رواية اصرة العزايزة هارون وليلة الفصل الخامس والاربعون 45 بقلم نهال مصطفي

رواية اصرة العزايزة هارون وليلة الفصل الخامس والاربعون 45 بقلم نهال مصطفي

رواية اصرة العزايزة هارون وليلة الفصل الخامس والاربعون 45 هى رواية من كتابة نهال مصطفي رواية اصرة العزايزة هارون وليلة الفصل الخامس والاربعون 45 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية اصرة العزايزة هارون وليلة الفصل الخامس والاربعون 45 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية اصرة العزايزة هارون وليلة الفصل الخامس والاربعون 45

رواية اصرة العزايزة هارون وليلة الفصل الخامس والاربعون 45

"ما وراء الأقنعة "
ليس كُل ما تراه كمـا يبدو لك ، بعض الوجوه والكثير من الكلمات لا تكشف أصحابها بل تُخفيهم .. تزيفهـم .. تزينهم أمامك .. 
وأيضـًا هناك أقنعـة لا ترتدي للخداع ،أو للاختباء .. بل أحيانًا تكون وسيلـة للنجاة من قسوة الواقع وقوانينـه الصارمة وحماية ما تبقى من ضحايا قسي عليها الدهر ..
 والحقيقة هي أن هناك حكايات دائمًا لا تُرى ، وأسرار لا تُحكي ولكن ما وراء الأقنعة حتمًا سيكشفـه الزمن .
•••••••••••••
-قُلت مين يا وِلد؟!
سرى صدى الاسم في أذني خليفة، فتشبث بأملٍ واهٍ أن يكون قد أخطأ السمع، وحاول إنكار الحقيقة التي تسربت لعقله و لكن الشك تحول إلى يقين عندما أردف الخفير:
-وسأل على سي هاشم… بس كان لِساته طالع.
أدار خليفة رأسه إلى الأمام، وتمتم في خفوت:
-جيب العواقب سليمة يا رب…
ثم أمر السائق بحزم:
-اتحرك يا وِلد لما نشوفوا المصايب اللي بتتحدف علينا ديه . 
لم تمضِ سوى دقائق حتى توقفت السيارة أمام مندرة القصر.. هبط من سيارته الفارهه و هم ليساعده أحد رجاله في ارتداء جلبابه الصعيدي، ثم استند إلى عكازه وأكمل طريقه بخطواتٍ ثابتة، حتى دخل المندرة ملقيًا تحية الإسلام، قبل أن يقول:
-قالوا إنك عاوزني بالاسم… أؤمر.
وقف رجلٌ طويل القامة، يغلب على ملامحه الطابع البدوي، يستقبله بابتسامةٍ هادئة وهو يقول:
-أعرفك بنفسي…
ضرب خليفة الأرض بمؤخرة عكازه، مقاطعًا إياه:
-من غير ما تعرفني… أنا عارفك زين أيه اللي رماك علينا الساعة دي ؟! 
تلعثم الرجل للحظة، ثم قال بخبثٍ لم يخفه:
-زين يا حاج… اختصرت عليَّ الطريق. ومن غير لف ودوران… أنا جاي آخد بنتي.
جلس خليفة على الكنبة الخشبية، وأجاب بصوتٍ يحمل من السخرية بقدر ما يحمل من التحذير:
-هاه… وأنت مخابرش إن بتك في عصمة راجل؟! وجاي تاخدها كييف في عقر داره؟! 
اقترب ممدوح منه خطوة، ثم قال وهو يرمقه بنظرةٍ ماكرة:
-والراجل ده…قول لي هيقدر يحميها لو ناسك عرفوا إن ولدك خالف أعرافهم ودخل عليهم دم غريب؟! ما ترد يا حچ طا كُبره !! 
اشتعل الغضب في عيني خليفة، وضرب الأرض بعكازه بقوة حتى دوّى صوته في أرجاء المندرة:
-هي وصلت إنك تيجي لحدت إهنه؟! ده أنت چاي وناوي على موتك!
وفي تلك اللحظة، انقطع الحديث على وقع خطواتٍ سريعة من هاشم وهو يدخل إلى المندرة، بعدما أخبره الخفير باسم الضيف الذي ينتظره بالداخـل .. 
"بغرفة أحلام"
كانت رغد تجلس مع أحلام، وقد انفرد بها الضيق والملل ، اتكأت على إحدى الوسائد، ثم ألقت بالسؤال الذي ظل يطارد رأسها:
-قوليلي يا أحلام… اللي أنا عملته صح ولا غلط؟ لو كنت سافرت وسمعت كلام مامي، كنت اتجنبت المشاكل دي كلها؟!
ضمت أحلام سبحتها بين أصابعها، وأطلقت تنهيدة ثقيلة، كأنها عجوز حفظت الدنيا عن ظهر قلب، ثم قالت:
-الهروب مش حل يا بتي… هو بس بيأجل المواجهة، ويأخر ظهور الحقايق، لكن ما يدفنهاش ..واللي عملتيه؟ ده عين العقل، وما كانش قدامك غيره.
همست رغد بقلق، وقد انعكس الخوف من المجهول في عينيها:
ربنا يستر يا أحلام…
في تلك اللحظة، دخل هيثم على عجل، وقد ارتسم القلق بوضوح فوق ملامحه، فقطع حديثهما:
-أحلام… هارون فين؟!
عقدت حاجبيها باستغراب:
-مش فوق؟! وبعدين تعالى إهنيه… مالك؟ قلقان ومش على بعضك إكده ليه؟
رمق رغد بنظرة سريعة، ثم غمز لأحلام بطرف عينه، وكأنه يرى أن الوقت غير مناسب للحديث أمامها، لكن رغد سبقته باعتراضها:
-إيه يا هيثم؟! المشكلة فيا؟ أخرج لو في حاجة سر عايز تقول لأحلام.
ابتسم محاولًا تهدئة الموقف وقال:
-ينقطع لساني قبل ما أعملها يا عسل… بس…
صاحت أحلام بنفاد صبر:
-أنت لساتك هتبسبس؟! انطق يا واد!
عض على شفته في تردد، ثم قال مضطرًا:
-مش عاوز أقولك قدام مرة الغالي… بس هاشم وأبوها ماسكين في بعض في المندرة… ولازما هارون يعرف.
هبّت أحلام من مكانها مفزوعة، كأن الرعب أنساها وجع مفاصلها التي أنهكها العمر، وهتفت:
-يشندل أمك! ولساتك واقف تتساير؟! خد بيدي لهناك يلا .
حاول هيثم إيقافها:
-تروحي فين بينات الرجالة يا أحلام؟!
أما رغد، فقفز الرعب إلى قلبها، لم تنتظر جدالهما، وسبقت دموعها خطواتها وهي تندفع نحو الباب، تهتف بصوت مرتجف:
-هيثم… هما فين؟! عشان خاطري… قولّي!
"بغرفـة هارون " 
خرج من حمامه مرتديًا بنطالًا فضفاضًا باللون الأبيض وهو يجفف رأسه بمنشفـة صغيرة ، فوجدها شاردة الذهن ، حائرة ، لم تلتف لوجوده ، تحوم دبابير الخوف حولها .. رمى المشنفة على كتفه وهو يلوح بكفه أمامها :
-لو السرحان ديه مكنش فيّ هزعل قوي !! 
رفعت جفونها المرتعبـة :
-معنديش أغلى منك يا عمدة .. 
ثم تحمحمت بخفوت :
-ممكن تلبس حاجة عشان الجو سقعة وكده ممكن تتعب .. 
تغلغلت كفوفه بين خصلات شعرها وهو يقول مراوغًا :
-ما أنت ممكن تَچيّ في حضني ومحتجش واصل للبس ، ولا برد ولا عيا هيستجروا يقربـوا مني . 
فرت دمعـة محبوسة من عينيها أفسدت محاولاتها في إخفاء الرعب الذي يسكنها :
-أنا خايفـة عليك أوي يا هارون خايفة في النهاية نتجبر كل واحد فينا يكمل الطريق لوحده ، مش هقدر .
بنبرة تبعث الطمأنينة:
-وأني لا هقدر ولا هسمح إنك تغيبي عني ولو للحظة ..وو 
قاطعته :
-بس ممكن الظروف تجبرنا على ده ، لازم نضحى عشان على الأقل نضمن أن كل واحد فينا عايش في أمان !! 
عارضها هارون بحدة :
-وهو فين الأمان ديه وكل واحد فينا في مطرح !! ليلة اوعاكي تفكري تقولي إكده ، أقولك أنتي شايلة هم الدنيا ليه وأنا چارك .. 
ساد الصمت بينهما للحظات كل واحد منهما يحاول أن يحفظ ملامح الآخر قبل أن يغدر بيهم زمانهم فأردفت بحسرة :
-نصيبي أحبك يا ابن العزايزي .. ونصيبك تفضل تحارب العمر كله عشان الحب ده يكمل .. 
انحنى ليطبع قبلةً طويلة على ترقوتها، فارتجفت أنفاسها، ثم رفع رأسه وأطال النظر في عينيها وقال بصوتٍ ثابت:
-طالما النهاية معاكي، فكُل حروب الدنيا دي تهون… المهم إنك متسبيش يدي دي واصل، وإلا ساعتها هبقى خسرت حقيقي .
شعر كأنه يقف على نهر طالوت .. فكان قلبه كقلوب القلة التي ثبتت مع طالوت عند النهر؛ يعرف أن النجاة ليست في الهرب، بل في الصبر والثبات..
  ظل الخوف يزاحم يقينها رغم طمأنينته المستمرة إليها ويهمس لها بأن الحرب المقبلة قد تطول... بللت شفتيها الجافتين وهمست بوهن:
-هارون… ممكن تاخدني في حضنك… بليز.
ابتسم ابتسامةً هائم غارق في بحر حبها كأن طلبها مزق آخر خيطٍ كان يتشبث بقوته، ثم فتح ذراعيه دون أن ينطق بحرف ، ألقت بنفسها بين ذراعيه، وأحاطت خصره بكلتا يديها، حتى خُيل إليه أنها تحاول الاحتماء به من الدنيا بأسرها، لا من خوفٍ واحد ، فاشتد احتضانه لها وهو يقول:
-قلبك بيتنفض كيف الطير المدبوح !! چرالك أيه أمال ؟!شايلة هم الدنيا و زاعقة فوق راسك ليه ؟! فكرك لو حد داس لك على طرف أنا هرحمه !! أنتِ في حِمى وحضن هارون العزايزي .. 
ابتعدت عنه قليلًا، وحدقت في وجهه طويلًا:
-ولو خسرت طيب ؟
ابتسم بوجهها لكن هذه المرة كان في عينيه يقينٌ لا يعرف الخسارة مادامت تلك العينين هدفه :
-ليلة أوعاكي في يوم تشيلي هم معركة اتخلقت للرجال .. وأنا طالما اخترت حبك يبقى اخترت عذابـه قبل نعيمه . 
ثم أمسك بذقنها وأتبع :
-تعرفي ، الراچل عمره ما يبقى خسران ، مادامت في حياته واحدة زي القمر اكده زيك مؤمنة بيه ومصدقاه . 
وما إن انتهت كلماته، حتى دوّى صوت عيار ناري شق سكون صفواهم ..شهقت ليلة بفزع، وانتفض جسدها وهي تتشبث به بكل ما أوتيت من خوف، حتى كادت أصابعها تغوص في ذراعه.. تجمد هارون لوهلة… بين رغبته في احتضانها حتى يهدأ ارتجافها، وبين غريزة الرجل التي دفعته لرؤية ما يحدث بالأسفل . 
" بالأسفل " 
عيون متسعة من هول صوت الطلقة التي ضربها هاشم بالهواء عندما وقفت رغد أمام أبيها لتحميه من شر جنون هاشم الذي خرج عن شعوره .. رمى بندقية الخفير من يده لتسقط بالارض .. أغرورقت عيني رغد الناجية بأعجوبة من رصاصته وهي تقول بحرقة :
-مش هينفع يا هاشم.. ده بردو بابي . 
ثار غضب هاشم من سلبيتها:
-رغد الراجل ده مجرم وراجع يخرب عليكي وجاي وراه مصلحة ميغركيش كلامه ..
اعتصرت دموعها من شدة الحزن وقال:
-هاشم سيبنا لوحدنا ممكن ..
نفى قطعًا :
-مستحيل اسيبك معاه.
تأرجحت عينها نحو خليفة الواقف جنبًا :
-من فضلك يا عمو ، قوله حاجة . 
تدخلت أحلام وهي تستند على هيثم خطوتها العرجاء :
-يلا ياهاشم سيبها مع أبويا يا ولدي .. 
تجاهل هاشم طلبها وتقدم ليسحبها من كفها فأبت التحرك معاه ، وهي تقول راجية :
-هاشم عشر دقايق بس ..
منذ زمن لم يرٍ في عينيها تلك النظرة المحملة بالرجاء والتوسل .. أومأ رأسه على مضض :
-هستناكي بره قصاد الباب ، عشر دقايق وبس يا رغد . 
ركضت صفية نحو الباب بعجل لتنادي أحد الخفر مستفسرة :
-أيه سبب الغاغة دي يا ولدي؟ 
تلجلج الرجل وهو يقول بناء على تعليمات خليفة :
-ديه واحد من الخفر كان عينضف سلاحه طاحت منه طلقـة .
أما عن هارون أبى أن يفارق ليلته المرتجفة ولو كانت نهاية العالم خارج غرفتهم ، فلينته وهو معها .. جلس الثنائي بالأرض واتخذت من ذراعه مأوى لخوفها .. ونست بصوته وبصوت أشعاره التي ألقاها على مسامعها كي يشتتها عن الخوف .. لجأ لكلمات قيس لليلتـه معبرًا عن حبه ، فتلك هي الطريقة الوحيدة المباحة لتهدئة نار حبه حتى غاصت في نومها من فرط حنانه عليها وهو يقول :
أٍَعُدُّ اللَّيَالِي لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَة�وَقَدْ عِشْتُ دَهْرًا لَا أَعُدُّ اللَّيَالِيَا
وَأَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الْبُيُوتِ لَعَلَّنِي� أُحَدِّثُ عَنْكِ النَّفْسَ بِاللَّيْلِ خَالِيَا
أَرَانِي إِذَا صَلَّيْتُ يَمَّمْتُ نَحْوَهَا� بِوَجْهِي وَإِنْ كَانَ الْمُصَلَّى وَرَائِيَا
وَمَا بِيَ إِشْرَاكٌ وَلَكِنَّ حُبَّهَا�وَعُظْمَ الْجَوَى أَعْيَا الطَّبِيبَ الْمُدَاوِيَا
عَلَى مِثْلِ لَيْلَى يَقْتُلُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ� وَإِنْ كُنْتُ مِنْ لَيْلَى عَلَى الْيَأْسِ طَاوِيَا
خَلِيلَيَّ إِنْ ضَنُّوا بِلَيْلَى فَقَرِّبَا� لِيَ النَّعْشَ وَالْأَكْفَانَ وَاسْتَغْفِرَا لِيَا
وَإِنْ مُتُّ مِنْ دَاءِ الصَّبَابَةِ فَأَبْلِغَا� شَبِيهَةَ ضَوْءِ الشَّمْسِ مِنِّي سَلَامِيَا ….
•••••••••••
-رجعت ليـه ، عايز مني أيه بعد السنيـن دي كلها !! أنت ليـه مصمم تعذبني كده !! مش كفاية عشت يتيمة عمري كله وانت حتى مفتكر أن عندك بنت !
اردفت رغد جملتها بعتاب يعصر قلبها من فرط الحزن والألم الذي عاشته لأعوام طويلة .. ثم أتبعت :
-راجع دلوقتي وعاملة فيها الأب الخايف على بنته ؟! طيب مفكرتش أنك أنت السبب في كل العذاب اللي أنا فيه ده !! 
ثم شهقت بحرقة وأتبعت :
-مش لو كان عندي أب ، كان هيقف معايا ويرفض إني اتجوز واحد خبي عني حياته !!خدعني .. وأنا مكسورة وضعيفة ما صدقت اتعلقت بحبه ووجوده ، مش لو كنت موجود كنت هتسأل عليه وتحذرني وتمنعني كمان بالقوة !!
ثم احتدت نبرتها الباكية أكثر :
-لكن أنا كنت لوحدي، جريت ورا كلمة بحبك ، اتجوزت واحد معرفش عنه أي حاجة فجاة  اختفي وانكر وجودي في حياته وبقيت محتاسة أنا واللي في بطني .. حياتنا مهددة .. كل يوم منتظرين مصيرنا . 
ثم وجهت اتهامها بحرقة :
-أنت رجعت ليه ؟! ياترى أيه عايز مني المرة دي أي مصلحة .
حدجها والندم بعينيه يحترق :
-اتفقوا عليّ عمامك يا رغد بعد كل اللي عملته عشانهم ، وخدو كل فلوسي وقتها حسيت إنه ذنبكم ، هربت منهم بالدم .. وكلمت أمك وقالت لي إنك هنا ودي الحاجة الوحيدة اللي هقدر أعملهالك عشان تسامحيني 
ثم حضن كف ابنته بتوسل:
-بصي تعالي ارجعي معايا ونربي ابنك بعيد عنهم وانا والله هحميكي برقبتي .. بس أنتِ تعالي وسامحيني يابنتي. 
عمرٌ كامل من الذكريات المؤلمة مرَّ أمام عينيها…لحظاتُ اليُتم التي عاشت بها،� والوحدةُ التي لم ترحمها، وعبراتُ طفلةٍ تربَّت على الخوف…كبرت قبل أوانها،� وتعلمت أن تخبئ وجعها خلف ابتسامةٍ باهتة،� وأن تبتلع دموعها حتى لا يقال إنها ضعيفة.� كانت كل ليلةٍ تمر عليها تسرق من طفولتها شيئًا،� حتى استيقظت يومًا لتجد نفسها امرأةً تحمل فوق كتفيها عمرًا لا يشبه عمرها .. كبرت على وهم أن الأيام ستنسيها ، ولكن هذا النوع من الوجع بالأخص مهما حاولت الهرب منه يتبعك بخطوات أثقل من أن تُنسى ….. 
رمقته بعجز على مسامحته :
-أنا اسفة يا … استاذ ممدوح ، جيت متأخر اوي.. أنا خلاص مش هسيب هنا …
هنا ظهر هاشم الذي كان يتلصص السمع من وراء البـاب والندم يقضم بأطراف قلبـه ، اقترب منه بفظاظة :
-نورت ، نتقابلو في سينا وأنا بنضف البلد منكم .. 
توسل ممدوح لابنته للمرة الآخيرة :
-طب حتى سامحيني ، يمكن ما متشوفينيش تاني بعد النهاردة .
وقفت رغد من مكانها، ثم أدارت وجهها إلى الناحية الأخرى، رافضةً أي حديثٍ آخر يعصر قلبها أكثر… تراجع ممدوح خطوة إلى الخلف، وقد أدرك أخيرًا أنه لا يحصد من محاولاته سوى الرفض. انحنى رأسه في خذلان، وهو يتجرع مرارة ما زرعته يداه من ظلمٍ وألاعيب.
وما إن غادر المكان، حتى لم تجد رغد ملاذًا تحتمل فيه ثقل حزنها سوى حضن هاشم. ارتمت بين ذراعيه، فظل واقفًا مذهولًا لثوانٍ، قبل أن يستوعب أنها لم تأتِ إلا لأنها تحتاج إليه..
ضمها بقوة، وكأنما يحاول أن يمحو بندمه كل لحظة قسا فيها عليها، منذ تلك الساعة الأولى التي فارقها فيها ، بكت طويلًا بين ذراعيه، حتى هدأت شهقاتها قليلًا، ثم رفعت إليه عينيها الذابلتين وهمست بصوتٍ مرتجف:
-محتاجاك جنبي الليلة دي… خليك معايا. 
سحبها من كفها أمام الجميع وتحت أعينهـم دون الأخذ بالاعتبار لأي أحد ، خطى الطرقات بخطوات واسعة ، حتى وصل لبهو قصرهم ، هرولت صفية إليـه :
-مالك يا هاشم وواخدها ورايح على فين !! هااشم .
لم تلق منه أي رد سوى إنه ابعدها عن طريقه ببطء وأكمل خطاه متجهًا نحو غرفته .. كانت دموع رغد تسابق خُطاها وهي تتشبث بيده كالطفلة ، صاحت صفية من الخلف:
-هاشم انت هتعمل ايه ورايح فين يا ولدي !!! وساحبها معاك على فين ! أعقل يا ولدي ما تفتحش علينا النار .
ثم صاحت بحسرة وهي تشكو لهيام :
-يا نيلة بختي في ولادي يا هيام !! الحريم كلت راس عيالي وخلتهم ماشيين بلا عقل !! ياريتني خلفتهم كلهم بنات ولا إني أشوف قهرتي بعيني !!
ربتت هيام على كتف أمها :
-خفي ندب ياما ، مرته ايه هنقولوله لا متاخدهاش.
لطمت على وجهها :
-مرته كيف !! دي چاية وچايبة الخراب معاها ! ولا الشيخ اللي قفل عليه هو ومرته ولا حس ولا خبر!وهارون فينه هو التاني ماشي من غير عقله! ياميلة بختك في ولادك يا صفية ….
وصل هاشم إلى غرفته وأغلق بابها خلفه.. كان أول ما فعله أن نزع حذاءه الجلدي، ثم تخلص من بعض ملابسه الثقيلة، قبل أن يلقي بجسده المرهق فوق الفراش .. مدَّ يده إليها في صمت، وكأنه يفتح لها ملاذًا آمنًا لا سؤال فيه ولا عتاب.
ظلت تراقبه لبرهة، تتردد بين الانكسار والاحتماء، ثم تحركت نحوه باستسلامٍ كامل..وضعت رأسها فوق صدره، وما إن استقرت بين ذراعيه حتى انهمرت دموعها في صمتٍ قاتل ، صمت يحرق دون أن يشتعل .. لا تدري أتشكو إليه قسوة الزمان، أم تشكو الزمان نفسه.
تشبثت بملابسه وكأنها تخشى أن يفلت منها آخر ما تبقى لها من أمان، بينما ضمها هو إليه دون كلمة.. ظل الصمت سيد الموقف، لا يقطعه سوى زفراتٍ مثقلة بالألم، وأنفاسٍ متعبة تحكي ما عجزت الكلمات عن البوح به..
••••••••••••

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا