رواية خارج عن المألوف تميم رسلان الفصل الاول 1

رواية خارج عن المألوف تميم رسلان الفصل الاول 1

رواية خارج عن المألوف تميم رسلان هى رواية من كتابة ايه محمد رفعت رواية خارج عن المألوف تميم رسلان صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية خارج عن المألوف تميم رسلان حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية خارج عن المألوف تميم رسلان

رواية خارج عن المألوف تميم رسلان

رواية خارج عن المألوف تميم رسلان

الفصل الأول بين سطور الصمت!
بزغت الشمس كقبلةٍ في ثغر الصباح المشرق؛ فاندفعت حزمة من أشعتها الذهبية على أوراق الأشجار المحاطة بإحدى الُمسْتشفَيَات الخاصة وأصوات العصافير تنساب شجية من بين أغصانها وكأن هناك احتفالًا مهيبًا بصحبتهم؛ فخلقت أصواتهم جوًا مثاليًا تطرب الآذان لسماعه فتسترخي مَن بداخل الغرفة على سماع تراقص أنغامهم،تسللت أشعتها المفعمة بالحياة من زجاج النافذة البيضاء وكأنها أرادت منح إحداهن نظرة جديدة تَفَتَّتَ الظلام الذي اختبرته لفترة من حياتها خاصة بعد مرور عدة أسابيع على جراحتها الخطيرة، ضوء قوي اخترق ظلمة عينيها فأغلقتهما سريعًا ثم عادت لتفتحهما مجددًا بحذرٍ شديد وكأنها تتعلم كيف تخطو ولأول مرة، يداه كانت تشدد على يدها بأمان ليحفزها على مواصلة ما تفعله باطمئنان لوجوده بجوارها، تمسكت بيديه بقوة وكأنها تنقل له تعبير ما تراه، بدا الضوء وكأنه يزعجها فحاولت التأقلم على حدته، تابعها الطبيب باهتمام فالمؤشرات مبشرة بالخير لنجاح زراعة القرنية، فتحت “ميرال” عينيها ببطءٍ وكل ما تأمله رؤياه، رؤية من غاب عن سُكنى العين والقلب بعدما أصيبت بحادث بشع منذ ما يقرب العامين فقدت بصرها الثمين على إثره، حاولت تخطي الضوء وهزيمته سريعًا لتتمكن من رؤيته جيدًا، فبدأت ملامحه بالظهور جزئيًا أمام عينيها.
عيناه ذات اللون السوداوي التي تحيطها هالة من الحب زرعت خصيصًا لها، وجهه المستدير ذو الأنف المستقيم، شفتاه المقوستان للأسفل ببسمته المرسومة بأمل عودة بصرها، نقلت نظراتها لذقنه التي تركها لتمنحه مظهرًا
رجوليًا صلبًا.
نهض “تميم” عن مقعده ليجلس أمامها على الفراش بقامته الطويلة وعضلات جسده المفتولة بفضل عمله الشاق، تمعنت في رؤية وجه زوجها الحبيب فأرادت لو أن يتوقف العالم من حولها ليبقيا معًا بمفردهما لدقائق معدودة تخبره بها كم كانت تتوق شوقًا لرؤياه المحببة لقلبها، لا تعلم لما ظلت الدمعات رفيقتها حتى بفرحةٍ كهذه، شقت البسمة وجه “تميم” الصلب ليحتضن بيديه وجهها الأبيض برقة وكأنها زجاج هش سينكسر بين يديه:
_قولتلك ربنا مش هيخذلنا
رفعت يدها على يديه بفرحة لتشير له بصدق حديثه فبمساندته نجحت بالقضاء على خوفها بحرمة ما ستفعله من قبول القرنية حتى بعدما أكد لها الطبيب بأن الفتاة أوصت بوصيتها بأنه بعد وفاتها يتم التبرع بقرنيتها لإنقاذ حياة إنسان وعن كامل إرادتها فليس هناك أي عائق أو حرمانية بالأمر، قطع صوت الطبيب المعالج لحظات الصمت بينهما فقال بمهنية دقيقة:
_حمدلله على السلامة يا مدام “ميرال”
انتبهت لنفسها فجذبت حجابها المطروح للخلف رغمًا عنها، فعقدته حول رقبتها باهمال قائلة ببسمة هادئة:
_الله يسلم حضرتك يا دكتور.
اقترب من الفراش ليتفحص عينيها جيدًا ثم أشار ل”تميم” بهدوء وهو يدوّن على النوت الصغير الذي يحمله:
_طبعًا مش هوصيك بضرورة المتابعة للتأكد أن عيونها قبلت القرنية لفترة متقلش عن سنة كاملة عشان لا قدر الله لو في مضاعفات أو حاجة. وقدم له الطبيب الرُوشِتّة بتشديد على كلماته الأخيرة:
_الأدوية دي لزم تتأخد بانتظام.
فُتح باب الغرفة لتظهر أمام الطبيب الذي كاد بالمغادرة فتاة بالعقد الثالث من عمرها ترتدي فستانا زهري اللون وحجابًا ورديا يضيء وجهها القمحي، أسرعت بخطاها للداخل لتحتضن “ميرال” بدموع وعدم تصديق بعدما علمت ما حدث من أخيها فقالت بعتاب وبكاء متواصل:
_كده تعملي العملية ومتعرفناش!
ربتت “ميرال” على ظهرها بفرحة تحتضنها دمعة دافئة دون أن تفارقها:
_محبتش أقلقكم معايا وأنا عارفة أن ماما ضغطها عالي ومش هتستحمل.
ابتعدت عنها “نورهان” بغضب من حديثها لتشير لها بحزنٍ
_مش حجة لو كنتِ حابة تعرفيني كنت هتقوليلي معرفش ماما بس إنتي والأستاذ عاملين علينا حزب.
تجاهل “تميم” مشاكسة شقيقته وانتهز وجودها مع زوجته ليخرج مسرعًا خلف الطبيب ليستوقفه بالخارج، فاقترب منه بعدما التفت يتفحص الطريق من حوله فقال بصوتٍ منخفض للغاية:
_أتمنى أن حضرتك متنساش وعدك بموضوع القرنية ده.
تفهم ما يود قوله؛ فرفع يديه بثبات ليشدد على كتفيه:
متقلقش يا “تميم” محدش هيعرف حاجة.
أشار له بابتسامة ترسم بالكاد وكأنها تكفي للثناء على مثل هذا الطبيب الذي استغل حاجته للقرنية فرفض أن يقدمها له إلا بمبلغ ضخم يفوق طاقته، فقرر “تميم” التخلي عن الأرض الزراعية التي ورثها عن أبيه ليدبر المال مقابل أن يخفي الموضوع عن زوجته فهو يعلم جيدًا بأنها سترفض ذلك وبشدة، يعلم بأنه ارتكب خطأ فادحًا بحقها ولكنه يقبل الموت على أن يرى معشوقته تعاني ولو لدقائق بسيطة، أغلق عينيه بخوفٍ من أن تنفضح فعلته فود لو أن يعود بها للمنزل سريعًا بعيدًا عن هذا المكان.
توقف المصعد عند الطابق المنشود، لتخرج السيدة “حكمت” من داخله متوجهة للاستعلام عن الغرفة التي تقطن بها زوجة ابنها الوحيد، فلفت انتباهها من يستند بذراعيه على (درابزين) الدرج الجانبي لإحدى الغرف في شرودٍ تام، توجهت إليه بخطواتها الثقيلة التي تتناسب مع جسدها السمين؛ فوقفت مقابله لتستحوذ على كامل انتباهه:
_تميم!!
استقام بوقفته ليجد والدته تقترب منه فأسرع إليها ليساندها بذراعيه قائلًا بضيقٍ:
_إيه اللي جابك يا أمي مش قولتلك خليكي عشان رجلك.
لوت فمها بتهكم على ما فعله، لتشير له بيدها بغضب:
_أنت ليك عين تتكلم، بقى بتضحك عليا وبتقولي أنها عند والدتها يومين ومتقولناش!، البت تقول علينا إيه، معندناش واجب؟
قبّل رأسها بمحبةٍ فحديثها إن لم يكن يتحمله من قبل هو بأمس الحاجة له الأن وخاصة حينما يتذكر ما فعل، ابتعدت برأسها للخلف كاعتراض على طريقته المعتادة:
_لأ مش هتعرف تراضيني المرادي.!
ثم سألته بتوجس والضيق من أفعاله يستحوذ بعينيها:
_إمشي وريني أوضتها فين خليني أطمن عليها.
ابتسم رغمًا عنه على كلماتها فتبعها ليوصلها للداخل.
*****
في أحد الأسواق الشعبية الخاصة بالفواكه والخضروات تنقلت من بائع لآخر لتستكشف الأسعار أولًا قبل الشراء مثلما قدمت إليها حماتها بالتعليمات المشددة بضرورة الشراء بأسعار منخفضة والحصول على فاكهة من الدرجة الأولى حتى وإن قضت يومها بأكمله بالشراء فلا بأس بذلك من وجهة نظر تلك المرأة البغيضة، أشعة الشمس المتأججة جعلتها تتصبب عرقًا حتى أصبح ريقها جافًا كالصحراء القاحلة، وقفت أمام أحد المحلات الخاصة بالعصائر المنعشة تتطلع لها بلعابٍ يسري لحاجتها الشديدة لارتشاف قطرات المياه الغير متوفرة حاليًا، تفحصت “وجدان” حافظة النقود الصغيرة البالية لتجد أن المال الذي تمتلكه لا يكفي إلا لشراء المستلزمات، أكملت طريقها خوفًا من أن تعنفها حماتها من نقص المال من بضعة الجنيهات التي ستحتسي بها العصير حينما تستجوبها عما فعلت بكل جنيه من المال! اشترت المطلوب ثم حملت الحقيبة فوق رأسها متوجهة للعودة للمنزل.
*****
أغلق باب شقته وهبط للأسفل ليتناول طعام الإفطار قبل الذهاب لعمله بالورشة التي عمل بها منذ يومين بعد إلحاح من زوجته بأن يجد عملًا يسد به قوت يومهم ورغم رفضه الشديد لأي عمل كانت تجده له استطاعت أن تقنعه بالعمل مع عمها بالنجارة، طرق “جمال” باب شقة والدته بالطابق السفلي؛ ففتحت له شقيقته التي تكبره بثلاثة أعوام قائلة بتأفف:
_ما المفتاح بره لازم ترن يعني؟!
أغلق الباب من خلفه ليتابعها للداخل بسخرية من طريقتها بالحديث:
_بحركك بدل ما إنتي قاعدة على السرير مابتتحركيش.
جلست جوار والدتها مدعية الحزن الشديد لتبدأ اسطوانتها اليومية لقلب الطاولة على تلك المسكينة الغائبة لخدمتهم:
_مابتحركش ليه ياخويا أمال مين اللي بينضف لأمك الحتة وبيشوف طلباتها، دا مراتك مابتنزلهاش إلا الظهر تأكل وتطلع، أنا مش عارفة هي ساكتلها ليه؟!
انقلبت ملامحه للغضب فتطلع لوالدته التي رسمت الحزن على ملامحها ليردد بنبرة شرسة:
_الكلام اللي “هدى” بتقوله صح يا ماما؟!
هزت المرأة السمينة رأسها بتأييد على حديث ابنتها الكاذب:
_هعمل إيه يا ابني ما أنا بقول يمكن الحمل تعبها ولا حاجة!!
رفضت بشكلٍ قاطع ترك فرصة ولو صغيرة لاتماسه العذر إليها؛ فقالت بلهجة عدائية تفوح منها رائحة الكره والحقد تجاه زوجة أخيها:
_وهي أول ولا آخر واحدة تحمل، ما أنا قدامك أهو معايا تلات بنات زي الفل ومدّلعتش نص الدلع اللي إنتي مدلعهولها ده، كانت حماتي الله يمسها بالخير بتقومني من الفجر معاها قبل ما تروح الغيط.
لطمتها “ألطاف” برفق حتى تسبك دور الحنان الزائف:
_قفلي يابت على السيرة أصل تستقصدك الفترة اللي إنتي قاعداها لما جوزك يرجع من السفر وترجعي بيتك.
وصل لدرجة خطيرة من الغضب؛ فنهض عن محله ليتجه للمطبخ المجاور لهم على بعد خطوات صارخًا بعصبية:
_وجدان!!؟؟
أشارت والدته بحنق والخبث يتمكن من وجهها اللئيم:
_في السوق من ساعتها ولسه مرجعتش.
لم تمرر “هدى” حديثها مرور الكرام فأضافت لتضمن إضرام النيران:
_ماهي ما بتصدق تخرج عشان تروح لأمها من غير ما تعرف حد من البيت ولا تستأذن الراجل اللي هي على ذمته.
انقبضت عروق رقبته حينما طعنت رجولته بخبث؛ فجلس ينتظر عودتها ليعنفها بشدة كعادته حينما تأتيه شكوى منها فيأدبها بالضرب المبرح غير مكترث لحملها ولا لفقدانها أول جنينها بسبب اعتدائه بالضّرب المبرح عليها.
*****
سلكت الشارع الرئيسي حاملة الحقيبة على رأسها فانعطفت للشارع المنشود لبيت زوجها، لمحت والدتها تنظف الدرج الخارجي لمنزلها المتهالك فهي تسكن جوارها، انتبهت “آمال” لبنتها وهي تقترب منها حاملة فوق رأسها حقيبة السوق الضخمة؛ فأسرعت لتحمل عنها قائلة بصدمة والحزن يختبىء بلهجتها:
_طلعتك السوق برضو، منها لله ألطاف بنت جواهر.
التقطت “وجدان” أنفاسها بصعوبة؛ فأستندت على حافة الدرج بتعب ملحوظ، لتفرك بطنها بألم قائلة بلهجة هادئة حتى لا تثير حزن والدتها:
_عادي يا ماما أديني بهوي نفسي بدل الخنقة دي.
اعترضت على كلامها بسخط وغضب ملحوظ بحديثها:
_تهوي نفسك إيه، الكلام دا بأخر الحمل، إنتي لسه بالأول ولا البعيدة عايزة تسقطك تاني زي ما ابنها عمل قبل كده.
نفضت “وجدان” جلبابها الأسود الفضفاض من الغبار، لتحاول تغيير الحديث فيما بينهما فقالت باستغراب:
_بتكنسي السلم ليه، أمال فين مريمة؟
أشارت لها بضيق من تصرفات ابنتها الصغرى وعدم تقبلها بالمرة:
_بسلامتها مش بتقوم إلا قرب العصر.
جذبت عنها المكنسة اليدوية لتنهي الدرج فقالت “آمال” بحزن بعدما انتهت ابنتها من تنظيفه:
_ليه كده يا بنتي، إنتي ناقصة هدة.
قدمت لها المكنسة ببسمة رقيقة:
_هو أنا عملت إيه بس؟!
ثم فركت يديها بتردد وارتباك فقالت بحرج:
_معلش بس يا ماما، لو عندك شوية أريل أروح أولع على الغسيل لحد ما جمال بس يقبض.
تمزق قلب والدتها فهي تعلم جيدًا معاناة ابنتها بالعيش مع رجلٍ مثل هذا، ولكنها كانت تشدد عليها بضرورة العيش والمصابرة والإبتعاد تمامًا عن تفكيرها بالطلاق، فتركتها وصعدت للأعلى لتحضر لها ما أرادت، تناولت منها الكيس البلاستيكي الأسود الصغير الذي أعدته لها لتحمل الحقيبة فوق رأسها؛ فأسرعت “آمال” بالحديث:
_راحة فين أقعدي افطري معانا.
أجابتها بنفي والخوف يلمع بعينيها مما سيحدث لها:
_لا مش هينفع مقولتش لحد.
وأضافت بلطف حتى ل تحزن والدتها:
_هبقى أستأذن في يوم وأجيلك.
ربتت الأم على ظهر ابنتها بتفهم:
_ماشي يا حبيبتي خدي بالك من نفسك وأنا هبقي أروح أشوف بنت خالتك وأعدي عليكي بالليل شوية.
أجابتها “وجدان” بلهفة:
_ميرال، ليه مالها؟!
تنهدت بحزن وهي تضيف بأسى:
_خالتك بتقول إنها عملت العملية من فترة وهيشوفوا النتيجة النهاردة،فاهروح أشوفها ببيت جوزها.
أكدت عليها بالحديث:
_ابقي سلميلي عليها لحد ما أشوف يوم كده وأعرف أروحلها.
ضيقت “آمال” عينيها باستغراب:
_ما تطلبيها على التليفون بتاعك!!
صمتت “وجدان” بتوترٍ من أن تعلم والدتها بالحقيقة فقالت بارتباك:
_وصليلها سلامي بس.
وكادت بالمغادرة فأستوقفتها والدتها بعدما جذبتها من ذراعيها قائلة بصدمة:
_داهية ليكون باعه زي الدهب؟!
ارتباك نظراتها وخوفها كان الإجابة الصريحة على سؤالها، لتغادر سريعًا قائلة بتهرب:
_اتاخرت أوي همشي بقى.
وغادرت سريعًا قبل أن ترى والدتها دمعاتها المؤلمة وانكسار فؤادها المكلوم فزوجها يحرص على ضعضعة مشاعرها وكسرها أمام عائلته على الدوام، وعادات مجتمعها اللعين تحتمها على أن تستسلم لنصيبها البائس أفضل من أن تكون مطلقة!
*****
توقفت سيارة الأجرة أمام المنزل؛ فهبط “تميم” ليساند زوجته مع والدتها التي لحقت بهم على المستشفى بعدما علمت بالأمر هي الأخرى، تماسكت “ميرال” وهي ترفع يدها على رأسها بألم تحاول مقاومته ولكن دون جدوى، شعر بها فانحنى ليحملها بين ذراعيه بخفة، ثم صعد الدرج ليتوجه لشقتهم الخاصة وعيناه متعلقة بها بجنون تأبى الخنوع لأوامره بالتطلع أمامه حتى لا يتعثر على الدرج، تواثبت دقات قلبها وكأنها تراه للمرة الأولى بحياتها رغم أنها قضت عامًا كاملا برؤيته ليلًا نهاراً وعامين كان هو عينيها وبصيرتها، حبهما مختلف يتعهد به النقاء بحماية روابطه ولكن ترى ما المخبىء لهما؟!
*****
موسيقى هادئة تطغى على أجواء مكتبه البسيط المزين ببعض مزهريات الورد الأبيض الذي يعبر عن النقاء والراحة، حتى لون طلاء الحوائط الأبيض كان يمنحك الرؤيا للتخمين بشخصية صاحب هذا المكتب المميز ذو الذوق الرفيع، وبمنتصف هذة الغرفة المصنفة بترتيب دقيق مكتب دائري الشكل يكتسح معظم المساحة، كان يجلس على مقعده شابًا وسيمًا للغاية يتابع عمله بمهارة عالية وتدقيق بكل خط هندسي يرسمه بلوحته الهندسية لتصميم معمار الفيلا التي استلم العمل عليها منذ فترة قصيرة، صدح رنين هاتفه ليقاطعه عما يفعله، فرفعه “معاذ” بيديه وحينما رأى اسمها أعاد إغلاقه مجددًا بعدم رضا بوجود تلك الفتاة الجريئة لجواره، فكم ود أن ينهي خطبته بها من البداية ولكن أمام إصرار والدته المتكرر باختيارها الوثيق بها جعلته ينصاع لرغباتها رغمًا عنه، لذا قبل بتلك العلاقة بشكلٍ مجبر ولكنه غير راضٍ عن ذلك.
طرقات مزعجة تأكد من صاحبها، فوضع القلم من يديه بقوة ليرفع صوته المتعصب من حركات رفيقه الطفولية وكأنه كل صباح يقرع الطبول بمكتبه الهادئ:
_إدخل يا سيف وبطل شغل العيال ده على الصبح.
فتح الباب ليظهر من خلفه من يخبئ وجهه بالملف الذي يحمله، اقترب من المكتب فجذب المقعد المقابل له ثم جلس ليضع الملف أمام “معاذ” قائلًا بغضب مصطنع:
_لا بقولك إيه هتعاملني كده يبقى شوفلك محامي تاني للشركة غيري:
وحينما وجده عابس الوجه قال ببسمة ساخرة
_واضح كده أن فرحة هانم لحقت تعكنن مودك كالعادة.
لوى فمه بسخطٍ على كلماته وخاصة من ذكره لاسم أكتر شخصية يمقتها:
_حاسس إني مش هخلص من الكابوس دا يا سيف.
تلاشت بسمته فيبدو أن المزاح ليس مرحبًا به تمامًا بمثل حالته، يشعر بالأسف على حالة صديقه فما فرض عليه ليس بعقاب يومٍ أو شهرٍ بل عقاب سيلاحقه على الدوام، بلل شفتيه بلعابه ليتمكن من قول كلماته المتكررة إليه ولكنه لم يمل عن قولها:
_إنت لسه فيها يا معاذ، إنهي الخطوبة دي قبل ما الموضوع يتطور وهيبقى صعب بعد كده تسيبها.
تراجع “معاذ” بمقعده للخلف لينهض عنه متوجهًا للشرفة، فحرر أول أزرار قميصه ليتمكن من التنفس ليزيح الغصة المؤلمة التي تحتل صدره:
_إنت أكتر واحد عارف أنه مش هينفع، مقدرش أجازف بمرض والدتي وبالوقت ده.
نهض الآخر عن مقعده ليقف على مقربة منه قائلًا بهدوء وبكلماتْ مرتبة:
_حاول تتكلم معها وتفهمها أنك محبتش فرحة ولا قادر تشوفها.
ابتسم بسخرية على بساطة رفيقه فربما عدم تعارفه الكافي على والدته لا يتيح له الفرصة بالتعرف على عنادها:
_مش بالبساطة دي، أنا كدا هكون بوجهة نظرها بعاندها ومعتقدش هكون بالغباء الكافي عشان أرجع أبدأ حرب جديدة معها.
جذب “سيف” الملف ليقدمه إليه بعصبية:
_خلاص موت نفسك مع واحدة مش بطيقها. ووضع الملف بيديه بغضب بادٍ بعينيه:
_واتفضل إمضي الملف ده خليني أخلص شغلي وأمشي.
تناوله منه باستغراب وهو يتفحص ساعة يديه _هتمشي بدري كده؟!
أجابه بتوضيح وهو يتفحص هاتفه:
_رايح زيارة لبيت “تميم”؛ مراته خرجت النهاردة من المستشفى.
انحنى بجسده قليلًا على المكتب جاذبًا القلم ليوقع الأوراق قائلًا باهتمامٍ:
_مش دا صاحبك اللي مراته عملت حادث من سنتين؟!
أشار له بهدوء فاسترسل الآخر حديثه بذهول:
_هو عمل لها العملية ؟!
التقط منه الملف، فقال وهو يتفحص توقيعه على الأوراق:
_جالي من كام يوم عشان أحضر له أوراق بيع الأرض اللي حيلته عشانها بس محدش يعرف، دي هي فاهمه إنه مادفعش غير تكاليف العملية بس.
تملكه الذهول من حديثه ليعقب بتحذير:
_بس كده حرام يا سيف، دي تجارة بالأعضاء!
جذب حقيبته السوداء ليرتب ما يخصه بداخلها، ليجيبه بتوضيح:
_اللي فهمته إن في ناس بتتبرع بأجزاء من جسمها بعد وفاتها لأشخاص تستحق، فالدكتور اللي عمل لها العملية طلب مبلغ كبير من تميم عشان يوصله بالناس اللي تقدر توفرله قرنية متبرع، يعني هو مادفعش للمتبرع نفسه، هو دفع للدكتور.
تطلع له بإعجاب ظهر بلهجة صوته:
_واضح إنه بيحبها أوي لدرجة إنه بيبيع الأرض اللي حيلته ويعمل كل ده عشانها.
ابتسم” سيف” على تحليله الدقيق عن شخصية “تميم” دون أن يراه، فرفع يديه ليربت به على كتفيه بلهجةٍ غامضة نقلت له رسالة معينة عن ما يختبره:
_الحب بيعمل أكتر من كده.
وتركه وتوجه للمغادرة والآخر شاردا بحديثه بقلب ممزق لما يعانيه لأجل عناد والدته بالارتباط بابنة خالته على ثقةٍ تامة بأنها تناسبه!
*****
جذبت المفتاح من حافظة النقود القماشية لتفتح البوابة الحديدية المتهالكة بعض الشيء، ثم حملت الحقيبة على رأسها من جديد لتكمل طريقها للأعلى، طرقت باب المنزل ببعض الألم الذي يجتاز موضع جنينها من فرط المجهود المبذول، فتحرك تجاه الباب بشعلة غضب تنهش عينيه.
بعد أن نجحت كلا منهما إضرام النيران قدر ما استطاعتا، جذبها بالقوةٍ من حجابها قاصدًا أن يؤلمها، سقطت الحقيبة من يدها أرضًا وهي تحاول أن تثبت أقدامها عن السقوط، عقلها غير مستوعب لما يحدث إطلاقًا…
علا صوته بالسباب القذر غير عابئ بسماعها أو حتى منحها بعض الشفقة بالتعامل لكونها حامل بجنينه، خرجت كلماته التوضيحية بعد موجة سبابه فكانت كبداية لها لفهم ما حدث هنا بغيابها حينما قال:
_أنا مش هخلص من مشاكلك ولا إيه، كل يوم بتنزلي لأمي وش الظهر وتسبيها تخدمك وكمان بتروحي لأمك من غير ما تقوليلي؟!
حاولت التقاط أنفاسها المتقطعة من فرط ضغطه على حجابها فانغرست الدبابيس برقبتها، فقالت بصعوبة بنطق الكلمات:
_والله ما حصل، دا أنا بنزل كل يوم من النجمة قدامك وبخدمها هي وأختك، وشايلة عيالها على كفوف الراحة.
صرخت بألم حينما لكمها على صدرها بالقسوة ليقاطعها بحدة:
_يعني هي هتكدب؟!
تدخلت “هدى” بالحديث والشماتة تتراقص بحدقتي عينيها:
_قطع لسانك أمي مش كدابة، ده إنتي اللي بميت وش يا بت وبتستغلي أنها طيبة وساكته علي البلاوي اللي بتعمليها.
التزمت الأم الصمت مدّعية تأثرها الكبير بكلمات زوجة ابنها، أما “وجدان” فحاولت دفعه بعيدًا عنها حفاظًا على جنينها وخوفًا من خسارته على يديه مجددًا، فتطلعت تجاه حماتها قائلة ببكاء لعلها تستميل عاطفتها المفقودة:
_حرام عليكي أنا مستهلش منك كده، أنا ماشية تحت طوعك من أول ما دخلت البيت ده!.
تطلعت له بنظرة نارية لتشير لها بذراعيها بضجر:
_قال بطلوا ده واسمعوا ده،هتكدبي الكدبه وتصدقيها ولا إيه يا بت، إنتي من يوم ما دخلتي البيت ده وإنتي عامله زي الحرباية بميت وش بتوقعي بينا كلنا وأخرهم عايزة توقعيني في بنتي وابني.
ثم تطلعت لابنها بغضب لتلكزه على ذراعيه:
_البت دي متقعدليش هنا، عايزها والحب واكلك أوي يبقى تقعدوا فوق في شقتكم متنزليش هنا.
لطمها “جمال” على وجهها بغضب ليدفعها بقوة تجاه الباب قائلًا بعصبية أعمت عينيها عن ما يحدث لزوجته من إضطهاد مأساوي:
_وعلى إيه كل ده، زي ما جيت ترجع.
وأشار لها على الدرج المؤدي لشقتهم ليضيف لكلماته القاسية:
_لمي هدومك وغوري على أمك.
وكأنه فتح الأسوار المقيدة لقدميها، فهبطت للأسفل ركضًا حتى تلوذ بالأمان لجنينها من هذا الزوج اللعين الذي فرض عليها أن تحتمل أبشع ما يكون من أجل وصية والدتها المتكررة؛ بأن عليها التحمل فلقب المطلقة بئس المصير بالنسبة إليها، لذا عليها التحمل حتى ولو واجهت الموت ألف مرة!
*****
وضعها على الفراش برفقٍ ثم دثرها بالغطاء جيدًا، سعادتها بالعودة للمنزل لا توصف وخاصة بعد غياب دام لأسابيع بعد الجراحة، جلس مقابلها ليمسك بيدها بقوة، وكأنه لا يصدق نفسه بأنها تراه..!
تقابلت عيناها البنيتان بعينيه التي ترتل عشقها بجنون، طبع قبلة محملة بالاشتياق إليها على جبينها فأغلقت عينيها باستحياء.
_دعيت ربنا كتير أوي عشان اللحظة اللي ترجعي تشوفيني فيها من تاني.
كلمات همس بها “تميم” وهو يحتضنها بجنون، تمسكت به والدموع تسري على وجهها دون توقف،لا تعلم أسعادة به أم حزنا على ما مروا به ولكن بالنهاية صارت بجواره وتراه، فقالت وهي تشدد من احتضانه:
_وحشتني أوي يا تميم كنت خايفة العملية تفشل وم….
وضع يديه أمام شفتيها مقاطعًا إياها من استكمال كلماتها ثم مرر أصابعه على وجهها برفق جعل جسدها يرتجف إشتياقًا له وللمساته، اقترب منها كالمشدوه وهو لا يرى سواها، لا يرى سوى من عشقها بجنون، أزاح حجابها بخفة ليقربها إليه ليغتنم من بحور عشقها بعالمهم السري، المزين درجاته بلؤلؤ عشقهما الخالص.

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا