رواية اشباح المخابرات الفصل التاسع والثلاثون 39 بقلم ايه محمد رفعت
رواية اشباح المخابرات الفصل التاسع والثلاثون 39 هى رواية من كتابة ايه محمد رفعت رواية اشباح المخابرات الفصل التاسع والثلاثون 39 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية اشباح المخابرات الفصل التاسع والثلاثون 39 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية اشباح المخابرات الفصل التاسع والثلاثون 39
رواية اشباح المخابرات الفصل التاسع والثلاثون 39
ولج إلى الداخل يبحث بالأركان عن الهاتف الذي أُرسل للبحث عنه، مضى بين الطاولات وهو يتأفف بانزعاج من عدم العثور عليه، فاذا به يشعر بشيءٍ بارد يُوضع خلف رقبته باستقامة وتمكن محارب قوي.
رفع "زين" رأسه بثباتٍ، وهو يركز بتفاصيل السلاح المنصوب خلف رقبته، فتيقن بأنه أحد السيوف التي وضع بنهاية نصلها قطع بلاستيكية للحماية، ولولاها لكان السيف يخترق رقبته الآن وفي تلك اللحظة.
اعتلت شفتيه بسمة ساخرة، ومضى يردد دون أن يحرك جسده:
_نار الانتقام عميتك يا شريك، وغلبت على حب الصداقة!
وأضاف وهو يهز رأسه بعدم تصديق:
_لا وجالك القلب تسيبني جعان وطالع تستغل الفرصة يا جارحي!!
وتمتم بسخطٍ وهو يستعد للاستدارة:
_إقلع توب الرجولة اللي لبستهولك في خيالي ألف مرة في كل مهمة بنرجع فيها مع بعض.
وألقى "زين" السيف عن رقبته واستدار عاقدًا ذراعيه أمام صدره العضلي، يناظر مقاتله بضيقٍ شديد، تهاوى عنه حينما لمح زوج الأعين الزيتونية التي ورث لونهما وخطورتهما معًا.
_بـابـا!
كلمة ترددت على لسانه العاجز عن استيعاب وجوده الآن وبتلك اللحظة، بينما يطالعه "رحيم" بهدوءٍ، ونظرات ثاقبة، تمر ببطء على أنحاء جسده، كأنه يتأكد بذاته بأنه على ما يرام.
قطع صمته الثقيل حينما ردد:
_إنت كويس؟
رمش بحيرةٍ وعدم تصديق لوجوده الحتمي، وهز رأسه بصعوبة كأن الحركة تولت مهام التعبير عما يعجز لسانه البوح عنه، فاذا ب"الاسطورة" يناظره بسخرية وهو يتأمل السيف الذي يحمله بنظرة غامضة:
_واضح من رفضك الصريح للمبارزة.
وأضاف وقد تسلطت عينيه عليه بحدة:
_علموا عليك ولا إيـه؟
هز رأسه نافيًا، واستدعى صوته الهادر بصعوبة:
_فكرت حضرتك ياسين.
رسم ابتسامة فاترة، وحام من حوله، بخطوات حذائه الثقيل، في نفس لحظة تحرر نبرته:
_ياسين اللي حاربته بمنتهى التهور والغشومية!
امتقعت ملامحه بالندم والضيق، بينما يتابع "رحيم" لفته من حوله، حتى بات قبالته:
_وقفت قصاده قبل كده وقبل ما تفهم غرضي من المواجهة دي وقفت قصادي تتباهى قدامي بمدى قوة علاقتك بصاحبك اللي كنت هتقتله وبايدك، ولولاه هو مكنتش نجيت من الحرب اللي كنت هتخوضها عمرك اللي جاي، لإنه ببساطة اتفوق عليك باتقان دوره، وسيطرته على قوته في نفس الوقت اللي بيدي للي حواليه إنه بيقاتل بشراسة.
توسعت عيني "زين" بدهشةٍ شديدة، كيف علم بتلك التفاصيل ولم يسبق أن قص له عنها، أو حتى قد سبق والتقى ب"ياسين" ليخبره بما حدث!
نجح أخيرًا ببصق ما يخنقه:
_حضرتك عرفت التفاصيل دي ازاي؟
ربع يديه أمام صدره العريض وهو يطالعه بثباتٍ مرعب، بينما يستهزئ من سؤاله:
_هو إنت فاكر إن عيلة التميمي واللي وراها متميزين بصناعة مواقع الـ. ـدارك ويـب لوحدهم!
واستطرد بكل فخر:
_احنا كمان موجود عندنا فريق من أمهر فرق الهكر والمتفوقين في مجال المواقع الوضيعة دي.
ومال يهمس جوار أذنيه بفحيحٍ مرعب:
_أنا كنت حاضر البث معاهم أنا ومجموعة من القادة.
وابتعد يتأمل ملامحه المذهولة بنظرة انتشاء، بينما ينزع جاكيت بذلته ببطءٍ، ويتجه لأحد أركان الغرفة بينما يشمر عن ساعديه.
زفر "زين" بنزقٍ، وراح يتمتم بضجر:
_ناقصني تدريباتك أنا بالوقت الحالي، الظاهر إن التابوت اللي جاي من نصيبي!
ورفع رأسه للاعلى بينما يهمس بخفوت:
_خليك شاهد يا رب، أب ظالم ومفتري هيقتل ابنه ويكفنه بتابوت بعد دقايق، ولازم الابن يتكفن وهو ساكت والا هتبقى عقوق ودنيا سودة ما يعلم بيها الا ربنا.
وتنهد بخفوتٍ بينما يحدث ذاته:
_أدعي بإيه تاني؟ مهو أنا لو دعيت إني يكون مراد زيدان أبويا ده مش معناه إني هتعتق منه بردو، حتى لو ابن حد من صحابه مش هكون في أمان بردك.
ومال برأسه للاسفل باستسلام:
_أروح فين بس من إبليس ده يا رب!
_لو خلصت برطامه شرفني بحضور جنابك!
نطق بها "رحيم" بعدما انتهى مما كان يفعله بذلك الركن المُظلم، سحب زين نفسًا طويلًا، ورنا صوبه وهو يتمتم من بين اصطكاك أسنانه:
_ليك روقة يا جارحي، صبرك عليا بس!!
وصل الآن قبالة أبيه، الذي تزداد حدة نظراته الثاقبة، ويزداد معها الغموض وحيرة ذلك "الشبح" الذي يود استكشاف ما يحدث مع أبيه، وخاصة حينما قال:
_اقلع قميصك وإقعد على الكرسي.
أزدرد ريقه بصعوبة، وهو ينزع قميصه ويحتل المقعد المُشار إليه، ينتظر التمرين القادم والذي من المُؤكد بأنه سيفيده بالمراحل القادمة.
انطلق صوت احتكاك أقدام المقعد الحديدي الذي يقربه "رحيم" ليضعه قبالة ابنه، ثم جلس بهدوء عجيب، وقد شرع بوضع إحدى قطع القطن على صدر "زين" المجروح، يعقمه ويعالجه في سكونٍ كان للأخر بمثابة صفعة لا يعرف كيف يفوق من تأثيرها!!
قد علم ما يدور بخاطر صغيره، دون أن يتطلع حتى إليه، فقال وهو يركز ببصره على اللاصق الذي يضعه بمكان الاصابة:
_لما بندرب الجنود تحت ايدينا بنجتهد إننا نخرج أقصى ما عندهم، أي شيء مُباح في سبيل إنه يخرج مُقاتل مُحترف، وطالما الجندي تدريباته قصاد عنينا بتزيد خطورة التدريبات لمستوى أعلى، لإن ببساطة بنكون قادرين نحدد قدراته، وطاقة استحماله للألم.
وأضاف بعقلانية شديدة:
_وده بيخلينا المتحكمين بكل شيء، تعبه الشديد تخفيف لحدة الخطورة أو الجولة المفروضة عليه، وقوعه يعني تأجيل مُوقت لكل شيء لحد ما يستعيد قوته.
وبوضوحٍ فاه:
_وكل ده طبعًا بنعمله عشان يكون مستعد وقت خروجه للحرب الحقيقية، واللي للاسف ايدينا هنقطع عنها، لا هنكون قادرين نخفف ولا نأجل عنه شيء، بالعكس بالوقت ده مشاعر الخوف والحزن بتقتلنا أكتر من الشفقة اللي ممكن نحس بيها تجاه الجندي وقت تدريبه، ويمكن خبرتنا بالمهمات اللي بنشوف الموت فيها اللي بتخلينا منتهاونش معاه لانه ميعرفش بره مستنيه إيه؟
ورفع زيتونته له وهو يستكمل:
_ده لو قائد عادي، ما بالك بأب قاعد ومستني الجولة هتخلص بإيه؟ فوز ابنه ولا خسارة حياته!
تأثر "زين" كثيرًا حينما علم بما يود أبوه قوله، بينما يشدد "رحيم" على يد ابنه المسنودة على ركبتيه:
_ثقتي فيك كانت بمحلها دايمًا.
ومال برأسه مُبتسمًا بخبث:
_كفايا إنك بتعرف تكون إزاي إمته وريث الاسطورة!
أغلق عُلبة الاسعافات الأولية، وهو يتابع:
_بل بالعكس هتفوق اللي وصله رحيم زيدان في يوم من الايام، لانه بنفسه عدل فيك اللي مقدرش يعدله في نفسه.
ونهض يعيد الصندوق، ويستدير له وهو يشير بمكر:
_الا إنك تتحكم بقوتك وقت ما بتتحول، ودي للاسف مقدرتش لا أعملها معايا ولا معاك.
وزفر وابتسامته الاجرامية تعود من جديد:
_أعتقد بعد مهمتك دي هتحتاج تطلع مع الجوكر سفرية منفردة من غيري للأسف الشديد.
ورفع اصبعه يشير له بحزمٍ:
_هتنازل عشان تصحح عيوبي اللي ورثتها للاسف.
ابتسم "زين" رغم أن دموعه خذلته وتلألأت بعينيه، فاذا به ينهض عن المقعد ويرنو ببطء وتردد صوبه، وفجأة أحاط عنق أبيه الذي ابتسم وضمه بقوة، فمال "زين" على كتفه وهو يخبره بصدق:
_أنا فخور إني ابنك، إنت قائد عظيم يا بابا.
شمله بضمة حنونة وهو يجيبه:
_وأنا فخور إنك ابني يا زين!!
اتسعت ابتسامة "زين"، وازدادت قوة ذراعيه من حول أبيه لدقائق أطالت بحاجة كليهما لذلك العناق، فاذا بصوت هليكوبتر يغرد من فوق الغرفة الخاصة بهما بالتحديد، كأنها تلقت اشارة من سيدها للحضور بذلك الوقت وهذا المكان.
أبعد" رحيم" ابنه عنه، ويحمل جاكيته يرتديه بكل كبرياء، ثم مضى صوب الشرفة وهو يودعه ببسمة هادئة:
_خد بالك من نفسك ومن الفريق.
وأضاف وهو يتهيأ للصعود:
_خليك جنب أختك، حاول تتغاضى عن عنادها وتحتويها.
هز رأسه في طاعةٍ، بينما يعتلي "الأسطورة" طائرته الخاصة، ويغادر كأنه لم يكن له وجود، ويترك من خلفه بقايا عناق قوي ضمد به كل أوجاع "الزين"!
*****
هبط من الأعلى يحمل كيس الدواء، وعقله يهاجره في بقعةٍ بعيدة، رنا" ياسين" إليها، يسكب كوبًا من المياه، وضعه قبالتها وقد أفرغ حبات الدواء في طبقٍ صغير وضعه جوار المياه، وأخذ ينتظر أن تتناول دواءها.
التقطته "مرين" ورددت قبل أن تضعه بفمها:
_ميرسي.
بقى كما هو يراقبها بهدوءٍ، حتى انتهت من تناوله، فاذا به يشق الصمت الثقيل:
_مطلعتيش سارقة قلبي بس، طلعتي سارقة حاجة تانية، والله أعلم سارقة إيه تاني يخصني!
زوت حاجبيها بعدم فهم، وتساءلت:
_وضح كلامك يا قائد! سرقة إيه اللي بتتكلم عنها؟
راقب جمودها وثباتها ببسمة خافته، ثم سحب من جيبه الورقة، وفتحها من أمامها، حافظت "مرين" على اتزانها قبالته، وبقوةٍ قالت:
_أنا مسرقتش حاجة مش من حقي، أعتقد إنك محتاج تستدعي عقلك اللي بتتباهى بيه ده وتحسبها بالقانون، دي رسمتي أنا فمكانها أكيد معايا، ولا إيه يا حضرة الظابط؟
اتسعت ابتسامته وهو يتطلع لها بهدوءٍ، بينما تستطرد هي:
_ثم إنك بترسمني بدون أذن صريح مني، وده ممكن يعرضك لمخاطر كبيرة خصوصًا إني مش شخص ولا ظابط شرطة عادي، ملامحي دي تعتبر سر حربي لأي حد.
ومالت تستند على الطاولة، وتجابهه بشراسة:
_فقولي مين فينا اللي يستحق المحاكمة يا قائد، أنا ولا إنت؟
راقبها عن بعد، ثم مد الورقة صوبها وقال:
_احتفاظك بالورقة السنين دي كلها بيديكِ الحق إنك تكوني المالكة الابدية ليها وللي رسمها.
توترت معالمها قبالته، فأبعدت خصلات شعرها القصير عن عينيها بارتباكٍ، ثم سحبت الورقة وهي تردد بتلعثم:
_هحتفظ بيها مش عشانك، عشان أنكل عدي قدمها ليا وهو عارف إني هحافظ عليها.
قطب حاجبيه بذهولٍ، وهمس بتعجب:
_بابا!
أوضحت له بينما تضع الورقة بجيب بجامتها:
_مش ادهاني بشكل مباشر يعني، المفروض إنك كظابط ممتاز بالمخابرات فاهم كويس أوي بالإشارات السرية، وعدم وجود أي مجال للصدف بمجالنا.
وتابعت وهي تنهض عن المقعد بارهاق اصطنعته:
_سابهالي بشكل واضح على الكومدينو اللي كان جنبك بالمستشفى وأنا فهمت وأخدتها.
هز رأسه بابتسامة جذابة، وقال وهو يطوي ذراعيه أمام صدره العريض:
_طيب مفيش اشارات مقروءة من عندي ليكِ؟
هزت رأسها وهي تتجه للدرج:
_لا مفيش.
واستكملت وهي تستند على الدرابزين وتدعي ضعفها الشديد:
_الدوا شكل تأثيره ظهر، تصبح على خير يا قائد.
لحق بها وهو يرفع يده ويسحبها بتردد وضيق من عدم امتلاكه صلاحية المساس بها، فتنهد وهو يسرع باقتراحه:
_هنادي زين يطلعك.
رفضت وهي تستكمل طريقها:
_زين عنده مهمة أصعب من طلوعي لاوضتي اللي على بعد خطوتين مني، مش هطمن عليه الا لما أسمع صوت طيارة أنكل رحيم بتغادر الاجواء.
ضحك على جملتها، بينما تحذره هي:
_إلحق جهز نفسك لاستقبال زين بعد ما لبسته في إبليس توابيت يا قائد.
وصلت لغرفتها وقد نجحت بأن تخدع "ياسين" بتعبها وحاجتها للنوم الذي سيجعله يبعد نظراته عنها لبعض الوقت الذي ستتمكن فيه من تنفيذ مخططها، وقد ابتلع "ياسين" بالفعل الطعم وخاصة بعد تناولها الدواء الذي قدمه لها والذي يحتوي على نسبة كبيرة من المخدر.
عاد "ياسين" لغرفته يستجم بحمامه الخاص، بينما تغلق "مرين" باب غرفتها وتسرع ببصق حبات الدواء، ومن ثم تتجه بخطوات بطيئة لخزانتها، تنتقي منها ما يلزم لارتدائه، لتبدأ مغامرتها الخاصة!
******
عاد إلى القصر ومازال يحاول الوصول إلى "كِنان" وفي كل مرةٍ كان يصله أن هاتفه مُغلق، حتى أنه لجأ للاتصال برزان ولكنه كان يحصل على نفس الخيار.
ألقى "تيام" هاتفه أرضًا، فتناثرت شظايا حطامه، بينما يسرع إلى خزانته، يجذب منها حقيبة سفر كبيرة سوداء، وضعها على الفراش وقد فتح خزانته السرية.
ألقى فيها عقد النقود المتراصة فوق بعضها كالجبال، ووضع عددا من الاسلحة الخاصة به، وحاسوبه السري الخاص بالعمل والذي احتفظ به بهذا الركن.
وبينما يمضي بما يفعله، انفتح باب غرفته وظهر "كِنان" من أمامه، يخطو تجاهه بخطوات وئيدة، كأن جسده يضم آلآف الرصاصات التي اخترقت نياط قلبه قبل أن تمسه هو.
استقبل صراخ "تيام" الغاضب، بينما مازال يستكمل مهمته بجمع المال والاسلحة:
_سيادتك كنت فيـــــــن، وقافل الزفت ليـــــــه؟
أبعد "كِنان" يد الحقيبة وجلس جوارها مهمومًا، بينما يصيح "تيام" بصوته المبحوح:
_هارون خدعني، الكلب استعمل القذارة اللي اخترعتها مع رحيق عشان يدمرني بيها، هقتله يا كِنان والمرادي مش هتقدر توقفني عن اللي في دماغي سامــــــــــع.
وكأنه لم يستمع لما يقول، يحافظ على صمته ونظرته الخاوية باستسلامٍ جعل "تيام" يتناسى مصيبته، ويتجه إليه يتفحصه بقلقٍ:
_إنت ساكت ليه؟؟ نوح وتالا جرالهم حاجة؟؟!
نفى بإشارة من رأسه جعلته يلتقط أنفاسه مجددًا، ثم جلس جواره يحاول معرفة ما به:
_طيب مالك ساكت ليه؟ وكنت فين كل ده؟
رفع "كِنان" نظراته الحالكة بالظلام إليه، ليخبره بانكسارٍ:
_الشيطان اللي وجعك وجعني قبلك ونزع مني روحي!
وعاد يتطلع للامام وهو يتابع بوجعٍ:
_واللي مش قادر أفهمه ولا استوعبه ازاي هان عليه يعمل فيها كده وهي من دمه!!!!
ضيق عينيه بذهولٍ وتساءل:
_مش فاهم! الوسـ* ده عمل إيه؟؟؟؟
رد عليه "كنان" وهو يبتسم بمرارة:
_لوث رزان بالسموم اللي بتاجر فيها.
صعق "تيام" بما استمع إليه بينما يتابع الآخر وهو يسدد له نظرة قابضة:
_المرادي مش همنعك عنه، هكون جنبك كتف بكتف، حتى لو هنحارب عثمان نفسه إن وقف قصاده وحماه المرة دي كمان.
طال صمت "تيام" وعلامات الذعر والخوف تجوب أنحاء وجهه، بينما ينطق "كنان" بآخر جملته:
_عاقب كل واحد فينا باللي وصلناله ومقدرش هو يحققه.
هز "تيام" رأسه بجنون، وصاح بكلمات مندفعة كحال أنفاسه اللاهثة:
_لا لا مش هو اللي بيعاقبنا، ده ربنا اللي بيخلص مننا يا كِنان، كنت فاكر إنك هتعيش في القذارة دي وهتنفد بجلدك كده عادي!! كنت فاكر إن أقل عقاب لينا هيكون القتل أو الغدر!! لا يا كِنان ده كاس وداير، وزي ما أنا كنت السبب في وجع بنات كتيرة بالزفت اللي اخترعته إنت كمان اتوجعت واتكويت بالقرف اللي كبرته.
ثم ختم حديثه وهو يردد بخوف:
_لا يا كنان مش هارون لا، ده ربنا اللي بيخلص حقوق عباده مننا، والله أعلم هتقف هنا ولا هتكمل لحد ما توصل لنوح وتالا!
وهز رأسه بجنون وهو يهرتل:
_لا تــــالا لأاااا، أنا مش هكمل بالقرف ده تاني، ساااامع!
نهض "كنان" عن محله، وإتجه إليه يربت على كتفه وهو يحدثه بهدوء رغم وجعه مما استمع إليه:
_مش هنسمح لآذاه يتمادى ويوصل ليهم يا تيام، كلامك كله صح وأنا معاك فيه، بس قبل ما ده يحصل لازم نخلص من الحقير ده الأول.
واستطرد بحقد وكراهية:
_لانه طول ما هو حي مش هيسيبنا نبدأ حياة نضيفة أبدًا.
رفع "تيام" رأسه له، وقال بشكٍ يلقي بما قال:
_ولو ده حصل واتخلصنا منه، تفتكر عثمان نفسه هيقبل إننا نسيب كل ده.
_قابل وراضي بس لو هترجعوا تحت طوعي لحد ما أنفذ الخطوة الجاية!
كلمات راسخة تحررت على لسان ذاك الجالس على مقعده من خلفهما، فجعلهما ينتفضان من محلهما، ويتطلعان له بصدمةٍ، بينما يوزع "عثمان" نظراته الخبيثة بينهما بانتشاء، وغموضه يجعل منه سحابة سوداء لا يعلم أحدٌ ماذا تخفي بداخلها!.
مزق "كنان" الصمت المهيب، حينما قال:
_مش معقول إنك هتقبل تدمر المملكة اللي عايزها تكبر وتتوسع عن كده، لا وكمان قابل بموت هارون! مش غريبة دي!
تعمق برماديتيه صوبه، وملامحه جامدة، بينما يتحرر صوته القابض:
_إنت وهو عارفين كويس إنكم مستحيل هتوصلوا للي بيدور في دماغي، فبلاش تجهدوا نفسكم بالتفكير الكتير، هتحتاجوا تركيزكم كله للي جاي، واللي هيكون فيه قرارات جديدة وأهمها خضوعكم التام ليا انتوا الاتنين لحد ما أديكم حريتكم بنفسي.
خرج "تيام" عن صمته بسؤاله المباشر:
_والمقابل؟
دعم كفيه ببعضهما البعض وهو يقول ببسمة شيطانية:
_هسمحلكم تخلصوا على هارون، وتمشوا من هنا بهدوء ومن غير ما حد من الناس إياها يحس بيكم، والا ساعتها جثثكم هتقع قبل جثة هارون.
تساءل "كنان" بحقد ووعيد:
_وده هيحصل إمته؟؟
لاحت ابتسامته المرعبة على ملامح وجهه المشدود:
_لو تقصد رقبة هارون فزي ما قولتلك لحد ما أمركم بده.
وتابع وهو يبصرهما بخشونة وصلابة وهو يرفع يده يحركها بتمختر وتعالي:
_كل واحد فيكم له دور بيلعبه، لحد ما دوره ينتهي ساعتها بقى القرار ليا إني أقطع الحبل وأديكم حريتكم أو إني أقرر سلب كل شيء منكم.
قالها وهو يقبض قبضته التي صدحت بصوت عظامه بقوة، اشارة على قوته الجسمانية، بينما يقف "تيام" يراقب "كنان" وينتظر قراره، فاذا به يهز رأسه بعد صمت:
_موافق، خلص مصالحك كلها منه، وادينا الاشارة نخلص عليه.
أسرع "تيام" متلهفًا بقوله:
_وقبل ما ده يحصل تديني العهد أن الكلب ده ميأذيش رحيق ولا يمس شعرة منها ولا من تالا وجوزها.
أعاد ظهره للخلف وهو يتعمد أن يطول بصمته ويراقب انتظارهما لما سيقول، حتى أفصح بكلمة مختصرة:
_هيحصل.
ورفع من صوته الحاد:
_ماتيــو.
ظهر من أمامهما "ماتيو" بهيئته الحديثة والتي أثارت تعجبهما ودهشتهما الكبيرة، بينما يسحب سيده بالمقعد ليعيده إلى جناحه.
وفور أن غادر "عثمان"، حتى جلس كلاهما متفرقين على المقاعد، وكان" تيام" أول من تحدث:
_بردو هنصبر عليه تاني والله اعلم اذا كان عثمان هيسلمه لينا ولا لا.
أجابه بثقة تنبع من عشرته الطويلة ل"عثمان":
_هيسلمه وفوقه السلاح اللي هنخلص عليه بيه كمان، عثمان شكله كان بيدبر لكده من بدري أصلًا، وده باين من نبرته ومن تصرفاته، كان بيبعده واحدة واحده عن شغلنا، ودلوقتي عايز الوقت اللي يبعده فيه عن الصفقات إياها مع الناس اللي للاسف عمرنا ما هنعرف عنهم حاجة.
وأضاف بعقلانية وذكاء:
_كل اللي أعرفه عنهم إنهم ابشع من عثمان وهارون بمراحل، وعدم ظهورنا ليهم وظهورهم لينا مخلينا بآمان نوعًا ما، لكن هارون انسحابه من وسطهم كده ممكن يقلب الحرب على عثمان نفسه، فزي ما سحبه وحطني بداله أكيد هيسحبه من هناك أول ما يلاقي البديل ليه، ده إن مكنش لاقاه أصلًا..
توسعت مُقلتا "تيام" بصدمة، وعقله الذكي يتأرجح بالأفق، فاذا به يربط كل ما حدث مع صديقه الذي يعلمه باسم "عمر"، وبما يخطط له"عثمان"، انتفض بوقفته وهو يردد بثقلٍ:
_عمر!!!
رد عليه" كنان" ومازال يلزم محله:
_أو سلطان، الله أعلم!
جاب الغرفة ذهابًا وإيابًا وهو يشدد على خصلاته الطويلة، والآخر يتابعه بارهاق، وقف "تيام" فجأة وصاح بخشونة:
_لا مش هسمحله يعمل فيه كداااا، لو دخله المستنقع ده هيبقى أبشع من هارون، عمر ميستحقش كده أبدًا، عمر مش زي هارون ولا هيكون زيه.
وأسرع صوب مفاتيح سيارته وهو يغمغم:
_أنا لازم أحذره، وأبعده عن كل ده زي ما كنت السبب في دخوله فيه.
أستخدم "كنان" سرعته المُفرطة، ليكون أول من يسبقه على باب الغرفة، ليمنعه بقوة جسده الغير طبيعية والتي جعلت "تيام" يندفع للخلف بشدة:
_انت مجنـــــون، عايز تقف في وش عثمان بعد ما أداك العهد والحماية للي يخصك!!
اندفع صوبه بينما يساعده "كنان" بما قال ليستعيد وعيه:
_تراجعك عن اتفاقك معاه معناها خسارة كل اللي إنت حطيته شرط ليه.
وزاد من وجعه حينما قال:
_لو خرجت من هنا تنسى تالا ورحيق.
ارتجفت كل ذرة بجسده،حينما استهدف نقطتي ضعفه ببراعة، بينما يتابع:
_اللي بنقوله ده مجرد شكوك،الله اعلم عثمان بيفكر ازاي، ولو افترضنا شكوكنا صح وكانت دي نيته عمر أدرى بالتعامل معاه وكله بمزاجه، يا ينسحب يا يكمل، فدي براك يا تيام.
انسحبت خطواته للفراش، ثم ألقى بثقل جسده عليه، وهو ينطوي مستندًا على ركبتيه بانهزامٍ، بينما يتجه له "كنان" وهو يلقنه بما سيحدث:
_إعقل يا تيام، بلاش تخسر كل حاجه بسبب تهورك، اقعد واحسبها بعقلك، وخليك واثق إن عثمان غير هارون نهائــــــــي.
وأردف بكلماته التحذيرية:
_اهدى وبلاش تتهور وخصوصًا اني مش هكون معاك باستمرار الفترة دي.
رفع "تيام" عينيه له باستفهامٍ، فقال بحزن:
_أنا كنت راجع القصر أخد هدوم ليا ولرزان، هبعد بيها ومش هرجع هنا الا لما أتأكد إنها اتعافت، ولحد ما ده يحصل أوعى تأخد أي قرار ضحاياه نوح وتالا ورحيق، فاهمني يا تيام.
هز رأسه بعجزٍ وهو يعتصر قلة حيلته وخيبة آماله، بينما يغادر "كنان" الغرفة، وقد اطمأن قلبه على قربه من نيل ثأره وحريته من معتقل "آل تميمي" القذر، عساه لم يعلم أن لا حرية من سجنٍ مازال سجانه على قيد الحياة.... "الديزل"!
******
فروع من النور الأبيض تحيط بالكوخ الخشبي الحديث، القابع بمنتصف المياه التي تحيطه من ثلاث اتجاهات، والاتجاه الرابع يحتويه درج طويل ينتهي بعناقه بالشاطئ الذي تتلألأ حباته الرمالية ببهاءٍ، بينما يقبع الكوخ بأضوائه كقطعة من الجمال الخالدة بجوار المياه النقية.
تلاطمت الأمواج من جميع الاتجاهات، شاهدة على اجتماع عصفوري الكناريا، بعدما تحدا بقوة حبهما شياطين" آلـ التميمي" بأكملهم، رغم أنهما ليسا قويا البنية ولا يمتلكان العقول الخبيثة التي تهيئ لهما ربح تلك المعركة، ولكن اعتمادهما كان على حب صمد كصمود جبل شامخ، يحارب بكل صلابة والآن يحقق انتصاره.
خرجت "تالا" للشرفة وهي تحزم مئزرها من حولها، تتأمل المياه بابتسامة واسعة، تاركة تيار الهواء يرفع خصلاتها التي تركتها بحرية دون أي خوف أو ارتباك.
وبينما تنجذب لهذا المنظر الخلاب، تشعر بيديه تضمها من الخلف وهو يهمس لها بعاطفة:
_مبروك يا عروسة.
لفح وجهها البارد حمرة شديدة من كثرة الخجل، ظنته قد غفا لذا تسللت إلى الشرفة لتستمع بتلك الاجواء الفاتنة التي منحها إياها إختيار أخيها وشقيق زوجها، ليكون هذا المكان الرائع مقرهما السري.
طال صمتها فجذبها "نوح" لتستدير إليه، وهو يراقب خجلها، فاذا به يضحك وهو يشاكسها:
_هو إنتِ معملتيش حسابك إنك هتشوفيني تاني ولا إيه؟
هزت رأسها نافية وهي تحاول استعادة غلظتها:
_إنت بس خضتني، المفروض تعمل أي صوت مش تخضني الخضة دي!
طرق باصبعه على أنفها برفق:
_بذمتك اتخضيتي ولا اتدفيتي بحضني!
ارتبكت قبالته وهي تناظره بشكوكٍ جعلتها تهاجمه بعنفوان:
_إبعد ايدك كده واحترم نفسك، أنا مش عارفة إيه اللي حصلك من ساعة ما وصلنا هنا!
ضحك وهو يهز كتفيه بتلقائية:
_لما دخلت هنا بقيت جوزك قبلها كنت في حكم خطيبك أو طليقك أيهما أفضل ليكِ ولأخوكِ.
وأضاف وهو يدعي الذعر والخوف:
_وبعدين إنتِ لسه عايزاني استمر في تسويق سمعتي، كفايا عليا اللي سمعته وهسمعه لسه من كيوي!
شاركته الضحك رغمًا عنها، فقهقه رفقتها، وقال:
_إيه رأيك نستغل الجو التلج ده ونلعب بالسكيت؟
ضمت شفتيها معًا وكأنها تفكر بالأمر:
_الاقتراح مش بطال، بس حاليًا أنا مش محتاحة غير إني أنام، بكره نبقى نفكر في اقتراحك بمزاج يا دكتور نحانيحوو.
زم شفتيه بغضبٍ، بينما تسرع هي للفراش الوثير، تغمر من أسفله، فابتسم وهو يتمدد جوارها، يسحبها لأحضانه بقوة وحنان، شدة ولين، بينما يغلق عينيه في راحة ويتمتم:
_اقتراحك أحلى من اقتراحي يا دكتورة!
***********
خرج من حمامه الخاص وقد وضع من حوله المنشفة، والأخرى يجفف بها خصلاته ووجهه الذي يقطر بالمياه، وما أن ازاح المنشفة عن وجهه، حتى وجد من يجلس قبالته على السراحة، يطالعه ينظرة حادة، ويده تلهو بالسلاح بملامح تنطق بالاجرام القاتل.
ارتسمت بسمة ساخرة على وجه "الجنرال"، بل وتجاهل وجوده عمدًا وهو يتجه لخزانته مطلقًا صفيرًا مستمتعًا.
حك" زين" بفوه سلاحه ذقنه النابتة، بينما يتابعه بحاجبين معقودين بحيرةٍ من الاستقرار على طريقة مناسبة لقتل ذلك الهضبة المتنقلة، والذي يفوق حجمه ضعفين.
قرأ "ياسين" حيرته وعلم ما يفكر فيه، فضحك بصوته الرجولي وهو يقول:
_ده الباشا روقك روقة معتبرة بقى!
وحينما لم يجد منه ردًا، وقرأ شروده المستغرق في إيجاد طريقته المثالية:
_إيه كل الأفكار الاجرامية اللي طافحة منك دي!
وتابع وهو يستقل المقعد المقابل له:
_فكك من تهورك ده، هناك كلتها بمزاجي، هنا إنت مش قدي يا شبح.
وسحب "ياسين" السلاح من يده، يفككه وهو يلقيه أرضًا باهمالٍ :
_يعورك ده يا حبيبي!
احتقنت ملامحه وازدادت خطورة نظراته، وصوته الذي كُبت تحرر بخشونة:
_بقى أنت بتصيع عليا وبتشقطني لإبليس توابيت!
اتسعت ابتسامته المستفزة إلى "زين"، بينما يزيده جمرًا:
_دي ألفاظ تقولها عن باباك! وبعدين إيه شقطتك دي، ده لقاء عائلي يا زيزو مينفعش فيه وجود الغرباء.
لوى شفتيه بنزقٍ:
_غرباء!
هز رأسه مُؤكدًا:
_بالظبط.
حرك الاخير وجهه بتوعد:
_ماشي يا جارحي.
ونهض يسرع صوب فراشه يجذب منه الغطاء والوسادة، فاذا ب" ياسين" ينهض من خلفه مُتسائلًا باستغراب:
_رايح فين؟
اجابه وهو يشيعه بنظرة غاضبة:
_فاكرني هقعد مع واحد خاين زيك، اللي يبيع صاحبه سهل يعمل أي حاجة يا شـريـ. يا جارحي!
وتركه وغادر والآخر يراقبه بصدمة وعدم تصديق لما وصل به الأمر، فتنهد وهو يسحب ملابسه يرتديها وهو يتمتم بسخط بينما يطرق كفًا بالآخر:
_ لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، معرفش أمته بيتقلب من وحش صعب يتروض لطفل عقله أصغر من عقل البيبي!
ارتدى "ياسين" ملابسه وخرج يبحث عنه، وجده يغفو على الأريكة الموضوعة بالردهة التي تطل على المطبخ، فاذا به يبتسم بخبث، ويشرع بتنفيذ مخططه حتى يتمكن من عقد الصلح المُباشر مع رفيق دربه، وشريك رحلته.
مضت ثلاثون دقيقة منذ أن شرع "الجنرال" بخطته، بينما ينسحب النعاس عن عيني "زين"، وقد تضاعفت لديه حاسة الشم فجأة، لتلقط كل رائحة يصنعها هذا الطباخ البارع بالمطبخ، ولدهائه كان يصنع أكلته المُفضلة التي لا يستطيع أن يقاومها.
كز" زين" على أسنانه، وردد من بينهما بغيظ:
_إنت ديتك معايا رصاصة واحدة بس، هنشنها في دماغك بمكانها الصح، وأرتاح اللي فاضلي من حياتي البائسة دي مع الكوكيزاية اللي إن شاء الله هتهون عليا سواد قلوبكم كلكم.
_زيـــزو.
انتفض من فراشه على صوت "ياسين" الذي يناديه وللعجب أنه استقبله ببسمةٍ واسعة:
_حبيب قلبي يا شريك.
قالها وهرول صوب الرخامة الموضوع من فوقها الطعام، سحب المقعد وهو يشمر عن ساعديه، ويرفع الطبق يشم رائحة الطعام الشهية بأعين هائمة، فاذا به يقضم أول لقيماته وهو يهمس باعجاب:
_صينية رقاق من دي كل عركة تحصل بينا وأوعدك إني هفقد الذاكرة ومعاها أي شيء زعلني منك.
ابتسم وهو يراقبه يتناول طعامه بنهمٍ، فسحب كوب قهوته وسحب المقعد المقابل له، يتأمله بنظرة حنونة، بينما يشير له "زين":
_قولتلك مكانك الصح في المطبخ، أو في صالة رسم إنت مش عايز تقتنع ليه؟
شاكسه بمرحٍ:
_على كده بقى انت مكانك مع القرود فوق الشجر، أو بالمقابر مع أشباح الليل وظلامه!
ضحك" زين" وهو يهز رأسه بنفي:
_لا وإنت الصادق مع البلطجية والمجرمين زي ما الجوكر والاسطورة عملوا معانا.
علم مقصد حديثه، فقال بجدية تامة وهو يترك الكوب من يده:
_أنا عديت على كل قادة الجهاز بس بذكائهم الاتنين مشفتش، انت عارف إن نجاتنا من المخبئ القذر اللي كنا فيه ومقابلة عثمان التميمي بنفسه وعدم شكه فينا ده راجع لطريقة القتال اللي اتدربنا عليها.
أكد "زين" بإيماءة من رأسه، وبجدية قال:
_عارف، وحاسس بالندم لإني كنت بتهاون باللي بيعملوه، دلوقتي فهمت ليه اتدربنا بطريقة قتال مختلفة عن أغلب ظباط الشرطة، من الآخر طريقتنا تشبه القاتل المأجور، أو البلطجي اللي ضرباته كلها وراها كسر أو موت.
واستطرد وهو يتعمق بعيني رفيقه:
_وعرفت كمان ليه كان عايز يوقفنا قصاد بعض، مكنش غرضه غير اللي اتحطنا فيه ده، واللي للاسف فشلت بالتعامل معاه ولولاك الله أعلم كان حصل إيه؟
أجابه وهو يعود لارتشاف قهوته:
_بالعكس اللي عملته زاد اقناعهم، وبالاخص عثمان.
وأكمل وهو يتطلع للفراغ:
_الشخص ده أخطر مما رسمناله، لقائه بينا المدبر ده وراه شيء أكبر من اللي ممكن نتوقعه، ولازم نعرفه بأي شكل من الاشكال!
******
تكومت بجسدها أرضًا بعد أن وصلت لذلك المكان المجهول، والذي لم تستعلم عنه شيئًا بسبب وجود تلك العصبة التي غممت أعينها منذ لحظة صعودها للطائرة مع هذا اللعين.
كل ما تسنى لها سماعه أصوات المياه المرتفعة، ورائحة عطنة أزعجت منخارها، وكأنها تخطو فوق رفات أموات، ربما قد يثير الأمر ذعر أي إنسان على قيد الحياة سواها، لقد فقدت كل شيء وتتمنى أن تكون تلك المحطة هي الأخيرة لخلاصها من هذا العذاب.
ومنذ أن دفعتها الايادي أرضًا وهي تتكور على ذاتها وتنتظر فقط لحظة اصدار حكم الاعدام عليها.
استمعت "رحيق" لصوت دعسات أقدام تقترب منها، وأنفاس تنحني بالقرب منها، ومن ثم يد تنتزع عنها العصابة السوداء، فتمكنت من رؤية وجهه المقيت قبالتها، يبتسم بتفاخر:
_أهلًا بيكِ في مكانك الصح.
ونهض يتجه للمقعد الأسود الذي وضعه له أحد رجاله، جلس "هارون" من فوقه وهو يستكمل عرضه القذر:
_إنتِ هنا في أبعد نقطة على وجه الأرض، في مكان الجن الأزرق نفسه ميعرفش يوصله، لإنه ببساطة مالوش وجود على الخرايط أصلًا.
ومال مستندًا على ركبتيه تجاهها:
_بعرفك عشان لو عندك أي أمل ولو صغير ان حبيب القلب هيعرف يوصلك هنا ويخلصك تبقي بتحلمي.
رفعت عينيها الساكنة صوبه، وبصعوبة استدعت أحبالها الهادرة:
_اقتلني وريحني.
ضحك بصوتٍ مجلجل، بينما يقبض على ضحكته فجأة:
_هيحصل متقلقيش، بس لو متصورة إن موتك هيكون على المرتاح تبقي بتحلمي.
واستطرد بقذارة تفوح رائحتها:
_سبق وقولتلك أن في شغلنا كل حاجة وليها تمن، حتى حياة إنسانة قذرة ورخيصة زيك.
أشعل سيجاره هاتفًا بانتشاءٍ مريض:
_أنا هشرف بنفسي على انتاج فيلمك الأخير، وأوعدك بعد ما يخلص هبعت نسخة لحبيب القلب.
وسحب نفسًا طويلًا من سيجاره وهو يهتف:
_ عشان يشوفك وإنتِ بتلفظي أنفاسك الاخيرة من الـRed Room.
لم يعينِها ما يقول، بل لم ترهق عقلها بالتفكير عن كناية تلك الغرفة، أو حتى عن محل وجودها، تشعر بأن الموت يحوم بها بذلك المكان المُفجع، مما ضاعف لديها الآمال بانتهاء رحلتها أخيرًا.
أفاقت من شرودها على يده التي جذبتها وخرج بها من تلك الغرفة الصغيرة التي تشبه المعتقلات، مر من طرقة كبيرة، تحتوي على أكثر من عشرين بابًا مثل الباب الذي احتجزت من خلفه، وعلى ما يبدو من تعطن الهواء بأنهم أسفل الأرض بعدة طوابق، وما زاد اختناقها هبوطه طابقين للاسفل، حتى توقف أمام احدى الغرف التي تحمل علامات حمراء تحذر من القابع خلفها وتحمل علامة عريضة «Red rooms»
فتحها "هارون" ودفعها أرضًا، فاذا بها ترى أبشع ما قد تراه العين البشرية، رأت شخصًا يرتدي قناعًا، ويسلط جميع الكاميرات على أحد الأسرة التي ينتهك من فوقها طفولة طفل صغير مُقيد، ينازع بشدة ويبكي من شدة الوجع الذي اعتراه.
وقبل أن تستوعب ما يحدث، انحنى صوبها "هارون" و فاه:
_استمتعي بالعرض، واجهزي عشان إنتِ اللي بعده!
لم تفهم ما قال، الا حينما بدأ الرجل بقطع يد الصغير الذي تحشرج صوته من فرط البكاء، ومن ثم بتر ساقه، وكلما تفحص شاشات العرض المقابلة له كان ينفذ على الصغير.
زحفت للخلف وهي تحاول تحرير صراخها المكبوت ، ولكن "هارون" ركلها ودفعها لترى جيدًا ما يحدث، وخاصة حينما حرر السكين على رقبة ذلك المسكين الذي عانى الويل والآلآم التي لم تفرض لطفولة بريئة مثله.
وحينما فرغ من الاجهاز عليه ألقاه أرضًا باهمال كأنه كومة من القاذورات، فسقط وسط بركة الدماء المندثرة من حول الفراش، بينما يشير ل"هارون" بهوة رأسه، جعلته يقبض على خصلاتها ويجرها نحو الفراش، مُجبرًا إياها على المشي فوق دماء هذا المسكين، فتحرر صوت بكائها وأخذت تعافره بكل قوتها، وكأنها عادت لوعيها وترفض بكل ارادتها تلك الموتة الغير رحيمة.
وكأنه يستكتر، عليها موتة تمنحها الخلاص السريع، لم يشفق عليها بما فعله بها طوال مدة عيشها رفقته بذلك الجحيم، ألن ينتهي هذا العذاب حتى بعد موتها؟
قيدوها على الفراش وإذ بها تستلم ودموعها تنشق عنها، وجل ما يهاجمها هل سيكون الله عز وجل راض عنها؟ هل سيكون مصيرها بنيران جهنم أم بجنة الخلد؟
وجدت ذاتها حائرة وخاصة أنها لم تكن تلتزم بالحجاب يومًا، حتى الصلاة لم تؤدِّها بالشكل الصحيح، كانت متخبطة بادائها، نزفت عيناها دموع الحسرة والندم والخوف حتى من ملاذها الاخير بعد كل ذلك الشقاء.
أغلقت عينيها حتى لا ترى ماذا سيفعل هذا الجزار البشري بها، وهسيس صراخ "هارون" المتعصب فقط ما يصل لها، وعلى ما يبدو بأنه كان يتحدث بالهاتف، لتشعر بعدها بتحرير قيودها، ومن ثم تُدفع مرة أخرى للخروج من هذا الحبس بملابسها المُبتلة بدماء هذا الطفل البريء، وتساق لنفس الغرفة الصغيرة التي كانت مُحتجزة بها.
*****
وصل أخيرًا للمكان المعزول والذي يعد أحد أماكنه السرية، وفور وصوله استمع لصوت صراخها وهي تعود للطرق الصاخب، ومن ثم تصرخ:
_كِنــــــــــــان، افتح الباب ده، حرام عليك أنا خايفة!
ترك "كِنان" الحقائب التي يحملها، وتنهد بوجعٍ واستسلام لما سيخوضه من رحلة شاقة حتى يحررها من هذا الهلاك الذي ألقت ذاتها به رغمًا عنها.
إستعاد ثباته وقوته الهادرة، وإتجه يحرر باب الغرفة التي يحتجزها داخلها، والتي لم تحوِ الا على فراش حديدي وحمام صغير داخل الغرفة.
ما أن انفتح الباب حتى انهالت من فوق صدره باللكمات الغاضبة وهي تصرخ دون توقف:
_انت ازاي تحبسني في المكان المرعب ده وتسبني وتمشي؟؟؟ إنت إزاي تعمل فيا كده؟؟؟ أنا كنت مرعوبة.
حاول السيطرة على يديها ولكنها دفعته وهرولت راكضة صوب الدرج بينما تفوه بجنون:
_أنا هخرج من هنا، إنت مش طبيعي.
تركها تهرول للاسفل، وبقى محله يستند على الداربزين ويتابعها ببرود، يراها تحاول فتح الابواب الموصدة، حتى النوافذ وحينما فشلت استدارت تجابهه بعنفوان، بينما يحرر هو صوته الثقيل:
_مفيش خروج من هنا الا لما تتعالجي يا رزان.
صعدت إليه وهي تصيح بانفعال:
_يعني إيه؟؟ إنت حاجزني هنا يا كِنان؟
هز رأسه بتأكيدٍ، وأضاف على ملاحظتها:
_وأنا كمان معاكِ، لحد ما تعافري القرف ده وتطرديه بره جسمك.
ثارت أنفاسها رعبًا وخاصة بأنها قد سبق لها واختبرت وجع جسدها المُهلك حينما تتأخر بتناول جرعتها اليومية، ارتعبت من مجرد التفكير بالألم المُبرح الذي سيهاجمها، فرددت بتلعثم:
_لا... لا مش هقدر أتحمل، أنا عايزة أخرج من هنا، خرجني من هنا.
قالتها وهي ترنو إليه، تتمسك بيده وتترجاه، فإذا به يضمها وهو يسيطر بيده من خلف رقبتها بينما يهمس لها:
_اهدي يا روز، في الأول هتعاني بس بعد كده هترتاحي.
وأبعدها وهو يتطلع لعينيها بقوة:
_هتقاومي عشاني يا رزان، سامعة؟
هزت رأسها بجنون وحاولت إبعاده عنها، فاذا به يسحبها لنفس الغرفة، بكت ورددت بهلع:
_لا بلاش الاوضة دي شكلها مرعب.
توقف عن دفعها ووقف يفكر قليلًا:
_خايف أخدك أوضة عادية تدمري اللي هنبدأ بيه، خلينا هنا أحسن وأنا هكون معاكي.
هزت رأسها مجددًا، وهتفت بخوف:
_خدني أوضة تانية، وأنا أوعدك إني هحاول، أنا أصلًا مش حابة أكون كده.
انصاع "كنان" لها، واصطحبها إلى إحدى الغرف المُجهزة بالطابق العلوي، ولج وهو يحمل الحقائب، وقد شرع بافراغها، بينما تتجه هي الى الفراش وقد بدأت تشعر بآلآم طفيفة تهاجمها، ضمت جسدها بوجع وتمددت برعب من القادم، بينما يشاركها "كنان" نفس الوجع والخوف مما سيحتم عليه التعامل معها.
*****
عيناها المغلقة كانت تمنحه انطباعًا بأنها تغفو، ولكنها كانت في رحلة صفاء، تحلل بها شخصية هذا "العثمان" الغامض، تستعمل كل الذكاء الخاص بها لتفكيك حصاره.
_بخلانة عليا ليه بنظرة من عيونك يا غزال؟
قالها "عثمان" الذي يجلس قبالتها مُستكينًا بجلسته على مقعده، بينما تحرر "قدس" عينيها وتراقبه بهدوء:
_هو إيه اللي ممكن يتعمل هنا بالجناح الكئيب ده غير النوم! إنت بتستحمل تقعد هنا ازاي لوحدك كل الفترات الطويلة دي؟
سؤال ذكي أخرجته ببراعة بعد أن دارت بما تود قوله مباشرة، فإذا به يمنحها بسمة جذابة ويجيب:
_مش يمكن عندي اللي يسليني وميخلنيش أمل أبدًا.
تساءلت بدون اهتمام:
_زي إيه؟
راقبها لقليل من الوقت، ثم حرك اللائحة الخاصة بالمقعد وهو يشير لها:
_تعالي ورايا.
لحقت به "قدس"، بينما يخرج هو من الغرفة، ويتجه لاحدى الحوائط الثابتة، والتي تخلل منها ضوء أخضر يسلط على وجه" عثمان" كالذي يلتقط الشفرة السرية، ومن ثم انشق وانفتح على مصراعيه، ليظهر من أمامها ما جعلها تبرق بصدمة.
******
خطوات حذرة تشق ظلام الليل بخفة وانسيابية تليق بجسدها، رغم أن ذراعها مازال مصابًا، ملابسها السوداء ولثامها الذي يضمن اختفاء معالمها الا من الزرقاوين، والتي تتفحص بهما المبنى المهجور، تبحث عن نقطة ضعف بالسور الحديدي المحاط به من الخارج لتتمكن من الدخول.
وحينما وجدت غايتها عبرت "مرين" للجهة الآخرى والتي يتشكل فيها الظلام بشكل عنيف، وأشد شراسة من الجهة التي كانت تقف بها منذ قليلٍ، ومع ذلك واصلت صعود درج المبنى المهجور وهي تبحث عن أي إشارة تقودها لقائدها السري.
صعدت أربعة طوابق حتى وجدت من يقف على الدرابزين ينتظرها وهو ينصب قامته بتعالٍ، وفور أن لمحها حتى رفرف بجناحيه، وحلق يرشدها بالطريق إلى سيده.
اتبعته "مرين" حتى وجدت ظلا ينعكس على من يقف يتدلى من خلفه وشاحه الأسود، ولثامه الذي يزيده غموضًا.
بل وحينما شعر بوجودها، استدار بهيبته وصلابة قامته يقابل تلميذته المحترفة، التي نزعت لثامها وقابلته ببسمة رقيقة، بينما يتابعها ببندقية عينيه الثابتة عليها، حتى نطقت "مرين":
_كنت عارفة إني هقابل حضرتك قريب، وخصوصًا بعد ما بلغت القادة بالملفين اللي مش بيفتحوا على موبايل هارون.
وأضافت بعقلانية وهي تتابعه:
_فكرت أنهم هيبعتوا أي حد من الفريق وبالاخص اللي اتولى فترة تدريبي على البرامج، بس دلوقتي المفاجأة إني في لقاء مباشر مع قائد الفريق!
قطع سكون ليله حينما رفع يده يستقبل" عُقابه" على ذراعه، ومازالت عيناه تتسلط عليها:
_اللي عملتيه يستحق ثناء مباشر مني، فكان لازم أكون موجود و بنفسي.
وأضاف "ليل" ويده تمر فوق ريش طائره الجامح:
_ووجودي هنا مرهون بمعلومات مهمة حريص إنها توصلك إنتِ بالأخص من جوه الفريق، أما بالنسبة للملفين ففي مهندس محترف تم تجنيده معانا من فترة، هيعرف يوصلك ويفتحلك الملفات.
وأضاف بما يزيده غموضًا:
_الشخص ده موجود هنا، كان مُكلف بمهمة بسيطة جوه المستشفى اللي شغاله فيها أختك وحد تاني يخصه.
زوت حاجبيها بدهشة لما يخبرها به، بينما يتابع بصلابة:
_أعتقد إنك هتعرفيه لإنه من نفس العيلة اللي منها قائد فريقك.. عيلة الجارحي!
