رواية خادمتي الصامتة الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم اسماعيل موسي
رواية خادمتي الصامتة الفصل التاسع والعشرون 29 هى رواية من كتابة اسماعيل موسي رواية خادمتي الصامتة الفصل التاسع والعشرون 29 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية خادمتي الصامتة الفصل التاسع والعشرون 29 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية خادمتي الصامتة الفصل التاسع والعشرون 29
رواية خادمتي الصامتة الفصل التاسع والعشرون 29
استقرت أحوال تقى شيئًا فشيئًا، ولم تعد أيامها تشبه الأيام التي قضتها في مطبخ القصر وبين أعمال الخدم، فقد أصبح لها مكانها ومسؤوليتها، وأصبح مكتب نوح ومكتبته جزءًا من عالمها الجديد، وكانت كلما انتهت من شؤون العزبة عادت إلى الكتب، تجلس في هدوء بين الرفوف، تقلب الصفحات ببطء، وتتوقف عند الكلمات التي لا تفهمها حتى تجد معناها، ولم تكن تقرأ لمجرد أن تزيد عدد ما قرأت، بل كانت تشعر أن كل كتاب يفتح أمامها بابًا لم تعرف بوجوده من قبل، ومع مرور الوقت بدأ فضول خاص يستولي عليها، كانت كلما سمعت نوح يتحدث عن باريس، عن شوارعها ومبانيها ونهرها ومكتباتها والسنوات التي عاشها هناك، تشعر أن وراء تلك المدينة حكاية لا تعرفها، وأن جزءًا من الرجل الذي أمامها ما زال يعيش في مكان بعيد لم تره قط، فأخذت تبحث في مكتبته عن كل ما يمكن أن يحدثها عن باريس، تقرأ عنها وتعيد قراءة الصفحات التي تصفها، حتى بدأت المدينة تتشكل في خيالها قبل أن تراها بعينيها، شوارع واسعة لا تعرفها، مبانٍ عالية، عربات تمر في ازدحام، ونهر يشق المدينة كما يشق نهر قريتها أرض العزبة، وكانت كلما وجدت اسمًا فرنسيًا في أحد الكتب تنطقه ببطء، ثم تعيده مرة أخرى، وكأنها تحاول أن تفتح لنفسها بابًا إلى ذلك العالم الذي عاش فيه نوح يومًا، ثم لم تكتفِ بالقراءة، بل بدأت تسأل عن اللغة الفرنسية نفسها، وتبحث في الكتب التي تركها نوح عن الكلمات ومعانيها، وتكتبها في دفتر صغير إلى جوار نطقها بالعربية، ثم تعود إليها في اليوم التالي، وكانت تتعثر كثيرًا في بدايتها، فتضحك أحيانًا من عجزها عن نطق كلمة واحدة، ثم تعيد المحاولة حتى تستقيم على لسانها، وكلما سمعت نوح يتحدث بالفرنسية في بعض الأحيان كانت تنصت إليه باهتمام شديد، تحاول أن تلتقط الكلمات من صوته وتربطها بما حفظته، حتى أصبح تعلم الفرنسية بالنسبة إليها أكثر من رغبة في الثقافة، فقد أرادت أن تقرأ الكتب التي يقرأها نوح بلغتها الأصلية، وأن تفهم ما يقوله دون أن تحتاج إلى تفسير، وربما كانت تريد، في مكان عميق من نفسها، أن تقترب من ذلك العالم الذي ظل طويلًا بعيدًا عنها، لا لتصبح مثله، وإنما لتفهم الرجل الذي فتح لها بابًا لم تكن تعرف أن لها الحق في دخوله.
تقدمت تقى في تعلمها ببطء شديد، لكنه كان بطئًا لا يعرف التراجع، فكل كلمة جديدة كانت بالنسبة إليها معركة صغيرة لا تسمح لنفسها أن تخسرها، وقد يستغرق حفظ كلمة واحدة يومًا كاملًا، تكررها في ذهنها وهي تمشي، وتكتبها في دفترها، ثم تعود إليها في المساء حتى تستقر حروفها في ذاكرتها، ولم تكن تسمح لصعوبة اللغة أن تقنعها بأنها عاجزة عنها، وكانت في جولاتها التفقدية داخل العزبة تحمل معها كتابًا صغيرًا، فإذا انتهت من المرور بين الحقول وقفت عند بعض قنايا المياه، أو جلست قرب النهر تحت ظل شجرة، تفتح الكتاب أمامها وتظل تحدق في الكلمات طويلًا، تحاول أن تقرأها كما ينبغي، وكانت الحروف في البداية تبدو لها كأنها علامات متشابكة لا يجمع بينها معنى، لكنها لم تيأس، حفظت الحروف واحدًا واحدًا، ثم بدأت تحاول أن تربط بعضها ببعض، حرفًا بجوار حرف، ومقطعًا إلى جوار مقطع، وكلما نجحت في قراءة كلمة كاملة شعرت بفرحة صغيرة لا يراها أحد، ثم تعود إلى الكلمة نفسها مرة أخرى خشية أن تنساها، وكان الأمر شاقًا، أحيانًا إلى الحد الذي يجعلها تغلق الكتاب من شدة الإرهاق، لكنها كانت تفتحه من جديد بعد دقائق، فالعناد الذي نشأ داخلها لم يعد يسمح لها بالعودة إلى نقطة البداية، ومع مرور الأيام بدأت الحروف تفقد غرابتها، وصارت الكلمات التي كانت تبدو مستحيلة أقرب إلى شيء يمكن الإمساك به، وكانت تجلس قرب النهر والساقية تدور في البعيد، والفلاحون يعملون في الحقول، والهواء يحمل رائحة الزرع والماء، بينما هي غارقة في كتابها، تحاول أن تنتزع من صفحاته كلمة أخرى، وبعد شهرين كاملين من المحاولات الهادئة والمتكررة استطاعت تقى أن تقرأ بعض الكلمات الفرنسية البسيطة، لم تكن قد أصبحت قادرة على قراءة كتاب كامل، ولم تكن رحلتها قد قطعت إلا خطواتها الأولى، لكنها حين أغلقت الكتاب في ذلك اليوم ونظرت إلى الكلمات التي قرأتها بنفسها، شعرت أن شيئًا كان مغلقًا أمامها بدأ ينفتح، وأن الطريق الذي بدا طويلًا ومستحيلًا فتح لها أبوابه
كانت لتقى عادات صغيرة تكررها كل يوم، تبدأ بها صباحها قبل أن تنشغل بشؤون العزبة، فتفتح دفترها وتراجع الحروف والكلمات التي حفظتها في اليوم السابق، ثم تكتبها بيدها مرات عدة حتى تثبت في ذاكرتها، وبعد ذلك تنتقل إلى كلمة جديدة، وقد تقضي عليها ساعات طويلة لا تتقدم فيها إلا خطوة واحدة، فإذا انتهت من جولتها في العزبة حملت كتابها معها وجلست قرب النهر أو تحت إحدى الأشجار، تضع الكتاب أمامها وتعيد قراءة ما تعرفه، ثم تحاول فك الكلمات الجديدة حرفًا حرفًا، وكانت أحيانًا تنطق الكلمة بصوت خافت، ثم تعيدها حتى يستقيم نطقها، فإذا عجزت عنها تركتها قليلًا وعادت إليها بعد وقت، وفي المساء كانت تراجع ما تعلمته طوال اليوم، وتقارن بين ما كتبته في الصباح وما استطاعت قراءته عند الغروب، وكلما أخطأت لم تمزق الصفحة ولم تغضب من نفسها، بل كانت تضع علامة صغيرة إلى جوار الكلمة وتعود إليها في اليوم التالي، ومع مرور الأيام انتقلت من حفظ الحروف إلى جمعها، ومن جمعها إلى قراءة المقاطع، ثم بدأت تميز الكلمات التي تتكرر في الكتب، وبعدها راحت تحفظ جملًا قصيرة، وكانت تسجل إلى جوار بعضها الكلمات الفرنسية ومعانيها بالعربية، حتى أصبح دفترها الصغير أشبه بخريطة خاصة للطريق الذي تشقه بنفسها، ولم تكن تقى تترك يومًا يمر دون أن تضيف شيئًا جديدًا، ولو حرفًا واحدًا أو كلمة واحدة، وكانت تؤمن أن ما تتعلمه اليوم، مهما بدا قليلًا، سيصبح يومًا ما شيئًا لا يمكن لأحد أن ينتزعه منها
حين أخبر نوح تقى أنه مضطر إلى مغادرة العزبة لبعض شؤونه في القاهرة، لم تبدُ على وجهها دهشة كبيرة، فقد اعتادت أن ترى في حياته أمورًا لا تعرف تفاصيلها، لكنه هذه المرة لم يكتفِ بأن يخبرها بغيابه، بل أخبرها أن القصر والعزبة سيبقيان تحت مسؤوليتها حتى عودته، وأنها ستكون صاحبة الكلمة فيهما، ثم طلب أن يجتمع في ساحة القصر جميع الفلاحين العاملين في أرضه، وحضر محروس بينهم، ووقف نوح أمامهم بهدوئه المعتاد، ثم قال بوضوح إن تقى ستتولى إدارة العزبة والقصر في غيابه، وإن كل أمر يصدر عنها في حدود مسؤوليتها هو أمر صادر عنه، لا يجوز لأحد أن يرده أو يتجاوزه أو ينتظر عودته ليطلب تغييرًا فيه، ثم نظر إلى الرجال واحدًا واحدًا وقال إن من يختلف معها في أمر فليتحدث إليها، أما أن يتعمد مخالفة قرارها أو يقلل من شأنها لأنها امرأة أو لأنها كانت خادمة في القصر، فلن يقبله، وأضاف أنه أبلغ مأمور المركز باسم تقى وصفة عملها ومسؤوليتها في العزبة، حتى إذا وقع أمر يحتاج إلى تدخل خارج حدود سلطتها، يكون لها الحق في التواصل معه من خلال المركز دون أن يطلب منها أحد إثبات مكانتها من جديد، ثم التفت إلى تقى أمام الجميع وقال لها إن مسؤوليتها ليست أن تقسو على الفلاحين، بل أن تعرف حاجتهم وتسمع شكواهم وتحفظ لهم حقهم، لكنه حذرها في الوقت نفسه من أن الرحمة لا تعني الضعف، وأن من يطلب منها حقًا فلتعطه إياه إن كان له حق، ومن يحاول استغلال لينها فعليها أن توقفه عند حدّه، ثم قال بصوت سمعه الجميع: «لا تخافي من محروس، ولا من غيره، ما دمتِ واقفة في موضعك، يدي فوق يدك»، ثم أضاف أنه لن يتركها بلا وسيلة للرجوع إليه، وأنها تستطيع الاتصال به في أي وقت إذا وقع أمر لا تستطيع حسمه أو ظهرت مشكلة تتجاوز مسؤوليتها، وبعد أن انصرف الرجال وبقيت تقى أمامه، نظر إليها طويلًا وقال: «القصر والعزبة في غيابي أمانة في يدك، وأنا لا أريدك أن تتصرفي كأنك تنتظرين عودتي، أريدك أن تتصرفي كأن المسؤولية مسؤوليتك فعلًا»، ظلت تقى تنظر إليه في صمت، ثم أومأت برأسها، فاقترب نوح منها قليلًا وقال: «ولا تنسي ما قلته لكِ، لا تخافي من أحد، فالذي أعطيته لكِ اليوم ليس إذنًا مؤقتًا، وإنما ثقة، وأنا أريد أن أعود فأجدها كما تركتها في يدك»، ثم تركها واقفة في فناء القصر، بينما كانت تستوعب للمرة الأولى أن الرجل الذي دخل حياتها ذات يوم باعتباره سيد القصر قد وضع القصر والعزبة كلها خلفها، وغادر وهو مطمئن إلى أنها ستبقى واقفة في مكانه حتى يعود.
