رواية خارج عن المألوف تميم رسلان الفصل الثاني 2

رواية خارج عن المألوف تميم رسلان الفصل الثاني 2

رواية خارج عن المألوف تميم رسلان الفصل الثاني 2 هى رواية من كتابة ايه محمد رفعت رواية خارج عن المألوف تميم رسلان الفصل الثاني 2 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية خارج عن المألوف تميم رسلان الفصل الثاني 2 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية خارج عن المألوف تميم رسلان الفصل الثاني 2

رواية خارج عن المألوف تميم رسلان

رواية خارج عن المألوف تميم رسلان الفصل الثاني 2

الفصل الثاني حلم غامض!
خطوات قصيرة تفصلها عن منزل والدتها، ورغم ذلك كانت تشعر بتثاقل قدميها، وكأنها تخطو بطريقٍ غير محبب إليها، تعلم جيدًا ما ستواجهه بداخل منزلها من كلماتٍ تحفيزيه تقودها للعودة للمرة التي تعدت الرابعة عشر، تكره سماع تلك الكلمات المتكررة بشكلٍ معتاد عن ما سيصيبها كلما بعدت عن منزل زوجها أو صممت على فكرة الطلاق منه،صعدت الدرج الخارجي للمنزل وهي تجر أحلامها المحطمة بزوج ظنت بأنها ستتمكن من تغيير جزء بسيط بشخصيته الضعيفة، فتنتهي آمالها الكبيرة مع كل مرة يرفع بها يديه عليها، تعبت من كثرة التوضيح والشرح لوالدتها بأنها لم تعد تحتمل العيش مع شخص كهذا، طرقت “وجدان” على باب المنزل والدمعات تشق طريقها على وجهها الممتلئ بالكدمات المؤلمة، ثواني مرت عليها كالدهر وهي ترى شريط حياتها معه، فكم فرصة قدمتها وستقدمها له؟!
فُتح الباب لتجد شقيقتها أمامها، فلم تتردد لثانية بالتفكير وألقت بنفسها بأحضانها لتفرغ ما يذبح فؤادها المكلوم، بكت بحرقة على كل ما تتعرض له من ظلم عانته ومازالت تعانيه، زوجها الذي يطيع والدته بكل ما تطلبه منه حتى وإن طلبت منه أن يقتل زوجته فسيفعلها دون تردد!!
ربتت “مريمة” على ظهرها بحنان لتشاركها البكاء، فقالت بصوت مختنق بالعبرات:
_عمل فيكي إيه تاني الحيوان ده؟
بكت “وجدان” بقهر وهى تحاول أن تجيبها، ولكن كأن الحسرة أصابتها بالبكم فاكتفت بالبكاء على صدر شقيقتها الصغرى، حتي شعرت ببعض الطمأنينة وهي تتمسك بها، عاونتها “مريمة” بالجلوس على الأريكةٍ البالية وجلست جوارها بلهفةٍ لمعرفة ما حدث معها، مسحت “وجدان” دمعاتها العالقة بأهدابها لتجيبها بحسرةٍ وانكسار:
_قرفت من العيشة معاه،حياتي بقت شبه الموت البطيء،حتى الهوا بتنفسه بصعوبة.
تألم قلب “مريمة” لما يحدث مع شقيقتها الوحيدة، فتركتها وتوجهت للمطبخ لتصنع لها كوبًا من عصير البرتقال الطازج، تحركت تجاهها بصمتٍ غامض وكأنها فقدت المقدرة على منحها أمالا زائفة وقدمت لها الكوب ثم جلست جوارها بصمت استغرق دقائق متتالية لتنهيه بكلماتها الشرسة:
_إتطلقي منه.
توقفت “وجدان” عن شرب العصير، لتتطلع إليها بصدمة مما قالته، اعتدلت “مريمة” بجلستها لتكون مقابلها، وأعادت كلماتها مجددًا:
_عيشي حرة لنفسك يا وجدان، كده هتموتي على إيده أو بحسرتك.
وضعت وجدان الكوب من يدها على الطاولة، وإبتلعت ريقها بصعوبة بالغة وهي تجيبها بحذر من وجود والدتها:
_إنتي عارفة لو أمك سمعتك هتعمل فيكي وفيا إيه؟
ابتسمت “مريمة” بسخرية على خوف شقيقتها من ردة فعل والدتها، غير عابئة بما تعانيه:
_أمك مش هي اللي عايشة معاه، أنتي اللي شايلة الهم لوحدك وشايفة الموت بعينيكِ.
تساقطت دمعة مؤلمة من عينيها لتجيبها بخيبة أمل:
_إنتي شوفتي بنفسك إيه اللي حصل لما طلبت منها تطلقني منه آخر مرة!!
ثم تنهدت بحسرة على حالها، لتسترسل حديثها:
_أمك كل اللي يهمها الناس وبس، كل اللي شايفاه نظراتهم لينا هتكون إيه لو اتطلقت؟!، كل اللي يهمها أنها تراضي الناس حتى ولو كان على حساب بنتها..!
ضغطت “مريمة” على يدها بحنان، وأزاحت دمعات عينيها باليد الأخرى لتقول بحزن:
_اتكلمي معاها مرة وإتنين ومليون متمليش يا وجدان.
حاولت “وجدان” رسم الابتسامة على وجهها لتخفف من حدة الأجواء المضطربة بينها وبين شقيقتها فقالت باستغراب وهي تتفحص الغرف من حولها:
_أمال هي فين؟!
أجابتها “مريمة” ببسمة مرح لتخرجها مما هي به:
_أكيد مش بالبيت يعني، عشان كده بكلمك بقلب جامد، راحت من بدري عند خالتك.
تعالت ضحكاتها بعدم تصديق على ما تفوهت به، فلكمتها برفق والأخرى ترسم بسمة صغيرة بالكاد،فبداخلها يئن لأجلها، نهضت “مريمة” عن الأريكة وأخفت دموعها سريعًا ثم أشارت بيدها على غرفتها بابتسامة رسمتها بصعوبة:
_طيب ادخلي غيري هدومك وارتاحي شوية على ما أجهزلك الغدا.
أومأت “وجدان” برأسها بخفة، فهي بحاجة للراحة بعد ما تعرضت له من ضرب مبرح لها ولجنينها، فقامت متوجهة لغرفة شقيقتها لتبدل ثيابها وتحظى ببعض الراحة بعيدًا عن هذا الضغط المأساوي.
*****
شقة “ميرال” غرفة الضيوف:
وضع “تميم” أكواب الشاي على الطاولة التي تتوسط الغرفة قائلًا بابتسامة زادت من جمال وجهه:
_ليك وحشة والله.
ابتسم “سيف” وهو يتناول من يديه الكوب، ليجيبه بلهجةٍ تحتضن المشاكسة بين أطيافها:
إنت اللي اختفيت يا عمنا، حتى الجيم مابقتش تيجي زي الأول.
جلس “تميم” على المقعد المجاور له بملامح عابسة للغاية:
_مشاغل الدنيا كتير، وأديك شايف من يوم ما اتجوزت والهموم نازلة ترف عليّا كأن معدش حد بالدنيا غيري.
اعتدل “سيف” بجلسته ليشير له بعتاب على كلماته المشككة باختبار الله تعالى إليه:
_وحد الله يا «تميم»،طول عمرك مؤمن وقوي! هز “تميم” رأسه بإيمان طغي قلبه:
_ونعم باللّه.
نهض “سيف” ليشير له ببسمة هادئة:
_أيوه كده، تعالى بقى ننزل نتمشى وندردش شوية.
ابتسم الآخر بخبث، فجذب المفاتيح الموضوعة على الطاولة ولحق به لباب الشقة قائلًا بثبات:
_انزل استنى تحت لما أعرف الجماعة إني نازل. أشار له”سيف” بتفهم:
_تمام، بس متتأخرش
وهبط للأسفل، أما “تميم” فتوجه لغرفة نومها، طرق الباب برفق وانتظر حتى تفتح له والدتها أو خالتها.
وبغرفة “ميرال” لم تكف “آمال” عن الحديث والشكوى لشقيقتها عما تمر به ابنتها “وجدان” من اضطهاد حماتها وابنتها المتكرر لها، حتى الخلافات الزوجية بين ابنتها وزوجها قصتها على مسامعها.
استرخت “ميرال” بنومها واستمعت لحديث خالتها بحزن، ف”وجدان” لم تكن يومًا ابنة خالتها فقط، بل شقيقتها وصديقتها الوحيدة؛ ولكنها افترقت عنها منذ زواجها، فجأة استمعن لطرقات باب الغرفة، فعدلت «آمال» من خمارها وأشارت لها شقيقتها “كوثر” قائلة بابتسامة هادئة:
_تلاقي تميم عايز حاجة!
وفتحت باب الغرفة، فولج “تميم” للداخل واضعًا عينيه أرضًا باحترام لحرمة المكان، أشارت له “آمال” بيدها:
_اتفضل يا حبيبي
أجابها بابتسامة صغيرة رسمت على محياه:
_استريحي إنتي يا أمي، أنا هاخد المحفظة بتاعتي ونازل.
وبالفعل تحرك تجاه درج الخزانة ليجذب حافظة نقوده ثم دسها بجيب بنطاله ليشير ل”ميرال” بابتسامته الجانبية الساحرة التي يخصها بها:
_أنا نازل مع “سيف” شوية، مش عايزة حاجة من بره أجيبهالك وأنا راجع؟
بادلته “ميرال” البسمة قائلة بصوتها الرقيق:
_مش عاوزة غير سلامتك.
احتواها بنظرة تغمدتها بحنان لمس أعناق قلبها وكيانها، ثم استأذن بالانصراف وغادر سريعًا ليلحق بصديقه، بينما تابعت “كوثر” نظرات شقيقتها لما يحدث بالغرفة بخوف شديد، فهي الوحيدة التى تعلم تفكير شقيقتها كيف يكون؟!
تمتمت “آمال” بكلمات خافتة محدثة نفسها بها وهي تتابع حوار “تميم” مع زوجته:
_أهي دي الجوازات ولا بلاش، يا خيبة بختك يا بنتي!..
*****
انتهى دوام “معاذ” فعاد لمنزله، ليستريح قليلًا بعد عناء يوم شاق، صف سيارته أسفل العمارة التي يقطن بها، ثم صعد للأعلى بالمصعد، وقف أمام باب المنزل وكاد أن يخرج مفاتيحه ولكنه تفاجأ به يفتح من تلقاء نفسه، هكذا ظن ببادئ الأمر ولكن أسوء ما توقعه هو وجودها بالمنزل بهذا الوقت المتأخر.
شملته “فرحة” بنظرة متفحصة لا تخلو من الإعجاب به لتتوقف نظراتها عند رمادية عينيه الجذابة، تعشقه حد الجنون منذ الصغر ولكنه غير قادر على أن يبادلها مثل هذا الحب، حاول كثيًرا ولكنه لم يتمكن، وبالنهاية انصاع لرغبات والدته بالتقدم لخطبتها.
ولج “معاذ” للداخل ليغلق الباب من خلفه قائلًا باقتضاب من زياراتها المتكررة:
_إنتي هنا من إمتي؟!
منحته نظرة جاهدت لجعلها حزينة أكثر مما ينبغي:
_من لما حضرتك ماردتش على مكالماتي، فجيت أطمن على خالتي وأشوفك مش بترد عليّا ليه؟!
مرر أصابعه بين خصلات شعره الفحمي لعله يخفف من حدة ألم رأسه وخاصة بوجودها:
_كان عندي شغل كتير ومعرفتش أرد.
تبعته بخطواتها للداخل لتجيبه بغضب ملحوظ بنبرتها:
_وفيها إيه يعني لو كنت رديت عليا وقولتي كدا، على الأقل مكنتش هقلق عليك بالشكل ده
اعتصر قبضته وهو يحاول التحكم بنفسه حتى لا تستمع والدته المريضة لحديثه:
_هو أنا عيل صغير عشان تقلقي عليا.!!

كادت بأن تجيبه ولكن قاطعها صوت والدته حينما قالت باستغراب:
_أنت رجعت يا حبيبي؟
تعمد أن يتجاهلها تمامًا ودخل لغرفة والدته غير عابئ بها، حاولت الأم أن تستقيم بجلستها حينما رأته يقترب منها فأسرع إليها “معاذ” ليضع الوسادة خلف ظهرها باستقامة، قابلته ببسمةٍ حنونة رسمت على وجهها الشاحب الذي أرهق من محاربة هذا المرض اللعين الذي بدأ يسيطر على جسدها بأكمله، فلم يكتفي بفناء جمالها وشعرها الطويل بل حاربها بأقوى جيوشه ليسيطر على كل جسدها، فالسرطان هو أبشع الأمراض التي تحارب الجسد، جلس جوارها بابتسامة صافية ل تخرج لسواها، فقالت وهي تربت على ذراعيه المتمسك بها:
_اتاخرت كدا ليه؟!
أجابها بهدوء ومازالت ابتسامته تحلى وجهه الأبيض:
_كان عندي شغل كتير ولسه مخلص حالً، وبعدين مش أنا قايلك متقلقيش عليّا.
تطلعت لمن تقف خلفه بمكر، ظنًا من أن كلماتها ستسد الشرخ الكبير بداخل قلبه تجاهها:
_مش أنا اللي كنت قلقانه، فرحة قاعدة تستناك من بدري في البلكونة.
سيطر على أعصابه بصعوبة والتزم الصمت، فلوت “فرحة” شفتيها بعدم رضا على تجاهله لحديث والدته فقالت بعتاب:
_شايفة بيعاملني إزاي يا خالتي؟!
ابتسمت العجوز وقالت بحذر حتى لا تفسد الأجواء المضطربة:
_هو كلمك يا بت هتتلككي ولا أيه، روحي يلا حضري الأكل لخطيبك.
اكتفت بإشارة بسيطة من رأسها وخرجت من الغرفة وهي ترمقه بنظرات ضيق على تعامله الجاف معها، ما إن تأكد من خروجها حتى ألقي بمفاتيحه على الكومود المجاور لها بغضب جامح ليقول بحذر منتقيًا كلماته:
_ممكن تفهميني أنا هقدر أخد راحتي في بيتي إزاي؟!، أنا تقريبًا برجع كل يوم ألاقيها هنا!
أجابته بهدوء وبصوتٍ منخفض للغاية:
_عيب كده يابني، يعني دا جزاتها أنها بتيجي تطل عليّا وأنا تعبانه؟!
كظم غيظه بصعوبة وهو يحاول أن يبدو ثابثًا:
_يا أمي أنا قولتلك ألف مرة أقعد معاكِ، وبعدين ما الممرضة بتبقى معاكي طول النهار ومش بتروح بيتها غير بالليل.
أشارت له بضيق من حديثه:
_يعني أقولها معدتيش تجيلي؟!، وبعدين إيه كل ما برجع أشوفها دي!، هما كلهم كام شهر وهترجع تشوفها على طول.!!
وباغتته بسؤالٍ يضم لهجة العتاب:
_وبعدين إنت اللي مش بترد على إتصالاتها، هتعمل البت إيه يعني؟!
نهض عن مقعده بغضب ليردد بصوت عصبي:
_حتى دي لحقت تقولهالك!
وترك الغرفة بأكملها وتوجه للخروج، أسرعت “فرحة” خلفه فاستوقفته باستغراب:
_رايح فين؟!
أجابها وهو يرتدى حذاءه متعمدًا عدم التطلع إليها:
_نازل..
سألته بذهول:
_والأكل!!
منحها نظرة جافة وهو يتوجه للباب:
_ماليش نفس.
وأغلق الباب خلفه ليغادر من أمامها، لشعوره بالاختناق كلما رأها، بسبب شعوره بأنه مجبور على القبول بها لأجل مرض والدته، فحتى هي لم تمنحه فرصة الاختيار..!!
*****
عادت “آمال” لمنزلها بعد أن أدت واجب الزيارة لتتفاجأ بابنتها بالمنزل، فقصت على مسامعها ما حدث لها على يد زوجها، وتحريض حماتها وابنتها المتكرر معها، استمعت الأم لحديث ابنتها جيدًا وبداخلها عاصفة من نيران تكاد تحرق قلبها،تحكمت بتعبيرات وجهها بمهارة حتى تبدو أكثر ثابتًا وانتظرت حتى أفرغت شحنة بكائها لتبدأ بالحديث المألوف بالنسبة إليها:
_معلش يا بنتي هنعمل إيه؟! أهي البيوت كلها مليانة بلاوي وهو أحسن من غيره.
تطلعت لها “وجدان” بنظرات حملت الحسرة والصدمة من إجابتها المبسطة عما تقصه لها، فقالت بدموع أغرقت وجهها المتورم من أثر اللكمات القاسية:
_أحسن من غيره في إيه يا ماما؟!، قوليلي حاجة واحدة بس هو عملها ليا!، قوليلي أي تصرف أخده صح في حقي وأنا مأخدتش بالي؟!
وخلعت حجابها لعلها تتمكن من رؤية جروح جسدها وما فعله بها، فأجهشت بالبكاء وصرخت منفعلة بصدرٍ ناهج من شدة انفعالها:
_لسه عايزة تشوفي أكتر من كده؟!
وجلست على الأريكة باهمال، فساقيها لم تعد تحملها على الوقوف لتستكمل حديثها بصوتٍ متقطع من البكاء:
_يا ماما ده أنا بيعدي عليا أيام مبلاقيش في تلاجتي حتة جبنة أفطر بيها عشان مضيع كل فلوسه على الهباب اللي بيشربه، وكل ما أكلمه يقولي مفيش شغل وهو أساسًا مش عايز يهين نفسه ويشتغل وسايبني ملطشة للي يسوى وللي مايسواش.
وكفكفت دموعها لتحمس نفسها بقوة وإرادة لقرار اتخذته بعد معاناة جازفت بها:
_زي ما إنتي شايفة كل يوم والتاني ضرب وإهانة، مستنية إيه لما يسقطني المرادي كمان.
أشاحت “آمال” بوجهها عنها محاولة تجاهل الاصابات التي لحقت بصغيرتها، فماذا ستفعل إن كانت خلقت بمجتمع يرى المرأة كالأسيرة بمنزل زوجها لا تفارقه إلا حينما تتوفاها المنية، وأخيًرا خرجت عن صمتها مدعية الغضب والاستياء من حديثها وبصراخ أخافها قالت:
_يعني إنتي عايزة إيه من الآخر؟!، عايزة تتطلقي والناس تشمت فينا، عايزاهم يقولوا بنت كوثر عاشت وعمرت وبنت آمال خربت بيتها، عايزة توقفي سوق أختك هى كمان؟
خرجت “مريمة” من غرفتها بعينيها المتورمة من أثر البكاء لتتدخل بالحديث قائلة بحزن على حال شقيقتها:
_مالكيش دعوة بأختها، إن شا لله أعنس يا شيخة مالكيش دعوة بيا، بنتك بتموت هتسبيها تموت على إيد الإنسان الزبالة ده عشان كلام الناس.
والتقطت أنفاسها المتقطعة لتضيف بمرارة وهي تتطلع بعين والدتها دون أي خوف أو إستجابة لنظراتها التحذيرية:
_ريحي نفسك أنا خلاص كرهت الجواز اللي هيكون على حساب موت أختي، أنا عمري ما هكون سعيدة على حساب تعاسة أختي، ياريت تفهمي دا كويس.
نهضت أمهما عن الأريكة بغيظ من حديثها فقالت بحدة لتضمن خلق جو مناسب لتكون الكلمة الأخيرة لها:
_يبقى إنتي اللي مقوياها وعايزاها تخرب بيتها بإيدها، وده مش هيحصل إلا على جثتي.
كادت “مريمة” بأن تجيبها ولكن قطعت “آمال” أطراف الحديث فيما بينهما حينما جذبت خمارها لترتديه مجددًا مشيرة لبنتها بحزم وبقسوة تملأ عينيها:
_قومي البسي عشان ترجعي بيتك، ما تشمتيش حد فيكي وحاجي على بيتك وجوزك، خراب البيت مش بالساهل.
نظرت إليها بعينين تزرفان الدموع، بينما قلبها يكاد يتوقف من كلمات أمها التي نزلت عليها كالصاعقة وكأن هناك برقٌ أصاب صدرها فاشتعل بنيران القهر والحسرة من رد فعل أمها، ولكنها بدلًا من أن تنقض وتصرخ وتسُب العادات والتقاليد والمجتمع بأكمله ارتدت حجابها كيفما اتفق وجففت دموعها ثم نهضت من مكانها لتتحرك ببطء وكأنها دمية مطرزة بالعادات ونظرات المجتمع إليها، فحتى والدتها لم تشعر بها بل وتجبرها على الخنوع لما تراه بداخل هذا المنزل حتى لا تحصل على لقب مطلقة! لذلك عليها أن تُضحي بنفسها لأجل إرضاء أناس لن يتوانى أحد منهم عن تمزيقها إن أراد، فقط غير مسموح لها أن تأن، فحتى لو فعلت لن يتجاوز صوت صراخها حنجرتها المسكينة ..!!
*****
على إحدى المقاهي الشعبية المطلة على النيل بالقاهرة، ارتفعت أصوات بعض الشباب الذين يتابعون مبارة كرة القدم على التلفاز الجانبي، وبجوارهم بعض من الرجال في تحدٍّ لكسب لعبة (الطاولة) محدثين أصواتًا مرتفعة من الحماس، كان يجلس “سيف” مقابل “تميم” على طاولة جانبية مقابلة للنيل، ألقى “سيف” النرد (الزهر) ليبدأ باللعب هو الآخر مواصلًا الحديث بترقب لما سيحصده:
_بس أنت غلطت يا تميم مكنش ينفع تتصرف في الأرض بدون علم والدتك.
تابع “تميم” اللعبة بنظرة ملل فجذب القهوة ليرتشفها على مهل،ثم أجابه:
_صدقني أنا مكنتش عارف أنا بفكر إزاي، المهم عندي أنها ترجع تشوف من أول وجديد حتى ولو كنت هدفع حياتي مقابل ده.
استند “سيف” على ذراعيه بابتسامة هائمة قائلًا:
_حبك وتعلقك بيها شيء جميل أوي يا تميم، أوقات كتير كنت بسأل نفسي هو الحب ده فعلًا موجود، ولو موجود هيكون في طبقات عادية كده زينا؟!
ضيق “تميم” عينيه متعجبًا من كلام صديقه ليسأله قائلًا:
_وإيه دخل المستويات بالحب؟!
أجابه ساخرًا وهو يرتشف من المشروب الغازي الموضوع أمامه:
_بحكم مهنتي شوفت كتير، أغلب قضايا الخلع اللي جاتني كان سببها واحد تقريبًا.. الحب!!
لوى “تميم” فمه باستنكار:
_إنت هتقلب على “مصطفى كامل” ولا إيه؟!، وبعدين ما تتجدعن كده وتشوفلك واحدة بنت حلال تلمك.
انفجر”سيف” ضاحكًا حتى أصبح وجهه قاتًما للغاية، فقال مراوغًا:
_أنا حابب الانحراف من كتر القضايا السودة اللي بتجيني.
شاركه “تميم” الضحك معقبًا على كلماته بسخرية:
_انحرف براحتك لما نشوف أخرتها.
منحه “سيف” ابتسامة مكر فجذب النرد مشيًرا له بحماس:
_طب العب…
أغلق “تميم” العلبة الخشبية بملل:
_لا خلاص كفايه!!
ضيق “سيف” عينيه بطريقة مضحكة:
_خايف أكسبك؟.!
أجابه”تميم” ساخرًا:
_على أساس إنك مقطع السمكة وديلها من ساعتها!
حك “سيف” مقدمة رأسه بحرج قائلًا:
_اترسم علينا بقى.
نهض”تميم” عن الطاولة بابتسامة هادئة:
_طيب يا خفيف، أشوفك في ظروف أحسن من كده.
وأشار له بيديه قبل أن يغادر:
_تصبح على خير.
ودعه “سيف” وغادر لمنزله هو الآخر فالوقت صار متأخرا للغاية.
*****
شقة “وجدان”:
نظرة الغرور كانت تتراقص بعينيه، فكلما خرجت من المنزل يعلم بأنها ستعود رغمًا عنها وبضغط من والدتها، استمع” جمال” لحديثها ثم ارتشف من الشاي الموضوع أمامه مداعيّا الحزن على حديث والدتها، فأشار بيديه على من تقف جوار مقعدها واضعة عينيها أرضًا بكسرة على ما تفعله بها:
_يا حماتي أنا مايهمنيش بالدنيا غير أمي، هتعرف تراضيها وتحطها في عينيها ترجع على رأسي من فوق، غير كده بقى فأنا مش حابب كل يوم والتاني مشاكل وفضايح!!
كبتت “آمال” غضبها بصعوبة، لتشير له بابتسامة مصطنعة:
_أيوه أمال إيه، ملناش بركة إلا الست أم جمال، طب والله وجدان بتعزها أوي وبتعاملها كأنها أنا بالظبط.
وشدت على يد ابنتها بنظرة تحذيريه وبسمة تصنع بالكاد:
_وإنتي يا بت مالكيش بركة إلا حماتك وجوزك، حطيهم جوا حباب عنيكي.
ثم استندت على حافة المقعد لتنهض قائلة بلطف زائف:
_ أستأذن أنا بقى، بقينا آخر الليل.
نهض “جمال” خلفها ليشير لها بيديه:
_ما لسه بدري، إنتي لحقتي؟!
أجابته بابتسامة تجاهد لرسمها:
_معلش يا حبيبي تتعوض مرة تانية، ما أنت عارف مريمة بالبيت لوحدها، يلا سلام عليكم.
وأغلقت “آمال” باب الشقة خلفها ثم مسحت دموعها العالقة بعينيها، فكل ما تريده لبنتها عيشة كريمة بعيدة عن نظرات وحديث الناس الذي لا يتوقف، لا تعلم بأن عليها تصحيح معتقداتها أولًا ثم مواجهة عقائد من حولها؟
*****
شقة “تميم”:
عاد تميم لشقته، فدخل لغرفة زوجته بعدما تأكد بأن والدتها غافية بالغرفة المجاورة لها، أضاء الضوء الخافت بإحدى زوايا الغرفة حتى لا يقلق منامها ظنًا منه أنها تسبح بنومٍ عميق، خلع جاكيته الأسود ثم علقه على الِمشجَب وجذب منامته الببضاء ليرتديها، تحرك ببطء شديد تجاه الفراش ليتمدد عليه دون إصدار أي صوت، ليتفاجأ بها تختبئ بأحضانه الدافئة لتهمس بصوتٍ منخفض للغاية يعشق صداه حد الجنون:
_مفيش داعي تتسحب أنا منمتش.
وفتحت عينيها لتتطلع له بعبوسٍ:
_إنت نسيت أني مقدرش أنام غير بحضنك ولا إيه؟!
ابتسم” تميم” بخفة وهو يتأمل عينيها التي تشبه العسل الصافي مستمتعًا بأنفاسها القريبة منه والتي تجعل قلبه يطرق بإشاراتٍ شبيهة بناقوس الخطر، أعاد خصلة شعرها المتمردة خلف أذنيها وضمها لصدره بقوة فابتسمت “ميرال” وأغلقت عينيها براحة لوجوده بجوارها، وسرعان ما غفل هو الآخر بعد عناء يومٍ قضاه بانتظار نتيجة أصعب اختبار…
*****
دوى صوت الرعد ممزقًا صفحات السماء لتتساقط المياه كالشلال بهذا الوقت المتأخر من الليل، ومازال يتنقل بسيارته من مكانٍ لآخر بغير وجهة قاصدها، المطر يجلد نوافذ سيارته ورغم ذلك يرفض “معاذ” العودة خشية من أن يرأها مجددًا بمنزله، أوقف سيارته جانبًا وجلس يراقب النهر من أمامه والأمطار تعانق سطحه وكأنهما بلقاء محبب يأتي بفصول محددة كل عام، تلبسه الحزن فخيم على ملامحه وهو يرى حياته كالعتمة المظلمة حينما تميل السماء لدكنتها المشبعة بالغيوم فيعود البرق من جديد حاملًا شرارة من الضوء وكأنه يمنحه أملا فقده “معاذ” منذ الأزل، كأنه يحاول أن يخبره بأن هناك من يعاني من الوحدة المؤلمة.!
*****
قبو مظلم، أنفاس مختنقة، صرخات مستغيثة، رائحة الموت تفوح من المكان، فتاة متكورة على نفسها تمد يدها لها، رجل بشع المظهر يجلد الفتاة بسوط غليظ للغاية، قهر.. إنكسار..حسرة..قلة حيلة، أحاسيس متضاربة كانت تحيط بحدقتي عين تلك الفتاة الغامضة.
تراجعت للخلف بذعر وهي تحاول أن تجد المخرج من هذا المكان المقبض للأرواح، صراخ الفتاة يشتت انتباهها ويخيفها كثيًرا لدرجة جعلتها تسد آذنيها بيديها لتحجب الصوت عن مسامعها؛ ولكنه كان يتضاعف بشكل مخيف…!

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا