رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل الخامس عشر 15 بقلم سعاد محمد سلامه
رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل الخامس عشر 15 هى رواية من كتابة سعاد محمد سلامة رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل الخامس عشر 15 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل الخامس عشر 15 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل الخامس عشر 15
رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل الخامس عشر 15
بمنزل الشاطئ
في البداية تقبلت ميراج قُبلته، وكادت ترفع يديها لتقربه منها أكثر تستمتع بقبلاته...، لكن عقلها استوعب ما يحدث قبل أن يستسلم قلبها تمامًا...
تبدل قرارها في اللحظة الأخيرة، فانتصر عقلها على رغبة قلبها...
رفعت يديها، ووضعتهما على كتفي أديم، تدفعه عنها برفق...
ترك أديم شفتيها فورًا، وظل ينظر إليها للحظات...
كانت تُحيد بعينيها عنه، وكأنها تخشى أن يفضحها النظر إليه أكثر مما فضحتها تلك اللحظة...
شعر أديم بغصة، وقبل أن يسألها، صدر منها تأوه خافت.؟
انتبه إليها فورًا..
نظر إلى قدمها المصابة، ثم نهض دون كلمة...
ظلت تتابعه بعينيها حتى اختفى للحظات، ثم عاد وفي يده أنبوب صغير...
جلس أمامها وقال بهدوء:
ده مرهم للكدمات... هيسكن الألم.
لم تنتبه ميراج لما يفعله إلا بعدما جذب قدمها برفق، وجلس على ساقيه أمامها...
وضع قدمها فوق فخذه، ثم فتح الأنبوب، وأخذ قليلًا من المرهم بين أصابعه...
وبمجرد أن لامست أصابعه كاحلها، ارتجف قلبها... ليس بسبب لمسته وحدها...
بل تذكرت قبل فترة وجيزة طلبه منها التبرع بدمائها لوالدة كارلا... ومقولة "مامت حبييبتي"
، كان بالوجه نفسه، لكن بعينين مختلفتين التعبير...
كان وقتها يطلب منها ببرود جاف لم تستطع نسيانه..
كانت كلماته يومها واضحة، ونبرته حاسمة، ثم جاءت الصدمة الأكبر حين أخبرها أن كارلا ليست مجرد امرأة في حياته...
بل حبيبته...
تذكرت كيف شعرت وقتها، وكيف حاولت أن تخفي ألمها خلف الصمت...
والآن...
ها هو يجلس أمامها، يمسك قدمها بحنان، ويدلك كاحلها بلُطف كأنه يخشى أن يؤلمها..
كيف يمكن للرجل نفسه أن يفعل الأمرين..
كيف يمكن لقلبه أن ينتقل من امرأة إلى أخرى بهذه السهولة... تعيش معه التضاد فى المشاعر... لكن لا لن تسمح بالضعف... قراها
سحبت قدمها فورًا...
لاحظ ذلك رفع عينيه إليها...ظن أنه قد يكون آلمها... سأل بهدوء:
في إيه... إيدي وجعتك.
تهكمت بإستهزاء، لكن هزت رأسها، وحاولت أن تبدو هادئة.. وقالت ببرود:
لاء.. كفاية... دلوقتي مفعول المرهم يشتغل... شكرًا لك.
عاد ينظر إلى قدمها، لكنه لاحظ ارتباكها..ظنه دلال.. وعاد يسأل:
بلاش دلع يا ميراچ.
-دلع
كلمة لا تنطبق عليها باتتًا... تحملت ألم أقوي من ذلك الجزع بقدمها...
ابتسمت ابتسامة باهتة... وقالت:
إنت شايف إني بدلع.. تمام كفاية.
أخطأ وأعترف بذلك فى عقله...
توقفت يده...
رفع عينيه إليها ببطء... نظر لها
كانت تنظر بعيدًا عنه..
صمت ساد للحظات، لم تستطيع النسيان وقالت:
بلاش تمثيل يا أديم، إنت آخر شخص ممكن أدلع عليه..
فاكر قبل كده لما طلبت مني أتبرع بدمي لمامت كارلا...
صمتت لحظة ثم قالت بحشرجة صوت واضح:
مامت حبيبتك.
شعر بندم.. تغيرت ملامحه.. ينظر لها بصمت لم يجب...
تابعت بصوت أكثر هدوءًا، لكنه يحمل وجعًا لم تستطع إخفاءه:
أنا مش ناسية يا أديم كلامك.
ظل صامتًا..
نظرت إليه أخيرًا... وقالت:
شكرًا... رجلي وجعها تقريبًا أخف.
سحبت قدمها من فوق فخذه، ووضعتها أرضًا... ثم حاولت النهوض قائلة:
دلوقتي بتتعامل معايا بالطريقة دي ليه.
لم يجد أديم إجابة فورية...
كانت عيناه معلقتين بها، ليس أول مرة يواجه أثر كلماته القديمة عليها.؟
قال بصوت منخفض:
ميراچ...
قاطعته بألم:
لأ، متقولش اسمي بالطريقة دي... مش هصدق إنك خايف عليا، إني أتألم.
تجمد مكانه...
أخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت:
أنا مش فاهمة إيه اللي اتغير.
صمت أديم طويلًا..
كانت هناك إجابة يعرفها، لكنه لم يكن مستعدًا لقولها... كيف يعتذر لها عن ذلك...
بينما ميراچ... فكانت تحاول بكل قوتها أن تمنع قلبها من تصديق شيء لا تملك عليه دليلًا... بل لديها عكس ذلك سابقًا...
نظر إليها أديم...
ابتسمت بحزن...
تهمس لنفسها:
لو صدقتك دلوقتي، ممكن أندم أكتر.
أصبحت الكلمات معلقة بينهما...
