رواية ثمن العروس مختار وغزل الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم اماني سيد

رواية ثمن العروس مختار وغزل الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم اماني سيد

رواية ثمن العروس مختار وغزل الفصل الثالث والعشرون 23 هى رواية من كتابة اماني سيد رواية ثمن العروس مختار وغزل الفصل الثالث والعشرون 23 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية ثمن العروس مختار وغزل الفصل الثالث والعشرون 23 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية ثمن العروس مختار وغزل الفصل الثالث والعشرون 23

رواية ثمن العروس مختار وغزل بقلم اماني سيد

رواية ثمن العروس مختار وغزل الفصل الثالث والعشرون 23

ليلى
أمتلك من الحُسن ما لم يمتلكه غيري.
هكذا كنت أرى نفسي دائمًا، ولم أكن أعتبر ذلك غرورًا كما كان البعض يصفني، بل كنت أراه مجرد حقيقة لا تحتاج إلى نقاش.
منذ طفولتي وأنا مدللة أبي الوحيدة، لم أطلب شيئًا إلا ووجدته أمامي، ولم أحتاج يومًا إلى أن أكرر طلبي مرتين.
كنت أعيش في بيت كبير، كل شيء فيه مرتب بعناية، من الأثاث إلى الملابس والسيارات وحتى الأماكن التي نذهب إليها.
لم أعرف معنى أن أحسب ثمن شيء قبل أن أشتريه.
كنت أمد يدي إلى أي شيء يعجبني، فيصبح ملكي.
وكان أبي دائمًا يقول لي:
ـ طالما أنا موجود، مش عايزك تطلبي حاجة من حد.
وكنت أصدقه.
بل إنني كنت أرى أن هذا هو الطبيعي.
أما الإعجاب…
فقد اعتدت عليه منذ سنوات طويلة.
كنت أرى نظرات الرجال تلاحقني في كل مكان، وأسمع كلمات الإطراء أينما ذهبت، ولم يكن الأمر يضايقني على العكس…كان يعجبني.
كنت أحب أن أشعر بأنني محط الأنظار، وأن وجودي في أي مكان يغير من أجوائه.
لكنني لم أكن أحب أحدًا.
إلى أن ظهر مختار. كان مختلفًا.
لم يكن أول رجل يعجب بي، لكنه كان أول رجل جعلني أنا من أنتظر نظراته.
أحببته بالفعل.
وربما كانت تلك أول مرة أكتشف فيها أن الغرور لا يحمي الإنسان من الضعف.
لكن قصة مختار كانت قد انتهت…
أو هكذا كنت أظن.
لأن قصتي الحقيقية بدأت في اليوم الذي بدأت فيه شركة أبي تخسر.
في ذلك اليوم كنت أقف أمام المرآة في غرفتي، أضع أقراطًا جديدة اشتريتها في اليوم السابق، وأفكر في الفستان الذي سأرتديه في الحفل مساءً.
كان أمامي فستانان.
رفعت أحدهما أمام جسدي، ثم أعدته مكانه.
ـ ده أحلى.
قلت لنفسي وأنا أبتسم.
ثم سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.
ـ ادخل.
دخل أبي.بمجرد أن رأيته، اختفت ابتسامتي.
كان وجهه شاحبًا على غير عادته.
نظرت إليه من خلال المرآة.
ـ مالك يا بابا؟
لم يجب.اقترب وجلس على الكرسي الموجود بجوار النافذة.
التفت إليه.
ـ في إيه فى حاجة حصلت ؟
رفع عينيه إليّ وقال:
ـ اقعدي يا ليلى.
ـ أنا قاعدة أهو.
ابتسم ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه.
ـ عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم.
تركت الأقراط على الطاولة وجلست أمامه.
ـ خير؟
ظل صامتًا للحظات.ثم قال:
ـ الشركة حصل فيها مشاكل الفترة الأخيرة.
ـ مشاكل؟ يعني إيه مشاكل؟ أنت من إمبارح وأنت في الشركة، أكيد مش أول مرة تحصل مشكلة.
ـ المرة دي مختلفة.
ـ مختلفة إزاي؟
ـ خسرنا مبلغ كبير.
ـ بسبب إيه؟
ـ البورصة.
ـ طيب ما البورصة بتطلع وتنزل.
ـ عارف.
ـ يبقى إيه المشكلة؟
نظر إليّ أبي طويلًا.
ـ المشكلة إن الخسارة كبيرة، ومش بس البورصة… فيه استثمارات تانية اتأثرت، والتزامات زادت، وعندنا أقساط وديون لازم تتدفع.
بدأ القلق يتسلل إليّ رغمًا عني.
لكنني حاولت أن أبدو هادئة.
ـ يعني هتبيع استثمار ولا اتنين وخلاص.
ـ مش بالسهولة دي.
ـ طب هتعمل إيه؟
خفض أبي عينيه.
ـ ممكن نضطر نبيع جزء من ممتلكاتنا.
ضحكت دون أن أشعر.
ـ ممتلكاتنا؟
ـ أيوه.
ـ يعني إيه؟ البيت؟
رفع عينيه بسرعة.
ـ لا طبعًا.
تنفست براحة.
ـ أهو… يبقى مفيش مشكلة.
ـ ليلى، اسمعيني للآخر.
ـ ممكن نبيع عربية أو اتنين، ونبيع جزء من الأراضي، ونقلل المصاريف شوية.
ـ نقلل المصاريف؟
ـ أيوه.
ـ يعني إيه نقلل المصاريف؟
ـ يعني مش كل حاجة لازم تتجاب دلوقتي.
نظرت إلى الفستان الموضوع أمامي.
ثم عدت أنظر إليه.
ـ أنت بتتكلم جد؟
ـ للأسف.
ـ بس أنت طول عمرك بتقول إن الشركة قوية.
ـ وكانت قوية.
ـ وكانت؟
ـ بابا، هو إحنا خسرنا كل حاجة؟
ـ لا.
ـ أمال إيه؟
ـ بس وضعنا مش زي الأول.
ـ يعني هنفلس؟
خرجت الكلمة مني دون تفكير.
لم يجب.
وكان صمته هو الإجابة.اتسعت عيناي.
ـ بابا!
رفع يده بسرعة.
ـ متقوليش الكلمة دي.
ـ بس أنت ساكت!
ـ لأن الموضوع لسه مش محسوم.
ـ وأنا هعمل إيه؟
ـ هتقللي مصاريفك.
ـ يعني إيه أقلل مصاريفي؟
ـ يعني مش كل أسبوع تشتري هدوم، ومش لازم كل حاجة تعجبك تشتريها، ومش لازم تخرجي في أغلى الأماكن كل يوم.
نظرت إليه وكأنه طلب مني شيئًا مستحيلًا.
ـ أنت عايزني أعيش إزاي؟
ـ زي أي حد.
ـ أنا مش زي أي حد يا بابا. وبعدين، أنا مالي بكل ده؟ أنت اللي عندك الشركة.
نظر إليّ بحزن.
ـ الشركة بتاعتي، بس أنتِ بنتي، ولازم تفهمي إن اللي بيحصل هيأثر علينا كلنا.
ـ طب ما تحلها.
ـ لو الموضوع بيتحل بكلمة “حاول أكتر”، كنت خلصته من زمان.
لم أجد ما أقوله.
عدت وجلست أمام المرآة.
أمسكت هاتفي وبدأت أتصفح رسائل صديقاتي وكأن الحديث لم يحدث.
لكنني كنت أشعر بنظرات أبي.رفعت عيني إليه.
ـ إيه؟
ـ مفيش.
ـ بتبصلي ليه كده؟
ـ عشان خايف عليكي.
ـ أنا مش محتاجة تخاف عليا.
ـ كلنا محتاجين نخاف على بعض الفترة دي.
نهض من مكانه.وقبل أن يخرج، توقف عند الباب وقال:
ـ من النهارده يا ليلى، لازم نتعامل مع الوضع بعقل.
نظرت إليه ببرود.
ـ وأنا مش هتنازل عن حياتي.
ـ الأيام هي اللي هتحدد.
ثم خرج.ظللت وحدي في الغرفة.نظرت إلى الفستان.
ثم إلى الأقراط.ثم إلى السيارة التي كنت أراها من نافذة غرفتي.كل شيء كان كما هو.لم يتغير شيء..
قلت لنفسي:
ـ أكيد بابا مكبر الموضوع.
لكنني كنت أحاول إقناع نفسي أكثر مما كنت أحاول إقناع أي شخص آخر.
لأنني في أعماقي بدأت الخوف يتسلل اقلبى .
ولأول مرة في حياتي، كان هناك سؤال يطاردني:
ماذا لو لم يعد أبي قادرًا على حمايتي؟
هززت رأسي بسرعة.
ـ مستحيل.
لم أكن أعرف أن كلمة «مستحيل» التي قلتها في ذلك اليوم…
ستكون أول كلمة تثبت الأيام أنها خاطئة.
نفضت ليلى كل ما قاله والدها من رأسها بمجرد أن غادرت غرفتها.
لم تكن مستعدة لأن تسمح لكلماته بأن تفسد عليها حياتها، ولا أن تجعلها تفكر للحظة في احتمال أن يتغير المستوى الذي اعتادت أن تعيش فيه.
شركة والدها لم تكن شركة صغيرة حتى تنهار بين ليلة وضحاها.
نعم، حدثت خسائر، وربما كانت كبيرة، لكن والدها رجل أعمال منذ سنوات طويلة، ومرّ بأزمات كثيرة وخرج منها دائمًا أقوى مما كان.
لذلك أقنعت نفسها أن الأمر لن يكون بهذه السهولة.
قالت وهي تنظر إلى انعكاسها في المرآة:
ـ بابا بس قلقان زيادة عن اللزوم.
ثم التقطت حقيبتها، وألقت نظرة أخيرة على نفسها قبل أن تبتسم بثقة.
ـ وبعدين أنا هخاف ليه؟
خرجت من غرفتها وكأن شيئًا لم يحدث.
بعد دقائق كانت تجلس خلف عجلة سيارتها، تنطلق بها نحو الحفل الذي دعتها إليه إحدى صديقاتها.
كانت الموسيقى تصدح داخل السيارة، بينما راحت ليلى تتصفح هاتفها وترد على بعض الرسائل.
لم تكن تفكر في الشركة.
ولا في البورصة. ولا في الديون.
كلما حاولت كلمات والدها أن تعود إلى رأسها، كانت تدفعها بعيدًا.لن يحدث شيء.هكذا أقنعت نفسها.
ولم تكن تعرف أن الإنسان أحيانًا لا يهرب من الحقيقة لأنه لا يراها…
بل لأنه يراها جيدًا، لكنه لا يريد الاعتراف بها.
وصلت ليلى إلى الحفل بعد قليل.
أوقفت سيارتها أمام المكان، وترجلت منها بثقة، بينما التفتت بعض الأنظار إليها.
رفعت رأسها قليلًا، وسارت إلى الداخل بخطوات هادئة.
كانت تعرف أنها لافتة للانتباه.
بل كانت تحب ذلك.
وبمجرد دخولها، وجدت صديقتها تقترب منها وهي تبتسم:
ـ أخيرًا يا ليلى! اتأخرتي علينا.
ـ معلش، كنت بجهز.
نظرت صديقتها إلى فستانها بإعجاب.
ـ إيه الجمال ده؟ الفستان تحفة.
ابتسمت ليلى وهي تعدل حقيبتها على كتفها.
ـ عارفة.
ضحكت صديقتها:
ـ ما هو لازم طبعًا تكوني عارفة.
قالت ليلى بثقة:
ـ هو أنا هكدب يعني؟
ضحكتا معًا، واتجهتا إلى بقية الفتيات.
لكن ما إن اقتربت ليلى من الطاولة حتى لاحظت وجود ثلاث فتيات لم تكن علاقتها بهن جيدة.
كنّ يعرفنها منذ سنوات، وكنّ دائمًا يشعرن أنها تتعامل معهن بتعالٍ.
إحداهن نظرت إليها طويلًا، ثم قالت:
ـ إزيك يا ليلى؟
ردت ليلى ببرود:
ـ الحمد لله.
تبادلت الفتيات نظرات سريعة.
ثم قالت إحداهن:
ـ سمعنا إن عندكم شوية مشاكل في الشركة.
توقفت ابتسامة ليلى للحظة.
لكنها استعادت هدوءها سريعًا.
ـ مشاكل؟
ـ أيوه.
قالت فتاة أخرى:
ـ أصل الكلام كتير اليومين دول.
ابتسمت ليلى بسخرية.
ـ والناس مالها بشركة بابايا؟
قالت الأولى:
ـ مفيش، إحنا بس بنسأل.
ـ لأ، إنتوا مش بتسألوا… إنتوا مستنيين تسمعوا حاجة معينة.صمتت الفتيات.
ثم قالت إحداهن:
ـ يعني مش صحيح إن الشركة ممكن تفلس؟
ضحكت ليلى.
ضحكة قصيرة مليئة بالثقة.
ـ تفلس؟!
ثم نظرت إليهن بتعالٍ:
ـ ده اللي نفسكم تسمعوه؟
ـ إحنا بنقول اللي سمعناه.
ـ يبقى اللي سمعتوه غلط.
قالتها ليلى بثقة شديدة، ثم نظرت إلى فستانها.
ـ وبعدين، هو أنا شكلي واحدة هتفلس؟
نظرت إحدى الفتيات إلى فستانها دون أن ترد.
ابتسمت ليلى وقالت:
ـ الفستان ده لوحده أغلى من حاجات كتير عندكم.
اتسعت عينا الفتاة قليلًا.
تابعت ليلى، وقد ازداد غرورها بعدما شعرت أنها استعادت السيطرة على الحديث:
ـ ولا العربية اللي بره مش شايفينها؟
قالت إحداهن:
ـ شوفناها.
ـ أمال؟
ثم رفعت كتفها بلا مبالاة.
ـ لما عربيتي تتباع، ولما أبدأ أبيع هدومي ومجوهراتي، ابقوا قولوا إننا هفلس.
ضحكت صديقتها التي كانت تقف بجوارها.
أما الفتيات الثلاث، فلم يجدن ما يقلنه.
كانت ليلى قد ربحت النقاش بالنسبة لها.
أو هكذا ظنت.
جلست على المقعد وهي تتحدث مع صديقتها عن الحفل، وتضحك بصوت مرتفع، متعمدة أن تظهر أنها لا تحمل همًا في الدنيا.
لكن بين لحظة وأخرى، كانت عيناها تذهبان دون وعي إلى هاتفها لم يصلها أي شيء من والدها.
ومع ذلك، لم تشعر بالراحة.
كانت هناك جملة واحدة فقط تحاول ألا تتذكرها:
«لازم نبدأ نحسب كل جنيه يا ليلى.»
أغلقت شاشة هاتفها بسرعة، وقالت لنفسها:
ـ أكيد الموضوع مش للدرجة دي.
ثم عادت للضحك.
كانت ليلى ما زالت متمسكة بعالمها بكل قوتها…
غير مدركة أن ذلك العالم بدأ بالفعل يتهاوى من تحت قدميها.
عادت ليلى إلى منزلها بعد انتهاء الحفل وهي تحمل في داخلها يقينًا مصطنعًا بأن ما قاله والدها لم يكن سوى مبالغة فرضها عليه القلق. كانت قد أقنعت نفسها بأن شركة بهذا الحجم، ووراءها سنوات طويلة من العمل والاستثمارات، لا يمكن أن تسقط بهذه السهولة، وأن والدها، بما يملكه من خبرة وعلاقات، سيجد مخرجًا قبل أن يصل الأمر إلى ما تخشاه.
ولذلك لم تسمح لفكرة الإفلاس أن تفسد عليها ليلتها.
دخلت غرفتها، نزعت مجوهراتها بعناية، ثم ألقت حقيبتها على المقعد وجلست أمام المرآة تتأمل وجهها. كانت لا تزال تتذكر نظرات الفتيات إليها في الحفل، وتحديدًا تلك النظرة التي لمحت فيها شماتة واضحة.
ابتسمت بسخرية وهي تتمتم لنفسها:
ـ فاكرين نفسهم هيشوفوني واقفة أبيع هدومي ولا إيه؟
ثم نهضت وأغلقت هاتفها، وأزاحت عن رأسها كل ما يتعلق بشركة والدها، قبل أن تستسلم للنوم.
لكن الصباح جاء بما لم تكن مستعدة لمواجهته.
استيقظت على طرقات متتابعة على باب غرفتها، ثم جاءها صوت والدها من الخارج، هادئًا على نحو أثار قلقها أكثر مما لو كان قد صرخ في وجهها.
ـ ليلى… اصحي يا بنتي، عايز أكلمك.
جلست على فراشها وهي تفرك عينيها، ثم فتحت الباب. وما إن وقعت عيناها على وجه والدها حتى تبدد عنها أثر النوم تمامًا؛ فقد كان شاحبًا، مثقل الملامح، وكأن الرجل الذي خرج من المنزل بالأمس لم يعد هو نفسه الذي يقف أمامها الآن.
ـ في إيه يا بابا؟ شكلك مش طبيعي.
دخل والدها وأغلق الباب خلفه، ثم جلس على المقعد القريب من السرير. ظل للحظات يبحث عن الكلمات المناسبة، قبل أن يرفع عينيه إليها ويقول بهدوء:
ـ الشركة أعلنت إفلاسها يا ليلى.
توقفت أنفاسها للحظة، وظلت تحدق فيه دون أن تستوعب ما سمعته.
ـ إيه؟
كرر والدها الجملة دون أن يغير نبرته:
ـ الشركة أعلنت إفلاسها.
هزت رأسها بعنف، وكأنها تحاول طرد الكلمات من عقلها.
ـ لا… استنى، إنت مش قلتلي امبارح إن فيه مشاكل وإنك هتتصرف؟ يعني إيه أعلنت إفلاسها؟ إزاي الموضوع وصل للدرجة دي في يوم واحد؟
ـ الموضوع ما وصلش في يوم واحد، إحنا بقالنا فترة بنحاول نلحق الخسائر ونغطي الالتزامات، بس اللي حصل في البورصة زوّد الأزمة، ومع تراكم الديون والالتزامات مبقاش قدامنا حلول كتير. حاولت لآخر لحظة، لكن في النهاية اضطرينا ناخد القرار ده.
ـ يعني خلاص؟ الشركة راحت؟ كل اللي إحنا عايشين فيه ده انتهى؟
ـ الشركة انتهت بالشكل اللي كانت عليه، لكن أنا لسه موجود، ولسه أقدر أبدأ من جديد. أنا اشتغلت سنين طويلة، وعندي خبرة وعلاقات، ومش هقعد أبص للموضوع كأنه نهاية الدنيا. هبدأ أكلم الناس اللي أعرفهم، وأشوف فرصة أقدر أشتغل من خلالها وأرجع أقف على رجلي.
ضحكت ليلى ضحكة قصيرة خرجت منها مشبعة بالمرارة.
ـ تشتغل؟ بعد كل السنين دي؟ يعني إنت عايز تبدأ موظف عند حد؟
ـ لو اضطريت أشتغل عند حد، هشتغل. الشغل عمره ما كان عيب، واللي حصل مش عيب. العيب إني أقعد أندب حظي وأستنى حد ينقذني.
جلست ليلى على طرف السرير، وبدأت عيناها تمتلئان بالدموع.
ـ وأنا أعمل إيه يا بابا؟ أنا مش هقدر أعيش هنا بعد اللي حصل. الناس كلها هتعرف، واللي كانوا بيغيروا مني هيبدأوا يشمتوا فيا، وكل واحد هيقعد يحكي ويقول إن ليلى بقت مفلسة.
اقترب منها والدها، وربت على كتفها بحنان.
ـ سيبي الناس تتكلم. الناس عمرها ما هتسكت، وإحنا مش هنعيش حياتنا عشان نرضيهم.
رفعت رأسها فجأة وقالت:
ـ طب سفرني.
ـ أسفرك فين؟
ـ أي بلد، مش فارقة. أنا ممكن أشتغل هناك وأبدأ من جديد، وأبعد عن كل الناس دي. أنا عندي خبرة، وأقدر أشتغل، ومش هطلب منك فلوس.
ساد الصمت لحظات، ثم قال والدها بحزم هادئ:
ـ لا يا ليلى.
ـ ليه؟
ـ لأن السفر مش حل للهروب. وبعدين إنتِ عايزة تسافري تشتغلي مع ناس معرفاهمش، وتعيشي في بلد إنتِ مش عارفة فيها حد؟ أنا مش هقدر أعمل فيكي كده.
ـ بس أنت أكيد تعرف ناس بره.
ـ كنت أعرف ناس كتير، لكن الظروف اتغيرت. ومش معنى إني أعرف حد إني أقدر أطلب منه يشيل مسؤوليّتك. فوق ده كله، إمكانياتي دلوقتي مش هتسمحلي أجهز لك سفر وإقامة ومصاريف لحد ما تلاقي شغل.
ـ أنا مش طالبة منك تعيشني، أنا عايزة فرصة بس.
ـ وأنا هديكي الفرصة، لكن هنا. هكلم واحد من معارفي، والراجل ده عنده شركات كبيرة وممكن يلاقي لك شغل يناسب خبرتك. بدل ما تسافري لمكان محدش يعرفك فيه، تبدأي هنا وتتعلمي تعتمدي على نفسك.
ظلت ليلى صامتة، تنظر إلى والدها وكأنها تسمع للمرة الأولى كلامًا لا تريد تصديقه.
لم يكن يؤلمها فقدان المال وحده، وإنما كان يؤلمها أن العالم الذي ظلت تظن أنه مضمون إلى الأبد قد انهار في ساعات قليلة.
السيارة التي كانت تتباهى بها، الملابس التي كانت تراها حقًا طبيعيًا من حقوقها، الحفلات التي لم تكن تفكر قبل حضورها في ثمن فستانها أو مجوهراتها… كل ذلك أصبح فجأة مهددًا بالاختفاء.
ومع ذلك، لم تكن ليلى قد وصلت بعد إلى مرحلة الاستسلام.
كانت لا تزال تقاوم الحقيقة بكل ما لديها من عناد.
أما والدها، فكان يعرف أن ابنته تحتاج إلى أكثر من وظيفة.
كانت تحتاج إلى أن تتعلم، للمرة الأولى في حياتها، كيف تعيش بعيدًا عن ظل اسمه وثروته.
بقيت ليلى جالسة في غرفتها بعد أن غادر والدها، وقد استقرت عيناها على الفراغ أمامها، بينما راحت أفكارها تتدافع في رأسها دون ترتيب.

كانت فكرة العمل التي طرحها والدها تثير في داخلها نفورًا لم تستطع إخفاءه حتى عن نفسها. هي التي اعتادت أن يكون لها مكتبها الخاص، وأن يدخل إليها الموظفون حاملين الملفات، كيف ستجد نفسها الآن موظفة لدى رجل آخر تنتظر منه راتبًا في نهاية الشهر؟
كلما تخيلت الأمر، شعرت بالإهانة.
ثم خطرت لها فكرة أخرى.
فكرة بدت لها، في لحظتها، أكثر منطقية من كل ما اقترحه والدها.
الزواج.
جلست باستقامة، وكأن عقلها عثر فجأة على مخرج لم يكن ظاهرًا أمامها.
لماذا لا تتزوج رجلًا ثريًا؟
لم تكن ترى في الفكرة شيئًا مستهجنًا. لطالما كان الزواج بالنسبة إلى الفتيات من حولها طريقًا طبيعيًا إلى حياة مستقرة، فما المانع أن يكون هو طريقها هي أيضًا للخروج من هذه الأزمة؟
بدأت تستعرض في ذهنها أسماء الرجال الذين تعرف عائلاتهم جيدًا، وأبناء رجال الأعمال الذين كانت تلتقي بهم في المناسبات والحفلات.
كانت تعرف أن جمالها لا يزال كما هو، وأن اسم عائلتها، رغم سقوط الشركة، لم يُمحَ في ليلة واحدة من ذاكرة المجتمع.
قالت لنفسها بثقة:
ـ مش معقول يعني… أنا ليلى. أكيد فيه رجالة كتير يتمنوا يتجوزوني.
ثم بدأت الفكرة تتسع في رأسها.
رجل ثري، منزل فخم، سيارة جديدة، حياة تعود إلى سابق عهدها، وربما يستطيع زوجها أن يساعد والدها أيضًا ويعيد للعائلة شيئًا مما فقدته.
لم تكن تفكر في الحب.
ولم تسأل نفسها إن كانت ستجد السعادة مع ذلك الرجل.
كان كل ما يشغلها هو أن تجد شخصًا يستطيع أن يعيد إليها الحياة التي سُلبت منها فجأة.
نهضت من مكانها واتجهت إلى المرآة، ووقفت أمامها تتأمل وجهها طويلًا.
كانت لا تزال جميلة.
بل كانت مقتنعة بأنها أجمل من كثيرات تزوجن من رجال أثرياء.
ابتسمت بثقة وقالت:
ـ ما هو أكيد مش هقعد أشتغل عشان أصرف على نفسي وأنا ممكن أتجوز واحد غني.
ثم عادت وجلست على طرف السرير، وأخذت هاتفها تتصفح حسابات بعض معارفها.
بدأت تبحث في الوجوه والأسماء التي تعرفها، وتتذكر عائلاتهم، أعمال آبائهم، ومستوى معيشتهم.
كلما وجدت رجلًا مناسبًا من وجهة نظرها، بدأت تتخيل حياتها معه.
لكن شيئًا واحدًا لم تنتبه إليه ليلى…
أنها لم تكن تبحث عن زوج تحبه.
كانت تبحث عن بديل لأبيها.
رجل يحمل عنها مسؤولية حياتها، ويمنحها المال والمكانة اللذين اعتادت أن تحصل عليهما دون أن تبذل جهدًا.
وكان ذلك الاختيار، الذي ظنته طوق نجاة، أول خطوة في طريق طويل ستكتشف خلاله أن المال وحده لا يستطيع أن يشتري للإنسان الأمان الذي يبحث عنه.
ـ ياترى ليلى هتلاقى العريس الغنى اللى يخرجها من الازمه ؟؟؟
ـ ولا الازمه هتزيد وهتكبر ؟؟

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا 
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا