رواية طيور تهوي الخداع الفصل الثامن 8 بقلم فاطمة عبد المنعم
رواية طيور تهوي الخداع الفصل الثامن 8 هى رواية من كتابة فاطمة عبد المنعم رواية طيور تهوي الخداع الفصل الثامن 8 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية طيور تهوي الخداع الفصل الثامن 8 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية طيور تهوي الخداع الفصل الثامن 8
رواية طيور تهوي الخداع الفصل الثامن 8
________________________________________
أحيانًا يصعب علينا تصديق أفعال من حولنا، خاصة حين يكونون أقرب الناس إلينا، وهذا ما تيقن منه "بلال" في تلك الليلة حين استيقظ من نومه على غير عادته، ليجد والده واقفًا عند فراشه في ساعة متأخرة من الليل.
استغرب وجوده وسأله، بعدما اعتدل في نومته:
في حاجه يا بابا؟
رد "طارق" الذي جلس على الأريكة المجاورة لفراش ابنه:
مخنوق شوية يا "بلال" واتلككت أدخل أوضتك بصراحه علشان تصحى وأتكلم معاك.
تطلع إليه "بلال" باهتمام حقيقي وسأله:
مالك؟
أجابه "طارق" وهو يحاول أن يخفي ما بداخله:
يعني مشاكل في الشغل
ثم اقترح عليه:
تيجي ننزل نلف شوية بالعربية؟
نظر "بلال" إلى الساعه المعلقة على الحائط، ثم عاد بنظره إليه وسأل بدهشة:
دلوقتي؟
_ لو مش حابب بلاش.
خرجت الجملة من "طارق" بنبرة شابها الحزن، فشعر "بلال" أنه لا يستطيع الرفض، وقال:
لا عادي هقوم أغير هدومي وننزل.
ترك فراشه بالفعل، فأخبره "طارق" أنه سينتظره في الصالة، وقبل أن يخرج أكد عليه "بلال":
بس نرجع علطول يا بابا علشان ماما متقلقش.
أومأ "طارق" موافقًا، ثم غادر الغرفة وانتظره في الصالة.
لم يخرج له "بلال" إلا بعدما قطع ورقة من دفتره وكتب عليها لأمه أنه نزل مع أبيه إلى الأسفل وسيعود سريعًا حتى لا تقلق، ثم ثبتها على دولابه.
بعد دقائق خرج إلى الصالة فوجد والده في انتظاره، وما إن رآه "طارق" حتى نهض وأخذه معه دون أن يضيع ثانية أخرى.
ركبا السيارة وانطلقا، لكن شيئًا ما ظل يثير القلق داخل "بلال"، كانت نظرات والده شاردة، ووجهه خاليًا من أي تعبير، وكأن ذهنه في مكان آخر تمامًا.
ظل يراقبه للحظات قبل أن يسأله من جديد:
مالك يا بابا؟
ثم تردد قليلا قبل أن يستفسر بقلق:
هو أنت وماما اتخانقتوا؟
أسرع "طارق" بالنفي، وارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة لم تستطع إخفاء الألم الذي خلّفته محادثته الأخيرة معها:
لا متقلقش مفيش حاجه.
ثم أضاف بسخرية مريرة:
أنا وماما بطلنا الموضوع ده من زمان.
شعر "بلال" بالأسى في نبرة والده، فاكتفى بأن ربت على كتفه وتنهد دون أن يجد ما يقوله.
لكن السؤال التالي الذي خرج من فم أبيه كان آخر شيء توقع سماعه:
لو أنا وماما انفصلنا يا "بلال" تحب تقعد مع مين؟
ظهر الضيق على ملامح "بلال" مما يسمعه، إلا أن "طارق" لم يتراجع، وأضاف:
أنت كبير دلوقتي كفاية علشان تجاوب على السؤال ده.
كان "بلال" قد حسم أمره منذ وقت طويل، لذلك أجاب دون تردد:
أنا مقدرش أسيب ماما.
_ وتسيبني أنا عادي؟
سأله "طارق"، وقد ظهر الخذلان في عينيه، ولم يتوقع أن تأتيه الإجابة من ابنه بهذا القدر من القسوة:
مش هينفع أحنا الاتنين نسيب ماما.
اشتدت العزيمة في عيني "بلال" وهو يستدير لمواجهة نظرات والده، قبل أن يذكّره بما قاله له منذ سنوات:
ده كلامك.
ثم أعاد عليه ما سمعه منه قديمًا:
قولتلي إني كبير في نظرك علشان بهتم بيها، وقولتلي إنك عايزني علطول أفضل كده.
شعر "طارق" أنه لم يعد قادرًا على مواصلة القيادة، فأوقف السيارة إلى جانب الطريق. وبمجرد أن توقفت تلاشى ثباته وهو يسمع ابنه يكمل:
أنا فاكر كويس أوي يا بابا إن حضرتك قولتلي يومها أوعى تسيبها أبدًا.
تنهد "بلال" قبل أن يضيف:
هي محتاجاني، مينفعش أنا كمان أسيبها وأبعد عنها.
سأله "طارق" بانفعال:
وأنا إمتى سيبتها ولا بعدت عنها؟
وبهدوء تام يناقض ثورته، أجابه "بلال" وهو يحدق أمامه:
سيبتها يوم ما دخلت "سهر" حياتنا.
_ مين اللي قالك كده؟
سأله "طارق"، وفهم "بلال" من سؤاله أنه يتهم والدته، فبادر بالدفاع عنها:
محدش قالي حاجة، زي ما حضرتك قولت من شوية، أنا بقيت كبير كفاية علشان يبقى ليا رأي في أي موضوع.
مدّ "طارق" يده وأمسك بذراع ابنه، مجبرًا إياه على النظر إليه، ثم سأله بحدة لم يستطع إخفاءها:
يعني أنت راضي باللي أمك بتعمله؟
لم يجبه "بلال"، فازداد غضب "طارق"، وأردف مستنكرًا:
أنا بالنسبالك سيبتها علشان أتجوزت، وهي بالنسبالك مش غلطانة؟
لم يكن "بلال" يريد هذا النقاش من الأساس، لكنه وجد نفسه عالقًا فيه، لا يملك إلا أن يستمع إلى أبيه وهو يدافع عن نفسه:
جوازي من سهر لا عيب ولا حرام، العيب والحرام هو إنك تقف ضد أبوك وأنت شايفه بقاله سنين بيحاول يرضي أمك وهي مبترضاش، وجاي في الآخر تقوله أنت سيبتها.
لم يجد "طارق" في عيني ابنه ما كان يبحث عنه؛ لم يجد تبريرًا ولا حتى تفهّمًا، فقط نظرة مرتبكة اختلط فيها الغضب بالدهشة.
فقال له، وكأنه قرر أن يضع الحقيقة كاملة أمامه:
"نوارة" هي اللي مش عايزة تكمل، عايزة تبعد رغم إني طلقت "سهر" علشانها.
اتسعت عينا "بلال" في صدمة، هل انفصل عنها فعلًا؟
لكن "طارق" لم يمنحه وقتًا طويلًا ليستوعب المفاجأة، وسأله:
مين دلوقتي اللي بيسيب التاني يا "بلال"؟ اللي بقاله سنين بيكفّر عن حاجة مغلطش أصلًا إنه عملها، وذنبه الوحيد بس إنها كانت في السر، ولا اللي رافض أي مجال للصلح وعايز ينهي كل حاجة؟
ظل "بلال" صامتًا لحظات، وكأن السؤال أكبر من أن يملك له إجابة، وحين طال انتظار والده، أجابه بابتسامة باهتة لم تخفِ ما أثقل قلبه:
معرفش يا بابا، كل اللي أعرفه إن بيتنا كان كويس أوي قبل ما كل ده يحصل.
كانت جملة بسيطة، لكنها وقعت على "طارق" كأنها حمّلته وحده كل ما آل إليه بيتهم.
وقبل أن يقول شيئًا، تابع "بلال" بصوت أكثر هدوءًا:
ومش هقدر ألوم ماما إنها بتختار تبعد، لإن السنين اللي حضرتك كنت بتحاول تكفّر فيها عن حاجة شايف إنك مغلطتش لما عملتها، أنا كنت كل يوم بشوف ماما وهي بتتعذب بسبب نفس الحاجة دي.
رفع "بلال" يده إلى وجهه ومسحه بتعب، ثم أخذ نفسًا طويلًا قبل أن يكمل:
مش هقدر ألومها إنها مقدرتش تسامح، زي ما بعمل بالظبط بقالي سنين، ومش بلومك في كل مرة بحس فيها إن بيتنا مبقاش هو بيتنا، وإن حياتنا مبقتش هي حياتنا.
حاول أن يتمالك نفسه، لكن صوته خانَه قليلًا، واضطر إلى ابتلاع غصة قبل أن يخبر والده:
حضرتك حر تتجوز، وماما حرة إنها متسامحش، وأنا كده كده هفضل ابنكم، يعني مهما كان اللي هتختاروه... أنا هفضل ابنكم.
ثم نظر لوالده وأكد، وكأنه يحسم الأمر بالنسبة إليه:
بس مهما كان اللي هيحصل، أنا مش هسيب ماما.
كانت تلك الكلمات هي أكثر ما آلم "طارق".
ابنه، الذي اعتاد أن يرى في عينيه أثناء طفولته فخرًا به، يخبره الآن أنه يختار أمه بنظرات خالية من أي شيء.
امتلأت عينا "طارق" بالدموع، وابتلع غصة مريرة استقرت في حلقه، ثم قال بصوت حاول أن يجعله ثابتًا:
وأنا مش هلومك على اختيارك، بس أنا متأكد إنك لما تكبر هتفهم وتقدّر، وهتعرف إن أبوك الموت كان أهون عنده من إنه يشوف في عينك إنك ممكن تسيبه عادي، بس متسيبش أمك.
_ أنا مقولتش كده.
دافع "بلال" عن نفسه سريعًا، لكن "طارق" قاطعه قبل أن يكمل:
وأنا مش هستناك تقولها، ومش هسمح بيها مهما حصل، أنت وأمك أحرار تشوفوني غلطان، وأنا حر في اللي جاي طالما مهما عملت نظرتكم دي مش هتتغير.
لم ينتظر ردًا.
أعاد عينيه إلى الطريق، وأمسك بمقود السيارة من جديد، محاولًا أن يهرب إلى القيادة من الكلمات التي لم يعد قادرًا على سماع المزيد منها.
ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن يقول "طارق" دون أن ينظر إلى ابنه:
إحنا مش راجعين البيت. هنسافر إسكندرية كام يوم.
_ ومامـ...
توقفت الكلمة على لسان "بلال" حين حسم والده الأمر قبل أن يكمل:
أنا سايب لها خبر.
ثم أضاف بسخرية موجعة:
ولما نوصل عايز تكلمها، كلمها.
صمت بعدها، ولم يضف حرفًا آخر، ترك نفسه للطريق، محاولًا أن يشغل يديه وعينيه بأي شيء بعيد عن أفكاره، بينما ظل "بلال" ينظر إليه للحظات، عاجزًا عن إيجاد شيء يقوله.
وأخيرًا أغمض عينيه بتعب، تاركًا والده وحيدًا في مواجهة المعركة داخل رأسه، معركته مع كل كلمة قالها ابنه وكل معنى حملته نظراته.
_________________________________________
لم تصدق "نوارة" أن "طارق" أخذ ابنها ليلًا دون علمها، خصوصًا بعد وعده الأخير لها بالانفصال، هوى فؤادها حين استيقظت ورأت فراش "بلال" خاليًا، ولم تجد سوى ورقة صغيرة فوق خزانته يخبرها فيها بأنه نزل مع أبيه وسيعود سريعًا، لكن الساعات مرت دون أن يعود.
وحين اتصلت بعمل زوجها وعرفت أنه لم يذهب إليه، وأنه أخذ إجازة، ثم دخلت غرفته فرأت أغلب ملابسه قد اختفت، أدركت ما حدث، لقد نجح أخيرًا فيما عجز عن فعله قبل سنوات... أخذ منها ابنها.
كانت تبكي بلا انقطاع، بينما تطالعها "إيمان" بقلق، وحاولت طمأنتها:
متخافيش يا ماما، عمو "طارق" ممكن يكون بيتفسح هو و"بلال" وهيرجعوا علطول.
مسحت "نوارة" وجهها بتعب، ثم اتكأت على عكازيها ونهضت، وفي اللحظة نفسها خرجت "أميرة" من المطبخ تحمل لها كوبًا من الليمون.
_ أنا هنزل أدور عليه.
قالتها "نوارة" بإصرار، فردت عليها "أميرة" بحزن:
رايحة فين بس يا "نوارة"؟ وهتدوري عليه فين؟
وأعادتها إلى مقعدها برفق وهي تمسك بذراعها:
استهدي بالله واقعدي، وبعدين مش أنتِ اتصلتي بعمه وقال هيرجعه؟
ردت أختها بانفعال، والدموع لا تزال عالقة بعينيها:
وأنا مش هستنى "شهاب" وأقعد مكاني، هروح أعمله محضر.
_ يا حبيبتي والله سألت الظابط وقالي مفيش حاجة اسمها محضر علشان واحد خرج بابنه، وخصوصًا يا "نوارة" إنه لسه جوزك.
حاولت أن تجعلها ترى الأمر من زاوية أكثر هدوءًا، ثم تابعت: هتقوليله إيه؟ جوزي خد ابنه وخرج من امبارح ومرجعش؟
دارت الفكرة في رأس "نوارة" للحظات، ثم قالت وكأنها وجدت أخيرًا ما يمكنها فعله:
أيوه، هقولهم إنه مختفي ومرجعش البيت علشان يدوروا عليه ويجيبوه هو و"بلال".
ثم انهارت نبرتها وهي تضيف:
هعمل أي حاجة، بس مقعدش كده.
رافق القهر كلماتها وهي تقول لشقيقتها:
الواد مش هنا من امبارح وإحنا داخلين على المغرب، وسايبلي ورقة في أوضته بيقولي إنه نازل معاه مشوار وراجع علطول، طب خده وراح فين؟
_ الله يقطعك يا "طارق".
قالتها "أميرة" بضيق، ثم ناولتها كوب الليمون:
طيب اشربي بس كوباية الليمون دي وروقي، شوية وهنتصل بعمه، لو مكانش عرف يتصرف ناخده ونروح نبلغ.
اقتربت "إيمان" من "أميرة"، وقد انتقل إليها قلق أمها، وسألتها:
هو يا خالتو عمو "طارق" مش هيرجع "بلال"؟
ابتسمت لها "أميرة" وطمأنتها وهي تمسح على خصلاتها:
هيرجعه يا حبيبتي إن شاء الله.
أشارت "إيمان" نحو أمها وقالت:
أنا عمالة أقول لماما إنه طيب ومش هيعمل كده، بس هي مش مصدقاني.
_ جته عمل في لقمة.
قالتها "أميرة" بضجر، ثم شعرت بأنامل الصغيرة تتحرك على وجهها وهي تسألها:
إيه اللي عمل في وشك كده يا خالتو؟
عندها فقط انتبهت "نوارة" إلى الإصابة في وجه شقيقتها، وإلى الكدمات التي تملأ ذراعيها، فأسرعت تسألها بخوف:
إيه يا "أميرة" ده؟ مين عمل فيكي كده؟
كان خوفها على ابنها قد شغلها عن كل شيء، حتى أنها لم تنتبه إلى حال شقيقتها حين جاءت، طمأنتها "أميرة" وهي ترى الذعر في عينيها:
متخافيش يا حبيبتي، أنا كويسة.
_ إيه اللي حصل؟
سألتها "نوارة" بإلحاح، فتنهدت "أميرة" بحزن حين عادت إليها تفاصيل ما حدث، ثم طلبت من "إيمان" أن تدخل غرفتها قبل أن تجيب:
الواطي اللي أنا متجوزاه... حسبي الله ونعم الوكيل فيه.
ثم توعدته بغضب:
بس أنا مش هسيبه، إن شاء الله هيجرجروه على القسم علشان يقول حقي برقبتي.
حزنت "نوارة" لحال شقيقتها، وقبل أن تتمكن من مواساتها، ابتسمت "أميرة" ابتسامة باهتة وقالت:
سيبك مني، هدي نفسك بس ووحدي الله.
ثم بدا وكأنها تذكرت أمرًا مهمًا، فالتفتت إليها سريعًا:
بقولك إيه يا نوارة، مش معاكي رقم بيت المحروس التاني؟
_ كان سايبه، بس ده هيعمل إيه؟ بقولك قالي طلقها، يعني مستحيل يكون خد "بلال" عندها، وأكيد هي سابت البيت.
قالتها "نوارة" بقلة حيلة، بعدما بدا لها أن كل الطرق قد أُغلقت أمامها، لكن "أميرة" لم تستسلم:
أهي محاولة وخلاص، الرقم فين؟
أخبرتها "نوارة" أنه مدون في دفتر الأرقام، فبحثت عنه "أميرة" حتى وجدته، ثم جلست إلى جوار هاتف المنزل واتصلت.
انتظرتا الرد، وما إن أتاها صوت الطرف الآخر حتى عرفته على الفور..كانت "سهر".
بان الازدراء على وجه "أميرة"، وهمست لأختها:
وتقوليلي أصله طلقها فأكيد سابت البيت، محدش خايب غيرنا يا "نوارة".
جاءها صوت "سهر" بضجر:
مين معايا؟
أغمضت "أميرة" عينيها بضيق قبل أن تسألها مباشرة:
"طارق" عندك أو جالك؟
لم تتوقع "سهر" هذه المكالمة، وما إن عرفت صوتها حتى انفجرت بغضب:
أنتِ ليكي عين تتصلي بيا؟ ده أنتِ بجحة أوي
ردت عليها "أميرة" بالحدة نفسها:
بقولك إيه، لمي لسانك معايا، أنا مش متصلة يا ختي أحب فيكي، البيه المحترم خد "بلال" ومشي ومنعرفش هو فين، قولت أشوفه يمكن راح عند اللي تشبهله.
ساد الصمت للحظات، استغربت "سهر" ما تسمعه، وكانت تريد بشدة أن تعرف ما الذي حدث بين "طارق" و"نوارة"، لكنها لم تمنح "أميرة" فرصة لإشباع فضولها؛ أنهت المكالمة فجأة، غير راغبة في الاستماع إلى المزيد ممن كانت تتمنى لو استطاعت الفتك بها.
سبتها "أميرة" بضيق، ثم حاولت الاتصال بها مرة أخرى، بينما ظلت "نوارة" تراقبها بلهفة، تنتظر أي إجابة يمكن أن تطمئنها على ابنها.
______________________________________________
في الوقت نفسه، عادت "سهر" إلى غرفتها، حيث كانت شقيقتها "غادة" تجلس إلى جوار ابنتها "سما" التي تتابع التلفاز بملل.
سألتها "غادة":
مين كان على التليفون؟
قصت عليها "سهر" ما حدث في المكالمة، وحين سمعت "سما" خالتها تقول إن "طارق" أخذ "بلال" ولا تعرف أمه أين هو، عادت إلى ذاكرتها صورة ذلك اليوم الذي قابلته فيه في النادي.
تذكرت حديثهما، وإخباره لها بأنه يحب أمه أكثر من أي شيء، ثم ذهابها إلى منزلهم قبل أن يأتي والدها ويأخذها.
قالت "غادة" لأختها:
أكيد اتخانقوا بعد اللي حصل هنا، أنا مش فاهمة إزاي عقلك جابك تقوليله كلام زي اللي قولتيه وتوصليه إنه يطلقك.
ابتلعت "سهر" غصة مريرة، ثم صححت لها:
"طارق" مسابنيش علشان الكلام اللي قولته، هو سابني علشان زهق من محاولاتي طول السنتين دول إني أخلف، مل لما اهتمامي اتوزع ومبقاش ليه لوحده... وبدل ما كان بيجي هنا ينسى همومه، بقى يجي علشان يسمع كلام عن إنه مش حاسس بيا، ومواعيد دكاترة وأدوية.
انحدرت دموعها وهي تقول بقهر:
ما عنده ابنه هيتعب نفسه ليه ويتحمل كل ده؟ وحتى لو بيحبني أكتر من "نوارة"، هتفضل برضو أغلى عنده علشان هي خلفت وأنا لأ.
لم تستطع "سهر" أن تصدق أنها خسرت زواجها فعلًا، أغمضت عينيها بألم، ثم تابعت:
أنا بس مش مصدقة إنه قالها عادي كده، مش مصدقة إني هونت عليه، أنا في آخر سنتين دول مع كل خناقة بيننا تقريبًا كنت بطلب الطلاق، ولما مكنتش بطلبه كان هو بيهددني بيه، بس عمره ما نفذ.
ابتسمت بسخرية مريرة، ثم قالت:
المرة دي أول مرة أحس إنه مستبيع، إنه مش فارق معاه.
حاولت "غادة" تهدئتها، وربتت على كتفها قائلة:
كانت ساعة شيطان، وصدقيني هو هيرجع، علشان كده أنا قولتلك متسيبيش البيت لما كلمتيني وعرفتيني اللي حصل.
_ أنا بحبه أوي. بحبه أكتر ما بيحبني، بس مش هعرف أبقى معاه طول ما شايفاه مش بيحاول علشاني، مش هستحمل أتوجع كل مرة أشوفه تحت رجلين "نوارة" علشان ترضى وأنا لأ.
كان الحزن ينهشها، فأشفقت عليها "غادة" ومسحت على رأسها قائلة:
لو كان بيحب "نوارة" أكتر منك مكانش اتجوزك وعاش معاكي كذا سنة، "طارق" روحه في ابنه، وعلشان كده غصب عنه مربوط بيها، لإنه عارف إنها ممكن تقلب ابنه عليه فبيحاول يراضيها.
علقت "سهر" بنبرة باكية:
وأنا علشان بحبه عايزة أخلف منه، مش عايزاه يفضل مربوط بيها هي بس بسبب ابنها.
_ إن شاء الله هيحصل، المهم نفكر هنعمل إيه دلوقتي، وبعدين هو أكيد اتخانق معاها طالما بتقولي إنه اختفى بابنه ومش معرفهم طريقه.
ثم سألتها "غادة":
بس تفتكري خده وراح فين؟ تتوقعي ممكن يجيبه هنا؟
هزت "سهر" رأسها نافية:
"طارق" مستحيل يجيبه هنا بعد اللي حصل، وبرضو مش هيروح بيه عند "نجوى" أخته لإنه عارف إنهم هيوصلوله... ممكن يكون خده وراح على شقة إسكندرية.
نظرت إليها "غادة" باستغراب:
شقة إيه دي؟
_شقة بيأجرها هناك علطول لما بنسافر.
قالتها "سهر" ثم أضافت بحسرة:
كان المفروض هنطلع أنا وهو على هناك كمان يومين.
تنهدت بحرقة حتى لا تعود إلى البكاء، فطلبت منها "غادة":
ممكن متفكريش في حاجة دلوقتي؟ حاولي تنامي شوية، وأنا جنبك أهو.
وافقت "سهر"، ثم تمددت على الفراش، بينما قالت "غادة" لابنتها:
اخرجي اتفرجي على التليفزيون اللي برا يا "سما" علشان خالتو هتنام.
_ ماشي يا ماما.
خرجت "سما" وتركت المرأتين، لكنها لم تتجه مباشرة إلى التلفاز. ظل حديث خالتها يدور في رأسها، وبالأخص المكان الذي ربما يكون "طارق" قد اصطحب إليه ابنه.
جلست على الأريكة وبدأت تقلب بين محطات التلفاز بملل، حتى وقعت عيناها على طاولة الهاتف الموضوعة في إحدى الزوايا، ودفتر الأرقام الموضوع بجوار الهاتف.
ظلت للحظات تنظر إليه، ثم نهضت واتجهت نحوه بهدوء،
تناولته وبدأت تقلب صفحاته حتى توقفت عيناها عند اسم "نوارة".
عاد إلى ذاكرتها حديث خالتها عن اتصال خالة "بلال" للسؤال عنه، وكيف أغلقت "سهر" الهاتف في وجهها دون أن تمنحها إجابة تطمئنها.
ترددت "سما" للحظات، ثم حسمت أمرها، رفعت سماعة الهاتف بحذر، وأخذت تنظر حولها بين الحين والآخر لتتأكد من أن أحدًا لم يخرج من الغرفة، طلبت رقم "نوارة"، وانتظرت حتى جاءها الرد:
ألو.
_ طنط "نوارة" معايا؟
سألت بصوت منخفض، فأسرعت "نوارة" بالرد:
أيوه، أنتِ مين؟
نظرت "سما" نحو باب غرفة خالتها قبل أن تجيب:
أنا "سما" يا طنط، اللي جيت عندكم البيت مع "بلال" وعمو "طارق".
ولم تنتظر أن تستفسر منها "نوارة" عن سبب اتصالها، بل أسرعت تقول:
عمو "طارق" و"بلال" مش عند خالتو "سهر".
وكأن الكلمات كانت طوق نجاة ألقي إليها، فأسرعت "نوارة" تسألها:
طيب يا "سما" حبيبتي، متعرفيش هما فين؟
خفضت "سما" صوتها أكثر:
لأ معرفش، بس أنا سمعت خالتو بتقول إنه ممكن يكون عمو "طارق" خده وراح بيه شقة في إسكندرية بيأجرها هناك دايمًا، والمفروض كان هيروحها كمان يومين هو وخالتو.
ثم طلبت منها بحذر:
ياريت يا طنط محدش يعرف إني كلمتك ولا إني قلتلك أي حاجة، وأنا لو عرفت حاجة تانية هحاول أبلغك.
لم تنتظر ردها، وأغلقت الهاتف سريعًا، ثم عادت إلى مكانها أمام التلفاز وكأن شيئًا لم يحدث.
في اللحظة ذاتها، أخبرت "نوارة" شقيقتها بما عرفته، وما إن وصل "شهاب" حتى أخبرته أيضًا، فالتفتت "أميرة" إليه برجاء:
اتصل أنت باللي اسمها "سهر" دي، واعرف بيأجر الشقة دي فين ونروحله.
ثم تابعت بضيق:
هو واخد الواد وماشي من امبارح، وأدي النهارده كمان أهو خلص، غرضه إيه من اللي بيعمله ده؟
توجه "شهاب" نحو زوجة شقيقه التي بدا أنها على وشك فقدان أعصابها تمامًا، وقال:
أنا هجيبه يا "نوارة"، بس ياريت تهدي وعدي النهارده.
_ أعدي النهارده؟
قالتها باستنكار، ثم تابعت بحسم:
أنا مش هستنى لحظة تاني، حتى لو هنزل أدور عليه بنفسي.
أغمض "شهاب" عينيه بتعب، ثم قال في النهاية:
خلاص يا "نوارة"، أنا هتصرف.
ثم التفت إلى شقيقتها:
هاتي يا "أميرة" لو سمحتي رقم "سهر".
وقبل أن يتصل بها، نبهته "نوارة":
متجبش سيرة البنت الصغيرة، قولها إنه كان معرفك إنهم هيسافروا إسكندرية يومين، وهيقعدوا في شقة بيأجرها هناك، واسألها على العنوان.
أومأ "شهاب" موافقًا، وحاول الاتصال، لكن لم يجد جوابًا، تنهد بانزعاج ثم قال:
أنا هروحلها.
_ خالتو، ممكن أروح مع عمو؟
سألت "إيمان" خالتها، فردت "أميرة" وقد نفد صبرها:
أنتِ مش عندك مدرسة الصبح؟ منمتيش ليه؟
تأففت الصغيرة حين رأت "شهاب" يستعد للرحيل دون أن يأخذها معه، فكررت "أميرة":
أدخلي نامي يا "إيمان".
_ جعانة.
نظرت إليها "أميرة"، ثم قررت أن تحضر لها الطعام، وبعد أن أعدته، أحضرت لشقيقتها أيضًا وجلست أمامها وهي تقول:
كلي يا "نوارة" السندوتش ده، أنتِ مكلتيش لقمة من ساعة ما جيت.
لكن الطعام كان آخر ما يشغل بال "نوارة"، تركته أمامها دون أن تلمسه، ثم اتجهت إلى غرفتها وجلست جوار الشرفة، تراقب الطريق وتنتظر عودة ابنها.
جلست "أميرة" مع "إيمان" حتى انتهت من طعامها، ثم أرسلتها إلى غرفتها، وبعد قليل غلبها النوم وهي جالسة على الأريكة.
لم تعرف كم مر من الوقت حتى انتفضت فزعة على صوت الباب وهو يُفتح.
ظنت أن "نوارة" خرجت، وأنها ستنفذ تهديدها وتنزل للبحث عن ابنها بنفسها، لكنها ما إن رفعت عينيها حتى وجدت "طارق" يقف أمامها وبجواره "بلال".
تركت مكانها في اللحظة ذاتها التي خرجت فيها "نوارة" من غرفتها، بعدما رأت من الشرفة وصول ابنها وزوجها.
تحرك "بلال" ناحية أمه، فاحتضنته بقوة وهي تتنفس أخيرًا بعد ساعات من الرعب.
أما "أميرة" فاتجهت إلى "طارق" وسألته:
كنت فين وواخد الواد معاك؟
_ وأنتِ مالك؟
سألها بحدة، فردت بالنبرة نفسها:
مالي ونص، ما هو لما تسيب أختي عمالة تلف حوالين نفسها من امبارح علشان توصلك، ومتطمنهاش بكلمة يبقى مالي.
وجه "طارق" نظره نحو "نوارة"، وسألها بسخرية:
وتلف حوالين نفسها ليه؟ هو "بلال" مع حد غريب؟
رفع "بلال" عينيه إلى أمه وقال:
هو مش بابا معرفك يا ماما كنا فين؟
لم تجبه "نوارة"، أبقته في حضنها للحظات، ثم تركته واتجهت نحو "طارق"، الذي بادرها باستخفاف:
هتفتحي التحقيق دلوقتي ولا كمان شوية؟
لم تصدق جرأته، بدا وكأنه لا يبالي بشيء مما تسبب فيه، فهتفت:
لو خدت ابني تاني يا "طارق" وعـ...
قاطعها:
لأ، هاخده.
ثم تابع باستهزاء:
ما هو لما نتطلق، أكيد مش هيفضل معاكي لوحدك.
استدارت "نوارة" بسرعة نحو ابنها، راقبت وجهه فلم تجد فيه أثرًا للدهشة من خبر الانفصال، وعرفت السبب حين أكمل "طارق":
"بلال" عارف باللي هيحصل، وفهمته إن إحنا هننفصل.
ثم قال بحسم:
وهيبقى معايا يومين كل أسبوع.
احتدت نظراتها، وقالت بحدة:
واليومين دول بقى هيقعدهم معاك فين؟ وهتبلغني قبلهم ولا هتاخده في أنصاص الليالي من غير علمي زي ما عملت امبارح؟
طالعته "أميرة" من أعلى إلى أسفل باستخفاف، ثم تمتمت:
أخس على الرجالة.
تجاهلها "طارق" تمامًا، ولم يجب إلا عن أسئلة "نوارة":
والله بالنسبة لسؤالك الأول فهي حاجة تخصني، بالنسبة بقى للسؤال التاني، فأنا مخدتوش من غير علمك ولا حاجة، أنتِ كنتي نايمة ومحبتش أزعجك فسيبتلك ورقة على التسريحة.
أنهى حديثه واتجه نحو غرفتهما، ولم تنتظر "نوارة" ثانية، حيث سارت خلفه، وحين دخلت الغرفة وجدت الورقة بالفعل في المكان الذي أخبرها عنه.
عاد إلى أذنها صوت قديم، من سنوات، حين كان كل شيء بينهما على ما يرام:
طارق يا حبيبي، لما أكون نايمة وتحب تنبهني لحاجة قبل ما تنزل، ممكن تسيب ورقة في مكان باين؟ علشان كذا مرة تسيبها على التسريحة ومباخدش بالي.
فاقت من شرودها، وتناولت الورقة ثم ألقتها على الأرض بعنف قائلة:
سايبها هنا وأنت عارف إني مش هشوفها، خدت هدومك علشان توجع قلبي وتخلي دماغي تودي وتجيب، وضحكت على ابنك وقولتله ماما عارفة.
_ والله يا "نوارة" أنا مهما عملت هفضل غلطان بالنسبالك، فاعتبري إنه كان قصدي فعلا، وبعدين أنا متأخرتش، أومال هتعملي إيه بعد كده لما أخده يومين؟
سألته بسخرية:
تاخده عند "سهر"؟
ابتسم ورد:
مش عارف لسه، بس لو رجعتلها أكيد هيقعد معايا عندها اليومين دول.
ولأول مرة، لم ينتبه أي منهما إلى "بلال"، الذي كان واقفًا يراقبهما أمام الغرفة.
حاولت "أميرة" إبعاده، لكنها لم تستطع، وفي اللحظة التالية سمعت أختها تقول:
أنت متعرفش أنا شايفاك إزاي دلوقتي، أنا مش طايقة أفضل على ذمتك دقيقة كمان، وأنسى إنك تلوي دراعي بابني.
_ أنسي أنتِ "طارق" اللي بيدادي ويحايل، ومشيها بالود علشان لو هتعندي على اليومين، يبقى هاخده يقعد معايا على طول، وبالقانون دلوقتي ده حقي.
قالها بإصرار، فردت عليه:
العند ده بتاعك أنت يا "طارق"، وهتفضل تخسر بسببه لحد ما هتلاقي نفسك خسرت كل حاجة.
ابتسم وهو يخبرها:
مش هخسر ابني مهما حصل، ومكنتش عايز أخسرك، بس أنتِ اللي اختارتي، وزي ما أنتِ مش هتسمحي إن يتلوي دراعك بـ"بلال"، أنا برضو مش هيتلوي دراعي.
دخلت "أميرة" بينهما، وقد ضاق صدرها بما يحدث:
ما كفاية بقى، راعوا ابنكم اللي واقف بيتفرج عليكم.
ثم وجهت كلامها إلى "طارق":
عايز تاخد "بلال" يومين في الأسبوع خده، بس خلصنا بالمعروف وفضنا منها دي سيرة.
وما إن أنهت جملتها حتى دوى صوت ارتطام بالأرض، فالتفتوا جميعًا في اللحظة نفسها.
لم يصدق "طارق" عينيه حين رأى ابنه ملقى على الأرض،
هرولت "أميرة" نحوه، بينما شعرت "نوارة" وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها، وهي تسمع شقيقتها تصرخ:
ألحق الواد، جسمه متخشب.
لم تعرف "نوارة" كيف وصلت إلى ابنها، كل ما شعرت به كان برودة جسده الشديدة بين يديها، برودة تسللت إليها هي الأخرى حتى فقدت القدرة على إدراك ما يحدث حولها.
حمله "طارق" وأسرع به إلى الخارج بعدما فشلت محاولات إفاقته، وفي طريقه صادف شقيقه على الدرج.
نظر "شهاب" إلى الطفل بين ذراعيه، ثم رفع عينيه إلى أخيه، وكان الاتهام واضحًا فيهما قبل أن يسأله بخوف:
أنت عملت فيه إيه؟
لم يستطع "طارق" الرد، لم يكن يملك وقتًا لشيء سوى الوصول إلى السيارة، ولم يتركه "شهاب" وحده، كانت وجهتهما أقرب مشفى إلى المنزل.
أما "أميرة" فاستأذنت زوج جارتهم "أمل" أن يصطحبهما بسيارته إلى هناك، وبقيت "أمل" مع الصغيرة.
وصل "طارق" و"شهاب" إلى المشفى، وتلقى الأطباء "بلال" من والده، ثم لحقت بهما "نوارة" وشقيقتها.
جلست "نوارة" في الخارج، لا تعرف شيئًا عن حالة ابنها، وكل دقيقة تمر كانت تزيد خوفها، أخذت تلوم نفسها مرة بعد أخرى على ما حدث بينها وبين والده وترك في نفسه كل هذا الأثر.
لم تكن حالة "طارق" أفضل منها، ظل واقفًا في مكانه عاجزًا عن استيعاب ما حدث، ولا يعرف كيف مر الوقت حتى خرج الطبيب إليهم.
سأل الطبيب "طارق" عما حدث، ثم وقفوا جميعًا في انتظاره حتى قال:
الولد اتعرض لانفعال وضغط شديد، وده سبب اللي حصل، هنراقبه شوية علشان نتأكد إن مفيش سبب عضوي، وإن شاء الله نتطمن عليه.
رحل الطبيب بعدما وعدهم بالسماح لهم بالدخول إليه بعد فترة،
أمسكت "أميرة" بشقيقتها حين شعرت أنها على وشك السقوط، بينما ربت "شهاب" على كتف أخيه وقال بأسف:
إن شاء الله يبقى كويس.
ثم ابتعد عنه واتجه إلى إحدى الممرضات، واستأذنها في الدخول إلى الطفل، وافقت بعدما ظنته والد "بلال"، وأشفقت على حاله.
دخل "شهاب" الغرفة، فوجد ابن شقيقه راقدًا على السرير بلا حراك، لا يفعل شيئًا سوى التحديق في السقف.
اقترب منه:
بلال.
لم يستجب، فقط ظلت عيناه الحزينتان معلقتين بالسقف، وكأنهما تحملان كل ما عجز عن قوله.
مرر "شهاب" يده على رأسه وقال:
ألف سلامة عليك يا حبيبي.
وأخيرًا التفت إليه "بلال"، فابتسم "شهاب" حين رآه ينظر إليه، وقال:
الدكتور قال إنك كويس، وهترجع البيت النهارده بالكتير أوي بكرا.
ما إن سمع كلمة "البيت" حتى تغيرت ملامحه، وظهر الرفض والنفور في عينيه، كان مجرد التفكير في العودة إلى هناك كافيًا ليعيد إليه الاختناق نفسه الذي شعر به قبل أن يسقط.
فهم "شهاب" حالته، فتراجع عن كلامه سريعًا:
خلاص يا حبيبي بلاش.
ثم اقترب منه أكثر، وقال بهدوء:
تيجي تقعد عندي شوية؟ ومتقلقش من ناحية ماما، أنا بنفسي هكلمها.
ظل "شهاب" ينتظر جوابه على أحر من الجمر، لطالما زاره "بلال"، لكنه كان يرفض المبيت عنده خوفًا من أن تحزن أمه.
أما هذه المرة، فلم يرفض، هز رأسه موافقًا مما صدم "شهاب"، لم يكن "بلال" يريد سوى الابتعاد، ولو مؤقتًا..الابتعاد عن البيت، عن الشجار، عن الكلمات التي أثقلته، عن خيبته من أبيه، وعن خوفه الدائم من أن يخسر أحد والديه.
لم يكن يريد أكثر من مكان لا يسمع فيه صوتهما وهما يتشاجران.
وفي تلك اللحظة، بدا الهرب بالنسبة إليه وكأنه الشيء الوحيد الذي يستطيع فعله.
يُتبع...
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