ولأول مرة، لم يجد أديم ما يدافع به عن نفسه.
لأن ما يؤلمها الآن لم يكن وجع قدمها..
بل كل حقيقة ذكرياتها السابقة معه...
ندم... ولوم... وليس عتاب بل مواجهه، أن صدف المشاعر بينهما معدوم.
❈-❈-❈
بعد أيام
صباحً
فكان الحديث بين ريان وكنزي عبر الهاتف، وبدأ الكلام بينهما بمزاح وضحكات خفيفة، الى أن سمع ريان صوت تثاؤبها للمرة التالتة، فابتسم بخبث وقال:
طبعًا سهرانة طول الليل تفكري فيا.
ردت عليه بعفوية وهي نصف غافيه:
لأ طبعًا، كنت نبطشية في المستشفى.
ضحك ريان بصوت واضح، وقال بمزاح:
نبطشية والنهارده كتب كتابنا.
تنهدت كنزي وهي تحاول تفتح عينيها وتفوق، وقالت:
أعمل إيه يعني.. المرضى مش هيستنوا لحد ما أخلص كتب كتابي
ضحك قائلًا:
لا طبعًا، المرضى أهم... أنا اللي أستنى.
أكدت بمرح:
أهو اعترفت.
تسأل بمرح:
اعترفت بإيه.
أجابته بتلقائية:
إنك مش أهم حاجة.
سكت لحظة، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا:
لأ، دي حاجة تانية خالص.
ابتسمت رغمًا عنها، وسألته:
حاجة إيه.
أجابها:
إنتِ أهم حاجة... بس أنا عايز أعرف، إزاي هتكوني عروستي النهارده وإنتِ حتى مش عارفة تصحي من النوم.
ضحكت بخجل قائلة:
متقلقش، هفوق.
بخباثة:
متأكدة.
بتأكيد. منها:
أيوه متأكدة.. أنا متعودة على كده.
ضحك بمكر قائلًا:
طب يا ست المتعودة... قوليلي كده... إنتٌ لابسة إيه.
_ خبيث
هكذا قالت بعدما
اتسعت عيناها بدهشة، وقالت بسرعة:
ريان.
_ عيونه.
شعرت بالخجل وخفقان قلبها صمتت لحظات
ضحك قائلًا:
بسأل عادي.
بضيق قالت:
ده مش سؤال عادي... وبعدين عاوز تتأكد إني بالبيجامة... بس أكيد مش هكون مجهزة نفسي من دلوقتي.
ضحك قائلًا:
أنا بس كنت عايز أتخيلك.
سكتت كنزي، وشعرت بحرارة خفيفة تزحف إلى وجهها، ثم قالت محاولةً تغيير الموضوع:
إنت صاحي من إمتى أصلًا.
ضحك قائلًا:
صاحي من بدري.
بسؤال منها:
ليه.
جاءها صوته بابتسامة واضحة:
مش عارف أنام.
بخباثه منها سألت:
ليه.. إيه اللى مطير النوم من عينك.
تنهد بشوق قائلًا:
عشان النهارده كتب كتابي على البنت اللي بقالها فترة واخدة عقلي كله.
لم تجد كنزي ردًا سريعًا، وظلت صامتة للحظات، بينما تابع ريان بنبرة أهدأ:
عارفة أكتر حاجة مستنيها النهارده.
بحشرجة صوت سألته:
إيه.
تبسم قائلًا:
اللحظة اللي هبصلك فيها وإنتِ بقيتي مراتي رسمي... بدون نضارة تخفي عيونك عني.
ابتلعت ريقها، وحاولت تخفي ارتباكها بمزاح قائلة:
طب ما إحنا متفقين إنك متبالغش... والنضارة دي جزء من شخصيتي مستحيل أستغني عنها... فخليك عاقل.
ضحك قائلًا:
من إمتى وأنا بعرف أبقى عاقل معاكِ... وتأكدي مش هيكون بين عنيا وعنيكِ حاجر الليلة.
ضحكت بخفوت، ثم قالت:
ربنا يستر منك النهارده.
رد فورًا:
لأ... ربنا يستر عليكِ مني.
- ريان
قالتها بخجل...
قهقه ضاحكًا، ثم هدأ صوته فجأة ونطق إسمها :
كنزي.
بحشرجة صوت ّ
نعم.
تفوه بمكر وعبث:
نامي ساعتين كمان لو تقدري... النهارده هيبقي يوم طويل.
ابتسمت وهي تشعر للمرة الأولى أن النوم أصبح مستحيلًا رغم إرهاقها... وتفوهت:
مش هعرف أنام.
سألها:
ليه... إيه السبب.
ترددت قبل أن تجيب:
مش عارفة... يمكن عشان النهارده كتب كتابنا.
ساد الصمت بينهما للحظات، لكنه كان صمتًا ممتلئًا بما لم يستطيعا قوله...
ثم جاءها صوته دافئًا:
أخيرًا اعترفتي إنك بتفكري فيا.
ضحكت قائلة:
متفرحش أوي... يمكن بفكر في المصيبة اللي داخلة عليها.
ضحك قائلًا:
وأنا المصيبة دي مستنيها بفارغ الصبر.
أغلقت كنزي عينيها، وابتسامتها اتسعت رغمًا عنها، بينما قال ريان قبل أن ينهي المكالمة:
أشوفك النهارده يا كنزي.
همست:
تمام يا ريان... خلي بالك... ومتتأخرش.
ضحك قائلًا:
حاضر... ومتتعبيش نفسك وبلاش تستسلمي للقلق عارق إن ده يوم مش عادي.
فتحت عينيها، وسألته بهدوء:
وإنت مش قلقان.
ابتسم قبل أن يجيب:
أنا أنا من دلوقتي بدأت أقلق... عشان أخيرًا بقيتي مسؤوليتي.
ساد الصمت بينهما للحظات، ولم يكن أيًا منهما مستعجلًا على إنهاء المكالمة، كأن كليهما يريد الاحتفاظ بصوت الآخر معه لأطول وقت ممكن...
قال ريان بهدوء:
كنزي.
- نعم.
عاد يتحدث:
عارفة إني لحد دلوقتي مش مستوعب إن النهارده كتب كتابنا.
ابتسمت بخجل، وقالت:
وأنا كمان لسه مش مستوعبة حاسه كل شئ جه بسرعة
ضحك قائلًا:
طول الليل وأنا بفكر في اللحظة دي.
بغباء سألته:
لحظة إيه بالضبط.
ضحك بخفوت قائلًا:
في أول مرة هبصلك فيها بعد ما تبقي مراتي.
سكتت، فتابع بصوت أكثر دفئًا:
عايز أشوف عنيكِ وقتها... وأعرف إذا كنتِ فرحانة قدي ولا لأ.
همست:
هتعرف... أزاي...أكيد مش هكون باصة لك.
ابتسم ريان، وظل صامتًا لثوانيوكأن جملتها فاجأته رغم بساطتها...
ثم قال:
طب خلاص... كده أنا مش عايز اليوم يعدي أصلًا.
ضحكت قائلة:
ليه.
أجابها:
عشان اللحظة دي تفضل مستنياني.
_ريان...
-عيونه.
بخجل تنهدت قائلة:
لازم أقفل عشان أنام شوية.
ضحك قائلًا:
تمام... كلها كام ساعة هنتقابل أصلّا.
تبسما بخجل ظلت صامته لحظات وهو كذالك كأنها يسمعان أنفاس بعضهما عبر الهاتف، قطعت كنزي الصمت قائلة:
ليه ساكت.
جاءها صوته هامسًا:
بحاول أحفظ صوتك قبل ما أقفل.
سكتت كنزي، وشعرت بقلبها يخفق أسرع...
قال بعدها برِقة:
نامي يا كنزي... ولما تصحي، افتكري إن اليوم مش هينتهي غير وأنتِ عروستي.
ابتسمت وقالت بخجل قائلة:
وإنت كمان... افتكر إنك هتبقى جوزي.
ضحك ريان ضحكة دافئة:
جوزي
لأ، دي أحلى حاجة سمعتها منك النهارده.
تنهدت بخجل قائلة
لازم أقفل.
ضحك ثم
ثم سكت لحظة قبل أن يضيف، بصوت خافت:
بحبك... ومستني اللحظة اللي أقولها لك وأنا قدامك، مش في التليفون.
لم تستطع أن تجيبه سوى بهمس مرتبك:
لازم أقفل.
ضحك قائلًا:
خلاص... اقفلي قبل ما أغير رأيي وأفضل معاكِ لوقت كتب الكتاب.
ضحكت قائلة:
سلام بقي.
ضحك قائلًا.
سلام مؤقت يا أجمل حاجة حصلتلي.
انتهت المكالمة، لكن كنزي ظلت للحظات ممسكة بالهاتف أمامها، تبتسم دون أن تشعر، بينما كان ريان على الطرف الآخر يحدق في شاشة هاتفه بالابتسامة نفسها، أدرك الاثنان أن الساعات القليلة القادمة ستغير شكل حياتهما إلى الأبد.
❈-❈-❈
بمنزل الشاطئ مساءً
إستدار حين سمع صوتها خلفه، لكن سرعان ما توقفت أنفاسه وهو ينظر إليها بذلك الثوب المضاهي للون الأبيض، والممزوج ببعض الأصداف الزرقاء التي تشبه لون السماء الصافية فوق البحر...
بذلك الثوب الشبه مُجسم على جسدها، يكشف عن جزء بسيط من عنقها وأعلى صدرها، بينما ارتفعت خصلات شعرها في تسريحة أنيقة، وتحررت منها خصلات قليلة انسدلت حول وجهها، لامست عنقها برقة، فأضفت عليها جمالًا هادئًا أربكه أكثر مما توقع...
ظل واقفًا للحظات دون أن ينطق...
وكأن عقله الذي اعتاد أن يجد لكل شيء تفسيرًا، عجز هذه المرة عن تفسير ذلك الشعور المفاجئ الذي اجتاحه...
رفعت ميراچ عينيها إليه، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة... تشعر بخجل من نظراته لها وصمته شكت أن يكون ثوبها غير لائق، تنحنحت قائلة:
أنا لبست بسرعة عشان منتأخرش على...
صمتت حين اقترب منها للغاية، وكاد يتخطاها، هكذا ظنت، لكنه توقف خلفها مباشرة... لكن
شعرت بأنفاسه الدافئة تلامس عنقها، فارتجف جسدها دون إرادة منها، بينما تجمدت أصابعها فوق حقيبتها...
حين شعرت بيديه تلتفان حول خصرها للحظة، فتسارعت أنفاسها، وقالت بصوت خافت بعدما شعرت بأنفاسه بالقرب من أذنها:
أنا خلصت... عشان منتأخرش على ميعاد كتب الكتاب.
اتسعت عيناها بدهشة، حين همس بنعومة أربكتها:
طول عمرك ذوقك رقيق.
ابتلعت ريقها... ليس ضعفً بل كي تلفتت إليه نصف التفاتة... ثم قالت بلا مبالاة
الوقت لازم إنت كمان تجهز، عشان ريان قالي إنك هتبقي شاهد على كتب الكتاب.
قالت ذلك وتعمدت أن تبتعد عنه، لكن هو تمسك بخصرها... توقفت تنظر له، بينما هو
ابتسم بطرف فمه، وكأنه تعمد أن يتركها معلقة بين الحيرة.. وإنحني عليها إقترب من شفتيها وكاد يُقبلها لكنها عادت للخلف بتوتر قائلة:
من فضلك بلاش تضييع وقت... هنتأخر.
ابتسم بمكر وإستقام بوجهه،جذب إحد خصلات شعرها المتدلية جوار وجهها لفها على إصبعه، قائلًا بنعومة:
وماله لما نضيع وقت... فورمة الشعر عليكِ جميلة أوي، رفع شعرك موضح ملامحك بـ...
احمر وجهها فورًا، فابتعدت عنه خطوة، ابتسم تاركًا لها مساحة إستعادت فيها أنفاسها... وقاطعته بنبرة نهي:
أديم... كفاية..
قاطعها ضاحكً:
كفاية إيه.
تنفست بقوة قائلة:
كفاية تضييع وقت فى شئ مالوش لازمه.
بمكر تبسم قائلًا:
هو لما أمدح جمالك يبقي شيء مالوش لازمة
نظرت إليه بغيظ ممزوج بالارتباك... قائلة:
إنت مستفز.
تقبل هجائها وضحك بهدوء وهو يشاور نحو الباب... فتسارعت أنفاسها، قبل أن يقول بصوت خافت بالقرب من أذنها قائلًا بهمس:
أنا جاهز... وأنتِ اللى اتأخرتي.
حين شعرت بيديه تلتفان حول خصرها للحظة،
اتسعت عيناها بدهشة، ثم التفتت إليه نصف التفاتة... قائلة بتوهان من إقترابه هكذا:
خلصت إيه.
ابتسم بطرف فمه، وكأنه تعمد أن يتركها معلقة بين السؤال والإجابة... وأجابها:
اللي كنتِ فاكرة إني هعمله.
احمر وجهها فورًا، فابتعد عنها خطوة، تاركًا لها مساحة تستعيد فيها أنفاسها...
نظرت إليه بغيظ ممزوج بالارتباك قائلة:.
إنت مستفز.
ضحك بهدوء وهو يتجه نحو الباب.
وأنتِ السبب فى التأخير... اتأخرتي فى اللبس
تفوهت بضيق:
أنا؟! ده إنت اللي واقف ورايا أهو.
التفت إليها، وعيناه تحملان تلك النظرة التي زادت ارتباكها.
ما أنا قولتلك... إلبسي بسرعة منتأخرش.
ثم فتح الباب، بينما بقيت هي للحظات مكانها تحاول تهدئة قلبها الذي لم يعد يعرف إن كان سبب ارتباكها قربه... أم الطريقة التي تعمد بها أن يتركها تتساءل عما كان يمكن أن يحدث لو لم يكن هناك موعد ينتظرهما.
❈-❈-❈
بعد وقت
بمنزل والد كنزي، كان الحفل بسيطًا، لا يضم سوى أفراد العائلتين، اجتمعوا من أجل عقد قران ريان وكنزي...
كان ريان يجلس وسط والدي كنزي ووالديه، يتبادل معهم الأحاديث والضحكات، لكن رغم اندماجه معهم، كانت عيناه بين لحظة وأخرى تتجهان ناحية باب المنزل، وكأنه ينتظر ظهورًا واحدًا لا يرى في المكان سواه...
كان يريد أن يراها قبل أن يبدأ كل شيء...
أن يطمئن قلبه أنها هنا...
بنفس الوقت دلف ياسر وزوجته وخلفهما ميراچ وأديم...
اتسعت ابتسامة ريان فور رؤيتهما، ثم قال وهو ينظر إلى ياسر:
فين ميلا مجتش معاكم ليه دي وش الخير... هي السبب في الجوازة دي.
ضحك ياسر ورد عليه:
ميلا بتنام بدري... سيبناها مع الدادة، حتى عشان متزنش كتير.
ضحك ريان وهو يهز رأسه قائلًا:
لا دي كان لازم تيجي، دي صاحبة الفضل علينا كلنا.
ضحكت زوجة ياسر قائلة:
خلاص يا ريان،لما نرجع هنقول لها إنك كنت بتدور عليها في كتب الكتاب.
تبسم ياسر ثم غمز بعينيه قائلًا:
بعدين العروسة أهم.
ابتسم ريان، لكن ابتسامته لم تدم طويلًا، إذ عاد بصره تلقائيًا ناحية الباب...
لاحظ أديم ذلك، فاقترب منه قليلًا وقال بنبرة ماكرة:
إيه يا عريس مستني حد.
رفع ريان حاجبه وهو يحاول إخفاء ارتباكه قائلًا:
أنا؟ لأ طبعًا... مستني المأذون بس.
ضحك ياسر و أديم الذي قال:
المأذون واقف قدامك من عشر دقايق، يا عريس.
تعالت الضحكات حولهما، بينما اكتفى ريان بابتسامة مُترقبة
وفي تلك اللحظة، جاء صوت ناعم من ناحية
_مساء الخير.
توقفت كل الأصوات داخله...
رفع رأسه بسرعة، وكأن قلبه سبق عينيه...
كانت كنزي تقف عند مدخل الباب ترتدي فستانًا بسيطًا وأنيقًا، وشعرها منسدل على كتفيها، وملامحها تحمل خجلًا واضحًا وهي تنظر إلى الجميع...
لكن عينيها توقفتا عند ريان
ابتسمت...
فشعر ريان أن كل الضوضاء من حوله اختفت فجأة...
ابتعد من مكانه دون أن يشعر، وظلت عيناه معلقتين بها،يحفر ملامح وجهها كحل عينيها الظاهر من أسفل النظارة التي يعلم أنها تضعها لحماية نفسها، ظل شبه هائم حتى اقتربت منه والدتها وربتت على كتفه قائلة بمزاح:
اقعد يا عريس... هي مش هتهرب منك.
ضحك الجميع، بينما عاد ريان إلى مقعده، لكنه لم يستطع أن يخفي ابتسامته...
أما كنزي، فخفضت عينيها بخجل...
اقترب منها والدها، ووضع يده على كتفها بحنان، ثم قال:
يلا يا بنتي... وقت كتب الكتاب.
رفعت كنزي عينيها مرة أخرى ناحية ريان...
هذه المرة لم يبتسم...
فقط نظر إليها نظرة طويلة، وكأنه يقول لها دون كلام إن اللحظة التي انتظرها طويلًا وصلت أخيرًا.
ثم جلس الجميع استعدادًا لعقد القران.
وبينما بدأ المأذون في تجهيز الأوراق، مد ريان يده أسفل الطاولة، حتى لامست أصابعه يد كنزي...
ارتعشت يدها من المفاجأة، وحاولت سحبها، لكنه أمسك بأصابعها برفق...
همس دون أن ينظر إليها:
خلي إيدك هنا... أنا محتاج أحس إنك معايا.
ابتسمت رغم خجلها، وهمست:
أنا جنبك أهو... بلاش تحرجني.
شد على يدها قليلًا، ثم قال بصوت خافت:
من النهارده مش هبقى محتاج أدور عليكِ.. بعيني كل شوية... عشان بقيتي مراتي خلاص.
اتسعت ابتسامتها، بينما احمرت وجنتاها... وقالت:
ده كتب كتاب لسه مش زفاف.
تبسم قائلًا:
الزفاف فى أقرب وقت.
بينما أديم، الذي كان يجلس في الجهة المقابلة، لمح ما حدث، فابتسم دون تعليق، بينما ميراچ نظرت إليه وسألته بعينيها عن سبب ابتسامته...
مال أديم نحوها وقال بهدوء:
العريس وقع خلاص.
ضحكت ميراچ بخفوت وقالت:
وإنت فرحان ليه.
نظر أديم ناحية ريان وكنزي، ثم عاد بعينيه إليها:
عشان واضح إن الليلة دي... مش هتكون آخر ليلة فيها حب.
توقفت ميراچ لحظة عند كلماته، وكأنها لم تفهم ما يقصده، بينما رفع أديم عينيه إليها بنظرة غامضة، ثم استدار ناحية المأذون.
وبدأ عقد القران...الى أن إنتهي... نهض ريان يتلقي التهاني،،
مزح حين وقف أمام أديم قائلًا:
إنت يوم كتب كتابك كنت متعصب ولما حضنتك اضايقت أكتر، بس أنا كائن فرفوش وبيتوه فيا الآسيه
تبسم أديم ، لكن ابتسامته اختفت تدريجيًا حين سمع همس ريان بجواره:
أنا عرفت سبب ليه ميراچ سافرت من خمس سنين فجأة.
التفت أديم إليه بسرعة، وقد تبدلت ملامحه للترقب سائلًا:
عرفت إيه.
اقترب ريان منه أكثر، وخفض صوته حتى لا يسمعه أحد:
سليم كان كداب.
انعقد حاجبا أديم، وظلت عيناه مثبتتين على ريان سائلًا:
كداب في إيه.
تنفس ريان ببطء قبل أن يجيبه:
في كل اللي قاله عن سفر ميراچ.
ساد الصمت بينهما لثوانب، بينما كانت أصوات المأذون والعائلتين مستمرة حولهما...
قال أديم بجدية:
يعني إيه سليم قال إنها سافرت بمزاجها.
هز ريان رأسه بنفي:
دي كانت نص الحقيقة... أو يمكن حتى مش نصها.
تغيرت نظرة أديم، وشعر بشيء ثقيل يستقر داخل صدره... وسأل:
وإيه الحقيقة.
نظر ريان حوله بحذر، ثم قال:
ميراچ ما سافرتش لأنها كانت عايزة تبعد عن هنا... هي سافرت لأنها كانت مضطرة.
سأله أديم فورًا:
مضطرة ليه.
تردد ريان لحظة، ثم قال:
معرفش كل التفاصيل، بس عرفت حاجة واحدة أكيدة... اللي حصل قبل سفرها بأيام هو السبب الحقيقي.
سكت أديم قليلًا، ثم سأله:
وإنت عرفت الكلام ده منين.
رفع ريان عينيه إليه قائلًا:
من شخص كان موجود وقتها.
تجمدت ملامح أديم بسؤال:
مين.
لكن ريان لم يجب مباشرة، واكتفى بالنظر إلى ميراچ من بعيد، ثم قال:
الشخص ده طلب مني ما أقولش اسمه دلوقتي.
ضيق أديم عينيه بعصبيه قائلًا:
ريان، متبدأش كلام وتسيبني في النص.
ابتسم ريان ابتسامة خفيفة قائلًا:
مش بسيبك... أنا بحذرك.
استغرب أديم سائلًا:
بتحذرني من إيه.
اقترب ريان منه وهمس:
من إنك تصدق أي حاجة اتقالت لك عن ميراچ.
ثبت أديم نظره عليه...
لأول مرة، بدأ يشك في كل التفاصيل التي كان يعتبرها حقائق...
كل كلمة سمعها عن سفرها...
كل سبب قيل له...
وحتى كل موقف ظن أنه فهمه...
تفوه ريان بهدوء:
وفي حاجة تانية... لو ميراچ نفسها عرفت إن سليم كان كداب، ممكن كل حاجة كانت ساكتة عنها من خمس سنين... تطلع للنور.
نظر أديم إلى ميراچ...
كانت تبتسم لوالدة كنزي، ولا تعرف شيئًا عن الحديث الدائر خلفها...
ظل يراقبها للحظات، ثم قال بصوت خافت:
خمس سنين... وهي شايلة كل ده لوحدها.
رد ريان:
يمكن... ويمكن كان فيه حد تاني شايل السر معاها.
رفع أديم عينيه إليه بسرعة سائلًا:
مين.
اكتفى ريان بابتسامة غامضة قائلًا:
لما تعرف... هتفهم ليه سليم كان عايزك تكره ميراچ بدل ما تسمعها.
لكن شيئًا آخر لفت انتباه أديم وأثار غضبه...
كانت ميراچ قد اقتربت من درية، وانحنت نحوها بعفوية حتى كادت تقبلها، مثلما اعتادت أن تفعل معها دائمًا، لكن درية رفعت كفها فجأة أمامها بإشارة واضحة أن تكف...
توقفت ميراچ في مكانها.
تجمدت ابتسامتها على شفتيها، ثم اعتدلت بسرعة وهي تحاول إخفاء إحراجها عن الموجودين...
_ معلش... اتعودت.
قالتها ميراچ بابتسامة صغيرة، لكن صوتها لم يخفي الغصة التي علقت بحلقها...
اكتفت درية بنظرة باردة، ثم أشاحت بوجهها عنها دون كلمة...
راقب أديم المشهد من بعيد، وانقبض فكه...
لم تعجبه الطريقة التي عاملت بها درية ميراچ، خصوصًا أنه يعرف جيدًا أن الأمر لم يكن هكذا من قبل...
كانت درية دائمًا تقول لميراچ:
إنتِ زي بنتي بالظبط...
وكانت ميراچ تصدقها...
بل ربما كانت تعتبرها أقرب إليها من مجرد قريبة أو فرد من العائلة...
لكن في الفترة الأخيرة تغير كل شيء...
أصبحت درية تتجنب الحديث معها، تنسحب من المكان عندما تدخل، وأحيانًا تتعامل معها وكأن وجودها أصبح عبئًا عليها...
والأغرب...
أن ميراچ لم تكن تعرف السبب...
لم تسأل...
لم تعاتب...
كانت في كل مرة تبتلع وجعها وتبحث لها عن عذر...
ربما متضايقة...
ربما تعبانة...
ربما حصل شيء لا تعرفه...
لكن الليلة...
رأى أديم بعينيه كيف انكسرت ابتسامتها للحظة...
ورأى أيضًا كيف أخفت ميراچ وجعها بسرعة، وعادت لمكانها وكأن شيئًا لم يحدث...
اقترب ريان منه قليلًا، ولاحظ شرود عينيه... قائلًا:
مالك.
لم يجب أديم.
كانت عيناه ما زالتا معلقتين بـ ميراچ.
قال بعد لحظات:
ملاحظ ماما متغيرة مع ميراچ من إمتى.
نظر إليه ريان باستغراب قائلًا:
ليه بتسأل.
أجابه أديم دون أن يحول عينيه عنها:
عشان أول مرة أشوفها بتعاملها بالطريقة دي.
صمت ريان لحظة، ثم قال بضحك:
يمكن كيد حموات.
التفت أديم إليه
هز ريان رأسه.. ببسمه.. بينما
عاد أديم ينظر إليها...
عادت تجلس وسط العائلتين، تبتسم وتتحدث وكأن قلبها لم يتألم منذ لحظات...
لكن شيئًا داخله لم يصدقه...
كان يعرف تلك الابتسامة...
ابتسامة شخص يتظاهر بأنه بخير حتى لا يسأل أحد عن وجعه...
وفجأة تذكر كلمات ريان:
"ميراچ ما سافرتش لأنها كانت عايزة تبعد... كانت مضطرة."
ثم نظر إلى درية.
وبدأ سؤال جديد يتشكل في عقله:
هل تغير درية له علاقة بما حدث قبل سفر ميراچ...
وهل كانت تعرف الحقيقة طوال السنوات الخمس الماضية..
رفع أديم عينيه نحو درية، وهذه المرة لم تكن نظرته عادية.
كانت نظرة رجل يشعر بالغضب وهو
وينتظر خطوة واحدة تكشف له السر.
❈-❈-❈
بعد أيام...
بمكتب أديم بالشركة، دلفت كارلا بابتسامتها المتكلفة، واتجهت نحوه مباشرة. قائلة بدلالها:
شوفت ماما يا أديم.
لم يرفع عينيه عن شاشة الحاسوب، وكأن السؤال لم يصل إلى مسامعه...
تابعت كارلا بدلال فظ وهي تقترب من مكتبه:
عيد ميلادها بعد يومين... وعاوزة تعمل حفلة خاصة تجمع فيها حبايبها معاها.
ظل أديم صامتًا...
كانت عيناه مثبتتين على حاسوبه الخاص، وعقله منشغل بشيء آخر تمامًا.
منذ ليلة عقد قران ريان وكنزي، وكلمات ريان لا تفارقه.
"سليم كان كداب"
وكلما حاول أن يتجاهل الأمر، عاد سؤال واحد يطارد رأسه:
ليه ميراچ سافرت من خمس سنين..
وفجأة...
صدر صوت تنبيه من الحاسوب.رسالة جديدة.
توقف أديم عن الحركة للحظة.
نظر إلى الشاشة، ثم فتح الرسالة.
لم يكن بها سوى سطر واحد:
"لو عايز تعرف الحقيقة عن سفر ميراچ... افتح الملف المرفق."
انعقد حاجباه.
ضغط على الملف.
ظهرت أمامه صورة قديمة.
ميراچ.
كانت تقف بأحد قاعات المطار، تجُر حقيبة سفر، وملامح وجهها مختلفة تمامًا عن الصورة التي كان يعرفها عنها... لم تكن وحدها...
كانت والدتها بجوارها...
لكن الذي جعل أنفاسه تتوقف...
تلك التقارير التي بدأت تظهر بالملف...
شعرت كارلا بضيق من تجاهل أديم لها، فاقتربت أكثر حتى وقفت إلى جواره، وكادت تميل برأسها لتنظر إلى شاشة حاسوبه، لكنه أغلقه سريعًا، ثم رفع عينيه إليها وقال ببرود:
كارلا... ممكن لو سمحتِ تسيبيني لوحدي دلوقتي؟ عندي شغل مهم، نتكلم بعدين.
كان أسلوبه باردًا لدرجة جعلت الغضب يشتعل داخلها، لكنها أخفته خلف ابتسامة مصطنعة... قائلة بتبرير:
آسفة... هو زن ماما. تمام، هسيبك دلوقتي.
أومأ أديم دون أن ينظر إليها:
تمام.
استدارت كارلا واتجهت نحو الباب...
لكنها لم تغلقه...
تركت بينه وبين الإطار فراغًا صغيرًا، ثم وقفت خارجه، تسترق السمع...
بينما أديم، ما إن ابتعدت خطواتها حتى جذب هاتفه بسرعة وأجرى اتصالًا...
رغم عدم غياب الآخر في الرد لكن كان يشعر بالقلق يتزايد داخله...
ظل يحدق في شاشة الهاتف، وأصابعه تنقر على سطح المكتب بعصبية، إلى أن جاءه صوت الطرف الآخر
تفوه سريعًا بلهفة سائلًا.:
ميراچ إنتِ فين.
أجابته ببساطة:
أنا هنا فى الشركة.. ليه.
تنهد ثم فكر لحظة ثم قال:
تمام... أنا عازمك عالغدا فى اليخت بتاعنا.. الساعة إتنين ونص هفوت...
قاطعته قائلة:
عندي مشوار بعد شويه، هخرج من الشركة... نتقابل في اليخت.
ابتسم قائلًا:
تمام، بس بلاش تتأخري.
_تمام.
أغلق أديم الهاتف... وضعه على المكتب وعاد ينظر الى حاسوبه.. بغصة لكن سرعان ما تنهد وإبتسم... كل الحقيقة أمامه... عكس ما قيل له قبل سنوات... لا داعي للجفاء مع ميراچ...
إعترف... أخطأ حين لم يتأكد بنفسه وإكتفي بالقليل... لكن لم ينتهي الوقت.
بينما كانت كارلا تسمعت إلى حديثه مع ميراچ، ضغطت على يديها بغضب، وهمست لنفسها:
مش فاضي لي ومشغول... لكن مع ميراچ بتعزمها وكمان عاليخت.
اشتعلت عيناها بالغيرة، وعضت على شفتيها وهي تستمع لصوته قبل لحظات..
كان صوته مختلفًا...
أهدأ...
وأكثر اهتمامًا...
وهذا تحديدًا ما أغضبها...
تابعت الاستماع، حتى وصل إلى مسامعها اسم ميراچ مرة أخرى، فاشتدت قبضتها أكثر... همست بغيظ:
طول الوقت ميراچ... ميراچ... هي عملت لك إيه عشان تهتم بيها بالشكل ده.
توقفت لحظة، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة ضيقة... وقالت بغضب:
ولا إنت بدأت تحن لها من تاني.
هزت رأسها سريعًا، وكأنها ترفض الفكرة حتى على نفسها قائلة بنهي:
لأ... مستحيل.
لكن شيئًا داخلها لم يكن مقتنعًا...
خصوصًا أنها بدأت تلاحظ منذ فترة أن نظرات أديم إلى ميراچ لم تعد غاضبة كما كانت...
ولأول مرة شعرت كارلا بالخوف الحقيقي...
ليس من ميراچ نفسها...
بل من أن أديم بدأ يكتشف الحقيقة التي حاول البعض إخفاءها عنه...
وأن اكتشاف الحقيقة قد يغير كل شيء...
استدارت كارلا مبتعدة عن باب المكتب، وقبل أن تتحرك أكثر، توقفت فجأة وهمست بغضب:
لأ...مستحيل أنا مش هسمح بده.
ثم رحلت بخطوات سريعة، وفي عينيها قرار تعرف بعد إلى أين سيقودها.
❈-❈-❈
بالظهيرة...
فوق قارب كبير يرسو بالقرب من الشاطئ، كان أديم يقف داخل إحدى الغرف، وقد أعد سفرة صغيرة تضم بعض المأكولات التي تعرف أنها تُفضلها ميراچ.
رتب كل شيء بنفسه تقريبًا، حتى إنه طلب نوع الحلوى الذي تحبه دون أن يخبرها.
ومنذ دقائق وهو ينظر إلى ساعة يده بين لحظة وأخرى، وكأن عقاربها تعمدت أن تتوقف.
تمتم بضيق:
اتأخرتي ليه؟
لكن ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه عندما سمع صوت طرقعات حذاء يقترب من المكان...
رفع رأسه... يخفق قلبه تبسم قائلًا:
أكيد ميراچ وصلت.
خرج من الغرفة بخطوات سريعة، لكنه ما إن رأى القادمة حتى تجمد مكانه، واختفت ابتسامته تمامًا... وهو يقول بدهشة:
كارلا إيه اللي جابك هنا.
تبسمت كارلا ببرود، ولم تُجيب...
وفي اللحظة نفسها، وصل إلى مسامعها صوت خطوات أخرى تقترب من الممر...
أدركت في ثانية أن ميراچ قادمة...
لمعت عيناها بخبث، واتخذت قرارها سريعًا...
بدأت تسير ناحية أديم متجاهلة سؤاله تمامًا، حتى أصبحت على بُعد خطوة واحدة منه...
قال أديم بحدة:
كارلا، أنا بكلمك.
لكنها لم تُجبه...
وفجأة تعمدت أن تتعثر... وقالت بهمس:
آه.
مد أديم يديه بشكل غريزي حتى لا تسقط، وفي اللحظة نفسها ألقت كارلا بثقلها عليه، لتستقر داخل حضنه.. اتسعت عينا أديم بغضب، وحاول إبعادها عنه فورًا قائلًا باستهجان:
إنتِ بتعملي إيه.
لكن قبل أن تبتعد كارلا...
كانت ميراچ قد وصلت...
توقفت عند مدخل الممر.
نظرت إلى أديم...
ثم إلى كارلا الموجودة بين ذراعيه...
تجمدت الدموع في عينيها...
لم تتحرك...
لم تصرخ.... رغم وجع قلبها القاسي...
حتى غضبها لم يظهر...
فقط بدا وجهها شاحبًا، وكأن المشهد أمامها انتزع منها القدرة على التفكير...
أما أديم، فالتفت إليها، وتغير وجهه تمامًا... وقال:
ميراچ...
لكنها قاطعته بصوت مبحوح، خرج بصعوبة من بين شفتيها:
هو ده السبب اللي عزمتني على الغدا عشانه...
ارتبك أديم قائلًا:
لأ، استني...
ضحكت ميراچ ضحكة قصيرة موجوعة، وهزت رأسها:
أستنى إيه يا أديم... كل شيء واضح قدامي.
نظرت إلى السفرة خلفه، الطعام الذي اختاره لها، ثم عادت بعينيها إليه...
أنا كنت فاكرة إنك عايز تتكلم معايا.
ابتلعت غصتها بصعوبة، ثم أشاحت بوجهها عنه حتى لا يرى دموعها... وقالت:
طلعت عايز تخليني أشوف حاجة تانية.. رسالتك وصلت يا أديم.
دفع أديم كارلا بعيدًا عنه هذه المرة، وكاد يمسك ميراچ... لكنها إبتعدت نحو تلك البوابة القريبة من الشاطئ، نظر لـ كارلا وقال بغضب:
كارلا، اطلعي برا.
لكن ميراچ هي لم تنتظر...
استدارت لتغادر...
أسرع أديم خلفها يقول:
ميراچ، والله اللي شوفتيه مش زي ما فهمتي.
توقفت للحظة دون أن تستدير.
قالت بصوت مرتعش:
متقولش والله...
سكت أديم.
أكملت وهي تمسح دمعة خانتها:
عشان أنا لو صدقتك دلوقتي... هكون بكذب على نفسي.
ثم تحركت نحو الخارج...
أما كارلا، فبقيت مكانها تراقبها، وقد زادت ابتسامتها للحظة عندما رأت الألم الحقيقي في عيني ميراچ...
بينما أديم،وذهب خلفها... وقد أدرك أن كارلا لم تسقط في حضنه بالصدفة...
بل كانت قد اختارت اللحظة التي تدخل فيها ميراچ بالضبط...
والآن...
كان عليه أن يلحق بميراچ قبل أن تخسره بسبب مشهد لم يحدث أصلًا... لكن لم يلحقها...
كانت تركض بقوة...
حتي أن قدمها خانتها وسقطت يدها خبطت على هِلب كان على الشاطي، شعرت بألم ساحق كادت تصرخ لكن تحملت وأكملت ركض.
❈-❈-❈
بعد أيام
بالشركة
بقاعة الإجتماعات
زفر أديم نفسه وتحدث بحدة قائلّا:
أنا طلبت إجتماع للمساهمين.
إبتلع سليم ريقه قائلًا:
أنا هنا مندوب عن ميراچ... ده تفويض منها بإدارة اسهمها فى الشركة.
نظر له أديم بحِدة..
بعد قليل بمكتب سليم
جحظت عيناه من المفاجأة حين رأي أديم يجلس فوق مقعده.. تفوه بصعوبة:
أديم... إيه اللى جابك مكتبي.
تهكم أديم قائلًا:
الشركة كلها تحت إدارتي، أقعد فى أي مكتب يعجبني...معليشي خضينك..
سلامتك من الخضة.
توتر سليم قائلًا:
مش حكاية خضيتني بس...
نهض أديم وإقترب من سليم بلحظة قائلًا بنبرة أمر:
فين ميراچ.
آرتبك سليم قائلًا بمراوغة:
إنت شوفت التفويض اللى..
تهكم أديم قائلًا:
التفويض ده ولا يفرق معايا، قولى فين ميراچ.
صمت سليم... تعصب أديم من صمته قائلًا:
أنا هعرف مكانها بنفسي... وأوعي تنسي إنك قبل خمس سنين لما سألتك عنها قولت لى إنها سافرت مع خطيبها.
❈-❈-❈
بـ قبرص
كانت تقف خلف النافذة تنظر الى البحر أمامها..
شهقت حين شعرت بدثار ثقيل يوضع فوق كتفيها...نظرت خلفها... ثم تبسمت قائلة بمرح:
لسه فيكٌ داء تمشي بدون ما حد يحس بخطواتك يا ناناه.
تبسمت لها بحنان قائلة:
لاء أنا مكنتش بتسحب، إنتِ اللى كنتِ شاردة... واقفه والشباك مفتوح والجو برد، هتبردي.
تبسمت ميراچ لها ثم عادت بنظرها نحو البحر قائلة:
رغم إنه نفس البحر، بس تحسي إنه مش نفس بحر إسكندرية. هنا مجرد أمواج بتتسابق هناك له روح تحسي الأمواج بتهمس لبعضها هنا صوت يخوف.
أومأت جدتها برأسها قائلة:
عندك حق... بعدين سيبك من البحر والأمواج... قوليلي هتعملى إيه مع أديم... لو...
توقفت لولا للحظة تبسمت ميراچ قائلة بقرار:
أديم إستنفذ كل الفُرص له معايا... كل هدفي دلوقتي... بس بقية السنة تعدي وبعدها مواجهته هتبقي معايا مختلفة.
«يتبع»
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
