رواية علي هامش الحلال الفصل الثالث 3 بقلم جيهان زكريا
رواية علي هامش الحلال الفصل الثالث 3
أوقات بيجي علي الإنسان فترة الذهول،
يبقي واقف في مكانه باصص للدنيا بأعين مصدومة من جراءتها وهي بتمر قدام عينيه كأنه بيتفرج علي مشهد في فيلم مجبر يشاهده، وبعد الذهول اللي بيقعد كام يوم توصل مرحلة اللا مبالاة التي تخليك مش قادر تتفاعل مع أي شئ سواء مُفرح أو مُحزن حتي،
أنتَ حتي مش قادر ترمم كسورك!
كنت واقفة في البلكونة ببص إلي اللا شئ بفكر في الطريقة اللي وصل قلبي لهذه القسوة،
هو عُمره ما قسي علي حد، بس كان بيقسي علي نفسه علشان ميخسرش أحب الناس إليه .. بس النتيجة؟
خَسرهم وخَسر قلبه!
فضلت سرحانة بفكر في علاقتي بيها، أنا كنت فاكراها أقرب حد ليّ، كنت مفكراها أختي وأن خلاص مفيش وحدة تاني، بس .. كل دا كان مجرد وهم اخترعه عقلي علشان يواسيني، ما هو محدش مجبر بردو يفضل موجود في حياتي غصب عنه، وهي اختارت البعد ممكن تبقي شايفاني مؤذية أو تصرف مني بدون وعي وصلّ لها كده بس الأكيد أني مكنتش أقصد.
مسحت دموعي اللي نزلت غصب عني، وبصيت علي الشارع كانت الإضاءة خفيفة فيه، ضوء القمر هو اللِ مبين ملامح الشارع و آثار حُزني،
شوفت معتز وأخته مروحيين بعد ما قفلوا المكتبة، اتنهدت بخفوت وبعدت وجهي عنهم لدقيقة بس بصيت تاني بسرعة قبل ما يمشوا لقيت عيونه متوجهة عليّ، بصيت لثواني كأني بتأكد أنه بيبص عليّ أنا،
أدركت الموقف اللي أنا فيه ودخلت بسرعة من البلكونة.
قعدت علي السرير وقولت:
بيبص علي ايه قليل الأدب دا.
بعدين ما أنا كمان غلطانة علشان بصيت عليهم، هو حرام ليه وحلال ليّ يعني!
قولت بصوت عالي: ثواني هو أنا كده اغتبته؟ استغفر الله العظيم كانت نقصاه بقا.
هو يعني فيه صفة كويسة باين عليه أنه طيب مش متأكدة أوي يعني.. اللهم أغفر لي ولمن اغتبته.
خرجت أقعد برة مع بابا وماما شوية، لقيت ماما بتقول: هبقي أنزل مع نور نجيب فستان جديد ليها.
- يا سلام، ايه الحنية دي كلها يا ست ماما.
- مش لازم يا بنتي.
- لازم ليه بقا إن شاء الله؟
- بصت لي بإستغراب وقالت: هو أنتِ متعرفيش ولا ايه؟
- اتعدلت في قعدتي وقولت بجدية: هو في حاجة حصلت؟
- ابتسمت وقالت: سمر بنت عمك خطوبتها يوم الجمعة الجاية.. هي مقالتلكيش؟
- ابتسمت بهدوء وقولت: لا مقالتليش، ربنا يتمم لها علي خير.
- غريبة فكرتك عارفة.
- ضحكت بسخرية وأنا بداري حزني وقولت: هو أنا بخرج من أوضتي يا ماما علشان أعرف أخبار العائلة الكريمة، علي العموم أنا مش عايزة أشتري فساتين جديدة، عندي فستان مناسب للحفلة وخلاص.
- لا أنا عايزاك تلبسي فستان جديد.
- بصيت لها وكان باين على ملامحها الإصرار فقولت: طيب مش فارقة أوي.
قعدت معاهم شوية وبعدين دخلت أوضتي تاني، نمت علي السرير وأخدت المخدة في حضني وسمحت لدموعي أنها تنزل في صمت، ابتسمت لما افتكرت إحساسي الدائم بأني لوحدي، حزني و فرحي و تعبي أغلب المواقف كنت فيها لوحدي حتي لو العالم كله موجود معايا، فـ إحساس الوحشة بين الناس عمره ما فارقني، اتنهدت وقولت وأنا بسمح للنوم أنه يخدني معاه: الظاهر أن دا المكتوب، الحمد لله علي كل حال.
---
مرّت الأيام بهدوء مميت واعتيادية رهيبة،
كنت بظبط حجابي قدام المراية وبستعد علشان أحضر خطوبة سمر، بعد شوية وقت صغير خرجنا من البيت واتمشينا لحد بيت عمي اللي كان بعدنا بـ بيتين يُعتبر،
بابا كان ماسك أيدي لحد ما وصلنا سلمت علي عمي وزوجته وبعدين سلمت علي قرايبنا اللي بالنسبة ليّ مجهولين يُعتبر، وروحت أقعد علي كرسي بعيد شوية عنهم، لقيت ماما ومرات عمي جايين يقعدوا معايا علي التربيزة.
- مرات عمي قالت: عاملة ايه يا نور؟
- الحمد لله بخير.
- ايه يا بنتي الغيبة الطويلة دي، عاش من شافك.
- ماما قالت بهزار: ولا احنا كمان بنشوفها.
ابتسمت على جملتها وسكت،
فكملت مرات عمي كلامها: البنات صحاب سمر معاها من إمبارح سهرانين مع بعض حتي ناموا هنا .. كنتِ جيتي قعدتي معاهم.
- قولت بإبتسامة هادية: ربنا يبارك في علاقتهم، كنت مشغولة شوية معلش.
- كانوا ماليين علينا البيت والله، حتي خلينا حسام وعمك يناموا في شقة حسام فوق علشان البنات يرتاحوا.
ابتسمت، وهي قعدت تتكلم مع ماما شوية وبعدين قامت تشوف المعازيم.
شوية وابتدت أجواء الخطوبة، الناس كترت والجو بقا زحمة تخنق، أو أنا علشان اللي مفيش جوايا مكان فاضي يسع خنقتي فشايفة الجو يخنق..
لقيت أهلي منشغلين مع العروسة فخرجت بهدوء برة في الجنينة بعيد عن الزحمة دي وصوت الأغاني اللي شغال بدأت تهدأ تدريجيًا..
حمدت ربنا أني مش سامعة حاجة من الموسيقي، كان في تربيزة صغنونة وكرسيين روحت أقعد عليها وأنا سامحة لنسمة الهواء تلطّف السخونية اللي جوايا.
مسكت الموبايل وفضلت أسكرول عليه شوية لحد ما انتبهت للكرسي اللي قدامي وهو بيتحرك، بصيت للكائن اللي بيقعد عليه دا، ثانية .. هو ايه اللي جابه أصلًا.
- بصيت له كام ثانية بتعجب وقولت: ايه دا؟
- بص علي نفسه وقال: ايه فين؟
- فين ايه؟ أنت بتعمل ايه هنا؟
- ابتسم وقال: معزوم.
- مقصدش كده، أقصد ايه اللي قعدك علي التربيزة كده؟
- قال بإستفزاز: وأنتِ ايه اللي قعدك عليها؟
- دا بيت عمي وأقعد في المكان اللي عاجبني.
- اه كوسة يعني؟
- بعدت وجهي عنه وقولت: لو سمحت اتفضل قوم من هنا، ميصحش كده.
- تجاهل كلامي و قال وهو باصص لي جامد: ايه اللي خلاكِ تسيبي الخطوبة وتنزلي هنا؟
- اتوترت وقولت: عـ عادي يعني، وبعدين أنت مالك أصلًا.
- ابتسم وقال: لاحظتي نظراته ليكِ فادايقتي؟
- بصيت له بإستغراب فقال: ايه مفكراني مش شايفه يعني؟
- قولت بتوتر: أنا مليش دعوة بيه.
- عارف، بس حاولي متجتمعيش معاه تاني.
- هعمل كده، بصيت له لثواني وقولت وأنا بضيق عيني: انت مالك أصلًا؟
- أنتِ كل ما تشوفي خلقتي تسأليني السؤال دا، غيّري طيب!
- تجاهلت كلامه وقولت: قوم من هنا،ميصحش تفضل قاعد.
- ابتسم وقال وهو بيقوم: حاضر قومت أهو، بس بعد كده لما تكوني زعلانة أوعي تهربي .. واجهي بقلب جامد.
ومشي بسرعة بعد ما قال جملته بس رجع كام خطوة وقال: نسيت أقول حاجة، الفستان دا ميتلبسش تاني ..
صحيح هو محتشم وكل حاجة بس مخليكِ حِلوة أوي.
واختفي!
أيوة يعني ايه كلامه دا؟
فضلت باصة لأثره بصدمة وعقلي مش عارف يترجم معني كلامه.. ثانية .. اتنين، دا طلع قليل الأدب بجد!
فضلت قاعدة مكاني مش قادرة أتحرك لحد ما سمعت رنة موبايلي، كانت ماما ..
- انتِ روحتي فين يا نور؟
- أنا هنا.
- بدور عليكِ، تعالي علشان تسلمي علي سمر.
- قولت بتوهان: ها؟
- ها ايه؟ الأغاني وقفت شوية تعالي سلمي عليها يالا.
- حـ حاضر جاية.
كنت واقفة مترددة أطلع ولا لأ،
سلمت أمري لله وطلعت وأنا بدعيمن كل قلبي أني ملمحش طيفه،
وقفت مرة واحدة لما شوفته واقف مع بابا ومعاهم راجل كبير كده، كان مركز معاهم بس أول ما حس بيا بص لي بإبتسامة بعدت وجهي عنهم بسرعة ومشيت بعيد، جريت بمعني أصح.
سمعت صوت بابا وهو بيوقفني غصب عني: نور، تعالي يا حبيبتي ثانية.
- قولت بصوت واطي: لا يا بابا متفقناش علي كده.
- وقفت قدامه وأنا حقيقي عايزة الأرض تتشق وتبلعني،
بابا قال بإبتسامة: أهو يا ستي عمك أمجد اللي قولتلك عليه، ايه لسه مش فاكراه.
- بصيت عليه كان باين عليه الاحترام، وبعدين بصيت بسرعة لبابا وأنا وجهي خالي من التعبير.
- سلمي علي عمك أمجد يا نور.
- احمم، ازي حضرتك.
- الحمد لله، أنا زعلان علشان نسيتيني يا ست نور.
- قولت بإحراج شديد: معلش والله، ما أخدتش بالي بس
- ولا يهمك يا ستي، بص علي بابا وقال: نور الصغنونة بقت عروسة زي القمر أهي ربنا يخلي يا سيدي.
- فتحت عيني بقوة وأنا مش عارفة أعمل ايه من كتر الإحراج، سمعت همس معتز قريب بصوت واطي وهو بيقول: الظاهر أني مش لوحدي اللي شايف كده.
- قولت بسرعة وصوت واطي: قليل الأدب.
بعد وجهه وهو بيكتم ضحكته عليّ، بيضحككك عليّ أنا!
بصيت لبابا وقولت بسرعة: ماما بتنادي عليّ، هشوفها.
وجريت يُعتبر لحد ما وقفت جنب ماما وأنا بحاول أتنفس بشكل طبيعي من المواقف المتتالية دي كلها،
روحت سلمت علي العروسة، كانت قاعدة وأصحابها حواليها، اغتصبت إبتسامة مرتعشة عليى شفايفي وقولت بصوت شبه مهزوز إلا أنه قدر يُخرج: مبارك يا سمر، ربنا يتمم لك بخير.
- بصت في عيني مباشرةً وقالت بضحكة: عُقبالك.
ولا أنتِ ناوية تخليكِ كده؟
- بصيت لها بعدم فهم وقولت: أخليني كده ايه؟
- تفضلي لوحدك دايمًا.
- أفضل لوحدي خير لي من رفقة ناس قلبي مش مطمئن في وجودهم، مينفعش الإنسان يخدع قلبه يا سمر حتي لو في الأصل مُخادِع.
----
