رواية اسميتها ريحانة سليم وريحانة الفصل السابع 7 بقلم سلمي جاد
رواية اسميتها ريحانة سليم وريحانة الفصل السابع 7 هى رواية من كتابة سلمي جاد رواية اسميتها ريحانة سليم وريحانة الفصل السابع 7 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية اسميتها ريحانة سليم وريحانة الفصل السابع 7 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية اسميتها ريحانة سليم وريحانة الفصل السابع 7
رواية اسميتها ريحانة سليم وريحانة الفصل السابع 7
وصل كلٌّ من سليم وريحانة إلى المستشفى، بعدما أصرّ سليم على توصيلها بسيارته الخاصة.
كانا في مصعد المستشفى، والصمت مسيطر على المكان، لا يقطعه سوى صوت المصعد وهو يعبر الطوابق المختلفة.
نظر سليم إلى ريحانة، التي كانت تفرك يديها بتوتر، وأنفاسها مضطربة. لم يشعر بنفسه إلا وهو يلتقط كف يدها بين يديه، ويضغط عليه بحنان، قائلًا:
"ريحانة، متقلقيش... إن شاء الله أخوكي هيبقى كويس."
رفعت رأسها ونظرت إليه، وعيناها تلمعان من أثر البكاء المحبوس، ليتفاجأ بها فجأة تضع رأسها على كتفه وتشهق ببكاء.
صمت، وهو يشعر بدقات قلبه تتسارع من قربها، ليرفع يده دون وعي ويحيط خصرها النحيل، بينما راحت يده الأخرى تربت على ظهرها بهدوء.
دوى صوت وصول المصعد إلى الطابق المطلوب، فابتعدت ريحانة عنه فجأة، وهي تنظر إليه بخجل.حمحم بخشونة، ثم خرج من المصعد، وتبعته هي.
كان سليم ما زال يمسك بيدها بين يديه، فتقدم من مكتب الاستقبال وسأل:
"من فضلك، الرائد يزن في أنهي غرفة؟"
استغرقت الممرضة ثوانٍ في البحث على جهاز الحاسب، قبل أن تجيبه بهدوء:
"غرفة رقم 555، يا فندم."
أومأ برأسه، ثم اتجه نحو الغرفة، وهو يمسك بيد ريحانة التي تسير خلفه باستسلام.
وصلا أمام باب الغرفة، ليترك سليم يدها، ويومئ برأسه لها باطمئنان.ابتسمت ريحانة له قليلًا، ثم دخلت الغرفة.
كان الجميع يتواجدون بداخلها؛ أدهم وجميلة وعلي وياسمين، بالإضافة إلى فتون ويزن الراقد على السرير.
ركضت ريحانة نحو سرير يزن، وهي تشهق ببكاء:
"يزن"
ابتسم يزن، وهو يربت على رأسها بحنان، ثم تحدث بمرح، محاولًا إضحاكها:
"معقول يا ريري؟ طلع عندك دم وبتعيطي زينا؟"
رفعت ريحانة رأسها بهدوء نحوه لثوانٍ، قبل أن تلكمه في صدره، ليتأوه بألم:
"آااه يا جماعة! والمصحف ضلوعي مكسورة، ومضروب طلقة جنب قلبي ،أعمل إيه أكتر من كده عشان متضربونيش؟"
ضمت ريحانة شفتيها بحزن، وقالت:
"تستاهل، عشان تقول إني معنديش دم. أنا الحق عليّا إني قلقانة عليك."
ابتسم يزن، وقال:
"خلاص يا ريري، بقت بنكشك. إنتي أحن أخت في الدنيا."
رفع رأسه حين لاحظ سليم الواقف بهدوء عند باب الغرفة، يراقبهم بصمت.
"أهلًا وسهلًا يا سليم بيه، اتفضل ادخل."
تقدم سليم إلى داخل الغرفة بخطوات ثابتة، وقال بصوته الرخيم:
"حمد لله على سلامتك يا سيادة الرائد."
"الله يسلمك... ده سليم بيه، المدير التنفيذي للشركة اللي ريحانة شغالة فيها. طبعًا يا بابا أكيد إنت عارفه."
تقدم أدهم بهدوء من سليم، ثم مد يده ليسلم عليه:
"أهلًا يا سليم، مكانش له لزوم تتعب نفسك."
جزَّ سليم على أسنانه وهو ينظر إليه، لكنه حاول السيطرة على نفسه، وابتسم بهدوء وهو يصافحه.
"مفيش تعب ولا حاجه يا أدهم بيه."
نظر سليم إلى كلٍّ من جميلة وياسمين الجالستين على الأريكة، فحيّاهما بهدوء.
تحدثت جميلة بابتسامة دافئة:
"أهلًا يا ابني، نورت. تعبت نفسك ليه؟"
"مفيش تعب ولا حاجة يا طنط."
تحدثت ريحانة بابتسامة:
"سليم هو اللي وصلني المستشفى عشان مكنتش هقدر أسوق بسبب خوفي على يزن."
ابتسم أدهم بهدوء:
"شكرًا يا ابني."
"أنا معملتش حاجة لكل ده يا جماعة."
تحدثت ياسمين هذه المرة، وهي تنظر إليه بابتسامة واسعة:
"تسلم يا حبيبي على تعبك، ربنا يكثر من الشباب اللي زيك."
نغزها علي في كتفها بغيرة:
"ما تهدي إنتي شوية."
اقتربت فتون من ريحانة الجالسة بجانب يزن، وقالت بهمس حتى لا يسمعها أحد من الموجودين بالغرفة:
"أحم... هو ده بقى سليم؟ ماشي يا عم، وقعتي واقفة."
فتحت ريحانة عينيها بصدمة، ونغزتها في كتفها وهي تهمس:
"شششش... اسكتي .الله يخرب بيتك"
حمحم سليم بخشونة، وقال:
"طيب، استأذنكم أنا بقى، وألف سلامة عليك يا سيادة الرائد."
تحدثت جميلة:
"اقعد يا حبيبي شوية، اشرب حاجة."
رفع أدهم حاجبه لها بغضب، لتعدل كلامها بتوتر من نظراته:
"أقصد... اقعد يعني شوية ترتاح من السواقة."
ابتسم سليم وقال:
"لا، ملوش لزوم. أنا لازم أروح عشان أرتاح، لأننا ورانا سفر بكرة أنا وريحانة."
شهقت جميلة:
"سفر إيه؟"
نظر أدهم باستغراب، وقال:
"سفر إيه؟ وليه معرفتيش حد فينا يا ريحانة؟"
أجابت ريحانة:
"يا بابا وماما، أنا لسه عارفة حكاية السفر دي النهارده عشان تبع الشغل."
وجّهت جميلة حديثها لسليم:
"وإنتوا هتقعدوا قد إيه؟"
"مش عارف يا طنط، والله. موضوع الصفقات بياخد وقت، بس مش أكتر من أسبوعين."
شهقت جميلة:
"أسبوعين؟ هتبعدي عني أسبوعين يا ريحانة؟"
نهضت ريحانة لتجلس بجانبها، ثم قبّلت خدها:
"إنتي عارفة إني مقدرش أبعد عنك ثانية واحدة يا ماما، بس ده شغل... نعمل إيه؟"
تنهد يزن بتعب، موجّهًا حديثه لسليم:
"معلش يا سليم، إحنا عيلة أوفر في مشاعرنا."
ابتسم سليم بجانب فمه، ليكمل يزن حديثه بجدية:
"بجد خد بالك منها يا سليم. ريحانة آه تبان باردة، بس هي متهورة ومجنونة، وموقعة نفسها في مشاكل دايما بسبب جنونها ده."
شهقت ريحانة بغضب:
"أنا مجنونة يا يزن؟!"
ابتسم سليم بخفة:
"أنا عارف من غير ما تقولي. عموما متقلقش، هاخد بالي منها."
لتنظر له ريحانة شزرًا ، ليبتسم بخفة واضعا يده في جيب بنطاله وهو يقول "أنا هستأذن بقى، عن إذنكم."
وقبل أن يخرج من الباب، ناداه أدهم:
"استنى يا سليم، عايز أقولك حاجة برة."
نظر سليم إليه بصمت، لكنه هز رأسه بموافقة، ليخرجا من الغرفة.
وقف أدهم أمام سليم، وتحدث بصوته الرخيم:
"سليم، أنا مش هوصيك على ريحانة. هي أول مرة تبعد عني أنا ومامتها كل الفترة دي، عايزك تاخد بالك منها. وزي ما يزن قالك، على قد ما ريحانة تبين هادية وأعصابها باردة؛ لأنها ورثت الحتة دي مني، في نفس الوقت هي متهورة وبتنفذ اللي في دماغها، حتى لو هتقع في مشاكل."
تحدث سليم بهدوء:
"متقلقش يا أدهم بيه، ريحانة في حمايتي."
ابتسم أدهم بهدوء:
"وأنا واثق إنك هتحميها. بس أنا دلوقتي بكلمك كأب، مش كشريك في الشركة. فاهمني؟"
صمت سليم، وهو يشدد على قبضة يده بقوة، لكنه هز رأسه بهدوء:
"أكيد فاهمك."
ربت أدهم على كتفه، ثم دخل الغرفة، ليبقى سليم مكانه، ينظر إلى الفراغ، وعيناه تشتعلان بنيران غضب تكاد تفتك بالحديد.
همس من بين أسنانه:
"وأنا ميهونش عليا قلقك كأب .. أوعدك يا أدهم السويسي، إني هحسّرك عليها."
ثم انطلق بهدوء من المكان.
______________________________________________________________
في صباح يوم جديد...
المكان: مطار القاهرة الدولي
وصل كلٌّ من سليم وريحانة إلى المطار للقيام بإجراءات السفر، من التفتيش والأوراق وختم جوازات السفر إلى آخره، وأخيرًا استقلا الطائرة التي بدأت في الإقلاع.
كان سليم يجلس بهدوء في مقعده يقرأ كتابًا، وبجانبه ريحانة تتصفح هاتفها. وما إن بدأت الطائرة في الإقلاع حتى تركت هاتفها، وبدأت أنفاسها تتسارع.
لاحظ سليم هيئتها، فعقد جبينه وقال:
"ريحانة، إنتي كويسة؟"
ضمت شفتيها بتوتر، وهي تغمض عينيها وتهز رأسها نفيًا.
ليتحدث الأخر بشك : "إنتي مركبتيش طيارة قبل كده؟"
"لا، ركبتها مرتين لما سافرت أعمل عمرة، بس كان بابا وماما معايا، وأول ما الطيارة كانت بتبدأ تطير، كانوا بيحضنوني عشان مخافش."
صمت سليم برهة، قبل أن يضع كفه فوق كفها الموضوع على الكرسي ويضغط عليه برفق، ثم قال:
"ريحانة، بصيلي."
فتحت عينيها الفيروزيتين ببطء، لتجده ينظر إليها، ضاغطًا على كفها برفق.
"متخافيش، أنا معاكي... خدي نفس عميق."
هزت رأسها ببطء، وبدأت في تنفيذ كلامه.
"وبعدين خرجيه... بس ببطء."
فعلت ما قاله، وبالفعل شعرت بتحسن، لتلتفت فجأة نحو نافذة الطائرة، فتجد أنهما أصبحا بالفعل في الجو.
قالت ريحانة بسعادة:
"إيه ده؟ إحنا بقينا في الجو!"
ابتسم سليم بخفة:
"شوفتي إن الموضوع بسيط؟"
ثم عاد إلى قراءة كتابه، أما هي فنظرت إليه خلسة، وهو يقرأ بهدوء، بهيبة واضحة حتى في صمته. كان يرتدي تيشيرتًا رصاصيًا مع بنطال جينز ثلجي، بينما رفع خصلات شعره الفحمية إلى أعلى بأناقة، لتمنحه مزيدًا من الثقة والكاريزما.
هزت رأسها نفيًا، وعادت للنظر من شباك الطائرة، تتأمل السحاب الأبيض القريب منها، حتى كادت تلمسه، بينما كانت ضربات قلبها تحلّق في السماء.
بعد ساعات ...
هبطت الطائرة في مطار واشنطن عاصمة أمريكا، وبدأ الركاب في النزول على سلالم الطائرة، لكلٍّ منهم وجهته؛ فمنهم من عاد إلى بلاده، ومنهم من بدأ غربته.
أما أبطالنا، فتوجهوا إلى أقرب فندق من المطار، وهو الفندق الذي سيستقرون فيه طوال فترة وجودهم في أمريكا.
تقدم سليم من مكتب الاستقبال، وتحدث بالإنجليزية بمهارة:
"Excuse me, I'd like two rooms for two people, please."
«من فضلك، أريد غرفتين لشخصين.»
نظرت الموظفة إلى شاشة الحاسوب لثوانٍ، ثم قالت بأسف:
"I'm sorry, sir. All the rooms are fully booked because it's the travel and tourism season in America. However, there is one large suite whose reservation was canceled just a few minutes ago. Would you like me to book it for you?"
«أنا آسفة يا سيدي، جميع الغرف محجوزة بالكامل لأن هذا موسم السفر والسياحة في أمريكا. ولكن يوجد جناح كبير واحد أُلغي حجزه منذ دقائق قليلة. هل ترغب أن أحجزه لك؟»
نظر سليم لريحانة دون أن يظهر على وجهه أي تعبير، بينما كانت ريحانة تتسع عيناها باستنكار، ثم التفتت إليه قائلة بتوتر:
"إيه؟! أكيد مش هنعمل كده، صح؟"
ضيّق عينيه بابتسامة، قائلًا بنبرة مكر:
"تفتكري هنعمل إيه؟"
ابتلعت ريحانة ريقها بصعوبة، وقالت بعدم فهم:
"مش فاهمة."
ابتسم بخفة من جانب فمه، وقال:
"أكيد مش هنقعد في أوضة واحدة، إحنا مش أمريكان."
تنفست الصعداء وهي تبتسم بارتياح، لكن ابتسامتها لم تدم طويلًا، إذ أكمل سليم حديثه بخبث:
"إحنا هنطلع على بيتي."
فتحت عينيها على مصرعيهما، وقالت بتلعثم:
"نعم؟! "
____________________________________________________________
في بيت ياسين، كان يستعد للذهاب إلى عمله، وأثناء انشغاله بإغلاق أزرار قميصه، دوّت رنّة هاتفه، معلنةً عن اتصال من رقم غير مسجّل.
أجاب بهدوء وهو يمشّط خصلات شعره أمام المرآة:
"ألو."
ساد الصمت للحظات.
قطّب جبينه باستغراب وقال:
"ألو... مين معايا؟"
جاءه الرد هذه المرة بصوتها الرقيق:
"دكتور ياسين."
ابتلع ريقه بصعوبة، وهمس بعدم تصديق:
"آيات... قصدي مدام آيات."
"أنا بعتذر إني بكلم حضرتك، لكن لقيت إياد مسجّل رقمك على موبايلي."
تذكّر أنه بالفعل، عندما كانا في السوبر ماركت، أعطى رقمه لإياد بعدما أصبحا صديقين، لكنه لم يتوقع أن يحتفظ إياد بالرقم على هاتف والدته.
"أيوة، أنا فعلًا اديته رقمي عشان بقينا أصحاب، بس أنا ما كنتش أعرف إنه سجّله على موبايلك... احم، أنا آسف لو حضرتك اتضايقتي."
تنهدت بهدوء وهي تستمع إلى كلماته.
ليتحدث بقلق هذه المرة :"مدام آيات... حضرتك كويسة؟"
تحدثت بتوتر:
"هو أنا ممكن أطلب من حضرتك طلب؟"
"أكيد، طلب إيه؟"
"ممكن نتقابل النهارده؟"
فتح عينيه على اتساعهما من شدة المفاجأة.
"نتقابل؟"
"أيوة، عايزة أتكلم مع حضرتك في موضوع مهم، لو حضرتك معندكش اعتراض طبعًا."
"لا طبعًا. تحبي نتقابل فين؟"
"فيه كافيه اسمه..."
قاطعها قائلًا:
"أيوة، أيوة، عارفه. تمام، نتقابل الساعة تمانية؟ عشان أكون خلّصت العيادة."
"تمام، عن إذنك."
"سلام."
وضع الهاتف على قلبه، وقد تسارعت أنفاسه، ثم نظر فجأة إلى الساعة، وهمس بابتسامة حالمة:
"إمتى الساعة تيجي تمانية؟"
_____________________________________________________________________________
كان يقود السيارة بهدوء في شوارع أمريكا، حيث البنايات الضخمة والبيوت ذات التصميم الرائع، وبما أنهما في العاصمة واشنطن، فكانت معظم المباني خاصة بالشركات الضخمة والمولات التابعة لبراندات عالمية.
بعد مشكلة الفندق واقتراحه بأن يتجها لبيته وصدمة ريحانة، علّل بأن بيته به خادمات وربّة منزل، بالإضافة إلى طباخ وبواب، فلن يكونا بمفردهما، لتوافق أخيرًا ريحانة على مضض.
كانت ريحانة تنظر من شباك السيارة بانبهار، تتأمل الشوارع المنظمة والناس المرتبة، فعندما تراهم تعتقد أنهم على الـريد كاربت بملابسهم الأنيقة وهيئتهم الجذابة.
تحدثت ريحانة بابتسامة دافئة: "الشوارع جميلة أوي ونشطة، مليانة ناس مع إننا لسه الصبح."
أجابها سليم وهو يمسك عجلة القيادة: "ده عشان إحنا في العاصمة بس، لكن في المقاطعات والبلدان الصغيرة بتكون أهدى كتير."
هزت رأسها بفهم: "صحيح. هو إنت كنت مستقر في بيتك ده ومكنتش عايش مع باباك؟"
أجاب سليم بهدوء: "لا، كنت عايش معاه لحد ما اتخرجت، لكن أول ما اعتمدت على نفسي اشتريت فيلا في واشنطن. بيتي اللي كبرت فيه أصلًا مش هنا، بس أنا كنت حابب أعيش في العاصمة، وعشان كده اشتريت فيلا."
فتحت عينيها بانبهار: "واوو! فيلا وإنت لسه متخرج؟ أكيد والدك اللي اشتراهالك."
ابتسم بخفة: "قولتلك، أنا مبعتمدش على حد، بس هنا أسعار الفلل مش غالية أوي زي ما إنتي متخيلة، فهتلاقي معظم الناس هنا عنده فلل أو على الأقل شقة راقية، لكن طبعًا كل ما تقربي من العاصمة الأسعار بتزيد، والإسكان في العاصمة غالي أوي عن باقي البلدان."
أثناء حديثهما، أدار عجلة السيارة ليمر بشارع جانبي عبارة عن مفترق طرق، سار بشكل مستقيم لإحدى الشوارع التي كان في مقدمتها الفيلا.
نظر بجانبه نحوها: "وصلنا."
نظرت ريحانة أمامها لتجد بوابة حديدية تفتح بواسطة سكيورتي يقف، وبمجرد أن رأى سليم أومأ له بترحيب.
دخلت السيارة واجهة الفيلا، والتي كانت عبارة عن أرض عشبية خضراء ممتدة للداخل، ليظهر مبنى ضخم مكون من طابقين، ذات تصميم عصري لونه مزيج من الرصاصي والأبيض، تزينه أضواء صفراء حتى مع وجود نور الصباح. أمام الفيلا تواجد حمام سباحة واسع، واستراحة بها طاولة مستديرة وأريكة.
أوقف سليم السيارة ونزل بهدوء، تبعته ريحانة التي وقفت تتأمل المكان بانبهار، ليقاطعها صوت سليم: "عجبك المكان؟"
أومأت برأسها بحماس: "آه، جدًا! تصميم الفيلا من برّه حلو أوي، كأنه بيت كبير من دورين. وأحلى حاجة الجنينة، بتفكرني بقصرنا اللي في مصر."
ابتسم بخفة: "طيب يلا ندخل."
دخلا من باب الفيلا، لتجد ريحانة في استقبالهما امرأة في منتصف الخمسينيات، يبدو على ملامحها الحنان والطيبة، لتشعر بالألفة نحوها وكأنها من مصر. ثوانٍ، وتأكدت شكوكها حين اقتربت من سليم قائلة بسعادة: "سليم، مصدقتش نفسي لما اتصلت بيا وعرفتني إنك جاي."
ابتسم سليم بحب وهو يربت على كتفها: "عاملة إيه يا دادة سميرة؟ وأشلي عاملة إيه؟"
"كويسة يا حبيبي، وأشلي الحمد لله. ربنا يهدي سرّها مع جوزها. بس زعلانة منك كده، متعرفنيش إنك في أمريكا غير قبل ما تيجي بكام ساعة."
"والله يا دادة، لسه واصل وكنت نازل في فندق عشان شغل، لكن في الآخر جينا هنا."
نظرت سميرة لريحانة التي تقف بهدوء عند الباب تسمع حديثهم: "مين دي يا سليم؟"
أشار سليم لها أن تقترب وهو يقول: "دي ريحانة. تعالي يا ريحانة قربي."
اقتربت ريحانة بخجل لتقف بجانب سليم، ليكمل: "دادة، دي ريحانة، شغالة معايا في الشركة اللي في مصر وجت معايا عشان نخلص صفقة هنا. ريحانة، دي دادة سميرة. كانت شغالة في بيت بابا من وقت ما جينا أمريكا، ولما اشتريت البيت ده ،أنا أصريت تيجي وتعيش معايا فيه."
ابتسمت ريحانة: "أهلًا بحضرتك."
لتتفاجأ بسميرة وهي تحتضنها: "حبيبتي، إزيك؟ ما شاء الله عليكي، زي القمر."
ابتعدت عنها لتلاحظ استغرابها، وقالت بابتسامة: "اعذريني إني من اول مرة نتقابل وتخطيت المسافات بينا، بس إنتي بتفكريني ببنتي أشلي، بس هي هاجرت فرنسا مع جوزها، وكمان أنا وحشني المصريين أوي ومبصدق أشوف حد فيهم."
ابتسمت ريحانة برقة وهي تبادلها الحضن هذه المرة: "لا يا دادة، ولا يهمك، اعتبريني زي بنتك."
ابتسم سليم ليقول: "دادة سميرة مصرية أصلًا، بس اتجوزت أمريكي وسافرت معاه هناك، ومن وقتها وهي عايشة في أمريكا. وبابا اختارها عشان تهتم بينا بما إنها مصرية، وأكيد هتربينا على المبادئ بتاعتنا، وكمان بنتها أشلي كبرت معايا أنا وندى أختي وياسين لحد ما اتجوزت وسافرت فرنسا."
أومأت ريحانة برأسها بفهم: "أنا بردو استغربت، آخر حاجة كنت أتوقعها إني أقابل مصريين هنا."
علقت سميرة بحنين: "المصريين أيا كانوا فين، بيتلاقوا ببعض. سبحان الله، حتى لو مش بينا معرفة أو قرابة، بنرتاح لبعض؛ لمجرد اننا من بلد واحدة."
ابتسمت ريحانة بصفاء، ليتحدث سليم: "طيب يا دادة، إحنا هنموت من التعب. خلي حد من الخدم يطلع شنطتي لجناحي، ويطلع شنطة ريحانة لأوضتها. إنتي مش جهزتي غرفة الضيوف زي ما قولتلك؟"
"متقلقش يا سليم، جهزت لريحانة أوضة."
وجه سليم حديثه لريحانة: "طيب يلا نطلع نرتاح شوية، ورانا اجتماع في شركة الممولين بليل. يلا عشان أوريكي أوضتك."
هزت رأسها بموافقة: "عن إذنك يا دادة."
"اتفضلي يا حبيبتي."
راقبت سميرة سليم وريحانة وهما يصعدان السلالم، لتبتسم: "يارب يا سليم يكون اللي في بالي صح."
في الطابق العلوي، حيث تتواجد طرقة طويلة بها مجموعة من الغرف، تحدثت ريحانة وهي تسير خلف سليم: "شكلك بتحب دادة سميرة أوي، عمري ما شوفتك بتعامل حد كده."
ابتسم: "آه، هي شبه مربياني. في الأول مكنتش متقبلها، لكن مع الوقت اتعلقت بيها بسبب حنيتها وطيبتها. وأول ما اشتريت البيت ده أصريت تيجي تعيش معايا؛ منها عشان توجه الخادمات على نظام حياتي، ومنها عشان مبقاش عايش لوحدي مع الخادمات، لأنهم بيباتوا هنا."
توقفت ريحانة فجأة، وقطبت حاجبيها باستغراب ودهشة: "إنت غريب أوي."
توقف والتفت إليها: "غريب ليه؟"
"يعني إنت شاب وعايش في أمريكا، ومع ذلك متمسك بمبادئك. واحد غيرك كان قال: عادي."
ابتسم بخفة: "مش معنى إني عشت في أمريكا معظم عمري إني أنسى إني مسلم. حتى لو مش ملتزم، مش معناها إني أعمل كل حاجة غلط. لازم يكون فيه مبادئ الإنسان متمسك بيها عشان دماغه متسوحهوش، وخطوط حمرا ميقربلهاش مهما كانت المغريات."
سألته بفضول: "زي إيه؟"
مال برأسه وقال ببساطة: "يعني مثلًا الشرب. أنا عمري ما دوقت الخمرة، رغم إن شغلي بيحتم عليا أبقى موجود وسط ناس بتتعامل مع الخمرة كأنها الشاي، سواء في الحفلات أو في حياتهم العادية."
ثم أكمل بجدية: "وزي الز***."
حمحمت ريحانة بإحراج من جرأة الكلمة، ليلاحظ هو: "إيه؟ اتخضيتي كده ليه؟"
ضمت شفتيها بخجل ممزوج بدهشة: "أصل استغربت واحد زيك، غني وعاش في أمريكا فترة مراهقته وشبابه، ومعملش الفعل ده."
ابتسم بجانب فمه: "قولتلك، لازم الإنسان يبقى عنده مبادئ وخطوط حمرا."
ثم تنهد ليكمل: "صحيح، إحنا اتكلمنا كتير ولسه مورتكيش أوضتك."
فتح إحدى الأبواب وأشار بيده: "اتفضلي، دي أوضتك. أنا خليت دادة سميرة تجهزهالك. هي أوسع غرفة في الفيلا بعد جناحي."
أومأت برأسها، ثم دخلت الغرفة.
كانت الغرفة واسعة، بديكورات عصرية ودهان رمادي غامق، يتوسطها سرير كبير، وأمامه دولاب مزيج بين الأبيض والرمادي، وأريكة جلد في ركن، أمامها تلفاز حديث، مع حمام ملحق وشرفة كبيرة تغطي أحد جوانب الحائط.
كان لا يزال واقفًا خارج الغرفة يتأملها وهي تتنظر للغرفة.
"عجبتك؟"
هزت رأسها: "آه، جدًا. غريبة إنك تبقى مجهز غرف للضيوف بالشكل ده."
ابتسم: "طيب كويس إنها عجبتك. ارتاحي وحاولي تنامي شوية عشان تحضري الاجتماع وإنتي فايقة، وأنا هروح جناحي عشان أرتاح أنا كمان ."
أومأت برأسها بابتسامة، ليقول بهدوء: "تصبحي على خير ياريحانة."
"وإنت من أهل الخير."
غادر المكان بهدوء، أما هي فتنهدت لتبدأ بفتح حقيبتها بعد أن أحضرها إحدى الخادمات، وأخرجت بيجامة مريحة ووضعتها على السرير، ثم التقطت منشفة لتدخل الحمام وتأخذ شاور طويلًا يزيل تعب السفر، وبعدها تذهب في ثبات عميق امتد لساعات.
_____________________________________________________________________________
كان يجلس بتوتر ممزوج بسعادة، وهو ينتظرها في إحدى الكافيهات. تذكر إنه ألغى معاد آخر حالتين بالعيادة حتى يذهب لبيته، يستحم ويتجهز. كان يرتدي تيشرت زيتي أنيق بأزرار من الأمام، اثنان منها مفتوحان لتبرز لون بشرته الخمري الفاتحة وعنقه الطويلة المميزة بختم الرجال، أو ما يسمى بتفاحة آدم، مع بنطال أسود بسيط وكوتش أبيض، بينما ارتدى ساعة معدن بيده لتبرز عروق يده الواضحة.
كان ينظر لساعته بضيق. ما زالت الثامنة وخمس دقائق.
"أوووف، هي اتأخرت كده ليه؟"
ثم نفخ بضيق مرة أخرى: "اتأخرت ايه يا ياسين، ده هي خمس دقايق."
لم يكد ينهي جملته حتى رأى باب الكافيه الزجاجي يفتح ببطء، لتظهر هي، ملاكه الرقيق. بلع ريقه وهو يتأمل فستانها الكحلي المحتشم، مع حجاب أبيض كريمي وحقيبة كروس تضعها على كتفها من نفس لون الفستان.
نظرت للمكان بتوتر، تبحث عنه، ليرفع يده: "احم، تعالي، أنا قاعد هنا."
عندما رأته، ضمت شفتيها الوردية بتوتر، وقد زاد توترها؛ فكرت أن تهرب من المكان بأكمله ، ولكن قد فات الأوان، فهو رآها بالفعل. أخذت نفسًا عميقًا لتقترب من الطاولة وتنشد كرسيًا لتجلس عليه بهدوء.
ابتسم هو ليبدأ الحديث بعدما لاحظ صمتها: "إزيك يا مدام آيات؟ وإياد عامل إيه؟"
هزت رأسها بتوتر، وهي تتفحص المكان بخوف أن يراها أحد: "أ... أنا كويسة، وإياد بخير."
لاحظ خوفها المبالغ فيه، ليتحدث هذه المرة بلهجة هادئة: "مدام آيات."
نظرت له: "نعم؟"
"إحنا قاعدين في مكان عام، ملوش لزوم الرعب ده كله."
أخذ نفسًا عميقًا، لتهبط ببصرها وتبدأ في الحديث: "أنا آسفة إني طلبت أقابلك النهاردة. أكيد أنت استغربت، مش بعيد كمان تكون فكرت إني واحدة مش كويسة عشان أبقى متجوزة و..."
ليقاطعها سريعًا: "أولًا، أنا مجاش في بالي أي حاجة. ثانيًا، ممكن تهدي ونشرب حاجة الأول، وبعدها نتكلم."
أشار للجرسون ليقترب منهم، وتحدث: "تؤمر بإيه يا فندم؟"
"هاتلي قهوة مظبوط." ثم نظر لها: "تشربي؟"
هزت رأسها بحيرة: "عادي، أي حاجة."
ابتسم: "تحبي أطلبلك عصير فراولة؟"
ضمت شفتيها بخجل، وهي تهز رأسها بموافقة.
ليوجه حديثه للجرسون: "تمام، فنجان قهوة مظبوط وعصير فراولة."
غادر الجرسون، لينظر ياسين لها بهدوء، منتظرًا أن تبدأ حديثها، لكنها بقيت صامتة، تفكر في كيفية صياغتها بتوتر.
ظل صامتًا هو الآخر، يعطيها مساحتها لتتحدث عندما تكون مستعدة. مرت دقيقتان لتتحدث أخيرًا ،وتفجر القنبلة :
"أنا عايزاك تساعدني أرفع قضية خلع على جوزي."
"أنا عايزاك تساعدني أرفع قضية خلع على جوزي."
ثم أكملت :"عايزة أبعد أنا وابني عن جوزي مازن بأي طريقة."
فتح ياسين عينيه بصدمة، ثم ابتلع ريقه بصعوبة، قائلًا:
"نعم؟"
"أنا عارفة إن حضرتك مش مضطر تساعدني، بس اللي شجعني هو كلامك ليا آخر مرة."
صمت لثوانٍ، لتقول بنبرة منكسره:
"أنا فعلًا بتضرب في البيت."
نظر لها ياسين بصمت، لكنه كان يقبض كف يده بغضب، لتكمل هي:
"بس كل مرة كنت أنا ضحيته، وكنت بستحمل عشان إياد. لكن المرة دي، اللي معندوش قلب ضرب إياد وكأنه هيكسر له دراعه... وكل ده عشان وهو بيلعب، زيه زي أي طفل، وقع كوباية الشاي بتاعته من غير قصد."
"أنا شيلته من تحت إيده بالعافية، وجريت بيه على أوضتي وقفلت بالترباس، وهو قعد يخبط زي المجنون. ولما مفتحناش، فضل قاعد طول اليوم في البيت عشان مستحلف لنا. وآخر ما زهق، خرج النهارده لشغله، وأنا على طول كلمتك."
تنهد ياسين بغضب، متمنيًا أن يرى هذا المدعو مازن، وحينها سيفتك به ويلكمه بقوة على فعلته.
ثم سألها:
"طيب، إنتي ليه طلبتي مساعدتي؟ أقصد انتي متقدريش ترفعي محامي بنفسك؟"
هزت رأسها بضعف:
"مينفعش. مازن مضيق علينا الدنيا. خروجاتنا بتبقى بحساب، ده حتى موبايلي كل يوم بيمسكه يفتشه؛ عشان شاكك إني..."
ضمت شفتيها بخجل، ليكمل ياسين:
"شاكك إنك تعرفي راجل عليه؟"
هزت رأسها بحزن:
"بالظبط."
"اعذريني، ممكن أسألك سؤال؟ هو طول عمره بيشك فيكي؟ يعني إيه اللي مخليه ظالمك بالشكل ده؟"
رفعت آيات بصرها نحوه، وهي تفرك كف يدها بإحراج. لم تستطع إخباره بالحقيقة وسبب شك زوجها بها، كيف تخبره السبب الحقيقي وراء شكّه بها؛ أنها ترفض إكمال زواجهم. لتجيب بتلعثم:
"عشان فاكر إني مبحبوش."
"مبتحبهوش؟"
ضغط ياسين على أسنانه بضيق، ليسألها بغيرة:
"وإنتي فعلًا مبتحبهوش؟ ولا لسه بعد كل اللي بيعمله فيكي عندك مشاعر ناحيته؟"
هزت رأسها نفيًا، وقد بدأت الدموع في الهطول على وجنتيها:
"لا طبعًا... مازن ده أكتر إنسان أنا كرهته في حياتي. أنا اتجوزته أصلًا غصب عني."
قطب ياسين جبينه باستغراب:
"غصب عنك؟ إزاي؟"
تنهدت آيات بحزن، وبدأت تسرد حكايتها المؤلمة:
"أنا كنت بنت عادية من عيلة فقيرة، لكن أهلي ناس طيبين. ماكانش لهم في الدنيا دي غير أنا وأختي الكبيرة أمل، وكانت أكبر مني بخمس سنين."
"أنا كنت بحب الحياة، ودائمًا بضحك. حققت حلمي ودخلت كلية الطب."
رفع ياسين حاجبه بتفاجؤ، وهمس بدهشة:
"طب؟"
هزت رأسها بألم لتكمل:
"أيوة، كلية الطب. لكن حياتي اتغيرت بين يوم وليلة. كنت وقتها وصلت لسنة خامسة، يعني خلاص قربت أتخرج وأبقى دكتورة قد الدنيا. كان عندي أحلام كتير، لكن كل ده اتهد لما أختي الوحيدة أمل ماتت فجأة."
ضمت شفتيها وهي على وشك البكاء، فناولها ياسين منديلًا. أخذته ثم تشكره، وأكملت:
"أمل كانت متجوزة ومخلفة طفل عنده أربع سنين. وفجأة سابت كل ده وماتت."
همس ياسين بصدمة:
"متقوليش إن جوزها ده يبقى مازن، وابنها يبقى إياد، صح؟"
هزت رأسها بتأكيد، لتكمل:
"اتصدمت إن بعد أربعين أختي بأيام، مازن جاي وبيرمي إياد لينا، وبيقول إنه هيتجوز. ولما بابا عاتبه إن أختي ملحقتش على موتها شهرين على بعض، بان وشه الحقيقي. قعد يشتم في أختي الميتة بأبشع الألفاظ. فهمنا وقتها إنها كانت عايشة في كابوس معاه، لكنها عمرها ما اتكلمت عشان متزعلناش."
"طبعًا إحنا كانت ظروفنا المادية سيئة جدًا. أنا كنت بدفع مصاريف جامعتي عن طريق إني كنت بشتغل بعد الجامعة. المهم إننا مكانش هنقدر نربي إياد ولا ندفع مصاريف تعليمه، خصوصًا إن مازن مرتاح ماديًا جدًا، وكمان مدخل ابنه حضانة بمصاريف خمسين ألف في الشهر."
"إحنا وقتها سكتنا، ودفاعنا وقفت، ومكناش عارفين نتصرف إزاي. وهو ادانا يومين نفكر."
"لكن بعد اليومين رجع بكلام مختلف تمامًا، وواضح إن الجوازة اللي كان ماشي فيها باظت. عرض على بابا إنه موافق يربي إياد ويدفع مصاريفه، لكن بشرط واحد."
تحدث ياسين باستنتاج:
"بشرط إنه يتجوزك، طبعًا."
هزت رأسها بتأكيد، لتكمل:
"المهم، الجاحد ده قال إنه لو مش موافقين، هياخد إياد غصب عننا ويرميه في دار أيتام. أنا وقتها كنت بين نارين؛ بين إني أتجوز واحد بكرهه، وبين إني أسيب ابن أختي اللي ماتت يتيتم مع أبوه. وأخدت قراري ووافقت، وأنا قلبي متكسر."
"الجواز تم في أقل من أسبوع، ومن أول يوم المشاكل ظهرت، والوش اللي شوفناه طلع ميجيش حاجة في حقيقته."
"منعني إني أكمل تعليمي، خصوصًا بعد ما بابا وماما توفوا بعد جوازنا بأقل من سنة، وبقى شبه حابسني في البيت. مبخرجش غير بطلوع الروح، ده غير الضرب والإهانة بأبشع الألفاظ. لو بس غلطت غلطة بسيطة، أو حتى لو مغلطتش، ممكن ييجي من برة يدور فيا الضرب والشتيمة لحد ما أقطع النفس، وحتى ميفرقش معاه أنا حية ولا ميتة، ويخرج من البيت ،وإياد حبيبي يروح يجري على الجيران عشان يلحقوني."
تنهد ياسين بوجع على حالها. لم يتوقع أن هذا الملاك قد مرت بهذه الحياة المأساوية من الظلم والقهر والإهانات، بل إنها حُرمت من أبسط حقوقها؛ أن تكمل جامعتها.
تحدث بهدوء وهو ينظر إليها:
"طيب، ليه غيرتي رأيك دلوقتي؟"
"زي ما قولتلك، كل مرة الموضوع كان بيقتصر عليا، وكنت بسكت وأقول أهم حاجة ميلمسش إياد. لكن آخر مرة، لما لقيته بيأذي إياد، أخدت قراري الأخير."
نظر لها بعينيه البنيتين العميقتين، قائلًا بتوتر:
"طيب، ليه اختارتي أنا أساعدك؟ ليه مطلبتيش المساعدة من أي حد تاني؟"
صمتت آيات؛ فسؤاله منطقي، لكنها لا تعرف الإجابة، لتقول بعد تفكير:
"عشان إنت الوحيد اللي حسيت عندك قابلية إنك تساعدني. لما كنا في محل الآيس كريم، قلتلي إني أقدر أرفع قضية وأثبت إني بتعرض للعنف."
هز ياسين رأسه، لكنه التزم الصمت.
فهمت آيات رد فعله، وقالت بخيبة أمل، وهي تشد حقيبتها من على الكرسي:
"جوابك وصلني يا دكتور. إنت مش مضطر تدخل نفسك في المشاكل دي عشان واحدة متعرفهاش. عن إذنك."
نهض ياسين بسرعة، وقال:
"استني، بس إنتي فهمتيني غلط. أنا مقولتش إني مش عايز أساعدك."
حل الصمت قليلًا، ثم قال وهو ينظر إليها بعينين لامعتين:
"أنا موافق... هساعدك تخلعي جوزك وتبقي حرة."
________________________________________________________________________
في قصر السويسي ــ جناح يزن
استلقى يزن بتعب على السرير بعد عودته من المستشفى.
تحدث أدهم وهو يسند يزن: "كده مرتاح؟"
"آه يا بابا، شكرًا."
قال أدهم بضيق: "أنا مش عارف بس ليه معاند ومش عايز تقعد في المستشفى لحد ما تبقى كويس."
"يا بابا، حضرتك عارف إني مبحبش قعدة المستشفى."
تحدثت فتون بصوت ناعم: "خالو عنده حق يا يزن، كان لازم تقعد شوية في المستشفى لحد ما نطمن عليك."
تدخلت جميلة في الحوار: "أيوة يا حبيبي، بس ده أنت واخد رصاصة جنب قلبك، يعني كنت محتاج تقعد في المستشفى لحد ما تتعافى تمامًا."
هز أدهم رأسه بنفي: "سيبكوا منه، عمره ما هيبطل عناد."
سحب جاكيت بدلته، ثم قال: "أنا رايح الشركة عشان ورايا شغل كتير. محتاج حاجة؟"
ابتسم يزن: "متقلقش يا بابا، هحتاج إيه وأنا معايا أميرتين؟"
ابتسمت كل من جميلة وفتون، ليغادر أدهم ومعه جميلة لتوديعه، ويبقى في الجناح يزن وفتون فقط.
جلست فتون على كرسي بجانب سرير يزن مباشرة، ليرفع حاجبه باستنكار: "قعدة بعيد كده ليه؟"
نظرت إليه فتون بدهشة: "بعيد إزاي؟ ما أنا جنبك أهو."
هز يزن رأسه بصمت، ولكن بعد ثوانٍ تشنجت ملامحه بألم، وهو يضع يده على صدره.
نهضت فتون بفزع: " مالك؟"
"آه... مش عارف، الجرح شد عليَّا فجأة."
اقتربت منه وجلست بجانبه على السرير: "إزاي؟ ما أنت كنت كويس دلوقتى!"
شهقت فجأة فتون حين شعرت بيده الموضوعة حول خصرها تشدها بقوة، لتستقر رأسها على صدره.
"يزن!"
قال يزن بشجن: "قلبه... خليكي كده."
"بس يا يزن، ممكن حد يدخل علينا."
"أولًا، بابا خرج، وجميلة تلاقيها بتحضر العشا، يعني محدش هيدخل علينا."
"بس..."
أغمض عينيه بإرهاق: "ششش... مفيش بس. ويلا غمضي عيونك ونامي، عشان أنا كمان تعبان وعايز أنام."
ابتسمت بخفة، ثم أغمضت عينيها. وبعد دقائق، غرقا في سبات عميق، حتى إنهما لم يشعرا بالواقفة عند الباب.ابتسمت جميلة وهي تهز رأسها ، ثم أطفأت الأنوار وأغلقت الباب وخرجت لتجهيز العشاء.
_____________________________________________________________
في نفس الوقت، ولكن بتوقيت أمريكا...
كان يقف أمام المرآة يتأمل مظهره قبل الخروج، مرتديًا قميصًا كحليًا أنيقًا أبرز جسده الرياضي، خصوصًا صدره العريض الذي ظهر من خلال أزرار القميص العلوية المفتوحة، مع بنطال أبيض.
ولإكمال مظهره، ارتدى ساعة رولكس في يده اليسرى، أضافت إلى إطلالته مزيدًا من الفخامة والرقي.
وصفف خصلات شعره الكثيفة بلونها الأسود اللامع، وبالطبع لم ينس عطره الخاص ذي الرائحة الرجولية المميزة.جلس على السرير ليرتدي حزامًا من نفس لون القميص، ثم سحب هاتفه ومحفظته، وخرج من الجناح متجهًا إلى غرفة ريحانة.
في نفس الوقت، في غرفة ريحانة...
كانت تقف أمام المرآة، تضيف اللمسات الأخيرة إلى إطلالتها قبل الخروج.
ارتدت فستانًا أزرق نيليًا يصل إلى بداية ركبتيها، مع حزام عند الخصر أبرز خصرها، وأكمام واسعة تنسدل إلى بداية ساعديها، واكتفت بإكسسوارات بسيطة.
بينما قررت ترك شعرها حرًا دون قيود، رغم أنها لا تفعل ذلك كثيرًا، فانسدلت خصلاتها السوداء على ظهرها بحرية، لتغطيه بالكامل حتى وصلت إلى نهاية خصرها.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم التقطت حقيبتها وهاتفها، وخرجت متجهة إلى جناح سليم.
كان يسير بهدوء في الطرقة، يتصفح هاتفه، حتى شعر بخطوات قادمة من نهاية الطرقة. رفع عينيه ببطء ليراها، بينما كانت هي تسير بسرعة، لتتفاجأ به يقف أمامها بهيئته الرجولية.
حمحم سليم بخشونة: «خلصتي؟»
هزت رأسها بإيجاب: «أيوة، خلصت. أنا أصلًا جاية عشان أشوفك، نمشي ولا إيه؟»
أومأ برأسه، محاولًا إبعاد نظره عن شعرها المفرود،لكنه حمحم بخشونه وقال:
«إحم... إنتي ليه مش رابطة شعرك؟»
لامست خصلات شعرها بدهشة: «ليه؟ هو وحش كده؟»
مال برأسه وكأنه يتحدث بعقلانية، لكن حديثه كان يناقض ذلك: «لا، مش مسألة وحش، بس ده اجتماع عادي، مش حفلة يعني.»
ضمت شفتيها بضيق: «طيب، أدخل أربطه بتوكة وخلاص، بس المشكلة إني خايفة يبوظ، وكمان هضطر أسرحه تاني تسريحه مختلفه »
مسح على خصلات شعره بتوتر، ثم قال فجأة: «ممكن تعمليه ضفيرة؟»
رفعت حاجبيها باستغراب: «ضفيرة؟»
أومأ برأسه، ثم اقترب منها قليلًا وقال بتردد: «أنا بعرف أضفر... تسمحيلي؟»
رفعت بصرها نحوه بدهشة، لكنها هزت رأسها بتوهان.
وقف خلفها وبدأ يضع يديه على شعرها، بينما أغمضت ريحانة عينيها بتوتر، وهي تشعر بيديه تلامسان خصلات شعرها، ثم بدأ يجمعه في كفه ويقسمه إلى ثلاثة أقسام، ويبدأ في تجديله على هيئة ضفيرة.
كانت تشعر بأنفاسه الدافئة وهي تلامس رأسها، مما زاد من توترها. انتهى أخيرًا من تجديل آخر عقدة في الضفيرة، ثم نظر حوله باحثًا عن شيء يربطها به.
«عايز توكة.»
«التوك في أوضتي، هروح أجيبها.»
قاطعها: «لا، ملوش لزوم. هاتي الأنسيال اللي في إيدك ده.»
نظرت بدهشة إلى الأنسِيال الملفوف حول معصمها: «هتعمل بيه إيه؟»
«هاتيه بس.»
خلعته بهدوء وأعطته إياه، فبدأ يلف الأنسيال الذهبي ذي الفصوص على شكل قلوب ودلايات صغيرة حول طرف الضفيرة.
أنهى لفه حول آخر أطراف شعرها، ثم ابتعد قليلًا حتى يراه بوضوح، وما زال يحمل شعرها بين يديه.
«تمام... كده حلو.»
التقطت ريحانة خصلة من شعرها بجانب رأسها، لترى الأنسيال الذهبي الملفوف حول أطراف شعرها، مما أعطاه شكلًا خاصًا وجمالًا مميزًا.
«شكله حلو أوي.»
ابتسم بجانب فمه وقال: «طيب، يلا بقى نمشي عشان منتأخرش على الاجتماع.»
أومأت برأسها بابتسامة، فتقدم هو، وتبعته وهي تنظر إلى الأنسيال بإعجاب ودهشة.
أوقف سيارته أمام مقر الشركة، ثم نظر إليها قائلًا بهدوء، وهو يخلع حزام الأمان:
"يلا، وصلنا."
أومأت برأسها، ثم نزلت من السيارة، وهي تتأمل واجهة الشركة بانبهار.
"واو! دي شركة كبيرة أوي... متوقعتش تكون كده."
نظر سليم هو الآخر إلى واجهة الشركة، وقال:
"إنت بس ما تعرفيش طبيعة المستثمرين دول. من أهم رجال الأعمال في أمريكا، وطبيعي الشركة تكون بالحجم ده."
ثم أردف:
" يلا ندخل."
أومأت برأسها بحماس:
"يلا."
دخلا مقر الشركة، فتقدم سليم من مكتب الاستقبال، وتحدث إلى السكرتيرة باللغة الإنجليزية:
"Good evening, I'm Salim Al-Daly."
(مساء الخير، أنا سليم الدالي.)
كادت أن تقاطعه بابتسامة واسعة، وعينين لامعتين من الإعجاب:
"No need to introduce yourself, Mr. Salim. You are one of the most famous businessmen, and I already know about the meeting. Please, come this way. The meeting is being held in this room."
(لا داعي لتعريف نفسك، سيد سليم. فأنت واحد من أشهر رجال الأعمال، وأنا بالفعل على علم بالاجتماع. تفضل من هنا، الاجتماع يُعقد في هذه الغرفة.)
هز سليم رأسه بابتسامة، ثم وجه حديثه إلى ريحانة:
"يلا يا ريحانة."
تقدم هو، وسارت ريحانة خلفه، ولكنها، وعلى غفلة منه، اقتربت من السكرتيرة وهمست لها:
"إيه ياختي المحن ده؟ أول مرة تشوفي رجل أعمال؟"
نظرت إليها السكرتيرة باستغراب، فلم تفهم ما تقوله، ثم أجابتها:
"Sorry, miss. I didn't understand."
(آسفة يا آنسة، لم أفهم .)
كادت ريحانة أن ترد، لكن قاطعها صوت سليم، الذي ناداها باستغراب حين لم يجدها خلفه:
"ريحانة! بتعملي إيه عندك؟"
حمحمت بتوتر، ثم أسرعت خلفه:
"أنا جاية أهو."
وقف بجانبها، ثم همس لها:
"كنتي واقفه بتقوليلها إيه؟"
فتحت عينيها بتوتر، وقالت سريعًا:
"كنت بس بسألها عن نوع البرفيوم اللي حطاه."
أومأ سليم برأسه بهدوء، ثم طرق الباب الموجود أمامه، ودخل بهدوء، لتدخل ريحانة خلفه.
____________________________________________________________
في شركة السويسي
كان أدهم يجلس مع علي، والانفعال واضح على ملامحه.
"قولتلك فيه حد قاصد يبوظلي شغلي."
قال علي بحيرة: "مش عارف يا أدهم، أنا محتار فعلًا. فيه حد مستَقصدنا وعايز يوقعنا.
ثم أكمل :" الصفقات اللي كل شوية تبوظ، ومصنع الأدوية اللي انقطعت عنه الكهربا بفعل فاعل."
خبط أدهم على المكتب بانفعال: "مين؟ أوصله بس، أوصل للي ورا كل ده، ووقتها هيكون آخر يوم في عمره."
قال علي بتفكير: "ممكن حد من أعدائنا في السوق."
هز أدهم رأسه نافيًا، وهو ينظر أمامه بشرود: "لا، كلهم ميتجرأوش يقربوا من شغلي. فيه حد تاني بيكرهني وعايز يأذيني في شغلي، بس يا ترى مين الشخص ده؟"
______________________________________________________________
في قاعة الاجتماعات، كان سليم يجلس بهدوء، يتفاوض مع باقي رجال الأعمال الحاضرين حول الصفقة. كان يتحدث الإنجليزية بمهارة، لكنه توقف عن الحديث فجأة عندما اخترق أذنه همس رجل أعمال يجلس أمامه، وينظر إلى ريحانة بإعجاب:
"She has beautiful long hair. Wow, just like Rapunzel."
"إنها تملك شعرًا رائعًا وطويلًا... واو، مثل روبانزل."
جزّ سليم على أسنانه بغضب، وقال:
"Excuse me, Mr. Jack. What did you say?"
"معذرةً، سيد جاك... ماذا تقول؟"
أجاب جاك بتوتر:
"Nothing."
"لا شيء."
تحدث سليم ببرود:
"Okay, so we've agreed on the terms of the contract. We'll sign it at the signing ceremony once you inform us of the date."
"حسنًا، هكذا اتفقنا على بنود العقد، ونقوم بالتوقيع في حفل التوقيع عندما تخبروننا بالموعد."
أمسك سليم بيد ريحانة فجأة، لتنهض معه، بينما استغربت ريحانة رد فعل سليم، لكنها سارت معه بصمت.
وما إن خرجا من المكان، حتى سألته:
"سليم، فيه إيه؟"
"مفيش."
"أومال ليه خرجنا بسرعة كده؟"
"أنا مش مرتاح للناس دي."
نظرت إليه باستغراب:
"إزاي؟"
"مش عارف... هم معملوش حاجة تثير الشك، بس موافقتهم السريعة على شروطنا وكمان مش مرتاح للي اسمه جاك ده ، وأنا بثق في إحساسي خصوصا في اللي اسمه جاك ده"
صمت قليلًا، ثم قال:
"يلا نروح البيت."
قطبت ريحانة جبينها، وسألته:
"ليه هنروح دلوقتي؟"
تنهد سليم وقال:
"أومال عايزة تعملي إيه؟"
ضمت شفتيها بتفكير، ثم قالت فجأة:
"عايزة أعمل شوبينج، وبالمرة أشوف الشوارع وأتفرج على البلد."
رفع حاجبه وهو يتأمل الساعة في يده:
"دلوقتي؟"
هزت رأسها بحماس، ليتنهد باستسلام:
"ماشي."
ابتسمت، لكنها أضافت:
"بس بشرط."
نظر إليها بضيق:
"هتشرطي كمان؟"
"أيوة... مش هنركب العربية، هنتمشى."
سألها سليم باستغراب:
"اشمعنا؟"
رفعت كتفها وقالت:
"العربية هتكون حبساني، لكن لما نمشي في الشوارع هيكون فيه حرية."
تنهد باستسلام:
"ماشي، بس هنركن بالعربية الأول في الشارع الرئيسي، وبعدين ننزل ونتمشى."
أومأت برأسها بحماس.
ركبا السيارة وانطلقا، لكنهما لم ينتبها إلى السيارة التي كانت تقف في الظلام بانتظارهما.
في داخلها، كان شخص ملثم يتحدث عبر الهاتف، فجاءه صوت الطرف الآخر:
"Follow them, and don't let them get away."
"راقبهم، ومتخليهمش يفلتوا منك."
أجاب الشخص الملثم:
"Yes, Mr. Jack."
"حاضر، مستر جاك."
ثم تحركت السيارة على الفور خلفهما.
_____________________________________________________________
كانا يسيران في شوارع واشنطن المزدحمة، رغم أن الساعة تجاوزت الثانية عشرة بعد منتصف الليل. وعلى الرغم من تأخر الوقت، لم تكن المدينة تعرف معنى الهدوء؛ أضواء المحلات والمطاعم لا تزال مضاءة، وأصوات السيارات تختلط بأحاديث المارة وضحكاتهم، بينما كانت نسمات الليل الباردة تداعب خصلات شعر ريحانة التي كانت تسير بجانب سليم بخطوات خفيفة، تلتفت بين الحين والآخر إلى الشوارع من حولها.
نظر سليم إليها بابتسامة وهو يتأمل سعادتها الواضحة، ثم قال:
— إيه رأيك في الشوارع بليل؟
أجابته بسعادة وهي تنظر حولها:
— الشوارع بليل مختلفة خالص عن الصبح.
ابتسم سليم ابتسامة خفيفة، وقال:
— فعلًا مختلفة. حتى الناس مختلفين... بيتحولوا من أشخاص كئيبة وعملية ومملة لناس عايزة تنبسط وسعيدة.
نظرت إليه ريحانة، ثم ابتسمت بجانب فمها، فلاحظ ابتسامتها.
— إيه؟ بتضحكي على إيه؟
مالت برأسها قليلًا وقالت:
— أصل كإنك بتوصف نفسك.
رفع حاجبه باستغراب مصطنع:
— أممم... يعني أنا الصبح ببقى عملي وكئيب، وبالليل بتغير؟
هزت رأسها مؤكدة:
— أيوة، إنت بس مش بتشوف نفسك عامل إزاي.
ابتسم وهو ينظر إليها:
— ببقى عامل إزاي يا ست ريحانة؟
أجابته بابتسامة:
— ممل، وكل همك الشغل والصفقات، لكن لما الليل ييجي بتكون اجتماعي وبتضحك.
ضحك بخفة، ثم قال:
— ماشي يا ستي... إيه رأيك تيجي تاكلي آيس كريم؟
هزت رأسها بحماس:
— موافقة طبعًا
أشار لها بيده:
— طيب تعالي.
اقتربا من عربة الآيس كريم الموجودة على جانب الشارع، وطلب سليم النكهتين اللتين اختارتهما ريحانة.
وبينما كان البائع يُعد الآيس كريم، ألقى سليم نظرة عابرة خلفه، فتوقف للحظة عندما لمح شخصًا يقف على مسافة ويراقبهما.كان يرتدي ملابس داكنة ويخفي جزءًا كبيرًا من وجهه.وما إن التقت عيناه بعيني سليم، حتى ابتعد سريعًا وغيّر اتجاهه .
ظل سليم يراقبه لثوانٍ، قبل أن يعيد نظره إلى البائع وكأن شيئًا لم يحدث.دفع النقود، ثم أعطى ريحانة الآيس كريم، وأكملا طريقهما.
كانت ريحانة تأكل بسعادة، ثم قالت:
— اممم... طعمه يجنن
ابتسم سليم بجانب فمه:
— بالهنا والشفا.
سارت بجانبه للحظات، ثم تذكرت شيئًا فقالت:
— صحيح، الحفلة اللي قالوا عليها هتكون إمتى؟
— مش عارف، حسب ما يحددوا.
— أنا مكنتش عاملة حسابي إني هحضر حفلات هنا.
نظر إليها باستفهام:
— اشمعنا؟
— أصل أنا كل اللبس اللي معايا فورمال وكاجوال، فمش معايا حاجة سواريه تنفع لحفلات.
— مش مشكلة، وقتها نبقى نشتري فستان ليكي.
نظرت إليه باستغراب:
— وإنت تعرف بقى تشتري لبس حريمي هنا؟
هز رأسه بثقة:
— أيوة.
ضيقت عينيها وقالت بضيق:
— كنت بتشتري إنت وحبيبتك منهم؟
نظر إليها بابتسامة جانبية:
— تقدري تقولي كده.
قبضت ريحانة كفها بقوة، ثم تقدمت عنه بخطوات سريعة وهي تتمتم:
— مش عايزة أشتري حاجة.
ضحك سليم بقوة، ثم أسرع خلفها وأمسك يدها:
— تعالي هنا.
قطبت حاجبيها وهي تنظر إلى الأرض بضيق:
— نعم؟
ابتسم ابتسامة ماكرة وقال:
— ريحانة، بصيلي.
رفعت عينيها نحوه، وبسبب فارق الطول اضطرت إلى رفع رأسها قليلًا، لتصبح نظرتها أقرب إلى الطفولية منها إلى الغضب.
— نعم؟
ابتسم وقال:
— أنا مرتبطتش قبل كده.
هزت كتفها بتمثيل اللامبالاة:
— وأنا مالي؟ بتقولي ليه؟
ابتسم بجانب فمه:
— بقولك عشان تبقي عارفة إني ماليش في جو البنات ده، ولا بفهم اللي بيكون في دماغهم. فياريت لو فيه حاجة جواكي، أو حاجة عايزة تقوليها، تقوليها على طول.
بلعت ريحانة ريقها بتوتر:
— مفيش حاجة جوايا.
نظر إليها بتركيز، وما زالت يدها بين يديه، ثم قال:
— بس أنا جوايا...
نظرت إليه بتوتر:
— جواك إيه؟
كاد أن يجيبها، لكنه فجأة سحبها دون مقدمات إلى شارع جانبي خالٍ ومظلم، ثم وقف أمامها ليحجبها بجسده عن الطريق.
اتسعت عيناها بخضة:
—سليم في إيه؟
أشار إليها أن تصمت، وقال هامسًا:
— ششش... فيه حد بيراقبنا من بدري.
قطبت جبينها باستغراب:
— بيراقبنا إزاي؟
— مش عارف، بس أنا حاسس من وقت ما خرجنا من الشركة إن فيه حد ماشي ورانا.
نظرت ريحانة حولها بقلق:
— طيب وهنعمل إيه؟
تجولت عيناها في الشارع للحظات، قبل أن تشهق بخجل حين انتبهت إلى شيء آخر.
فقد كان الشارع ضيقًا ومظلمًا، ولم يكونا بمفردهما تمامًا؛ إذ كان على مسافة قصيرة منهما شاب وفتاة ، يقتربان من بعضهما بشكل جرئ جدا .
همست بخجل:
— سليم، يلا نمشي من هنا.
نظر إليها باستغراب:
— فيه إيه؟
أشارت برأسها ،لينظر سليم إلى الجهة التي أشارت إليها، ثوان ثم حمحم بإحراج وأعاد نظره إليها:
— سيبيك منهم، ده عادي في أمريكا.
ثم مال قليلًا نحوها وقال:
— بصي، أنا هميل براسي وأشوف لسه ماشي ورانا ولا لأ.
هزت رأسها بالموافقة، وهي تحاول قدر الإمكان ألا تنظر إلى بقية الشارع.
كاد سليم ينظر تجاه الشارع الرئيسي، لكنه لمح فجأة ظل شخص يقترب منهما.
نظر حوله بسرعة، محاولًا التفكير في طريقة لإخفائهما، لكنه لم يجد أمامه سوى حل واحد.
لمح جاكتًا يخص أحد الشباب ملقى بإهمال على الأرض، فانحنى والتقطه بسرعة ووضعه على ظهره لإخفاء ملابسه. وقبل أن تسأله ريحانة عما يفعل، اقترب منها وحاوطها بذراعيه، حتى كادت تختفي بين جسده والحائط.
اتسعت عيناها بدهشة، وقبل أن تتمكن من الاعتراض، قاطعها سليم هامسًا بصوت منخفض:
"ريحانة، اثبتي."
لتتصنم مكانها عندما اقترب سليم حتى كاد لا يفصلهما مسافة. وضع إبهامه على شفتيها، ثم اقترب منها متظاهرًا بأنه يتصرف مثل الشاب والفتاة الموجودين في الشارع، بينما خلفهما وقف الملثم يراقبهما من بعيد، محاولًا التأكد من هويتهما.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
