رواية فوق جبال الهوان الفصل الخامس والثمانون 85 بقلم منال سالم
رواية فوق جبال الهوان الفصل الخامس والثمانون 85 هى رواية من كتابة منال سالم رواية فوق جبال الهوان الفصل الخامس والثمانون 85 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية فوق جبال الهوان الفصل الخامس والثمانون 85 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية فوق جبال الهوان الفصل الخامس والثمانون 85
رواية فوق جبال الهوان الفصل الخامس والثمانون 85
عندما تُركت بمفردها، تُصـــارع بما تمتلك من قدرات محدودة لمقـــاومة ذلك اللعـــين ودرئه عنها قبل أن يغــــتالها معنويًا وجسديًا، أدركت "دليلة" أن باطن كفها قد أصيب بقطعٍ تنزُ منه الدمـــاء جراء حافة الزجاج الحادة. ارتجفت من التوتر، وضغطت بيدها الأخرى على موضع الألم وهي تبكي من الخوف محاولة إيقاف النزيف، ومع ذلك جاهــدت ألا تستسلم لمخاوفها التي تطغى عليها، وعزمت على مواجهته مجددًا حتى الرمــق الأخير، لتصرخ بغتةً حينما سمعت أصوات طلقات النـــار القريبة.
ظنت أن الحرب اندلعت بالخارج، فانبطحت أرضًا، وزحفت على ركبتيها ويديها للخلف لتحتمي بالفراش القديم وهي تتساءل في ذعرٍ:
-ده إيه ده كمان؟
انكمشت على نفسها محاولة اتخاذ جانب الفراش الخشبي المتهالك ساترًا ليحميها من أي طلقات غادرة قد تنفذ من الجدار وتصل إليها. الإحساس الذي اختبرته في تلك اللحظات الحـــرجة كان مخيفًا للغاية، لا تصفه الكلمات. كل ما جال في بالها أن تتعرض للمـــوت وهي لم تودع أحبائها بعد!
نكست رأسها، وأطبقت على جفنيها بقوةٍ ولسانها يناجي الله:
-يا رب نجيني، يا رب عديها على خير.
..................................................
تلاشى أي ادعاء بالثبات والصلابة أمام مغبة وقوعها تحت خطر المـــوت، ما لبث أن قصف قلب "غيث" بقوة عنـــيفة للدرجة التي جعلته يظن أنه سيقتلع من موضعه حينما صدحت أصوات الاشتباك الناري من داخل التبَّة، لا إراديًا صرخ مناديًا باسمها وهو يندفع بأقصى عزمه للأمام محاولًا اختراق الحواجز الأمنية والذهاب إليها بلا تفكيرٍ:
-"دلـــــيلة" مَــرَتي!
إلا أن أفراد القوة الأمنية المتواجدة بالمنطقة حالوا دون بلوغه غايته، فصرخ بهم بل وكاد يتشاجر معهم بضراوة وعدوانية، لولا أن تدخل "وهبة" فأمسك به من ساعده، وجذبه بعيدًا عنهم بأعجوبةٍ وهو ينصحه:
-بالراحة يا كبيرنا.
أدرك "وهبة" بحكم خبرته الطويلة في التعامل معه بأنه لن يتراجع عن تنفيذ ما يدور في رأسه مهما حدث، ولا تهم العواقب وإن كانت كارثية! لذلك استغل انشغاله بالتطلع للأمام، باحثًا عن ثغرة للنفاذ، ليستل منه –في خلسةٍ وخفة- سلاحه الناري من جيب جلبابه، بينما صاح "غيث" مستنكرًا محاصرته إياه بهذا التضييق الخانق:
-باعد عني يا واد عمي، عجولك مَرتي عتروح مني، كيف أجف أستنظر إهنه من غير ما اعملوا حاجة إكده؟
هتف "وهبة" محاولًا كبح جماحه الذي انفلت:
-هنشوفلنا دخلة لجوا بطريجتنا، اديني شوية وَجت يا كبير!!
نفض قبضته المتشبثة به عنه بعصبيةٍ، وهدر بإصرارٍ لا يُرد:
-أني مش عصبر، أني يا جــاتل يا مجتــول!
واندفع نحو الأمام قاصدًا اختراق الصفوف مستغلًا قواه البدنية لإزاحة من يعيق تقدمه عن طريقه، ويده تفتش بتعجل واسترابة عن الســلاح المفقود في جيوبه.
اعترض طريقه أحد الضباط صائحًا بصرامة:
-اقف عندك، اللي بتعمله ده ما ينفعش.
ظل على صوته الجهوري الأشبه بالزئير محتجًا على إيقافه:
-أني مش عسيب مرتي جوا مع جتال الجتلة !!
بفطنةٍ وذكاء وسرعة بديهة استوعب الضابط أن من اختطفت وتُحتجز بالداخل هي زوجته مثلما ورد بالإشارة الأمنية قبل برهةٍ، فصمم على إيقافه قبل أن يتسبب في مصرعـها بتهوره قائلًا:
-اللي بتعمله ده مش هيفيدها، احنا هنتعامل يا حضرت.
ليرد عليه "غيث" بتهورٍ أصابه بالذهول:
-أني عخلص عليه بنفسي.
من فوره أصدر أمره الحاسم والحازم:
-خـــدوه من هنا!
صاح مستهجنًا قراره، واتجه ناحيته بعض الأفراد لإقصائه، فسادت حالة من الهرج والمرج، ورغم هذا بذلت قوات الشرطة كامل جهدها للسيطرة على الفوضى السائدة، وألقت القبض عليه أثناء تلاحمه معهم، فصال وجال لمنعه من الدخول، ليتم احتجازه بإحدى عربات الشرطة المصفحة وهو لا يصدق أنه بات عاجزًا حرفيًا عن إنقاذ زوجته الغالية وحبيبة قلبه.
............................................
انطلقت التشكيلات الأمنية لفرق التدخل الخاصة في تتابعٍ منظمٍ، لاقتحام منطقة التبَّة العالية، وفرض السيطرة الكاملة عليها من كل الموافق، وفق الأوامر الصادرة. كان الأمر أشبه بحــــرب شوارع ضارية، فالصفوف المتناحرة اتحدت معًا لمنعهم من التقدم، وتحولت المداهمة المنظمة إلى مواجهة مصيرية بين الجميع.
حُبست الأنفاس، وارتفع وتير التوتر، وتصاعدت أصوات دوي طلقات النـــيران المصحوبة بقنـــابل الغاز المسيلة للدمـــوع، بجانب صيحات الاستهجان من قبل العناصر الإجــرامية شديدة الخطورة والاستبســال والفـــداء من قِبل أفراد الشرطة، لتصبح النهاية محتومة في الأخير لصــالح القوات الأمنية.
.............................................
في تلك الأثناء، استغل "زهير" انشغـــال الغالبية بالتصدي للاقتحـــام الغاشم، وتسلل عائدًا إلى الداخل ليحتمي من الرصـــاص الغادر، جلَّ ما سيطر على تفكيره هو الذهاب إلى "دليلة"، واتخاذها رهينة، ليس لأنه واقعًا حتى النخـــاع في حبها، وإنما لجعلها درعًا بشريًا، يمكنه من المساومة على حياتها والنجاة ببدنه، ولا يهم إلى هلكت وتحول جسدها الفاني إلى أشــــلاء.
صــــرخت "دليلة" في ارتعابٍ عندما أبصرته متجهًا ناحيتها بكل ما فيه من شراســـة وعداء، حاولت الزحف للخلف على يديها ومرفقيها،، إلا أنه كان الأسرع في اللحاق بها، والإمساك بها، حيث انقض على عنقها، وأجبرها على النهوض بقوةٍ، ليلصق ظهرها بصدره، ويجعلها كدرع وقــايةٍ أمامه، بعدما تراجع بها نحو الحائط.
مال عليها ليُحادثها في أذنها بصوته الذي تكـــرهه، وهي تتلوى بجسدها محاولة الخلاص منه:
-مش قولتلك نهايتك هتكون معايا وعلى إيدي؟
انحبســت أنفاسها من ضغطه القــوي على مجرى تنفسها، ولكمت بقبضتها أصابعه الغليظة المحكمة حول رقبــتها، لترد بصعوبةٍ وبصوتٍ متحشرجٍ للغاية، وبالكاد كان مسموعًا:
-إنت شيـــطان، شـــيطان!
لف ذراعه الآخر حول ساعديها، ليشـــل حركتها ويقيدها، فصارت عاجزة تمامًا عن الهـــروب من بين أنيـــاب الوَحـــش، ثم أرخى أصابعه قليلًا عن عنقها، فراحت تشهق بقوةٍ محاولة التقاط أنفاسها، انتظر بها للحظاتٍ حتى هدأ الصخب بالخارج، وقتئذ تابع همسه اللئيم إليها:
-جـــه دورك، أو خليني أقول لحظة مــــوتك!
بكت "دليلة" بدمــوعٍ غزيرة، لم يكن بالممازح، ولا بمن يتلاعب بأعصابها، إنها النهاية الأكيدة!
أطبقت على جفنيها بقوةٍ على أمل ألا ترى تلك اللحظة المحفـــوفة بكل ما هو مؤلـــم، لتشعر به يدفعها عنوةً للأمام، ويجبرها على السير نحو الخارج، ســـألته في ذعرٍ وقد عاودت فتح عينيها:
-إنت بتعمل إيه؟
أبعد يده عن عنقها، وانحنى في خفةٍ ليلتقط قطعــة مهشمة من الزجـــاج، ألصق طرفها المدبب بجــلد ذقنها، وأخبرها باستمتاعٍ مريضٍ:
-هنخرج من هنا سوا، وإنتي وحظك بقى، يا تتقــتلي معايا، يا تمــوتي لواحدك!
رغمًا عنها، ولا إراديًا قاومت دفعه لها وهي تصيح رفضها اقتيادها نحو الهـــلاك:
-لأ!
استخدم قــوته العضــلية في سحبها معه مؤكدًا لها:
-معندكيش اختيار يا حــلوة!
علت شهقاتها الباكية خاصة عندما أصبحت تقف في الباحة، لتبصر مشهدًا غير عادي، لا يمكن أن تراه إلا خلف الشاشات الفضية، لجثث مضرجة في دمائها، مُلاقاة هنا وهناك. اتسعت عيناها في ذهولٍ، وراحت تهز رأسها هزاتٍ متتالية، محاولة إقناع نفسها أن ما تراه ليس حقيقيًا، حتمًا سيحتاج الأمر منها لفترة طويلة حتى تتمكن من تجاوز تأثيره القاسي على نفسها المرهفة.
استفاقت "دليلة" من لحظة شرودها في هذا المنظر المهيب المغلف برائحة المـــوت على صوت "زهير" الصادح، والذي يهدد بفجـــــورٍ:
-اقسم بالله هقتلها لو ماتحركتوش!
خرج صوتها ضعيفًا مستنجدًا، وإن لم تكن واثقة بعد من حدوث ذلك:
-الحقــوني!
تدخل أحد الضباط المنوطين بتولي عملية الاقتحـــام، وهتف محذرًا بصــرامةٍ:
-سلم نفسك يا "زهير"، اللي بتعمله ده مالوش لازمة، إنت نهايتك اتكتبت خلاص.
ليرد عليه ساخرًا، وبابتسامةٍ مستخفة، والطرف المدبب ينغرز في ذقــن "دليلة"، لتتأوه من الألم:
-مش إنت اللي هتقولي يا باشا، أنا لسه قدامي كتير...
استمر في ضغطه فحز الطــرف جلدها وقطعه لتنساب منه الدماء وصوته المحذر لا يزال يتكلم:
-ولو مخرجتش من هنا حالًا، الحلوة دي هتحصل اللي سبقها.
صاحت "دليلة" في هيستريةٍ باكية:
-مش عايزة أمـــوت، مش عايزة أمـــــــوت!
زئر الضابط بصوته المرتفع وهو يشير بيده:
-اهدى، بلاش تتهور! هي مالهاش ذنب!
اشتدت قبضة "زهير" المقيدة لساعدي "دليلة"، وألصق صدغه بجانب وجهها مدمدمًا بمرارةٍ:
-دي هي سبب نكبتي!
......................................
من نقطة ارتكازٍ تكاد تكون مرئية لمن يقف بالأسفل، ضغط أحدهم، وهو يرتدي زيه العســكري الأسود، على سماعة الأذن التي بحوزته، مرددًا بصوتٍ جاد، يخلو من الحياة، وهو منبطحٍ على صدره، وإصبع يده الأخرى مثبت على الزناد الخاص ببندقية القنــص:
-الهدف في مرمى بصري يا فندم، أخــلص عليه؟
أتاه صوتًا رسميًا من الطرف الآخر ينذره:
-فيه معاه رهينة، خد بالك.
بنبرة واثقة للغاية أخبره:
-اطمن يا فندم، بعون الله قادر أصيبه من أول مرة.
ليصدر التفويض إليه بحسم الأمور:
-توكل على الله.
آنئذ أنهى تواصله معه، وعاود التمركز في موضعه، ليصب جام تركيزه على "زهير"، بقي متيقظًا وساكنًا للحظاتٍ، يدرس كل حركة وإيماءة تصدر عنه بعنايةٍ، متحينًا اللحظة الحاسمة لإنهــاء حياته. مرت الثواني ثقيلة، إلا أنها لم تكن بمثل ثقل إصابة الرهينة بغير قصــد مع التصاق العنصر الإجرامي بها، وعندما تراجع عنها لمسافة لا تتجاوز إصبع اليد، ضغط القـــناص المحترف على الزنــاد بلا ترددٍ، فشــقت الطلقة طريقها إلى مستقرها الأخير في رأسه، ليترنح "زهير" ويرتد للخلف قبل أن يسقط أرضــًا، وأجزاءٍ منها قد تطايرت في الهواء.
فيما تجمدت "دليلة" في مكانها، والأمر يفوق قدرتها على الاستيعاب، لقد تحررت من "زهير" فجـأة بعد سماعها لهذا الصوت المفزع للقــلوب؛ لكن ماذا عنه؟ أين هو؟ لماذا لم تعد رهينة لديه؟ سيلٌ من الأسئلة المتلاحقة والحيرى تزاحمت في رأسها، ومع ذلك لم تجرؤ على النظر ورائها لتجد الإجابة الفاصلة لما يربكها، فقط شعرت أن الخطر الذي كان يداهمها قبل ثوانٍ معدودة اضمحل بالتدريج، وأصبحت محاصرة من قبل رجال الشرطة الذين قاموا بإبعادها عن المكان وهي شبه مغيبة، تحوم سحابة من الضباب حول كامل مداركها، لتسقط مغشيًا عليها وهي لا تصدق أن تلك المطاردة المخيفة انتهت وللأبد، في المكان الذي بدأت فيه معاناتها.
.................................................
كالأسد الحبيس في قفصٍ محكم الأقفال، راح "غيث" يضرب بقبضتيه على البدن المعدني وهو يزأر ويزمجر محتجًا على حبسه قســـرًا داخل عربة الشرطة المصفحة، احتنق وجهه بالغضب الشديد، وانتفخت عروقه من فرط الصراخ المنادي بتحريره:
-طلعوني من إهنه!
حادثه الضابط المكلف بمراقبته من خارج العربة:
-اللي بتعمله ده مامنوش فايدة، طالما الباشا مقالش تطلع، هتفضل كده محبوس.
رد عليه بعنادٍ، وقد هوى مجددًا بيده المتكورة على البدن المعدني كأنما يريد تحطيمه:
-مَرَتي جوه، رايدني أفوتها لولد الحـــرام ده يجـــتلها؟ جالولك عني إني مش راجل إياك؟
تعامل الضابط معه بضبط نفس، وتحدث إليه في هدوءٍ محاولًا توضيح مدى خطورة الوضع:
-أنا مقدر موقفك، بس مش هنقدر نجازف ونورطك في الاشتباك ده!
إلا أن "غيث" سد أذنيه عن أي شيء سوى ما يتحرَّق غضبًا لفعله، فاستمر على صراخه:
-عجولك واد الحـــرام دِه عيجتلها؟
أولاه الضابط ظهره متطلعًا إلى الحشد الذي ازداد تجمهرًا، ليوحي بتطور الأوضــاع، وردد بحذرٍ:
-إن شاء الله هتخرج من هنا سليمة.
برزت في عيني "غيث" المزيد من موجات الغضب، وصرخ مستنكرًا:
-عجول تور يجولوا إحلبوه.
علا صوت الصخب، فتحرك الضابط هاتفًا في عجالةٍ:
-شكل في جديد، هعرف وأطمنك.
هدر في جنونٍ، وهو يضرب كفه بالآخر:
-بــــاه يا بوي، بجى أخرتها انحبس وأولول كيف الحريم إكده؟!!
وقف الضابط أمام أحد رفاقه يستعلم منه عما جرى، ليأتيه بالبشارة السارة:
-الحمدلله العملية تمت بنجاح، وقضينا على المجرم.
ربت على كتفه في سرورٍ مادحًا الجهد غير العادي للتعامل مع الأزمة الطارئة:
-عاش يا رجالة، أدها وأدود...
ثم تبدلت نبرته لشيءٍ من القلق وهو يتساءل مستفسرًا:
-والست اللي كانت رهينة؟ حصلها إيه؟
أجابه بعد تنهيدة مرهقة:
-الحمد لله طلعت منها على خير، بس زي ما إنت فاهم ماستحملتش الوضع، وأغمى عليها.
سأله في تشككٍ:
-اتصابت؟
هز رأسه بالنفي وهو يجيبه:
-لأ، هي كويسة.
تنفس الصعداء، وقال مشيرًا بيده:
-طيب هروح أطمن جوزها، لأحسن ده صعب أوي.
علق عليه رفيقه مبتسمًا رغم أمارات التعب البادية على وجهه:
-حقه طبعًا، أي حد غيره كان اتصرف كده، وخصوصًا لو بيغير على مراته وبيحبها.
هرع الضابط عائدًا إلى "غيث" الذي سأله كالغريق المتعلق بقشةٍ:
-مَرَتي كيفها؟
تبسَّم قليلًا وهو يخبره:
-ربنا نجاها، قول الحمد لله.
تحررت زفرة راحة كبيرة من رئتيه وهو يردد بعينين التمعتا بالدموع الخفيفة:
-ألف حمد وشكر ليك يا رب، يا ما إنت كريم يا رب...
سرعان ما أحكم "غيث" السيطرة على مشاعر الفرحة الطاغية، ليخفيها وراء جديته وعناده طالبًا منه:
-طلعني من إهنه.
أخبره في رسميةٍ:
-لما سيادة الباشا يؤمرني بده.
بالكاد منع نفسه من اللعن، وتساءل في تحفزٍ:
-وابن الـ........ اللي كان ماسكها؟ جبضتوا عليه؟
جاء جوابه مقتضبًا وقاطعًا:
-اتصــفى!
نظر له بتحيرٍ، فأوضح له مقصده، ليعقب بوجهٍ قاسٍ في تعبيراته:
-الجدر رحمه مني وخــده، بس حسابه عند اللي خلقه مخلصش عاد.
...............................................
بخفي حنين، عاد الاثنان إلى المنزل وهما في قمة النقم والسخط، يجرجران أذيال الخيبة والحظ التعس ورائهما، فما تم التخطيط له بعنايةٍ لم يجرِ على ما يرام، وتكبد كلاهما الخسائر المادية الفادحة. انتزع "راغب" رابطة عنقه ليلقيها أرضًا وهو يسب بكلماتٍ نابية، ومن ورائه والدته تلملم ما يقذف به في عصبيةٍ، لتسمعه يشتكي في تذمرٍ حاقد:
-بقى بعد الألوف اللي اتصرفت دي كلها في العزا ما يجيش حد!!!
أشفقت عليه، ونظرت إليه بتعاطفٍ، ليواصل صراخه اللائم:
-ده أنا صرفت شقى عمري كله، إيه كنت لاقي فلوسي في الشارع؟
أقبلت عليه، ووضعت يدها على طرف ذقنه، لتمسح عليها بحنوٍ وهي تقول بلطافةٍ:
-معلش يا حبيبي، بكرة لما يطلع إعلان الوراثة وتبقى من أصحاب الملايين هتلاقيهم بيجروا وراك.
كز على أسنانه مرددًا في غيظٍ:
-ده اللي مصبرني، إني أحط إيدي على ثروة حمايا المجحوم!
ساعدته "نجاح" على خلع قميصه، وأضافت:
-ارتاح يا ابني عقبال ما أحضرلك حاجة تاكلها.
نفخ في صوتٍ مسموعٍ، وهمهم بغير رضا:
-ومين ليه نفس؟!
قالت باهتمامٍ:
-مش أحسن ما تقع من طولك، مافيش حاجة تستاهل زعلك.
رمقها بنظرة حادة قبل أن يندفع تجاه غرفته متجاوزًا والده الذي كان يتابع حوارهما بشيءٍ من الشماتة، ليتكلم أخيرًا:
-مش قولتلكم، إيه اللي بتحلموا بيه ده عمره ما هيحصل.
هاجمته "نجاح" لفظيًا وهي تسدد له تلك النظرة النارية:
-طول ما إنت نابرلنا كده في الحاجة، عمرنا ما هنشوف طيب...
ثم لكزته في كتفه صائحة بضيقٍ:
-وسع من سكتي خليني أجهز لابني الأكل.
تنحى جانبًا، وأشار لها بيده لتمضي قدمًا وهو يقول باسمًا:
-اتفضلي.
غمغمت وهي تمر بجواره:
-راجل مستفـــز!
...............................................
استدعت حالة جسدها المتصلب مع تعذر المسعف لإفاقتها لنقلها إلى المشفى لتلقي العناية الطبية اللازمة، وخلال ذلك غرقت "دليلة" في دوامة من الكوابيس الممتدة والمصحوبة بصراخٍ مذعور، حيث كانت روحها الهشة لا تزال عالقة في تفاصيل المواجهة الـــدامــية مع "زهير"، تُعايشها بكامل جوارحها وكأنها متجسدة بصورةٍ حية، فثمة شيء بداخلها يخبرها بأنه لن يكف عن مطاردتها حتى في أقصى أحلامها.
ما لبث أن انتشلها ذلك الصوت الرجولي المألوف والباعث على إحساس الأمان المفقود من ضلالاتها الغاشمة، لتشهق عاليًا وكأن الحياة قد انبعث في جسدها الهالك مرة ثانية.
تلاحقت أنفاسها بسرعةٍ، وانقبضت أناملها بقوةٍ على الكف الذي يحتضن راحتها، فيما راحت عيناها تدوران باضطرابٍ في الأوجه المبهمة المتطلعة إليها، وكأنها عاجزة عن تحديد هوية أصحابها، عندما ناداها بصوته الدافئ الرخيم استحثها على الاستدارة برأسها ناحيته وهي ترمش بأهداب جفنيها:
-"دليـــلة".
حملقت فيه بعينين متسعتين، زائغتين، لا تبصران سوى ملامحٍ مشوشة لتفاصيل وجهه، ليكرر عليها ندائه الذي أيقظ مداركها:
-أني جارك يا "دليلة".
بدأت الرؤية تتضح، إنه زوجها، وليس ذلك اللعين الذي أذاقها ألوان الرعــب معه، انسابت دموعها فجــأة، وارتعشت شفتاها وهي تهمس باسمه:
-"غيث".
هتف غير مصدقٍ أنها تمكنت من التجاوب معه:
-جلب "غيث".
ظلت تبكي وهي تحاول الكلام لتشرح ما خاضته:
-أنا....
قاطعها قائلًا وهو يمد يده ليمسد على رأسها بحنوٍ:
-ما تجوليش حاجة، أني إهنه معاكي.
انتبهت "دليلة" لصوت والدتها التي كانت تقف عند الجانب الآخر من الفراش مخاطبة إياها بلهفةٍ ممزوجة بدموع الفرحة:
-بنتي حبيبتي، حمد لله على سلامتك.
التفتت ناحيتها وهمست:
-ماما.
فيما استطردت عمتها تقول بدمعٍ فرح:
-بركة إنك بخير يا ضنايا ورجعتي لينا بالسلامة.
اكتفت بالابتسام الممتن لها، بينما تكلمت شقيقتها الكبرى مرددة في امتنانٍ شاكر:
-الحمد لله إن ربنا نجاكي.
نطقت باسمها في نفس النبرة الواهنة، وكأنها تتأكد من وجود كل من يهمها شأنه حقًا حولها:
-"إيمان".
ربتت شقيقتها على جانب ذراعها في رفقٍ، لتتحدث "دليلة" بضعفٍ، ونبرة متقطعة:
-أنا مش فاكرة اللي حصل، هو كان هيموتني وآ....
صاح "غيث" في شيءٍ من الانفعال:
-الله يحــــرجه مطرح ما راح، هو خلاص غــار في داهية.
تحولت "دليلة" بعينيها تجاهه، لتتطلع إليه بصدمةٍ، فيما أكدت عليها "إيمان" بجديةٍ:
-المرادي مــات فعلًا يا "دليلة"، وإنتي بقيتي في أمان.
أغمضت "دليلة" عينيها، وانخـــرطت في نوبة بكاءٍ عنيفة وهي تردد بشهقاتٍ متتالية:
-الحمد لله يا رب، الحمد لله.
ربما لم تغالب تمامًا مشاعرها المرتعبة، أو تتجاوز ما عايشته؛ لكنها لم تعد مهددة من قِبله، فقد انتهى عهد الخوف وانقضى.
لحظتها انحنى عليها "غيث" ليحتضنها ويهدئ من روعها وهو يهمس في أذنها معتذرًا، كما لو كان شعوره بالذنب ما زال يلاحقه لتقصيره في الزود عنها:
-حجك علي يا غالية، أني مش هسمح لحاجة تانية تمسك واصل.
تنحنح "عادل" بصوتٍ مرتفع وخشن قليلًا ليشير إلى وجوده، وقال في جديةٍ:
-حمد لله على سلامتك يا آنسة "دليلة"، كمان شوية النيابة هتيجي تاخد أقوالك.
إجبارها على استعادة تفاصيل تلك التجربة الأليمة لم يكن بالأمر الهين الذي يسهل التعامل معه بيسرٍ، سرعان ما اشتدت انقباضة يدها على كف "غيث"، كما ارتجفت أطرافها وهي تهسهس في خوفٍ:
-لأ، مش عايزة أفتكر اللي حصل، مش عايزة.
شعر "غيث" بحالة الهلع التي انتابتها، وقال مطمئنًا إياها:
-متخافيش، وِلد المحـــروج ده معدتش عيجدر يجربلك.
تساءلت "إيمان" في شيءٍ من الرجاء:
-هو ماينفعش نأجل موضوع النيابة ده شوية لحد ما تهدى؟ إنت شايف حالتها عاملة إزاي!
فرك "عادل" جبينه، وقال بعد زفرة سريعة:
-أنا هتكلم مع وكيل النيابة، وإن شاء الله يقدر الظرف اللي بتمر بيه.
هذه المرة تكلمت "عيشة" لتشكره:
-كتر خيرك يا ابني طول الوقت شاغلينك بهمومنا.
قال مستعتبًا وضع التكليف بينهما:
-ما تقوليش كده، احنا عيلة واحدة.
ردت بابتسامةٍ مهزوزة:
-تسلم يا رب.
تحسس "غيث" الضمادة الطبية الموضوعة على ذقن زوجته، وأحس بغصةٍ تحز في قلبه، فقال بلهجةٍ من يقرر لا من يخير:
-وجت ما تجومي بالسلامة، عاخدك ونرجعوا الجصــر، مالكيش جعاد إهنه.
وكأن أصداء ما قرره لم يصل إليها، فظلت تردد بغير وعيٍ:
-أنا خايفة.
أكد لها برفقٍ وهو يشملها بنظرته العطوفة:
-متخافيش، أني عكون إمعاكي.
.....................................................
لولا أنها كانت مستلقية بداخل المغطس، لما استطاعت الوقوف طوال هذه المدة الطويلة وقد أصاب ساقيها الخدر. أرادت "دليلة" أن تمحو عن جسدها كل لمسة تطاول بها "زهير" عليها، لم تكف عن فرك أطرافها بليفة الاستحمام، وتلك الصور الغادرة من مشاهد هجومه عليها تتسلل إلى ذاكرتها، لتصيبها بالمزيد من التقزز والاشمئزاز.
ظلت تدعك وتفرك حتى أنهكت يدها، وعجزت عن المواصلة، فيما تركت العنان لعبراتها فتدفقت واختلطت بالمياه المنهمرة على جلدها، كم ودت لو عادت بالزمن إلى الوراء وحذفت تلك الفترة الكئيبة المحملة بالمآسي من حياتها! ربما لاستطاعت أن تحيا بصورة طبيعية.
من ناحية أخرى، استطالت "عيشة" مدة بقاء ابنتها بالداخل، وأصابتها دفقة من مشاعر القلق، خشيت أن يكون أصابها مكروه ما، خاصة مع تطورات الأزمة الأخيرة، لذا طرقت على الباب منادية في نبرة شبه متوجسة:
-"دليلة"! إنتي كويسة يا بنتي؟
لم يأتها أدنى رد منها، فانتظرت للحظةٍ، ودقت عليه مجددًا وهي تسألها بقلبٍ يخفق بتوترٍ رغم جهدها لجعل نبرتها تبدو هادئة:
-"دليلة"، سمعاني يا حبيبتي؟
ألصقت أذنها بالباب، فسمعت نبرتها المرتجفة تخبرها:
-أيوه .. يا ماما.
غمرها القليل من شعور الارتياح لكونها بخير، وسألتها في اهتمامٍ أمومي:
-عايزة مساعدة يا حبيبتي؟
ردت "دليلة" بصوتها المرتعش:
-لأ، شكرًا.
ألحت عليها بتصميمٍ، وهواجسها القلقة ما تزال تراودها:
-ما تتكسفيش مني، أنا أمك يا ضنايا.
إلا أن ابنتها تمسكت برفضها:
-أنا كويسة.
أمام عنادها استسلمت قائلة:
-طيب أنا واقفة مستنياكي برا، نادي عليا لو احتجتي حاجة.
أوجزت في تعقيبها قبل أن تفرغ المغطس من المياه المتجمعة فيه:
-طيب.
احتاجت لكل قواها لتتمكن من النهوض، ثم سحبت المنشفة وجففت به جسدها المبتل، قبل أن تحاول ارتداء عباءتها المنزلية الفضفاضة وهي تنظر إلى انعكاس وجهها الباهت في المرآة المشبعة ببخار الماء.
كانت كمن ينظر إلى شبحها، شخص آخر مثقل بالأحزان غير الذي عاهدته، أحست بوهنٍ عارم يزحف إليها خاصة وهي تحاول لف شعرها المبتل بالمنشفة الأخرى، ما إن فرغت من تلك المهمة التي اعتبرتها شاقة حتى استندت بيدها على حافة الحوض، وسارت ببطءٍ نحو الباب محاولة ألا تزل قدماها على الأرضية المبتلة.
فتحت "دليلة" الباب فوجدت والدتها تنتظرها وتفتح لها ذراعيها، كأنما تدعوها لنيل ضمة حنان في حضنها، لم ترفض الدعوة، وارتمت على صدرها تبكي، والأخيرة تهون عليها بتحنانٍ وعطف:
-كله بيعدي يا بنتي.
أجهشت "دليلة" بالبكاء هاتفة في ألمٍ:
-أنا تعبانة أوي يا ماما.
سألتها في قلقٍ وهي تمسك بها من منبتي كتفيها لتتفقدها:
-إيه اللي تعبك يا حبيبتي؟ قوليلي أكلملك الدكتور؟
وضعت "دليلة" يدها على صدرها قائلة:
-لأ، قلبي موجوع، وآ...
لحظتها خرج إليها "غيث" متسائلًا في التياعٍ، وهو يفحصها بنظرته الدقيقة:
-كيف جلبك يكون موجوع وأني إهنه؟
نظرت إليه بعينيها الغارقتين في الدموع، فشعرت بيده تمسك بكفها، فخفضت بصرها نحو أصابعه، ثم عاودت التحديق إليه حين خاطبها:
-أني موجود عشانك.
استجمعت جأشها واستلت يدها من بين أصابعه لتقول في تعاسةٍ مترسخة في أعماقها:
-أنا مابقتش أنفع حد، لا إنت ولا غيرك.
حملق فيها مدهوشًا، فيما حررت "دليلة" ما يجثم على صدرها ولم تقاوم انهمار دموعها وهي تتابع بألمٍ ومرارة:
-طول الوقت هفتكر اللي حصل معايا، وإنت صعب تنسى إن في حد خطف مراتك، وجايز يكون آ...
قاطعها بلهجته القوية الحاسمة:
-ما تكمليش، جسمًا عظمًا لو كنتي في بطن الجبل كنت عجي وراكي!
كفكفت دمعها بظهر يدها، فأضاف "غيث" في عبوسٍ:
-محدش جالك إن الحكومة قبضت علي بعد ما طحت فيهم لأجل ما أجيبك من جوا؟
هزت رأسها نافية، ليكمل بشيءٍ من الغضب المكبوت:
-و"وهبة" ماخبرش كيف غفلني وخد مني الطبنجة، وإلا ساعتها كنت جبت خبر واد المحــروج دِه بنفسي!
تنفست بعمقٍ لتوقف نوبة البكاء المسيطرة عليها، وخاطبته بلغة العقل والمنطق عله يصغي لما يؤرقها:
-يا "غيث" إنتم ليكم عوايدكم وتقاليدكم، فكرك محدش هيعرف باللي حصلي؟ وساعتها هتعاير بيك، وهبقى بلوى فوق دماغك.
رد عليها بعنادٍ يفوقها أضعافًا:
-جطع لسان أيتها حد يجول عنك كلمة عِفشة، إنتي مَرَت الكبير، ومجامك من مجامه، أوعي تفكري بالهلفطة اللي عتتحدتي بيها دي إني عَفُوتك ولا أَبعد عنك، إنتي مَرَتي، سمعاني؟ مَرتي لحد ما ربنا ياخدني.
لم تجد ما تعلق به عليه، فأمسك بها من كتفها برفقٍ مؤكدًا لها:
-وأني عمري ما عفرط فيكي حتى لو مش ريداني، هفضل إكده مستنظرك لحد ما ترضي عني.
كانت على وشك الاعتراض عليه إلا أنه أسكتها هاتفًا:
-وبكفيانا حديت ماسخ عاد، إنتي محتاجة ترتاحي.
بلغ الإرهــاق مبلغه منها، وباتت بحاجة ماسة للراحة، لذا لم تجادله في هذه النقطة، لتقوم والدتها بإحاطتها من كتفيها وهي تستحثها على السير معها:
-تعالي يا بنتي نامي في حضني.
لكنها قبل أن تمضي في طريقها، مال عليها "غيث" هامسًا بتلك النبرة الدافئة التي تسربت كالمخدر تحت جلدها، وأشعرتها بالانتماء إلى أحدهم وبقوةٍ:
-عفوتك تنامي مع أمك اليمين دول، بس بعد إكده راحتك في حضني ............................................. !!!
.......................................................
