رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والثمانون 84 بقلم منال سالم
رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والثمانون 84 هى رواية من كتابة منال سالم رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والثمانون 84 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والثمانون 84 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والثمانون 84
رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والثمانون 84
اجتمع ذلك الصعلوك مع رفاقه من المتسكعين، والمشردين، ومروجي المواد المخـــدرة لوضع حدًا لذلك الوضــيع الذي حط عليهم فجـــأة، وعاود الاستقرار في منطقة نفوذهم المستحدثة بالتبَّة العالية، معتقدًا أنه صاحب اليد العليا هنا!
تكلم من نصّب نفسه عليهم زعيمًا مستطردًا بما يشحن النفوس ويثير الدمـــاء في العــروق:
-احنا لو سكتنا يبقى نستاهل اللي يجرالنا.
تحدث أحدهم محذرًا بشيءٍ من المنطقية:
-بس "الهجام" معروف إنه مش سهل، وقرصته والقبر!
التفت تجاهه ليرد عليه:
-ده كان زمان، قبل ما الحكومة تهيج عليهم وتشيعهم.
وافقه آخر الرأي:
-معاك حق، مابقوش زي زمان، ليهم شنة ورنة.
أضاف بنفس اللهجة المحفزة:
-مظبوط، وزي ما إنتو شوفتوا هو مش معاه إلا الكام نطع دول، واحنا سهل نخلص عليهم لو جمعنا كل حبايبنا، وهجمنا عليهم مرة واحدة.
سادت همهمات متداخلة بين كافة الحاضرين، ليحسم زعيمهم النقاش بتخييرهم المصيري:
-"الهجام" المرادي ماينفعش تقومله قومة، وإلا احنا اللي هنبقى بِخ، ها معايا ولا هترضوا تكونوا دلاديل عنده يعمل فيكم هو ورجالته ما بداله؟
هتفوا بالإجماع:
-معاك يا مريسة.
تحمس على اتفاقهم، وقال وهو يشير بيده:
-اجهزوا يا جدعان، الطلعة المرادي شديدة، يا قــــاتل، يا مقـــــتول!
...............................................
المكان الذي اعتادت العيش فيه كخادمة أصبح الآن منزلها، مملكتها الخاصة، تفعل فيها ما تشاء وقتما تشاء. لم تصدق "نعمة" أنها صارت زوجة أحد أعيان البلدة قولًا وفعلًا، حقًا لو أخبرها أحدهم بذلك الأمر قبل عدة أشهر لظنت أنه يهزأ بها ليخدعها؛ لكن القدر شاء أن يمنحها فرصة تظفر فيها بنعيم الحياة الذي لم تنل منه سوى اسمها.
مشطت "نعمة" شعرها المبتل بالفرشاة ناظرة إلى انعكاس وجهها في مرآة طاولة الزينة، كانت حمرة الخجل تكسو وجنتيها، ابتسمت لنفسها في حياء، ونظرت إلى "محروس" الذي كان يراقبها من موضعه بنظرة غامضة، أشعرها للحظة بالخوف، ابتلعت ريقها وسألته بصوتٍ مهتز:
-أجيبلك حاجة يا سي "محروس"؟
تصلب جسدها عندما سمعته يجيبها بسؤالٍ مباغت:
-إنتي عارفة أني اتجوزتك ليه؟
استدارت تجاهه لتنظر إليه وهي شبه مترددة في منحه الجواب، لتجده يُعلمها صراحةً وبلا مواربة بما تعرفه جيدًا:
-لأجل ما أَكيد سِتك "أحلام" وأجِهرها بالحيا.
ضغطت على أصابع يدها في توترٍ، فيما استمر "محروس" يُملي عليها تعليماته المشددة:
-عايزك من هنا ورايح لما تشوفيها تتعاملي إمعاها كيف المداس في رجلك.
أومأت برأسها في طاعة، لتصبح نبرته أكثر تهديدًا عندما أضاف:
-لو حسيت للحظة إنك عتخافي منيها، ولا عاملة خاطر للعِشرة، جسمًا برب العزة ما عتكوني مَرتي، وهكرشك من إهنه!
هتفت تخبره بلا نقاشٍ:
-حاضر يا سي "محروس"، أني خـدامـ...
تداركت زلة لسانها في تعبيرها الصادق عن مدى طاعتها له، وصححت بحذرٍ مترقبة ردة فعله:
-جصدي أني تحت طوعك.
تراقصت بسمة خبيثة على زاوية فمه قائلًا في انتشاءٍ:
-إيوه إكده.
ثم أشار لها بعينه مكملًا، ويده تمسح على حافة الفرش:
-تعالي جاري، عايزك في كلمتين.
أطرقت رأسها في خجلٍ، فقد تفقه ذهنها لغرضه، وقالت وهي تسير بتؤدة نحوه:
-أمرك يا سي "محروس".
...............................................
لا شك أن ما تمر به من لحظاتٍ حابسة للأنفاس لا يمكن اختزال وصفها في بضعة كلماتٍ! كانت "دليلة" تتلوى بجسدها محاولة إبعاد ذلك الشقي اللعــين عنها، والأخير يتسلى باستفزاز من أعده مجازًا غريمه غير المكافئ له في النفوذ أو القوة، فاستمر في إغاظته بقوله الفاســـق:
-مش هقولك أنا حاسس بإيه وهي في حضني دلوقت.
أراد إشعال نيران غيرته وغضبه، ونجح بسهولة في ذلك، فهدر "غيث" يتوعده باهتيـــاج متعاظم:
-جسمًا بالله لهــجتلك، هجتـــلك!
سرعة البديهة لدى "دليلة" جعلتها تتذكر اسم ذلك المكان القاصي والمجهول الذي أجبرت على الذهاب إليه سابقًا مع أبيها الراحل، لتسوية الحسابات القديمة، من خلال كلمات "زهير" العفوية عندما كان يتشاحن معها قبل لحظاتٍ، فما كان منها إلا صاحت كمحاولة يائسة منها لإرشاده إلى موضع اختطافها:
-التبَّة يا "غيث"، التبـَّة، إلحقني، ما تسبنيش ليه!
صراخها باسم أكثر من يمقت استثاره لأبعد الحدود، بل جعل عقله يطير من فرط جنونه، فألقى بالهاتف بعصبيةٍ على الأرض ليتحطم إلى أجزاء، وصوته المجلجل يصيح في وجهها:
-عايزاه يلحقك؟ مش هيحصل! هتكوني في عداد الأمـــوات وقت ما يلاقيكي!
وانقــض على عنقها بيده الأخرى محاولًا خنقها، فانقطع الهواء عن رئتيها، وجاهدت للبقــاء على قيد الحياة. ما أنقذها حقًا من حكمه عليها بالهلاك صوت تابعه "خولي" الذي طرق على باب الغرفة من الخــارج وهو يناديه بلهجةٍ تنم عن القلق:
-يا كبير، عايزك!
استمر "زهير" في زيادة الضغط بأصابعه على مجرى تنفسها، حتى باتت تجد صعوبة بالغة في التقاط دفقةٍ ولو صغيرة من الهواء، ليرد بانفعالٍ:
-إنت مش شايف إني مشغول؟
أخبره "خولي" من الخارج بنفس النبرة المتعجلة:
-الظاهر في عوأ برا، لازم تشوف بنفسك.
اضطر أن يرخي قبضته عن رقبتها والأخرى عن رسغها، فاندفعت للخلف وهي تسعل بقوةٍ بعدما شهقت شهقة حرجة تلقف بها قدرًا كبيرًا من الهواء وتسحبه إلى صدرها لتستعيد أنفاسها المفقودة. رمقها "زهير" بنظرة مميتة وهو يتوعدها:
-حسابنا مخلصش لسه، شوية وراجعلك.
هسهست بلا صوتٍ وهي تبادله النظرات بأخرى حانقة للغاية قبل أن يندفع مغادرًا تلك الغرفة المُوحشة ذات الأثاث الخَرِب والمتهالك:
-وســـــخ، ربنا ينتقم منك.
أدركت بالغريزة الفطرية أنه سيشعر فقط بالرضا عن حاله عندما يقضي عليها، لذا كان عليها أن تفكر في وسيلة سريعة تمكنها من الزود عن نفسها، إن تجرأ وعاود الكَّرة وهاجمها من جديد.
..................................................
من بين الأرقام المحفوظة لديه في قائمة الأسماء، بحث "عادل" عن رقم ذلك الضابط المشهود له بالكفاءة وحُسن السيرة ليقدم له العون والمساعدة في تلك المسألة الخطيرة، كانت تربطه به صلة قرابة بعيدة من طرف عائلة والدته، ومع ذلك لم يلجأ لطلب الدعم منه في أي موقف تطلب ذلك، إلا أن هذه المرة كانت مختلفة، لذا هاتفه على الفور، وأعطاه موجزًا مرتبًا لتفاصيل الوضع، ليرد عليه الضابط "ماهر" مؤكدًا:
-ماتقلقش يا "عادل"، أنا هتصرف، أهم حاجة في المواقف دي ضبط النفس.
رجاه "عادل" بشيءٍ من التوسل:
-أرجوك يا "ماهر" بيه، دي قريبتي، وحياتها في خطر دلوقت بعد ما اكتشفنا إن المجرم ده لسه عايش.
ليرد عليه بنبرته الجادة:
-اطمن، الأجهزة الأمنية هتكثف جهودها وتوصلها بإذن الله....
ثم سكت لهنيهةٍ، وأوصــاه بحزمٍ:
-ضروري تخلي عيلتها ما تتصرفش بتهور، علشان ما تضيعش اللي بنعمله، وتبوظ الدنيا.
قال في تفهمٍ:
-حاضر.
ليضيف "ماهر" كذلك:
-وأنا هتابع معاك ولو في جديد هبلغك.
علق "عادل" مبديًا امتنانه الشديد له:
-شكرًا يا "ماهر" بيه، وأنا برضوه لو وصلني أي خبر هعرفك بيه.
أغلق الخط، وراح يفكر فيما قاله، ليضيء عقله بشيءٍ ما جعل حواسه تتأهب، فنطق عاليًا متحدثًا إلى نفسه:
-لازم أكلم "غيث"، ده دماغه قفل وزي الحجز الصوان، مش هيسيب مراته من غير ما يعمل المستحيل علشان يرجعها.
سرعان ما عاود الاتصــال بـ "إيمان" ليتحصل منها على رقمه الخاص، بالطبع حز في قلبه أن يجدها لا تزال غارقة في نوبة أحزانها، فسعى لتهدئتها بتأكيده الأقرب إلى الوعد النافذ:
-إن شاء الله هترجع، أنا بعمل كل اللي أقدر عليها علشان نوصلها.
من بين بكائها الشجي تكلمت:
-خايفة تروح مننا يا "عادل"، هي أختي الوحيدة.
هتف يؤكد لها من جديد:
-اطمني، المكالمة الجاية هتسمعي فيها أخبار حلوة.
ردت عليه بتضرعٍ:
-يـــا رب أمين، يـا رب!
................................................
أوشك "غيث" على بلوغ الوجهة التي اتفق مع "وهبة" على الالتقاء فيها، ليتحركا معًا وبرفقة رجالهما المخلصين للبحث عن زوجته المختطفة. حاول خلال ذلك الاتصال عدة مرات بهاتفها، إلا أن نفس الرسالة المسجلة كانت تأتيه بتعذر الوصول إليها. سبَّ، وذم، وأبدى نقمه على عجزه، لكن بلا جدوى، فهو إلى الآن لا يعرف كيف ستكون خطوته التالية في مهمة بحثه عنها. انتشله من دوامة أفكاره المتناحرة رنين هاتفه، ليجد رقمًا غريبًا يتصل به، أجاب عليه، فوجده "عادل"، أصغى إلى ما أطلعه عليه مبديًا اعتراضه الشديد على التدبير الذي يقوم به من طرفه دون استشارته:
-حكومة إيه اللي عستنى إنها ترجع مَرتي؟!!
قبل أن يفهمه "عادل" الغرض من تلك المساعدة، قاطعه "غيث" بإصرارٍ:
-أني بعون الله عجيبها حتى لو كانت في بطن الجبل.
ليرد عليه موضحًا بهدوءٍ:
-أنا ما بقللش من قدرتك، بس لازم ننسق مع بعض بحيث نضمن إنها ترجع بالسلامة.
نفخ "غيث" في سأمٍ، ثم همهم:
-استغفر الله العظيم.
سأله "عادل" مستفسرًا:
-إنت طلبته تاني؟
أجاب بصوته المحموم:
-إيوه، بس ابن الـ.... رجع جفل الخط.
بلهجة المحقق تساءل "عادل" محاولًا الاستفادة من أقل معلومة قد تساعد في كشف المجهول:
-طب وقالك حاجة في آخر مكالمة بينكم؟
رد على مضضٍ:
-إيوه...
حسنًا، لقد تعذر عليه إعادة ترديد ما كان ذلك الحقير يخبره به بشأن بقاء زوجته في أحضانه، وفضَّل أن يصيغ الموقف بأسلوبٍ آخر يحفظ لها كرامتها ويمنع عنها القيل والقال، فاستطرد بخشونةٍ:
-كان عيضايجها، وهي عتجول التبَّة يا "غيث"، وصوتها كيف السكين التلم عيجطع في جتتي، وأني عاجز إني أوصلها.
التقط تلك الكلمة الغريبة التي أطلعها عليه، وسأله ليتأكد من صحة ما سمع:
-إنت بتقول إنها قالتلك التبَّة؟
رد مستوضحًا:
-إيوه، دي معناته حاجة يعني؟
لم يراوغ وهو يخبره:
-حاسس إني سمعت الكلمة دي قبل كده، عمومًا أنا هبلغ المعلومة دي لمعارفي في الداخلية، واحتمال يفيدونا بيها.
اشتاط غضبًا من جديد عندما كرر عليه نفس العبارات السقيمة، وصاح هادرًا:
-لساتك عتجولي الحكومة أبصر إيه؟ أني هوصل لمَرتي بطريجتي!
لم يطل "غيث" المجادلة معه، وأنهى الاتصال فجأة، ليترجل من السيارة متجهًا نحو "وهبة" الذي كان في انتظاره بصحبة أتباعه الأشداء. أقبل عليه الأخير مهرولًا وهو يسأله بتحفزٍ:
-إيه يا واد عمي؟ على فين عنروحوا؟ أني معاي الرجالة، وجاهزين.
طاف ببصره عليهم، وتساءل:
-جبت السِلاح؟
أشار نحو سيارة الدفع الرباعي مجيبًا إياه:
-مدسوس في العربية، على فين الطلعة؟
تنهد مدمدمًا في سخطٍ كبير وهو يضرب بقبضته المتكورة كفه الآخر في عصبية:
-لسه مخابرش، بس عفكر الملعون ديه مستخبي فين.
ليصمت لثانيةٍ قبل أن يتساءل:
-تعرفش حاجة اسمها التبَّة؟
ردد "وهبة" المصطلح الذي بدا غير مألوفٍ على مسامعه قائلًا:
-التبَّة!! هسأل جماعة "العُربانية"، جايز عندهم خبر.
اكتفى بهز رأسه كدلالةٍ عن استحسانه لاقتراحه، وتطلع إلى الفراغ أمامه بنظرة مــيتة، معاتبًا نفسه بغير صوتٍ:
-غلطتي إني فوتك لحالك، مكانش لازمًا أبعد عنك.
تلقائيًا ارتفع بصره للسماء مناجيًا:
-عديها على خير يا رب.
.....................................
في غرفةٍ مملوءة بالأجهزة الإلكترونية الحديثة، وشاشات العرض المختلفة، التفت الفرقة الأمنية حول مائدة مستديرة، حيث تولى قائدهم الحديث بلهجته الحازمة:
-المعلومات اللي جمعناها ووصلتنا من وقت تزييف موت "الهجام" وهروبه، لحد آخر مكالمة جاتلنا من دقايق علشان نعرف بالصدفة عن مكان اختبائه الأخير تخلينا نقدر نمسكه بسهولة ونقضي على شره، بس لازم نراعي حياة الناس الأبرياء، وخصوصًا البنت اللي خطفها وكانت السبب في إننا نوصله.
رد عليه الضابط في لهجة رسمية:
-اطمن يا فندم، احنا حاطين ده في الاعتبار، وجاهزين للهجوم في أي لحظة، رجالتنا مطوقة المنطقة بالكامل.
أبدى ترحيبه بالاستعداد الأمني للمواجهة، وأصدر أمره الحاسم:
-على بركة الله، ابدأوا التنفيذ فورًا.
....................................................
بنظرات تحمل الاستخفاف والاستحقار، تطلع "زهير" إلى الحشد الذي جمعه ذاك الهزيل، ووقف به قبالته في الباحة ليقوم بتهديده بتبجحٍ، وهؤلاء الأشخاص محملين فقط بالهراوات والأسلحة البيضاء. ضحك هازئًا من تجمهرهم الهزلي، وكأنه لا يعبأ بالمرة بما يوحي التفافهم هذا، قبل أن يبتر ضحكاته، ليدنو ممن يقودهم، وخاطبه في أسلوب مهين ومُحقر من شأنه:
-إيه شوية اللا مؤاخذة (.....) دول اللي إنت لاممهم وجايبهم معاك؟!!!
وقبل أن يفكر في الرد عليه، كان "زهير" قد انتصب أكثر في وقفته الشامخة، وسأله دون أن يرف له جفن:
-فكرك كده أنا هخاف؟
أعطاه الرجل تحذيره غير الممازح:
-أحسنلك تسيب المنطقة دي يا "هجام"، إنت زمنك خلص، وجه الدور على غيرك يبقى هو الزعيم.
سخر منه بازدراءٍ مستفز:
-وإنت شايف نفسك تقدر تمشي رجالة بشنبات؟ ده أنا أخاف أنفخ في وشك أطيرك!
ليرد عليه الرجل بإباءٍ وحمئة:
-ما تستقلش بيا يا "هجام"، إنت بقيت ولا حاجة، هوا!
تراجع "زهير" بظهره خطوتين للخلف، ونادى في صوتٍ جهوري تردد صداه في محيط المكان:
-"خـــــولي"!
في التو هرع إليه تابعه، وهتف في انصياع ويده ممسكة بســــلاحه الآلي:
-أيوه يا كبيرنا.
لم يحد "زهير" بنظرته القاسية المُطعمة بالشر عن وجه ذلك الأرعن، وتساءل بأسلوبه التهكمي المثير للأعصاب:
-عاجبك اللي بيقوله الحشرة ده؟
انتفخت أوداج الرجل غيظًا منه، وازداد الطين بلة بسخرية "خولي" أيضًا منه:
-هو في حد كان بيتكلم أصلًا؟
من جديد تحدث "زهير" مصدرًا أمره وهو يشير بسبابته تجاهه:
-عايزك تخليه عِبرة لغيره.
صوب فوهته تجاهه، وقال باسمًا في غرورٍ:
-بسيطة، ده جه في ملعبي!
...........................................
بدت علامات الترقب جلية على وجهه، وهو ينتظر النبأ اليقين من عُصبة "العُربانية" ليتحرك من فوره نحو الوجهة المختطفة فيها زوجته، ربما تكون نتائج المواجهة مع مختطفها أكثر شراسة مما يظن أحدهم؛ لكن الأكيد أنه لن يغفر له محاولته المساس بها.
تمالك "غيث" أعصابه وسأل "وهبة" مستعلمًا:
-ها عرفت التبة دي إيه؟
أومأ برأسه قائلًا وهو يناوله مسدسًا محشوًا بالطلقات:
-إيوه يا واد عمي، وعنروحوا طوالي على هناك.
اشترط عليه "غيث" بملامحٍه القاسية ونبرته المخيفة بعدما وضع زناد المسدس على وضعية زر الأمان:
-محدش هيقبض على روح الكلب النــجس ده غيري!
بلا أدنى معارضة تحدث:
-عفوتهولك تخلص عليه كيف ما إنت رايد.
عاد "غيث" إلى سيارته ليستقلها، فيما هتف "وهبة" في البقية وهو يلوح لهم بيده:
-بينا يا رجــــالة!
على الفور امتثل الجميع للأمر الصادر، وهم في كامل تأهبهم واستعدادهم، ليسارعوا بالقفز بداخل السيارات، لينطلقوا نحو التبَّة العالية.
..............................................
عدَّل من وضعية رابطة عنقه، ونظر إلى طرف المنديل البارز من جيب سترته ليضبطه، قبل أن يحدق أمامه في اللوحة الإعلانية المدون عليها عزاء المغفور له رجل الأعمال البارز "مدحت جلال" وابنته الفقيدة "فادية". حك "راغب" طرف ذقنه منتظرًا قدوم المعزيين بعدما أنفق غالبية مدخراته على إقامة سرادق العزاء في أكثر المناطق رقيًا، ليليق باستقبال صفوة المجتمع، حيث بوابته الأولى لتوطيد الصلات معهم.
لدهشـــته بدأ وقت العزاء ولم يأتِ أحد من الطبقة المخملية، فقط قلة قليلة ممن يعرفهم "راغب" على نحو شخصي، كظم غيظه في صدره، وأشار للمحامي بعينه ليتبعه.
تحرك الاثنان بعيدًا عن مدخل السرادق، ليتساءل "راغب" بتذمرٍ ساخط:
-هو إنت مش عامل دعاية كويس؟ ده أنا دافع مبلغ وقدره! ولا إنت لهفته؟!!!
رد مدافعًا عن اتهامه المجحف في حقه:
-حصل، وعملنا دعاية إلكتروني في أشهر الصفحات، وبروباجندا كبيرة، وكلمت صحفيين أعرفهم ينزلوا خبر عن العزا، ومعايا إيصالات وسكرينات بتأكد كلامي.
هتف يسأله في استياءٍ عارم ظاهر على محياه:
-أومال تسمي ده إيه؟
ليبدو "راغب" أكثر نقمًا وسخطًا وهو يتأمل السرادق الخالي من المعزيين متمتمًا:
-ده مافيش حد هوب ناحيته!!!
علل المحامي غياب الحضور بحجةٍ سخيفة:
-جايز هيجوا متأخر، محدش عارف الظروف.
انزعج من تفسيره، وبدا هجوميًا بعض الشيء وهو يلومه:
-إنت بتبررلي إيه؟ ده كده أبقى خسرت كتير.
حاول المحامي تهدئته قبل أن يخرج عن طور عقلانيته مرددًا:
-ما تقلقش، احنا لسه في بدايته، شوية وهتلاقي كريمة المجتمع جايين، هما بيحبوا ياخدوا اللقطة، ما إنت فاهم.
ليهسهس "راغب" مبرطمًا في تهكمٍ وهو يعاود أدراجه إلى السرادق:
-أنا لحد دلوقتي ما شوفتش غير قاعه!
........................................................
الطوق الأمني الكثيف المفروض على نطاق واسع ومحكم بالقرب من محيط التبَّة العالية، جعل من غير اليسير على أحدهم اختراقه. أوقف "غيث" سيارته على مسافة قريبة، ودس الســـلاح الناري الذي بحوزته داخل جيب جلبابه، ليسير بخطواتٍ شبه راكضة نحو أفراد الأمن المرابطين عند المدخل الرئيسي المؤدي إليها. تبعه "وهبة" ورجاله وهم يخفون كذلك ما لديهم من عدِة وعتاد؛ لكنهم تركوا له مهمة التفاوض معهم للسماح لهم بالمرور.
تجادل "غيث" محتجًا على منعه من تجاوز الحاجز المعدني:
-بجولك جرايبني جوا، رايد أفوت حداهم، كبيرنا مات، ولازمًا نكونوا إمعاهم.
بلهجته الرسمية الجافة وملامحه الصارمة رد عليه:
-ممنوع يا بلدينا، مافيش حد هيخش جوا دلوقتي.
ضرب "غيث" كفه بالآخر هاتفًا بإلحاحٍ:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، عجولك كبيرنا مات، كيف يعني أفوته إكده من غير ما أوصل الأمانة للي خلقها؟!!!
حادثه الفرد الأمني بتصميمٍ:
-الأوامر اللي عندي إن مافيش حد يعدي من هنا مهما حصل!
سرعـــان ما دوى بشكلٍ فجائي في الأرجاء أصوات طــلقـــات نارية مفزعة، جعلت الجميع ينظرون نحو وجهةٍ واحدة، ليتساءل "وهبة" تلقائيًا وهو يركز بصره على "غيث":
-إيه اللي حُصل؟
خفق قلب الأخير بقوةٍ متوقعًا حدوث الأسوأ، لترتعش شفتاه وهما تهمسان بخوفٍ لم يختبره مُطلقًا في حياته:
-"دليــــــلة" ............................................. !!!
.....................................................
