رواية خادمتي الصامتة الفصل التاسع عشر 19 بقلم اسماعيل موسي

رواية خادمتي الصامتة الفصل التاسع عشر 19 بقلم اسماعيل موسي

رواية خادمتي الصامتة الفصل التاسع عشر 19 هى رواية من كتابة اسماعيل موسي رواية خادمتي الصامتة الفصل التاسع عشر 19 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية خادمتي الصامتة الفصل التاسع عشر 19 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية خادمتي الصامتة الفصل التاسع عشر 19

رواية خادمتي الصامتة بقلم اسماعيل موسي

رواية خادمتي الصامتة الفصل التاسع عشر 19

كان البرد قد سبق تقى إلى داخل القصر، ولم يكن الماء الدافئ وحده كافيًا لمحو ذلك الارتجاف الذي استقر في جسدها منذ قضت ساعاتها الطويلة في الحقول تحت المطر.
أما نوح، فما إن ابتعد عن باب الحمام حتى اتجه إلى الغرفة المجاورة وأشعل النار في المدفأة بنفسه، ووضع قطع الحطب اليابسة فوق الجمر، ثم انحنى قليلًا حتى اشتعلت النار ببطء وبدأ الضوء البرتقالي يتسع داخل الموقد، يلقي وهجه الهادئ فوق الجدران ويطرد شيئًا فشيئًا برودة الليل التي تسللت إلى أركان القصر.
وقف لحظات يراقب النار وهي تلتهم أطراف الحطب، وكان في صوت احتراق الخشب شيء يبعث على الطمأنينة، فرقعات صغيرة تتكرر بين حين وآخر، كأن الغرفة تستعيد دفئها القديم بعد أن اقتحمها ذلك الليل المبتل.
ثم أعد نوح الطعام لتقى بنفسه، ووضعه أمامها في انتظار خروجها من الحمام، قبل أن يعود إلى الغرفة ويجلس على المقعد القريب من النافذة، بينما كانت النار قد بدأت تبث حرارتها في المكان وانتشرت رائحة الطعام شيئًا فشيئًا
ظل ينتظر، وكان يتوقع في كل لحظة أن يسمع صوت باب الحمام ينفتح، لكنه لم يسمع شيئًا
مرت دقائق، ثم مرت دقائق أخرى، ورفع نوح رأسه نحو الباب أكثر من مرة، لكنه ظل ساكنًا مغلقًا
انتظر قليلًا، ثم نهض من مكانه واقترب منه وطرق طرقًا خفيفًا وقال، أأنت بخير يا تقى؟
لم يأته رد
وقف مكانه للحظات، وكان الصمت في البداية أمرًا عاديًا، فقد ظن أنها ربما لم تسمعه بسبب صوت الماء، لكنه بعد لحظات بدأ يشعر بشيء من القلق،طرق الباب مرة أخرى وقال، تقى؟
ظل الباب مغلقًا
عاد إلى الغرفة خطوتين، ثم توقف والتفت نحو الباب من جديد، ومرت دقيقة بدت أطول مما ينبغي، وفي ذهنه بدأت تعود صور لا يريد لها أن تعود، جسدها المرتجف تحت المطر، وسقوطها في الوحل، ووجهها الشاحب، وتلك النظرة التي كانت في عينيها وهي تحاول الوقوف رغم أنها لم تكن تملك القوة
عاد إلى الباب بسرعة أكبر، وهذه المرة طرق بقوة وقال، تقى، أأنت بخير؟
انتظر، لكن الصمت بقي في مكانه
اشتد القلق في صدره حتى شعر أنه على وشك أن يحطم الباب، ومد يده إلى المقبض ثم توقف في اللحظة نفسها، فقد جاءه من الداخل صوت خافت، طرقة واحدة على الباب
تجمد نوح في مكانه، ثم اقترب أكثر وقال بحذر، أنتى بخير؟
وجاءه الرد مرة أخرى، طرقة واحدة
