلات صيفية، وهو نايم في أحضان الجوكر والاسطورة قادر يعملها ولا إيه؟
تلقن التلميذ الاشارة من قائده ببراعة، فرسم ابتسامة اجرامية مخيفة، وأخفض من رأسه:
_قادر يا باشا.
هز "رحيم" رأسه، وتابع وهو يشير له:
_إجهز.
استعد "ياسين" للرحيل، ولكن قدميه خذلته وتوقفت على باب الغرفة، رأسه يستدير لها، يحيطها بنظرة طويلة، قرأها "رحيم" قبل أن يراه، فقال:
_كمل طريقك، أنا هنا.
هز رأسه في طاعة، وتابع ليغادر، فاوقفته كلمات "الاسطورة" الذي يكبت فيه غضبًا يلمسه فيه لأول مرة:
_لو لزم الأمر دُك الجحر على اللي فيه، وأطلع منه سليم إنت وصاحبك!
ازدادت سعادته بالبطاقة الحمراء التي حصل عليها من أكثر القادة تهورًا في سبيل القضاء على هؤلاء اللعناء، فاذا به يحييه بكل سعادة:
_عُلم يا باشا.
شمله بنظرة عميقة، وقال آخر رسائله:
_حاول تتعامل بذكاء مع نسختي اللي هتخرج من زين، اتفاداه لحد ما تسيطر عليه.
سيطر على قلقه البادي من فكرة المواجهة مع رفيقه، وخاصة بأنه يعلم جيدًا بأنه وقت غضبه يصبح نسخة أكثر تهورًا من "الأسطورة" الرزين، وكأنه وحش حُطمت عنه الأساور الحديدية ولم يستطع أحدٌ ردعه عن القتال الذي سيستنزف كل ما يقابله.
منحه "ياسين" اشارة بالطاعة والثقة بأنه قادر على التعامل مع الوضع برمته رغم خطورته، ثم غادر بخطوات ثقيلة، تركت بصمة أوحت بالقوة والقيادة التي منحها له القادة.
استمر "رحيم" بما يفعله بثباتٍ، وكأنه لم يكن يصدر أوامر خطيرة منذ قليل، كأن القتال والموت باتا جزءًا من حياته العسكرية، ولربما ثقته التي انهزم أمامها أسطول الشر بأكمله، تعود لذكائه بعدم ترك أي تفصيلة صغيرة قد توقع بأي مهمة يقوم بها أو يكلف بها أحدٌ من أبنائه!
مرر يده على خصلاتها البنية، وهو يبتسم بحنانٍ ثم مال يقبل جبينها بعمقٍ وهو يهمس لها:
_أنا فخور بيكِ وباللي عملتيه في الكلب ده، حققتي عليه نجاح ساحق، وده بيحصل معاه لأول مرة.
وتابع وعيناه تعود لخبثها من جديد:
_تقريبًا كده اللي كنا عايزين نوصله وصلناله!
مال للمقعد وختم حديثه بغموضٍ يفوقه:
_بدأتي المشوار وهتنهيه قُـدس!
*****
منصة مربعة متوسطة الحجم، يلتف من حولها سياچ حديدية، أطرافها حادة كنصل سكين أعد لتمزيق من يقترب بالخطأ له، ومن حول المنصة وضعت عدد من المقاعد الباهظة، المبطنة بالقماش الحريري، وأمام كل مقعدين طاولة وُضع عليها المحرمات بشتى أنواعها، من مشروبات وسموم بيضاء من الدرجة الأولى، ترف لم يمتلكه حتى علية القوم.
الجميع يجلسون بترقبٍ، وأغلبهم يضعون الوشوم الملعونة التي تشير برموز صريحة لعبـ.ـدة الشيـ.ـطان!
والبعض الآخر يرتدون من الذهب ما يجعلهم كالنساء، ومع ذلك يجلسون بتباهٍ وغطرسة حقيرة.
وُضعت من أمامهم شاشة صغيرة، ليسجل كلًا منهم أرقام رهانه، والمبلغ الذي سيضعه على المتسابقين، الرهان ذاته كان يتشكل بسؤالٍ ساخر عن من سينجو من تلك المعركة؟
يضعون الرهان على الحياة والموت وكأن المتسابقين ليسوا بشرًا، نسب لهم رفاهية الحياة ونعيم العيش، كأنهم يجردون الزيف عن تلك الحقائق المثالية، التي تضع الحياة في أجمل صورها، وها هي تُجرد لتصبح الحقيقة ملموسة، أن القوي قادر على إلتهام الضعيف، حتى وإن لم يختَر الضعيف أن يخوض تلك المعركة الأجبارية!!!!
يتباهون كونهم ملوك تلك اللعبة الدنيئة، تناسوا عن عمد أن لهذا الكون آله أحد، آله قادر أن يخسف بهم الأرض مثلما حدث مع قوم هود وصالح، وقوم نوح وغيرهم ممن عاثوا في الأرض الفساد، قومًا ظنوا أن لا غالب لهم حتى انطوت بهم الأرض كطي صفحة فارغة لم يمسها قلمٌ.
يبرقون في الحلبة التي يقف فيها الفريسة الصعب الفوز بها، ويتشاورون على من سيقع الاختيار من رجالهم ليقاتله.
فاذا بأحدٍ منهم يرفع إصبعه ويقول بغرورٍ:
_سأختار بطلي الشجاع 龙 (لونغ)، لم ينهزم يومًا في أي قتال استعراضي، أرشحه ليكون أمام "سُلطان"
وأضاف وهو يتطلع تجاه الطاولة المخصصة لعائلة "التميمي" :
_هل بإمكاننا الرهان عليه سيد كِنان؟
اتجهت الأعين جميعها إلى "كِنان" الذي يترأس الطاولة، بعد أن استعاد مكانته القديمة بأمر من "الديزل"، وبينما يطالعه "تيام" بارتباكٍ، كان يتجرع "هارون" كأسه بشماتة واستمتاعٍ لما يحدث هنا بتلك اللحظة، لقد فاحت رائحة صداقته ب"سلطان" من البداية، لذا سيكون مُرحبًا بتلك الخسارة التي ستُؤلم قلبه!
خطف "كِنان" نظرة حزينة إلى "زين" الذي يعتلي المنصة بشجاعة وعدم مبالاة لما سيلقاه هنا، ثم أجبر رأسه أن يتحرك ببطءٍ بإشارة صريحة بالموافقة.
بدأوا بوضع الرهانات ولم يكن العدد الحاضر بالقاعة الضخمة المشاركون فقط، بل وُضعت شاشة ضخمة اتخذت عرض حائط أربعة متر، كانت مُقسمة على عدد ضخم من الأشخاص المتخفيين، والمشاركين بهذا الرهان.
توافدت الأصوات والرهانات على الحارس الصيني وذلك المُلقب بسلطان، والذي يظهر على المنصة في ردائه الأسود، ولثامه الذي وضعه عن عمد حتى لا يتسرب هويته عبر تلك الشاشات، ولقد رجح "كِنان" ذلك، بل وأيده في أن يتخفى باللثام الأسود الذي لا يظهر سوى زيتونته الفاتنة.
كان يقف بمنتصف المنصة كالليث المتربص لفريسته، ورغم ثبات قامته الممشوقة الا أن عينيه نطقت بقوة خطيرة، وخبث أخطر مما قد يظنه البعض.
انتقلت الأصوات بنسبة ستون بالمئة للمحارب الصيني، وحصد "سلطان" والذي لقب بالمُلثم الأسود بأربعين بالمئة من الرهان.
وقبل أن يطلق "هارون" الانذار، أشار له "كِنان" قائلًا:
_لحظة.
زوى حاجبيه بعدم فهم، بينما يتجه "كنان" إلى المنصة، قاصدًا الجانب المخصص إلى "سلطان"، الذي فهم بأنه يود الحديث إليه، فاتجه له حتى انحنى ليكون قبالته، فهمس له "كِنان":
_أنت مش داخل نزاع عادي يا سلطان، هنا اللي بيتغلب مصيره بيبقى أبشع من الموت، بيتعمل عليه حفلة أكبر من دي، وبيكون الرابح هو الجزار اللي بيقطع ضحيته حية.
تسلل النفور والغضب بزيتونية عينيه بعدما صرح له" كِنان" عن حقيقة آخرى تخص عمله اللعين، إذًا تجارة تلك اللعناء لا تتوقف عن الـ. ــــدرك ويـب فقط، لقد استهدفت أكثر شبكة اجرامية حساسة، يسعى من أجلها جميع الاستخبارات العالمية،لكشف منظومة الديـ. ـب ويب التي تعد الأخطر على الاطلاق.
راقبه "سلطان" بنظرة حاقدة، ثم ردد بحقد يحاول دفنه داخله:
_سمعت إن القذارة دي موجودة بس مصدقتهاش، إنت إزاي قابل تشتغل بالقذارة دي؟
منحه ابتسامة عجت بالألم، وقال بنفس الهمس الخافت:
_قولتلك قبل كده يا سلطان، أنا مجرد وسيط جوه اللعبة، واللي بيحركوها ناس أكبر من اللي عقلك ممكن يستوعبه، ناس الفلوس بالنسبالها زي التراب، لدرجة إنهم مبقوش يلاقوا متعتهم فيها غير بأنهم يراهنوا بيها على أرواح الناس زي ما أنت شايف كده.
وعانقه فجأة وهو يستطرد له بصوتٍ خافت:
_وعشان يزودوا متعتهم، الخسران بيتشرح حي على بث مباشر قدامهم، وكل ما بيدفعوا أكتر بيتنفذ كل اللي هما عايزينه على الضحية، والضحية كمان بتكون من اختيارهم، وطبعًا عقلك ممكن يستبعد الاطفال الصغيرين بس للاسف دول بيكونوا أول اختياراتهم.
وابتعد يمنحه نظرة منكسرة، بينما يقبض على كفه:
_أنا مش راضي عن كل ده، مغصوب زي ناس كتيرة، بس اللي عايزه منك تطلع من اللعبة دي حي، لإني عمري ما كان ليا صديق غيرك!
وختم حديثه بصوتٍ متقطع:
_حافظ على حياتك مهما كان التمن!
*****
قطعت صدمتها بصعوبة، وأرغمت لسانها على سؤاله:
_مراتك!! إنت أتجننت ولا شارب حاجة؟
راقبها بنفس الثبات ورد ببرود:
_أنا مبتعاطاش حاجه يا دكتورة، ولو على عقلي فمفيش إنسان بالكون كله بيمتلك عقل زي عقلي!
وأضاف وهو يقترب بمقعده منها:
_وأعتقد إنك لسه من شوية متأكدة بنفسك إني إنسان طبيعي مش آلي، مش كده ولا إيه؟
قالها وهو يشير على جرح يده، فبرقت بعدم استيعاب وخاصة حينما نادى بصوته الخشن:
_هات قسيمة جوازنا للدكتورة يا ماتيو، شكلها هي اللي شاربة حاجة!
واستكمل وهو يبتسم بسخرية:
_أصل مش طبيعي يعني إنك تنسي إننا متجوزين يا قدس، اعتقد أنا اللي محتاج أجبلك دكتور المرادي.
اقترب منها الآلي يقدم لها نسخة من عقد الزواج، في نفس لحظة اطلاق "عثمان" صفارته وتمتمته المستمتعة:
_عقد جواز وحش القلعة والجميلة، فلازم يكون مميز زي أول لقاء جمعنا كده، ولا أيه يا أم عيون غزال؟
عقلها كان بعيدًا عن محل وصول صوته له، تتعلق عينيها بالتوقيع الذي يخصها بنسبة مئة بالمئة، ربما إن لم تكن من فريق الاشباح لاتهمته بالتزوير ولكنها أحق الناس علمًا بما هو زائف وحقيقي.
ارتفع صدرها من شدة صراع أنفاسها العالية، وسؤالًا واحدًا يتردد بخفوتٍ:
_ازاي؟!!!!!
سند على كفيه وهو يجيبها ببرود:
_المتوقع لأي اتنين بيحبوا بعض، أو على الأقل بينهم اعجاب، ما أنا قاري اعجابك بيا من أول لحظة دبت رجلك القصر ده، رغم إنك قوية وبتحاولي تحاربي على أد ما تقدري، فلخصت عليكِ الطريق!
صرخت بعصبية وهي تقترب منه وتشير بما تحمله:
_بطل البرود اللي بتتكلم بيه ده، إزاي الورقة عليها توقيعي!! أنا مش فاكرة إني وقعت أي ورقة من وقت دخولي المكان ده!
باتت قبالته، فاستند على الجهاز الخاص به، ونصب عوده قبالتها:
_حصل وحصل الأكتر من كده كمان، أنا بقول نلحق نعلن الجوازة عشان ميصحش تظهري بحملك قدام زمايلك بدون جواز مُعلن!
دفعته وهو تصرخ فيه بعنفوان:
_تبقى غبي لو فاكرني هصدق لعبتك القذرة دي، وأدي الورقة اللي مقوياك، لا شرع ولا دين أساسًا معترفين بالجوازة الباطلة دي.
مزقت "قدس" الورقة وألقتها أرضًا، ومع ذلك لم تتلاشَ عنه ابتسامته، بل زادها غضبًا بقوله:
_الكلام ده في مصر أو في أي دولة عربية مش هنا في ايطاليا يا جميلة، إنتِ هنا قانونيًا مراتي!
وأضاف وهو يميل صوبها، فاذا بعقلها يعمل بسرعة البرق، فضغطت على ضرسها التي فرغته من الحشو وقد وضعت فيه العقار الذي قدمه لها زين، ليتبعها بلحظاتٍ يده التي وضعها على جانب رقبتها، وهو يهمس لها:
_من النهاردة هتبقي آسيرة جوه حيطان القصر ده يا قدس، مش هتشوفي النور تاني، حياتك كلها معايا هتكون في الضلمة اللي عمرك ما تتوقعي إنها تكون جزء من حياة إنسان!
******
مع تحرر صوت الانذار، باغت المحارب الصيني "زين" بأول لكمة جعلت وجهه يميل للأسفل ولم يرتفع للأعلى، كأنه ثبت على هذا الوضع، وصوت الصفقات والتشجيع تحيط بالمكان، بينما يوازن "زين" قوته حتى لا يفترسه بأول دقيقة فيجعل الجميع في ظنون من هويته.
رفع رأسه ببطءٍ يناظره نظرة الليث الجامع لفريسته التي تستعرض قوتها بغرورٍ وتباهٍ، وبينما يتجه صوبه ليعيد له اللكمة، فاجأه "زين" بركلة أعادته لنهاية الحلبة، وأسقطته أرضًا بقوة جعلت الافواه تتسع، والأجواء تزداد حماسًا.
استعاد الصيني قوته ونهض يركض صوبه بحقدٍ تجسد بقبضته القوية، وبالاسفل يزداد الجمع بتشجيعه ودعمه، وخاصة "هارون" الأرعن، الذي يحرص أن تلك المنافسة لن تنتهي الا بمقتل "سلطان".
كور قبضته ورفعها ليناوله بها، قبضها" زين" بين قبضته، ولوى بها ذراعه بقوة جعلت الاخير يركع أرضًا وهو يحاول تحرير ذاته من مخالب ذلك الليث الذي ناول ذراعه ركلة من ركبته خلعت عظام ذراعه وجعلته يصرخ ويهرول كالفأر المزعور من الحلبة، في مشهدٍ جعل الجميع بصدمة مما يحدث، بينما يقف زين بمنتصف الحلقة شامخًا، مثل فرع الشجرة الثابت أمام تيار الهواء العتي.
رفع كِنان يده إليه، يشير له خلسة أن ينهي أمر ذلك المحارب، ليكون رحمة له عما سيعاني منه، وقد سبق أن قص له مصير الخاسر منذ قليل.
مضى نحوه وانحنى يلف رقبته بين يديه حتى تحرر عنه صوت الطقطقة، فنهض يطالعهم بحقد وغضب من خلف لثامه، ليته يستطيع أن يفرغ فيهم الرصاص حتى تتصفى دمائهم بأكملها.
ظن "زين" بأن بانتصاره سيكون نهاية لتلك المعركة، ولكنها كانت البداية، فاذا بالتصويتات تعود من جديد، على الشاشات حتى تم اختيار وضعه مع محاربين من اختيارهم؛ فتيقن بأن كل جولة ستزداد خطورة واجرامًا أكثر من السابق.
لم تزلزله أي ذرة خوفً مما سيقدم على خوضه، بل في تلك اللحظة لا يتردد له الا صوت أبيه الذي أخبره ذات يوم؛
«إنت مش محارب عادي، أنت بمية ألف محارب، أنا زرعت فيك كل فنون القتال اللي تخرجك من أي معركة ملك، يا ويل اللي يستهان بيك، مش هيلحق يبكي ندمًا على غبائه لإنه هيكون في تابوت من توابيتك!»
«أي إنسان بيعدي عليه لحظات ضعف، فلو حصل وعدت عليك اللحظات دي فكر نفسك إنت مين وابن مين؟»
«أوعى تسمح لمخلوق يكسرك، لو مكتوبلك الموت موت وإنت بطل، وعينك في عين خصمك بجراءة وقوة تخليه يشوفك كابوس في أحلامه، خليك فاكر إن موتك شهادة سبق ونالها كل صحابي دافع عن دينه وعرضه، شهادة نالها كل شريف بيدافع عن وطنه وإنت بتدافع عن وطنك وعرضك، فخلي آخر لحظاتك تكون ساتر موت للي حوليك، وخليك واثق إن دايمًا جانبك وحواليك، وهعمل كل اللي أقدر عليك عشان أقهر أعدائك بطول عمرك!»
ارتسمت بسمة صغيرة على شفتي "زين"، الجمل الذي يستعيد بها قوته من ملهمه تجعله دائمًا يثق أن أبيه ليس مقاتلًا عاديًا، بل أسطورة خلدها التاريخ كما يجب.
فتح عينيه على الاثنان اللذان يستعدان للقضاء عليه، والغل والحقد يتربعان على معالمهما لما فعله بالمقاتل الصيني، ومع انطلاق الانذار هاجموه بعشوائية وكلاهما يحملان الخناجر.
تفاداهما زين بمهارةٍ، وفي لحظة استغل رشاقة جسده العضلي وارتفع ليهبط على عنق أحدهما، أجبره على الركوع وقد سحب الخنجر منه، يدسه على أنحاء جسده العضلي بسرعة مرعبة، تتناسب مع حركة ذراعه وقفزته العالية.
استقر أمام المقاتل الآخر الذي يراقب ما يحدث لزميله بصدمة وعدم استيعاب، فاذا به يكز على أسنانه غضبًا ويسرع إليه، يحاول استهدافة بملامحه الاجرامية.
نجح بغرس الخنجر في كتفه، وقد لاح الانتصار على ملامحه، ولكن سرعان ما تلاشت عنه السعادة حينما منحه زين ابتسامة ثابتة، بل ورنا إليه كأنه سيعانقه مما عمق وضعية الخنجر، فجعل الجميع يراقبون ذلك المتهور بصدمة، بينما ينزع هو الخنجر ببرود ويسدده في قلب غريمه، وقبل أن يستوعب اصابته طالته الطعنه الثانية في منتصف رقبته، فسقط جوار زميله على الفور، وعج الصمت الاجواء بذهول، ودهشة واصرار على قتل ذلك المتوحش الذي يفوق كل التوقعات!!!
*****
ابتسامة غامضة لاحت على شفتيه وهو يراقب ما يحدث، ارتشف من عصيره وهو يضغط بيده على لوحة التحكم التي يحملها، فاختار منها أربعة محاربون، ثم أرسلهم إلى الشات الذي يضم كل هؤلاء الرجال، فنطقوا بما التقطوه من اشارة صريحة من سيدهم المتحكم بالمجلس بأكمله من جميع الزوايا.
تعلقت رماديتاه على زين باعجاب، بينما يرفع هاتفه ويسجل إلى كِنان:
_صديق تيام وصل، دخله الحلبة مع الشاه بتاعك!
وأضاف برسالة أخيرة وهو يضع الكأس الفارغ على الصينية التي يحملها ماتيو:
_الجولة الجاية عايزهم قصاد بعض.
وصلت رسالة كِنان المصعوق:
_مين قصاد مين؟؟؟؟!!!!!
سجل وابتسامته الباردة تحتل وجهه، بينما تراقب عينيه الشاشات من حوله:
_هتفهم لما الجولة تنتهي ويتعلن فيها الرابح!
