رواية خارج عن المألوف تميم رسلان الفصل الرابع 4

رواية خارج عن المألوف تميم رسلان الفصل الرابع 4

رواية خارج عن المألوف تميم رسلان الفصل الرابع 4 هى رواية من كتابة ايه محمد رفعت رواية خارج عن المألوف تميم رسلان الفصل الرابع 4 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية خارج عن المألوف تميم رسلان الفصل الرابع 4 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية خارج عن المألوف تميم رسلان الفصل الرابع 4

رواية خارج عن المألوف تميم رسلان

رواية خارج عن المألوف تميم رسلان الفصل الرابع 4

ظلام دامس يحتضنها، فكلما حاولت البتعاد عنه يبتلعها بأعماقه متعمدًا دعسها بوحشية، أشباح أشخاص تكاد ترأهم بالكد من حولها، صرخات أمها وبكاء خافت لشقيقتها يتسرب لمسمعها، حاولت فتح عينيها ولكنها لم تتمكن وفجفنها ثقيل للغاية، ألم يعتصر جسدها الهزيل وكأنهم يحاولون إخراج روحها عنها، تسترق السمع لأصوات الأطباء وكًلًا منهم يصرح للأخر خطورة حالتها، أردات أن تصرخ بألمٍ وقهر لعل آنين قلبها يكف عن معاتبتها ،ولكن حتى ذلك لم تتمكن من فعلها، استسلمت “وجدان” لمصيرها البائس بين أيدهم، فإن كانت قد فارقت الحياة روحًا وعاشت كالجسد فقط فما من شيئاً أصعب عليها مما رأته بحياتها التعيسة، بل تمنت من كل قلبها بأن تصعد روحها لخالقها بتلك اللحظة لعل كتاب أوجاعها يكف عن تدوين مصاعبها.
****
انكمشت تعبيرات وجهها بقوةٍ مخيفة وهي ترى حلمها يتكرر من أمامها، نفس المكان ونفس الفتاة الغامضة بملامحها المبهمة كصورة الأبيض والأسود، استمعت لنفس صوت الصرخات ونفس ذاك الرجل الذي يجلدها بالسوطٍ ولكن مع إضافة جديدة وصدمة أكبر، حينما انقسم وجه الفتاة فكان نصف وجهها يحمل ملامح غامضة والنصف الآخر كان لوجه “ميرال…!!” فتحت عينيها بفزعٍ، فحاولت فتح نور الغرفة بأصابع مرتجفة، أسقطت زجاجة المياه والكوب الموضوع على الكومود فتحطمٍ أرضًا رغماً عنها، نهضت “ميرال” عن الفراش وهي تتبعد بخوفٍ وتوتر كاد يقتلها، لم يعنيها الزجاج الذي اخترق قدميها بقدر رغبتها بالهرب من تلك الغرفة، تراجعت للخلف برعب وهى تحاول أن تسترد أنفاسها المتقطعة، شعورها بأن أحدًا معها بنفس الغرفة جعلها بحالة ل ترثى لها، اصطدم ظهرها بحائط الغرفة فصرخت بصوتٍ مزلزل، هلع قلب “تميم” الذي أتى من الخارج منذ قليل ولكنه توجه للمطبخ أولًا ليضع أكياس الفاكهة والمشتريات من يديه فإذا بصراخها يحاوطه، هرول تجاه الغرفة سريعًا ليجدها تقف جوار الحائط وتبكي بهلع، أسرع إليها ليحركها برفق:
_”ميرال، في إيه؟!”
تراجعت بجسدها للخلف برعب لتدقق النظر بمن يقف بجوارها، فألقت بنفسها بين أحضانه وهي تبكي بشدة، احتوي “تميم” جسدها بين يديه وتعجب حينما رأها ترتجف، تطلع للغرفة بنظرة تفحص وقال بذهولٍ وهو يتأمل الزجاج المنكسر من حوله:
_”إيه اللي حصل؟!”
عادت لنوبة بكائها من جديد، فرددت بأنفاسها الهثة جوار رقبته:
_”خرجني من هنا يا “تميم””
حملها بين ذراعيه ثم خرج من الغرفةٍ ليتوجه بها للغرفة الأخرى المخصصة للأطفال، وضعها على الفراشٍ بلطفٍ، فلفت انتباهه نزيف قدميها، تحلى بالثباتٍ والحكمة بالتعامل مع ذعرها المبالغ به، فجذب علبة الإسعافات الأولية وبدأ بتطهير وتضميد جرحها، خطف بعض النظرات الجانبية إليها فرأها تراقب باب الغرفة بخوفٍ وكأن أحدًا سيدخل منه!
وضع العلبة على الفراش فور الإنتهاء منها ثم توجه ليبدل ثيابه، تمسكت بيديه لتشير له بهسترية:
_”ما تسبنيش لوحدي”
جلس “تميم” جوارها والدهشة تسكن خلاياه، فأحتضن وجهها بين يديه قائًلًا باستغراب:
_”في إيه بس يا حبيبتي؟”.
عادت لنوبة البكاء من جديد وهى تتحاشى النظر إليه، فأسند رأسها على صدره مداعبًا خصلات شعرها الفحمي بأصابعه محاولً بث الطمأنينة إليها حتى استكانت تماما بين ذراعيه، فسألها بقلقٍ:
_”ممكن أفهم بقىً إيه اللي للي مخوفك كدا، أنا قلقان عليكي”
بللت شفتيها بلعابها وكأنها تحاول استجماع شجاعتها للحديث:
_”بقالي يومين بحلم بحاجات غريبة أوي، ولما بفتح عيوني بشوفها قدامي”
ظهرت الدهشة جلية على وجهه وهو يحاول استيعاب ما تقول:
_”وفيها إيه؟، ما كلنا بنشوف كوابيس وأحلام وحشة!”
هزت رأسها اعتراضًا على وصفه الهين بما تراه:
_”دا مش حلم يا “تميم”، أنا بقوم وأنا سامعة صريخ البنت اللي بشوفها بالحلم!، أنا مش قادرة أنسى شكلها ول القبر الغريب اللي كانت موجودة فيه”..
مسح على وجهه بيده في محاولة لضبط إنفعالته، ليجيبها بهدوء:
_”إنتي رديتي على نفسك بالبداية وقولتي إنه حلم!”.
بدت أكثر ارتباكًًا وهى تحاول أن تستوعب كلماته المنطقية، سحب كفها ليطبع قبلة عاشقة عليه ليكمل قائًلًا:
_”الفترة اللي فاتت كانت صعبة عليكي، ضغط العملية وكل اللي حصل أكيد سببلك إرهاق عشان كده بتشوفي الكوابيس دي”
وجذب الغطاء ليضعه فوق قدميها ثم ساعدها على التمدد، وجذب هاتفه ليشغل تلاوة كاملة لسورة البقرة مشيرًا لها بثبات:
_”حاولي تقفلي عيونك وتطردي الأفكار دي من دماغك”
وقبّل رأسها بابتسامة هادئة:
_”هغير هدومي وهرجعلك، مش هتأخر عليكي”
أومأت له باستسلام، فتركها وغادر لغرفته، حاولت التغلب علي مخاوفها وتدريجيًا بدأت تشعر براحة نفسية وهي تستمع لأيات ﷲ عز وجل، وكأنها تسللت لأعماق نفسها لتنير قلبها، فأغلقت عينيها لتغفل على صوت الشيخ الفضيل “عبد الباسط…”
****
لملم “تميم” بقايا الزجاج المتناثرة ليضعها بسلة المهملات، وبدل ثيابه لمنامة من اللون الرصاصي، ثم توجه لغرفتها مجددًا، استند “تميم” بجسده على باب غرفتها فاشرقت البسمة من نبع قلبه قبل أن تحتل ثغره وهو يراها تنام بعمق متأمًلًا خصلات شعرها المتناثرة على الوسادة من حولها كالملاك، صعد للجانب الآخر من الفراش، ثم تمدد جوارها بحذرٍ حتى ل يقلقها، جذبها برفق لأحضانه ودثرها بالغطاء، ثم أغلق عينيه بابتسامة عشق وهو يستنشق عبير شعرها المميز، وضعت يديها على صدره براحةٍ فابتسم رغماً عنه على شعورها بها رغم احتياطاته الحذرة بعدم إيقاظها…
****
مرت ساعات طويلة ومازالت بالداخل، جابت “مريمة” الرواق ذهاباً وإياباً وعينيها تراقب باب غرفة العمليات بدموعٍ غزيرة وقلق بالغ على شقيقتها، أما “آمال” فكانت تجلس على المقاعد الجانبية بصدمةٍ كبيرة مما يحدث حولها، استدعت حالتها للقلق فكانت تبكي تارة وتصرخ تارة أخرى بقهر على ابنتها، في حين صعد “جمال” مع والدته و”هدى” للطابق الموجود به غرف العمليات، شجعته “ألطاف” على استكمال طريقه بعدما توقف خوفاً من مواجهة أهلها، وأكثر ما كان يخيفه هو تصرف الأطباء القانوني بناء على إصابتها الخطيرة، رفعت “هدى” يدها لتشير لهم على الطريق الصحيح لغرفة العمليات، فوقف “جمال” محله قائًلًا بارتباك ملحوظ ونبرة مهتزة:
_”ما بلاش أروح معاكم أنا، لأمها تفرج علينا المستشفى كلها”
التفتت “ألطاف” حولها بتفحص ثم قالت باعتراض على اقتراحه:
_”مينفعش، لازم نكون جانبها خطوة بخطوة لتبلغ عنك وتوديك في داهية”
مجرد التفكير بالأمر زرع الرهبة بعينيه فأبتلع ريقه الجاف بصعوبةٍ، قطعوا المسافة الصغيرة فيما بينهما، فتركت “ألطاف” يديه وجلست جوار “آمال” التى تحتضن وجهها بيدها بانحناء بسيط بجسدها للأسفل، ربتت على ظهرها مداعية الحزن الشديد:
_”قلبي عندك يا حبيبتي، والله ربنا اللي يعلم أنا زعلت إزاي، زي ما يكون ربنا مش مقدرلهم خلفة”
اندفع صوتها كالبارود الذي فتت خلايا تفكير “آمال”، فاعتدلت بجلستها وهى تتطلع بعدم تصديق من وجودهم هنا بكل برود وكأنهم لم يفعلوا شيئاً بابنتها، ولكن كانت ردة فعل “مريمة” أسرع من والدتها فصاحت بغضب ليس له مثيل:
_”أنتوا ليكم عين تيجوا هنا بعد اللي ابنك عمله!”
قالت “هدى” بحزنٍ مصطنع:
_”والنبي ما حصل حاجة، دي هي وقعت من على السلم وجبتها هنا على المستشفى و”جمال” مكنش بالبيت، أول ما عرف جه جري هو وأمي”
مصمصت “آمال” شفتيها بسخرية:
_”شوف إزاي!، ل والله عندك أصل”
ثم نهضت عن المقعد لتشير لهم بمعصمها بملامح متعصبة للغاية:
_”أنا مش صغيرة ول عيلة برياله عشان أصدقك، كل مرة بعدي لبنك غلطاته لكن المرادي مش هسيبه، نجيب الحكومة بقى تعرف إذا كانت بنتي وقعت من على السلم بصحيح ول ابنك اللي عدمها العافية لحد ما موت اللي في بطنها.”
ابتلع ريقه بصعوبة بالغة، فقال بارتباك بدى بصوته المهتز:
_”حكومة إيه بس يا حماتي، أنا معملتش حاجة هى وقعت من على السلم زي ما أختي قالتلك”
صرخت به “مريمة” ببكاء حارق: 
_”يا شيخ أنت إيه، شيطان، حسبي الله ونعم الوكيل فيك، هتروح من ربنا فين يا مفتري”
بح صوتها من صراخها العاصف فتابع جميع من بالمشفى ما يحدث، وعصفت النيران بقلبها فحاولت أن تصل إليه وهى تصيح بأنفاس متقطعة وصوتٍ غير واضح:
_”ده أنت مفيش واحدة تطيق العيشة معاك أنت وأمك المفترية، ربنا ينتقم منكم يا ظالمة، وقسماً بالله ماهسيبكم، أختي تفوق بس وهنطلع على المركز”
تدخلت “ألطاف” بالحديث قائلة بغضب:
_”ما تلمي الدور شوية ياختي، مركز أيه دا اللي تطلعي عليه، ما قولنالك وقعت من على السلم هنغنيها”
رمقتها “مريمة” بنظرة حقد على تلك المرأة العدوانية ثم قالت بلهجة شرسة:
_”لما أختي تفوق هتقول إذا كانت وقعت ول لأ، وأبقي قولي اللي تحبيه في القسم”
_”في إيه يا “آمال”؟”
سألتها “كوثر” بلهفةٍ بعدما علمت بما حدث، فهرولت للمشفى مع ابنها الأكبر لترى ما أصاب ابنة أختها، وحينما رأتها “آمال” ألقت نفسها بأحضان شقيقتها قائلة ببكاء حارق:
_”بنتي يا “كوثر”، جوزها المفتري نزل ضرب فيها تاني، ومن ساعتها وهي بالعمليات”
ربتت على ظهرها بحنان، وانسابت دمعاتها هى الأخرى على وجنتها لتتطلع لجمال بغضب:
_”تاني محرمتش، حسبي الله ونعم الوكيل فيك”
لوت “ألطاف” شفتيها بسخطٍ وهي تدفع ابنها تجاه باب الخروج قائلة:
_”إحنا غالطنين أننا عبرناكم وجينا، امشي يلا نروح دول عالم متخلفة”
جن جنون “مريمة” فبعد ما فعله ابنها وتمتلك عين لسبهم فاندفعت لتواجهها قائلة:
_”إحنا اللي متخلفين يا معدومة الرحمة”
جذبتها “كوثر” للخلف قائلة بحدةٍ:
_”متقليش كرامتك مع الست دي يا “مريمة””
أجابتها ببكاء:
_”مش سامعة بتقول إيه يا خالتو!”
أشارت لها بهدوء:
_”معلش هتروح فين من ربنا”
قالت “آمال” بدموعٍ تهبط كالسيل:
_”ماتتدخليش يا “مريمة””
لوت “ألطاف” شفتيها باستنكار قائلة:
_”لسه فاكره تلميها، أنا لو منك أربي بناتي الأول وبعدين أفكر في جوازهم”
أجابتها “كوثر” بجنون وكأن كلماتها طعنتها هى:
_”إخرسي قطع لسانك بناتنا محترمين، ولو ماكنتش “وجدان” متربية و بنت أصول كان زمان سيرة ابنك على كل لسان بس هي صاينه سر بيته وعرضه، الدور والباقي على تربيتك اللي وصلتنا لحد هنا”
كادت بأن تجيبها، فجذبتها “هدى” بمكر خفى ولهجة مصطنعة:
_”خلاص يا ماما الله يكون في عونهم برضو، مش حاسين بيقولوا إيه؟”
وأجلستها على المقاعد المقابلة إليهم، فجلست تراقب الممر وتراقبهم بنظرات ناقمة عليهم، وصل “آسر” لجناح العمليات بعدما صف سيارته (الميكروباص) بالأسفل ليلحق بوالدته، دخل عليهم وهو يلتقط أنفاسه من صعود الدرج فقال بقلقٍ:
_”في إيه يا خالتو، “وجدان” مالها؟!”
رفعت عينيها المتورمة من البكاء، قائلة بقهر:
_”إدعلها يا ابني، بقينا وش الصبح وهي لسه بالعمليات”
جلس “آسر” جوارها بحزن على حال هذة الأسرة البائسة، فهو يعلم بأنها تبذل قصارى جهدها لتبقي على هذا الزواج ولكنها على وشك خسارة ابنتها!!
****
داخل غرفة العمليات:
لا تعلم إن كانت لقت حتفها أم مازالت على قيد الحياة ولكن من المؤكد بأنها تعاني، صراعها النفسي على رحلة حياتها القصيرة التي قضتها بذل وإنكسار على يد زوجها، ولكن أصعب ما مرت به إحساس القهر والخذلان حينما كانت بحاجة ماسة لحنان أمها وسندها، كانت بحاجة لسماع كلمات منصفة بحقها، بحاجة لرؤية عاصفة غضبها حينما ترى فلذة كبدها تعاني!، أرادت أن تستمع ولو لمرة واحدة بأنها لا تكترث لكلام الناس فابنتها ما تعنيها كثيرًا؛ ولكن كالعادة كان يخيب ظنها، فإن كانت حياتها مجلد من البؤس فهي لا تريدها بل تريد الموت بسلام، وللعجب شعورها بأنها فقدت جنينها أدخل السرور على قلبها فإلى أي حياة ستنجب تلك الفتاة لمجتمع مقيد بأغلال العادات والتقاليد أم ستنجب صبي يرى كيف يعاملها والده فيصبح مثله؟..!
نقلتها الممرضات على السرير المتحرك، فأهتز جسدها حينما لمست سطحه فأعطاها يقين بأنها مازالت على قيد الحياة، دفعوها للخارج برفق فتسلل للمسامعها صوت بعيد لبكاء أناس تعرفهم جيدًا، اقتحم صوت والدتها أسوار غفلتها وهي تردد ببكاء يمزق القلوب:
_”يا قلب أمك يا بنتي، عملوا فيكي إيه يا ضنايا، عملوا فيكي إيه”..
ولم تتمالك “آمال” نفسها فهجمت علي زوج ابنتها صارخة بكل ما أوتت من قوة، بعدما رأت إصابات وجه ابنتها وحالتها المذرية، نبشت أظافرها بوجهه كالقطة التي تلتهم من يقترب من صغارها:
_”حرام عليك، مش بنت ناس دي، ليه تعمل فيها كدا؟!”
أبعد “جمال” وجهه عنها بصعوبةٍ والأخرى تحاول المساك به مجددًا، أسرع إليها “آسر” في محاولت بائسة لإبعادها عنه، أتى الشرطي المسؤول عن أمن المشفى على الصوت المرتفع، فجذبت “ألطاف” ابنها وتخفت عن الأنظار سريعًا وخاصة بعد رؤية حالة “وجدان” المقلقة، كانت “كوثر” و”مريمة” بجوار الممرضات حتى توجهوا بها للغرفة التي تضم عدد من المرضى، نقلوها على الفراش ثم دثروها جيدًا وكادوا بالمغادرة فأوقفت “كوثر” إحداهن قائلة بدموع تنساب بلا توقف:
_”وحياتك تطمنيني عليها، هتفوق أمتي والدكتور قال إيه؟”
حزنت الممرضة عليها فقالت بابتسامة هادئة لعلها تبث إليها الطمئنان:
_”متقلقيش يا أمي هتبقى كويسة بإذن الله، دقايق وهتفوق”
وتركتها وغادرت لعملها، جلست “مريمة” جوار شقيقتها متمسكة بيدها وكأنها تتعلق بها خشية من أن تتركها، فقالت بصوتٍ مبحوح:
_”كان قلبك حاسس أن هيحصلك كل ده”
واسترسلت حديثها بتأثر وهى تعدل من الغطاء على الكدمات التى تحتل معصمها البادى من أسفل زي العمليات:
_”كانت تتقطع إيدك قبل ما تتمد عليها، حسبي الله ونعم الوكيل فيك يابعيد”
احتضنتها “كوثر” بتأثر فحتى دمعاتها لم تقو على كبتها فكيف ستتمكن من تهدئتها..!
****
خارج الغرفة
انصاعت “آمال” لذراع “آسر” وكأنها فقدت إتزانها منذ رؤية ابنتها، جلست مثلما وضعها وعقلها يكاد ينشطر من تخيل هواجس ما تحملته ابنتها، طرقت على قدميها بيدها صارخة ببكاء حارق:
_”ياريتني ما كنت رجعتك ليه ول وافقت على الجوازة السودة دي من الأول، ياريتني ما كنت وافقت”
ثبت “آسر” يدها جيدًا، قائًلًا بحزن:
_”استهدي بالله يا خالتي، مش كدا، إن شاء الله هتبقي كويسة”
خرج الطبيب من الداخل بعدما انتهى من الحالة التي كان يتفحصها، فاقترب من المقاعد ليقول بشيءٍ من الحدة:
_”فين أهل الحالة اللي خرجت من شوية”
أجابه “آسر” بهدوء:
_”إحنا يا دكتور، خير في حاجة ول أيه؟”
رمقه الطبيب بنظرة مزعجة ليسأله بتأفف:
_”أنت جوزها؟!”.
رد عليه بثباتٍ، لعلمه سبب نظراته الغير مقبولة بالمرة:
_”ل، أنا ابن خالتها”
لنت تعابير وجهه قليًلًا، ليتحدث بعملية بحتة:
_”طيب تعال معايا عشان في شوية إجراءات قانونية لزم تتعمل، لأن الحالة اللي قدامي بتؤكد إن فقدان الجنين كان بسبب الأعتداء الوحشي بالضرب ومش بعيد يكون شروع في قتل”
استدار “آسر” بوجهه لخالته فأشارت له بالذهاب فقلبها قد ذحُ على يد هذا الحقير وبحاجة للانتقام منه، ولم تعد ضعيفة لتتنازل عن حقوق ابنتها، تبعه “آسر” لمكتبه لينهي المطلوب لإدانة هذا اللعين بما فعله فأخيراً خرجت “آمال” عن رداء تحملها.
****
دقت الساعة التاسعة صباحًا فعلا صوت المنبه بإزعاجٍ، حرك أصابعه تجاه الكومود بتلقائيةٍ ليطرق فوق سطحه بضيق من صوته المرتفع، فتح عينيه بتكاسل وهو يقاوم حاجته للنوم من جديد؛ فقليل ما يحظى ببعض الراحة وأغلب الوقت يق.ضيه بتفكيره المرير بتعاسته، جلس على طرف فراشه باحثاً عن حذائه، فارتداه ثم توجه لحمام غرفته، اغتسل ثم خرج لأداء صلاته قبل الذهاب للشركة، وقف “معاذ” على سجادة الصلاة بلهفةٍ للبوح عما يضيق به صدره، هدأ جسده واسترخى في معية ﷲ وبدأ مناجاته حتى اقشعر جسده بشدة، فظن أن الملائكة تحاوطه لتبشره بالإستجابة فاستكان وابتسم وهو ينظر إلى موضع سجوده، فسجد مطولً ليدعو بالشفاء لوالدته وبرفع البلاء عنه بالصبر على تلك الفتاة..
****
شقة “تميم”
رتب طرف بنطاله فوق الآخر ثم مرر المكواة عليه بحذرٍ ليستعد للذهاب لعمله، دق هاتفه مرارًا وتكرارًا فرفعه بتأففٍ:
_”إيه يا ابني كل الرن دا في أيه على الصبح، القيامة قامت بره ول إيه؟”
أتاه صوت “سيف” ضاحكًا قائًلًا بمكرٍ:
_”الحق عليا وحشتني فقولت أطمن عليك”
أسند هاتفه على كتفيه ليكمل كي الملابس بدقة:
_”سيف أنا متأخر على البنك ومش فاضي فأنجز كدا وقولي وراك إيه من الدخلة دي”
قال “سيف” بضيقٍ من حديثه:
_”لزم تقفلني كده على الصبح”
وزفر بملل:
_”طيب إيه رأيك لما تخلص شغلك نتغدى مع بعض في أي مطعم”
فصل “تميم” المكواة ثم وضعها جانبًا ليقول:
_”خلاص تمام هخلص شغل وأكلمك.. سلام”.
وأغلق “تميم” الهاتف ثم ارتدى ملابسه سريعًا، وفتح باب غرفتها ليلقي نظرة أخيرة عليها ثم طبع قبلة صغيرة على جبينها بابتسامة مهلكة لم تكن محظوظة برؤياها، جذب النوت الصغير الخاص بها ثم دوّن عليها عدة ملاحظات ووضعها جوارها على الكوماد ليغادر سريعًا لعمله.
****

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا