رواية ما لم يكتب الفصل الرابع 4 بقلم هنا محمود
رواية ما لم يكتب الفصل الرابع 4 هى رواية من كتابة هنا محمود رواية ما لم يكتب الفصل الرابع 4 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية ما لم يكتب الفصل الرابع 4 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية ما لم يكتب الفصل الرابع 4
رواية ما لم يكتب الفصل الرابع 4
_إحنا جايين نطلب إيد روان.
رفرفت بأهدابي، محاولةً استيعاب ما قيل، لكن الكلمات عجزت عن الوصول إلى عقلي.
التفتُّ ببطء نحو شقيقتي، لأجد على وجهها بسمة خجولة لم أرَ مثلها من قبل. شعرت بشيء يهبط داخلي وأنا أستمع إلى موافقة والدتي:
_والله أنا مش هلاقي أحسن من ابن أخويا، بس برضو المهم رأي العروسة.
أشاحت «روان» بصرها عنها بحرج، وهي تهز رأسها بالموافقة.
شددت قبضتي بقوة، شاعرةً باختناق أنفاسي.
تعلقت عيناي بوجهه، منتظرةً إنكاره لطلب والده، أو أي تبرير منه.
لكنه باغتني بابتسامة عذبة ونبرة متحمسة:
_نقرأ الفاتحة بقى.
داهمتني قرصات موجعة في فؤادي، فابتلعت غصتي وحولت بصري إلى زوجة خالي. كانت تطالعني بعينين آسفتين، لأبادلها بأخرى تائهة.
حررت قبضتي، وسحبت خصلاتي بقوة، بينما أتابع توتر «زياد» وفرحته، وكأنني غريبة عنه تمامًا.
لم يأتِ من أجلي.
لم يحبني أنا.
قاطع شرودي صوت زغرودة والدتي السعيدة، قبل أن ينهض «زياد» ليجلس جوار «روان»، مانحًا إياها باقة الورود، ثم أخرج علبة سوداء.
أخرج منها خاتمًا ذهبيًا رقيقًا، ووضعه في بنصرها.
وكأن الهواء قد نفد من رئتي، وتسارعت خفقاتي.
تحاملت على نفسي لأقف، أجر ساقيَّ نحوهم وسط مباركات الجميع. تعلقت نظراتي بسعادة شقيقتي، وحاولت تثبيت نبرتي وأنا أحتضنها بجفاء:
_مبروك.
_الله يبارك فيكي، عقبالك.
خرجت من بين ذراعيها ووقفت أمامه.
كانت عيناه تلمعان بسعادة لم أرَها فيه من قبل، حتى يوم التحاقه بكلية الطب. غرزت أسناني في باطن خدي، ومددت كفي المرتجف:
_مبروك يا زياد.
بادلني المصافحة، محكمًا قبضته حول كفي:
_الله يبارك فيكي يا ريما.
سحبت كفي، لكنه لم يفلته، وأضاف:
_كنتِ عايزاني في إيه؟
أفلت يدي، وأشحت بنظراتي عنه:
_خلاص... كانت حاجة مش مهمة.
_مبروك يا حبيبتي.
تدخل صوت «تمارا» بعدما خرجت من الغرفة، لتحتضن «روان» وتبارك لها، بعينين دامعتين وهي تبصرني.
وقفت إلى جواري، تمسح على ظهري بحنان، ثم همست بالقرب مني:
_أنتِ كويسة؟
ثبتُّ عيني على خاتم «روان» اللامع، وتمتمت بحنق:
_عايزة أنام ومصحاش.
_طب يلا نخرج نحتفل بالمناسبة الجميلة دي.
أضاف خالي بفرح، وهو يحتضن «أسماء». أيدت والدتي اقتراحه:
_ياريت والله، وكده كده كلنا لابسين.
_مش هعرف.
توجهت جميع الأعين نحوي بعد نبرتي الحادة، فتابعت ببسمة مرتبكة:
_عندي امتحان بكرة.
اقتربت «روان» لتحاوط ذراع «تمارا» بود:
_خلاص، لو عندك امتحان خليكي. هاخد تمارا، كده كده هي مش بتذاكر.
أبصرتني «تمارا» للحظات، وكأنها تنتظر الإذن مني، فأومأت لها بخفة.
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
دقائق، حتى أضحيتُ وحيدة. توجهتُ إلى غرفتي بثقل، وأنرتُ الإضاءة، ثم التقطت عيناي انعكاسي في المرآة.
اقتربتُ ببطء، أتفحص خصلاتي المشعثة، وجرح جبهتي المختبئ أسفلها، ومعطفي الملطخ ببقايا الأتربة.
أسدلتُ جفوني للحظات، واستنشقتُ أكبر قدر من الهواء، بينما تزاحمت أحداث اليوم في عقلي، وكل ما قاسيته بمفردي.
نزعتُ معطفي وألقيتُه بقوة، ثم رفعتُ خصلاتي، لكن لفت انتباهي بعض السحجات الخفيفة على معصمي الأيسر إثر سقوطي.
ارتجفت شفتاي بحنق، ورفعتُ كنزتي الرقيقة لأبصر بقعة حمراء مائلة إلى الوردي تعكّر صفو بشرتي.
مررتُ أناملي عليها برفق، لتنهمر دموعي بصمت.
لم يكن جسدي هو ما يؤلمني... بل روحي.
ضعفت ساقاي، فجلستُ أرضًا، وعيناي تتابعان انعكاسي الهش. حاصرتني حرقة خانقة، وانقبض حلقي بغصة موجعة، حتى اضطربت أنفاسي.
_ليه؟
تمتمتُ بها بضعف، متذكرةً لمعة عينيه وشرارة سعادته.
هو لم يرني من الأساس.
أسندتُ ذقني إلى ركبتي، وحاوطتُ ساقيَّ بذراعي، محتضنةً ذاتي:
_طالما محبنيش... ليه كان قريب مني؟! ليه؟
انفرجت شفتاي، لكن الكلمات اختنقت قبل أن تخرج.
حاولتُ التقاط أنفاسي، بينما كان صدري يعلو ويهبط بعنف، وكأن شيئًا ثقيلًا يجثم فوقه.
..................
تسللت الخيوط الذهبية إلى غرفتي، معكّرةً عتمتها. قطبت جبيني بضيق وأنا أتقلب على فراشي، بعدما أحسستُ بالصداع يفتك برأسي.
رمشتُ عدة مرات، أحاول الاعتياد على الإضاءة حتى تقبلتها.
سحبتُ هاتفي، لأجد أن الساعة تجاوزت العاشرة، وقد فاتتني المدرسة.
لامست قدماي الأرضية الباردة، فنهضتُ بوهن، وتوجهتُ إلى المرحاض لأغتسل.
خرجتُ بعد دقائق، وتوجهتُ إلى الصالون بعدما سمعت صوت التلفاز. كانت والدتي تشاهد بصمت، كعادتها.
_مصحتنيش ليه؟
أجابتني دون أن تنظر إليّ:
_لقيتك تعبانة، أكيد من خناق إمبارح.
التفتت إليّ، وتابعت بحدة:
_فكراني مش هعرف إنك اتخانقتي شبه البلطجية في الدرس؟ بصي على وشك الأصفر وشكلك اللي بقى مبهدل. ناوية تكبري إمتى؟!
ضيقتُ عينيَّ وأنا أضم ذراعيَّ، محللةً حديثها بهدوء:
_وأنتِ من إمتى بتسكتي لما تعرفي إني اتعاركت؟ ولا بتخليني أغيب من المدرسة للسبب ده؟!
أشرتُ إلى عينيَّ وتابعت:
_ولا إنتِ شوفتي اصفرار وشي وعينيَّ الورمة؟! أنتِ كنتِ عارفة إنه جاي يتقدم لروان، صح؟
أجابتني بثقتها المعتادة:
_طبعًا عارفة، أمال هييجوا يتقدموا من غير إذني؟
_طب ما أنا سألتك، ما قلتيليش ليه؟
_دي مواضيع كبار، مش لازم كل حاجة تبقي عارفاها.
اقتربتُ منها عدة خطوات بغضب، وسألت:
_كنتِ عارفة إني بحب زياد؟
صمتت لثوانٍ، وعيناها معلقتان بعينيَّ المرتجفتين.
هتفتُ بحدة وأنا أقف أمامها:
_جاوبيني. كنتِ عارفة، وعشان كده كنتِ بتبعديني عنه؟
فركتُ خصلاتي بقوة، وأنا أحاول استيعاب تزاحم أفكاري:
_كنتِ عارفة إنه بيحب روان، وهي كمان بتحبه! مفكرتيش تقوليلي؟! والأهم... وافقتِ عليه ليها وإنتِ عارفة بحبي؟
استقامت من مجلسها ووقفت أمامي، ونظراتها مليئة بالقوة؛ تلك القوة التي اعتدتُ رؤيتها منذ رحيل والدي عنها.
_أنتِ مش بتحبيه، ده مجرد إعجاب مراهقة... عشان أبوكي مش معاكي.
_طب ما روان كمان بابا مكنش معاها، أشمعنى هي حبها حقيقي؟!
تحشرج صوتي، وانهارت عباراتي دون إذن مني.
رفعت كفها، وتحسست جرح جبهتي:
_هتفضلي على طول مش بتفكري، ومش بتدوري على الصح. أنتِ بس مبهورة بيه وبوجوده، مش أكتر.
ترجعتُ إلى الخلف بعنف، تاركةً يدها معلقة في الهواء:
_مفكرتيش أنا حسيت بإيه وأنا فاكراه جاي يتقدم لي، وفي الآخر يخطب أختي قصاد عيني؟ مفكرتيش حتى تنبهيني، ولا تقوليلي مجيش وأشوفهم قصادي؟
حاولتُ أن أبقي صوتي ثابتًا، لكنه ارتجف رغمًا عني، وخرجت كلماتي مثقلةً بشيء لم أستطع أن أمنحه اسمًا.
لتصيح هي بضعف لم أعهدها به:
_قولي أعمل إيه؟ أقف في سعادة بنتي وهما الاتنين بيحبوا بعض؟! أنتِ لسه صغيرة، مجربتيش الحب أصلًا، وتعلّقك بزياد لمجرد إنه كان بيساعدك.
ركلتُ ساق الطاولة، ليسقط الكوب ويتحول إلى شظايا.
صرختُ بكل قوتي وأنا أسحب خصلاتي بعنف:
_ليه مشاعرها أهم مني؟! جاوبيني! أنا حب مراهقة وهي حب حقيقي؟! ليه دايمًا شايفاني ماليش لازمة؟!
تابعتني بهدوء، وكأنها تخبرني أنها تتوقع مني تلك التصرفات:
_عشان طايشة، مش بتفكري. بترمي نفسك في أي حاجة وخلاص من غير ما تدرسيها. إيه اللي خلاكي تقولي إنه جاي يتقدم لكِ أنتِ؟
ضربتُ بكفي على صدري بغيظ:
_أنا مش مجنونة! هو اللي كان بيكلمني، وبيساعدني، ويهتم بيا.
جززتُ على أسناني بقهر قبل أن أنصرف من أمامها:
_أنا الضحية هنا... مش أنتم.
................
_ماما طلعت عارفة يا تمارا، عارفة إني بحبه.
خرج صوتي ضعيفًا، وتعالت شهقاتي، لتتحدث هي بقلق:
_مش سامعاكي كويس، إزاي طنط عارفة؟
_كانت عارفة إنه جاي يتقدم لروان. أنا مش قادرة أشوف أكتر من كده.
جاءني صوت «تمارا» الرقيق ممزوجًا بالحزم:
_امشي من عندهم وروحي عند باباكي، هو الوحيد اللي هيفهمك.
مسحت دموعي بكفي بقوة، وأنا أستمع لها بحرص:
_مامتك وروان أنانيين، ومش بعيد تكون روان كمان عارفة بحبك ده واتخطبتله قصد.
_تقصدي إن روان عملت كده عشان تضايقني؟
_مش عارفة يا ريم، أنا بتوقع وخلاص.
..............
طرقت الباب وانتظرت لدقائق حتى انفتح الباب من قِبل والدي.
أبصرني لبرهة حتى اتسعت حدقتاه بدهشة:
_ريم؟! بتعملي إيه دلوقتي هنا؟
أحكمت قبضتي على حقيبتي الكبيرة وتمتمت بحرج:
_ممكن أقعد هنا شوية؟
تحركت عيناه على بدني للحظات في صمت، وكأنه يفكر، ثم ابتعد في النهاية سامحًا لي بالدخول.
_مامتك عارفة بوجودك هنا؟
ابتلعت ريقي بارتباك وأجبته:
_سبتلها رسالة.
_مين جه يا حبيبي؟
جاءت زوجة أبي مرتدية منامة كحلية، وتوقفت حركاتها ما إن رأتني.
ألقيت عليها التحية، مبعدةً بصري عنها:
_إزي حضرتك يا طنط؟
ثوانٍ حتى تداركت ذاتها وأجابتني بجفاء:
_الحمد لله، بس خير؟ في حاجة حصلت؟
حركت عيناي لوالدي وأجبت بعد ثوانٍ:
_لا يا طنط، أنا بس بابا وحشني.
رفعت كفي ودلكت رقبتي بتوتر، وقد أدركت فعلتي المتهورة.
ابتسمت بخفة وتحدثت بنية تلطيف الأجواء:
_سلمي وسيف فين؟ عايزة أشوفهم.
أردفت ببرود وهي تفرك يدها بقطعة قماش كانت تحملها منذ خروجها من المطبخ:
_نايمين عشان عندهم مدرسة، ممكن تنامي مع سلمي في الأوضة، بس حاولي متصحّيهاش.
حركت رأسي بالموافقة، وأنا أسحب ساقي إلى الغرفة في نهاية الرواق.
.........
مر أسبوع.
لم أجب على اتصالات والدتي، ولا أذهب إلى المدرسة. أكتفي بالنوم على فراشي واللعب مع أشقائي الذين قد ظهر الكِبَر عليهم!
_يلا يا ريم.
نهضت بثقل، وأنا أمشط خصلاتي بأصابع كفي:
_جاية يا طنط.
توجهت إلى المطبخ لأرى زوجة والدي وهي تقلب محتوى الطعام ببطء، وأضافت ما إن لاحظتني:
_أنتِ على طول نايمة كده؟! مش بتعملي حاجة في بيتكم ولا إيه؟
ابتسمت بحرج وأنا أسحب أكمام منامتي:
_لأ بساعد، بس مش على طول عشان مدرسة.
_وفين مدرسة دي؟ مروحتيهاش من أسبوع.
حاولت تغيير مسار الحديث، فسحبت وعاءً فارغًا وتمتمت ببسمة:
_أساعدك في إيه يا طنط؟
طالعتني لثوانٍ وأجابت:
_قطعي الخضار.
همهمت بهدوء وبدأت في التقطيع في جو مشحون بالتوتر!
دقائق حتى تحدثت هي:
_مامتك عمالة تكلم أبوكي عشان أنتِ مش بتردي عليها.
لم ألاحظ حنقها، فأجبت ببرود:
_مش عايزة أكلمها دلوقتي.
أوليتها ظهري لأستكمل التقطيع، فتحركت بضيق ووقفت أمامي، متابعةً بهدوء زائف:
_أنا مقدرة إنك صغيرة وفي سن مراهقة، بس أيا كان، مينفعش تسيبي بيتك وتمشي.
_بس أنا مروحتش لحد غريب، ده بيت بابا!
احتدت عيناها، وجزّت على أسنانها بغضب:
_أبوكي بقى ليه عيلة تانية، بالعافية بيقدر يجيب مصروفهم، والأهم مينفعش مامتك تكلمه. هما خلاص اتطلقوا. ما ينفعش تبقي أنانية، وعشان تريحي نفسك تبوظي استقرار بيتي.
توقفت يدي عن الحركة، وبقيت أحدق في الخضار أمامي دون أن أراه.
لأول مرة، شعرت أن وجودي هنا لم يكن هروبًا إلى أبي...
بل كان عبئًا على بيتٍ لم يكن بيتي من الأساس.
يُتبع...
