رواية حين تروضه انثي من الفصل الاول للاخير بقلم نور الشامي

رواية حين تروضه انثي من الفصل الاول للاخير بقلم نور الشامي

رواية حين تروضه انثي من الفصل الاول للاخير هي رواية من كتابة نور الشامي رواية حين تروضه انثي من الفصل الاول للاخير صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية حين تروضه انثي من الفصل الاول للاخير حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية حين تروضه انثي من الفصل الاول للاخير

رواية حين تروضه انثي من الفصل الاول للاخير بقلم نور الشامي

رواية حين تروضه انثي من الفصل الاول للاخير

في قرية نائيه من قرى الصعيد حيث تمتد الأرض برمالها الصلبة وتتمايل النخيل تحت شمس لا تعرف الرحمة وقف الزمن لحظة في دارٍ عتيقة تحكي جدرانها حكايات الصبر  هناك وفي قلب الدار، وقفت سحابة بثوبها الأسود الفضفاض وعيناها شاخصتان نحو الطريق الطويل الذي يتعرج بين الحقول. كانت تنتظر منذ ست تسع سنوات وهي على ذات الحال لا تغادر فناء الدار إلا قليلا ولا تنام إلا على أمل ولا تستيقظ إلا على خيبة. بعد زواجٍ لم يدم سوى أسبوعين شد اسد رحاله إلى بلاد بعيدة حالما بأن يصنع لهما مستقبلًا لا يشبه بؤس البدايات كانا يومها فقيرين لا يملكان شئ لكن أسد لم يكن رجلا يرضى بالقليل ومنذ رحيله لم تطأ قدماه أرض الصعيد. لم يحضر مولدا ولا ميتم ولا أرسل ما يشرح غيابه سوى المال. مال كثير تحول مع الوقت إلى عقارات وأراضي وذهب حتى غدت سحابة ووالدته واخوته من أغنى نساء القرية ولكنها في قلبها كانت الأشد فقرا ومرت السنوات بطيئة تبتلع الأيام وتخفي خلفها العمر حتى جاءها الخبر الذي أوقف قلبها لحظة.... أسد عائد ومنذ أن سمعت الخبر وهي لا تعرف طعم النوم. ليلتها الأخيرة كانت ثقيلة كألف عام أما صباحها فكان صامتا كأن الكون كله ينتظر معها على باب الدار. لم تكن تعلم من سيعود إليها الرجل الذي أحبّته أم الغريب الذي غيرته الغربة خلف وجوه لا تعرف الرحمة وفي ذلك النهار المشحون لم تكن سحابة وحدها في الانتظار كانت والدته السيدة "زينب" تتحرك بين أرجاء الدار بنشاط لم تعرفه منذ أعوام تعطي التعليمات و تعيد ترتيب المقاعد وتشرف على أواني الطعام التي فاضت بخيرات لم تجتمع في بيتهم من قبل أما هالة شقيقة أسد الصغرى فكانت تزين المداخل وتساعد الخادمات في تجهيز المائدة والكل ينتظر أما سحابة فكانت تحاول جاهدة أن تخفي ارتباكها وهي تمسك بطرف ثوبها بين الحين والآخر وتمرر يدها على شعرها في توترٍ صامت كأنها تستعد للقاء حبيبٍ لم تره منذ قرن وفجأة دوت في الأرجاء أصوات زمامير سيارات تقترب فارتفع قلبها إلى حنجرتها وهتفت بفرحٍ غمر ملامحها مردده: 
اسد وصل...اسد وصل 
تقدنت نحو الباب والكل خلفها يركض وتسبقهم الدهشة واللهفة حتي  توقفت السيارة أمام بوابة الدار ونزل منها سليم شقيق أسد الأصغر والذي كان قد سافر ليحضره بنفسه من المطار. لكن وجهه بدا شاحبا متوترا كأنه يحمل ما لم يقال بعد فـ نظرت إليه سحابة بقلق وسألته سريعا:
فين أسد يا سليم.. ومالك اكده عاد كأنك جاتل جتيل 
فتح سليم الباب الخلفي لينهض منه أسد... رجل مهيب بملامح تغيرت ووسامة نضجت بقسوة الحياة وعيونه كانت حادة، وصوته لم يسمع بعد لكن حضوره وحده كان كافيا ليجعل الزمن يتوقف للحظة قـ ركضت إليه أمه وهي تبكي وتضحك في آن واحد  ثم احتضنته شقيقته باكية أما سحابة فوقفت في مكانها تتأمله بصمت لم تستطع أن تتحرك... كانت على وشك أن تنطق باسمه ان تخبره كم اشتاقت لكنه سبقها بخطواته نحو الداخل وقبل أن تقترب أكثر نزلت فتاة شابة في كامل أناقتها وابتسامة امتلكت الثقة و تقدمت بخفة نحو أسد ثم أمسكت يده أمام الجميع وصمت قاتل خيم على الدار قبل أن تقطع والدته السكون بصوت متحشرج:
مين دي يا أسد يا اسد ال ماسكه يدك اكده يا ابني 
أجابها اسد بهدوء لم يعرفه أحد منه من قبل وهتف: 
دي جهاد... مرتي 
انهار كل شيء في لحظة وشهقة هادئة خرجت من قلب سحابة قبل فمها وخيالها انفجر بأسئلة لم تجد لها إجابة... حدقت فيه تبحث في ملامحه عن أي تبرير أي ندم أي أثرٍ لما كان بينهما لكنها لم تجد سوى رجلٍ آخر... غريب وفي اللحظة ذاتها نزل من علي الدرج طفل صغير لا يتعدى السابعة بملامح تشبه أسد في صغره وقف مترددا، يحدق في المكان والوجوه ثم قال بصوت خافت متلعثم:
بابا؟! 
انحنى أسد سريعا وفتح ذراعيه واحتضنه بقوة وكأنه يحميه من العالم ثم تمتم بكلماتٍ ناعمة:
"أنا بابا يا فارس... واحشتني جوي 
كان أسد يحتضن الطفل الصغير بقوة يمرر يده على شعره ويقبله مرارا وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة لم تر عليه منذ ان وطأت قدماه أرض الصعيد وبدا وكأن العالم كله توقف في تلك اللحظة وكأن ما حوله لا يعنيه لا دهشة أمه ولا نظرات شقيقته ولا حتى عيون سحابة التي كانت ما تزال واقفة في مكانها لا تصدق ما ترى فـ تقدمت زينب والدته بخطى سريعة وغضبها يسبقها وأمسكت بذراعه وسحبته بعيدا عن الطفل وهتفت بصوت مبحوح يكاد يسمع بين الغيظ والخذلان مردده :
مرتك أزاي.... اي ال  بتجوله دا يا أسد... بعد تسع سنين داخل علينا بوحدة ماسكه يدك وتجول مرتك.. اكده من غير حتي ما تاخد رائينا ولا تعرفنا.. للدرجادي مش عامل لحد فينا اعتبار.. مبحاش لينا قيمه ولا لازمه في حياتك 
نظر إليها أسد ببرودٍ مستفز كأن لا شيء مما يحدث يستحق الانفعال ورد بهدوء قاطع:
ايوه مرتي يا حجه ... حبيتها واتجوزتها  فين المشكلة مش فاهم؟
كأن كلماته سقطت على رأس سحابة كالسيف لم تنتظر تفسيرا و لم تطلب توضيحا. كانت تعلم في أعماقها أن الغياب الطويل لا يأتي إلا ومعه الكارثة... لكنها لم تتخيل أن تكون هي الضحية فركضت... لا تعرف إلى أين خرجت من الدار بخطى متعثرة  والدموع تغرق وجهها ويدها ترتجف على قلبها وكأنها تحاول أن تمنعه من الانفجار  تتنفس بصعوبة والهواء صار ثقيلا  والدنيا تدور من حولها وهي تتذكر لحظات الغربه وكم عانت وحدها وفي لحظة كانت كافية لإنهاء كل شيء... لم تنتبه للصوت ولم تري الأضواء فقط شعرت بالاصطدام ووقعت علي الارض مغشيه عليها  بعدما اصتدمت بها هذه السياره ثم ساد السكون و ارتفع صراخ النساء من الدار وأصوات الأقدام تهرول نحو الطريق... وكانت سحابة ممددة على الأرض، فستانها الأسود تلطخ بالتراب والدماء وعيونها شاخصة إلى السماء وفجاه و 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
في هدوء مشوب بالألم كانت سحابة مستلقية على سريرها القديم و الغرفة يملؤها عبق المسك والدم المجفف  ولفافة بيضاء تحيط برأسها الذي نزف كثيرا أما قدماها فكانتا ممددتين على شرشف قطني بلون الحزن تتنفس ببطء لكن عينيها بقيتا مفتوحتين على اتساعهما... تنظر إلى الفراغ وكأنها لا تصدق أنها لا تزال على قيد الحياة وبجوارها جلس فارس الطفل الصغير متكئا على الوسادة ويداه الصغيرتان تقبضان على كفها وعيناه دامعتان يتأمل وجهها بخوف مرددا :
متسبينيش يا ماما... أنا كنت خايف عليكي جوي... بالله عليكي خليكي معايا انا والله بحبك جوي... بحبك انتي اكتر واحده في الدنيا كلها 
لم ترد سحابه فقط نظرت إليه وابتسامة شاحبة مرت على وجهها كطيفٍ عابر ثم عادت عيناها إلى الشرود ودخلت الحجه زينب في هدوء ووجهها مجهد و جلست عند طرف الفراش وهي تمسح على كتف سحابة برفق وقالت بصوت مكسور:
انا عارفة إن الوجع كبير يا بنتي... بس والله ما هسكت... هتكلم معاه... وهخليه يطلج ال اسمها جهاد دي... انا مش هسمح ان حد يجي عليكي مهما حوصل... انتي بنتي والله مش مرت ابني. وانا معاكي ضدد اي حد حتي او كان ابني 
القت زينب كلماتها وظلت سحابة صامتة... لا دمعة نزلت ولا كلمة خرجت فقط أنفاسها كانت ثقيلة كأنها تحمل أعوام القهر في صدرها حتي قاطعخا  خبطات خفيفة على الباب المفتوح سبقتها خطوات يعرفها الجميع و دخل اسد ووقف على العتبة لحظة كأنه يستأذن  ثم اقترب بخطى ثابتة ز وجهه لا يحمل نفس الجمود السابق بل نظرة حزن لا يعرف كيف يخفيها وقال بصوتٍ منخفض:
الف سلامة عليكي يا سحابة... عاملة إيه دلوجتي... بجيتي كويسه 
وقبل أن ترد  وقف فارس فجأة وركض ناحيته وهو يبكي بحرقة وصرخ بصوت رج الغرفة:
إنت السبب... إنت السبب ... كنت عايز تموت ماما... أنا مش بحبك.. انت رجعت ليه.. يلا امشي تاني انا مش عايزك.. انا عايز ماما بس انا معرفكش اصلا امشي 
ارتبك أسد و انكسر قلبه للحظة وجثي على ركبتيه أمام ابنه لكن زينب أسرعت وأخذت الطفل في حضنها وهمست:
تعالى يا فارس... تعالى يا جلب جدتك.. ماما هتبجي كويسه والله متخافش... يلاوخلينا نخرج ونسيب ماما ترتاح شويه 
حملته زينب وخرجت به بهدوء تاركة الغرفة تغرق في صمت ثقيل فـ اقترب أسد من السرير و عينيه على يد سحابة المرتجفة ومد يده ببطء ليلمسها لكنها سحبت يدها بفزع كأن النار لامستها ثم همست بصوت خرج من أعماق وجعها:
طلجني 
شهق الهواء بينهما وارتعشت عيناه وردد: 
سحابة... استني... اسمعيني الأول... إحنا محتاجين نتكلم... والله انتي مش فاهمه حاجه و 
قاطعته سحابه دون أن تنظر إليه ورددت: 
مش عايزة كلام... مش عايزة أسمع حاجة... أنا بس عايزة أطلج 
تنهد اسد بضيق وهتف: 
سحابه.. انا طبيعي كنت اتجوز انا كنت عايش كل دا لوحدي بره محدش معايا.. وجوازنا كان لمده شهر ونص بس وانا مكنتش اعرفك قبل اكده.. يعني مكناش واخدين بعض عن حب واتشغلت بجا ومكنتش بعرف انزل ولا اجول اني اتجوزت 
تسمرت سحابة في مكانها وقد اتسعت عيناها بدهشة ممزوجة بالغضب والخذلان ثم رفعت جسدها قليلا رغم الألم وقد بدا أن كلمات أسد قد أيقظت شيئا عميقا وموجعا بداخلها ونظرت إليه بنظرة تخللتها آلاف الليالي الباكية ثم نطقت بصوت مرتجف لكنه حاد:
مكنش هاين عليك تجولي انك اتجوزت... لاجيت الموضوع ملوش لازمه وطبيعي.. بجد والله انت شايف ان دا طبيعي.. لما انت يا استاذ اسد كنت بتتجوز وشايف حياتك هناك انا كنت متمرمطه اهنيه... أنا اتذليت اهنيه يا أسد...انا كنت بعدي يومين تلاتة من غير ما اطبخ كنت بوفر كل قرش علشان فارس وعلشان تنزل تلاجي فلوسك اتعمل بيها حاجه جسما بالله انا كنت بجعد باليومين تلاته مش باكل انا مكنتش بشتري هدوم بجالي سنين علشان بجول بلاش اضيع الفلوس علي تفاهه 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
أنا حتى لما كان نفسي في حاجة كنت أجول مش وجته… المهم فلوس اسد المهم لما ترجع تلاجينا صبرنا صبرنا واستنيناك بكرامتنا 
انحدرت الدموع على وجنتيها لكنها لم تمسحها وكأنها فخورة أن الألم قد خرج أخيرا ورددت :
انا كنت بستخسر في نفسي العلاج والادويه جسما بالله وانت بجا... إنت فين؟!  إنت في بلاد بره بتتجوز وتعيش وانا اهنيه  بدفن عمري وساكته انا كنت مراتك، حتى لو شهر ونص…بس أنا مخونتكش ولا نسيتك ولابدلتك بواحد تاني.. انت خاين.. خاين وقليل الاصل وانا مامنش علي نفسي مع واحد زيك.. بجيت دلوجتي من اغني ناس في الصعيد وانا طلعت من غير ولا حاجه ومش عايزه حاجه.. انا هاخد ابني وامشي.. دا كل ال يهمني وبس.. وانت تطلجني علشان انا مستحيل اعيش مع واحد زيك 
ظل اسد صامتا وكأن كل كلمة منها كانت تسقط على صدره كحجر ثقيل بينما سحابة تابعت هامسة هذه المرة:
لو لسه عندك شويه ضمير طلجني.. لو سمحت 
نظر اسد اليها بحزن ثم ذهب من الغرفه تاركا سحابه في احزانها وبعد فتره وتحديدا عند مدخل قصر كبير كانت ريم تهبط الدرج بسرعة ولهاثها يسبق خطواتها وشعرها يتطاير حول وجهها وعينيها تلمعان بنار الانتظار وما إن رأت الحارس حتى صاحت بصوت يقطر توترا:
وصل بجد أسد رجع؟! 
رفع الحارس يده بتحية خفيفة وهز رأسه مؤكدا:
أيوه يا ست هانم... أسد بيه وصل 
كادت أن تنطلق للداخل حين أوقفها صوت أجش من خلفها جاء كالسوط على ظهرها مرددا: 
امشي يا عبد الرحمن... سيبنا لوحدنا 
تجمدت ريم في مكانها ثم استدارت ببطء وواجهت نظرات أبيها، الحاج جابر العمدة التي كانت تحمل كل شيء إلا الحنان ورددت: 
 مش من حقي أعرف يا ابوي لما يرجع 
ضاق ما بين حاجبيه وهتف بغضب مكتوم:
لع.. مش حقك وانتهينا... وانسي الموضوع دا اتجفل من زمان جوي.. انسيه يا ريم 
نظرت إليه ريم بعيون لا تعرف الخضوع، وصرخت:
مستحيل.. مستحيل أنسى... ولا حتى بعد مليون سنة زي ما خسرت عريسي يوم فرحي هخسره حياته كلها ال بيكسرني... أنا بكسره حتى لو بعد اي.. جسما بالله ما هسييه وهندمه علي كل حاجه 
القت ريم كلماتها ثم تركته واقفا في ذهوله بينما كانت خطواتها تطرق الأرض كأنها تقسم أنها ستعيد كل شيء بطريقتها... وبثمن أغلى بكثير وفي المساء في تلك الليلة ساد الصمت أرجاء الغرفة إلا من صوت الماء المتساقط من شعر أسد الخارج لتوه من الحمام... كان يلف حول خصره منشفة بيضاء وملامحه تحمل عبوسا ثقيلا وكأن شيئا أثقل من الماء يثقل صدره و وقف أمام المرآة يتأمل وجهه حتي اقتربت منه جهاد بهدوء ولفت ذراعيها حوله من الخلف ثم قالت بصوت حنون:
مالك يا حبيبي؟ شكلك زعلان قوي... مدام مضايقك اكده، طيب ما نرجع نسافر تاني... ننسى كل حاجة ونبدأ من جديد
استدار نحوها ببطء ومسح على شعرها برفق ثم أجاب بصوت خافت:
انا غلط... غلطت بجد كان لازم أجولهم إني اتجوزت حتى لو مش بحب سحابة بس كان لازم أكون صريح معاها 
تراجعت جهاد قليلاً ونظرت إليه بعينين يغمرهما الأسى ثم قالت:
يعني إي.... إحنا ممكن ننفصل لو ده هيريحك يا اسد.. انت عارف ان اهم حاجه عندي سعادتك وبس 
أمسك اسد  يدها بسرعة وقال بنبرة حاسمة:
لع طبعا... إزاي تجولي اكده.. أنا بحبك... إنتي مرتي وكل حاجة ليا.... بس لازم أتكلم مع سحابة تاني علشان مظلمهاش... وعلشان فارس ابني
أومأت جهاد  برأسها ببطء تحاول أن تخفي ما في قلبها من ضيق وقالت بابتسامة باهتة:
طبعا يا حبيبي... اعمل ال يريحك و
في تلك اللحظة قطع الحوار بخبطات هادئة على الباب، تبعتها الشغالة وهي تطل برأسها وتقول:
العشا جاهز يا بيه... الست زينب بتجولكم انها مستنياكم 
القت الخادمه كلماتها وذهبت وبعد فتره كان الجميع يجلسون حول مائدة العشاء والسكون يخيم على الأجواء لا يسمع سوى صوت الملاعق الخفيف وهمسات لا تكاد تميز حتي  قطعت زينب الصمت بنبرة أم يعتريها القلق:
يا بنتي جومي شوفي سحابة وفارس خليهم ينزلوا يتعشوا معانا
كانت ابنتها توشك أن تنهض لتنفيذ طلب أمها، إلا أن اسد سبقها فجأة ودفع الكرسي بقوة وهو يقول بحزم:
لع أنا ال هطلع 
غادر اسد المكان دون انتظار رد وصعد الدرج بخطوات ثقيلة وقلبه ينبض بشيء لم يستطع تفسيره. وما إن وقف أمام باب الغرفة حتى طرقه ثلاث مرات، ثم انتظر... لا صوت وطرق مجددا حتي مد يده إلى المقبض وفتح الباب ببطء وفي لحظة  توقف الزمن ووجد الغرفة... خالية ف،  تراجع خطوة إلى الوراء وعيناه تتفحصان المكان الموحش لم تكن هناك حاجة لتفسير لقد فهم فورا... لقد هربت هي وفارس وعلى الجانب الآخر كانت سحابة تمشي بخطى مسرعة تجر ابنها المرتجف بين ذراعيها والخوف ينهش صدرها ولظلام يملأ الطريق والبرد يتسلل إلى عظامها لكنها لم تتوقف ورددت: 
شد حيلك يا فارس.. خلاص يا حبيبي.. قربنا 
لكن خطواتها بدت أضعف وصوت أنفاسها أثقل وشعرت أن الأرض تميد تحت قدميها وأن الهروب بدأ يتباطأ وفجأة اقترب منها شاب لا تعرف من أين أتى يخطو نحوها بثبات وفعت عينيها نحوه... وما إن وقعت نظراتها عليه حتى اتسعت عيناها وصاحت بصدمة:
انت و 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
كانت تقف سحابة في مكانها كأن الزمن جمد لحظة نزول ذلك الشاب من السيارة السوداء الفاخرة و عينيه الحادتان ووقفته المتحدية وملامحه التي تحمل شيئا من أسد... كان يشبهه في كل شئ لكن فيه غربة لم تألفها  فهي تعرفه جيد هذا فهد ابن عم أسد الذي اقترب منها بخطوات واثقة وقال بصوت هادئ ساخر: 
سحابة.... مش كفاية اكده...ينفع برده ال بتعمليه دا..مغيش واحده تسيب بيت جوزها في انصاص الليالي بالطريجه دي.. ارجعي معانا... ابنك محتاجك وانتي مش هتعرفي تمشي خطوة لوحدك.
نظرت اليه سحابه  بعناد ورددت بحدة:
 مش هرجع... مش هرجع غير بإرادتي... ومش هسيب نفسي لعبة في إيدكم.. خلاص انا مش عايزاكم.. مش عايزه ابجي معاكم نهائي.. سيبيوني في حالي بجا حرام عليكم 
تنهد فهد ببرود ثم التفت للحرس وأشار على الطفل وتحدث بلهحه حازمه :  
ـخدوه وحطوه في العربية يلا دلوجتي وبراحه عليه 
انفجرت سحابة بصراخ ورددت: 
ـ لع... ابني... سيبوه سيب ابني يا فهد اتجي الله.. خرام عليك ليه اكده... انا عايزه ابني 
حاولت سحابه  الاندفاع نحوهم لكن فهد وقف في وجهها ومد يده ليوقفها ثم قال بجفاء:
 ابنك في بيته... معزز مكرم عايزاه؟ تجيله هناك... لكن انك تاخديه وتبهدليه اكده في الشوارع مش هيوحصل.. انا وابوه بجالنا سنين وسمين متمرطين في بلاد بره علشان كل ال اهنيه يعيشوا كويسين مش علشان تاخدي الولد وتبهدليه بعد كل دا 
القي فهد كلماته بحزن وكان الطفل قد بدأ في البكاء يناديها بصوت باكي فـ صرخت بكل ما فيها من ألم واندفعت تحاول الوصول إليه لكن فهد وقف في وجهها ومدّ يده يمنعها  وقال بنبرة حاسمة:
ـبس... خلصنا تعاليله هناك لو عايزه تشوفيه 
القي فهد كلماته وذهب وترك سحابه التي تجمدت الكلمات في حلقها وارتجفت شفتاها بينما دموعها سالت رغماً عنها ولم تحملها قدميها اكثر من ذالك فجلست علي الارض تبكي بحرقه وبعد فتره في إحدى زوايا القصر كان الليل قد أسدل ستائره لكن صوت البكاء الصغير ظل يخترق السكون...كان فارس يجلس على طرف السرير يحتضن دميته بشدة ودموعه تتساقط على خديه بينما جدته تحاول تهدئته بحنانها المعتاد لكن قلب الصغير كان ثائرا لا يهدأ فـ دفع باب الغرفة بهدوء ودخل أسد يتبعه جهاد وعلى الفور ارتفع بكاء فارس كأنما اشتعلت النار بداخله وصرخ بعينين غاضبتين:
برا..... مش عايزكم... أنا بكرهكم... أنتوا السبب... أنتي 
 وأشار بإصبعه الصغير نحو جهاد مرددا: 
إنتي خطفتي بابا من ماما... إنتي السبب ف كل حاجة وحشة انا مش بحبك وبكرهك 
شهقت جهاد وتراجعت للوراء كأن الطفل سدد لها طعنة في القلب أما أسد فتجمد مكانه للحظة ثم تنهد وقال بصوت هادئ:
كلكم سيبوني معاه شوية بعد اذنكم 
نظرت له زينب بحزن لكن أطاعته وخرجت معهم  ببطء تاركين الغرفة لهما فـ اقترب أسد من السرير وجلس على الأرض مقابله رفع عينيه نحو الصغير المشتعل غضبا وردد:
أنا عارف إنك زعلان... وأنا كمان زعلان من كل ال بيوحصل  بس انا هرجعهالك والله العظيم وهخليها تعيش معاك اهنيه ومفيش حاجة ف الدنيا هتمنعني إني أرجعلك أمك... دا وعد مني ليك يا فارس.. بس اهدي بجا وبطل عياط ونام علشان انت اكده هتتعب وانا وعد هرجعلك سحابه لحد اهنيه 
ارتعش قلب الطفل وهدأ أنينه شيئا فشيئا حتى سقط برأسه الصغير على الوسادة، يهمس:
أنا عايز ماما دلوجتي .. عايزها دلوجتي حالا 
رد أسد وهو يمرر يده على شعره :
 حاضر ... جريب جوي يا بطل... بس ارتاح دلوجتي، علشان لما ماما تيجي تلاجيك قوي اكده ومستنيها
أغمض فارس عينيه والدموع لا تزال تبلل رموشه ثم انساب في النوم ببطء بينما أسد جلس إلى جواره يراقب أنفاسه الصغيرة تهدأ وعيناه تتوعدان العالم أن يعيد له حضن أمه مهما كلفه الامر وبعد فتره فتح أسد الباب بهدوء فرأى جهاد تجلس على طرف الفراش ووجهها مدفون بين كفيها زدموعها تسيل في صمت فتقدم منها خطوة، ثم ناداها بصوت خافت:
جهاد...مالك اكده في اي عاد 
رفعت جهاد رأسها بسرعة وقد احمر وجهها من البكاء وحاولت مسح دموعها المرتبكة ثم تمتمت بصوت مختنق:
 أنا آسفة يا أسد... والله مكنتش عايزة أوصل الولد للحالة دي...  هو بيكرهني... وأنا مش عايزة أعيش مرفوضة في بيت واحد معاه...لو حابب نطلط وأسافر... أنا موافجه والله بس مش هايزه اعمل مسافه بينك وبين ابنك وام ابنك 
اقترب اسد  منها أكثر حتى جلس إلى جوارها وقال بنبرة حاسمة:
 اوعي تجيبي سيره الطلاج مره تانيه فارس صغير وزعلان... ومسيره ينزل أنا بحبك ومش هسيبك وعارف إنك جلبك طيب و
واكيد ابني هيحبك مع الوجت 
نظرت إليه جهاد بعينين غارقتين في الندم والخوف وتمتمت بصوت مكسور:
 بس أنا تعبت يا أسد... أنا مش قد كل دا والله 
امسك اسد  بيديها برفق وهمس:
 وأنا جمبك... هنعدي كل دا مع بعض.. بس بطلي عياط بجا واهدي شويه 
القي اسد كلماته ثم اقترب منها أكثر حتى صار وجهه قريبا من وجهها ومسح دموعها بإبهامه برقة ثم طبع قبلة هادئة على شفتيها وبعد دقائق معدوده انفتح باب البيت  بعنف وظهرت سحابه وهي تترنح داخله كانت ثيابها ممزقة والدم ينزف من رأسها وعيناها تشتعلان كالنار حتي دوي صوتها في أرجاء البيت مردده بصراخ:  
اسد... انت فين... انا عايزه ابني.. هو ابني فين أنا عايزة ابني دلوجتي حالا 
هبط أسد من أعلى السلالم عاري الصدر تتطاير شرارات الغضب من عينيه ووقف أمامها بثبات وصوته خالي من الرحمة وهتف:
ابنك؟! دا ابني أنا... امشي لوحدك بس الولد مش هيمشي معاكي
تقدمت نحوه ودموعها تغمر وجهها و صرخت بحرقة:
ابنك؟! دا انت مكنتش تعرف عنه اي حاجه! أنا كنت ليه الأم والأب... كنت حضنه وسنده جاي دلوجتب تفتكر انه ابنك... مش همشي من اهنيه غير وهو معايا 
أجابها اسد ببرود قاتل:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
مش هتاخديه.... عايزة تجعدي معاه اجعدي واتقبلي ال حوصل مش عاجبك؟ الباب مفتوح امشي لوحدك
نظرت سحابه حولها بجنون ويداها تبحثان عن شيء  حتي  أمسكت بسكين من على الطاولة ورفعتها أمام صدره:
يا تجيب ابني... يا هجتلك دلوجتي حالا 
ضحك اسد ضحكة فارغة من الإحساس وردد بسخريه :
اعملي ال يريحك... اجتليني
اهتزت نظراتها ثم همست والدموع تسيل على وجنتيها:
انا خصيمك عند ربنا يوم القيامة.. حسبي الله ونعم وكيل فيك 
وفجاه في لحظةٍ خاطفة مزقت سحابه شرايين معصمها أمامه ليسقط السكين من يدها وتتهاوى على الأرض.. تسمرت قدمي اسد ثم صرخ بقوة و صوته يهز الجدران مردفا :
سحـــابه 
اقترب أسد منها بسرعة وهو يلهث من الصدمة، ركع إلى جوارها وحمل جسدها النازف بين ذراعيه وهو يهتف بجنون:
حد يحيب الحكيم بسرعه... يلا بسرعه اتصلوا بالحكيم 
ارتفعت الأصوات في القصر وركض الجميع بينما الدم ينزف من معصم سحابة كأن حياتها تتسرب بين يديه ووجهها الأبيض ازداد شحوبا وعيناه تفيض بالرعب فـ ظل يحتضنها ويضغط على الجرح بيده المرتجفة حتى دخل الطبيب على عجل، وبدأ بفحصها وعالج النزيف وسط صمت مشحون.... مرت الدقائق كأنها دهر وحين انتهى الطبيب مسح جبينه وقال بصوت حازم:
حالتها مش مستقرة... النزيف كان شديد، ولازم تهتموا بيها كويس الفترة الجاية الضغط النفسي ممكن يخليها تنهار تاني
أومأ أسد برأسه وهو لا يزال ينظر اليها بحزن  لكن قبل أن يتحدث دوى صوت زينب بغضب عارم وهي تقترب منه وفهد مردده: 
 انتو السبب.... انت وهو... انتو الاتنين السبب في كل المصايب دي مبسوطين اكده بال بيوحصل... رجعتوا ورجعتوا معاكم الخراب للبيت 
أشارت لهم بأصبعها وقد غطت الدموع عينيها ثم صرخت بوجه أسد:
وانت بتجول ابنك؟! إنت شوفت الولد إمتى.... دي ضحت بحياتها علشانه وانتو كلكم كنتوا فين.. كنت فين يا ابن بطني... في بلاد بره بتجمع فلوس.. مين جالك اننا عايزين فلةس لو هتجيب معاها الخراب دا 
ثم التفتت إلى فهد وصفعته بكلماتها:
 وانت يا فهد... جلبك فين؟ دي أم... تاخدوا منها ابنها كأنها حرامية... دا انا كنت بجول دايما ان مفيش اطيب من جلبك اي ال حةصل يا ابني... الغربه قست جلوبكم اكده ليه عاد مبجاش عندكم لا رحمه ولا جلب 
ثم زفرت بحرارة وهي تشير لهم بيدها:
امشوا من وشي... مش عايزة أشوف وش حد منكم جدامي  دلوجتي... امشوا يلا 
نظر فهد إلى الأرض بينما أسد وقف متصلبا لا يعرف إن كان يستحق البقاء أم الرحيل ثم تحركا ببطء خارج الغرفة تحت صراخها ودموعها ليتركا الباب خلفهما مغلقا أما زينب فعادت إلى سحابة وجلست على الأرض بجوارها تمسك يدها بحنان وهي تهمس ببكاء:
معلش يا بنتي... أنا معاكي... والله معاكي ومش هسيبك تاني أبدا 
في صباح اليوم التالي خرج فهد من غرفته وهو عابس الملامح رأسه مثقل بالأفكار والأحداث. وبينما كان يهم بالنزول لمحها من بعيد... كانت تسير بهدوء في الممر و شعرها الطويل منسدل على ظهرها وعيناها تحملان مزيجا من العناد والوجع فـ توقف للحظة يحدق بها...هي ملك  ابنه عمه... وأخت أسد... لم يتمالك فهد  نفسه واندفع نحوها وقبل أن تنبس بكلمة أمسك بذراعها وسحبها بعنف إلى غرفته فرددت بعصبيه:  
فهد.... سيبني! إنت بتعمل إي عاد 
لكنه لم يستجب و أغلق الباب خلفه بعنف واستدار يواجهها  و صوته مخنوق بالغضب وهتف:
ليه.... ليه بتعامليني اكده من وجت ما رجعت من السفر... ليه بتتجنبيني.... بتعملي كأني غريب
ابتعدت عنه وهي ترفع ذقنها بكبرياء ونظرت اليه بقلب ينزف لكنها أخفته خلف جمودها مردده: 
 عايز مني إي يا فهد... بعد تسع سنين... تسع سنين استنيتك... وفضلت أحبك... وانت؟ اخترت الفلوس! اخترتها.. وخسرتني.
حاول الاقتراب منها لكنها صدته فقال:
 أنا بحبك... والله العظيم لسه بحبك وعمري ما حبيت واحده غيرك 
صرخت ملك بحدة وهتفت :
الحب مش لعبة يا فهد.. مش على مزاجك.. الكون مش تحت أمرك تيجي تحب لما تفضى؟ لع أنا خلاص مش عايزاك... وهتجوز واحد تاني... واحد يستاهلني
اشتعلت النار في عينيه وانقض على يدها يمسكها بعنف وصوته خرج غاضبا:
مستحيل... مستحيل أسمح لحد يقربلك... غيري 
انتفضت ملك بعصبية وسحبت يدها من قبضته وهي تصرخ:
انت اتأخرت! وأنا مش لعبه في إيدك... هتجوز واحد غيرك جظام عيونك وال عندك اعمله بجا 
القت ملك كلماتها ثم فتحت الباب بعنف وخرجت تاركة خلفها قلبا محطما  وفي صباح يوم جديد دخل أسد الغرفة بهدوء كانت سحابة مستلقية على الفراش شاحبة الوجه، تغرق في نوم ثقيل لا يخلو من الألم فـ اقترب منها ببطء وجلس على طرف الفراش يتأمل ملامحها المتعبة ثم مد يده ببطء ولمس وجهها بحنان وكأنه يعتذر بصمت بعدها نزلت عيناه نحو يدها المصابة فمرر أنامله عليها بلطف يتأمل الجرح بمرارة حتي تنهدت سحابة بضعف ثم فتحت عينيها فجأة وحين وقعت عيناها عليه شهقت بفزع: 
ابعد عني... ابعد.. عايز مني اي عاد 
مد اسد يده ليهدئها وردد: 
اهدي يا سحابة... فارس في أوضته ومش عايزه يشوفك اكده 
ازدادت نظراتها حذرا وخوفا ورددت؛ 
انت مالكش صالخ بيا... طلجني وخلاص
ظهرت على وجهه علامات الحزن الحقيقي ثم تنهد قائلًا:
مش عايز أطلجك... إحنا نجدر نحل ا بينا بهدوء.... أنا عارف إني غلطت... بعترف جدامك اهه مش بنكر.. انا فعلا ظلمتك كتير جوي 
نظرت إليه سحابه  بعينين دامعتين لكنه أكمل: 
أنا مستعد أوافج على أي شرط تجولي عليه... هديكي كل ال نفسك فيه، بس افضلي اهنيه... متسيبيش فارس هو محتاجك
قالت سخابه بجفاء:
مش عايزة حاجة... ولا هعيش في بيتك.. انا كل ال عايزاه ابني وبس
رفع اسد حاجبيه وأسرع في الكلام مردفا :
خلاص هكتبلك البيت ده باسمك يبجى بيتك إنتي مش بيتي وإحنا ال عايشين فيه معاكي .. بس وافجي بلاش تسيبي فارس لوحده.. علشان انا كمان مش ناوي اخليه يبعد عني 
نظرت سحابه إليه مطولا وقلبها يضج بصراعات لا تهدأ وكانت على وشك أن ترد...لكن الباب انفتح فجأة. دخلت ريم بخطوات واثقة وبمجرد أن وقع نظرها على أسد ركضت نحوه واحتضنته قائلة بلهفة:
ينفع كده؟ ترجع من السفر من غير ما تيجي تسلم على مرتك
تجمدت سحابة في مكانها ونظراتها بين الاثنين وقلبها يهوى في قاع الخيبة حتي شهقت بصمت و 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
كانت سحابة في غرفتها حين بلغها صدى الكلمات التي لم تكن تتمنى سماعها. شعرت كأن قلبها يتوقف للحظة ثم تدفق الدم إلى رأسها كطوفان عارم ونهضت من على طرف الفراش ووقفت تحدق فيه بعينين مصدومتين قبل أن تصرخ بصوت اخترق سكون المكان مردده: 
هو إي دا.... هو مش لما اتجوزتني جولتلي إنك سيبتها.... ازاي... إزاي كنت بتضحك عليا طول الوجت دا.. هو اي انت شيطان... حرام عليك ليه اكده... ليه
كان صمته في تلك اللحظة أشد قسوة من أي اعتراف. لم ينكر، ولم يبرر  فقط نظر إليها بعينين يكسوهما تعبٌ قديم وردد بصوت خافت:
والله العظيم سيبتها... وانتي عارفة إن جوازنا كان على الورج بس
وقبل أن ترد تقدمت ريم نحوهما وصوتها ارتفع وهي تتحدث:
بالساهل اكده.... يعني تجتل جوزي في يوم فرحي وتتجوزني شوية وبعدين تطلجني اكده بالساهل 
اشتعلت ملامحه بالغضب وارتفعت نبرته فجأة وهتف:
أنا أصلا بكرهك يا ريم.. بكرهك وبكره كل حاجه ليها علاقه بيها دا كان يوم اسود يوم ما اتجوزتك وعرفتك جسما بالله
تجمدت ريم للحظة ثم رفعت رأسها ببطء وقد استعاد وجهها هدوءا زائفا يخفي وراءه العاصفة وهتفت: 
كنت جاية أجولك إني مش هسكت... ومش هسيبك هتندم على كل حاجة عملتها فيا  وهتشوف هعمل فيك اي عاد 
القت ريم كلماتها واستدارت وذهبت من البيت بأكمله  وفي بيت صغير على أطراف القرية جلست جهاد أمام خالتها التي لم تزرها منذ أعوام حيث كانت نظرات الخالة قاسية تزنها بحدة وكأنها تفتش عن الذنب القديم خلف ملامح وجهها المنهك فـ رفعت الخالة حاجبيها وسألت بجفاء:
 انتي اي ال رجعك تاني؟ ومين جالك إننا عايزين نشوف وشك اصلا 
ارتبكت جهاد وزاغ بصرها كمن لا يعرف إلى أين ينظر. ثم تمتمت بصوت مبحوح:
 انتي واحشتيني يا خالتي... بجالي سنين مشوفتكيش .. وجيت علشان أشوف أختي كمان.. انتوا واحشتوني جوي والله العظيم 
نهضت الخالة من مكانها ببطء ووضعت يديها على خصرها  وقالت بنبرة تقطر قسوة:
 لا ليكي أهل ولا ليكي أخوات... وهي عمرها ما جابت سيرتك... ولا عايزة تشوفك... وابعدي عننا بشرك.... أنا الوحيدة ال عارفاكي وعارفة وشك التاني
ادمعت عينا جهاد بالدموع وارتجف صوتها وهي تردد:
طيب كنتي عايزاني أعمل إي عاد ؟ كنت خايفة... ومكنتش فاهمة أي حاجه و 
قاطعتها الخالة بصرخة:
كنت عايزاكي تبجي بني آدمه... مش حيوانه ال عملتيه ميعملوش حد عنده ضمير... محدش هينسى يا جهاد... وكل بيت تدخليه هيدخله الخراب وراكي... ربنا يستر على جوزك منك... ويستر على أهل جوزك كلهم كمان  يلا من وشي... اطلعي برا... ومترجعيش اهنيه  تاني
تجمدت جهاد في مكانها لحظة كأن الكلمات قد جمدت أوصالها ثم انحنت للأرض تلتقط عباءتها بصمت وخرجت وفي المساء وقف أسد شامخا في ساحة الدار كأنه أسد حقيقي يترقب الخطر أو الفريسة.... كانت ملامحه متوترة وكتفاه مشدودان ويده تتنقل من ساعة معصمه إلى جيبه ثم إلى خاصرته كأنه لا يعرف كيف يهدئ ذلك التوتر المتصاعد في صدره وعيناه كانت تراقبان الطريق في صمت ثم انفجر فجأة قائلا بصوت جهوري قاطع السكون:
 هي راحت فين كل دا.... سايبة البيت ورايحة فين من غير ما تجول ومين جالها تخرج أصلا... هي جالت ولا استأذنت من الاصل 
ساد صمت ثقيل بين الواقفين لا أحد تجرأ على الرد فحاولت زيني أن تتحدث لكنها تراجعت عندما رأت النار المشتعلة في عينيه وفجأة، انفتح الباب الكبير، وتوقفت الأنفاس ودخلت سحابة بخطى واثقة ترتدي ثوبا أنيقا بلون صاخب لم تعتده البيوت الصعيدية وشعرها منسدل بعناية وملامحها متزينة بهدوء عجيب.... حيث كانت تحمل في يديها عدة أكياس من المشتريات ورائحة عطرها ملأت المكان في لحظة فـ اقتربت زينب منها بخطى حذرة، وحدجتها بنظرة تجمع بين الدهشة والقلق ثم سألتها:
 إي دا يا بنتي كنتي فين؟! ولابسة اكده ليه عاد 
ابتسمت سحابة ابتسامة خفيفة وقالت بنبرة ساخرة:
روحت أهتم بنفسي يا حجة… علشان إن شاء الله لما أطلج… أعرف أتجوز تاني زي الناس 
صعق الجميع  أما أسد فكانت تلك الكلمات كمن صب الزيت على ناره المتأججة وتقدم منها بخطوات سريعة وصاح بصوت غاضب:
اي المنظر دا.... مينفعش تمشي اكده بشعرك وسط الناس 
رفعت حاجبيها وردت بثبات:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
أنا حرة… وانت مالك؟
اشتعل الغضب في عينيه أكثر وتقدم منها حتى كاد وجهه يلاصق وجهها وهدر:
 لع مش حرة… انتي مرتي… وأنا ليا الحق أجولك تلبسي إزاي وتتصرفي إزاي… وجواز إيه تاني عاد ال بتتكلمي عنه هااا 
رمقته سحابه بنظرة حادة وقالت:
 زي ما انت اتجوزت… ولا هو بمزاجك انت بس
فقد اسد اعصابه تماما ومد يده وسحبها بقوة من ذراعها وهو يقول:
 تعالي معايا دلوجتي بدل ما ارتكب جريمه فيكي 
لم تقاومه سحابه لكنها نظرت للحاضرين بنظرة حاده قبل أن تختفي معه داخل البيت وصعد بها إلى غرفتهما بخطوات متسارعة ودخل خلفها وأغلق الباب بقوة، فارتج البيت كله على صدى صوت الباب  فـ اندفع أسد إلى الداخل وعيناه تقدحان شرا وصوته خرج مدويا كالرعد:
اي ده.... إي المنظر ده وازاي تخرجي اكده لبس ومكياج فاكرة نفسك عروسة
وقفت سحابة بثبات في منتصف الغرفة وكتفاها مرفوعان ونظرتها حادة كالسيف ثم ردت ببرود مستفز:
براحتي وأول ما تطلجني هتجوز... وأعيش حياتي زي ما إنت عايش حياتك
هدر الغضب في صدره ويده هوت على الطاولة الصغيرة بجواره فكسرها في لحظة وتناثر الخشب والزجاج على الأرض فـ رفعت حاجبيها وهي تصرخ:
متضايج ليه..... مش إنت بتحب مرتك التانية مش إنت سيبتني  اهنيه زي الكلبة تسع سنين ولا نسيت 
تقدم منها بخطواتٍ غاضبة وصوته غلظ من شدة القهر:
وإنتي كمان مرتي! فاهمة...... مرتي.. ولا انتي ال خلاص نسيتيني ونسيتي اني جوزك 
اهتزت أنفاسها، وتراجعت خطوة ثم هتفت بنبرة تحمل وجعا  دفينا:
أنا عمري ما نسيتك... ولا حبيت حد زيك... بس إنت واطي... متستاهلنيش
اقترب منها فجأة ورفع يده ليلمس وجهها بأنامله المرتعشة كأنه يتحسس شيئا كان يخاف أن يضيع منه للأبد ثم همس بصوت مكسور:
من يوم ما نزلت مصر... وإحنا بعاد... هو أنا خلاص؟ موحشتكيش 
اضطربت سحابة وارتعشت عيناها وهي تحاول الابتعاد لكنها لم تكن تملك القوة الكافية فهتفت بصوت مرتجف:
أوعى تلمسني... إنت ملكش حق تقربلي اصلا... ابعد عني 
لكن اسد  لم يتوقف. كان جسده يقترب أكثر ولمسته تذيب ما تبقى من مقاومة ثم في لحظة صامتة مشتعلة مال برأسه نحوها وطبع قبلة على شفتيها... قبلة ليست كالقبل بل انفجار من الشوق والغياب والعذاب... لم تستطع سحابه أن تبعده ولم تستطع أن ترفضه..ولأول مرة، لم يكن هناك إلا الحنين بينهما و في صباحٍ جديد كانت سحابه  نائمة في بين احضان أسد و صدره العاري يلاصقها كأن لا شيء قد حدث بالأمس سوى دفءٍ خادع وما إن فتحت عينيها حتى صدمت بالمشهد و اتسعت عيناها وتشنج جسدها في لحظة ثم نهضت فجأة يكسو صوتها ارتعاش وغضب:
ضحكت عليا تاني
فتح اسد عينيه ببطء ونظر إليها بثبات ونبرة صوته تحمل هدوءا لا يخلو من عناد:
ضحكت عليكي في إي عاد.... إنتي مرتي وال حوصل بينا طبيعي
أدارت وجهها عنه محاولة الابتعاد ثم صرخت بحرقة:
لغ مش طبيعي علشان .. أنا مش عايزاك
اقترب منها ورفع صوته مرددا: 
وأنا عايزك.... وعايزك تفضلي معايا... ومع ابننا. ومش هطلجك  مهما حصول ومهما عملتي واعتبريها زي ما انتي عايزه 
وقبل أن ترد انفتح الباب بعنف واقتحمت جهاد الغرفة بخطوات غاضبة فـ  استدار إليها اسد وقد علا صوته بانفعال:
إنتي داخلة ليه من غير ما تخبطي؟!