تنفس ببطء، وفهم عندها أنها تحاول أن تجيبه بطريقتها، وأن الصمت الذي لازمها لم يكن يعني أنها عاجزة عن أن تسمع أو تفهم، وإنما كان عالمها قد اعتاد أن يجد لنفسه لغة أخرى
قال بصوت أكثر هدوءًا، حسنًا، افتحي الباب
مرت لحظات قبل أن يتحرك المقبض ببطء، ثم انفتح الباب
ظهرت تقى خلفه، وكان شعرها لا يزال مبتلًا وقد التصقت بعض خصلاته بجبهتها وعنقها، وبدت أكثر شحوبًا تحت ضوء الغرفة، لكنها لم تعد تحمل فوق جسدها ثيابها القديمة التي ابتلعتها الحقول والمطر والوحل
كانت قد لفت نفسها بملابسها المبتله، تحاول أن تستر جسدها بها قدر ما تستطيع، بينما وقفت خلف الباب في حرج واضح لا تعرف كيف تشرح المأزق الذي وجدت نفسها فيه
نظر إليها نوح لحظة، ثم انتظر منها أن تشير،كانت فتحة الباب ضيقه جدا بالكاد مشرعه
رفعت تقى يدها وأشارت إلى ثيابه
لم يفهم في البداية، فعقد حاجبيه ونظر إلى نفسه، ثم عادت تشير إلى ملابسها وإلى الخارج، حيث بقيت الحقول والمطر والوحل وراء أسوار القصر،وفي لحظة واحدة فهم
لقد فقدت ثيابها، أو لم يعد هناك شيء منها يصلح لأن ترتديه
ظل واقفًا للحظات وقد بدا على وجهه شيء من البلاهة العابرة، كأن الأمر البسيط احتاج منه إلى وقت أطول مما ينبغي حتى يفهمه، ثم تغيرت ملامحه وخرجت منه ضحكة قصيرة
لم تكن ضحكة سخرية منها، بل ضحكة الرجل الذي اكتشف فجأة أنه، وسط كل ما حدث، نسي أكثر الأمور وضوحًا
خفضت تقى عينيها، فتوقفت ضحكته سريعًا وشعر بشيء من الحرج، فاستدار عنها في الحال وقال، انتظري هنا.
ثم منحها ظهره وصعد إلى غرفته، وفتح خزانته وأخذ ينظر بين ثيابه، قبل أن يختار بعض الملابس التي ظن أنها قد تصلح لها، رغم أنه كان يعرف منذ البداية أن شيئًا مما يخصه لن يكون مناسبًا تمامًا لجسد فتاة نحيله  مثلها.
عاد إلى باب الحمام وطرق طرقات خفيفة، ثم وضع الملابس أمام الباب وقال الملابس هنا 
وتراجع بعد ذلك إلى الغرفة الجانبية، وأغلق الباب خلفه حتى يمنحها الوقت لتأخذ ما تحتاج إليه دون أن تشعر بالحرج 
لم تمر فترة طويلة حتى سمع حركة خافتة، ثم صوت الباب ينفتح،خرج نوح بعد لحظات، وكانت تقى تقف قرب المدفأة
توقف مكانه ونظر إليها
كان القميص واسعًا عليها إلى درجة جعلته يبدو كأنه لا يخصها في شيء، فقد انسدل فوق جسدها النحيل حتى أخفى يديها تقريبًا، وكانت أطرافه أطول مما ينبغي، أما باقي الملابس فقد بدت عليها فضفاضة بصورة جعلتها تبدو للحظة كطفلة ارتدت ثياب رجل بالغ
حاولت تقى أن تصلح أحد الأكمام، ثم رفعت رأسها إليه، ولم تستطع أن تخفي حيرتها
ابتسم نوح، وهذه المرة لم يضحك بصوت مرتفع، لكنه قال وهو ينظر إلى اتساع الثياب عليها، يبدو أنني لم أحسن الاختيار
نظرت تقى إلى نفسها، ثم رفعت عينيها إليه، وكان في وجهها شيء لم يره منذ عرفها، شيء قريب من الخجل، وربما كان قريبًا من ابتسامة صغيرة لم تكتمل
جلس نوح قرب المدفأة وأشار إلى الطعام الموضوع فوق الطاولة وقال، اقتربي
ترددت تقى، فنظر إلى النار وقال، ستبردين إن بقيت واقفة هكذا
تقدمت ببطء وجلست على مسافة من المدفأة، ثم مدت يديها نحو النار، وفي تلك اللحظة بدا جسدها الصغير محاطًا بثياب أوسع منه، وشعرها المبتل يلمع تحت الضوء، والنار تنعكس في عينيها الصامتتين
نظر إليها نوح دون أن يقول شيئًا، وشعر للمرة الأولى منذ أن حملها من الحقول أن شيئًا من الحياة بدأ يعود إليها، ولو ببطء شديد
تناولا الطعام معًا، وجلست تقى في صمت، بينما كان نوح يتناول طعامه دون أن يثقل عليها بالكلام، وكأن كليهما كان بحاجة إلى ذلك الهدوء بعد ليلة طويلة أرهقها المطر والخوف والتعب، وظل الصمت بينهما لبعض الوقت، لا يقطعه سوى صوت المطر وهو يضرب زجاج النوافذ، وصوت الحطب المتوهج داخل المدفأة.
كان نوح بين حين وآخر ينظر إليها، فيجد في ملامحها شيئًا من الإرهاق الذي لم تستطع إخفاءه، لكنها بدت أكثر دفئًا الآن، بعدما ابتعد عنها برد الليل والماء الذي أثقل جسدها، وحين انتهيا من الطعام، ترك لها لحظات أخرى تستعيد فيها أنفاسها، ثم قال بهدوء
ـ اذهبي إلى غرفتك يا تقى، وحاولي أن تنالي قسطًا من الراحة، وفي الصباح سيكون لي معك حديث آخر
رفعت تقى عينيها إليه للحظة، ثم خفضتهما دون أن تجيب، واكتفت بإيماءة صغيرة برأسها، قبل أن تنهض متجهة إلى غرفتها، بينما ظل نوح في مكانه يتابع خطواتها حتى غابت عن عينيه
بقي نوح وحده إلى جوار المدفأة، وأراح ظهره إلى المقعد، ثم مد ساقيه أمامه حتى اقتربت قدماه من دفء النار، وأسند رأسه إلى الخلف، تاركًا لعينيه أن تستسلما لذلك الضوء المتراقص الذي كان يملأ الغرفة
كان يحب تلك الأوقات التي يغمر فيها المطر العالم كله، حين تصبح الأرض والسماء شيئًا واحدًا تحت ستار الماء، وحين يضيق العالم من حول الإنسان فلا يبقى منه سوى بيت دافئ، ونار مشتعلة، ومطر لا يكف عن طرق الأبواب والنوافذ
كان للبرد في نفسه مكان آخر، مكان أقدم من هذه الليلة، يعيده كلما اشتدت قسوته إلى أيامه في باريس، إلى تلك الأيام البعيدة التي لم تكن قد صارت بعد مجرد ذكريات
أغمض عينيه قليلًا، وترك دفء المدفأة يتسلل إلى جسده، بينما ظل صوت المطر يتردد في الخارج، متواصلًا وهادئًا، كأنه يأتي من زمن بعيد
ومع سكون المكان، بدأت الذكريات البعيدة تجد طريقها إليه، واحدة تلو الأخرى، دون أن يستدعيها، فعادت إليه صور الشوارع التي عرفها، والبرد الذي كان يحيط به في أمسيات باريس، والسماء الثقيلة بالغيوم، والأيام التي مضت منذ ذلك الوقت ولم تعد كما كانت
ظل جالسًا وحده، وقد امتدت ساقاه قرب المدفأة، بينما راحت النار تنعكس على وجهه، وترك نفسه للحظات لذلك الماضي البعيد، كأن المطر في الخارج فتح بابًا ظل مغلقًا طويلًا، وما إن انفتح حتى تدفقت منه الذكريات دون استئذان.

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا