رواية بين الود والقدر من الفصل الاول للاخير بقلم الاء محمد
رواية بين الود والقدر من الفصل الاول للاخير هي رواية من كتابة الاء محمد رواية بين الود والقدر من الفصل الاول للاخير صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية بين الود والقدر من الفصل الاول للاخير حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية بين الود والقدر من الفصل الاول للاخير
رواية بين الود والقدر من الفصل الاول للاخير
أنا هتجوز تاني...وحبيت أقولك عشان ما تعرفيش من بره.
الجملة خرجت مِنُه بهدوء غريب،
الهدوء اللي بيكسر قبل ما يشرح.
كنت واقفة قدامه، الباب ورايا ولسه قلبي بيدق من الفرحة.
كارم رجع بعد شهرين غياب.
أول مرة يبعد عني من يوم ما اتجوزنا.
كنت بحسب الأيام زيه،
بحط صورته جنبي وأنا بنام،
بحس صوته في ودني كل ما الموبايل يرن.
كنت مستنية اللحظة دي،
اللحظة اللي هرجع فيها أشوفه، أحضنه، وأقول لنفسي رجع بيتي.
لكن أول كلمة نطقها… كسرتني.
أنا هتجوز تاني.
كنت حاسة إني سمعت غلط.
يمكن بيهزر؟
يمكن بيجربني؟
لكن نظرته كانت ثابتة…
باردة…
الفتور اللي كان في عينيه أكد الكلام كله.
خلاني أعرف إن مفيش هزار.
الدنيا حواليا سكتت.
الصوت الوحيد اللي كنت سامعاه هو دق قلبي، اللي بقى تقيل، كأنه بيتخبط فيّي مش في صدري.
كنت ببصله، لكنه مكانش بيبصلي زيه الأول.
كان بعيد… غُربة بيني وبينه، مش بين بلدين.
------------------------
شُفت الصدمة على وشها.
الدمعة اللي كانت محبوسة، الأنفاس اللي اتقطعت قبل ما تقول حاجة.
وقتها قلبي وجعني.
بس خلاص... كنت نطقت.
كنت ببص لها وأتمنى أشوفها زي زمان،
اللي كانت بتضحك من قلبها، تخلي كل تعب اليوم يهون.
بس بقالنا فترة… كل حاجة بينّا بقت بردة.
الضحك اختفى.
الكلام قلّ.
هي بقت ساكتة، وأنا كمان.
كانت أول ما تفتح الباب، عينيها مليانة فرحة وسعادة،
كانت مبسوطة جدًا إني رجعت،
كنت حب عمرها انا عارف، كانت الساعة اللي هاجي فيها محجوزة في قلبها…
بس كلمتي كسرت كل الفرح ده.
بقيت بشوفها كأنها مهملة…
مش مهملة في نفسها، في البيت، فينا، حتى في وجودها ليا.
مش زي الستات اللي بشوفهم في الشغل، مهتمين بنفسهم وبيحافظوا على روحهم.
كنت بحاول أفهم،
ليه البعد ده غيّرها؟
ليه البسمة اختفت من وشها؟
ليه كل حاجة بقت تبعدني عنها، بدل ما تقربني؟
كنت نفسي أشوفها تاني زي زمان،
نورا اللي كنت بحبها بكل تفاصيلها،
نورا اللي كانت كل حاجة في حياتي…
بس دلوقتي… صدمتها كانت واضحة،
وهي، من جواها، موجوعة…
بس برودها قصاد عني، بيجرح قلبي أكتر.
--------------------------------
قول لي يا كارم…
قصرت معاك في إيه؟
سؤال طلع من لساني بهدوء غريب، كأن قلبي نسي يصرخ.
يمكن كنت خايفة لو عليّت صوتي أبان ضعفي، وأنا مش عايزة أبان مكسورة.
كنت عايزة أفهم… بس بكرامة.
كارم وقف، وشه اتغير للحظة.
شُفت التوتر في عينيه، والنَفَس اللي بيحاول يطلعه وما بيطلعش.
اتكعبل في الكلام كأنه أول مرة يتكلم معايا.
– أنا… يا نورا، الموضوع مش كده…
ده حقي، الشرع قال كده…
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ، فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ، مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ…
الكلمة وجعت وداني قبل ما توصل لقلبي.
اللي بيني وبينه بقى قرآن بيتقال كتبرير.
كنت ببصله، وكل كلمة بتنزل زي سكينة في روحي.
قلتله وأنا ببصله بثبات غريب:
– هو ده بس اللي فاكر من الشرع؟
باقي الآية يا كارم…؟
ولا نسيتها عشان مش على هواك؟
اتلخبط لحظة، حاول يرد، بس أنا كملت قبله:
– فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً.
ولا دي مش عاجباك؟
سكت.
الصمت كان تقيل بينّا لدرجة إني كنت سامعة نفسي وأنا بتنفس.
وشه اتبدّل، كأنه اكتشف إن الجرح اللي عمله مش سهل يتلم.
قلتله وأنا لسه محافظة على هدوئي:
– أنا مش هوقفك، ولا هعيط، ولا هسألك تحبني ولا لأ.
اللي عايز يتجوز، يتجوز.
بس قبل ما تعمل اي حاجه في الجوازة التانية… طلقني.
كانت الكلمة طالعة من قلبي… قوية وواضحة.
مش تهديد، ولا تحدي، كانت بس نهاية حكاية كنت أنا فيها لوحدي.
هو وقف مكانه، وشُفت في عينيه وجع، بس ما اتكلمش.
يمكن كان عايز يشرح، يمكن ندم، يمكن لأ.
بس خلاص… الكلام بعد أنا هتجوز تاني ملوش معنى.
رجعت خطوتين ورا، مسكت مقبض الباب،
بس ما فتحتوش.
قلتله وأنا ببصله آخر بصّة:
– كنت فاكرة إن السفر بعد، لكن طلع البعد الحقيقي بدأ وانت لسه هنا.
وسبت المكان،
وسبت ورايا كل حاجة كانت بتربطني بيه،
إلا وجع كبير…
----------------------
دخلت الأوضة بخطوات هادية… وبنتي نايمة، ووشها صغير ولطيف، كانت بتضحك في نومها كأنها مش حاسة بحاجة حواليها. وقفت كده لحظة، وبصيت ليها، وبعدين وقفت على باب الأوضة، سامعة صوت الرزعة…و قلبها وقع.
قعدت على طرف السرير، حطيت إيدي على كتف البنت الصغيرة، وقلت لنفسي بصوت واطي:
– تعرفي يجوري… انا بدعي دايما ان ربنا يحميكي… وتعرفي كمان أنا كنت بحبه… والله كنت بحبه من قلبي…
سكتت شوية، وبعدين رفعت راسها وبصت ناحية الباب، مكانه، كأنها عايزة تتأكد إن كلامه اللي قاله كارم صح ولا حلم. قالت لنفسها بصوت شبه همس:
– يعني… هو أنا كده قليلة في عينيه؟… كل الحب ده… وكل اللي عملته… كله راح؟…
سكتت شوية، وبعدين بدأت تحكي بصوت أعلى شوية، كأنها بتفضفض لنفسها، مش لأي حد تاني:
– كنت فاكرة… كنت فاكرة إنه بيحبني زي ما أنا بحبه… كنت مستنية اللحظة اللي هرجع فيها أشوفه… أحضنه… وأقول لنفسي… رجع بيتي… بس… لا… الكلام ده كله وقع في دمي… قلبه متغير… نظراته… حتى صوته… كله بقا بارد.
بصت على البنت الصغيرة، وابتسمت ابتسامة ضعيفة، دموعها لسه سايبة على خديها:
– بس ماشي… مش هخلي حد يشوف دموعي… مش هخلي وجعي يمسها…
وقفت من على السرير، ومشيت ناحية الباب، سامعة صوت قلبها اللي لسه بيدق بسرعة… وقالت لنفسها:
– أنا كنت بحبه… وأنا هفضل بحبه… بس… مين فاهم… مين حاسس باللي جوّا قلبي دلوقتي؟…
وقفت لحظة، وبصت حواليها، البيت ساكت… غير صوت نوم البنت… قالت لنفسها بجدية:
– هتشوف يا كارم… هتشوف أنا مين… ومين اللي كان حقيقي… ومين اللي استاهل كل ده.
وطلعت قاعدة على الكرسي في الصالة، قلبي لسه موجوع من اللي حصل مع كارم، ودموعي سايبة على خديّ، وفجأة رن جرس الباب. قلبي اتجمد لحظة، ومشيت أفتح… لقيت جدتي واقفة، وشها كله حنية، وعينيها مليانة فضول وقلق.
–نو.........اي ده مالك يا بنتي؟ ليه عينيكي حمراء كده؟ في إيه؟
رفعت راسي، وحاولت أسيطر على دموعي، وقلت بصوت واطي:
– ما فيش يا جدتي… انتِ عاملة إيه؟ بخير؟
ابتسمت وقالت: الحمد لله… بس إنتي إيه اللي حصل؟ شكلك تعبانة قوي.
تنهدت، وحسيت ما ينفعش أكتم حاجة تاني، حكيت لها كل اللي حصل… كل كلمة خرجت من جوّا صدري، والدموع نزلت على وشي. جدتي بصّتلي بعمق، وبعدين قالت بحزم، بس مش قاسية،قالت بكل خبرة السنين:
– يا بنتي… انتم الاثنين غلطانين. أنتِ أهملتي جوزك… ما سمعتيهش كويس… وما خليتيش نفسك معا… وكمان مهملة... بس هو كمان غلطان لأنه بقا بارد وبص برا علي طول. مفيش حد كامل، وكل واحد فينا بيغلط، بس المهم نتعلم ونصحح.
وقفت قدامها، وحطت إيديها على كتفها، وقالت:
– شوفِ يا نورا… الواحد لما يكون عنده بيت…و لما يكون عنده جوز وأولاد… لازم يبقي واعي. مش بس بالكلام، لأ… بالأفعال. لازم تعرفي تحافظي على جوزك… تعرفي تدي له اهتمامك… تحسسيه بحبك ووجودك ليه… متخليش أي حاجة برا البيت تخليه يبص يمين وشمال.
كملت الجدة كلامها، كل كلمة ليها وزن:
– انتِ عارفة يا بنتي… النظافة مهمة… مش بس جسديًا، لأ… روحك كمان… لبسك، شعرك، ريحتك، كل حاجة فيكي لازم تحسيه إنه ليه الأولوية في حياتك… لما مراته تهمل نفسها، أهو طبيعي يبص بره. مش حاجة غلط… بس هو بيحس بنقص… ومفيش ست حابة تحس كده.
– ولازم تعرفي يا نورا… النفسية مهمة… لما تكوني تعبانة أو مضايقة، مش معناه تهمل نفسك… اهتمي بنفسك، بحاجاتك الصغيرة… حتى لما تكوني متعبة من البيت أو أولادك، حطي لنفسك وقت… شعرك، وشك، لبسك… حتى ضحكتك… كل حاجة بتفرق مع الجوز… بتحافظ على شعوره بيكي.
– وعليكي يا بنتي… لازم تعرفي إمتى تهدّي، إمتى تتكلمي، إمتى تتحملي… البيت محتاج منك صبر… والأولاد محتاجين حضن… والجوز محتاج حنية واهتمام. ما ينفعش أي حاجة تبوّظها تيجي تقول الطلاق… لا… الحياة محتاجة صبر وفهم… ومفيش حد كامل.
– واسمّعي مني الكلام ده: الحب مش بس كلام… مش بس دموع… مش بس شعور… الحب فعل… اهتمام… نظافة… ضحك… اهتمام بالبيت… حتى أكلك، ترتيبك، شغلك… كل حاجة… كل حركة بتحسسه بحبك… حتى لو مش قايل كلمة.
– خدي بالك من بنتك كمان… لازم تحافظي على قلبها… على روحها… على ابتسامتها… ما تخليش وجعك يوصل لها… لو شافت دموعك كل يوم… هتتعود على الحزن… ومين عايز كده لبنته؟ لازم تكوني قوية… لأجل نفسك… ولأجلها.
– وأنا هقوللك حاجة مهمة… الناس ساعات تشوف إنه الجوز بيبص بره… مش كل مرة خطأه هو سبب… مرات الست اللي قدامه تهمل نفسها شوية… تهمل بيتها… تهمل نظافتها… تهمل نفسها… أهو طبيعي يحس بنقص… ويدور على اللي يكمّلها… مش دايمًا حاجة كبيرة… ساعات بس الاهتمام البسيط… نظافة بسيطة… ابتسامة… كلام… كل ده بيخلي الرجل يفتكر البيت كله حب ودفا.
– ولازم تعرفي يا بنتي… لما يكون عندك جوز، خلي بالك من قلبه… مش بالكلام بس… بالعينين، بالوجود… بالضحكة، باللمسة، بالنظرة… مش معنى إنك تعبانه أو متضايقة تهمليه… لازم تحسيه إنه مهم… إنه الأولوية… ولو حسيته كده… مش هيبص بره… ومش هيفكر في حد غيرك.
– وفهمي يا نورا حاجة كمان… الإنسان اللي بيحبك… محتاج يشوفك سعيدة… محتاج يحس بالدفا… محتاج يشوفك مهتمة بنفسك… حتى لما يكون بعيد عنك… كل كلمة بتقوليها، كل حركة بتعمليها… كل ده بيرجعلك… وبيخلي قلبه مستريح معاكي…
سكتت شوية، وبعدين ضحكت ضحكة خفيفة، وقالت:
– شوفِ يا بنتي… الحياة مش سهلة… كل واحد بيغلط… بس المهم نتعلم… ونحافظ على اللي عندنا… ما تسمحيش لدموعك تضيعك على الفاضي… وما تخليش وجعك يمس بنتك… خليكي قوية… وتعلمي من غلطك… تعرفي مين يستاهل قلبك ومين مش يستاهل…
وفضلت كده شوية معايا، وحطت إيديها على كتفها، وكل كلمة كانت بتدخل قلبي… كانت صعبة… بس مليانة حكمة. وكل نصيحة كانت بتحسسني إني لسه قادرة أرجع أكون قوية… أرجع أكون أم كويسة… وأرجع أكون زوجة حقيقية لو لسه فيه
---------------------------
كارم خرج من عند نورا وهو مش مركز، خطواته تقيلة وكل حاجة حواليه ضبابية. الشارع كان ساكت بالنسبة له، كل صوت بيعديه من غير ما يسمعه، كل حاجة حوالينه ضايعة قدامه، غير قلبه اللي كان بيتوجع بشدة.
مشى فترة طويلة، كل خطوة تقيلة عليه، وكل مرة يفكر يرجع لكن رجليه ما كانتش راضية تمشي في أي اتجاه. الوقت مر وهو ماشي بلا هدف محدد، لحد ما لمح الجامع من بعيد. وقف شوية قدام الباب، خد نفس عميق، وحاول يلم نفسه.
بعد لحظة، فتح الباب ودخل جوه الجامع. وقف هناك في الصفوف الأمامية، ساكت، قلبه متلخبط، خطواته جايه مع صدى صوته وهو يمشي على الأرضية. رفع رأسه شويه وبص حواليه، ثم وقف ساكت، يحاول يثبت قدامه قبل ما يكمل أي حاجة.
-------------------------
كارم كان ماشي بخطوات تقيلة، كأنه شايل الدنيا على كتافه.
الهوا البارد لمس وشه، بس ما حسش بيه… كل اللي كان سامعه هو صدى خطواته على الرصيف، وصوت قلبه اللي بيتخبط جواه.
لحد ما وصل باب الجامع.
وقف لحظة، رفع عينه للسماء وقال في سره:
يا رب… أنا تايه.
دخل جوه بخطوات بطيئة. ريحة السجاد، وصوت الآيات اللي بتتقال من بعيد، رجّعوا له حاجة كان فاقدها من فترة… الهدوء.
راح توضى، والمية نزلت على إيده كأنها بتغسل مش بس التراب… كأنها بتحاول تغسل الغلط اللي جواه.
وقف في الصف، وكبّر.
كل سجدة كانت وجع، وكل الله أكبر كانت تنهيدة من جوه قلبه.
ولما خلص، ما قدرش يتحرك.
قعد على الأرض، حاسس إن الأرض ماسكاه، مش قادر يقوم، مش قادر يهرب من أفكاره.
فضل ساكت شوية، عينيه في الأرض، ودماغه مليانة صور… نورا وهي بتبصله بوجع، بنتهم وهي نايمة مبتسمة، صوته هو وهو بيقول أنا هتجوز تاني وهو مش مصدق إنه قالها فعلًا.
وفجأة، صوته راجل كبير جنبه كسر الصمت:
– مالك يا ابني؟ شكلك مش على بعضك كده ليه؟
رفع كارم عينه، شاف شيخ كبير في السن، وشه كله نور وطمأنينة، بيبص له بحنية حقيقية.
اتنهد وقال:
– ما فيش يا شيخ… أنا تمام.
الشيخ ابتسم وقال بهدوء:
– اللي بيقول ما فيش دايماً عنده وجع كبير… قول لي يا ابني، إيه اللي مضايقك؟ فضفض، يمكن ترتاح.
كارم نزل راسه، قعد يدوّر على الكلمات، وبعدين قال بصوت مبحوح:
– يمكن… يمكن غلطت. يمكن لا.
بس اللي متأكد منه إني وجعت مراتي… وجعتها أوي.
الشيخ بص له، وقال:
– وجعتها إزاي يا ابني؟
كارم قال بصوت متقطع، كأنه بيحكي لأول مرة بصراحة:
– أنا… أنا بحبها، والله بحبها. هي حب عمري، حتى لو ما كناش متجوزين على حب.
يعني… ما كانتش قصة عشق قبل الجواز، لأ… كنا مخطوبين في ضوابط، زي ما بيقولوا، جواز عائلات كده، بس بعد الجواز… حبيتها.
أول سنتين كانوا أجمل سنين في حياتي… كنت بصحى على ضحكتها، وبنام على صوتها، كنت بحس إن البيت ليه روح.
بس بعدين… الدنيا اتغيّرت.
سكت لحظة، وصوته بدأ يتغير وهو بيكمّل:
– بقت مهملة، يا شيخ. مش في نفسها بس، في كل حاجة.
ما بقتش تهتم بيا، ولا بالكلام، ولا بالشكل، ولا حتى بالبيت.
كل حاجة بقت ساكتة، باردة، كأنها فقدت الشغف اللي كان بينّا.
أنا حاولت أتكلم… حاولت أقرّب… بس كنت بحس دايمًا إن الكلام بيضيع في الهوا فسكت.
تنهد وقال:
– لحد ما جالي شغل بره، قلت يمكن السفر يغير حاجة… يمكن البعد يخليني أحس إن الغلط مني، يمكن أراجع نفسي…
سافرت شهرين.
الشيخ سمعه في صمت، وهو بيكمّل:
– في السفر شفت حاجات كتير.
شفت ستات بيهتموا بنفسهم، ببيوتهم، بجوازهم…
كل واحدة ماشية بشياكة، بريحة حلوة، بابتسامة بسيطة تخلي اللي حواليها يفتكر إن الدنيا لسه بخير.
ساعتها بصراحة قلت لنفسي… ليه مراتي ما بقتش كده؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ليه سابت نفسها بالشكل ده؟
ليه كل حاجة بينا بقت واجب مش حب؟
رجعت من السفر وأنا حاسس إن.........
كارم أخد نفس طويل وقال بصوت متكسر:
– العيب منها… مش مني.
حتى لما رجعت من السفر، ما حسّيتهاش اتغيّرت.
كانت واقفة تستناني آه، بس… ما كانش في شوق في عينيها،
حضنتني، بس حضنها كان بارد، كأنها بتعمل اللي المفروض تعمله، مش اللي نفسها فيه.
ما حسّيتش إن في لهفة… ولا اشتياق.
كنت منتظرها تجري عليا، زي زمان…
بس اللي حصل النهارده أكدلي حاجة واحدة بس،
إنّي وجعتها… وجعتها قوي،
وأكتر حاجة كسرتني، دموعها…
دموعها كانت بتلسعني وأنا مش قادر أمد إيدي أمسحها،
مش قادر أشوف نظرتها،
النظرة اللي كلها وجع، ولا كلمة فيها… بس وجعتني أكتر من ألف كلمة.
سكت، وصوته اختنق،
والشيخ فضله ساكت لحظة، وبعدين قال بهدوء فيه حزم الأب:
– طيب يا ابني، خلينا نبتديها من الأول.
أول حاجة… الجواز مش ساحة حرب.
أنت وهيّ مش ضد بعض…
أنتوا فريق واحد، لو واحد فيكم وقع، التاني بيشيله.
– بص يا ابني، الجواز مش مسابقة مين يغلط في التاني أكتر.
الجواز مشاركة، يعني لما تشوف منها تقصير، ما تسكتش، واجهها،
تكلم معاها، اسمعها.
يمكن تكون تعبانة، يمكن موجوعة منك وانت مش واخد بالك.
هي شايفاك مش بتسأل، وانت شايفها مش مهتمة…
وسكوتكم هو اللي بيهدّ البيت من جوه.
قرب منه وقال:
– انت شايف إنها مقصّرة؟ طيب ما وجهتهاش ليه؟
ما كلمتهاش؟
الجواز يا ابني مش سكوت.
مش لما تشوف منها تقصير تسكت جوّاك وتبعد،
ولا لما تشوف منها برود تقول خلاص ما تستاهلش.
اتكلم معاها… و أوجهها،
قولها اللي مضايقك، زي ما المفروض هي كمان تقولك لما تحس إنك غايب عنها.
هي لو شايفه إنك بخيل في مشاعرك، أو مش بتسأل عليها، هتتأثر،
زيّك بالضبط لما شايفها مهملة، قلبك وجعك.
كلكم بتتألموا… بس الفرق إن محدش فيكم بيتكلم.
كارم كان بيسمعه وعينه بتلمع،
والشيخ كمّل بصوت دافي لكنه مليان صدق:
– الجواز يا ابني ما ينفعش فيه أنا وهي..
هو إحنا.
ربنا قال «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً»
ما قالش محبة بس، قال مودة ورحمة.
يعني حتى لو الحب قلّ، الرحمة تفضل…
حتى لو الشغف راح، المودة تكمّل.
وبعدين غمض عينه لحظة وقال:
– وتاني حاجة، ودي مهمة قوي…
إنت غلطت يا كارم، لما بصّيت برّه.
كارم رفع عينه بخجل، والشيخ كمل كلامه بهدوء وجدية:
– ربنا أمَر بغض البصر، مش عشان يضيّق علينا،
لكن عشان يحمي قلوبنا.
قال تعالى: «قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ»
عارف ليه؟
لأن أول خيانة بتبدأ من العين.
نظرة… تجرّ نظرة، وبعدها مقارنة.
تبدأ تشوف اللي برّه أجمل، أرق، أشيك،
وتنسى إن جوا بيتك في واحدة كانت بتتعب عشانك،
بس اتكسرت من كتر سكتك.
ورسولنا ﷺ قال: "العينان تزنيان وزناهما النظر".
اللي بيبص بره بيحرم نفسه من الطمأنينة،
لأن اللي جوه قلبه مش راضي بنصيبه.
ابصّ لمراتك كأنك أول مرة تشوفها،
هتلاقي فيها كل اللي نفسك فيه لو قلبك صافي.
بص له الشيخ نظرة كلها صدق وكمل:
– النظرة يا ابني سهم من سهام إبليس.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
النبي ﷺ قال: «النظرة سهم من سهام إبليس، من تركها لله أبدله الله حلاوة في قلبه يجدها إلى يوم يلقاه»
يعني اللي بيغض بصره، ربنا بيحط النور في قلبه،
بيحس براحة، بيشوف الحلال أحلى من أي حرام.
وقف الشيخ شويه وقال:
– وده أصل تعبك يا ابني.
إنت قلبك مش مرتاح…
مش عشان شغلك ولا بيتك،
لكن عشان بصيت للحاجة اللي مش ليك،
قارنت اللي عندك باللي عند الناس.
ومن يومها، ما بقيتش شايف النعمة اللي كانت بين إيديك.
مراتك يا كارم مش أقل،
بس عينك لما راحت لغيرها، قلبك اتعمّى عنها.
وده اللي بيخلي الواحد يحس إن مراته مش كل حاجة،
بس الحقيقة… هي كانت كل حاجة، وانت اللي غبت عنها.
كارم نزل راسه، وصوته كان واطي جدًا:
– يمكن… يمكن فعلاً أنا اللي بعدت الأول.
الشيخ حط إيده على كتفه وقال:
– ما فيش بيت من غير خلاف يا ابني،
بس اللي بيرجع لربنا عمره ما يخسر.
ارجع، وحاول، واتكلم، واغض بصرك،
وساعتها هتشوف النور اللي ربنا كان كاتمه عنك…
في وشها، في بنتك، وفي نفسك.
كارم مسح دموعه بصمت، وحس إن الكلام دخل جوه قلبه زي بلسم على جرح قديم.
رفع عينه للسماء، وقال في سره:
يا رب… قوّيني أرجع صح
الشيخ سكت لحظة، وبص لكارم نظرة كلها أبوة وقال بهدوء:
– اسمعني يا ابني، الجواز عمره ما بيقوم على العند، ولا على مين غلط الأول.
بيقوم على الرحمة، على إن كل واحد يشيل التاني وقت ضعفه.
وهي الست كده يا كارم، لو اتوجعت، بتسكت، ولو سكتت كتير… بتنكسر.
قرب منه وقال له بنبرة فيها دفء وصدق:
– بص يا ابني، أول حاجة دلوقتي تعملها…
قوم، توضّى، صلّي ركعتين، وارجع لمراتك.
روح لها وإيدك فاضية من الغضب،
واملاها بالمحبة والاعتذار.
قولها كلمة حلوة يمكن تطيب قلبها أكتر من ألف عذر.
كارم كان ساكت، والشيخ كمّل وهو بيبتسم له بهدوء الأب اللي فاهم وجع ابنه:
– الستات غلابة يا كارم، غلابة بمعنى الكلمة.
الست مش بتطلب كتير، هي بس عايزة تحس إنها متشافه،
إنها لسه حلوة في عين جوزها،
ولسه محل اهتمامه، حتى لو بعد السنين.
الست لما تهمل نفسها مش دايمًا كسل…
مرات التعب بيكسرها، ومرات الكلمة الجارحة تطفّيها،
وإنت يمكن ما كنتش واخد بالك.
الشيخ رفع صوته بشوية خشوع وقال:
– والنبي ﷺ قال: «استوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عوان عندكم»
يعني يا ابني هم أمانة…
النبي وصّانا بيهم، مش مرة ولا اتنين،
وصّى بيهم في آخر خطبة له قبل ما يمشي من الدنيا.
وقال كمان: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»
يعني اللي بيكرم مراته مش ضعيف،
ده اللي بيعمل كده هو اللي فاهم معنى الرجولة بجد.
كارم كان سامع كل كلمة كأنها بتنزل جوه قلبه نقطة بنقطة،
والشيخ كمل بصوت واطي لكنه حاسم:
– بص يا ابني، ربنا هيحاسبك على مراتك،
زي ما هي كمان مسؤولة عنك.
أنت راجل، والرجولة مش في الصوت العالي ولا في القسوة،
الرجولة إنك تحميها، تصونها،
ولو غلطت، تمسك بإيدها تقومها، مش تسيبها تقع لوحدها.
قرب منه أكتر وقال:
– وبعدين، افتكر إن عندك بنت.
ترضى حد يعمل فيها كده؟
ترضى تشوفها بتعيط بسبب جوزها؟
ترضى تشوفها مكسورة زي ما شوفت مراتك النهارده؟
أو حتى أختك؟
أكيد لا…
يبقى إزاي تسمح لقلبك يعمل كده في واحدة كانت بتدعي لك وانت بعيد؟
كارم نزل راسه، وصوته اختنق:
– لا يا شيخ، ما أرضاش… ما استحملش.
الشيخ تنهد وقال:
– خلاص يا ابني، اللي مضى خلاص،
بس التوبة بابها مفتوح، وربنا غفور رحيم.
قوم توضّى، صلي، وارجع لمراتك قبل ما الشيطان يكبر الحيط اللي بينكم.
ولما تدخل، ما تتكلمش كتير… خلي فعلك يسبق كلامك.
خليك حنين، وافتكر دايمًا: الست لما تلاقي فيك راحة، مش هتحتاج تبص حواليها.
كارم مسح دموعه بإيده، وبص للشيخ وقال بصوت مبحوح:
– هدخل أصلي يا مولانا… يمكن ألاقي قلبي تاني.
الشيخ ابتسم وقال:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
– هتلاقيه يا ابني… لما تلاقي ربك الأول.
قام كارم، راح ناحية مكان الوضوء،
غسل وشه بمياه كانت بتلسع من كتر البرد،
لكن لأول مرة، حس إن البرودة دي بتفوقه مش بتكسره.
اتوضّى، ودخل تاني، ووقف في الصف الأول،
رفع إيده وقال: الله أكبر...
وصوت قلبه كان بيردد معاها نفس الكلمة.
وكل سجدة كان يدعي فيها:
"اللهم سامحني وردّها ليّ رِضا وسكينة."
خرج كارم من الجامع بعد الصلاة،
الليل كان هادي، والهوا بارد كأنه بيغسل هموم اليوم كله.
بس جواه… نار.
كل كلمة الشيخ قالها كانت لسه في ودنه، بتلف وتلف.
مشى بخطوات تقيلة ناحية بيته،
كل خطوة كانت اعتراف بالذنب.
وصل، ووقف قدام الباب، قلبه بيدق،
إيده بترتعش وهو بيفتح.
دخل البيت،
كل حاجة مكانها… بس ناقصها روحها.
هي قاعدة في الصالة، هادية، ملامحها مرهقة،
بس عينيها فيها وجع كبير متخفي في الصمت.
قال بصوت خافت:
– نورا…
ما ردتش.
قرب منها شوية، وقال:
– نورا، أنا آسف… والله آسف.
رفعت عينيها ليه، نظرة سريعة فيها كسرة،
وبعدين نزلت عينها تاني من غير كلمة.
– أنا غلطت، عارف،
بس كنت تايه… كنت شايف حاجات مش مكانها،
ولما بعدت، عرفت إنك إنتي كل مكاني.
أنا جيت أقولك… سامحيني.
سكت لحظة، وبعدين كمل:
– والله ما كنت أقصد أوجعك،
ولا كنت أقصد أخليكِ تحسي إنك قليلة.
بس كنت محتاج أفهم نفسي،
أفهم أنا ضيّعت إيه،
ولما بعدت… عرفت إن كل حاجة حلوة في حياتي كانت حواليك.
قرب منها وقال بصوت متكسر:
– نورا… أنا آسف.
عارف إن وجعك كبير، بس والله ندمان،
ما كنتش عارف إني هقدر أوجعك كده.
أنا بحبك يا نورا،
بحبك أكتر من نفسي،
وكل اللي عايزه إنك تسامحيني.
رفعت عينيها له، نظرتها كانت هادية جدًا،
فيها سلام غريب مش مفهوم.
قالت بهمس:
– وأنا… مسامحاك.
--------------------------
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
– وأنا مسامحاك.
الكلمة كانت بسيطة… لكن وقْعها تقيل.
قالت بهدوء غريب، والدمعة محبوسة في عينها
– مش هو ده اللي كنت عايز تسمعه، صح؟
بس هسامحك على إيه يا كارم؟
انت ما كسرتليش طبق.
وأسفك مش هيحل الموضوع.
ولا بوظتلي فستان.
انت كسرت قلبي.
كارم وقف مكانه.
الكلام خبط في صدره.
حاول يقرب وقال بصوت متلخبط
– نورا… بلاش كده، أنا هفهمك…
بس سيبيني أقولك…
قاطعت كلامه بسرعة.
– أنا مش عايزة أفهم.
أنا عايزة إجابة واحدة بس.
ليه؟
قول لي ليه؟
قصّرت معاك في إيه؟
إيه اللي خلّاك تبص برّه البيت وتقول الكلمة دي؟
قول لي… أنا عملت إيه؟
كارم حاول يمسك نفسه.
تنفس عميق.
– نورا… انتِ ما كنتيش زي الأول…
كنت بعيدة.
مش مهتمة بيا زي زمان.
كنت دايمًا تعبانة.
البيت، البنت… كل حاجة خدتِك مني.
بقيتي ساكتة.
ما بقتيش تضحكي.
ما بقتيش تسأليني زي قبل كده.
كنت حاسس إن وجودي عادي… زي أي حاجة في البيت.
بصت له نظرة فيها كسرة وغضب مكبوت.
– وأنا؟
أنا كنت بعيدة؟
ولا إنت اللي كنت بعيد من الأول؟
أنا ما بعدتش، يا كارم…
كنت غرقانة.
تعبانه.
البيت فوق راسي.
البنت محتاجة.
وجسمي مرهق من بعد الولادة.
كنت محتاجة منك كلمة حلوة.
كنت محتاجة حضن… مش لوم.
كنت محتاجة تحس بيا.
كنت محتاجة تقول لي أنا معاكي.
مش تبص بعيد وتقول اتغيرت.
اتنفست بصعوبة.
– انت فاكر الإهمال اللي شُفته مني كان كسل؟
ده كان تعب.
تعب الست اللي شالت كل حاجة لوحدها.
اللي بتنام آخر واحدة وتصحى أول واحدة.
اللي بتخاف تبكي عشان البيت ما ينهارش..
كنت محتاجة منك كتف، مش عتاب.
كنت محتاجة حضن، مش مقارنة.
– بس أنا كنت حاسس إنك ما بقيتيش ليا.
كل ما أقرب، ألاقيك مجهدة، متوترة، مش فاضية ليا.
قالت وهي ترفع صوتها بحرقة:
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
– كان المفروض تقرّب أكتر، يا كارم.
مش تِبعد.
الرجولة مش إنك تهرب وقت الزعل.
الرجولة إنك تمسك إيد مراتك وتفهمها.
تسألها مالك؟ محتاجة إيه؟
مش تبص لغيرها وتدور على الاهتمام اللي كنت المفروض تخلّيه جوه بيتك.
وقف مكانه، عيناه مليانة ندم، مش لاقي كلام.
–انا كنت محتاجة منك احتواء.
مش هدية، مش خروج، مش مجاملة.
كنت محتاجة حضن بسيط.
نظرة فيها أنا شايفك.
كلمة فيها أنا جنبك.
بس انت سبت أهم حاجة… سبتني.
ولما الست تتهمل من جوزها، بتبقى عايشة جنبه… بس ميتة من جوّه.
كارم مد إيده كأنه عايز يمسكها.
هي خطت خطوة لورا.
وقالت بهدوء موجع:
– ما كنتش عايزة منك غير إنك تيجي تعاتبني، مش تهرب.
العتاب بيصلّح…
بس البُعد بيكسّر.
وانت اخترت تكسر.
وأنا خلاص… وجعت كفاية.
انت كنت فاكرني هعيط، وأصرخ، وأقولك ما تسبنيش.
بس لأ يا كارم… المرة دي مش هقولك كده.
كملت الكلام وهو بيخرج منها ببطء… كل كلمة خنجر في صدره:
– جرحتني وأنا ساكتة.
لما قلت لي إنك هتتجوز، أنا ما نطقتش.
قلت في نفسي يمكن بيعدي بظروف، يمكن مضغوط.
بس بعدين فهمت إن الكلمة طلعت منك بجد.
طلعت من غير ما تفكر أنا هحس بإيه.
نزلت دمعة على خدها، ومسحتها بسرعة:
– كنت هفرح لك لو لقيتك مبسوط.
كنت هبص لك من كل قلبي وأقول يا رب يسعدك حتى لو مش معايا.
بس وجعي كان في إنك شايفني بتكسر وممدّتش إيدك.
كنت كل ما ببص في المراية أسأل نفسي:
هو أنا بقيت قليلة في عينه؟
ناقصني إيه علشان يبص لغيري؟
كارم مدّ إيد ومسح على وشه بعصبية:
– نورا بالله عليك، فهميني.
أنا مش عايز أبرر… بس عايزك تسمعيني بس.
كنت حاسس إنك بعدتِ.
كنت بشوفك مشغولة طول الوقت، البنت، البيت، التعب…
وأنا بقيت في آخر القائمة.
كل يوم كنت بدوّر على ضحكتك، على كلمة منك…
بس كنتي دايمًا ساكتة.
وأنا غبي فسّرت سكوتك غلط.
ردت بسرعة، وعينيها كلها وجع:
– وانت فاكر إني كنت ساكتة عشان مش فارق معايا؟
كنت ساكتة عشان موجوعة.
عشان كل مرة بحاول أفتح كلام بلاقيك بعيد.
بترد عليا وانت مش مركز.
بتتأفف كأن كلامي تقيل.
كنت حاسة إني لو اتكلمت، هسمع كلمة توجعني… وده اللي حصل فعلاً.
اتنهد وبص لتحت وقال:
– أنا ما كنتش عايز أوجعك والله.
كل اللي كنت عايزه أحس إنك لسه معايا.
بس لما رجعت من السفر لقيتك متغيّرة.
باردة.
مش بتقولي وحشتني.
فقلت يمكن خلاص بطّلت تحبيني.
نورا بصت له بنظرة فيها وجع وغضب مكبوت:
– بطّلت تحبيني؟
تعرف يا كارم أنا كنت بحارب عشان البيت ما يقعش.
كنت بصحي على صوت بنتنا وأقول لنفسي استحملي.
كنت بمسك نفسي كل مرة أحس إنك مش شايفني.
بس الحب لوحده مش كفاية لما الطرف التاني يوجعك بالشكل ده.
قرب منها وقال بصوت متكسر:
– أنا غلطت، اعترفت، وندمان على كل كلمة قلتها.
اديني فرصة أصلّح.
هزّت راسها، الدموع مغرّقة عينيها:
– تصلّح إيه يا كارم؟
القلب لما يتكسر مش بيتلصق بكلمة آسف.
كنت محتاجة تحس بيا.
مش تحكم عليا إنّي مقصّرة.
كنت محتاجة تحضني بدل ما تبص برّه.
اتكا على الكنبة بإيده وقال بحزن:
– يمكن لو كنتي سمعتي كلامي وقتها ما كناش وصلنا لكده.
قالت وهي بتبص له بثبات لأول مرة:
– لأ يا كارم، لو كنت إنت سمعْتني من الأول… ما كناش وصلنا لكده.
أنا ما كنتش عايزة غير كلمة مالِك؟.
نظرة حنان.
إحساس إنك جنبي، مش ضدي.
بس أنت اخترت تبص بعيد… وأنا اخترت أسكت.
وسكوتي كان نهاية كل حاجة بينا.
سكتوا لحظة طويلة، صوت تنفسهم مالي المكان.
كارم رفع عينه ليها وقال بصوت واهن:
– يعني خلاص يا نورا؟ مافيش أمل؟
نظرت له، ودمعة وقعت على خدها وهي تهمس:
– أنا مش عارفة يا كارم…
بس اللي أعرفه إننا وجّعنا بعض أكتر من اللازم.
وأي حب بعد كده هيعيش على الوجع ده… مش هيبقى.
سكتت لحظة طويلة،
وبعدين قالت بهدوء خنق الكلام:
– وفِكرة إنّي أطلب الطلاق دلوقتي؟
مرفوضة.
مش عشانك يا كارم…
عشان بنتي.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
نظرت له، ونبرة صوتها اتبدلت، فيها وجع وأمومة وتعب:
– لسه ما كملتش سنتين.
لسه مش فاهمة يعني إيه خلاف،
ولا ليه بابا وماما ما بيتكلموش.
لسه بتفرح لما تشوفنا مع بعض.
لسه بتحط إيدي في إيدك وهي بتضحك.
أنا مش عايزة أوجعها.
مش عايزة أكبرها على حساب وجعي.
تنفست ببطء، وكأنها بتحارب نفسها:
– يمكن أنا خلاص اتكسرت،
بس مش هورّثها الكسر ده.
مش هخليها تعيش في بيت كله خصام وصوت عالي،
ولا هخليها تصحى يوم تلاقي بابا مش موجود.
أنا هفضل هنا.
بس مش عشانك…
عشانها.
كارم اتنفس بسرعة، قال بلهفة:
– خلاص يا نورا، مش هنتطلق.
بلاش طلاق، عشان خاطر بنتنا.
أنا آسف، قلتلك آسف ميت مرة،
وهعمل أي حاجة ترضيكي.
أي حاجة انتِ عايزاها، والله.
بصت له بنظرة هادية،
نظرة فيها استسلام غريب، وقالت:
– فات أوان إنك تراضيني يا كارم.
بس خلاص، هنكمّل.
صحيح هنعيش في بيت واحد…
بس كل واحد في حاله.
قال بسرعة، صوته مبحوح:
– يعني إيه في حاله؟!
إحنا لسه متجوزين يا نورا.
ردّت بهدوء يوجع:
– قدامها… هنضحك.
قدام الناس… هنكون بخير.
بس جوّه هنا، جوّه بيتنا…
ما بقيناش لبعض.
دي مش حياة، دي تمثيلية عشان البنت.
كارم هز راسه بعصبية:
– بس دي مش حياة يا نورا…
ده موت بالبطيء.
رفعت عينيها له، نظرتها ثابتة، مفيهاش غضب ولا دموع…
بس فيها وجع حقيقي.
قالت بهدوء تام:
– ما هو ده اللي قدامك يا كارم.
ده و الطلاق…
اختار؟
سكت لحظة، كأنه بيحاول يبلع الغصة اللي في حلقه،
بعدين قال بصوت واطي لكنه مليان تصميم:
– خلاص تمام.
أنا موافق.
بس أوعدك…
مش هسيبك كده.
أنا واثق إني هراضيكي،
وهرجعك ليّ تاني حتى لو الوقت ده كله ضدي.
ابتسمت ابتسامة باهتة،
نصها شفقة ونصها وجع،
وقالت:
– يا كارم، الرضا ما بيتطلبش،
ولا بيتاخد غصب.
الرضا بييجي من إحساس بالراحة…
وانا راحتي ما بقتش هنا.
لفت وشها،
ومشيت ناحية الأوضة،
صوت خطواتها كان أهدى من الكلام،
بس تقيل على قلبه أكتر من أي صرخة.
وقف مكانه،
يبص لباب الأوضة اللي اتقفل،
ووشه بينطق سؤال واحد…
هو أنا خسرتها فعلًا؟
عدّى تلات شهور.
تلات شهور في بيت واحد، بس روحين تايهين جواه.
هو بيحاول، وهي بتتجاهل.
هو بيقرب، وهي بتهرب.
نورا كانت عايشة عادية…
تصحى بدري، تفطر البنت، تجهز الأكل،
تغسل، تنظّف،
بس من غير نفس.
كارم يشوفها تمشي في البيت كأنها ظلّها،
لا بتضحك، ولا بتتكلم إلا للضرورة.
كأنها قررت فعلاً تعيش في حالها.
كل يوم الصبح كانت تحط له فطاره على الترابيزة،
وتخرج من المطبخ قبل ما يدخل.
الاكل جاهز،
بس الونس اختفى.
الغدا… العشا… نفس الروتين البارد.
بيت فيه صوت معالق،
بس ما فيهوش صوت حياة.
وأوقات قليلة لما يحاول يفتح كلام،
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ترد بكلمة، أو تبص له كأنها بترد مجاملة مش مشاعر.
وفي مرة، قالت له وهي بتغسل الأطباق:
– عارف يا كارم…
مش كل الناس تستاهل إنك تفضل موجود في حياتهم على طول،
وتضحي بوقتك وسعادتك عشان تواسيهم.
مش كل الناس أبداً تستاهل إنك تعافر عشانهم،
وتكون جنبهم بس لما هما يقرروا.
وقف وراها، قلبه اتقبض.
حس إن كل كلمة منها طلقة عليه.
بس سكت.
ما بقاش عنده ردود…
بس عنده وجع.
الليل بقى أطول من أي وقت.
هي بتنام في أوضتها مع البنت،
وهو لوحده على الكنبة في الصالة.
البيت سكت…
بس في السكون ده، كان في صريخ جوه قلبه.
وفي مرة، وهو بيحاول يحكي لها عن شغله،
ما ردّتش، كأنها ما سمعتش.
فقالها بهدوء:
– نورا، ليه ما بترديش؟
قالت من غير ما تبص له:
– ما فيش حاجة تستاهل الرد.
قلبه وجعه.
ولما شافها بعد كده قاعدة في البلكونة،
بتكلم نفسها، سمعها بتقول:
– الونس مش في دبلة في الصباع.
الونس في حد يحس بيك من غير ما تحكي،
يطبطب على قلبك من غير ما تطلب.
مش كل اللي ليه شريك حياة حاسس بالونس…
بس كل اللي ليه ونيس… حاسس بالحياة.
كأنها كانت بتكلمه من بعيد.
كأنها بتفتكره بشخص كان زمانها بتحبه،
بس خلاص بطل يبقى أمان.
عدّى اليوم ورا التاني.
كارم كان بيحاول يضحك قدام البنت،
يبين طبيعي.
بس كل لما تشوفهم نورا مع بعض،
تبتسم ابتسامة صغيرة…
وجواها بتنهار أكتر.
وفي آخر الليل، كانت بتقعد على السرير تبص في السقف،
تفتكر أول مرة ضحكت فيها معاه،
وأول مرة زعلها فيها…
وتقول لنفسها بهمس:
– اللي بيتكسر مرة… ما بيرجعش زي ما كان.
أما هو، فكان بيقعد في الصالة،
يمسك صورهم التلاتة،
ويحطها على رجله،
ويبص فيها كأنه بيدور على نفسه.
ويقول بصوت مبحوح:
– أنا مش قادر أعيش كده يا نورا.
ده مش بيت…
ده عزلة ببطء.
ده موت من غير ما حد ياخد باله.
بس الحقيقة؟
هي كانت سامعة…
وسكتة.
زي العادة.
وفي يوم كان راجع بدري،
فتح باب الشقة على صوت هادي…
صوتها.
كانت قاعدة في الصالة بتقرأ قرآن،
وصوتها بيرتّل بنغمة فيها راحة.
وقف عند الباب، ما نطقش.
قلبه ارتجف من جمال الموقف.
نسي التعب، ونسي الزعل،
واتسمر مكانه يسمعها.
لما وصلت لآية: “فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع”
خفضت صوتها بهدوء، كأن الكلمة وجعها.
ابتسم هو، وقال بنغمة خفيفة:
– انتي جميعهم يا نورا.
رفعت عينيها له، النظرة دي ما فيهاش ولا ابتسامة،
فيها وجع عاتب، ولسه برده الكبرياء واقف مكانه.
قالت بهدوء:
– ازاي بتقول كده؟
مش كنت ناوي تتجوز عليا؟
اتسحب النفس من صدره.
قرب منها خطوة وقال:
– والله كانت غلطة، غلطة وندمان عليها يا نورا.
صدقيني، ولا يوم عدى إلا وأنا بلوم نفسي.
أنا آسف، بجد آسف.
سامحيني… عشان خاطر بنتنا،
وعشان خاطر اللي كان بينا.
سكت لحظة، صوته اتكسر شوية:
– ندمت على كل ثانية فكرت أضيعك فيها.
نورا حطت المصحف على الطربيزة بهدوء،
بصت له بنظرة تقيلة مليانة وجع مكبوت،
وقالت وهي بتحاول تمسك نفسها:
– عارف يا كارم،
اللي بيوجع مش الغلط…
اللي بيوجع إن اللي كنت فاكره أماني
يكون هو اللي خوفني من الدنيا.
كنت بحس إنك ظهري،
ولما وقعت… كنت أول واحد سابني.
قرب منها، عينيه دمعت،
بس هي كملت كلامها:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
– لو كنت غريب كنت سامحتك من زمان،
بس علشان كنت حبيبي… كسرتني.
بس…
سكتت لحظة، كأنها بتراجع نفسها،
وبعدين قالت بصوت هادي ووشها مبلول بدموعها:
– بس أنا مسامحاك.
مش علشانك…
علشان قلبي يرتاح، وعلشان بنتنا تشوفنا من غير كره.
وقف قدامها، مش مصدق.
دمع وهو بيبص لها وقال:
– يعني… خلاص؟
قالت بهدوء وهي تمسح دمعتها:
– خلاص يا كارم… بس المرة دي سامحتك بس،
لو كسرتني تاني… ما فيش رجعة.
مد إيده بخفة، مسك أطراف صوابعها،
وقالتله وهي تبص للمصحف:
– ربنا شاهد علينا المرة دي،
ما تخليش الوجع يزورنا تاني.
ابتسم، وباس راسها بخفة وقال بصوت واطي:
– وعد… عمري ما هسيبك تزعلي تاني يا نورا.
ولأول مرة من شهور…
ابتسمت.
ابتسامة صغيرة، بس حقيقية.
البيت رجع فيه النفس،
والونس رجع يدق على الباب من تاني.
وبعد ما هدوا،
قعد معاها على الأرض،
يبص في عينيها ويسألها بهدوء:
– نورا… إيه اللي جذب قلبك ليا من الأول؟
ابتسمت، وقالت بخجل وهي تمسح دموعها:
هقولك حاجه واحد سأل مراته نفس السؤال
والاجابة هتكون نفس اجابتي:
وحِينَ سَأَلَهَا : "مَا الذِّي جَذَبَ قَلْـبَکِ نَحْــوَ قَلْبِي حتَّــى تَقَعِيْ فِي هَـوَاه؟"
اِبْتَسَمَتْ وَقَــالَتْ : "قَلْبٌ يَخْشَـى اللَّه فَگيْفَ لاَ أَهْوَاهْ..!"🫀💍♡
---------------------
يمكن قصتهم كانت شبه قصص كتير بنسمع عنها،
لكن اللي حصل بينهم علم إن الحياة الزوجية مش دايمًا حب وضحك…
فيها وجع، وفيها خلاف،
بس الأهم إن فيها نية،
نية إننا نكمّل ونصلّح،
مش نسيب ونكسر.
الحياة بين اتنين محتاجة عتاب مش هرو.
محتاجة إننا نتكلم، مش نكتم.
لأن لما السكوت ياخد مكان الكلام…
المسافة تكبر، والقلب يبرد،
واللي بينا يتحول لروتين فاضي.
لو كل واحد شاف في التاني عيب وسكت،
هيفضل العيب يكبر جواه…
لحد ما يدور على الاهتمام برّه بيته،
ويخسر اللي كان ممكن يتصلح بكلمة واحدة .
الزواج مش ساحة ننتقم فيها،
ولا حرب نكسب فيها كرامة على حساب القلب،
هو ستر وسكن ومودة ورحمة،
زي ما ربنا قال:
> “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً”
فلو كل مرة زعلنا عاتبنا،
ولو كل مرة تعبنا طبطبنا،
هنعرف إن البيوت مش بتتبني بالكمال،
لكن بتتبني بالمحاولة.
المحاولة اللي فيها صبر، وستر، ودعاء.
وفي النهاية…
خُلقَت النساءُ للدلال،
وخُلِقَ الرجالُ لتحمّل هذا الدلال