نظرت إليه بعينين يكسوهما التحدي وقالت بنبرة قاطعة:
أنا عايزاك... دلوجتي حالا 
ثم استدارت وذهبت إلى غرفتها أما أسد فنظر إليها لحظة طويلة بنظرة يصعب تفسيرها ثم تبعها دون أن ينطق بحرف و وقفت سحابة وحدها ودموعها تتساقط في صمت وضربت صدرها بكفيها وهمست بألم:
انا غبية... غبية إني ضعفت جدامه ومجدرتش أقاومه... لازم أشيل حبه من جلبي بأي طريجه.. يارب ساعدني..  انت العالم بيا وشايف ال بيوحصلي.. ساعدني يارب 
وعند أسد  كان يقف في غرفة جهاد وعيناه مشتعلة بالغضب  وجسده مشدودا وكأن كل عضلة فيه على استعداد للانفجار وهو نظر إليها بتركي  ثم تحدث بصوت غاضب:  
علشان هي مرتي... مرتي افهمي بجا 
ردت جهاد بنظرة مليئة بالشك والقلق:
لع... انت بتحبني أنا وبتكرهها.. انت مش بتحب حد غيري 
أجابها أسد بعنف، وهو يهز رأسه في استنكار:
عمري ما كرهتها ولا جولت  إني بكرهها... انا مكدبتش عليكي في حاجة يا جهاد وانتي عارفه كل حاجه من الاول 
اقتربت جهاد منه بسرعه وأخذت المنشفة من على الطاولة وبدأت تمسح صدره العاري بحركات بطيئة وهمست بنبرة مليئة بالهوس:
مش لازم تكون لمساتها عليك.. مينفعش.. مينفعش تلمسك.. ولا اي واحده غيري لازم تلمسك.. انا بس.. انت جوزي انا... جوزي لوحدي 
سحب أسد المنشفة منها بعنف وألقاها على الأرض، وعيناه تبرقان بالغضب الشديد وردد:  
مالك إنتب اتجننتي ولا إي عاد.. ما تفووجي شويه اي الجنان دا 
نظرت إليه جهاد بعينين مليئتين بالجنون وقالت بنبرة مرتجفة:
أيوه... اتجننت بيك... أنا مجنونة بيك... وبحبك... وانت بتحبني.. بتحبني لوحدي 
تنهد اسد بضيق نظر إليها نظرة حادة، ثم قال ببرود:
وأنا بحبك  بس دي مرتي وأم ابني يا جهاد.. اوعي تنسي الموضوع دا 
وقبل أن يواصل حديثه فجأة جاء صوت صراخ من الخارج فـ  هرع أسد نحو الباب ليجد الجميع في حالة من الفزع وكانت سحابة على الأرض، تبكي بصوت عالي وتصرخ قائلة:
فارس مش موجود... ابني اتخطف يا أسد.. ريم خدت ابني 
توقفت اللحظة فجأة وعم الصمت في المكان كانت عيون أسد تتنقل بين الجميع بينما الدماء تتجمد في عروقه وفجأه
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
كان فارس جالسا في حضنها يختبئ من الخوف يبلل كتفها بدموعه الصغيرة وهي تمسح على رأسه بحنان تهدئه بكلمات دافئة علها تطفئ ما في قلبه من فزع وردد بخوف:  
هو انتي هتجتليني؟ 
قالها بصوت باكي مرتعش وهو يتشبث بملابسها أكثر فـ ابتسمت له ريم رغم الألم في عينيها وربتت على ظهره مردفه: 
لع طبعا يا حبيبي مستحيل أجتلك... دا أنا بحبك وهجيبلك حاجات حلوة كتيره جوي
وقبل أن تنهض لإحضار قطعة شوكولاتة كانت على الطاولة دوى صوت إطلاق نار في الخارج تبعه صوت ارتطام الباب بقوة واتسعت عيناها وجمدت في مكانها وقلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها حتي انفتح الباب بعنف واقتحم المكان أسد يتقدمه فهد وعدد من الحراس وجميعهم يحملون وجوها صارمة ونظرات مشتعلة فصرخ فارس فجأة وركض نحو الداخلين وهتف: 
بابااا
انحنى أسد سريعا واحتضن ابنه بقوة، ضاما إياه إلى صدره كمن استعاد روحه وردد: 
انت كويس؟ حد عملك حاجة.... حد لمسك
قالها بصوت ملهوف مرتعش وهو يتفقد الطفل من رأسه حتى قدميه ووقفت ريم تنظر إليهما بصمت ثم قالت بهدوء مشوبٍ بالمرارة:
متخافش... أنا مش زيك. مستحيل أأذي طفل صغير 
تحول وجه أسد في لحظة ونهض واقترب منها بخطوات غاضبة ثم أمسك يدها بشدة وعيناه تلمعان بالغضب: 
بس أنا... أنا هجتلك 
ابتسمت ريم بسخريه وهي تلامس وجهه مردده بابتسامه:
 وآهون عليك برده تجتلني 
وفجاه تدخل فهد بسرعة و جذب أسد للخلف وأبعده عنها ثم وقف أمامها وقال بصوت حازم:
 احنا فاهمينك كويس يا ريم. وعارفين إنك بتلعبي معانا بالطريجه دي  علشان تخوفينا بس لو قربتي من الولد تاني... أنا ال هجتلك 
رفعت ريم ذقنها بشموخ وصوتها اهتز بالغضب وهتفت : 
 زي ما جتلتوا جوزي صوح احنا لسه بنبدأ. ومهما حوصل... مستحيل أسيبكم. وهنتجم منكم 
نظر إليها أسد بسخرية وضحكة خفيفة خرجت قبل أن يقول: 
 ابجي وريني هتعملي إي عاد 
انهي اسد كلماته ثم أمسك يد ابنه وخرج دون أن يلتفت خلفه وخلفه فهد والحراس تاركين ريم واقفة في منتصف المكان  والنار تتقد في صدرها وفي صباح يوم جديد وفي صباح يوم جديد...كانت سحابة جالسة في غرفتها تقلب في هاتفها بملل قبل أن تجري اتصالا سريعا ورفعت الهاتف إلى أذنها وهمست بنبرة خافتة:
متقلقش... مش هتأخر.... هاجي في الميعاد ان شاء الله 
أنهت المكالمة وهي تنهض من على طرف السرير تهم بالخروج لكن خطوات خفيفة جذبت انتباهها ورفعت عينيها لتجد جهاد واقفة عند باب الغرفة تنظر إليها بنظرة مشحونة ورددت بحده :
احنا لازم نتكلم يا سحابة.. دلوجتي حالا 
رفعت سحابة حاجبها في استنكار وهتفت: 
نتكلم؟ عن إي بجا ان شاء الله 
خطت جهاد للداخل وارتجف صوتها وههتفت :
انتي متعرفيش أنا بحب أسد قد إي... مجدرش أعيش من غيره لحظه واحده.. هو كب حياتي لو سابني انا هكوت ومهما وصفتلك والله ما هتستوعبي انا ازاي بحبه
أغمضت سحابة عينيها لوهلة ثم فتحتها ونظرت إليها بجمود:
والمطلوب مني إي بجا ان شاء الله 
جهاد بحده:  
تسيبيه... وتبعدي عنه خالص... اطلجي وامشي انا حاولت معاه كتير جوي علشان نرجع نسافر تاني بس هو رفض.. فلازم انتي ال تمشي 
ضحكت سحابة بسخرية ثم اقتربت منها خطوة ورددت بحدة:
انتي ازاي بجحه اكده  .... متجوزة جوزي وكمان عايزاني أنا ال أسيبه؟ 
ردت جهاد بانفعال وهي تلوح بيدها:
علشان أنا أحق بيه منك.... انا ال كنت معاه طول التسع سنين ال فاتوا
تقدمت سحابة نحوها وهي تصرخ:
وأنا؟! أنا ال عيشت في نار سنين أنا ال اتعذبت واتمرمطت وأنا ال كنت كل يوم بعيط وهو مش موجود اصلا وانتي جاية دلوجتي تاخدي كل حاجة بالساهل وكمان عايزاني اسيب جوزي 
تراجعت جهاد خطوة وهي تصيح:
أنا مش هسيبه... وجيت أحذرك بالذوق بدل ما أتصرف معاكي بالعافية 
اشتعلت عينا سحابة بالغضب لكن قبل أن ترد انفتح باب الغرفة بعنف وظهر أسد من بعيد يقترب من الغرفه وفي لمح البصر، التفتت جهاد نحوه ثم أمسكت بكوب زجاجي من على الكومود و ضربته بالحائط فتكسر وأخذت شظية حادة وجرحت بها ذراعها ثم صرخت وهي تسقط على الأرض:
اااااه.. ساعدوني.. ليه اكده ياسحابه.. حرام عليكي انا عملتلك اي 
اندفع اسد  نحوها سريعا مرددا:  
جهاد!..... إي ال حوصل.. مالك اي ال عمل فيكي اكده 
وقفت سحابة مصدومه تتنفس بعنف وعيناها تتحركان بين جهاد التي تئن على الأرض والدم يسيل من ذراعها وبين أسد الذي جلس جوارها يحاول إسعافها وبعد فتره أسند أسد جهاد بحذر وقادها خارج الغرفة بخطوات ثابتة ثم أجلسها على الأريكة المجاورة ووضع يده على كتفها ليطمئنها قائلا بنبرة هادئة رغم غضبه المكتوم:
ـارتاحي دلوجتي... أنا هتصرف
هزت رأسها وهي تذرف دموعا مصطنعة ثم مسحت خديها بكفّها المرتجف وقالت بصوت متهدج:
هي ال عملت فيا اكده يا أسد... والله ما عملتلها حاجة دي هجمت عليا من غير سبب
ضاقت عينا أسد وهو يزفر بضيق ثم التفت عائدا إلى الغرفة بخطوات متسارعة وما إن فتح الباب حتى وجد سحابة تستعد لمغادرة المكان فوقف أمامها مانعا إياها من المرور وهتف بنبرة غاضبة:
ـرايحة فين؟! إزاي تعملي اكده في جهاد
تطلعت إليه سحابة بدهشة ممتزجة بالغضب ثم أجابته ببرود يخفي وراءه جرحا عميقا:
معملتلهاش حاجة... وعايز تصدج صدج مش عايز إنت حر
شدد اسد على أسنانه واقترب منها حتى كاد يلامسها وهو يقول بلهجة حادة:
 مش هتمشي ومتتكلميش بالاسلوب دا تاني
رفعت سحابه رأسها في تحدي وقالت بثبات:
لع همشي... عندي مشوار مهم وهروح يعني هروح انت ملكش انك تجولي اكده اصلا
أشار اسد بيده نحوها وهو يتقدم خطوة أخرى مرددل :
 وإنتي المفروض تستأذنيني الأول... أنا جوزك وبطلي العناد ال انتي فيه دا بجا 
ضحكت سحابة بسخرية مؤلمة ورددت:
 جوزي؟! أنا مش بعتبرك جوزي أصلا روح للممثلة ال اتجوزتها وسيبني في حالي بجا واها  لو ريم عملت حاجة في ابني تاني... والله ما هسكت.... أنا مش مجبورة أستحمل مصايبك ولا بلاوي الناس ال جايبهم يدوسوا على حياتي
تجمد وجه أسد للحظة قبل أن ينفجر صوته غاضبا:
مصايب إي؟! انتي عبيطة ولا إي ؟! إنتي عارفة كويس مين ال جتل الراجل ال كان هيتجوز ريم... بلاش تستعبطي بجا..  ليه محسساني انك انتي البريئه المظلومه في موضوع ريم دا  
ارتجف وجه سحابة وانطفأ بريق عينيها للحظة ثم نظرت إليه بنظرات مضطربة لا تعلم ما إن كانت صدمتها مما قال أم من جراءته حتي استدارت دون أن تنطق وفتحت الباب محاولة الخروج واسد  لا يزال يحدق في أثرها حتي أشار إلى أحد الحراس واقترب منه بصوت خافت صارم:
راقبها... وعايز أعرف كل حركة بتعملها لحظه بلحظه 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
أومأ الحارس بطاعة بينما كانت سحابة تغادر المكان وخطواتها مثقلة بتلك الحقيقة التي باتت تلاحقها الآن أكثر من أي وقت مضى وفي المساء كان الليل قد بسط أجنحته على المكان والسكون يلف الحديقة الواسعة إلا من صوت خطوات فهد المتثاقلة وهو يتمشى ذهابا وإيابا ممسكا بهاتفه ويتحدث بانفعال متصاعد فقال وهو يضغط على أسنانه مردفا: 
بطلي العناد ال انتي فيه دا يا ملك... أعمل إي أكتر من اكده يعني... أنا رجعت وبرده مش راضية تسامحيني ولا حتى تردي عليا بكلمة....انتي عارفه زين اني كان لازم اسلفر حتي لو غصب عني... كان عاجبك واحنا مش لاجيين ناكل؟!
ساد الصمت لثواني ثم تابع بصوت أعلى وقد بدأت نبرته ترتجف بالغضب:
يعني خلاص.... مش فارق معاكي؟! مش مهم اي حاجه عندك اكده 
وفجأة ودون تردد القى بالهاتف أرضا بعنف فارتطم بالصخور  وتبعثرت أجزاؤه. في تلك اللحظة ظهر أسد من بين الظلال يقترب بخطوات هادئة وصوت منخفض:
فيه إيه يا فهد.... مالك اكده
تنهد فهد بعمق وركل حجرا صغيرا تحت قدمه ثم نظر إلىه وقال بمرارة:
اختك يا أسد...ملك مش راضية تسامحني ولا تكلمني... أعمل إي تاني كان عاجبها زمان وإحنا بنعافر في لقمة العيش... بس لما قررت أسافر علشان أبني نفسي... اتقلبت عليا... انا عملت اي عاد لكل دا مش فاهم
وقف أسد إلى جواره يضع يديه في جيبه وعيناه تتأملان السماء الملبدة ثم قال بصوت هادئ:
بكرة تفهم كل حاجة... الزمن كفيل يوضحلها ال في جلبك
ظل فهد صامتا لثواني  قبل أن يحول نظره إلى أسد فجأة ويقول:
وأنت؟... إي حكايتك مع سحابة 
أطرق أسد برأسه قليلا وزفر بضيق ثم أجاب بصوت مبحوح:
م عارف... كنت فاكر إنها مش مهمة بالنسبالي بس الموضوع طلع مش إني عايزها علشان فارس وبس انا عايزها علشاني أنا كمان مش عايزها تبعد... أنا حاسس إني تايه من غيرها
ابتسم فهد بخفة وهز رأسه:
يبجي  بتحبها...وأنت أصلا  ساعة ما اتجوزتها مكنتش بتكرهها...
انت كنت معجب بيها بس عنيد زي عادتك!
وقبل أن يرد أسد ظهر أحد الحراس من بعيد يقترب منهم بخطوات ثابتة وفي يده ظرف مغلق وتوقف أمام أسد وقدم له الظرف باحترام:
اتفضل يا بيه... دا الشخص ال سحابة هانم كانت جاعدة معاه النهاردة
تجمدت ملامح أسد وحدق في الظرف بين يديه ثم تمتم بصدمة:
شخص مين؟... سحابة كانت جاعدة مع مين عاد 
فتح الظرف بسرعة وأخرج الصور واحدة تلو الأخرى وما إن وقعت عيناه على ما فيها حتى اتسعتا بذهول وسقطت إحدى الصور من بين يديه دون أن يشعر..وبعد فتره وقف أمامها عاري الصدر و عيناه تتقدان غضبا واحتقارا ويده تقبض على مجموعة من الأوراق النقدية ورفعها ورماها في وجهها دون أن يرمش وصوته يجلجل في المكان مرددا :
عايزة فلوس؟ خدي مش دول ال خونتيني علشانهم.. اهم معاكي دلوجتي 
تجمدت سحابة في مكانها وتبدلت ملامحها بين الصدمة والإنكار وتمتمت بصوت مرتجف:
انت بتجول إي؟ خيانة إي عاد  ال بتتكلم عنه 
اقترب اسد منها بخطوات ثقيلة وكل خطوة منه كانت كسكين يمزق صمتها ونظر إليها نظرة حارقة ثم قال بصوت مبحوح، يقطر مرارة:
أنا عرفت كل حاجة… وانتي عاملالي البريئة طول السنين، وانتي أصلا بتخونيني.. وانا ال كان ضميري بيأنبني علي ال عملته فيكي.. انتي طلعتي متستاهليش اي حاجه خالص 
انهي اسد كلماته ومد يده عنوة ووضع المال في يدها المرتجفة ثم أكمل بسخرية جارحة:
مش دي ال كنتي عايزاها؟ خدي فلوس اهي 
دفعته سحابه بدموع حارقة وانكسار لا يمكن إخفاؤه وهتفت:
انت فاكرني واحدة رخيصة علشان تتعامل معايا اكده 
ضحك اسد ضحكة قصيرة مشوبة بالقهر والخذلان ثم قال وهو يحدق في عينيها:
إنتي أرخص واحدة شوفتها… واتعاملت معاها ومن النهاردة، لما أعوز أقربلك بعد اكده  هدفع تمنك بالفلوس يا مرتي الحلوه المظلومه 
رمى اسد دفعة أخرى من النقود في وجهها ثم مد يده نحوها محاولا انتزاع ما تبقى من كرامتها لكن الزمن تجمد عند تلك اللحظة ومزق ثيابها فصرخت سحابه وهي تدفعه بعيدا مردده: 
الشخص ال انت بتجول اني بخونه معاك دا وجايبلي صوره يبحي رأفت... شخص انا هشتغل عنده علشان استقل بنفسي.. علشان لما اطلج وامشي من اهنيه انا وابني يبجي معايا فلوس اعىف اصرف عليه.. انت فاكرني اي.. واحده رخيصه.. انا محترمه ومستحيل اعمل اكده مش علشانك.. علشان نفسي.. وخد الفون اهه شوفه واتاكد من كل حاجه بس من اللحظه دي انا مش عايزاك.. انا بكرهك.. سيبني في حالي بحا انت عايز مني اي... عايز تموتني.. عايزني اجتل نفسي.. عايزني اعيش طول عمري تعيسه... والصبح بتجولي علي جوز ريم.. ايوه انا... انا ال جتلته.. بس جتلتله ازاي.  علشانك.. انت كنت بتموت وانا مش بعرف اسوج كان لازم اوصلك المستشفي وخبطته فضب عني... جسما بالله غصب عني وجولتلك كتير بلاش تتهم نفسك انك انت ال عملت اكده.. وسيبني اعترف علي نفسي وانت رفضت وبسبب كل دا اجبروك تتجوز ريم.. انا كنت بحاول انقذك باي طريجه... ومستعده استحمل نتيجه ال عملته واروح اجول للشرطي اني انا السبب مش انت بس كفايه.. كفايه يا اسد ارحمني انا تعبت.. انا ماشيه.. مش هجعد اهنيه خلاص 
تقدمت سحابة نحو باب الغرفة و يدها على المقبض والدموع لا تزال معلقة في عينيها وأنفاسها تتسارع وقلبها مثقل بالكلمات التي قالتها والجرح الذي لم يندمل بعد.لكن قبل أن تتمكن من فتح الباب سحبها أسد من ذراعها بقوة جعلتها تستدير رغما عنها وجسده التصق بها كأنما يريد أن يمنعها من الرحيل بأي طريقة وردد:  
ـاستني... بالله عليكي متسبنيش اكده... أنا آسف... آسف على كل حاجه  ... خليكي اهنيه 
حاولت سحابه  أن تدفعه وان تبعد يده عن ذراعها لكن يدها كانت ترتجف وقلبها يخونها ونظرت إلى عينيه المشتعلتين فاهتزت بداخلها كل جدران الغضب ورددت: 
سيبني يا أسد... كفايه... أنا مش جادرة أكمل
لكنه لم يتركها بل ضمها إليه بقوة أكبر وكأن دفء جسده هو آخر حائط يمكنه الاحتماء خلفه وهتف:  
لع... مش هسيبك... انتي لازم تفضلي معايا...  متبعديش عني يا سحابة... بلاش تروحي بالله عليكي 
ثم اقترب منها ببطء ويداه ترتجفان وهو يرفع كفه ليمسح دمعة سقطت على خدها وهمس:
انا بحبك... وغبي إني فهمت دا متأخر
لم تمنعه سحابه  حين انحنى وقبلها قبلة مرتجفة كأنها اعتراف أخير فحاولت أن تبتعد أن تذكر نفسها بكل الألم لكنها فشلت بين ذراعيه وشعرت بأنها ما تزال تنتمي إلى هذا القلب رغم كل شيء.... حتى اختفى الفاصل بين الانكسار والحب، بين الندم والعشق ورغم كل الانكسارات... كان قلبه قد بدأ يستكين وروحه المضطربة وجدت في عينيها ما هدأ من عاصفته وضمها إليه بقوة، كأنه يخشى أن تفلت منه من جديد فاستسلمت له هي الأخرى رغم كل الألم ورغم كل الذكريات التي حفرت جراحها في أعماقها ولم تكن تعلم أهو حب أم مجرد ضعف أما هو فكان يظن أن لحظتهما تلك ستبقيها معه للأبد فهمس لها وهو يمسح دموعها:
أنا مش هسيبك تاني... وعد
لكن وسط هذا الهدوء الغريب تسلل شعور ثقيل إلى صدره كأن شيئا ما ينذر بالخطر و تجهمت ملامحه فجأة وأدار رأسه نحو الباب... ورائحة حارقة تسللت إلى أنفه  منبعثة  من الغرفة نفسها فـ تراجع بخطوة ثم قال بقلق:
فيه ريحة دخان جامده 
اقترب اسد  من الباب ببطء وعيناه تتابعان ذلك الخط الرفيع من الدخان الذي بدأ ينساب من تحته و لحظة واحدة فقط، كانت كافية لتتحول السكينة إلى فزع ففتح الباب بعنف، وفجأة...اندلع اللهب فتراجع على الفور وقلبه يرتجف والشرر يتطاير أمام عينيه والغرفة بدأت تشتعل والجدران تلتهمها ألسنة النار والدخان الكثيف بدأ يخنق الهواء فصرخ وهو يركض نحوها:
سحابة النار جومي معايا بسرعة وفجأه 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
كان الدخان لا يزال يتصاعد من خلفه وآثار الحريق تلتهم جدران الغرفة التي كانت منذ لحظات تغزل خيوط التصالح بين قلبين متكسرين حتي خرج أسد مسرعا يحمل سحابة بين ذراعيه و ملابسه ممزقة ويده تنزف من شدة الجرح ووجهه محمر من لسعات اللهب ووضعها برفق على الأرض وسط العائلة التي تجمعت من حوله ووجوههم مذعورة وفيما جلس بجانبها يربت على وجهها بلهفة وصوته يرتجف مرددا: 
سحابة... فوجي يا حبيبتي بالله عليكي... فوجي.... سحابه فتحي عيونك 
كانت سحابه عيناها مغمضتين وملامحها شاحبة وكأن الحياة تسللت منها بهدوء وراح يناديها بجنون وكل ثانية تمر كانت كأنها الدهر ثم فجأة...ارتعشت أجفانها وفتحت عينيها ببطء تائهة النظرات تلتقط أنفاسها بصعوبة ورددت: 
أسد... اسد انت كويس 
تهللت ملامحه وانحنى فوقها يحتضنها بقوة كأنها عادت إليه من الموت ودموعه تساقطت على شعرها وهو يهمس بصوت مختنق:
الحمد لله... أنتي كويسه انا كنت هموت لو حوصلك حاجه والله
اقترب فهد منه وقد لاحظ النزيف في يده ووجهه المتوهج بحرارة الدخان فقال بقلق شديد:
اسد... إيدك مجروحة جامد... ووشك كله أحمر شكلك تعبان جوي، لازم تروح المستشفى حالا 
رفعت سحابة رأسها بصعوبة ومدت يدها تمسك بيده الأخرى  ونظرت إليه بقلق واضح:
اه فعلا... إنت تعبان... روح المستشفى بالله عليك أنا كويسة  والله أهو مفيش حاجه والله العظيم.. انا كويسه 
وقبل أن تكمل كلماتها ترنح جسد أسد فجأة وانطفأت ملامح وجهه وانهار أمامهم ليسقط على الأرض دون وعي فصرخت العائله واقترب فهد مرددا بفزع؛  
أسد... أسد.. جووم.. هاتوا الحكيم بسرعه يلا 
تسارعت الخطوات وتعالت الأصوات وارتبكت الوجوه فيما تجمعت حوله الأيدي المرتجفة تحاول إفاقته عبثا والخوف يضرب في الأعماق بلا رحمة...وفي صباح اليوم التالي كانت سحابة تجلس بجانب السرير تتأمل ملامح أسد المنهكة وقد غلبه النوم تحت تأثير الأدوية والمهدئات ويدها لم تفارقه  وعيناها تتابعان تنفسه المنتظم كأنها تتأكد في كل لحظة من أنه ما زال حيا وما زال معها.... كان الهدوء يلف الغرفة حتى انفتح الباب فجأة ودخلت جهاد بخطى غاضبة ونظرة مشتعلة في عينيها و وقفت أمام سحابة بحده: 
جومي من اهنيه وامشي... كل ال حوصل دا سببه انتي لو مكنتيش في حياته مكنش تعب ولا حوصله اكده نهائي 
رفعت سحابة رأسها ببطء ونظرت إليها بثبات لا يخلو من المرارة ثم ردت بنبرة هادئة :
على فكره دا جوزي زي ما هو جوزك... ويمكن أنا أولى بيه كمان... فـ بلاش تخترعيلي حوارات بجا علشان انا مش ناجصاكي ولا فاضيه للكلام الفارغ بتاعك دا.. 
قطبت جهاد جبينها واقتربت منها أكثر وارتجف صوتها وهي ترد بانفعال:
لا والله بجد.....اسد  من يوم ما رجع الصعيد وهو مشافش يوم راحة بسببك... قلبتي حياته نار وهم ومشاكل... إنتي مجبتيش ليه  غير التعب والهم والحزم... إمشي من اهنيه وسيبيه يرتاح
نهضت سحابة من مكانها بهدوء وعدلت من غطاء السرير حول أسد ثم التفتت إلى جهاد ورفعت رأسها بكبرياء وقالت:
انا نازله أعمله واكل... وهطلع تاني لأن محدش من حقه يبعدني عن جوزي... ولا يمنعني أكون جمبه ولو ملتزمتيش حدودك... ساعتها هتعامل معاكي بطريجه مش هتعجبك خالص.. علشان انا مش ناويه اسكت لحد بعد اكده 
انهت سحابه كلماتها ومرت بجانبها بخطوات ثابتة وفتحت باب الغرفة وخرجت دون أن تلتفت فيما وقفت جهاد مكانها مشتعلة بالحقد والغيرة وأعينها تتبعها حتى غابت عن ناظريها وفجأه فتح اسد عينيه بتعب فتقدمت جهاد بخطواتها المرتجفة نحو السرير وعيناها تفيض بالقلق واللهفة وجلست بجانبه ثم مدت يديها ببطء تلمس وجهه المحترق بلسعات الدخان ورددت بارتباك: 
كنت خايفه عليك جوي يا أسد... جلبي كان هيوجف وأنا شايفاك اكده جدامي... انت ماعرفش انا حوصل فيا اي والله.. بس الحمد لله انها جات علي اكده 
لم يرد اسد  بل نظر إليها نظرة ثابتة وسألها بنبرة مباشرة:
سحابة... هي كويسه... هي فين وعامله اي 
تجمدت ابتسامتها للحظة ثم رددت بنبرة يغلبها الضيق:
هي كويسه... متخافش عليها اكده المهم إنت... إنت ال كنت بين الحياة والموت... أنا ال كنت جمبك طول الليل علي فكره  محدش غيري فضل جمبك 
ثم اندفعت فجأة تحيطه بذراعيها وتحتضنه بلهفة وكأنها تريد استرجاعه منها... لكن أسد ابتعد عنها بعنف ونظر إليها نظرة صارمة مردفا: 
انتي ال عملتي الحريقه دي صوح ..انتي ال عملتي اكده يا جهاد 
اتسعت عيناها وانسحب جسدها للوراء وهي تهز رأسها بنفي مرتبك:
لع.. لع طبعا... إنت بتجول إي.... إزاي تفكر اكده.. انا مستحيل اعمل حاجه زي دي 
لكن أسد لم يقتنع ونهض من على الفراش رغم ألمه وأمسك يديها بعصبية وضغط عليها بقوة وكأنه يحاول إخراج الحقيقة من صمتها مرددا: 
انا أكتر واحد عارفك... وعارف الشر ال مالي جلبك... وانتي بس ال تجدري تعملي حاجه زي دي... الحقد ال فيكي عامي عيونك
جهاد بتوتر:  
مجدرتش أشوفك وانت بتلمسها... مجدرتش أستحمل... أنا مرتك يا أسد... ازاي تلمس واحده غيري؟! ازاي تنام جمبها... انا مجدرتش اشوفك معاها.. انت عارف كويس جوي انا بحبك ازاي 
وفجأة... صفعها أسد بقوة على وجهها.. صفعة دوت في الغرفة وأوقفت الزمن للحظة ثم صاح بوجهها بنبرة غضب لم تعهدها منه من قبل وصرخ: 
انتي كنتي هتموتيني... فاهمه.... بسبب غيرتك العميا.. بسبب الهوس ال مالي جلبك.... أنا كنت هموت... وهي كانت هتموت.. سحابه مرتي.. ولو كان حوصلها حاجه جسما بالله العظيم كنت جتلتك وما كنت رحمتك دجيجه واحده 
تنفست جهاد بصعوبة ووضعت يدها على خدها المحمر وانهارت دموعها بلا توقف لكن أسد لم يرف له جفن وتابع بصرامة:
اسمعيني كويس... لو غلطتي تاني غلطة زي دي.. هطلجك من غير ما أفكر... ولازم تتقبلي إن سحابة مرتي... ومش هسيبها ومش هتخلصي منها... فاهمه علشان انا هحميها... فـ اوعي تتعدي حدودك بعد اكده يا جهاد 
ثم أشار نحو الباب وأمرها بحدة:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
اطلعي برا الأوضه دلوجتي... ومترجعيش غير لما تبجي عارفه حدودك.. يلا 
خرجت جهاد من الغرفة منهارة تجر أقدامها وهي تمسح دموعها، بينما وقف أسد يتنفس بحدة متكئا على حافة السرير وعيناه معلقتان بباب الغرفة... منتظرا عودة من يستحق قلبه حقا وفي المساء عند ريم كانت تجلس في بيتها بضيق تنظر الي جهاز اللاب توب الخاص بها حتي اقترب منها احظي الحراي مرددا: 
يا هانم.. فيه واحد بره عايز يشوف حضرتك
لم تمضي سوى لحظات قليلة  ليطل  أسد وفهد وملامحهما مشدودة ونظراتهما حادة، وكأنهما جاءا يحسمان معركة معلقة منذ زمن فـ رفعت ريم نظرها بذهول وتراجعت خطوة إلى الوراء وهي تهمس بدهشة:
غريبة... أنا دايما ال باجي من غير ميعاد... إي ال غير القاعدة النهارده
اقترب منها أسد بخطوات ثابتة وردد بنبرة باردة:
حبيت أفاجئك المرادي... يمكن أسبقك بخطوة... وكمان علشان نتكلم وننهي بجا كل ال بيوحصل دا 
رفعت حاجبها بتحدي وقالت وهي تعقد ذراعيها:
طيب يا ترى المفاجأة دي هدفها إي؟ عايز مني إي تاني 
رمقها أسد بنظرة طويلة قبل أن يرد بحدة:
أنا ال جاي أسألك... إنتي عايزة إي بالضبط  يا ريم
سادت لحظة صمت ثقيل ثم رفعت ريم عينيها إليه وقالت بصوت واضح يشوبه نغمة من الألم:
أنا عايزة بتار جوزي... ال مات يوم فرحي... ومات جدامي من غير ما أعرف ليه ل
اقترب منها أسد خطوة أخرى ونظر في عينيها مباشرة وقال بجمود:
انا جدامك أهو... خديه مني لو ده هيريحك
هزت ريم رأسها نافية  وابتسامة باهتة ترتسم على شفتيها:
لع.. مش اكده... أنا عايزاه بطريقه تانيه
تدخل فهد وهو يرمقها بارتياب:
طريجه إي دي ال إنتي عايزاها
نظرت إليه ثم أعادت عينيها نحو أسد وابتسمت تلك الابتسامة التي يعرفها جيدا... الابتسامة التي تسبق العاصفة مردده:
جواز
تجمدت ملامح أسد لوهلة بينما ظل فهد يحدق فيها كأنها تفوهت بكارثة، لكنها واصلت بثبات:
أسد اتجوزني... وبعدها بفترة بسيطة طلجني وسافر... وسابني .. دلوجتي أنا عايزة الجواز ده يتم تاني... بس المرة دي بطريجه مختلفه 
انعقد حاجبا أسد واقترب خطوة عينيه تضيقان ببطء وكأنهما تبحثان عن المعنى خلف كلماتها وقال بنبرة ثقيلة:
مختلفه ازاي..... انتي جصدك اي يعني 
تعلقت عيناه بعينيها لكن ريم لم ترد فقط ظلت تبتسم وفي مساء يوم جديد ساد الهدوء أرجاء البيت واختلط صوت المعالق بصوت النفس المكتوم على مائدة العشاء و جلس أسد في مكانه المعتاد إلا أن ملامحه كانت تنبض بضيق مكتوم وعيناه شاردتان في صمت ثقيل فـ راقبته والدته بعين أم لا تخطئ تغير ملامح ابنها ثم اقتربت منه قليلا وقالت:
مالك يا يا أسد؟ وشك مش مريحني خالص اكده ليه عاد 
رفع اسد عينيه إليها وأجاب بصوت خافت:
مفيش يا حجه .. كله تمام الحمد لله 
وقبل أن يكتمل حوار الأم وابنها ارتفعت نبرة جهاد من الجهة المقابلة بابتسامة تحمل فرحا مصطنعا وقالت وهي تنهض من مكانها:
أنا عندي خبر حلو... حلو جوي كمان
التفت الجميع نحوها بدهشة وصمت ثقيل خيم على المكان حتى تقدمت بخطى واثقة نحو أسد ثم وضعت ذراعيها حول عنقه وهمست وهي تنظر للكل:
أنا حامل 
اتسعت العيون وانسحبت الألوان من الوجوه وتوقفت اللحظة عن الدوران حتي سقطت الملعقة من يد سحابة وارتطم صوتها على الطبق كأنه كسر الصمت في قلب المكان وهمت سحابة بالوقوف لكن يد أسد امتدت تلقائيا تمسك يدها وكأنه يحاول منع قلبها من السقوط قبل جسدها وفي تلك اللحظة رفعت جهاد حاجبيها وقالت بنبرة استغراب:
هو مفيش حد هيباركلي ولا إي هاد.. كانكم مش مبسوطين 
ثم عادت لتحضن أسد مرة أخرى محاولة تثبيت مشهدها أمام سحابة التي كانت تمسح دموعها خلسة بأنامل مرتجفة وفجأة...
دوى صوت الباب وهو يفتح بعنف والتفتت الرؤوس في آن واحد لترى ريم تدخل بخطوات قوية ونظرات تتوهج بتحدي غير مألوف فـ نهضت ملك من مكانها ورددت بحده:  
إنتي اي ال جابك اهنيه 
ابتسمت ريم بتعجرف ثم وجهت أنظارها نحو أسد وفهد وقالت بنبرة تحمل لغزا غامضا:
جايه بيت جوزي... ولا إي يا حبيبي..انا عارفه اني اتاخرت بس كنت بحضر حاجتي كلها 
انطلقت الصدمة في عيون الجميع كشرارة وتعلقت الأنظار ما بين أسد وفهد ولم ينطق احدهم بكلمه حتي اقتربت ريم وفجأه و 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
تقدمت ريم من فهد بخطوات واثقة ونظراتها تتحدى عيون الجالسين حتي  وقفت بجواره فهد ثم مدت يدها وأمسكت بيده أمام الجميع  فـ تجمدت الحركة على المائدة وساد صمت ثقيل قبل أن يرتفع صوت ملك فجأة وهي تنهض من مكانها بحدة:
هو إي ده؟! إنتي ماسكة إيده اكده ليه عاد... هو في اي بالظبط.. ما حد يتكلم ويجول اي حاجه 
نظرت ريم إليها بابتسامة باردة وقالت بثقة:
لو ممسكتش ايد جوزي.  همسك مين عاد 
نظر الجميع اليها بصدمه بالتحديد ملك التي تجمدت مكانها حتي 
تدخّلت زينب ورددت بصوت مختنق وهي تضع يدها على صدرها:
ليه يا فهد... ليه اكده يا ابني سايب بنات الدنيا كلها وجاي تتجوز دي... ىيم ال كانت السبب في كل المصايب ال حوصلتلنا في حياتنا.. ليه بس اكده يا ابني 
كانت زينب تتحدث بحسره لكن فهد لم يتفوه باي حرف حتر تدخل أسد بصوت حاد مرددا: 
وريها الأوضة يا فهد... ومش عايز أسمع ولا كلمة في الموضوع ده... كفايه اكده بجا.. محدش فاهم اي حاجه 
تحرك فهد بصمت وريم تسير بجواره دون أن تلتفت لأحد في حين كان الجميع يتابعهم بعيون متوترة مشدوهة وفجأة أطلقت ملك شهقة بكاء وركضت نحو غرفتها زدموعها تنساب بغزارة وهي تغلق الباب خلفها بقوة ليبقى صداها يرتج في أرجاء المنزل وفيما خيم التوتر من جديد اقتربت جهاد من أسد وأمسكت يده وابتسمت بنبرة تمزج بين الخبث والانتصار وهتفت: 
بصراحة يوم حلو جوي ... خبرين يفرحوا.... جواز فهد وحملي.. احنا لازم نعمل حفله بجا 
لكن أسد سحب يده منها بهدوء دون أن يعطي اي رده فعل وعيناه علي سحابه  التي وقفت  مكانها دون أن تتكلم ونظرت للحاضرين نظرة صامتة ثم استدارت وصعدت إلى غرفتها بخطوات ثقيلة وكأن الألم يسحبها بعيدا عن كل ما يحدث فأقتربت جهاد من اسد مره اخري ورددت بضيق: 
في اي يا اسد.. انا حاسه انك مش مبسوط بحملي... هو في اي عاد... المفروض تبجي اسعد واحد في الدنيا دلوجتي. ولا علشان عندك ولد تاني 
تنهد اسد بضيق وهتف: 
لع.. انا مبسوط.. ومبسوط جوي كمان انتي ال مش واخده بالك ومش عارفه تختاري الوجت المناسب ال تجولي فيه الخبر 
نظرت جهاد الي اسد بضيق ورددت بحده: 
اسد.. هو في اي بالظبط.. مش ملاحظ ان جلبك بجا جاسي معايا جوي.. انا عارفه اني بغلط كتير جوي بس دا مش مبرر للمعامله دي ولا انت جليك حن لست الحسن والجمال 
اقترب اسد منها وقال بصوت متهدج يسيطر عليه الغضب المكبوت مرددا:  
لع يا جهاد... جلبي محنش.... بس أنا كنت فاكر إنك اتغيرتي  وصدجتك لما جولتي إنك ندمانة وعاوزه تفتحي صفحه جديدة
انا حذرتك قبل ما ننزل مصر... طولتلك متعمليش اي غلط  ومتدخليش في اي حاجه متخصكيش ... بس إنتي مسمعتنيش وكنا هنكوت كلنا بسببك 
اتسعت عينا جهاد وجاءت لتتحدث ولكن أسد لم يمهلها الرد بل أكمل بثبات:
انا وجفت جصاد الكل علشانك... وخسرت كل حاجه ودمرت بيتي .. وفي الآخر؟ ولا كأنك شايفه ولا هامك غير نفسك وبرودك وغرورك وبس لو ماغيرتيش... وفضلتي على النظام ده ودماغك دي جسما بالله العظيم ما هتفضلي على ذمتي يوم تاني وهطلجك، وساعتها مش هينفع ندم.
ثم أشار بيده إشارة حاسمة وهو يضيف:
وسحابة؟ سحابة مرتي... وأم ابني وزيك زيها بالظبط... يعني لما تتكلمي عنها تتكلمي كويس وباحترام... علشان أنا مش هسمح لحد يهينها حتى لو كنتي إنتي
استدار أسد دون أن يضيف كلمة ومشى مبتعدا بخطوات هادئة وغاب صوته، لكن كلماته ظلت ترن في أذنها كصفعة لا تنسي 
وفي هدوء الليل كانت ملك تجلس على حافة سريرها والغرفة تكتسي بسكون ثقيل لا يقطعه سوى صوت بكائها المكتوم و كانت عيناها متورمتين من كثرة الدموع ويديها تتشابكان في حضنها كأنها تحاول احتضان الألم بداخلهما دون أن تطرق الباب و دخلت سحابة بخطوات خفيفة ورغم الحزن في ملامحها إلا أن عينيها كانتا تحملان دفئا مختلفا واقتربت منها وجلست بجوارها ثم مدت يديها تمسح دموعها برفق وقالت بصوت هادئ:
هتفضلي على النظام ده لحد امتى يا ملك؟ البكا مش هيرجع حاجه... ولا هيغير الواقع.. هو خلاص اتجوز 
نظرت ملك إليها بعينين باكيتين وهمست بصوت مختنق:
أنا لسه بحبه يا سحابه... بحبه جوي ومش جادرة أستوعب إنه خلاص... خلاص اتجوز وإنه بجا لحد تاني وريم كمان... ريم... فهد اتجوز ريم 
تنهدت سحابة بحزن ووضعت يدها على يد ملك وقالت:
عارفه إنك موجوعه... ووجعك كبير بس نقيش في ايدك اي حاجه علشان تعمليها... هتفضلي اكده تعيطي وتتعبي اطتر وبرده كل حاجه هتفضل زي ما هي.. انا متاكده ان فيه سبب خصوصا ان اسد ساكت.. انا والله حاسه ان فيه حاجه كبيره جوي او خطه منهم مثلا 
رفعت ملك نظرها نحوها والدموع لا تزال تلمع في عينيها ورددت:
انا مليش صالح بكل دا أنا حلمت بيه سنين..فهد دا حب عمري.. دا الشخص الوحيد ال حبيته في حياتي كلها يا سحابه انا محبيتش حد زيه 
أجابتها سحابة بهدوء حزين وهتفت:  
والله ما عارفه اجولك اي... بس كل ال اجدر اجوله ان  ان شاء الله كل دا هيعدي.. بطلي عياط بجا بالله عليكي و 
وفي تلك اللحظة فتح باب الغرفة برفق ودخل فارس الطفل الصغير بخطواته البريئة وفي يده وردتان صغيرتان واحدة حمراء وأخرى بيضاء و اقترب منهما بابتسامة عذبة ومد يده ليعطي ملك وردة ثم سحابة الأخرى، وهو يقول بصوته الطفولي الجميل:
علشان انتوا زعلانين... أنا جيبتلكم ورد... مينفعش تزعلوا وانتوا حلوين اكده 
لم تتمالك ملك نفسها فضحكت وهي تمسح دموعها بينما سحابة ضمت فارس إلى صدرها وقالت:
ربنا يخليك لينا يا حبيبي... دايما بتعرف تطيب الخاطر اكده... والله انت عوضي في الدنيا دي كلها 
احتضنهما فارس معا وظلوا هكذا للحظات كأن براءته كانت البلسم الوحيد في ذلك الليل المثقل بالوجع
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
وبعد فتره قصيره كان فهد يقف أمام نافذة غرفته يدخن سيجارته بنظرات شاردة  عاري الصدر والغرفة تغمرها ظلال خافتة من ضوء القمر المتسلل... لم يكن يسمع سوى صوت أنفاسه وصدى أفكاره المتشابكة التي لا تهدأ وبينما هو غارق في شروده شعر بحركة خلفه فالتفت بسرعة ليفاجأ بريم تقترب منه بخطوات هادئة ترتدي قميص نوم حريري ينساب على جسدها في إغراء متعمد فـ انفزع فهد وارتبك للحظة ثم التقط قميصه الملقى على الكرسي وارتداه على عجل قبل أن يهتف بغضب:
اي  ال انتي لابساه دا.... هو في إي بالظبط
اقتربت ريم أكثر بعينين ثابتتين ونبرة هادئة وهتفت :
مش احنا متجوزين... هو في حد غريب اهنيه علشان ال بتعمله دا... انت ال في اي عاد 
أجابها بحدة وهو يشيح بوجهه بعيدا:
متجوزين؟! دا جواز على ورج وبس يا ريم... مفيش بينا حاجه من دي فاهمه
ابتسمت ريم بسخرية باهتة ورددت بهدوء:
على ورج بالنسبالك... بس بالنسبالي جواز كامل... وأنا مش طالبة منك حاجه بس لما أخلف... همشي ونتطلج... ولا كأن فيه حاجه حوصلت 
نظر إليها فهد  بذهول واتسعت عيناه بصدمة وهو يهتف:
انتي مجنونة صوح ... والله العظيم مجنونة.... أنتي مش طبيعية خالص... وأنا  مستحيل ألمسك ولا أفكر ألمسك اصلا.. أنا بحب ملك... ومش هجدر أخونها حتى لو بكلمة
القي فهد كلماته بنفور ظاهر واتجه نحو الباب وخرج بسرعة مغلقا إياه خلفه بقوة أما ريم، فوقفت في منتصف الغرفة و عيناها تتبعان الباب المغلق قبل أن ترتسم على شفتيها ابتسامة باردة وهمست لنفسها بنبرة خافتة مملوءة بالإصرار:
أنا مش هخرج من اهنيه... غير لما آخد المقابل ال يرضيني على كل ال خسرته.. ودي الحاجه الوحيده ال هترضيني وتخليني اوجف انتجامي 
ثم التفتت نحو السرير وجلست وعيناها تتلألأ بشيء خفي بين الحزن والإصرار وفي صباح يوم جديد كانت أشعة الشمس تتسلل بخجل من نافذة الغرفة تنير أركانها بضياء خافت وهادئ... وفي وسط هذا السكون دلف أسد إلى غرفته بخطواته الثقيلة يبحث عنها بعينيه ليجد سحابة تقف أمام الخزانة تهم بالخروج فـ اقترب منها بخطوتين سريعتين ثم أمسك بيدها برفق ولكن بحزم وصوته خرج متوترا يحمل بين نبراته رجاء وغضبا مكبوتا وهتف:  
 استني... الوضع دا مبجاش ينفع... ولازم نحدد موقفنا بجا يا سحابة... لازم دلوجتي حالا مش هنفضل نلف حوالين بعض كتير اكده 
نظرت إليه سحابه  بهدوء يخفي خلفه نارا مشتعلة من الألم وسحبت يدها ببطء ثم قالت بنبرة ثابتة:
فعلا... لازم نحدد.... أنا شوفت شغل وهيتدي الأسبوع الجاي... ونويت أدور  على شجه كمان  وبعدها هاخد فارس وامشي
نظر اسد اليها بصدمه كأن صاعقة ضربت قلبه وارتبك للحظة قبل أن ينفجر بصوته العالي:
 إي؟! تمشي إزاي يعني؟ تاخدي ابني وتمشي؟ هو مش ابنك لوحدك... دا ابني أنا كمان يا سحابة... ابني.. انتي ناسيه ولا اي عاد 
نظرت إليه سحابه والدموع في عينيها تحاول أن تحبسها ورددت بصوت مرير:
أنا مش بجول هحرمه منك... بس أنا مش هينفع أكمل في الوضع دا أكتر من اكده... أنا اتكسرت كتير جوي يا أسد وكله بسببك
اقترب منها أكثر وصوته بدأ يخفت ويمتلئ بالصدق:
انا عايزك... وبحبك... والله ما جلبي ارتاح إلا ليكي... ولا عرفت أعيش بجد غير وانتي في حياتي
هزت سحابع رأسها بعدم تصديق وهمست:
مش مصدجاك... مش بعد كل ال حوصل دا... الكلام مبجاش يكفي يا أسد.. انا مبجيتش واثقه فيك و
وفجأة مد يده إلى درج صغير في المكتب وأخرج ملفا ووضعه بين يديها فـ فتحته ببطء لتتفاجأ بعقود موثقة رسمية وجزء كبير من أملاكه كتب باسمها فـ رفعت عينيها إليه بصدمه وهمست:
اي دا؟! 
رد اسد عليها بثبات:
ـدا حقك... حقك عن كل سنة عيشتيها لوحدك وعن كل مرة كنتي بتبكي وأنا مش جمبك. عن كل كلمه وجعتك مني... دا أقل حاجه ممكن أعملها علشانك
نظرت إليه سحابه بعينين دامعتين وأغلقت الملف بهدوء ثم قالت:
حقي..... أنا عمري ما كنت عايزة حقي يبجى فلوس يا أسد... أنا كان نفسي تبجي جمبي وأنا بولد ووانا بتعب ووأنا بحاول أربي ابنك لوحدي... ابني بالنسبالي أغلى من أي حاجة......و أنا فعلاً بحبك... وبموت فيك كمان... ومش عارفة أعيش من غيرك بس... كرامتي مش هتنازل عنها تاني... أنا مش واثقة فيك... والثقة أهم من الحب
القت سحابه ثم التقطت حقيبتها الصغيرة، وخرجت من الغرفة دون أن تنظر خلفها تاركة أسد واقفا في مكانه قلبه ينهار بصمت 
وفجاه اخترق شروده صوت صراخ مفاجئ... عالي ومخيف كأنما مزق ستار الطمأنينة التي خيمت على البيت و انتفض من مجلسه واندفع يعدو عبر الممراتو قلبه يخفق بجنون والخوف يتسلل إلى صدره مع كل خطوة يخطوها نحو مصدر الصوت ودفع الباب بقوة فارتطم بالجدار ووقف عند العتبة للحظة... وعيناه اتسعتا من الذهول... كان ابنه ممددا على السرير بلا حراك ووجهه شاحب كشمع ذائب وفمه مفتوح قليلا ينزلق منه سائل أبيض كثيف فـ اقترب منه بخطى مرتجفة ثم هتف:
مالك يا حبيبي؟! فارس  رد عليا يا ابني.. فارس 
مد اسد  يده يحركه ولكن الجسد ظل ساكنا باردا بشكل مريب ويده بدأت ترتجف بينما عينيه ظلت معلقة بذلك السائل الغريب ووقف للحظة مشلول التفكير وكل ما حوله أصبح صامتا كالقبر وفجأه و 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
ساد الصمت الرهيب أرجاء المستشفى ولم يكن يسمع سوى صوت أنفاس متقطعة وأنين مكتوم يتسرب من الحناجر المرتجفة في ركن الممر وكانت سحابة واقفة كأنما انتزعت منها الحياة.. تضع يديها على صدرها في محاولة يائسة لتهدئة نبضات قلبها المتسارعة بينما عيناها لا تفارقان باب غرفة الطوارئ المغلق وأسد كان يسير ذهابا وايابا بعصبية ظاهرة يضع يده على رأسه تارة ويشد شعره تارة أخرى ويتلفت بقلق، وكأن الانتظار يفتك به وعلى المقاعد جلسوا الجميع بقلق وخوف وفجأة، انفتح باب الغرفة بخفة وخرج الطبيب بخطوات بطيئة ووجهه شاحب ونظراته حزينة فـ تقدم أسد نحوه بسرعة ووقف أمامه وصوته خرج متهدجا مملوءا برجاء :
 ابني كويس يا حكيم ؟! طمني بالله عليك... جول انه كويس 
تنهد الطبيب بحرقة ثم قال بصوت خفيض وكأنه يعتذر: 
 ربنا يرحمه يا  أسد... الطلب وجف... وكل المحاولات منجحتش للاسف 
سقطت الكلمات على الجميع كالصاعقة فتجمدت الأنفاس وخيم الصمت الثقيل فنظرت سحابة لم تصدق ما سمعته وصرخت بصوت مجروح:
 لاااااا... كدب... ابني لسه حي... نايم بس... نايم انا عارفه ابني عايش... فارس عايش 
ركضت سحابه نحو الغرفة ودفعت الباب بعنف وانطلقت إلى السرير حيث يرقد فارس ممددا بلا حراك  ووجهه الأبيض كالقمر وشفتاه منفرجتان قليلا وسكونه يرعب القلب فكشفت الغطاء عن وجهه بيدين مرتجفتين ثم ارتمت عليه تحتضنه وتهمس له:
جوم يا فارس... جوم يا حبيبي ماما اهنبه... مش جولتلي هتجبلي ورد كل يوم... قوم جولي ماما بس... مره واحدة بس يا فارس... جوم بالله عليك... ابوس يدك.. ابوس يدك يا ابني 
كانت سحابه تهزه برفق وكأنها تحاول أن تعيد الروح إلى جسده  بينما دموعها تنهمر على خديه الصغيرين وقلبها يتمزق من الداخل  فـ دخل أسد خلفها واقترب منها ببطء وجلس بجوار السرير ووضع يده على رأس فارس وهمس بانكسار لم يعرفه من قبل مرددا :
 سامحني يا ابني... سامحني أنا السبب... أنا السبب في كل حاجه...سامحني بالله عليك 
أخذت سحابة تبكي بحرقة وعيناها لا تفارق وجه ابنها وهي تقول:
 فارس... متسبنيش اكده... أنا مش هعرف أعيش من غيرك... كنت عايشة علشانك... أنت ال كنت مخليني جادرة أكمل...ابوس يدك يا ابني جووم بالله عليك.. جوم يا فارس يلا 
انهارت سحابه على صدره... تحتضنه وكأنها ترفض أن تودعه وفي الخلف كان الباقون يبكون بحرقه علي هذا الصغير الذي فقد حياته بدون ذنب وفي صباح يوم جديد عاد الجميع من المقابر يجرون أقدامهم جرا كأن الحزن ألقى بثقله على أرواحهم
والعيون مطأطئة والوجوه غارقة في شحوب لا تخطئه عين اما سحابة فـ كانت تسير كأنها لا تشعر بما حولها نظراتها زائغة وخطاها ثقيلة وكأنما تركت قلبها مدفونا بجوار ابنها فـ دخلت البيت بصمت دون أن تلتفت لأحد وصعدت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها لا صوت... ولا بكاء... فقط وجع صامت يصرخ في أعماقها فوقفت زينب تنظر خلفها بعينين دامعتين ثم التفتت إلى أسد وهمست بانكسار:
اطلع ورا مرتك يا أسد... هي محتجالك دلوجتي أكتر من أي وجت تاني.
هز اسد رأسه بصمت وتنهد تنهيدة ثقيلة قبل أن يصعد خلف سحابة بخطوات بطيئة وفي تلك الأثناء كان فهد يستعد لمغادرة البيت متجها نحو الباب لكن ملك وقفت في طريقه فجأة وعيناها محمرتان وصوتها خرج مرتجفا وهتفت :
 فهد... استنى أنا عايزة أتكلم معاك شويه 
وقبل أن يرد فهد اقتربت ريم بخطوات سريعة وقالت بنبرة مليئة بالحدة:
 عايزة تتكلمي مع جوزي بخصوص إي يا أختي بجا ان شاء الله ؟
رمقتها ملك بنظرة ثابتة وقالت بجرأة:
جوزك دا يبجى ابن عمي... ومن حقي أتكلم معاه وجت ما أحب.
ردت ريم وهي تعقد ذراعيها بحده :
 لا مش من حقك... فهد مش هيتكلم مع  حد.. هو هيطلع معايا انا دلوجتي 
وفجأة ارتفع صوت فهد بغضب مكبوت وهو يصرخ:
ولا  طالع ولا هتكلم.... أنا خارج... مش فاضيلكم.. هي الحكايه ناجصاكم انتوا كمان 
استدار  فهد مغادرا بخطوات سريعة لكن ملك لحقت به و أمسكت بيده بقوة وقالت بصوت مجروح:
فهد... استنى بالله عليك... إحنا لازم نتكلم... ليه عملت فيا اكده؟!
سحب فهد يده منها بقسوة ونظر إليها بسخرية مرددا:
بجد؟ انتي ال جاية تسأليني دلوطتي وزعلانة كمان؟
أنا اتحايلت عليكي قد إي لما رجعت من السفر... انا عملت المستحيل علشان اعرف اكلمك بس وانتي ولا ماثر فيكي حاجه هو أنا عملت إي أصلا يستاهل كل ال انتي عملتيه دا ولا انتي عايزة تقلدي سحابة وخلاص
أشاحت ملك بنظرها ودموعها تنهمر لكنه لم يتوقف وابع وهو يتحدث بحنق:
احنا مكناش لاجيين ناكل... وانتي عارفة إني كنت مسافر عشان أجيب فلوي مش العب بس لع طبعا كل دا ولا في دماغك.. مش في دماغك غير نفسم وانانيتك.. لولا اني انا واخوكي يا انسه ملط سافرنا واتمرمطنا بره حضرتكمكنتيش عيشتي في بيت زي دا ولا ركبتي عربيات زي دي ولا الناس احترمتك اكده ولا اخوكي سليم راح يدرس بره مصر احنا مكناش بنلعب هناك بس انتي كالعاده مش شايفه غير نفسك وبس.... ملكيش دعوة بيا تاني... أنا دلوجتي متجوز 
رددت ملك بصوت باكي :
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
يعني خلاص اكده مبجيتش تحبني مش عايزني 
ابتسم فهد بسخرية وقال وهو يهز رأسه:
 ياريتني ما كنت حبيتك... ال حوصل دا كله سببه حبك ولو كنتي اتعاملتي معايا كويس... مكنش ده حوصل.. اتفرجي مبسوطه اكده بكل ال احنا فيه... دلوجتي أنا مجبور أعيش مع واحدة من أكبر أعدائي... بس على الأقل عارفة تتصرف.. عدوتي دي بتعمل واجبتها معايا اكتر من البنت ال فضلت احبها اكتر من 15 سنه...ملك  ابعدي عني ... كل حاجة بينا انتهت...ومش فاضي لحب ولا عتاب... أنا فاضي لحاجة واحدة بس دلوجتي... إني أعرف مين جتل فارس 
القي فهد كلماته ثم تركها واقفة وحدها والدموع تنهمر من عينيها دون توقف بينما هو مضى في طريقه... لا يلتفت وفي المساء كان الليل ثقيلا كأنما يحمل على كتفيه كل الحزن الذي يعصف بالبيت... وكانت الغرفة غارقة في سكون مخيف لا يكسره سوى أنفاس متقطعة تأتي من سحابة الجالسة فوق سرير صغير يتوسط الغرفة ترتدي ثوبا أسود فضفاضا وعيناها غائرتان من السهر والبكاء ويديها تحتضن شيئا صغيرا كأنها تتشبث بآخر ما تبقى لها من روح ابنها فـ دخل أسد الغرفة بهدوء ينظر إليها بصمت لحظة ثم تقدم منها ببطء وجلس إلى جوارها وقال بصوت خافت مشحون بالحزن:
 لازم ترتاحي يا سحابة... جسمك مش هيتحمل اكده.. انتي منمتيش ولا اكلتي اي حاجه 
هزت سحابه رأسها بلا رد ثم همست بصوت مخنوق:
 ارتاح؟... إزاي وانا مش سامعة صوته؟... مش شايفه ضحكته... ابني يا أسد... ابني كان نور البيت راح...راح في ثانيه واحده اكده من بين ايديا...شوف دي كانت كراسته المفضلة... كان بيرسم فيها كل يوم... دايما يجولي هفرج بابا على الرسومات لما يرجع من السفر بص جواه
فتح أسد الكراسة وقلب صفحاتها بحذر وفي كل صفحة وجد وجها صغيرا يرسم أباه خطوط ساذجة لكنها محملة بالحب... في كل رسمة يبتسم له الطفل بعينين واسعتين وفي الزاوية يرسم أمه تضحك وبيته وألعابه فـ انزلقت دمعة حارقة من عيني أسد وسقطت على ورقة بالكراسة بـ همس:
 كان بيحبني جوي... وأنا... وأنا مكنتش معاه..كنت بعيد عنه 
ردت سحابة وهي تبكي:
 كان بيحبك جوي.. وبيستناك بالساعات... هو كان ابني الوحيد... وسندي... وصاحبي...انا كنت عارفه ان دا هيوحصل... انت ظلمت ناس كتير يا أسد... وأنا كنت حاسه إن العقاب جاي... بس مكنتش متخيله إنه هيبجى في ابني.... انت دخلت بيتي ناس لا شبهنا ولا طبعنا... وانا واثقه... ابني مات مجتول... مش زي ما الدكتور جال... مش أكل حاجه مسممه وخلاص.. لع.. ابني اتجتل 
نظر اليها أسد بعيون دامعة وقال بصوت ممتزج بالغضب:
 أنا هعرف مين عمل اكده... وهجتله... والله هجتله 
صرخت سحابه بصوت مكبوت وهي تنهض واقفة:
 وهستفاد إيه لما تجتله؟! هستفاد إي يا أسد.... ابني هيرجع 
لا يا أسد... مش هيرجع... مهما عملت مش هيرجع... وأنا كمان مش هرجع معاه
اقترب منها بخطوات بطيئة ثم رفع يده ولمس وجهها برفق ومسح دموعها بإبهامه وقال بصوت منهار:
سامحيني... بالله عليكي سامحيني يا سحابة... أنا آسف... أنا دمرت كل حاجه بإيدي... وضيعتك... وضيعته
سقطت دموع اسد فوق يديها المرتعشتين وانفجرت هي في البكاء مرة أخرى ثم ببطء... كأن جسدها فقد القدرة على المقاومة... ارتمت بين ذراعيه واحتضنته بقوة كما لو كانت تبحث عن الدفء في جسده فـ احتضنها بقوة وهو يهمس:
 مش هسيبك تاني... ولا هسكت... هجيبله بتاره والله العظيم 
ساد الصمت سوى من صوت بكاء مختلط بأنفاس مرتجفة... وحضن طويل  ومع أولى خيوط الصباح تسللت أشعة الشمس الخافتة إلى الغرفة وهي تتراقص على الجدران كأنها تبحث عن حياة فقدت وفي منتصف السرير كان أسد مستلقي... ملامحه مرهقة وعينيه نصف مغلقة ويده تمسك رأسه بألم شديد فـ فتح عينيه ببطء يتنفس بثقل يحاول أن يعي أين هو... ثم بدأ يتلفت حوله للحظة ... لكن فجأة وقعت عيناه على دولاب الملابس المفتوح... وفارغ فـ نهض بفزع وكأن قلبه سقط من مكانه مرددا: 
 سحابة...؟!
نادى اسد باسمها وهو ينهض مسرعا يفتح باب الحمام يفتش في أرجاء الغرفة ز ينظر إلى السرير وإلى الأرض... حتي وقعت  عيناه على ظرف أبيض صغير موضوع على الطاولة بجوار السرير  فـ اقترب منه ببطء كأن جسده يرفض أن يعرف ما بالداخل لكن قلبه يعرف... وفتح الظرف وهو يقرأ مرددا 
يا أسد...لو وصلت للورجة دي يبجى أنا خلاص مشيت... سيبت الصعيد وسيبتك  للأبد... أنا مكسورة يا أسد... ومفيش كسر بيرجع يتصلح زي الأول... خسرت ابني... خسرت جلبي... وخسرت كرامتي وكل دا بسبب حبي فيك وبسبب انانيتك وانا مش هخسر نفسي كمان طلجي علشان في كل الحالات أنا مش راجعة الحاجات ال انت كتبتها  باسمي كلها موجودة في البيت... مش هاخد منك حاجة ولا حتى حقي... لأن الوجع ال في جلبي أكبر من أي حاجة تانية... خلاص... قصتنا انتهت يا اسد.... "سحابة." و 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
مرّ شهران على وفاة فارس... شهران لم يعرف فيهما البيت طعم الراحة ولا ذاق أهله طيف السكينة... تحول المكان إلى جدران صامتة تئن في الخفاء وأرواح متعبة تبحث عن ظل حياة وأسد الذي كان يوما رمزا للقوة والصلابة  بات اليوم هيكلًا متهالكا يسير بنصف وعي يأكل الألم من داخله كما تأكل النار الحطب اليابس وفي ليلة باردة سكن فيها كل شيء إلا الرياح دفع باب البيت بقوة ودخل أسد مترنحا تفوح منه رائحة الخمر ز وجهه شاحب وعيناه دامعتان من أثر التعب والسكر.... فـ كانت والدته تجلس في صمت على المقعد الخشبي العتيق في الصالة ورفعت بصرها إليه ورأت ابنها الذي لم تعرفه فـ اقتربت منه بخطى متثاقلة وهمست بألم مكتوم:
 انت اي حكايتك اي يا أسد.... هتفضل اكده لامتي يا ابني.. هتفضل تدمر نفسك لامتي بالنهار مش مركز غير في الشغل وبس وجلبك بجا جاسي مع الموظفين ومع كل الناس وبليل كل ليله ترجع سكران اكده
نظر إليها اسد بنظرة مشوشة وضحك بسخرية مريرة ثم قال بصوت مخنوق:
وعايزاني اعمل اي عاد بجا ان شاء الله... مطلوب مني اي عاد.. ابني مات ومؤتي سابتني وحياتي كلها ادمرت.  المفروض اعمل اي عاد.. افرح وارجص يعني ولا اي 
اقتربت الأم أكثر و وضعت يدها على صدره وقالت بحرقة:
انت دمرت الدنيا يا ابني.. انت السبب في كل ال بيوحصل دا 
تجمد اسد مكانه وشددد أنفاسه بعنف وصاح بعينين دامعتين:
السبب..... أنا السبب علشان روحت اشتغلت بدل ما كنا مش لاجين ناكل.. انا السبب علشان كنت عايز نبجي كويسين ونعرف نعيش زي باجي الناس... هو دا عقابي يا حجه... دا جزائي 
هزت الأم رأسها بأسى والدموع تلمع في عينيها وقد اختنق صوتها من شدّة الألم ثم قالت بنبرة حزينه:
ابنك مكنش محتاج فلوسك يا أسد كان محتاج حضنك…
ومرتك... مطلبتش حاجه... كانت بس عايزة راجل يطمنها ويبجي  حنين  عليها.... إنت كنت بعيد عنهم بجسمك وروحك… والنهارده بتدفع التمن
تجمد أسد في مكانه وعيناه زائغتان كأن الكلمات اخترقت صدره وصمت لوهلة طويلة ثم زفر تنهيدة ثقيلة ورفع نظره نحو السقف قبل أن يتهاوى جسده المنهك على درجات السلم المؤدية إلى غرفته وكأن كل خطوة يصعدها تحمل فوقها ثقل عمر من الندم فـ همس بصوت حزين بالكاد يسمع:
ايوه… أيوه، عندك حق…أنا الغلطان…وأستاهل كل ال حوصل فيا
تابع صعوده إلى غرفته ببطء شديد وكأن جراحه تسحبه إلى الوراء وحين بلغ الباب أغلقه خلفه بصمت ثم استند إلى الحائط وأخذ يهبط إلى الأرض تدريجيا حتى جلس مطأطئ الرأس لا يقوى حتى على البكاء..... دفن وجهه بين كفيه، وكل ما فيه يصرخ دون صوت لقد وصل إلى القاع إلى النقطة التي لا يبقى فيها شيء… سوى الأسى وبعد فتره قصيره في الجهه الاخري دفع فهد باب الغرفة ببطء ودخل  مترنحا يجر قدميه وكأن جسده يرفض أن يحمل قلبه المنهك تفوح منه رائحة الخمر  ونظراته شاردة لا تستقر على شيء فكل شيء من حوله بدا باهتا... لا لون له ولا معنى حتي ألقى بجسده على طرف السرير كمن يسقط من هاوية ووضع رأسه بين يديه وتنهد تنهيدة طويلة تحمل وجعا لم يقال، وانكسارا لم يعالج وفي تلك اللحظة، أسرعت ريم إليه ورددت بلهفه: 
 إنت شارب ليه اكده..انتوا اي ال حوصلكم..اتجننتوا ولا اي عاد ... مالك؟!"
لم يرفع رأسه فقط ضحك ضحكة قصيرة مكسورة مزيج من السخرية والقهر وهتف: 
أيوه... شارب وهفضل أشرب... يمكن أنسى...  يمكن أبطل أفكر فيها..شويه
ارتجف قلبها عند سماع "فيها" لكنها تمالكت نفسها وجلست إلى جواره تمد ذراعها لتسنده لتجعله يرفع رأسه مردفه: 
جوم ارتاح... تعالى نام على السرير... اكده مش هتعرف تتنفس حتى يلا 
ساعدته ريم  على الاتكاء وأزاحت خصلات شعره عن جبينه وعينها تراقبه بصمت.... هو ليس لها ولم يكن يوما لكنها لم تكن تريد منه حبا .. فقط وجودا  ... قربا يشعرها أنها ليست وحدها ولو كذبا فردد : 
أنا بحبها يا ريم... بحبها جوي ... مش عارف أعيش من غيرها... جلبي بيوجعني جوي.. ومش عارف اعمل اي.. انا تعبت 
كانت كلماته كالسكاكين لكنها لم تتراجع.... لم تكن تحبه لكنها كرهت أن تظل في الهامش وان يفكر في امرأه اخري لا تعرف لماذا فـ اقتربت أكثر وسندت رأسه على كتفها لم تفكر و لم تتردد، فقط فعلت وهتفت بحزن: 
انا مش طالبة منك تحبني... ولا حتى تشوفني زيها... بس أنا معاك... وال بتدور عليه هناك ممكن تلاجيه اهنيه .. ولو للحظة
كانت كلماتها حقيقية بقدر ما كانت مخادعة هي لا تحبه لكنها لا تطيق فكرة خسارته لا تطيق أن تظل ظلا لا يرى حتى في خياله كانت تعرف تماما أنه لا يحبها لكنها أرادت أن تكون الأقرب إليه ولو للحظة...أن تسرق شيئا من حضوره حتى لو لم يكن لها بالكامل فـ نظر إليها بعينين غائرتين لا يرى فيها ملامحها بل يرى فراغا يشبه ما بداخله واقترب منها ببطء دون وعي.... دون تفكير...مجرد جسد مرهق يبحث عن مخرج من ألمه عن حضن يسكنه ولو مؤقتا فـ اقتربت هي أيضا بيدين مرتجفتين ووضعت كفها على صدره تشعر بنبض قلبه الذي لا ينبض لها... لكنها مضت في ما بدأت به وبهدوء بدأت تفك أزرار قميصه وكان هو ينظر إليها نظرة غائمة لم يمنعها... بل ساعدها فـ ازاحت  عنه قميصه وما إن انكشف صدره حتى اقترب منها أكثر ورفع يديه ببطء وسحبها إليه وأصابعه بدأت تلامس أطراف كتفها ثم امتدت لتفك عقدة ثوبها وهمس قرب أذنها بكلمات غير مفهومة لكن أنفاسه الساخنة على رقبتها كانت أبلغ من أي كلام واقترب منها أكثر وضمها  إليه وقبلها قبلة طويلة...قبلة صامتة بلا حب بلا شغف حقيقي لكنها كانت مليئة بالهروب وذابت المسافات وتساقطت طبقات القماش واحدة تلو الأخرى حتى لم يبقي بينهما شيء... سوى الصمت.... اتحد الجسدان فوق السرير
وما كان بينهما لم يكن حبا كانت لحظة ضعف.... لحظة انكسار وقرار خاطئ ومع ذلك... لم يتراجع أحد وفي صباح يوم جديد جلست سحابة أمام قبر فارس تضم كفيها في حجرها وعيناها مغروقتان بالدموع لا تكفان عن الانهمار... تنظر إلى شاهدة القبر كأنها تنتظر أن ينطق الطفل الغائب بكلمة... أو أن يعود بلحظة فـ همست بصوت مرتجف:
واحشتني يا فارس... واحشتنب جوي... كل ليله ببصحي وأنام على ريحت.... وأحضن لعبتك كأنك فيها...انا مش عارفة أتنفس من غيرك يا ضنايا... مش عارفة أضحك ولا أعيش...كنت نور عيوني... اكده اهون عليك تسيبني اكده لوحدي 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
مسحت سحابه دموعها بكفها المرتجف ثم مدت يدها تلامس تراب القبر كأنها تحتضن الغياب وفجأة تناهى إلى سمعها صوت خطوات تقترب ببطء..فرفعت رأسها رأته... كان اسد هو الذي يقترب منها  فـ تجمدت في مكانها وقلبها انتفض لكن ملامحها تشنجت، وكأنها تتذكر كل شيء ونهضت في صمت وهمت بالرحيل لكنه مد يده فجأة وأمسك بيدها مرددا:  
استني يا سحابة... بالله عليكي استني... أنا مش جادر أعيش من غيرك... واحشتيني جوي
سحبت سحابه يديها بسرعة وقالت بصوت مختنق:
سيب إيدي يا أسد... انت... انت عامل إي.... أمك جالت إنك اتغيرت... وباين عليك فعلا انك اتغيرت جوي 
خفض أسد رأسه ومرت لحظة صمت قبل أن يجيب بصوت واهن:
أنا  مش جادر أعيش من غيرك ...أنا كل يوم بموت من جوايا... بالله عليكي يا سحابة متسبنيش 
اغرورقت عيناها بالدموع لكنها تماسكت وردت بصوت متهدج:
ولا أنا كنت جادرة أعيش من غيرك...بس خلاص كل حاجة ماتت جوايا...ولو بتحبني بجد... طلجني بالله عليك 
اتسعت عينا أسد وسقط على الأرض أمامها جاثيا على ركبتيه و رفع رأسه نحوها كأنه يتوسل الحياة ذاتها مرددا:  
بلاش تجولي اكده  بالله عليكي...أنا آسف... آسف على كل لحظة بعدت فيها... آسف إني ضيعتك وضيعت ابننا...سامحيني ومتسبنيش.. انا مش عارف اعيش والله العظيم 
اهتزت يداها واقتربت منه ثم وضعت يدها على كتفه وأجبرته أن ينهض وقالت بصوت باكي لكنه حاسم:
أنا مسامحه... من جلبي والله العظيم.. بس مجدرش أعيش معاك تاني...خلي بالك من نفسك يا أسد... وأرجوك متضيعش الباقي من عمرك.. كفايه اكده 
استدارت سحابه وذهبت وقلبها يتمزق لكنه لم يوقفها هذه المرة
ظل واقفا يراقب ظهرها يبتعد وكل ما فيه يتداعى كأنها كانت آخر خيط نجاة...رحلت وبقي وحده مع القبر... والندم وبعد عدت ساعات تحرك فهد على السرير ببطء كان عاري الصدر يتصبب عرقا وعيناه تجولان في الغرفة كأنها أرض غريبة عليه فجلس فجأة وراح يتلفت حوله... ثم تجمد في مكانه حين أدرك الحقيقة المروعة كان وحده على السرير... لكن آثار الليلة الماضية لم تزل حاضرة على الجسد والروح ومرت لحظة صمت قبل أن يفتح باب الحمام وخرجت ريم وهي ترتدي رداء خفيف وتقربت منه بخفة واحتضنته من الخلف ثم طبعت قبلة سريعة على خده وهمست بصوتٍ ناعم:
مكنتش أعرف إنك بتحبني جوي اكده يا فهد
ابتعد فهد عنها بعنف وصاح بوجهها وعيناه تشتعلان صدمة وغضبا :
بحبك إي؟! إنتي عارفة كويس إني مبحبكيش... إزاي دا حوصل بينا اصلا 
ضحكت ريم ضحكة خفيفة ومالت بجسدها نحوه بثقة وهي تهمس:
إنت ال قربت مني... وأنا مرتك... مجدرش أجولك لأ
ثم سارت نحو الباب وخرجت وهي تضحك كأنها خرجت منتصرة فنظر فهد حوله ثم صوب عينيه نحو المرآة... واقترب منها وصرخ بقهر وضربها بيده بقوة حتى تحطمت شظاياها وتناثرت حوله بينما انغرست إحدى القطع الحادة في كفه وبدأ الدم يتساقط من أصابعه فـ دخلت ملك مسرعة بعدما سمعت صوت الزجاج و هرعت إليه تمسك بيده الدامية وهي تصرخ:
فهد.... إيدك في إي؟! إي ال حوصل 
لم يجِبها فهد... كان مشوشا... مذهولا... لا يرى أمامه سوى ملامح الخيانة والضياع وفجأة... ظهرت ريم مجددا في باب الغرفة مستفزة كعادتها وألقت عليه نظرة جانبية وهي تقول بنبرة واثقة:
يا حبيبي متنساش تاخدلك دش وتنزل علشان الفطار... أنا جهزته مخصوص علشان... متتاخرش بجا 
ثم غمزت لها بخفة وخرجت تاركة وراءها صمتا ثقيلا ومشهدا ملوّثا بالخذلان فـ تجمدت ملك مكانها ثم حدقت في السرير وذهلت مما فهمته والتفتت إليه بعينين يملؤهما الذهول والدموع مردفه:  
هو... هو انت كنت معاها؟!
صرخ فهد بألم ونار مشتعلة في صدره: 
أيوه كنت معاها... مش مرتي.. طبيعي ابجي معاها 
ثم اقترب منها فجأة وأمسك بذراعها بقوة وصوته يرتجف بين الألم والغضب:
انتي السبب.... إنتي السبب في كل ال حوصل.... مستحيل أسامحك أنا بكرهك يا ملك!... بكرهك.... ياريتني ما حبيتك لو أجدر أشيل جلبي من مكانه وأدوس عليه بالجزمة كنت عملت اكده والله. خلاص... كل حاجة انتهت... من النهاردة مفيش بينا غير الكره كره وبس يا بنت عمي 
القي فهد كلماته وتركها واقفة مكسورة.... مذهولة والدموع تنزل من عينيها بصمت كأنها لم تعد تملك حتى الحق في البكاء. وخرج من الغرفة وهو يلف يده بجزء من قميصه الممزق وترك خلفه قلبا مكسورا  وامرأة تحطمها ندم لا ينفع بالطبع، إليك المشهد المطلوب بعد مرور أربع سنوات كان الهواء ساكنا إلا من وقع خطواته الثابتة على الرصيف وترجل أسد من سيارته الفاخرة وقد تغيرت ملامحه كثيرا عما مضى وووجه صارم و تقاسيم قاسية كأن الزمان نحتها بفأس الألم… لم يعد يبتسم ولم يعد في عينيه نور بل نظرة حادة وباردة كأنها لا ترى إلا ما وراء الحياة.. كان يرتدي نظارته الشمسية يخفي خلفها وجعا عتيقا لم تفلح السنين في محوه و وقفته قامته شامخة ولكن قلبه كان ساكنا كقبر قديم لا يزوره أحد وما إن أوشك أن يخطو نحو مدخل البيت حتى سمع صوت صغير.. دافئ اخترق كل جدران الصمت مرددا: 
بابااااا!"
توقف اسد  فجأة وارتعشت أصابعه وببطء ورفع يده ونزع النظارة عن عينيه ليراها…طفلة صغيرة تركض إليه بكل فرح الدنيا وشعرها يتطاير كأجنحة نور وعيناها تلمعان كأنهما مرآة روحه التي ظن أنه فقدها للأبد وانحنى إليها وفتح ذراعيه  فاندفعت نحوه واحتضنته بقوة وضمها إليه كأنها وطنه المفقود وهمس بأنفاس متقطعة:
واحشتيني جوي… يا جلب بابا من جوه و 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
كانت ضحكات الطفلة الصغيرة تدوي في أرجاء المنزل كما لو أنها ترمم الشقوق العتيقة في جدرانه بصوتها البريء فحملها أسد بين ذراعيه بقوة يضمها إليه وكأنها وطنه الوحيد يمضي بها خطوات ثابتة ووجهه لا يحمل سوى مسحة هدوء خادعة تخفي وراءها جحيم السنين وما إن دخل عتبة البيت حتى توقفت زينب والدته عن الحركة كانت تنتظره منذ اللحظة الأولى لعودته فاقترب منها وطبع قبلة طويلة على يدها المتجعدة وقالت بحنان: 
 نورت بيتك يا حبيبي... تعالي اجعد ارتاح 
لكن الفرحة لم تكتمل إذ كانت جهاد تقف على مقربة تتأمله وهمت بضمه لكنها لم تجد غير هواء بارد إذ ابتعد عنها بجسده ونظراته متعمدا تجاهلها فـ اقتربت جهاد من الطفلة الصغيرة ومدت ذراعيها بابتسامة باهتة وقالت برقة مصطنعة:
 تعالي يا حبيبتي… يلا في حضن ماما.
لكن الصغيرة رفعت رأسها من على صدر أسد ونظرت إلى جهاد بنظرة حادة لا تشبه براءة عمرها ورددت بصوت واضح:
 إنتي مش ماما… مش عايزاكي… وملكيش دعوه بيا
تجمدت جهاد في مكانها وصدمتها الكلمات كما لو كانت طعنة في القلب فحاولت زينب التدخل سريعا قالت بحدة :
عيب اكده يا روحي… ميصحش دي مامتك يا سيليا
لكن أسد أنهى الموقف سريعا و صوته خرج غليظا متعبا وهتف: 
ما خلاص بجاا… كفاية كلام كتير... هي حره يا حجه مش هتاخد البنت عافيه الغلط عليها انها معرفتش تحبب بنتها فيها 
ثم ضم ابنته بقوة إلى صدره وهم بالصعود إلى غرفته و خطواته كانت ثقيلة لكنها تحمل قرارا لا جدال فيه فـ أوقفته زينب مرة أخرى قبل أن يختفي عن ناظريها وقالت بقلق: 
مش هتاكل يا حبيبي؟ لسه عاملين الواكل يلا تعالي اجعد علشان تاكل معانا 
أجابها دون أن ينظر وصوته ينضح بالإرهاق وهتف:
 ملوش نفس... لازم أطلع أغير هدومي علشان همشي تاني عندي شغل مهم بعد اذنكم 
انهي اسد حديثه وصعد الي غرفته وبعد فتره في احدي الغرف كان يقف فهد في غرفته ينحني قليلا أمام طفلته الصغيرة التي وقفت على السرير تتمايل بخفة وهي تنظر إلى المرآة بفرحة  وتضع يديها خلف ظهرها بينما ينشغل هو بتسريح شعرها الطويل يرفع خصلاته بلطف ويزينه بتوك صغيرة بألوان زاهية فـ ابتسم لها وهو يحكم تثبيت آخر توكة وهمس بحنان:
اكده الأميرة جاهزة تطلع الرحلة.. ها اي رايك بجا.. بجيتي زي الجمر 
ضحكت الطفلة بمرح وهتفت باستعجال:
 يلاااا يا بابا... عمو مستنينا خلينا نمشي بجا و
ثم توقفت فجأة ورفعت وجهها إليه بنظرة حائرة وسألت بصوت منخفض:
هي ماما مش بتيجي اهنيه  ليه؟
تغيرت ملامح فهد في لحظة وتجمدت ابتسامته وزفر زفرة قصيرة ثم انخفض لمستواها وقال وهو يربت على كتفها:
ماما بتحب تجعد مع باباها... زيك اكده ما بتحبي تجعدي معايا دايما
هزت الطفلة رأسها ببطء وكأنها تحاول أن تقنع قلبها الصغير بالإجابة وفي تلك اللحظة، انفتح الباب ودخل أسد يحمل سيليا بين ذراعيه وكانت تدور بفستانها الوردي الجديد وتضحك بخفة ثم وقفت فجأة أمام فهد وفتحت ذراعيها بفخر وقالت:
شوف يا عموو فستاني الجديد... بابا جابهولي 
ابتسم فهد وربت على رأسها وهو يرد:
  دا جميل جوي يا سيليا... يجنن والله... شكلك زي الجمر 
انهي فهد حديثه واقترب  من أسد و قال بصوت منخفض:
هتروح برده النهارده كمان ؟
أومأ أسد برأسه وقال:
 كل يوم لازم أروح... أكيد هشوفها صدفة مره... أنا حاسس إني هشوف سحابة مهما الوجت عدى.... هتصادف معاها في يوم من الايام 
ثم ابتسم بهدوء وضم سيليا إليه وأضاف:
 يلا بجا نتحرك... نخرج البنات يغيروا جو يمكن إحنا كمان ننسى شوية.
أومأ فهد ثم حمل طفلته ونظر إلى أسد نظرة فيها شيء من الطمأنينة النادرة… وخرجا سويا وفي المساء كانت ملك تجلس بصمت في غرفتها تحدق في الفراغ بعينين شاردتين والغصة تسكن بين أضلعها كأنها لم تخرج من نوبة البكاء منذ أيام كان الجو ساكنا إلا من صوت أنفاسها المتقطعة وأفكارها المتشابكة لا تمنحها لحظة راحة وفجأة فتح باب الغرفة بهدوء ودخلت جهاد بخطوات بطيئة تتردد في الاقتراب لكنها لم تتراجع ز وقفت للحظات تراقب ملك بصمت ثم قالت بنبرة خافتة:
انتي هتفضلي اكده لحد إمتى يا ملك؟... هنفضل كل واحده في حالها لحد ما نخسرهم للآخر 
رفعت ملك عينيها إليها ببرود دون رد فأكملت جهاد بصوت مكسور:
 إحنا لازم نبجى مع بعض... لو لسه عايزين نرجعهم لينا تاني... أنا بنتي مش طايجاني ومش عايزاني وبتجولي في وشي إني مش أمها... وانتي فهد خلف من ريم واهتمامه كله لبنته... حتى لو طلج ريم ب لسه بيحترمها وبيعاملها كويس علي غير العاده 
نظرت إليها ملك بنظرة مشوشة وقالت بفتور:
وانا أعمل إي بجا؟ مش فاضية يا جهاد... انتي بتتكلمي كأني انا ال ضيعت الدنيا... بنتك لو بتكرهك فانتي السبب... انتي طول عمرك بتضربيها وتخوفيها... دلوجتي مستغربة ليه عاد. ما طبيعي تكرهك 
ارتبكت جهاد لكنها لم تتراجع واقتربت وجلست بجوارها على طرف السرير وقالت بنبرة أكثر جدية:
خلينا نتفج مع بعض... لازم نرجعهم... فهد لسه بيحبك يا ملك بس محتاج فرصة بس... وأنا عندي خطة حلوة جوي ممكن ترجعهم لينا بس لازم تساعديني.
نظرت ملك إليها بدهشة وقلق ثم سألتها بتردد:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
خطة إي عاد ؟... انتي ناويه على إي بالظبط 
ابتسمت جهاد ابتسامة صغيرة فيها شيء من الحماسة الممزوجة بالمكر وقالت وهي تنهض:
 هتعرفي كل حاجه بس جومي البسي وتعالي معايا دلوجتي... لازم نخرج وانا هجولك على كل التفاصيل في الطريج.. يلا جومي 
ترددت ملك للحظة ثم نهضت ببطء من مكانها وعيناها لا تزالان ترقبان جهاد بتوجس لكنها في أعماقها... لم تعد تملك شيئا لتخسره وفي آخر الليل عاد أسد إلى غرفته بخطوات متثاقلة و كان يحمل سيليا الصغيرة بين ذراعيه نائمة بسلام ووجهها ملائكي يبعث في القلب شيئا من الطمأنينة التي لم يعرفها منذ سنوات و دخل الغرفة بهدوء وسحب الغطاء برفق ثم وضعها على السرير كأنها كنز لا يجوز كسره وقبل جبينها في صمت ثم خلع قميصه ليستعد لتبديل ملابسه وقبل أن يخطو نحو الخزانة  فتح باب الغرفة فجأة ودخلت جهاد دون استئذان تتقدم نحوه بخطوات بطيئة نظراتها مشتعلة ويدها امتدت ببطء لتلني صدره العاري وهمست:
 هو أنا موحشتكش يا أسد؟
لم ينظر إليها مباشرة فقط ثبت عينيه عليها بنظرة حذرة ثم سألها بحدة:
انتي خرجتي انتي وملك روحتوا فين انهارده ؟
ارتبكت جهاد وتلعثمت قبل أن ترد سريعا:
 كنا بنشتري شوية حاجات للبيت... حاجات بسيطة يعني وجينا علطول متأخرناش
رفع حاجبه باستنكار وقال بصوت خافت لكنه حاد:
حاجات إي؟... وليه مجولتليش؟... ومن إمتى وانتي بتخرجي من غير ما تجوليلي... جهاد.. ابعدي عن اختي احسن 
ازدادت اضطرابا وحاولت التهرب من المواجهة وهي تقترب أكثر تضع يدها على كتفه وتقول بنبرة خافتة:
 هو أنا عملت إي علشان كل دا؟... انت بتعاملني اكده ليه؟... أنا مش فاهمة غلطي فين... لا بتقرب مني... ولا حتى بتلمسني... ولا حتى بتكلمني... انت بتعاقبني على إي 
نظر إليها اسد بجمود ثم أشار إلى الطفلة النائمة وقال بصوت خفيض:
 وطي صوتك... البنت نايمة
لكنها لم تتراجع بل زادت اقترابا ولفت ذراعيها حول عنقه وهمست في أذنه:
أنا واحشاك... بجد واحشاك جوي... مش اكده؟
انتفض جسده وأبعدها بقوة وهو يهمس بحدة:
أنا عايز أنام... اطلعي برا.
تجمدت نظراتها للحظة قبل أن تشتعل بعصبية مكبوتة وصرخت بصوت مخنوق:
كل دا علشان لسه بتحبها صوح؟... لسه بتحب سحابة... ال سابتك ومشيت ومتعرفش عنها حاجه؟... دي واحدة رخيصة
لم تمر الكلمة الأخيرة بسلام فقد اشتعل وجه أسد غضبا وصرخ بعينين تتطاير منهما شرارات:
إنتي اتجننتي 
ثم أمسكها من ذراعها وسحبها خارج الغرفة بسرعة وأغلق الباب خلفه حتى لا توقظ الطفلة وفتح باب غرفة أخرى ودفعها إلى الداخل ثم أغلق الباب خلفهما وقال بصوت جهوري يرتجف من فرط الغضب:
 انتي ازاي تتجرائي وتجولي عليها اكده؟! دي أحسن واحدة شوفتها في حياتي... دي ال شالتني وجت ضعفي وال متستحقتش أي حاجة من ال حوصلها... وآه لسه بحبها ولسه مش جادر أعيش من غيرها... وانتي؟ وجودك في حياتي ملوش أي لازمة... أنا سايبك على ذمتي علشان ملكيش حد... لكن بلاش تفتحي موضوعها تاني... ولا تجيبي سيرتها على لسانك... فاهمة؟
تلعثمت جهاد وحاولت الرد لكنه لم يمنحها الفرصة فقد فتح الباب وخرج بصمت مغلقا الباب خلفه بقوة فصرخت جعاد وهي تردد بغضب:
اعمل اي تاني.... اعملها اي اكتر من اكده علشان اخلص منها.. جتلت ابنها... اعمل اي اجتلها هي كمان 
القت جهاد كلماتها بغضب ولم تري هذه الصغيره ابنه فهد التي تقف خلف الباب تستمع اليها بصدمه فركضت بسرعه وشعرت جهاد بشئ غريب وفتحت باب الغرفه وانصدمت عندما وجدت الصغيره تركض بسرعه بعيدا فرددت بصدمه: 
لع مستحيل.. اكيد مسمعتش.. مستحيل تكون سمعت.   يا لهووي... دي هتبجي مصيبه.. هتبجي مصيبه لو سمعت انا لازم اتصرف بسرعه 
وفي صباح اليوم التالي جلس أسد أمام قبر ابنه والليل قد ألقى بظلاله الثقيلة على المقابر والهدوء يخيم كأنه حداد دائم وكانت عيناه تحدقان في اسم فارس المنقوش على الرخام البارد وصدره يعلو ويهبط بأنفاس متقطعة  فيها ألم لم تقدر السنين على تهدئته وهمس بصوت مبحوح وهو يمد يده على القبر:
واحشتني يا فارس... نفسي أشوفك بس لحظة. واعتذرلك علي كل تجصيري معاك و
لم يكد ينهي كلماته حتى تناهى إلى سمعه صوت بكاء ضعيف... وارتجف قليلا واعتدل في جلسته ثم رفع رأسه فرأى طفلا صغيرا لا يتجاوز الرابعه من عمره يخطو على الأرض الترابية بخوف يبكي وينادي:
"ماماااا... مامااااااا... فين ماما... انتي فين.. ماما تعالي 
نهض أسد سريعا واقترب منه بخطوات حذرة حتى لا يفزعه و انحنى عند مستواه وهمس بلطف:
مالك يا حبيبي... مالك اي ال حوصل متخافش... فين مامتك؟"
تراجع الطفل خطوتين إلى الوراء ونظر له بعينين دامعتين وقال بخوف:
انت عايز مني إي؟ أنا مش لاجي ماما... كانت اهنيه واختفت
اقترب أسد أكثر ومد ذراعيه إليه بحنان:
هشش... متخافش يا بطل... تعال بس وإحنا سوا ندور على ماما ماشي
ارتمى الطفل في حضنه باكيا وقال بصوت مبحوح:
أنا عايز ماما... تعبان... مش جادر أتنفس
ارتبك أسد واحتضنه أكثر ثم وضع يده على جبينه ووجهه شاحب:
مالك يا حبيبي.... استحمل شويه أنا هساعدك... بس إوعي تقفل عيونك طيب خليك معايا اكده 
وفجأة... سمع صوت خطوات مسرعة وصرخة من بعيد:
فــــارس... فارس يا ابني انت فين 
تجمد أسد في مكانه وصوته اختنق داخله والتفت ببطء... هناك على بعد خطوات كانت تقف سحابة فركض الطفل باتجاهها وهو يصرخ:
ماااماا
فتحت سحابه  ذراعيها له وركع في أحضانها باكيا وهي تضمه بقوة وهتفت:
فارس ابني... انت كويس يا حبيبي... كنت هموت وأنا بدور عليك
وقف أسد مذهولا.. عاجزا عن الحركة أو النطق و عيناه متسمرتان على ملامحها على تلك الدموع التي يعرفها جيدا.. على الصوت الذي ظل يحلم به كل ليلة منذ سنوات وقبل أن يكمل ذهوله ارتخت يد الطفل بين ذراعي سحابة وغابت ملامحه عن الوعي فصرخت سحابه وهي تهزه بخوف:
فارس... فارس رد عليا وفجاه و 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
كانت خطوات أسد تتسارع وهو يحمل فارس بين ذراعيه بينما تركض سحابة خلفه والدموع لا تتوقف من عينيها ووصلوا إلى أبواب المستشفى فصرخت برجاء وهي تلهث:
الحقونا بالله عليكم.... ابني مش جادر يتنفس 
هرع الطبيب والممرضون إليهم وتناولوا الطفل من بين يديه بسرعة بينما ظل أسد واقفا في مكانه يراقب المشهد كأن قلبه يُنتزع فقال الطبيب وهو يمد يده لطمأنته:
اطمن... هندخله فورا... إن شاء الله خير  حالته مبدئيا مستقرة بس محتاج متابعة دقيقة
كانت سحابة تتحرك خلف الفريق الطبي تحاول اللحاق بابنها لكن يدا قوية أمسكت بها من الخلف فـ التفتت ووجدت عيني أسد تطلان عليها بنظرة ممتلئة بالأسى والحيرة تلك النظرة التي لم تغب عن ذاكرتها يوما وشدها إليه فجأة وصوته خرج خافتا مبحوحا من فرط الألم:
كنتي فين؟... كل السنين دي كنتي فين يا سحابة؟
تجمدت الكلمات على شفتيها وارتجفت عيناها من شدة التوتر لم تكن تتوقع سؤاله ولا هذا القرب لكنه لم يمنحها فرصة للهرب بل ضمّها إلى صدره بقوة كأنما وجد وطنه الضائع مرددا: 
انا دورت عليكي في كل مكان... كل يوم أصحى وأجول يمكن ألاجيكي... كنتي وحشانى... وحشانى جوي والله 
أغمضت سحابه عينيها بشدة تحاول أن تحبس دموعها المتدفقة أن تخفي ضعفها.... أن تقاوم هذا الحضن الذي طالما اشتاقت إليه لكنها تمالكت نفسها وابتعدت عنه بهدوء وهمست بصوت مخنوق:
مينفعش اكده يا أسد... إحنا خلاص مطلطين... وكل واحد بجي في حاله
تغيرت ملامحه فجأة ونظر إليها بعينين تمتلئان بالخذلان وهتف :
انتي ال اجبرتيني أطلجك... وأنا عمري ما بطلت أحبك
وقبل أن تنطق بكلمة انفتح باب الطوارئ وخرج الطبيب بخطوات سريعة ونبرة مطمئنة:
الحمد لله... الطفل حالته اتحسنت... بجا مستقر ودلوجتي يجدر يشوفكم
اندفعت سحابة نحو الغرفة تسبقها دقات قلبها ولهفتها ولم تكن تدري هل تركض نحو ابنها أم نحو ذكرياتها القديمة التي كانت تظن أنها دفنتها إلى الأبد وبعد فتره قصيره كانت الغرفة تغمرها رائحة المطهرات وهدوء ثقيل يخيم على الأرجاء ووحدها أنفاس فارس الصغيرة كانت تقطع الصمت من حين لآخر حيث وقفت سحابة إلى جوار سريره وعيناها متعلقة بالباب وكأنها تنتظر شيئا ما... أو أحدا وفجأة انفتح الباب ببطء ودخل شاب في أواخر العشرينات ملامحه هادئة وخطاه واثقة ولم تمضِي ثواني حتى التمعت عينا فارس وصرخ بفرح خالص وهو يركض نحوه:
 باباااا!!
ارتمى الطفل في حضن الرجل الذي احتواه بين ذراعيه بينما تجمد أسد في مكانه وقد شلت ملامحه وعينيه تتأملان المشهد كأن الزمن توقف فـ رمقته سحابة بنظرة متوترة وتقدمت خطوتين ثم قالت بصوت خافت وهي تشير إلى الرجل:
 أحب أعرفك… ده جوزي آدم
لم يتغير تعبير وجه أسد لكنه أومأ برأسه ببطء وصوته خرج خافتا، مكسورا:
آه… أهلا وسهلا… بعد إذنكم.
ثم استدار وخرج من الغرفة بخطوات بطيئةوكأن كل خلية في جسده تئن من الداخل. لم يتكلم ولم يلتفت فقط أغلق الباب خلفه بصمت... وترك خلفه قلبا يتصدع وفجاه شعر أسد بدوار شديد وبدأ كل شيء يدور من حوله وقدماه لم تعودا قادرتين على حمل جسده المثقل وعيناه بدأت يظهر بها غشاوة ثقيلة وقبل أن يسقط أرضا امتدت ذراع سريعة لتسنده بقوة مردده: 
أسد... مالك... في إي عاد.. انت كويس
رفع اسد عينيه بصعوبة ليجد ريم أمامه تمسك به ووجهها يحمل ملامح القلق الحقيقية فـ تسمرت نظرته عليها كأنما لم يصدق عينيه وخرج صوته متحشرجا:
انتي؟... انتي إي ال جايبك اهنيه 
أجابته ريم بنبرة هادئة وهي لا تزال تمسك بذراعه:
جايه مع بابا... عنده فحوصات اهنيه  وجيت أخده واطمن عليه... بس انت؟... إي ال جابك
أبعد أسد يدها عنه فورا وحاول أن يستعيد توازنه وقال بجفاف:
كويس... أنا تمام
نظرت إليه ريم ثم قالت بإصرار:
لع انت مش تمام... شكلك تعبان جوي ... تعالى أوصلك للعربية
هز اسد  رأسه بسرعة كأنه يهرب من شيء ما داخله مردفا :
لع... أنا كويس. شكرا... خلي بالك من نغسك سلام 
انهي اسد حديثه ثم استدار ليكمل طريقه وخطواته متثاقلة لكنه كان يرفض أن يظهر ضعفه أمامها فـ وقفت ريم في مكانها للحظات تحدق فيه وهو يبتعد عنها ثم أخرجت هاتفها بسرعة واتصلت بأحدهم وصوتها خرج مضطربا بعض الشيء مردده :
اسد تعبان... خليك معاه هو لوحده ومش طايج نفسه... خليك جمبه متسيبهوش
اكملت ريم حديثها ثم أغلقت الخط ونظراتها لا تزال معلقة على ظهره وهو يبتعد... ظهر رجلا يسير كأنه يحمل جبالا فوق كتفيه وحده تماما وفي عمق الليل كانت الرياح تعصف بين شواهد القبور تحمل معها أوراقا جافة وصمتا ثقيلا يطبق على المكان و السماء كانت ملبدة بالغيوم والقمر يحاول أن يشق طريقه بينها وفي ركن مظلم من المقبرة وقفت ملك بجوار جهاد تلف جسدها بذراعيها تتلفت حولها بقلق واضح بينما كانت جهاد تنظر أمامها بثبات تحمل كيسا صغيرا بين يديها وتفتحه بحذر فـ همست ملك وهي تحاول أن تخفي ارتجاف صوتها:
جهاد... أنا مش مقتنعة بال هنعمله ده... والله حرام... إحنا جينا لحد المقابر بالليل... اكده مش طبيعي... ولا حتى منطقي
ردت جهاد ببرود وهي تخرج علبة صغيرة أشبه بعلبة البخور:
ده الحل الوحيد يا ملك... انتي عايزة ترجعي فهد ليكي ولا تفضلي جاعدة بتعيطي عليه... لازم نربطه بيكي بأي طريجه 
تنهدت ملك بنفاذ صبر وهتفت: 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
أربطه.... أروح رايحه عملاله عمل.... طب وافرضي حوصله حاجه؟ افترضي حاجة وحشة حوصلت بسببي... هعمل اي دلوجتؤ بجا ان شاء الله 
نظرت جهاد لها بنفاد صبر واقتربت منها بخطوة مردفه: 
بصي... هو مش هيموت يعني.. ده شغل مضمون ومجرب... كل ال عليكي إنك تحطي ده...
وأخرجت جهاد  كيسا صغيرا به مسحوق رمادي ثم اكملت 
تحطيه ليه في الجهوة... مش هيتأذى بس هيبدأ يحس إن مفيش في الدنيا غيرك
تراجعت ملك خطوة إلى الوراء ما بين الخوف والفضول  وتمتمت:
انا... مش عارفة... جلبي مش مطمن 
وضعت جهاد يدها على كتفها وقالت بنبرة خادعة فيها بعض الحنان:
بصيلي يا ملك... انتي بتحبيه صوح.. انا متاكده انك بتحبيه 
جهاد بلهفه: 
يبجى لازم تعملي اكده... الحب لو محاربتيش عليه... حد تاني هياخده منك... فهد بيروح وبيجي بس لو حد تاني سكن جلبه... ساعتها هتبجي خسرتيه للأبد
سادت لحظة صمت بينهما ثم مدت جهاد يدها بالكيس نحوها وهمست:
خديه... وحطي منه معلقة صغيرة بس في فنجان الجهوة ... وساعتها هتشوفي بنفسك.
ترددت ملك ثم ببطء مدت يديها وأخذت الكيس بأنامل مرتعشة وعيناها لا تزالان تراقبان المقابر من حولها وكأنها تنتظر شيئا يخرج من تحت الأرض ليحذرها...وبعد فترة في شقة أنيقة وهادئة جلست سحابة على الأريكة وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة ويدها في يد ريم التي كانت تجلس بجانبها تحتضنها بحنان و الدموع كانت تتساقط بغزارة من عيني سحابة تعبيرا عن ألم مختلط بالأمل فـ نظرت ريم إليها بعطف وحاولت أن تواسيها مردده: 
 يا سحابة أنا عارفة قد إي الموضوع صعب عليكي بس صدجيني أنا هفضل جمبك طول الوجت.
تنههدت سحابه بحزن ورددت:  
والله يا ريم واحشني جووي.... مكنتش مصدجة إني شفته بعد كل ال فات... حتى لو كان حاجة بسيطة... وجوده جمبي خلاني أحس بسلام محسيتوش من زمان.
ابتسمت ريم وأمسكت يدها بحنان وهتفت :
أنا ساعدتك يا سحابة مش بس علشان أنتي اتظلمتي... لكن كمان علشان تتاكدي  إني مجتلتش فارس  ... بس ال بيوحصل دلوجتي غلط وحرام والله 
نظرت سحابه إليها بعينين شاكرين مردده: 
لما عرفتي إن أسد معايا جبت واحد يعمل دور جوزي وأبو فارس.. شكرا انك معايا دايما 
ضحكت ريم بصوت مرتفع مردده:  
 أيوة و فارس ولد شاطر...أنا وريته صورة آدم قبل ما يشوفه  وجولتله أول ما تشوفه جول عليه بابا علطول و الولد ده فعلا ذكي طالع لأبوه في كل حاجة.
 ابتسمت سحابه رغم دموعها وهي تتحدث: 
ربنا يخليكي يا ريم... والله ما كنت أتصور إنك هتوجفي جمبي اكده
همست ريم بصدق:
أسد لسه بيحبك يا سحابة... مهما حوصل... لسه مش جادر ينساكي والله وبيحبك جوي 
 عاودت سحابه البكاء وقالت بمرارة:
الحب مش كل حاجة يا ريم... أنا مش مستعدة أخسر ابني التاني زي ما خسرت الأول. مش عايزة ألم تاني  ومش عايزة أعيش اكده مره تانيه.... لازم نفضل بعيد عن بعض دا الحل الوحيد اللي ممكن يحفظلي نفسي وفارس.
وقفت ريم ببطء وأمسكت بيد سحابة بشدة وقالت:
 يمكن فعلا لازم تكونوا بعيدين دلوجتي بس متيأسيش من الوجت.... يمكن الأيام تجمعكم تاني لما الظروف تكون أفضل.
نظرت سحابه إليها وأومأت بحزن ثم استندت على كتف ريم وأغمضت عينيها مستسلمة لبعض الراحة التي جلبتها تلك اللحظة بين صديقتها بعد فترة كان فهد جالسا مع أسد في غرفته حيث بدا منهارا تماما وهو ينظر إلى الأرض وكلماته تخرج بصعوبة:
مش جادر أنسى سحابة... اتجوزت وعاشت حياتها وخلفت كمان... وأنا لسه عايش في دوامة مش جادر أعيش حياتي طبيعي.
ربت فهد علي كتفيه مرددا: 
كل حاجة هتتحسن مع الوجت والله يا اسد  وأنا معاك، ومش هسيبك اهه وخلاص يا اسد.. مدام شافت حياتها ربنا معاها هي اتظلمت كتير جوي 
في تلك اللحظة دخلت ابنه أسد وعيناها مليئتان بالقلق واقتربت من أبيها بسرعة ووقفت أمامه ثم احتضنته بقوة وهمست له بصوت طفولي حنون:
بابا مالك ليه اكده...انت زعلان  متزعلش
ابتسم اسد وهو يمسك بها واحتضنها بحنان مرددا:  
مش زعلان يا جلبي... طول ما أنتي معايا مستحيل ازعل 
ابتسمت الفتاة بخجل وشعر أسد ببعض الراحة يتسلل إلى قلبه وفي صباح يوم جديد كان يقف فهد أمام باب غرفة ابنته بهدوء وأخذ نفسا عميقا قبل أن يفتح الباب ويدخل بهدوء ليوقظها.
لكن ما إن دخل حتى صدم بشدة... كانت ابنته نائمة بعمق غير طبيعي لا تستجيب لأي صوت أو حركة فاقترب منها وردد بقلق: 
يا حبيبتي... جومي يا روحي... يلا يا حبيبتي انتي اي ال منيمك لحد دلوجتي 
حاول فهد يهزها بلطف لكنه لم يحصل على أي رد وقلبه بدأ يدق بسرعة والهلع بدأ يتسلل إليه حتي انصدم عندما وجدها بلا حراك ولا تتنفس فصرخ بفزع و في الطرف الآخر من المدينة كانت سحابة تركض في أرجاء الشقة وصرخاتها تملا المكان وهي تدور حول نفسها تبحث عن فارس طفلها الغالي بين الغرف والدهاليز مردده بتوتر: 
فارس!... يا حبيبي... انت فين يا جلبي 
قفزت سحابه على الكراسي وفتشت في كل زاوية لكن لا أثر له والذعر يزداد في عينيها وفجأة دخلت ريم الشقة بسرعة ووجهها مليء بالفزع وقالت بصرخة:
سحابة.... فارس اتخطف و 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
وقف فهد بجوار الطبيب داخل الغرفة ويده ترتجف وهو يطالع وجه ابنته الباهت في حين كان أسد واقفا خلفه بصمت وعيناه معلقتان بجسد الطفلة النائمة والقلق يكسو ملامح الجميع  وعدد من أفراد العائلة كانوا يقفون في الخلف في حالة ترقب مشدودة الأعصاب حتي قطع الطبيب الصمت بنبرة مطمئنة وهو ينظر إلى فهد مرددا: 
 الحمد لله... البنت كانت عندها أعراض تسمم خفيف بسبب حاجة شربتها... عملنا ليها غسيل معدة واستجابت كويس وهتفوق دلوجتي حالا... متخافوش
تنهد فهد براحة وكأن روحه رجعت لجسده ومد يده بسرعة يصافح الطبيب وهو يتمتم:
شكرا يا حكيم... ربنا يباركلك يارب.. الحمد لله 
أومأ الطبيب بهدوء ثم خرج من الغرفة، تاركا وراءه جوا مشحونا بالترقب ومرت ثوانٍي قليلة قبل أن تفتح الطفلة عينيها ببطء تتجول نظراتها البريئة بين الوجوه القلقة المحيطة بها وكأنها تبحث عن الأمان وفي تلك اللحظة انهار فهد من الداخل وسقط على ركبتيه إلى جوارها يضمها إلى صدره بقوة مرددا:  
حمد الله على السلامة يا روحي... جلبي كان هيوجف من الخوف عليكي والله 
همس بها وهو يحتضنها بشدة وكأنه يحاول أن يعيد الحياة إليها بأنفاسه المرتجفة بينما الدموع تملأ عينيه دون أن يطرف له جفن واقترب أسد منها وربت على رأسها بحنان بالغ ثم سألها بصوت منخفض مليء بالقلق:
انتي أكلتي إي يا حبيبتي؟ اي ال حوصل ك بالظبط مش جولنا مينفعش تاكلي حاجه غلط 
هزت الصغيرة رأسها نافية وأجابت ببراءة غافلة عن ثقل كلماتها وهتفت: 
مأكلتش حاجة يا عمو... أنا بس شربت عصير من طنط ملك... كانت جابتلي كوباية عصير 
وفي لحظة ساد السكون التام و التفتت الأنظار جميعها ناحية ملك وعلامات الصدمة تعلو الوجوه وفجأة...صفعة عنيفة كسرت الصمت ودوّى صوتها في أرجاء الغرفة عندما اندفعت ريم إلى الداخل بخطوات سريعة وصفعت ملك على وجهها بقوة جعلتها تتراجع من شدة الصدمة مردده بصراخ:  
إنتي مجنونة.... إزاي تعملي اكده في طفلة... مالك ببنتي... هب دي الامانه يا فهد ال انت جولتلي هتحافظ عليها... هي دي الامانه ال جولناي متخافيش دي في عيوني... اي عيون دي... بنت عمككانت هتجتل بنتك جدام عيونك وانت واجف تتفرج 
ارتجفت ملك ووضعت يديها على خدها و لم ترد ولم تقدر حتى على البكاء... كانت ملامحها مشوشة مزيج من الذهول والخوف والانكسار فـ تقدم أسد ببطء ونظر إليها نظرة حادة تحمل خيبة أمل عميقة ثم سألها بصوت  حاد:
ليه يا ملك....ليه اكده... إنتي فعلا كنتي عايزة تأذيها 
رفت رموش ملك وبدأت الدموع تتجمع في عينيها وتمتمت بصوت مرتجف:
أنا... والله ما كنت أجصد... انا مكنتش أعرف إن ممكن يوحصل اكده.. هي اديتني حاجه زي مسحوق اكده وانا حطيته ليها في العصير وجسما بالله جالتلي ان ملوش اي اضرار... جهاد ال جالتلي
نظرت ريم اليها بغضب ورددت: 
انا عايزه بنتي يا فهد... مش هسيبها اهنيه دجيجه واحده 
تجمدت ملك وانهارت باكية على الأرض وهمست بصوت بالكاد يسمع:
أنا كنت تايهة... وخفت أخسرك يا فهد جسما بالله اكتر من اكده..انا بحبك جوي ومش جادره اعيش من غيرك .. جهاد جالتلي إن دي الطريجة الوحيدة... وأنا كنت... ضعيفة مش مركزه في اي حاجه... كل ال يهمني وجتها هو انك تبجي معايا يا فهد والله ما اعرف انها هتتأذي 
اقترب فهد منها ببطء وعيناه تشتعلان غضبا... لكن صوته جاء هادئا بشكل مرعب:
يعني علشاني... كنتي هتموتي بنتي.... ومش جصدك.. هو اي ال مش جصدك هاا... انتي بجيتي انانيه مش بتحبي غير نفسك وبس 
ارتعشت ملك وانهارت أكثر بينما كان الجميع يرمقها بصمت ثقيل ولحظة محاسبة لا مفر منها وكأن الحقيقة انكشفت أخيرا أمام الجميع وفي تلك الليلة كان الغضب يشتعل في عيني أسد وهو يدفع باب غرفته بعنف كاد أن يخلعه من مكانه ودخل بخطوات غاضبة تملأها العاصفة حتى وقفت جهاد مفزوعة من على السرير وقبل أن تنطق بكلمة كان قد أمسك بيدها بعنف وصرخ بعينين تتقدان غضبا:
انتي مالك بأختي هاا....دي اخرتها...بجيتي تعملي سحر وأعمال ومدخله اختي معاكي وفاكراني هسكتلك... دي أختي يا جهاد... أختي.. انا خلاص مش عايزك وهطلجك 
تراجعت جهاد خطوة للوراء بعينين مرتعشتين و حاولت أن تتماسك لكن صوته كان أشبه بسيف حاد فهتفت بتوتر:
هتطلجني علشان سحابة ظهرت.. صوح... هي رجعت ووشها بس قلب حالك.. بجيت مش انت واتغيرت اول ما شوفتها 
اقترب منها أسد بخطوة عنيفة وصوته انخفض لكنه صار أكثر قسوة:
سحابة مالهاش صالح بحاجه ...أنا بكرهك يا جهاد بكرهك من زمان جوي ويوم ما اتجوزتك بره مصر كنت غبي.. كان بتهيألي اني محتاج حد في حياتي علشان بعيد بس اكتشفت اني دخلت حياتي اكبر مصييه في العالم كله.... وكل ال كنت بعمله لحد دلوجتي كان علشان بنتي... وبس ولولا البنت، كنت رميتك من زمان جوي 
شهقت جهاد بدهشة وقلبها يتفتت من كلماته ومدت يدها إليه كأنها تحاول التمسك بآخر فرصة وهمست بصوت منكسر:
بس أنا بحبك...أنا مجدرش أعيش من غيرك يا أسد... جسما بالله بحبك جوي 
صرخ أسد بقهر وهو يزيح يدها بعيدا:
بس أنا بكرهك.. وخلصنا..ال بينا الطلاج وبس وانتي طالق من دلوجتي...وابعدي عني وعن أختي وعن فهد وعن حياتي كلها
انهي اسد كلماته ثم استدار بخطوات سريعة وخرج من الغرفة دون أن ينظر خلفه تاركا  جهاد تنهار وهي تسقط على الأرض وبعد لحظات... تحول الانكسار في وجهها إلى غضب أسود وتغيرت نبرة دموعها إلى حقد دفين فصرخت بصوت مسموم وهي تضرب الأرض بقبضتها:
كله بسبب سحابة...هي السبب في كل حاجة...ووالله...ما أنا سايباها
صدى كلماتها ظل يتردد في الغرفة بينما وجهها اشتعل بنار الحقد... ولم تكن تدري أن ما تنوي فعله قد يكون طريقا بلا عودة وفي صباح يوم جديد جلست سحابة في ركن من أركان الحديقة الخلفية لبيت ريم  تحت شجرة التوت العتيقة تحتضن ابنها الصغير فارس وكأنها تخشى أن يتلاشى بين ذراعيها إلى جوارها زجلست ريم تتابعهما بنظرة حزينة وقلبها لا يزال يحمل أثر الليلة الماضية حتب قالت ريم بهدوء وهي تمسح على رأس الطفل:
الحمد لله إنه طلع بيلعب ومستخبي...جلبي كان هيوجف وأنا فاكرة إنه اتخطف ولا جراله حاجة 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
هزت سحابة رأسها ببطء وضمت الطفل أكثر لصدرها كأنها تحميه من العالم وهمست:
بس أنا مش هجدر أفضل عايشة في الرعب دا كل يوم...مش هجدر أفضل قلقانة عليه كل ثانية...أنا لازم أبعد تاني يا ريم... ولازم أخرج من اهنيه 
نظرت إليها ريم بصدمة ورفعت صوتها قليلًا:
كفاية يا سحابة... هتفضلي مستخبية لحد إمتى... ومخبية عن أسد إن فارس ابنه... الراجل طلج جهاد خلاص... وانا اصلا جيبت بنتي علشان خايفة من ملك واسد مسكتس اهه 
رفعت سحابة نظرها إليها بسرعة وعيناها تلمعان بالدموع، ورددت بصوت مرتجف:
والله يا ريم... ملك طيبة مش زي ما انتي فاكرة...وانا مش خايفة من جهاد... أنا... خايفة على ابني... خايفة أخسره زي ما خسرت الأول
كانت الكلمات تخرج من فمها كأنها جمرات تحرق روحها فسكتت ريم للحظة ثم قالت بهدوء أكثر:
اسد اتغير يا سحابة...مش هو نفس الراجل ال كان زمان... بجا أب حقيقي وبيهتم...بس المشكلة الأكبر إننا لحد دلوجتي مش عارفين مين ال جتل فارس... الله يرحمه
وفجأة... وقبل أن تنطق سحابة بأي كلمة قطعت عليهما الحديث الطفلة الصغيرة ابنة ريم وفهد وهي تمسك لعبة في يدها ووجهها مليء بالبراءة لكنها نطقت بجملة زلزلت المكان:
أنا عارفة يا ماما...عارفة مين ال جتله 
تحولت رؤوسهم بسرعة إليها واتسعت عيونهما بصدمة شديدة وساد الصمت فقط صوت زقزقة العصافير كان يرافقهم كأن الكون كله توقف ليستمع لما ستقوله الصغيرة وفي المساء  كان الليل قد بدأ يلقي بظلاله الثقيلة على البيت الكبير وداخل الجدران كان القلق ينهش قلب فهد وهو يتحرك في أرجاء المنزل كمن يبحث عن نبض الحياة فصرخ بصوت ملعلع يملأ المكان بالغضب والقلق:
ـهي راحت فين تاني؟! ست ملك تعمل المصيبة وتختفي!دي فاكرة نفسها في فيلم أنا زهجت والله
كان صوته يعلو حتى ارتج له البيت وهو يفتح أبواب الغرف واحدة تلو الأخرى إلى أن وصل إلى غرفة جهاد دفع الباب بعنف...وفجأة، تجمد مكانه وعينا فهد اتسعتا من الصدمة وصدره ضاق من الفزع كانت ملك ملقاة على الأرض والدم ينزف من رأسها و يتسلل على الأرضية البيضاء بهدوء قاتل فـ ركض نحوها وارتمى بجانبها يحتضن رأسها المرتجف بين يديه:
ملك فوجي يا ملك... إي ال حوصل... مين عمل فيكي اكده؟!
ملك.. بالله عليكي كلميني
بدأت تتحرك شفتاها ببطء وصوتها بالكاد خرج:
جهاد... جهاد عرفت إن فارس... ابن أسد...هتجتله يا فهد...هتجتله.
تجمدت ملامح فهد وكأن الوقت توقف وعقله رفض استيعاب ما سمع:
فارس... ابن أسد؟!"
لكن لم تأتي إجابة..وفجأة انغلقت عينا ملك وسقط رأسها للخلف وفقدت وعيها فـ صرخ فهد بكل ما فيه من وجع:
حد ييجي اهنيه بسرعه... اطلبوا الاسعااف 
ملك بتموت
وفي مكان آخر، خارج البيت كان فارس الصغير يقف يضحك ويلعب مع الطفلة الصغيرة ابنة ريم أمام السور وضحكاتهما كانت تطغى على هدوء ما قبل العاصفة وفي تلك اللحظة توقفت سيارة سوداء أمام البيت ونزل منها أسد.... فـ ابتسمت الطفلة ما إن رأته وركضت نحوه:
عموووو... واحشتني جوي 
فتح اسد ذراعيه لها وضحك وهو يحضنها:
وانتي كمان واحشتيني جوي والله 
وما إن أبعدها قليلا حتى وقعت عيناه على فارس..جمد في مكانه واقترب بخطوات بطيئة وعيناه تمتلئان بالدهشة:
 فارس؟
انحنى أمامه وحدق فيه طويلا... ثم ضمه إلى صدره وكأن قلبه عرف الحقيقة قبل لسانه:
انتت بتعمل اي  اهنيه يا حبيبي... دا بيت ريم. 
لكن قبل أن تكتمل لحظة الدهشة...لمح من زاوية عينه شخصا يقف بعيدا خلف شجرة يصوب سلاحا صغيرا باتجاه فارس وفي ثانية واحدة فقط...ركض أسد بكل قوته وصرخ:
فااااااارس
ودفع الطفل بعيدا عن مسار الطريق وانطلقت الرصاصة في جسد أسد الذي  سقط أرضا بقوة ويده لا تزال تحيط بفارس فـ صرخ الطفل بفزع  و
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
وقف فهد بجوار الطبيب داخل الغرفة ويده ترتجف وهو يطالع وجه ابنته الباهت في حين كان أسد واقفا خلفه بصمت وعيناه معلقتان بجسد الطفلة النائمة والقلق يكسو ملامح الجميع  وعدد من أفراد العائلة كانوا يقفون في الخلف في حالة ترقب مشدودة الأعصاب حتي قطع الطبيب الصمت بنبرة مطمئنة وهو ينظر إلى فهد مرددا: 
 الحمد لله... البنت كانت عندها أعراض تسمم خفيف بسبب حاجة شربتها... عملنا ليها غسيل معدة واستجابت كويس وهتفوق دلوجتي حالا... متخافوش
تنهد فهد براحة وكأن روحه رجعت لجسده ومد يده بسرعة يصافح الطبيب وهو يتمتم:
شكرا يا حكيم... ربنا يباركلك يارب.. الحمد لله 
أومأ الطبيب بهدوء ثم خرج من الغرفة، تاركا وراءه جوا مشحونا بالترقب ومرت ثوانٍي قليلة قبل أن تفتح الطفلة عينيها ببطء تتجول نظراتها البريئة بين الوجوه القلقة المحيطة بها وكأنها تبحث عن الأمان وفي تلك اللحظة انهار فهد من الداخل وسقط على ركبتيه إلى جوارها يضمها إلى صدره بقوة مرددا:  
حمد الله على السلامة يا روحي... جلبي كان هيوجف من الخوف عليكي والله 
همس بها وهو يحتضنها بشدة وكأنه يحاول أن يعيد الحياة إليها بأنفاسه المرتجفة بينما الدموع تملأ عينيه دون أن يطرف له جفن واقترب أسد منها وربت على رأسها بحنان بالغ ثم سألها بصوت منخفض مليء بالقلق:
انتي أكلتي إي يا حبيبتي؟ اي ال حوصل ك بالظبط مش جولنا مينفعش تاكلي حاجه غلط 
هزت الصغيرة رأسها نافية وأجابت ببراءة غافلة عن ثقل كلماتها وهتفت: 
مأكلتش حاجة يا عمو... أنا بس شربت عصير من طنط ملك... كانت جابتلي كوباية عصير 
وفي لحظة ساد السكون التام و التفتت الأنظار جميعها ناحية ملك وعلامات الصدمة تعلو الوجوه وفجأة...صفعة عنيفة كسرت الصمت ودوّى صوتها في أرجاء الغرفة عندما اندفعت ريم إلى الداخل بخطوات سريعة وصفعت ملك على وجهها بقوة جعلتها تتراجع من شدة الصدمة مردده بصراخ:  
إنتي مجنونة.... إزاي تعملي اكده في طفلة... مالك ببنتي... هب دي الامانه يا فهد ال انت جولتلي هتحافظ عليها... هي دي الامانه ال جولناي متخافيش دي في عيوني... اي عيون دي... بنت عمككانت هتجتل بنتك جدام عيونك وانت واجف تتفرج 
ارتجفت ملك ووضعت يديها على خدها و لم ترد ولم تقدر حتى على البكاء... كانت ملامحها مشوشة مزيج من الذهول والخوف والانكسار فـ تقدم أسد ببطء ونظر إليها نظرة حادة تحمل خيبة أمل عميقة ثم سألها بصوت  حاد:
ليه يا ملك....ليه اكده... إنتي فعلا كنتي عايزة تأذيها 
رفت رموش ملك وبدأت الدموع تتجمع في عينيها وتمتمت بصوت مرتجف:
أنا... والله ما كنت أجصد... انا مكنتش أعرف إن ممكن يوحصل اكده.. هي اديتني حاجه زي مسحوق اكده وانا حطيته ليها في العصير وجسما بالله جالتلي ان ملوش اي اضرار... جهاد ال جالتلي
نظرت ريم اليها بغضب ورددت: 
انا عايزه بنتي يا فهد... مش هسيبها اهنيه دجيجه واحده 
تجمدت ملك وانهارت باكية على الأرض وهمست بصوت بالكاد يسمع:
أنا كنت تايهة... وخفت أخسرك يا فهد جسما بالله اكتر من اكده..انا بحبك جوي ومش جادره اعيش من غيرك .. جهاد جالتلي إن دي الطريجة الوحيدة... وأنا كنت... ضعيفة مش مركزه في اي حاجه... كل ال يهمني وجتها هو انك تبجي معايا يا فهد والله ما اعرف انها هتتأذي 
اقترب فهد منها ببطء وعيناه تشتعلان غضبا... لكن صوته جاء هادئا بشكل مرعب:
يعني علشاني... كنتي هتموتي بنتي.... ومش جصدك.. هو اي ال مش جصدك هاا... انتي بجيتي انانيه مش بتحبي غير نفسك وبس 
ارتعشت ملك وانهارت أكثر بينما كان الجميع يرمقها بصمت ثقيل ولحظة محاسبة لا مفر منها وكأن الحقيقة انكشفت أخيرا أمام الجميع وفي تلك الليلة كان الغضب يشتعل في عيني أسد وهو يدفع باب غرفته بعنف كاد أن يخلعه من مكانه ودخل بخطوات غاضبة تملأها العاصفة حتى وقفت جهاد مفزوعة من على السرير وقبل أن تنطق بكلمة كان قد أمسك بيدها بعنف وصرخ بعينين تتقدان غضبا:
انتي مالك بأختي هاا....دي اخرتها...بجيتي تعملي سحر وأعمال ومدخله اختي معاكي وفاكراني هسكتلك... دي أختي يا جهاد... أختي.. انا خلاص مش عايزك وهطلجك 
تراجعت جهاد خطوة للوراء بعينين مرتعشتين و حاولت أن تتماسك لكن صوته كان أشبه بسيف حاد فهتفت بتوتر:
هتطلجني علشان سحابة ظهرت.. صوح... هي رجعت ووشها بس قلب حالك.. بجيت مش انت واتغيرت اول ما شوفتها 
اقترب منها أسد بخطوة عنيفة وصوته انخفض لكنه صار أكثر قسوة:
سحابة مالهاش صالح بحاجه ...أنا بكرهك يا جهاد بكرهك من زمان جوي ويوم ما اتجوزتك بره مصر كنت غبي.. كان بتهيألي اني محتاج حد في حياتي علشان بعيد بس اكتشفت اني دخلت حياتي اكبر مصييه في العالم كله.... وكل ال كنت بعمله لحد دلوجتي كان علشان بنتي... وبس ولولا البنت، كنت رميتك من زمان جوي 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
شهقت جهاد بدهشة وقلبها يتفتت من كلماته ومدت يدها إليه كأنها تحاول التمسك بآخر فرصة وهمست بصوت منكسر:
بس أنا بحبك...أنا مجدرش أعيش من غيرك يا أسد... جسما بالله بحبك جوي 
صرخ أسد بقهر وهو يزيح يدها بعيدا:
بس أنا بكرهك.. وخلصنا..ال بينا الطلاج وبس وانتي طالق من دلوجتي...وابعدي عني وعن أختي وعن فهد وعن حياتي كلها
انهي اسد كلماته ثم استدار بخطوات سريعة وخرج من الغرفة دون أن ينظر خلفه تاركا  جهاد تنهار وهي تسقط على الأرض وبعد لحظات... تحول الانكسار في وجهها إلى غضب أسود وتغيرت نبرة دموعها إلى حقد دفين فصرخت بصوت مسموم وهي تضرب الأرض بقبضتها:
كله بسبب سحابة...هي السبب في كل حاجة...ووالله...ما أنا سايباها
صدى كلماتها ظل يتردد في الغرفة بينما وجهها اشتعل بنار الحقد... ولم تكن تدري أن ما تنوي فعله قد يكون طريقا بلا عودة وفي صباح يوم جديد جلست سحابة في ركن من أركان الحديقة الخلفية لبيت ريم  تحت شجرة التوت العتيقة تحتضن ابنها الصغير فارس وكأنها تخشى أن يتلاشى بين ذراعيها إلى جوارها زجلست ريم تتابعهما بنظرة حزينة وقلبها لا يزال يحمل أثر الليلة الماضية حتب قالت ريم بهدوء وهي تمسح على رأس الطفل:
الحمد لله إنه طلع بيلعب ومستخبي...جلبي كان هيوجف وأنا فاكرة إنه اتخطف ولا جراله حاجة 
هزت سحابة رأسها ببطء وضمت الطفل أكثر لصدرها كأنها تحميه من العالم وهمست:
بس أنا مش هجدر أفضل عايشة في الرعب دا كل يوم...مش هجدر أفضل قلقانة عليه كل ثانية...أنا لازم أبعد تاني يا ريم... ولازم أخرج من اهنيه 
نظرت إليها ريم بصدمة ورفعت صوتها قليلًا:
كفاية يا سحابة... هتفضلي مستخبية لحد إمتى... ومخبية عن أسد إن فارس ابنه... الراجل طلج جهاد خلاص... وانا اصلا جيبت بنتي علشان خايفة من ملك واسد مسكتس اهه 
رفعت سحابة نظرها إليها بسرعة وعيناها تلمعان بالدموع، ورددت بصوت مرتجف:
والله يا ريم... ملك طيبة مش زي ما انتي فاكرة...وانا مش خايفة من جهاد... أنا... خايفة على ابني... خايفة أخسره زي ما خسرت الأول
كانت الكلمات تخرج من فمها كأنها جمرات تحرق روحها فسكتت ريم للحظة ثم قالت بهدوء أكثر:
اسد اتغير يا سحابة...مش هو نفس الراجل ال كان زمان... بجا أب حقيقي وبيهتم...بس المشكلة الأكبر إننا لحد دلوجتي مش عارفين مين ال جتل فارس... الله يرحمه
وفجأة... وقبل أن تنطق سحابة بأي كلمة قطعت عليهما الحديث الطفلة الصغيرة ابنة ريم وفهد وهي تمسك لعبة في يدها ووجهها مليء بالبراءة لكنها نطقت بجملة زلزلت المكان:
أنا عارفة يا ماما...عارفة مين ال جتله 
تحولت رؤوسهم بسرعة إليها واتسعت عيونهما بصدمة شديدة وساد الصمت فقط صوت زقزقة العصافير كان يرافقهم كأن الكون كله توقف ليستمع لما ستقوله الصغيرة وفي المساء  كان الليل قد بدأ يلقي بظلاله الثقيلة على البيت الكبير وداخل الجدران كان القلق ينهش قلب فهد وهو يتحرك في أرجاء المنزل كمن يبحث عن نبض الحياة فصرخ بصوت ملعلع يملأ المكان بالغضب والقلق:
ـهي راحت فين تاني؟! ست ملك تعمل المصيبة وتختفي!دي فاكرة نفسها في فيلم أنا زهجت والله
كان صوته يعلو حتى ارتج له البيت وهو يفتح أبواب الغرف واحدة تلو الأخرى إلى أن وصل إلى غرفة جهاد دفع الباب بعنف...وفجأة، تجمد مكانه وعينا فهد اتسعتا من الصدمة وصدره ضاق من الفزع كانت ملك ملقاة على الأرض والدم ينزف من رأسها و يتسلل على الأرضية البيضاء بهدوء قاتل فـ ركض نحوها وارتمى بجانبها يحتضن رأسها المرتجف بين يديه:
ملك فوجي يا ملك... إي ال حوصل... مين عمل فيكي اكده؟!
ملك.. بالله عليكي كلميني
بدأت تتحرك شفتاها ببطء وصوتها بالكاد خرج:
جهاد... جهاد عرفت إن فارس... ابن أسد...هتجتله يا فهد...هتجتله.
تجمدت ملامح فهد وكأن الوقت توقف وعقله رفض استيعاب ما سمع:
فارس... ابن أسد؟!"
لكن لم تأتي إجابة..وفجأة انغلقت عينا ملك وسقط رأسها للخلف وفقدت وعيها فـ صرخ فهد بكل ما فيه من وجع:
حد ييجي اهنيه بسرعه... اطلبوا الاسعااف 
ملك بتموت
وفي مكان آخر، خارج البيت كان فارس الصغير يقف يضحك ويلعب مع الطفلة الصغيرة ابنة ريم أمام السور وضحكاتهما كانت تطغى على هدوء ما قبل العاصفة وفي تلك اللحظة توقفت سيارة سوداء أمام البيت ونزل منها أسد.... فـ ابتسمت الطفلة ما إن رأته وركضت نحوه:
عموووو... واحشتني جوي 
فتح اسد ذراعيه لها وضحك وهو يحضنها:
وانتي كمان واحشتيني جوي والله 
وما إن أبعدها قليلا حتى وقعت عيناه على فارس..جمد في مكانه واقترب بخطوات بطيئة وعيناه تمتلئان بالدهشة:
 فارس؟
انحنى أمامه وحدق فيه طويلا... ثم ضمه إلى صدره وكأن قلبه عرف الحقيقة قبل لسانه:
انتت بتعمل اي  اهنيه يا حبيبي... دا بيت ريم. 
لكن قبل أن تكتمل لحظة الدهشة...لمح من زاوية عينه شخصا يقف بعيدا خلف شجرة يصوب سلاحا صغيرا باتجاه فارس وفي ثانية واحدة فقط...ركض أسد بكل قوته وصرخ:
فااااااارس
ودفع الطفل بعيدا عن مسار الطريق وانطلقت الرصاصة في جسد أسد الذي  سقط أرضا بقوة ويده لا تزال تحيط بفارس فـ صرخ الطفل بفزع  و

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا