رواية خادمتي الصامتة الفصل السادس والعشرون 26 بقلم اسماعيل موسي

رواية خادمتي الصامتة الفصل السادس والعشرون 26 بقلم اسماعيل موسي

رواية خادمتي الصامتة الفصل السادس والعشرون 26 هى رواية من كتابة اسماعيل موسي رواية خادمتي الصامتة الفصل السادس والعشرون 26 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية خادمتي الصامتة الفصل السادس والعشرون 26 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية خادمتي الصامتة الفصل السادس والعشرون 26

رواية خادمتي الصامتة بقلم اسماعيل موسي

رواية خادمتي الصامتة الفصل السادس والعشرون 26

مضت الأيام التالية في العزبة بهدوء ظاهري، غير أن شيئًا أخذ يتغير في حياة تقى دون ضجيج، فقد أصبحت ترافق نوح كل عصر حين تبدأ الشمس في التراجع عن كبد السماء، ويخف وهجها فوق الحقول، فيغادران القصر معًا ويسلكان الطرق الترابية الممتدة بين الزروع، بينما كانت الريح تمر فوق عيدان الذرة فتدفعها في موجات متتابعة، ويأتي من ناحية النهر هواء أكثر برودة كلما اقترب المساء.
كان خروج نوح إلى العزبة مختلفًا عن خروج الرجال الذين يعملون فيها، فهو لم يكن واحدًا منهم، ولم يكن شأنه أن يعرف كيف تُحرث الأرض أو كيف تُروى كل قطعة منها، تلك أمور يعرفها أهلها أكثر منه، وإنما كان يخرج بوصفه صاحب الأرض، يتفقد أحوالها بعين المالك، ويستمع إلى ما يقال أمامه، ثم يترك لأهل الخبرة ما يخص خبرتهم، محتفظًا لنفسه بما يخصه من قرار ومسؤولية.
وكان يكفي أن يظهر بين الحقول حتى تتغير هيئة المكان من حوله، تخفت الأحاديث، وتستقيم الأجساد، ويحييه الرجال كلما مر بهم، لا لأن وجوده كان محبوبًا بالضرورة، وإنما لأن مقامه كان معروفًا، فالأرض أرضه، والرجال يعرفون أن احترام صاحبها ليس أمرًا يُترك للرغبة أو المزاج
لم يكن نوح يطيل الحديث، يسأل عن المحصول بصورة عامة، وعن الماء، وما إذا كانت أمور العزبة تسير كما ينبغي، ويستمع إلى الإجابات دون أن يدخل في تفاصيل العمل اليومية، ثم يقول ما يراه لازمًا من توجيهات تتعلق بحفظ حقوقه، وصيانة ما يخص العزبة، وعدم التهاون في أمر يمكن أن يضر بها، وكانت كلماته قليلة، لكنها تأتي في موضعها، فلا يحتاج بعدها إلى تكرارها.
أما تقى فكانت تسير إلى جواره بدفترها وقلمها، تنصت أكثر مما تنظر، وتكتب ما يستحق أن يبقى مكتوبًا، وكانت في البداية تتوقف أحيانًا لحظة قبل أن تسجل إحدى عباراته، كأنها تخشى أن تخطئ في نقل شيء لا تعرف قيمته، ثم أخذت يدها تستجيب لما يمليه عليها عقلها من غير ذلك التردد القديم.
وكانت بعض الطرق تمر بهما وسط الذرة، وقد ارتفعت عيدانها من الجانبين حتى ضاقت السماء فوق رأسيهما، وكانت الشمس تميل نحو الغروب، فتتسلل أشعتها بين أفرع الذرة المتشابكة، وتسقط خيوطًا من الضوء الذهبي على دفتر تقى، فتضيء الكلمات التي خطتها قبل لحظات، ثم تتحرك الظلال مع هبوب الريح، فيختفي الضوء عن الصفحة ويعود إليها، كأن الحقول نفسها كانت تقرأ معها ما كتبت.
ولم يكن نوح يعرف أسماء الرجال الذين يلقاهم في الحقول واحدًا واحدًا، ولم يكن يطلب من تقى أن تحفظها أو تسجلها، فالأمر بالنسبة إليه لم يكن قائمًا على معرفة الأشخاص بقدر ما كان قائمًا على معرفة ما يجري في أرضه، ولذلك ظلت تعليماته عامة، تتعلق بالمحصول والماء وحسابات العزبة وما يخص ملكه من شؤون، بينما بقيت التفاصيل اليومية لأهلها الذين يعرفونها أكثر منه.
وكانت تقى تلتقط من حديثه ما يحتاج إلى تسجيله، ثم تعود إلى الصمت، فتواصل السير إلى جواره، بينما كان الطريق يتبدل من حولهما، مرة يمر بين صفوف الذرة التي ارتفعت حتى قاربت رؤوس الرجال، ومرة بمحاذاة أشجار قديمة ألقت ظلالها على التراب، ومرة يقترب من الساقية حيث كان الماء ينساب في مجراه الضيق، فيختلط صوته بحفيف الأوراق ونعيق الطيور العائدة إلى أعشاشها
ومع مرور الوقت بدأ دفترها يتخذ صورة مختلفة، لم يعد مجرد أوراق تحمل كلمات متفرقة، بل صار سجلًا لما يراه نوح مهمًا في إدارة أرضه، أرقامًا وحسابات وملاحظات وتعليمات، وكانت الصفحات تمتلئ شيئًا فشيئًا، بينما كانت هي تتعلم من غير درس مباشر، تفهم من السياق، وتربط بين الكلام وما تراه بعينيها، وتدرك أن الرقم الذي تكتبه ليس مجرد رقم، وأن الكلمة التي يسجلها قلمها قد تعود إليها بعد أيام لتصبح جزءًا من أمر آخر
وكان أكثر ما لفت انتباه رجال العزبة أن الفتاة التي عرفوها خادمة صامتة أصبحت تمشي إلى جوار صاحب الأرض حاملة دفترًا وقلمًا، تكتب حين يتحدث، وتصمت حين يصمت، دون أن تحاول لفت الأنظار إليها، ودون أن تمنح أحدًا فرصة لأن يقرأ في تصرفاتها ما ليس فيها
وببطء أخذت الهمسات القديمة تفقد قدرتها على البقاء، فالناس قد يصدقون كلامًا سمعوه مرة، لكنهم يجدون صعوبة في التمسك به حين تصير أمام أعينهم صورة أخرى تتكرر كل يوم، تقى تمشي خلف نوح في وضح النهار، تعمل، وتكتب، وتعود معه إلى القصر، لا تخفي نفسها ولا تبحث عن مكان بعيد تختبئ فيه، وكأنها لم تعد تجد ضرورة للدفاع عن نفسها بالكلام، إذ لم تكن تملكه أصلًا
وكان نوح يلاحظ ذلك كله من غير أن يعلّق عليه، فلم يكن من عادته أن يشرح للناس أسباب أفعاله، ولا أن يبرر لمن حوله لماذا أبقى هذه الفتاة إلى جواره، هو يعرف ما يعرفه، ويكفيه أن يكون واثقًا مما يفعل، أما الآخرون فليقولوا ما يشاؤون
ومع كل جولة كانت تقى تزداد اطمئنانًا إلى نفسها، لا إلى المكان وحده، فقد بدأت يدها التي كانت ترتجف فوق الورق تستقر، وصارت تفهم الحسابات أسرع، وتعرف أين تضع كل ملاحظة، ومتى يكون ما يقوله نوح جديرًا بأن يُكتب، ومتى يكون مجرد حديث عابر لا يحتاج إلى أثر في الدفتر
وحين كانت الشمس تقترب من الأفق، يطول ظل نوح وتقى فوق الطريق الترابي، وتغدو الحقول أكثر هدوءًا بعد أن ينصرف معظم الرجال، وكانت رائحة التراب المبتل تصعد من جوانب الساقية، فيما ينعكس آخر الضوء على النهر بين الأشجار، فيمشي الاثنان عائدين إلى القصر، نوح صامتًا في أغلب الطريق، وتقى تضم دفترها إلى صدرها كأنها تحمل شيئًا صار له وزن حقيقي في حياتها
ولم تكن تعرف بعد إلى أين يمكن أن تقودها تلك الصفحات، لكنها كانت تشعر، للمرة الأولى منذ زمن طويل، أن ما بين يديها ليس مجرد عمل تؤديه لأنها خادمة، وإنما باب صغير فُتح أمامها، وكلما تقدمت فيه خطوة، اتسع قليلًا.
أما نوح، فكان ينظر أحيانًا إلى الدفتر الذي تحمله ثم يعود ببصره إلى الطريق، وكأن فكرة لم تكتمل بعد أخذت تستقر في ذهنه، فكرة لا تحتاج إلى استعجال، فبعض الأمور لا تبدأ بقرار معلن، وإنما تبدأ بورقة، وقلم، وشخص يثبت أنه جدير بالثقة قبل أن يعرف هو نفسه إلى أين يمكن أن يصل
وفي عصر أحد الأيام، وبينما كانت تقى تستعد كعادتها للخروج، حملت دفترها وقلمها وانتظرت نوح عند الباب، لكنه لم يأتِ
ظلت واقفة لحظات لا تعرف ما إذا كان عليها أن تنتظر أكثر، ثم ظهر نوح من ناحية الرواق، ولم يكن يحمل معطفه الذي اعتاد أن يرافقه به إلى الحقول، نظر إليها وإلى الدفتر في يدها وقال بهدوء، اذهبي أنتِ اليوم
رفعت تقى عينيها إليه، وبقيت ساكنة كأنها لم تفهم ما أراده منها، فأضاف دون أن يغير نبرة صوته
مرّي على الفلاحين كما نفعل، وانظري إلى ما يجري في العزبة، واكتبي ما ترينه مهمًا، وعندما تعودين أريد أن أرى ما كتبتِه
ظلت تنظر إليه لحظة أخرى، ثم ضمت الدفتر إلى صدرها، وأومأت برأسها
لم يكن الأمر في ظاهره أكثر من جولة واحدة، لكن تقى شعرت أن شيئًا تغير، فقد اعتادت طوال الأيام الماضية أن تسير خلف نوح، تسمع كلماته وتكتب ما يقوله، أما الآن فقد أصبحت هي التي ستسير وحدها بين الرجال الذين اعتادوا أن يروا صاحب الأرض إلى جوارها.
خرجت من القصر، وسارت في الطريق المؤدي إلى الحقول، وكانت الشمس قد بدأت تنحدر ببطء نحو الغرب، ترسل ضوءها بين عيدان الذرة، فتتسلل الأشعة إلى الطريق وتلمس أطراف دفترها كلما فتحته، وكان صوت الساقية يصلها من بعيد، متقطعًا بين حفيف الزروع وصوت الطيور التي أخذت تبحث عن أماكنها قبل حلول الليل
وحين ظهرت بين الفلاحين، ارتفعت بعض الرؤوس نحوها، وساد صمت قصير لم يدم طويلًا، فقد كانت صورتها مختلفة هذه المرة، لم يكن نوح إلى جوارها، ومع ذلك لم تتوقف، ولم تبحث بعينيها عن شخص يحميها من نظراتهم، فتحت دفترها، وأخذت تنظر إلى ما كتبه نوح في الأيام السابقة، ثم بدأت تسأل عن الأمور التي كانت تعرف أنها تدخل في نطاق ما طلب منها متابعته
 كانت تشير إلى ما تريد معرفته، وتنصت إلى الإجابات، ثم تكتب ما تراه جديرًا بأن يعود إليه نوح، ومع كل خطوة كانت تشعر أن الخوف القديم يتراجع قليلًا، ليس لأنها أصبحت أقوى فجأة، وإنما لأنها اكتشفت أن ما كان يمنحها الثبات في الأيام السابقة لم يكن وجود نوح إلى جوارها وحده، بل ما تعلمته منه، وما اكتسبته من ثقة في قدرتها على القيام بما كلفها به،ومن بعيد، كان محروس يراقبها
لم يعجبه المشهد منذ اللحظة الأولى
وقف عند طرف الحقل يتابع خطواتها وهي تنتقل من مكان إلى آخر، والدفتر في يدها، وعيناه تتحركان بينها وبين القصر، كأنه ينتظر أن يظهر نوح في أي لحظة ويعيد الأمور إلى ما كانت عليه، لكنه لم يظهر
ظل محروس واقفًا في مكانه، وقد بدأ القلق يتسلل إلى صدره، فالأمور لم تعد تسير كما أراد، وما كان يظنه مرحلة عابرة أخذ يتخذ شكلًا آخر أمام عينيه، تقى التي كان يراها خادمة ضعيفة صامتة أصبحت تتحرك في العزبة بتكليف مباشر من صاحب الأرض، والأخطر من ذلك أن نوح نفسه صار يضع ثقته فيها
مرر محروس يده على وجهه وأخذ يحدق في الطريق المؤدي إلى القصر، ولم يكن أكثر ما يخيفه أن تقى خرجت وحدها، وإنما أن نوح باشا لم يعد بحاجة إلى أن يكون معها حتى يظل أمرها نافذًا
ولم يكن محروس يعرف ما الذي ينتظره هو نفسه، فقد بقي في مكانه حتى الآن، لم يطرده نوح من العزبة، ولم يواجهه بما دار من قبل، لكنه لم يعد يملك يقينًا بأن الغد سيشبه الأمس، وكلما رأى تقى تمضي بين الحقول والرجال ينصتون إليها، شعر بأن الأرض التي يقف عليها لم تعد ثابتة تحت قدميه
ظل يراقبها حتى ابتعدت بين صفوف الذرة، ثم عاد ببصره إلى القصر، حيث كانت شرفة نوح تظهر من بعيد فوق الأشجار، وبقي السؤال نفسه يضغط على صدره دون جواب
إلى متى سيظل نوح باشا صامتًا، وماذا يحمل له هذا الصمت من الأيام القادمة
لم يكن خروج تقى بمفردها إلى العزبة في ذلك العصر مجرد تجربة عابرة كما ظنت في البداية، فقد كانت عينا نوح تتابعانها من بعيد، ورأى فيها ما لم تره هي في نفسها بعد، عرفت الطريق، وفهمت ما ينبغي أن تسأل عنه، وعادت بدفترها ممتلئًا بالملاحظات التي أرادها، ولم تحتج إلى أن يكون واقفًا خلف كتفها كي ينصت الرجال إليها
وفي المساء، حين عادت إلى القصر، وجدته جالسًا في غرفته، والدفتر الذي حملته معها موضوعًا أمامه، رفع عينيه إليها، ثم أشار إلى المقعد القريب، فجلست وهي تضع يديها في حجرها، وانتظرت
ظل نوح لحظات يقلب الصفحات، يتوقف عند بعض الأرقام، ويعود إلى ما قبلها، ثم أغلق الدفتر ووضع كفه فوقه
قال لها بهدوء،أريد أن نتحدث في أمر جديد يا تقى
رفعت عينيها إليه
لقد رأيت أنك تستطيعين أن تفعلي هذا وحدك، ولذلك لن تظلي بعد اليوم مجرد من تكتب ما أقوله، أريدك أن تتولي مسؤولية العزبة بتكليف مباشر مني
بقيت ساكنة، كأن العبارة احتاجت إلى وقت حتى تصل إلى معناها الكامل، ثم رفعت يدها وأشارت إلى نفسها، وبعدها إلى الخارج، ثم نظرت إليه في سؤال واضح
ابتسم نوح ابتسامة خفيفة
نعم، أنتِ
ثم مال إلى الخلف وقال بنبرة أكثر هدوءًا
لن أخرج معك كل مرة، ولن أقف فوق رأسك حتى أقول لك ماذا تفعلين، من الآن فصاعدًا إذا رأيتِ أمرًا يحتاج إلى قرار، فاتخذي القرار الذي ترينه مناسبًا
ترددت يدها لحظة، ثم أشارت إلى الدفتر، وبعدها فتحت كفيها كأنها تسأله عما إذا كان سيحاسبها إن أخطأت
فهم إشارتها
بالطبع ستتحملين نتيجة قرارك، لكنني لن أحاسبك على القرار نفسه، سأحاسبك فقط عندما تظهر النتيجة
ظل ينظر إليها قليلًا قبل أن يضيف
لا أريد منك أن تخافي من الخطأ، أريد منك أن تتعلمي كيف تعرفين لماذا اخترتِ هذا القرار، وإذا أصبتِ عرفتِ كيف تكررين صوابك، وإذا أخطأتِ عرفتِ أين أخطأتِ، هكذا يتعلم الإنسان إدارة ما تحت يده
أنزلت تقى عينيها إلى الدفتر، ومررت أطراف أصابعها فوق غلافه، وكأنها تتحسس للمرة الأولى ثقل الشيء الذي صار بين يديها، لكن نوح لم يكن قد انتهى
هناك أمر آخر يجب أن تفهميه قبل أن تخرجي من هذا القصر وحدك مرة أخرى، رفعت رأسها، قال وهو ينظر إليها مباشرة
كونك صامتة لا يعني أنك ضعيفة، ولا أريد منك أن تتصرفي في العزبة كخادمة تخشى أن ترفع عينيها في وجه أحد
ثم أشار بيده نحو النافذة، حيث كان الليل قد بدأ يهبط فوق الأشجار، وقال
حين تخرجين إلى هناك، تذكري أنك تمثلينني
توقفت تقى عن الحركة
أنتِ صورتي التي تمشي بين الفلاحين، وما تقولينه في العزبة سيُحسب عليّ، وما تقبلينه سيعرفون أنه مقبول مني، وما ترفضينه سيعرفون أنني أرفضه
اقترب قليلًا من حافة المقعد، وصار صوته أكثر حزمًا
لذلك أريد منك القوة والصرامة، لا القسوة، هناك فرق بينهما، لا تسمحي لأحد أن يستغل صمتك، ولا تجعلي أحدًا يظن أن عدم كلامك يعني أنك لا تستطيعين الرد
ظلت تنظر إليه، ثم رفعت يدها وأشارت إلى الخارج مرة أخرى، ثم حركت أصابعها في إشارة فهم منها نوح أنها تسأل عن حدود سلطتها
قال،كل من في العزبة يقع تحت مسؤوليتك
ثم سكت لحظة، قبل أن يقول بوضوح
كل من فيها يا تقى، وأردف،حتى محروس نفسه
تغير شيء صغير في عينيها عند سماع الاسم، لم يكن خوفًا هذه المرة بقدر ما كان إدراكًا لثقل الكلمة، فمحروس لم يكن رجلًا عاديًا بين رجال العزبة، كان يعرف الأرض ورجالها، وله فيها نفوذ اعتاد أن يتكئ عليه، وربما كان يظن أن مكانه أقوى من مكان فتاة صامتة جاءت من قاع الفقر
لكن نوح تابع، وكأنه قرأ ما مر في ذهنها
لا تنظري إلى من أمامك، انظري إلى التكليف الذي تحمله يداك، أنا الذي وضعت هذا الأمر فيها، ولذلك لا يحتاج منك الأمر إلى شرح طويل، ثم أشار إلى الدفتر
إذا سألك أحد: من أعطاك الحق؟ فليس عليك أن تدخلي في جدال، يكفي أن يعرفوا أن هذا الأمر جاء مني
كانت تقى تسمع كل كلمة، وتترك عينيها معلقتين به، ثم أخذت نفسًا عميقًا، ورفعت رأسها في هدوء، وأشارت إلى نفسها، ثم شدت يدها في حركة صغيرة تحمل معنى العزم
نظر نوح إلى الإشارة، وفهمها
هذا ما أريده
ثم نهض، واتجه إلى النافذة، وألقى نظرة على العزبة الغارقة في ظلال الليل
لم يكن قد منحها منصبًا فحسب، بل كان يختبر قدرتها على حمل شيء لم تحمله من قبل، سلطة لا تأتي من صوت مرتفع ولا من قوة جسد، وإنما من ثقة رجل وضع اسمه خلفها
أما تقى فبقيت جالسة للحظات، والدفتر بين يديها، وقد بدا لها أثقل مما كان عليه بالأمس، لكنها لم تعد تخشى ثقله، كانت تعرف أن الصفحات القادمة لن تسجل أوامر نوح وحدها، بل ستسجل أيضًا ما ستختاره هي، وما ستتحمل نتيجته
وفي الخارج كانت الريح تمر بين الأشجار، تهز أغصانها فوق العزبة التي بدأت تستعد لليل، ولم تكن تقى تعرف أن الغد سيجعلها تمشي في الأرض نفسها بطريقة مختلفة، لا خلف نوح هذه المرة، وإنما أمام اسمه 

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا