رواية موعد كتبه القدر من الفصل الاول للاخير بقلم ندا الهلالي
رواية موعد كتبه القدر من الفصل الاول للاخير هي رواية من كتابة ندا الهلالي رواية موعد كتبه القدر من الفصل الاول للاخير صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية موعد كتبه القدر من الفصل الاول للاخير حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية موعد كتبه القدر من الفصل الاول للاخير
رواية موعد كتبه القدر من الفصل الاول للاخير
«اتجوزت صاحبة خطيبتك يا مالك!»
نطقت بها تلك التي اقتحمت الغرفة بغضبٍ شديد، وهي تصرخ بكلماتها، وقد احمرّ وجهها:
— لا… لا، إنت اتجننت رسمي! إزاي قدرت تعمل كده؟ مش مصدقة إن اللي قدامي ده أخويا، اللي كنت بحلف بحبه من صغري!
في المقابل، كان مالك جالسًا ممسكًا بفرشاته، لا يزال تركيزه منصبًا على اللوحة أمامه، غير عابئٍ بأخته أو بغضبها.
اقتربت منه بانفعال، وانتزعت الفرشاة من يده:
— أنا مش بكلمك ولا إيه؟!
رفع عينيه إليها بملل، ثم نهض واقفًا بلا مبالاة:
— عاوزاني أقولك إيه يعني يا مريم؟ أيوه، اتجوزت مها إمبارح.
سألته بترقب:
— ومكّة؟!
وجّه نظره نحو الشرفة، ورفع كتفيه بلا اكتراث:
— خطيبتي برضه.
رفع إصبع السبابة أمامها بجدية:
— ومستحيل أسيبها.
قهقهت وهي تضرب كفًّا بكف:
— ده لو ما رمَتش الدبلة في وشك بعد اللي عملته!
ابتلعت باقي كلماتها حين رفع إصبعه مرة أخرى، وقال بصرامة:
— مكّة مش هتعرف يا مريم… فاهمة؟
في إحدى الغرف، كانت القهقهات العالية تملأ المكان، تصدح في أرجائه.
جلست مكّة على الأرض، مربعة القدمين، ترتدي بيجامة بلون السماء، تمسك بيدها كوب قهوة، بينما كانت مها مستلقية ورأسها على قدمها، تمسك بالهاتف.
كانتا تشاهدان معًا مسرحية «العيال كبرت»، ومع مشهد سعيد صالح، صرختا معًا:
— آه… قلبي!
وقلّدتا حركته وهو يدّعي الشلل، لينفجرا معًا في ضحكٍ عالٍ.
فجأة، دلفت والدتهما وهي ترفع نعلها في الهواء:
— إيه الدوشة دي؟!
قفزت مها سريعًا لتختبئ خلف مكّة، متشبثة بظهرها، متصنعة الرعب، بينما ضحكت مكّة وقالت وهي تضم أصابعها:
— اهدي يا حاجة، يخربيت اللي مزعلك!
نطقت الأم بغضب:
— إنتوا لو ما وطّيتوش صوتكم، هنزل بالشبشب على خلقتكم!
ثم ارتدته بعصبية، وهي تتمتم:
— اللي يسمع صوتكم ما يقولش إني تعبت في تربيتكم!
دفعت مها مكّة للأمام وهي تضحك:
— وسّعي كده… إنتِ جبانة!
أشارت مكّة إلى نفسها بصدمة:
— أنا؟!
لكن حديثهن قُطع برنين هاتف مكّة، فهرولت نحوه سريعًا.
لم تُبالغ في اندفاعها، فهو حبيب فؤادها ورفيق دربها.
— مالك.
جاءها صوته مفعمًا بالحب:
— وتينة.
جلست على فراشها، وارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة، بينما غمزت لها مها وهمست:
— أيوه يا عم…
خرجت مها وأغلقت الباب خلفها، ثم استندت عليه، وضعت يدها على قلبها بألمٍ صامت.
— ساكتة ليه؟
— مش ساكتة… بس مستنياك تقولي كنت مشغول في إيه وسايبني؟
— ما أقدرش أنشغل عنك، وإنتِ عارفة كده كويس.
— يا سلام! إمبارح الساعة تسعة كنت فين؟ والنهارده من ستة لتمانية كنت فين؟
ضحك عاليًا:
— حيلك حيلك… اديني فرصة أدافع عن نفسي. بس ممكن أقدم الأدلة الأول؟
رفعت حاجبها:
— أدلة إيه؟
— ينفع أتعب مولاتي وتبصي من الشباك ثانية؟
وما إن تحركت نحو الشرفة حتى وصلها صراخه:
— تبقي تطلعي من غير النقاب، خليني أحدفك من فوق!
ابتسمت، وارتدت نقابها، وكانت في هدوئها شبيهة بالقمر.
نظرت من شرفتها في الدور الثاني من بيتٍ بسيط مكوّن من أربعة طوابق.
كان يقف بشموخه المعتاد، يضع يدًا في جيب بنطاله، والأخرى تمسك بالهاتف، مرتديًا قميصًا بيج وبنطالًا أبيض.
كانت عيناه مسلطتين عليها، تلمعان بشدة.
ما إن رأته حتى سرت قشعريرة في قلبها، وابتسمت لا إراديًا:
— إيه اللي موقفك كده يا بشمهندس؟
— قدري.
— فين الأدلة؟
رفع هاتفه، وبعد ثوانٍ وصلها إشعار…
صورتها هي، والقمر فوقها.
— هناك لقمري شبيه في السماء.
خفق قلبها، لكنها فاقت على اللوحة المغلفة التي رفعها وهو يغمز:
— الأدلة يا مولاتي.
— افتحي الباب.
هرولت وهي تنادي:
— ماما… مالك طالع!
وكان كل ذلك تحت أنظار مها، التي تراقب بصمتٍ، وعيناها تحكيان الكثير.وكان كل ذلك يحدث تحت أنظار مها، التي تراقب المشهد بهدوءٍ شديد،
عينان جامدتان، لكن خلف ثباتهما حكايات لا تُقال، ووجع يتوارى خلف ابتسامة مصطنعة.
وبالفعل، دلف مالك إلى الداخل بعد أن ألقى التحية، واتجه إلى غرفة الصالون حيث جلست مكّة وباقي أفراد الأسرة.
لم تخلُ الجلسة من ضحكات مكّة ومزاحها المعتاد، ولا من تغزّل مالك الواضح بها، الأمر الذي زاد دهشة الجميع، خاصة حين أخرج اللوحة التي رسمها لها، لتتسع عيناها إعجابًا وفرحًا.
وفي خضم الأجواء الدافئة، قاطعتهم مها، إذ نهضت فجأة دون سابق إنذار:
— أنا اتأخرت ولازم أمشي.
قالت مكّة بسرعة:
— تمشي فين دلوقتي؟ الوقت اتأخر.
كان مالك يراقب الموقف بصمتٍ تام، ملامحه هادئة على غير المتوقع.
— معلش، عشان ما أتأخرش على جدو أكتر من كده… وبعدين لسه الوقت بدري، الساعة عشرة بس.
تشبثت مكّة بيدها، رافضة:
— مستحيل أسيبك تمشي لوحدك، أخاف عليكِ تتعاكسي… وإنتِ قمر كده.
غمزتها بمشاكسة، فابتسمت مها ابتسامة متكلفة، لم تصل إلى عينيها.
وقبل أن يطول النقاش، دلف محمود إلى المنزل، وقد وصل لتوه من الخارج:
— مالك عندنا؟
ثم أضاف ضاحكًا:
— وأنا أقول الشارع منوّر ليه!
رد مالك بابتسامة مماثلة:
— منوّر بيك يا دكتور.
لاحظ محمود يد شقيقته المتشبثة بيد مها، فرفع حاجبه مستفسرًا:
— في إيه؟
أجابت مكّة سريعًا:
— تخيّل يا محمود، مها عايزة تروح لوحدها.
وبحركة حاسمة لفتت انتباه الجميع، قال محمود:
— لا طبعًا، ما ينفعش… أنا هوصلِك.
حمحمت مكّة، التي تفهم أخاها جيدًا، فعدل حديثه سريعًا:
— أقصد… أنا ومكّة هنوصّلك.
ضحكت مكّة وهي تنظر إلى مالك، تبحث عن رأيه، فغمز لها بهدوء، علامة الموافقة.
— فوريرة، ألبس وأجي.
بعد مرور ربع ساعة…
كان الأربعة يقفون أمام رجلٍ مسن يبيع حمص الشام.
تولى مالك الشراء، فهو يعلم جيدًا كم تحبه مكّة.
أما مها، فكانت تراقب المشهد بصمت، لا تعليق ولا رد فعل، الأمر الذي لفت انتباه مكّة:
— مالك يا مها؟ ساكتة ليه؟ في حاجة مضايقاك؟
هزت مها رأسها نفيًا:
— لا أبدًا… بس كنت بفكر، كان هيحصل إيه لو وصلتوني الأول، وبعدها تكملوا إنتوا وتمشوا؟
قالت مكّة بتمثيل الصدمة:
— من غيرك؟ مستحيل!
علّق محمود ضاحكًا:
— يزيدي يزيدي، حد يحبني ربع الحب ده يا رب.
اقترب مالك، ومد يده إلى مكّة وهو يقول بمشاكسة:
— من غير شطة.
ابتسمت بخجل، وخفضت رأسها، بينما مد محمود الكوب لمها، التي كانت شاردة في تصرفات مالك دون أن تشعر.
سارت مكّة ومها بخطواتٍ متقدمة، وخلفهما بقليل كان يسير محمود ومالك، يتحدثان عن مشروعٍ قررا الشراكة فيه.
لكن لكلٍ عينٌ تعرف طريقها، حتى وإن تظاهرت بالعكس.
قطع محمود الصمت:
— بقولك يا مالك… في موضوع كده عايز آخد رأيك فيه.
— طبعًا.
تردد قليلًا، ثم قال بإرادةٍ واضحة:
— أنا عايز أروح أطلب إيد مها.
فاق مالك من شروده، ونظر إليه بصدمة، كاد أن يتحدث، لكنه تجمّد فجأة.
في لحظة خاطفة، ظهرت سيارة مسرعة، وكأن سائقها لا يقود بل يحلّق.
كانت مها على وشك التقدم خطوة، لكن مكّة دفعتها بعيدًا دون تفكير، لتأخذ هي الصدمة كاملة.
سقط جسدها على الأرض…
وساد الصمت.
يتبع…
{هل فارقت الحياة بعد أن خانها؟!}
لا يستوعب مالك شيئًا سوى صوت محمود، الذي هزّ الشارع:
— مممممممممممممممممممم… مَكّه!
هرول نحوها، يمسك يديها ويهزّ جسدها، وهو يصرخ بقلبٍ يخفق بضرباتٍ متسارعة ومتتالية بشدة:
— لأ يا قلب أخوكي، فوقي… ما تقفّليش عينك يا مَكّه!
يحاول فتح جفونها بيدٍ مرتعشة…
في حين كان مالك، كالطفل الصغير، تهبط دموعه دون وعي، لا يستوعب أيّ شيء.
هل سيأخذها القدر منه بكل تلك البساطة؟
وصوتٌ بداخله يكرر كلمة واحدة:
— كابوس… ده أكيد كابوس، وأنا هصحى دلوقتي.
جثا على ركبتيه، يرفض تصديق أنها هي من تسيح في دمائها أمامه…
في حين كانت مها تتشبث بكفّي يديها، وتهزّ رأسها بلا كلام، كالمجنونة.
تعالت الأصوات من حولهم:
— لا حول ولا قوة إلا بالله!
— حد يكلّم الإسعاف يا جدعان!
— البنت بتموت… حد يتصرف!
— قولي الشهادة يا بنتي لو سمعاني!
دون سابق إنذار، هبط شاب من إحدى السيارات، وهرول نحوها.
أبعد الناس من حولها سريعًا، وهو يصرخ بغضب:
— وسّعوا… ارجعوا ورااااا!
جثا على ركبته بجوارها، وناداها بصوتٍ عالٍ:
— إنتِ سامعاني؟
لا استجابة.
تفحّصها بترقّب…
لا قيء، ولا دم يسد فمها.
حبس أنفاسه، ثم قال بهدوءٍ حازم يناقض الفوضى من حوله:
— ما تتحركوهاش…
مدّ يديه بثبات، لم يُمل رأسها، بل دسّ أصابعه أسفل فكّها السفلي ودفعه للأمام بحذرٍ شديد،
كأنما يفتح باب الحياة دون أن يكسر عنقها.
اقترب بوجهه،
عيناه على صدرها…
وأذناه تترقّبان…
ثانيتان ثقيلتان مرّتا كالعمر كله.
— في نفس…
خرجت الكلمة هامسة، لكنها أشعلت الأمل.
ضغط بيده على كتفها بخفة، وناداها مرة أخرى:
— إنتِ سامعاني؟ افتحي عينك… لو سمعاني.
في تلك اللحظة لمح الدم يسيل من ذراعها،
خلع جاكيته دون تردد،
لفّه بإحكام حول الجرح، وضغط بقوة.
— حد يكلّم الإسعاف حالًا!
— قولهم في مصابة فاقدة الوعي… نزيف… المكان كذا.
كان مالك يراقبه بعينين زائغتين،
طفلًا يتعلّق بأي خيط نجاة،
فيما ظل الشاب ثابتًا،
يراقب أنفاسها،
يضغط على الجرح،
ويمنع الجميع من لمسها.
وسط الصراخ،
وسط الدعاء،
وسط الخوف…
كانت هناك يدٌ واحدة تمسك بالحياة،
ولا تنوي تركها.
(وده مش جزء من الرواية، ده جزء من الإسعافات الأولية اللي المفروض نعملها لو شوفنا حادثة 🙈🫶)
بعد مرور خمس ساعات…
لم تمرّ بهوانٍ على قلب أحدهم.
كان الجميع في ارتباكٍ شديد…
وفي أحد الأركان، جلست تلك التي لم تُنظَّف يداها من دمها بعد،
تحدّق في الفراغ،
والدموع تهبط منها كالمطر…
لتجتاحها ذكرى…
فلاش باك…
كانتا تتشبثان بأيدي بعضهما،
ومها طريحة الفراش، تعاني من كوڤيد-19 (كورونا)،
جسدها مرتفع الحرارة.
أما مَكّه، فكانت تتمسك بيديها، ترفض تركها.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
قالت مها بألم:
— اطلعي برّه يا مَكّه، أرجوكي… مش عاوزاكي تتعدي.
مسحت مَكّه دموعها وابتسمت بصعوبة:
— لا يصيبنا إلا ما كتب الله لنا… اسكتي إنتِ،
قال يعني النحل يدي غير العسل يا عسل!
وغمزت لها بمشاكسة.
قالت مها بألمٍ شديد:
— مَكّه…
نظرت إليها مَكّه مبتسمة بألم:
— عاوزاكي تعرفي، لو موت… إنتِ الإنسانة الوحيدة اللي حبيتها في حياتي.
صرخت مَكّه وهي تهزّ رأسها:
— بس يا غبية! مستحيل أسيبك تموتي، عارفة ليه؟
عقدت مها حاجبيها بتساؤل…
نطقت مَكّه بمرح، وهي تمدّ كفّ يدها:
— عشان عليكي عشوة جنيه لسه ما سدّدتيهاش!
انفجرتا معًا بالضحك…
احتضنتها مَكّه بتشبث، كأنها تخشى أن تهرب منها،
وبادلتها مها العناق،
وفي داخلها دعاء واحد:
— ربي بارك لي فيها، ولا تجعل ما مسّني يمسّها.
باك…
فاقت من شرودها، وانفجرت بالبكاء برعشةٍ شديدة…
وحين وقفت، داهمها دوار حاد،
كادت تسقط أرضًا باستسلام…
لكن يدًا قوية التفت حول خصرها،
وضمّها سريعًا إلى صدره،
وحملها مهرولًا بها إلى غرفة الكشف…
لم يكن سوى العاشق… محمود.
الذي لا يعلم من أين يبدأ خوفه:
أمن قلقه على أخته؟
أم من ترقّبه لتلك التي بين يديه؟
وفي مسجد المستشفى،
كان مالك ساجدًا،
أنفاسه مكتومة من كثرة البكاء:
— يا رب لا تعاقبني فيها…
يا رب لا تختبرني فيها…
أنت تعلم وأنا لا أعلم…
لا يعلم منذ متى وهو على تلك الحال.
اعتدل جالسًا،
وثنى قدميه تحته،
وأخفى وجهه بين كفّيه…
لتجتاحه ذكرى سريعه…
فلاش باك…
— بتحبني من إمتى؟
— من يوم ما اتولدتي.
— بتتكلم بجد؟
— والله يا مَكّه، من يوم ما إيدي شالتك، وإنتِ أحب خلق الله لقلبي.
— مممم… وإيه اللي يخلّيني أصدقك؟
— قولي، عايزة تصدقي إزاي وأنا أعمل كده؟
ضحكت بقهقهة وهي تفكر:
— أممممممم… تروح تقف في نص الشارع عندنا وتصرخ بأعلى صوتك إنك بتحبني وعاوز تتجوزني… واتفرج على مالك الهلالي وهو عاشق ولهان.
رفع يده وقال بكل هدوء وثبات وبرود:
— بس كده يعني.
ضحكت وهي تضرب كفًّا على كف:
— لا خلاص، لحسن تقول إن نزلت مكانه البشمهندس مالك بيه في الأرض وخليته شبّ مراهق.
كادت تتحرك، وقالت بمزاح:
— يا بني، أنت اللي مصبر بابا عليك، إنك ابن أعز أصحابه.
قال بجدية:
— مش حق الجيرة سابقًا يعني.
وقفت تفكر:
— أممممم… مثلاً قبل ما تتكرر، تبقى غني وتنقولوا التجمع وتسيبونا في حلوان وحدنا.
كادت تترك ساحة الجامعة متجهة نحو الخارج، فقال مالك بجدية:
— أنا عملت كل ده علشانك، علشان يليق بيكي وبمكانتك.
نظرت إليه وابتسمت بإتساع، وهرولت للخارج…
لتتفاجأ به مساء نفس الليلة، واقفًا في منتصف الشارع أسفل شرفتها، يمسك ميكروفون ويصرخ بأعلى ما لديه:
— بحبك يا بنت الرحيم وعاوز أتجوزك!
صرخت بدهشة، وفي نفس اللحظة صرخ والدها:
— لو نزلتلك يا ابن الهلالي، مش هخليك تعرف وشك من رجلك!
لكن مالك أكمل بثبات وثقة:
— مش مهم، المهم أن بحب بنتك وعاوز أتجوزها.
وبالفعل، لم ينتهِ اليوم إلا وقد قرأ مالك الفتحة على مَكّه في مشهد يخرج الكثير من القلوب والفراشات… 🌸💖
باك…
فاق على صوت رنين هاتفه…
— فين بنتي يا مالك؟
— عاملين إيه مع بعض؟
قال ببرود:
— بنتك كويسة… عايشة للأسف.
— لو لمست بنتي مش هرحمك!
أغلق الخط. الخط في وجهه
مسح وجهه بكف يديه متجهاً نحوها
توجّه مسرعًا نحو غرفتها…
وفي اللحظة نفسها خرج الطبيب،
وقف محمود بترقّب،
نظر مالك إليه برجاء…
ثم خرجت الطبيبة من الغرفة المجاورة.
نطقا معًا:
— للأسف…
— مبروك، المدام حامل!
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
{هل قال: حامل؟!}هل هذا كابوس أم واقع؟
وكيف عليه أن يستيقظ من هذا الكابوس، بعد كل هذا الحب الذي كان يحمله لها في قلبه؟
نظر محمود إلى مالك، الذي لم يكن يهتم سوى لكلمات الطبيب، التي خرجت بأسفٍ شديد.
قال الطبيب بصوتٍ منخفض، حاسم لا يحتمل الجدل:
— فقدان الذاكرة ده نتيجة مباشرة للحادثة. المخ اتعرّض لصدمة عنيفة، ومعاها قرر يحجب جزء من الذكريات كوسيلة حماية… مش كعُطل.
دي حالة اسمها إصابة دماغية رضّية
(Traumatic Brain Injury – TBI)
ابتلع محمود ريقه، بينما تابع الطبيب:
— أي محاولة إنكم تفكّروها بالماضي هتكون أذى ليها، مش مساعدة. الضغط ممكن يسبب انتكاسة عصبية أو يدفن اللي باقي من الذاكرة أكتر.
الذكريات لو ليها طريق ترجع… هترجع لوحدها، وعلى مهل.
ساد الصمت.
أنزل مالك عينيه، وكأن الكلمات سحبت منه آخر خيط أمل كان متشبثًا به.
لم يكن النسيان هو الخطر الحقيقي…
الخطر كان في محاولة إجبارها على التذكّر.
أما محمود، فلم يكن يفقه أي شيء، سوى صدمةٍ تلي الأخرى.
قال محمود بجمود:
— إيه الفترة اللي أختي نسيتها يا دكتور؟
— إجابة السؤال ده هنعرفها لما الآنسة مَكّه تفوق.
قال مالك بلهفة:
— أقدر أدخل يا دكتور؟
— أكيد طبعًا، حالتها مستقرة دلوقتي، بس ياريت ما ننساش اللي اتقال.
تركهم الطبيب في حيرتهم، وخرج.
لم تكد تمر لحظات حتى خرجت مهرولة، واتجهت إلى محمود تسأله بلهفة، ولسانها ينطق وقلبها يخفق برعب:
— محمود… مَكّه كويسة؟!
نظر إليها محمود من أعلى لأسفل باشمئزازٍ شديد، ولم يجب.
ابتلع مالك ريقه، وهو ينظر تارةً إلى محمود، وتارةً أخرى إلى تلك التي كان جسدها يرتعش من التعب والقلق.
تركهم محمود مهرولًا إلى غرفة أخته.
ما إن دخل حتى ابتسمت مَكّه باتساع، كانت تجلس نصف جلسة بصعوبة:
— محمود…
هرول نحوها وضمّها بشدة، وكأنه يكتم بكاءه، لكنه انهار دون قصد، وبكى كالطفل الصغير بين ضلوعها.
ضمّت حاجبيها محاولة تهدئته، وربتت على ظهره:
— اهدي، أنا كويسة. الدكتور قالّي إني عملت حادثة وبقيت تمام الحمد لله… زي القِردة أهو!
لم يعلم محمود، هل يبكي من شدة سعادته بنجاة أخته، أم من ألمه بعد سماع خبر حمل مها.
وقبل أن ينطق بحرف، دلفت مها كالمجنونة.
وجهها شاحب، وعيناها غارقتان من بكاء ليلةٍ كانت ستفقد فيها روحها.
هرولت نحو مَكّه، وبكت بهستيريا وصوتٍ عالٍ:
— آه… كنت هموت يا مَكّه!
أبعدتها قليلًا، وأخذت تتحسسها بقلق:
— إنتِ كويسة؟ مفيش حاجة وجعاكي؟ صح؟
ابتسمت مَكّه بمزاح:
— يا عيني والله… قِردة.
وما إن حاولت التحرك حتى تأوهت:
— أي قِردة مكسّحة بس… قِردة برضه.
ابتسم الجميع…
إلا هي.
اصطدمت عيناها بذلك الذي يقف بعيدًا عند باب الغرفة، دموعه تهبط في صمت.
أراد عناقها، عناقًا يعلم أنه إن ناله، لن يقوى على الإفلات منها أبدًا.
ارتعش جسدها، وانتفض قلبها، لكنها ابتسمت باتساع:
— مالك… أحم… البشمهندس مالك بنفسه عندي؟
ابتسم مالك، وكاد يقترب، لكنها سبقته بصوتٍ مبحوح حاولت السيطرة عليه:
— إيه ده؟ إنت خطبت؟
تجمّد.
قال دون وعي، وبصوتٍ مرتفع:
— نعم يا أختي.
نظرت مها إلى مَكّه بصدمة:
— معقول نسيتي مالك؟
قاطع محمود سريعًا، متذكرًا تحذير الطبيب:
— نبقى نشوف الموضوع ده بعدين يا مَكّه، المهم إنك كويسة.
أغمضت مَكّه عينيها، وشعرت بدوارٍ مفاجئ.
أسرع محمود ومالك حين رأيا وجهها يشحب ويميل للاصفرار.
خرج مالك كالمجنون يبحث عن الطبيب.
جاء الطبيب مهرولًا، ممسكًا معصمها:
— نبضها عالي جدًا!
وأشار للممرضة التي جاءت بجهاز قياس الضغط.
قال الطبيب بصدمة:
— ضغطها عالي جدًا! إنتوا عملتوا إيه؟
أخرجهم سريعًا، وبدأ التعامل مع الحالة.
شردت مها بعيدًا… بعيدًا جدًا.
بينما شعر مالك بالذنب ينهش صدره.
قاطع الصمت صوت هرولة وبكاء هستيري:
— بنتي فين؟ مَكّه حصلها إيه؟!
أمسك محمود معصم أمه التي أوشكت على الانهيار:
— أختك فين يا محمود؟!
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
صرخت مها بانهيار:
— ده كله بسببي! ياريتها كانت سابتني أموت!
ارتعش جسد مالك، وخاف أن تدفعها حالتها للكلام بلا وعي، فشدّها إليه بقوة:
— بس يا مها، اهدي!
لكن محمود قال دون وعي:
— فعلًا… ياريتها.
أبعد مالك مها بعيدًا.
جلس محمود مع والديه، وقصّ عليهما ما حدث.
انهارت الأم، وجلست تبكي بحرقة:
— يا حبيبتي يا بنتي…
قال محمود بلطف:
— هروح أجيب عصير لماما يا بابا.
في الأسفل، داخل حديقة الجنينية، جلس مالك، وجلست مها بجواره تبكي بهستيريا.
لم يتكرر في عقل مالك سوى سؤالها:
إنت خطبت؟
هل هذا جزاء ما فعلاه بها؟
أن تنساه… وتنسى اعتراف حبه الذي ظل سنوات يحملُه بين ضلوع قلبه؟
فاق على صوتها:
— هنعمل إيه؟
رفع حاجبه ببرود:
— عايزة إيه؟
— ما تتجاهلنيش… أنا مراتك ومن حقي أفهم!
وقف بغضب:
— مش ده اللي إنتِ عاوزاه؟
أشارت إلى نفسها بصدمة:
— أنا؟ هو أنا اللي عملت كده؟
قاطعها بغضبٍ أعمى:
— إنتِ اللي وافقتي تخوني صاحبة عمرك!
نظرت للأرض بألمٍ يعصر قلبها.
قال بسخرية:
— مبروك يا مدام الهلالي على الحمل…
ولا هو من وقتها برضه؟
ابتلعت ريقها، وقبل أن تتكلم، سمعت صوتًا خلفها:
— مها.
وقفت كمن لُدغت بعقرب.
كانت والدة مَكّه، فتحت ذراعيها لها.
نظرت مها إلى مالك، ثم ألقت بنفسها بين ضلوعها.
— إنتِ مالكيش ذنب يا بنتي… مَكّه لو ماكنتش انقذت كانت هتبقى عايشة ميتة ومش هتسامح نفسها دي روحها فيكي
هبطت دموع مها، لا تعلم:
هل تعتذر عن خيانتها؟
أم عن شرودها الذي لم يترك لها فرصة لرؤية السيارة؟
بعد مرور أسبوع…
خرجت مَكّه أخيرًا من المستشفى، متعافية جسديًا…
لكن قلبها لم يشفَ.
كانت تشعر أن شيئًا كبيرًا انتُزع منها،
وأن أكثر شخص أحبّته… تركها وذهب لغيرها.
ما إن دخلت غرفتها حتى دارت فيها بسعادة:
— بيتنا وحشني قوي يا ماما.
قال أخوها بغمزة:
— نوّرتي بيتك يا ست الكل.
قال والدها مبتسمًا:
— البيت كان مضلم من غيرك.
دلفت مها، وتعانقتا:
— وحشتيني يا بت!
ساد الصمت عند صوت مالك من باب الغرفة:
— حمد الله على السلامة يا وتيني.
ابتسمت مَكّه ابتسامة متكلفة، وضمت كتف مها:
— أكيد تقصد مها يا باشا… إحنا أخوات بس ركّز بعد كده.
تجمّد الجميع.
ثم جاء صوت من الخلف:
— مَكّه نسيتي فرح مها؟ اللي كنتِ بترقصي فيه زي المجنونة؟
التفتت الأنظار بصدمة…
ويُتبع
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
{هل أدركت أنها أحبّت شخصًا تزوج من صديقتها عمرها؟!}
نظر الكل إليه، ليتفاجأوا بمحمود الذي اقترب قبل كف يد أخته بكل حب ورومانسية واحتضان:
— يلا بقى يا مكتي، خدي شور علشان نتغدى، وهحكيلك أنا اللي حصل في فرح مها.
ابتلعت مها ريقها برعب، فيما مالك ظل يهز رأسه بجنون ورعب. وما أن تحركت مكه بوجه متعب نحو المرحاض، ملبية كلام أخوها، حتى سرعان ما سقط كفها بدون سابق إنذار، ويدها ترتعش وقلبها ينتفض:
— بقى هي دي اللي رمت نفسها قدام العربية علشانك يا بنت نجلاء.
فتحت مها عينيها بصدمه:
— ما… م…
رفعت فاطمة والدة مكه أصبع السبابة لتحذيرها:
— الكلمة دي ما تخرجش من لسانك تاني، انتِ فاهمة.
قالت
— ربنا أراد يفضحكم قدامي… يعلم ربنا، ماكنتش أقصد اتصنت عليكم، كنت بدور عليكي آخدك في حضني، افتكرتك خايفة عليها، واتاري القدر أخذ برجلي علشان أشوفك وانتِ فيها.
نظرت فاطمه لمالك لتبصق على الأرض بشمئزاز:
— أخص!
ولكن سرعان ما اتصدمت من رد فعل محمود، الذي وقعت رقبة مالك بين يديه ليصرخ بغضب أعمى:
— وحياة أمي، لولا خوفي على أختي كنت قتلتك بأيدي!
وقعت مها على الأرض تبكي هستيريا:
— أرجوكم، ماتظلمونيش!
في حين والدتها قالت بغضب وهي تبعد ابنها عن ذلك الذي أصبح أكره الناس لقلبها:
— بس يا بني، سيبه، دي أشكال أقل من إنك تضيع نفسك عشانهُم!
هرولت مها للخارج...هاربه
قال محمود بغضب:
— كفاية يا أمي، مكه لازم ترجع تعيش حياتها بهدوء.
نظر محمود إلى مالك بغضب:
— انت ليه لسه واقف هنا؟ روح أجرى ورا الهانم اللي جريت، يلا.
مالك لم يجيبه، بينما توقف الكل على خروجها، وهي تنظر إلى وجوههم المتوترة:
— أحم… فين مها؟
أجاب محمود بسرعة وبسمة تعبانة:
— تقريبًا جدو فؤاد تعب شويه، فراحت له.
هزت مكه رأسها بهدوء لتقول لمن يقف مثبت النظر عليها:
— انت كويس يا مالك؟
ابتسم مالك بهيام وقال بهدوء:
— آه، بقيت كويس.
أخيرًا اطمأن عليها عندما دخلت غرفتها لتنام، فقد أرهقتها تلك الليالي الماضية ومن رأسها التي ترفض أن تتذكر أي شيء.
في صباح يوم جديد،
دخلت المدرج وهي بتعرج خفيف، تبحث عن كرسي فاضي. فجأة سمعت صوتًا من خلفها هاديًا ومستفزًا:
— على مهلك… رجلك لسه مش في سباق.
وقفت مكانها، أغلقت عينيها ثانية، وقالت:
— لو الصوت ده طلع وهم… يبقى المخ لسه ما خفش.
ضحك بخفة:
— لا، المخ تمام… المشكلة إنك مش سامعة الكلام.
التفتت، شهقت:
— إنت؟!
— للأسف أنا.
قبل أن تستوعب، دخل دكتور المادة وقال:
— صباح الخير… معانا النهارده المعيد الجديد.
أشار عليه. نظرت له، ثم للمدرج، ثم له مرة أخرى بصوت واطئ:
— لا… لا… الجامعة دي محتاجة إسعاف.
اقترب منها خطوة وهمس:
— اطمئني، أنا مش بكشف هنا.
قالت بسرعة:
— أحمد ربنا.
ابتسم:
— بس بحضر الغياب.
اتسعت عينيها:
— كده أسوأ.
كتب اسمه على السبورة، فقرأت مها بصوت واطئ:
— يعني إنت كنت ماسك الملف الطبي، ودلوقتي ماسك الدرجات؟
ضحك:
— تطور وظيفي طبيعي.
غمغمت وهي تجلس:
— أنا لو كنت أعرف، كنت عملت الحادثة في إجازة الصيف.
سمعها، وكتم ضحكته بالعافية:
— المرة الجاية، اختاري توقيت أحسن.
جلست مكه مكانها وهي تضحك غصب عنها وهمست:
— واضح إن الترم ده جاي يضحك عليا مش يعلّمني.
وفي نفس المكان، دخلت مها بوجه شاحب ومرهق. مكه كانت تنظر بغضب إليه، غير منتبهة لتلك التي جلست بجوارها. حركت مها كف يديها أمام وجهها أكثر من مرة:
— فينك يا أمي؟
انتبهت مكه لها وقالت بهمس:
— كنت فين؟ استنيتك في البيت، ماجتيش، وتليفونك مغلق.
قالت مها بصوت هادئ:
— آسفة، راحت عليّ نومه.
ولكن صبوا انتباههم على ذلك الذي قال بهدوء:
— مادة الجراحة، يا دكاترة، عاوزه شغل كتير.
أدرك بمسعهم صوت الفتيات من خلفهم:
— يالهوي، دكتور موز سنه خامسة بطعم المكسرات!
— لون عيونه زرقا غرقانة فيها…
— ياختااااي، ولا الذقن!
ابتسمت مكه وحركت رأسها من كلامهم ببسمة.
بعد ساعتين، خرجوا من السكشن. قالت مكه لمها سريعًا:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
— أنا هموت من الجوع!
أجابت مها بسرعة:
— خليكي، أنا هجبلك.
حركت مكه رأسها بلا:
— أنا كويسة… تعالي يلا، قبل ما أغمي عليا.
كان يقف بعيدًا يجز على أسنانه:
— نسيتي النقاب كمان يا بنت الجبالي.
في مكان بعيد في الصحراء
، كان يجلس ينشر الدخان في الهواء، وعيناه حمراء، ارتسمت بداخلها الشرايين بشكل واضح. جاء صوت من جواره:
— كفاية كده يا عم محمود، زودت الجرعة النهارده.
دفعه محمود بغضب ليقول مترنحًا:
— ابعد عن وشي يا صابر!
صابر وهو يسحب الكأس من يده بغضب:
— يا بني، انت مش قدّ الشرب تشرب تاني، آخر مرة يا عم محمود عكتها.
محمود ليس معه سقطت دموعه بحرقه:
— أنا بحبها من وهي طفلة، كنت بقول عليها الأميرة بتاعتي… سابتني، وأنا أخترته هو لأ، وكمان حامل منه ههههههههههههه!
وقف مترنحًا ليرفع الكأس في الهواء:
— بصحة غبائي أنا وأختي ههههههههههههه… كانت مقرطسانة طول الفترة دي، قرطست عيال الجبالي.
جاء صوت من خلفه وقال بغضب:
— عم الرحيم، لو عرف حاله ابنه، هيدخل في نوبة قلبية يا محمود!
بينما محمود ليس معه، بل هناك، سكاكين قلبه تغرز فيه شعور لا يستطيع وصفه بمئات الكلمات…
{الحب لما يتحول لسخرية، يبقى الوجع أكبر من إنه يُشاف.}
كانت خارجة من الكلية
مرهقة، عقلها سبقها بخطوتين، وإيدها في الشنطة تدور على السماعة.
خطوة… خطوتين… خبطت في حد.
الخَبطة خفيفة، لكن الحاجة اللي وقعت كانت كوباية قهوة.
بصّت على الأرض بصدمة:
— يا نهار…
قبل أن تكمّل، جاءها صوت مألوف جدًا:
— متقلقيش، ده كان آخر رشفه.
رفعت رأسها ببطء، ولما شاهدته، شهقت:
— لا… إنت مش حقيقي.
بص للكوباية الفاضية وقال:
— لا حقيقي… بس بدون كافيين دلوقتي.
— أنا آسفة… والله ما كنت شايفة قدامي.
بص إليها من فوق لتحت وقال بهدوء مستفز:
— ملاحظة طبية… الإرهاق بيقلل مجال الرؤية.
— وملاحظة طالبة… القهوة بتطير بسهولة.
ابتسم غصب عنه:
— واضح إننا مش محتاجين نصطدم أكتر من كده.
— اطمن، دي آخر مرة.
— سمعت الجملة دي قبل كده.
— إمتى؟
— في المستشفى… قبل ما تقعي من السرير.
اتسعت عينيها، وفلاش سريع في دماغها… المستشفى: السرير، الأرض الباردة، وهو واقف جنبها:
— قلتِ تمشي بهدوء!
هي متعلقة بالسرير، متلخبطه:
— أنا… كنت بهدوء… الأرض اللي اتحركت!
ضحكت لنفسها: «باين إن حظي مش بيخليني أمشي من غير مغامرة.»
— أوه! أيوه… أنا فعلًا عندي تاريخ أسود مع التوازن.
ضحك لأول مرة بوضوح:
— باين.
بصّت للكوباية تاني وقالت بجدية فجائية:
— طب أنا كده مدينة لك بقهوة.
— لا، كفاية إنك ما وقعتينيش المرة دي.
— يعني إحنا متعادلين؟
— مؤقتًا.
سابها ومشى، ثم وقف وقال من غير ما يبص لها:
— خدي بالك… الجامعة دي مليانة حواجز خطيرة.
ردت بسرعة:
— أهمها إنت.
ضحكت مها من الخلف:
— أحلى كوباية قهوة يا ست مكه.
ضمّت مكه حاجبها:
— انتِ بتبتسمي ليه كده؟
— دكتور المادة اللي كان بيعالجني في المستشفى.
ضربت مها بخفة على جبينها:
— يلاهوي… وأنا عمالة أقول والله السحنة دي شوفتها قبل كده.
ما كادت تجاوب مكه حتى جاء صوت من خلفها:
— السحنة إيه؟!
مكه انتفض قلبها لتلعن بداخلها غبائها:
— زوج أختي العزيز…
مالك ضم كف يده بغضب شديد:
— تعالوا علشان أوصلكم.
مكه سريعًا رجعت خطوة للخلف:
— لا، يا باشا، خد مراتك وحلو عني، أنا رايحة أعمل شوبنج.
مالك رفع حاجبه، وهو لا يحرك كف يديه من بنطاله، قال بهدوء شديد:
— لا والله…
كانت حركة عفوية منه، لكنها أثارت ذكريات في عقلها.
شعرت بدوار، لكنها سرعان ما أعادت عقلها بصعوبة.
لاحظ مالك انخطف وجهها وقال برعب:
— مكه… انتِ كويسة؟
تنفست مكه لتحرك رأسها عدة مرات بنعم.
قاطعت مها الصمت لتقول بجد:
— خلاص، أنا كمان هروح معاكي.
مالك بخوف عليها:
— خلاص، تعالوا… أوصلكم المكان اللي انتوا عايزينه.
في السيارة شعرت مكه بالارتباك:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
— مالك… ده جوز أختك يعني محرم عليا تمامًا.
— أيوه… بس ليه عاوزه أبص في عينه؟ ليه جوه قلبي بيقوله ده كذب… مستحيل تكون متجوزه في حاجة غلط.
— يوووه… مفيش أي حاجة غلط… ده شيطان عاوز يخسرك أغلى واحده على قلبك… بس لأ… مستحيل.
فاقت مكه على صوته الذي نطق بغضب:
— دخلي إيدك من الشباك.
دخلت مكه يديها سريعًا… في حين مها نظرت عليه، فكيف انتبه ليد مكه بينما لم ينته ليدها التي كانت على نفس الوضع؟
رن هاتفها… رفعت السماعة بيد مرتعشة:
— اقسم بالله يا مها، مش هخلي أخويا لعبة في إيدك… انت واللاعيبك، فاهمة؟
أغلقت الخط في وجهها، ابتلعت ريقها… ضمت مكه حاجبها وقالت بهدوء وهي تمسك كف يديها:
— انتِ كويسة؟
هزت مها رأسها بهدوء:
— دي مريم كانت بتطمن عليكي.
نظر مالك لعيني مها في المرايا… في حين مكه قالت بسعادة:
— مريوممممي… وحشتني خالص.
وأخيرًا انتهى اليوم… كانت مكه تجلس وتنظر في السماء حيث مكان القمر تمامًا.
كادت تتحرك للداخل، لكنها تفاجأت بمالك الذي يجلس أسفل شرفتها يتحدث مع أحد بجد.
قالت بهمس:
— مالك…
ولكن كأن سمع صوتها جيدًا، ليرفع نظره نحو شرفتها.
دخلت مكه سريعًا وأغلقت الشرفة بغضب من نفسها.
صرخت في نفسها بغضب:
— وبعدين معاك يا مكه… استغفر الله العظيم، يارب سامحني… ايه اللي قلبي بيهبّه ده؟
هرولت بالوضوء ثم وقفت على سجادة الصلاة… وهي تستغفر بجد:
— انسى بقى… خلاص… مالك مش بتاعك… مالك دلوقتي بتاع أغلى واحده عندك… طلعيه من دماغك… تمام؟!
— يعني إيه… هو أنا ازاي كنت بتعامل مع الوضع ده؟
— الحادثة ما لعبتش في ذاكرتي… بس لعبت في مشاعري كمان…
— أيوه… يعني ايه… مالك طلع بيحب مها… وأنا ليه؟ بحبه مادام بيعشق مها… أووووف.
اتجهت نحو فراشها مقررة تنام هاربة من حرب أفكارها.
عند مالك، لم يترك تحت شرفته حتى رأى أن النور قد أُطفئ.
جلس يمسك الفرشاة ويترك ليده العنان ليرسمها… اليوم… كيف كانت جميلة كالقمر… حتى شعر أن عقله سيطير… كيف الكل يرى وجهها.
دلفت مريم بغضب أعمى:
— ليه يا مالك؟!
مالك تنهد بقوة:
— علشانها.
مريم بجنون:
— علشانها تدمرها وتدمر نفسك؟
مالك بحزن:
— جايز لما تعرف تسامحني…
رفعت مريم إصبعها محذرة مالك بشدة:
— انت علشان تضبط لها حياتها دمرت حياتك!
نظر مالك للصورة التي يرسمها لنطق بهدوء:
— بس هي تستاهل… أضحى بيها… علشانها!!!!!
/ندا الهلالي
هل مالك مظلوم؟
هل مها مظلومة؟
هل مكه ستقع في حب شخص آخر؟
هل ستسامح مها ومالك أم هناك شيء آخر؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
{بس هي تستاهل… أضحّي بيها… علشانها!!!!!}
مريم صرخت بهستيريا:
— يا بني آدم فوق! إنت بتدفع تمن مشاريب مش بتاعتك أصلًا!
تنفّس مالك بهدوء:
— كفاية يا مريم يا حبيبتي، ما تشغليش بالك بالموضوع ده.
واتجه إلى الخارج، تاركًا أخته في غضبها ونفاد صبرها منه.
مريم بغضبٍ أعمى:
— مش هسيب سمّ مها ينتشر أكتر من كده! دي هتدمر حياتك… أنا لازم أتصرف وأخلّصك من كابوسها.
--------------------&------------&-----------&------------
بعد مرور شهر… 🥹🫶
في صباح يوم جديد… 🥹
الساعة الحادية عشرة مساءً،
في المدرج، تحديدًا في سكشن الجراحة…
نطق وهو ينظر إليها:
— وطبعًا لما دكتور تميم يقول دي هتيجي، يبقى هتيجي.
مكّة في سرّها:
طبعًا… طبعًا.
أنهى تميم السكشن، لتظهر سلايد مكتوب عليها (Thank you):
— أي سؤال يا شباب؟
الجميع هزّ رأسه بالشكر، عدا هي، رفعت يدها تستأذن بالسؤال.
أومأ لها:
— اتفضلي يا دكتورة مكّة.
تنهدت قليلًا قبل أن تنطق بصوتٍ هادئ مختلط بالحيرة:
— دكتور تميم… حضرتك قلت مرة إن في مرضى ممكن يفقدوا جزء من ذاكرتهم بعد حادث… يعني زي Retrograde Amnesia؟ طيب… إزاي ممكن ترجع لهم ذاكرتهم؟
نظر إليها تميم بدهشة خفيفة من السؤال المباشر، ثم حاول تبسيط الإجابة:
— بالضبط يا مكّة. Retrograde Amnesia يعني إن المريض ينسى ذكرياته اللي قبل الحادث، وأحيانًا ينسى أحداث معينة ويفتكر حاجات تانية. رجوع الذاكرة بيكون تدريجي… أحيانًا مع الوقت، أحيانًا بالمحفزات اليومية، وأحيانًا بالعلاج النفسي. الموضوع بيعتمد على شدة الصدمة وطبيعة الإصابة.
نظرت مكّة إلى الأرض، كأنها تجمع شتات ذكرياتها الضائعة:
— يعني… مفيش علاج سريع؟ مجرد صبر ومحاولات… صح؟
ابتسم تميم برفق:
— كل حاجة بالصبر بتتحل… ولو ما اتحلتش، يمكن ده الخير. الخير دايمًا بيبقى مجهول، بس تأكدي إن ربنا ما بيجيبش غير الخير.
شعرت مكّة بالأمان من كلماته، فهزّت رأسها شاكرة.
في حين نظرت مها إليها بألم…
آه يا مكّة، لو افتكرتيني هتبقى نهايتي أكيد.
ــــــــــــ&&ـــــــــــــــ&&ــــــــــــــــ
عند مالك… في شركته…
كان جالسًا منكبا على أوراق أمامه، أخرجه من شروده صوت رنين هاتفه.
تنهد، ورفع الهاتف إلى أذنه:
— خرجت؟
— أيوه يا باشا، لسه خارجة من ربع ساعة.
— خلي عينك عليها… لو حصلها حاجة، روحك هتروح لخالقها. فاهم؟
— حاضر يا باشا.
أغلق الخط، وأسند ظهره إلى الكرسي، مغمضًا جفونه…
لتخترق ذاكرته ذكرى سريعة.
فلااااااش 🫶
— إنتِ إيه اللي هببتيه ده؟ وإزاي ده حصل؟
— أرجوك يا مالك… أنا ماليش غيرك.
بااااااك 🫶
فاق من شروده، ليقف واضعًا كفيه في جيبيه، ينظر من الشرفة بشرود.
ــــــــــــــــ&ــــــــــــــ&ـــــــــــــ&ــــــــــــــ
مها بتعب:
— أنا همشي يا مكّة.
مكّة بسرعة، مستندة على كفها:
— إنتِ مال وشّك تعبان كده ليه؟
مها هزّت رأسها:
— ولا حاجة… ضغط مذاكرة بس.
ابتسمت مكّة بتعب:
— هو عمو مصعب ما حاولش يتصل بيكي؟
شردت مها فجأة…
فلااااااش 🫶
— انطقي يا بنت الـ… مين اللي بعتي ليه نفسك بالرخص؟
صرخت باكية بهستيريا من كثرة الضرب، كانت على وشك الموت:
— مالك الهلالي يا بابا…
بااااااك 🫶
هزّت رأسها نافية:
— مفيش جديد… من وقت ما ماما ماتت وهو نسي إن عنده بنت. ولولا وجودكم، أنا كنت انتهيت من زمان.
تعسّر قلب مكّة ألمًا عليها، فغمزت لها بمشاكسة:
— يا عم ربنا يباركلك في مالك، بينا كلنا.
ابتلعت مها ريقها بتوتر:
— أنا همشي… نتقابل بالليل.
مكّة بسرعة:
— صحيح يا مها… فين صور فرحك إنتِ ومالك؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
نظرت مها إليها بفزع وارتباك، لا تعلم ماذا تقول…
أوقفهم صوتٌ كان يترقّبهم منذ خروجهم:
— بس القهوة على العيانين غلط.
نظرتا الاثنتان إلى مصدر الصوت.
مكّة بتحريك عينيها:
— هو من إمتى المعيدين بيتواضعوا وينزلوا الكافيتيريا؟
ضحك بقهقهة:
— فعلًا… بس قررت أتواضع وأنزل لمستواكم.
ضيّقت مها عينيها، ثم تساءلت:
— حضرتك يا دكتور، مع كل الناس عشري كده؟ ولا مكّة حالة خاصة؟
نظر تميم، وهو نفسه لا يعلم لماذا يتصرف هكذا:
— بصراحة… حالة خاصة.
نطقها وهو ينظر في عيني مكّة، التي أبعدت نظرها بانفعال.
وقفت بغضب:
— مع كامل احترامي يا دكتور، مش ملاحظ إن الموضوع زاد شوية وبقى غلط؟
نطق بجدية:
— وليه نخليه غلط؟ تعالي نخليه صح.
مكّة ومها معًا بدهشة:
— إزاي يعني؟!
مها في داخلها:
هل يعلم هذا المسكين أن نهايته ستكون اليوم؟
رفع كتفيه بلا مبالاة:
— عادي… هطلب إيدك، زي أي شاب أعجب بشابة وبس.
مكّة بغضب:
— لا، ده جنان رسمي!
ضربت مها صدرها بصدمة لا إرادية.
هرولت مكّة إلى الخارج غاضبة…
وفي اللحظة نفسها، ارتفعت سماعة هاتف:
— تمام يا باشا، تحت أمرك.
ــــــــــــ$ــــــــــــ$ــــــــــــ$&ـ&&&&&ــــــــــــ
— إيه اللي في إيدك ده يا محمود؟
محمود بشرود:
— اللي إنت شايفه.
— إنت ناوي على إيه؟
— هقتلها!
وقف صابر مذعورًا:
— إنت اتجننت يا دكتور؟ إنت بترمي نفسك في حبل المشنقة بإيدك!
— وبعدين ما تنساش المصيبة اللي عملتها قبل كده… مش خايف البنت اللي اعتديت عليها تشوفك وتفضحك؟
صرخ محمود بجنون:
— مستحيل أسيبها! رايحة تتجوزه وأنا اللي حبيتها طول عمري!
— الحب مش بالعافية يا محمود!
ضحك هستيريًا: وهو يشرب.ب ويترنح
— مش مصدق… محمود الجبالي ابن الشيخ الرحيم قاعد في بار! اللي. ياما أبوه بيبعده عننا ويحظره مننا مشرف معانا هنا
بينما كان محمود في عالم آخر، عالم سيطرت عليه الشياطين.
اندفع للخارج كالمجنون…
ــــــــــــــــ$ــــــــــــ$ــــــــــــــــ$ــــــــــــ
— يا بنتي اهدي! إيه مركّبة عجلات؟
— مكّة، اصبري شوية!
كانت مها تركض خلفها، بينما مكّة تصرخ:
— ده مجنون! إزاي يستجرأ؟ هو فاكر نفسه مين؟!
وفي اللحظة نفسها، كان محمود يقترب، لا يرى إلا شيئًا واحدًا…
سيقتلها.
(عندما ينطق القلب، يُصاب العقل بعمى حاد)
دقائق فقط…
ثم عمّ الصراخ…
وتجمّد الزمن عند مكّة، وهي تراها تسيل في دمائها.
رآت منظرها بعينين متجحظتين ليضرب عقلها آفكار وأصوات كثيره لا إراديه
— لأ يا قلب أخوكي، فوقي يا مكّة!
— حد يكلم الإسعاف!
— البنت بتموت!
بحبك يا بنت الرحيم وعاوز أتجوزك!
صرخت بدهشة، وفي اللحظة نفسها صرخ والدها:
— لو نزلتلك يا ابن الهلالي، مش هتعرّف وشك من رجلك!
وبدون سابق إنذار، ارتطم جسدها بالأرض…
وآخر ما نطقت به:
— مها…
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
وبدون سابق إنذار، ارتطم جسدها بالأرض…
وآخر ما نطقت به: مها.
نظر محمود كالمجنون وهرول عليها وهو يجري نحوها:
— م… مها!
وفي حين صرخ أحد الرجال وهو يضرب كفًا على كف:
— لا حول ولا قوة إلا بالله… السواقين الأيام دي بقوا يتعاطوا، والأرواح بتروح!
بعد دقائق 🖤
كان محمود يجلس أمام باب الغرفة… ويخفّ وجهه بين كفيه:
— أنا إزاي كنت هعمل كده؟ هو أنا فعلاً كنت هموّتها؟
توقف فجأة على صوت ذلك الهائج الذي قال بلهفة:
— مكّة فين؟!
ضم محمود حاجبه:
— مالها مكّة؟ وبالنسبة للبِت اللي بتموت جوّه دي… عادي.
مالك بقلق واضح:
— إيه اللي حصل؟!
كرّر سؤاله بلهفة:
— مكّة فين؟!
قاطعتهم فاطمة وهي تدلف مهرولة:
— مالها مها يا محمود؟ واختك فين؟
نظر مالك إلى جمال قلوب تلك الأسرة، فرغم ظنهم بأنها خانت ابنتهم، إلا أن قلوبهم لم تقسَ على تلك التي ربّوها.
وأخيرًا، بعد مرور دقائق من التوتر الشديد، دُفِع الترولي بسرعة من غرفه الطوارئ الي داخل غرفة العمليات.
صوت الأجهزة متداخل مع أنفاس مها المتقطعة، والدم على جبينها كان كفيلًا أن يُنسي الجميع أي شيء غير أنها تعيش.
رفعت الدكتورة صوتها بحزم:
— نزيف داخلي بسيط، بس فصيلة دمها O سالب… حضّروا دم فورًا.
اندفع مالك دون تفكير:
— أنا أتبرع.
وفي نفس اللحظة قال محمود:
— وأنا كمان.
رمقتهم الدكتورة بنظرة سريعة:
— تمام… هنعمل اختبار توافق سريع.
مرت دقائق ثقيلة، قبل أن تقترب الممرضة وتهمس للدكتورة بشيء، فملامح الدكتورة اتغيرت… مش صدمة، لكن تركيز حاد.
التفتت ناحية مالك أولًا:
— للأسف… الدم مش متوافق.
تجمّد مالك مكانه وابتلع ريقه بهدوء.
ثم نظرت لمحمود:
— تبرعك متوافق تمامًا… وده اللي هنستخدمه.
سكتت لحظة، كأنها بتراجع حساباتها، قبل أن تضيف بنبرة مهنية:
— وبما إن في حمل، لازم ناخد في الاعتبار عامل الـ RH وتأثيره على الجنين.
رفعت عينيها مباشرة:
— مين الأب؟
رد مالك بسرعة، أسرع من اللازم:
— أنا.
الدكتورة ما علّقتش… لكنها سجّلت المعلومة.
ـــــــــ$ـــــــــ$ـــــــــ$ـــــــــ$ـــــــــ
في منطقة بعيدة نوعًا ما… في قصر يزينه يافطة كبيرة مكتوب عليها: {آل العاصي}.
فتحت مكّة عينيها فجأة وهي بتصرخ:
— مهااااا!
ارتطمت رأسها بمسند الكنبة:
— آخ!
صوت جاء من أمامها، بارد:
— حلو… أول ما تفوقي تكسّري العفش.
لفّت رأسها بحدة… تميم
واقف، ماسك موبايله، وباصص لها كأنها مشروع صداع.
— إنت بتعمل إيه هنا؟!
— في بيتي.
بصّت حواليها بذهول:
— أنا فين؟!
— ما قولتلك…في بيتي
وقف لحظة:
— مش المستشفى.
قامت تجلس بسرعة:
— إزاي مش المستشفى؟! أنا كنت بموت!
— ما هو باين…
اقترب خطوة:
— بس للأسف رجعتي.
رمقته بغيظ:
— إنت قليل الذوق!
— وأنتِ قليلة الوعي.
سكتت ثانية، ثم اتنفضت:
— مها فين؟!
— سابتك وهربت.
— إيه؟!
— بهزر…
رفع كتفه:
— في المستشفى، قالتلي آخدك وأجري.
نطق كلامه بمزاح.
قامت واقفة:
— لا لا لا… لازم أمشي!مها ..مها هي كويسه
اتلغبطت، كادت تقع، فمسكها من دراعها:
— على مهلك يا بطلة…
تركها فورًا:
— قبل ما تقعي وتموتي عندي وتبقى مصيبة.
شدّت ذراعها:
— متلمسنيش!
— متقلقيش…
رجع يقف بعيد:
— أنا نفسي مش متحمس للمسّ.
بصّت له بشك:
— إنت ليه جبتني هنا؟
ابتسم ابتسامة جانبية:
— عشان شكل اليوم مش ناقص جنان… وأنا بحب أتفرج من بعيد.
رمته بنظرة:
— أنا فين بالظبط؟
— في أأمن مكان دلوقتي.
— يعني؟
— يعني محدش هيلاقيكي…
سكت لحظة:
— غيري.
بصّت له:
— أنت مجنون.
— عارف.
وقعد قصادها:
— بس بصراحة…
نظر لها بثبات:
— إنتِ محتاجة تهدي قبل ما تتكلمي.
سكتت… ثم قالت فجأة:
— أنا دماغي وجعاني.
— لأ…
ابتسم:
— بس دماغك عاملة زي الإنترنت… تقع، تفصل، وتشتغل من غير إنذار.
غمغمت:
— غبي.
— لا…
وقف:
— بفهمك.
وسابها وخرج وهو يقول بهدوء:
— بلاش دوشة لحد ما أجيلك.
وقبل أن تثور غاضبة… وقفت بصدمة وهي تراه يُلقي لها قبلة في الهواء ليغمز لها، تاركًا الغرفة… وأغلق الباب بإحكام.
في حين كادت تهرول نحو الباب، كان هو أسرع… وأغلقه بإحكام.
ولكن فجأة… تضاربت الأفكار في عقلها، وشعرت بدوار، والكلمات تتردد في مسمعها:
— مالك طلع بيحب مها يا مكّة واتجوزها وهي حامل منه كمان…
— يا بنتي، إنت ناسية رقصك في فرح مها؟
— أنا عملت كل ده علشانك.
— هناك لقَمري شبيه في السماء.
— كان هيحصل إيه لو وصلتوني وبعدين إنتوا اتمشيتوا؟
— لأ يا قلب أخوكي، فوقي يا مكّة!
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
وما كادت تسقط على الأرض، مستسلمة لكل هذه الضوضاء…
ولكن كانت هناك يد أسرع تلتف حول خصرها، وهو يقول بجد وضربات قلب متتالية:
— يا بنتي، إنت التفاحة اللي اتكلم عنها نيوتن… عندك جاذبية مع الأرض!
حملها وأعادها إلى الأريكة، بضربات قلب متسارعة لا يعلم سببها.
ونطق لتلك التي تقف بجواره:
— هاتي العصير يا سعاد.
حاول أن يفيقها، لفّ يديه حول خصرها ليسند ظهرها ليجلسها.
وفي نفس المشهد دلفت… ليسمع صوته من خلفه:
— نهارك أسود نسوان يا تميم!
أبعد يده سريعًا في حركة فاجئة بعد أن فزعه، ونطق سريعًا:
— والله ما أنا…
ـــــــــ&ـــــــــ&ـــــــــ&ـــــــــ
في المستشفى، تحديدًا عند مها…
مرت دقائق ثقيلة، قبل ما الممرضة تقرّب من الدكتورة وتهمس لها بشيء، ملامح الدكتورة اتغيرت… مش صدمة، لكن تركيز حاد.
التفتت ناحية مالك أولًا: — للأسف… الدم مش متوافق.
مالك اتجمد مكانه: — وأبتلع ريقه بهدوء
ثم نظرت لمحمود: — تبرعك متوافق تمامًا… وده اللي هنستخدمه.
سكتت لحظة، كأنها بتراجع حساباتها، قبل ما تضيف بنبرة مهنية: — وبما إن في حمل، لازم ناخد في الاعتبار عامل الـ RH وتأثيره على الجنين.
رفعت عينيها مباشرة: — مين الأب؟
مالك رد بسرعة، أسرع من اللازم: — أنا.
الدكتورة ما علّقتش… لكنها سجّلت المعلومة.
بعد استقرار حالة مها، جلست الدكتورة وحدها تقلب النتائج:
فصيلة مها: O-
دم محمود: متوافق
دم مالك: غير متوافق
مؤشرات الجنين: موجب
رفعت رأسها ببطء. الطب مبيعتمدش على الكلام.
أصدرت قرارها بهدوء: — اعملوا تحليل DNA… إجراء طبي احترازي.
خرجت بعد ساعات.
الكل كان واقف. التوتر ماسك في الهوا.
وضعت الملف على الطاولة، فتحته، وقالت من غير مقدمات:
— التحاليل الجينية طلعت.
رفعت ورقة واحدة: — التطابق الوراثي الكامل موجود مع محمود.
ثم أغلقت الملف ونظرت لمالك مباشرة: — ومفيش أي تطابق معاك.
شهقة فاطمة خرجت لا إراديًا. محمود بص لمها، عينه مليانة ذهول وصدمه وفتح فم في موقف لايستوعب
أما مالك… فسكت.
الدكتورة أنهت الجملة اللي كسرت كل حاجة: — علميًا، طبيًا، وبالأدلة…
--محمود هو والد الطفل.
شهقه قويه وخرجت من فاطمه وهي تقول بنفي
-ايه الهبل ده ده مستحيل
في حين الأنظار تداولت بين مالك الهادئ ويعلن الثبات في وقوفه وحركته
ومحمود وهو في موقف لا يحسد عليه
فاطمه وهي توجه كلامها لمالك -ايه العك اللي بيتقال ده
ماتنطق يامالك انت ساكت كده ليه
مالك بكل هدوء -الآفضل أن مها لما تفوق هي اللي تفهمكم
محمود جلس كالذى آلدغه عقرب
ولكن سرعان ما مر مشهد آمام عينه ...بسرعه البرق
-ابعد عني يامحمود انت مش في وعيك ابوس ايدك ابعد
-انا بحبك انت مش مستوعبه حبي ليكي ليه
-انت اكيد اتجننت ......
-يالهوي ايه اللي انت هببته ده ال.بت ماتت
محمود غير واعي ..... ارتطم جسده علي الأرض ينام بهيام
في حين نطق صابر بجنون -هنعمل ايه في المصيبه دي
- هنرميها قصاد المستشفي
شخص آخر -اهدي ياعم صابر هي اللي جيه برجلها لغايه هنا لمحمود
- البت قاطعه النفس خالص
فاق محمود ...........
علي يد آمه التي تهز فيه بقوه
- ايه الهبل اللي بتقوله الدكتوره ده اكيد في غلط في التحاليل دي
الدكتوره نطقت بهدوء وجديه
- التحاليل مافيهاش اي غلط وتقدروا تعيدوها
وتركت المكتب متجهه للخارج بعد أن اللقت بالقنبله التي تهيج الكل ........
(طبعاً هتقولولي ليه مها تخلي مالك يتجوزها ومش محمود وليه طلبت من مالك يتجوزها وان كده هي برضو خاينه
بس هنفهمه مع الاحداث)
في نفس اللحظه خرج مالك وهو يضع الهاتف علي آذنه
- يعني ايه اختفت ياروح امك مكه فين ؟!
-والله ياباشا فاجآه طلعت بتحري من الجامعه وطلعت وراها زي ماقولتيلي بس الشارع اتزحم بسبب الحادثه اللي حصلت لمها عام واختفت
مالك كالثور ـــ ايه اللي انت بتقوله ده يعني هتكون راحت فين أتأكد أني لو مالقتهاش خلال ثواني رو.حك هوديها للخالقها
ـــــــــــــــــــــــ
في المساء 🌚
بالتحديد في قصر (آل العاصي)…
جلست تضم ركبتيها إلى صدرها، دموعها لا تهدأ، بل تزداد.
هل كانت تعيش كذبة كبيرة؟
هل أتتها الضربة من أكثر من أحبهم قلبها؟
— إنتِ كويسة؟
رفعت نظرها إليه ببطء…
ارتخَت شفتاها قليلًا، وزوايا الفم انحدرت برقة، كأنها تحاول أن تخفي ثقل الحزن والآسى عليها.
في حين عيناها حمراوان، شعيرات دقيقة من الشرايين ظهرت في بياض العين، متعرجة كأنها خيوط دقيقة من الألم، تظهر من شدة البكاء المستمر. الدموع ملأت عيونها، تكاد تفيض في كل لحظة، تتجمع على حواف الجفون لتنسكب برفق على وجنتيها، تاركة أثرها البارد والرقيق على خديها، كأنها تروي حزنها بصمت.
— وبعدين بقى، أنا كده هدوب في العيون دي ومحدش يعرف ينجدها مني.
مكّة أغمضت عينيها بتعب…
تميم بلمحة ذكية وهادئة:
— واضح من خبرتي كدكتور أن الذاكرة رجعتلك، مش كده؟
نظرت إليه بصدمة: كيف عرف؟!
أكمل بمزاح:
— بصي يا بنت الحلال، أنا كنت ناوي أربيكي على طريقتك اللي عملتيها لما اتقدمتلك.
أكمل بثقة:
— ماهو تميم العاصي ما يترفضش… البنات بتترمى عليا وتيجي إنت وتعملي كده، بس صعبتي عليا لما شوفت حالتك دي.
وعلى رأي المثل:
«الوجع لما يكبر قوي، بيطلع من العين… عشان القلب ما ينفجرش.»
ضمت مكّة حاجبها لتقول، ناشفة وجهها بفضول:
— مين اللي قال المثل ده؟
تميم ابتسم ببلاهة:
— أنا… مش سمعاني لسه قايله.
وبدون قصد منها انفجرت في الضحك بشدة وهي تضرب كفًا على الآخر…
شرد في ضحكتها التي تشبه ضحكة الطفل الصغير… ورسم بسمة واسعة.
نطقت مكّة بألم شديد من وسط بكائها:
— عمري ما توقعت حتى في أسوأ كوابيسي أعيش كل اللي بعيشه ده.
— تعرف لما تهدي اللي حواليك حب كبير فتاخد منهم…
أكمل هو سريعًا:
— خذوق كبير.
نظرت إليه وحركت رأسها بتعب:
— وقتها بيبقى جواك ألف سؤال… والسؤال اللي بيهم كلهم: أنا كنت أستاهل كده؟!
تميم جلس أمامها، منثنيًا على ركبته:
— بس عادي… دول بشر، لولا حرف الباء كانوا اتفضحوا وظهروا على حقيقتهم.
رفعت حاجبها وقالت بهمس:
— شر؟
هو أومأ برأسه:
— للأسف!
كان يشاركها الحديث فقط من باب السعادة أنها تتحدث معه وارتاحت له، حتى وإن كان هذا فقط وقت انهيارها، الذي جعلها لا ترى شيئًا سوى أنها اتوجعت بشدة، حتى وإن لم يفهم ماذا تقصد.
ولكن شل تمامًا عندما لحق بمسمعه:
— تتجوزني؟؟
وفي نفس الآن دخلت وهي تصرخ بأعلى ما لديها:
— عااااااااا أوبسيدين!!!
نظر الاثنان إليها بفزع…
… يتبع
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
{هل أحب صوره؟؟! ....لمجرد أنها شبها فأصبح أسيرها}
أوبسيدين مش مصدقة، مش مستوعبة اللي أنا شايفاه قدام عيني.
مكة حركت رأسها تنظر تارة لتميم الذي يمسح وجهه بتعب، وتارة لتلك التي تبتسم ببلاهة.
قربت الهاتف منها:
— بصي ازاي شبهك.
شهقة بدون قصد خرجت من مكة…
— دي أنا.
ضحك تميم عاليًا:
— آه غفلناكي وأنت بشعرك.
— الله يسامحك يا عمتو… سلوى قطعت علينا لحظة نكد… إنما إيه كانت هتقلب بإكتئاب.
في حين مكة نظرت بفتح فم لا تستوعب شيء…
سلوى وهي تقترب تحرك أناملها على وجه مكة ودموعها تجمعت في عينها:
— أنا لولا مصدقة أن أوبسيدين ماتت كنت قولت أنها إنتِ.
تميم قطع صمت مكة والرهبة التي في عينيها:
— أحم… أوبسيدين دي تبقى ماما، الله يرحمها.
مكة بصدمه:
— نعم!!!!!
ضحك تميم عاليًا:
— انتِ تعرفي أن عملت ليكي تحليل نسب لما شوفتك.
جحظت مكة عينيها بصدمه لا تستوعب شيء.
همت سلوى واقفة تمسح دموعها لتقول بجد:
— هات ضيفتك على أوضة السفرة يا تميم علشان الغداء جاهز.
ما إن خرجت… حتى همت مكة واقفة بصدمه:
— معقوله اللي أنا شوفته ده.
تميم بابتسامة:
— ودلوقتي نصدق مقولة: يخلق من الشبه أربعين.
مكة وهي تربط يديها أمام صدرها:
— وأنا أقول لازق فيا ليه… اتاريك لقيت حنان الأم.
ضحك تميم عاليًا بقهقهة…
ولكن توقف فاجأه:
— انت طلبتي إيدي دلوقتي؟!
مكة هزت رأسها بلا:
— ده قبل ما أعرف إنك شايفني أمك يا دكتور.
تميم رفع حاجبه:
— أمك!!!!! طيب تعالي يا ماما علشان نتغدى.
مكة هزت رأسها بلا سريعًا:
— أنا معرفش حد هنا… وبعدين متشكرة ليك لحد كده… أنقذتني، روحني بقى لو سمحت.
تميم برفع حاجب:
— مش قبل ما أملّي بطني.
مكة بهدوء:
— طيب خرجني من مغارت علي بابا دي وأمليها براحتك.
تميم بنفي:
— تؤتؤتؤتؤتؤ.
ضربت الأرض بغضب:
— طيب آتفضل روح آمليها… وأنا هستناك هنا.
تميم وهو يدعي الحزن:
— حد قلك أننا بخلي ولا عاوزه عمتو سلوى تزعل؟
مكة بغضب:
— يا بني… هو أنا أعرفك انت… ولاعمتك انت هتصاحبني؟
تميم بضم حاجب:
— هصاحبك!!!!
وما كاد يتحدث مرة أخرى… حتى فتح الباب لتقول بقوة وسرعة، وهي تمسك كف مكة تتحرك بها للخارج:
— انتوا واقفين عندكم بتعملوا إيه؟ يلا… الأكل هيبرد!
تحركت مكة معها غصب عنها وهي تسحب يديها… نظرت للخلف على تميم بغضب، في حين تميم رفع يديه لأعلى باستسلام.
ــــــــ$$$$$$$$$$$$$ـــــــ$$$$$$$
عند مها… محمود شارد لا يستوعب شيء…
فاطمة تبكي بحرقة…
ساعات مرت بألم… الكل ينتظر شيء واحد فقط: إجابة مها على السؤال الذي يدور في أذهانهم:
كيف؟ ومتى؟!
وأخيرًا خرجت الطبيبة تقول بهدوء شديد:
— الحمد لله… هي بقت أفضل دلوقتي وما فيش أي إصابات عليها ولا على الجنين.
مالك الذي يشرد بعيدًا…
محمود لم ينتظر، هرول إليها كالمجنون…
كانت تشرد في السقف… الكانولا في كف يديها…
كان يستند على مقبض الباب، يقف أمام الباب بقدم للخلف وقدم للأمام، يريدها أن تكذب العلم والواقع… ليقول أنها أحبّت مالك أحب إليه من أن يقول إنها كانت هي تلك الليلة المشؤمة.
شعرت بحركة في الغرفة… ولكن ظنت الممرضة أو الطبيبة…
ولكن استوقف عقلها صوته المكسور:
— مها!!!!!
انْتفض جسدها لتحاول الجلوس ببعض التعب…
— أزيك يا محمود.
قاطعها محمود بسؤال جعلها تشل ثواني:
— اللي في بطنك ده ابني؟!
فتحت عينيها بصدمه… ثواني… ثم فتحت في بكاء شديد وكأن أخيرًا سيبعد هذا الجبل من عليها.
لم ينتظر إجابة، فقد وصلت الإجابة من منظرها…
محمود بدهشه مازال لا يريد أن يستوعب:
— كنت أنت؟!
مها ببكاء هستيري:
— كنت بلعب في تليفون عمي الرحيم لما جاتله رسالة من رقم غريب: "إنك بتسهر كل يوم في بار وبتشرب وبتتعاطى."
أنا مصدقتش واتصدمت… وما حسّتش بنفسي غير وأنا بعت رسالة بسأله عن عنوان المكان ده…
وما كذبتش خبر، روحت أشوفك بعد ما مسحت الرسالة من تليفون عمي… أنا عارفة هيحصلك إيه لو قرأ الرسالة دي… وياريتني ما روحت… ياريتني ما روحت!
وظلت تضرب على قدمها زي المجنونة…
خلع قلب محمود من مشهدها… ولكن شل مكانه…
أكملت حديثها ببكاء هستيري:
— روحت واحد وصلني على الأوضه اللي أنت فيها… أول ما شوفتك ما استوعبتش الحالة اللي أنت كنت فيها، كنت شكلك شارب جامد… عتبتك وصرخت في وشك… كنت شيلالك حب كبير أوي… كنت بموت في التراب اللي أنت ماشي عليه… وفجأة لقيت نفسي صاحية على كابوس… أكتر شخص حبيته مابقاش اللي حبيته… وياريتك سيبتني، أنا روحتلك برجلي علشان تدمرني وتاخد أغلى حاجة عندي… اتَرَجّيتك كتير ترحمني… بس أنت ما كنتش حتى سامعني…
صحيت لقيت نفسي في المستشفى… ولقيتهم طالبين بابا… ولقيت شرطة… مقدرتش أتهمك.
زادت الضرب على موضع قلبها… رغم اللي عملته فيا… بس ده حبك… ده ضيعني.
— أنكرت… وقلت أنه كان بإرادتي…
وطبعًا مصعب بيه اللي ما يعرفش بنته ولا عمره حس بيها… ما كانش هيبقى صعب عليه أن يموتها بدم بارد…
وانت عند مصعب ولا حاجة؟ شاب فقير أخذ شرفه… كان هيموتك بدم بارد… ومش هيحس أنه عمل حاجة.
اضطريت أرمي التهمة على مالك الهلالي… اللي مستحيل مصعب يستجرأ يرمش ليه…
وزي ما توقعت… كان فرحان أن اللي أخذ شرفه وشرف بنته راجل أعمال كبير…
روحت لمالك وترجّيته يساعدني علشان مكة مش علشاني…
مكة هتروح فيها لو حصل لك حاجة…
مالك عذبني واتهمني أني عايزة كده… عيّشني أسوأ أيام… إني أنا اللي حبيت آخون صاحبتي… بس هو كمان سكت علشان هو كمان خاف عليها أكتر مني…
ودفع تمن حاجة هو ما عملهاش… مصعب بعني… لمالك… أيوه، مالك أداه مليون جنيه واتجوزني…
لا أنا ولا هو كنا عارفين إحنا بنعمل إيه…
هو عمل كده علشان بيحبها… وأنا عملت كده علشان بحبكم…
مالحقناش نفكر… كانت كل حاجة جت علينا…
مالك ما كانش يعرف إني حامل… اتفاجأ زيه زيك بالظبط.
توقفت فجأة… مع ذلك الصوت… الذي هز أركان الغرفة…
ولم يكن سوى رحيم الذي أنزل بكف يده على وجه ابنه، وهو ينظر عليه بحسره وخيبة رجاء وندم على تعبه طول هذه السنين.
— {وفي النهاية أكثر من يخذل من الأبناء الآباء… فأتقوا الله في جفون لا تنام حتى تناموا}
ــــــــــ-----&&&&&&&&&--------&&&&&&-------
نرجع عند مكة… 🖤🌚🌚
خرجت مكة من الممر الضيق، كأنها بتخرج من عالم وتدخل عالم تاني.
الصالون واسع، بس إحساسه دافي… ريحة أكل بيت حقيقي، وضحكات مكتومة طالعة من جوه.
أول حد وقعت عينيها عليه…
كان شاب في الثانوية، يقف بجانب النافذة، يديه متشابكتان، وعيناه العسليتان تراقبان كل حركة. ملامحه الخشنة قليلاً بسبب قلة النوم أو التعب، لكن هناك شيء في وقوفه وثقته بنفسه يشير إلى عزيمة لا تُكسر.
{آسر العاصي = ابن عم تميم}
وعلى مقعد بعيد، كانت تجلس بهدوء، شعرها البني الداكن يغطي جزءًا من وجهها، وعينها الخضراء تتأمل المكان بصمت. حركاتها الصغيرة الدقيقة أثارت فضول مكة، لكن لا شيء في سلوكها يشير مباشرة إلى ما تخفيه.
{رهف العاصي = أخت آسر}
— «يعني دي المفاجأة؟!»
الصوت سبق الشخص.
ثم ظهر مشاكس العائلة، شعره الأشقر المتطاير وعيونه الزرقاء، حركته السريعة وابتسامته العريضة جعلت مكة تتساءل: هل هو هنا للمرح أم للفتنة؟
ضحكاته المفاجئة وكلماته المبعثرة أضافت جوًا من الفوضى المرحة، وكسر قليلًا حدة الموقف.
دخل كأنه إعصار صغير… ضحكة عالية، حركة إيدين مبالغ فيها، وقعد من غير ما يستأذن.
بص لمكة من فوق لتحت، وغمز بعين واحدة:
— «يا سلام! تميم، هو انت بتخطف ناس ولا إيه؟»
مكة فتحت فمها لتتكلم… ما لحقِتش.
— «استني… لا لا، سيبيني أقول… دي يا جماعة يا إمّا قريبة، يا إمّا نسخة، يا إمّا حلم جماعي!»
ضحكة طلعت من حد… بعدها ضحكة تانية… الجو كله خف فجأة.
الشخص ده كان بيتحرك كأنه صاحب المكان، وبيتكلم كأنه صاحب الكل، ومن أول دقيقة واضح إنه النوع اللي ما يعرفش يسكت… ولا يخلي حد متضايق حتى لو حاول.
{سامر العاصي = العم الأصغر لتميم}
تميم قرب وهمس لمكة:
— «خدي بالك… ده أخطر واحد في البيت.»
رفعت حاجبها:
— «ليه؟»
ابتسم بمكر:
— «بيضحكك… وبعدين يقولك الحقيقة.»
أخيرًا، امرأة في منتصف الستينات، كانت تقف عند باب المطبخ، عينها السوداء الثاقبة تتابع كل تحركات الحاضرين، وكأنها تعرف كل شيء عنهم قبل أن يحدث.
صوتها الهادئ عند نطق اسم مكة جعل الجو يهدأ لبرهة، لكنها لم تفقد هيبتها أبدًا.
{فايزة هادي = جدة تميم}
— «اتفضلي يا بنتي اقعدي…»
(وكده نستشف أن تميم حكى للعيلة عن مكة، علشان كده متقبلين وجودها بدون صدمات مبالغ فيها أو تساؤلات عن من هي.)
جلست مكة تحت أنظار الجميع… التوتر يملأ جسدها، ولكنها شعرت بشيء من الآمان والدفء الأسرى.
وكلما نظرت إلى سلوى، تراها تبتسم بخفة، وزين خمارها وكأن وجهها بدر يخرج منه نور ساطع.
أخيرًا أنهت الطعام… وقبل أن تقف، نطقت فايزة بجدية:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
— «سبحان الله… لما قلنا تميم… مصدقتش… الله يرحمها أوبسيدين… دي كانت غالية علينا كلنا.»
أغمض تميم عينيه بألم شديد… في حين ابتلعت مكة ريقها لتقول بخجل شديد:
— «الله يرحمها!»
قاطعهم سامر بغمزة لتميم:
— «انت وقعت على أوبسيدين منين ياتميم؟!»
تميم وهو ينظر لتلك التي ستموت من حرجها:
— «قدري.»
قاطعهم صوته الذي قال بهدوء:
— «أنا رايح أذاكر مع كريم صحبي.»
نطقت سلوى ببعض الغضب:
— «انت داخل على شهر وانت مش بتقعد في البيت دقيقتين يا آسر؟»
ما كاد يتحدث حتى نطقت فايزة قاطعة الحوار:
— «سيبيه يا سلوى.»
وأخيرًا وقف تميم ليشد الكرسي لمكة في حركة مفاجئة…
مما جعل سامر يتحدث بمشاكسه:
— «براحة يا روميو… البت هتموت من الخضة.»
ضحك الكل في صوت واحد… في حين انفجرت وجنتا مكة من شدة الحرج.
وأخيرًا، بعد فترة وجيزة، قد استأذن فيها تميم، الذي سحب يد مكة للخارج مباشرة في الجنينة الخاصة بالقصر.
نظرت مكة للجنينة بزهول!!!
حيث جنينة واسعة، مليانة أشجار مرتبة، ممرات حجرية واضحة، ورود ملونة متناثرة، ونافورة مياهها تتدفق في الوسط.
ورغم ذلك، شردت بعيدًا.
نطق تميم وهو يشد كرسي تلك الترابيزة لها:
— «سرحتي في إيه؟!»
تنفست عالياً… لكنها لم تستطيع إخفاء بكائها.
تميم بجد:
— «زمان أهلك قالبين عليكِ الدنيا.»
ولكنه تجمد لثوانٍ من ردها البارد:
— «مش فارقة!»
حركت رأسها سريعًا:
— «ها قولت إيه؟!»
تميم جلس وضع قدم على الأخرى:
— «في إيه؟!»
— «في إنك تتجوزني.»
موافق بس بشرط…
مكة بصدمه:
— «هو انت هتشرط؟ هو انت مش كنت عاوز كده؟»
— «أيوه… بس مش قبل ما أفهم عاوزه تتجوزيني ليه؟!»
تنهدت مكة:
— «متهيقلي انت اتقدمت وأنا وافقت.»
— «لأ… ماكنش ده كلامك قبل الحادثة.»
— «وبعدين مش مستغربه إنك حتى ما حولتش تسأل عن صاحبتك إذا كانت عايشة أو ميتة.»
ولكنه تجمد مرة أخرى بفتح فم:
— «أظن الأفضل تموت.»
تميم انتفض:
— «نعم يا عنيا!»
وهنا لم تستطيع مكة أن تتمالك أعصابها… وبدون سابق إنذار قصّت لتميم قصتها كاملة.
تميم يقابلها القصة تارة بحزن وتارة بابتسامة ونار بأسى…
أنهت كلامها وهي تمسح دموعها بقوة:
— «وماظنش دلوقتي هيبقى حد فارق معايا… اللي بيتوجع أوي بيوجع أوي.»
تميم هز رأسه بلا:
— «أنا شايف إنك هتتسرعي… ممكن تسمعي منهم بدل ما تندمي.»
— «هو أنا لسه هندم يا دكتور؟ أنا خلاص ندمت.»
(مسكينة مكة مش عارفة إنها متسرعة)
تميم أدار ظهره للخلف بإرتياح وقال بتفكير:
— «أمممممم… هتبقى جواز انتقام يعني.»
ولكنها أجابت بثقة:
— «ما أنت هتتجوزني جواز فراغ… لأنك شايف أوبسيدين فيا.»
تميم بابتسامة هادية:
— «ودي حاجة تخليني أشيلك في قلبي وعقلي.»
— «يعني هتساعدني؟»
— «تنتقمي؟!»
— «أيوه.»
— «أفكر… تميم…»
— «خلاص وافقت.»
ليضحكوا معًا…
في نفس الآن دخل سامر وضحك:
— «كخريج تجارة… لو المشروع ده كان عندي في محاضرة الربح والخسارة، كنت حسبت إنه هيكسب بضحكة مكة! دي.»
مكة بصّت لتميم، وقالت بهمس وهي بتضحك:
— «هو دايمًا كده؟»
تميم رد بنفس الهمس:
— «لا… ساعات بيبقى أخطر.»
في الركن البعيد من الصالون، كانت رهف تراقب المشهد بصمت…
ابتسامة خفيفة على شفتيها… ابتسامة ما تطمّنش.
عينها الخضراء لمعت لحظة وهي تشوف مكة تضحك مع تميم… وبنفس اللحظة انطفأت.
اقتربت من مكة…
مدّت إيدها على الطاولة، لفّت خاتمها في إصبعها ببطء، كأنها بتكتم حاجة جوّاها.
اقتربت فجأة، من غير صوت:
— «مبسوطة؟»
سؤال بسيط… نبرته مش بسيطة.
مكة بصّت لها باستغراب:
— «الحمد لله…»
رهف ابتسمت، ابتسامة دافئة جدًا، قريبة زيادة عن اللزوم، ومسكت إيد مكة بلطف:
— «حلو… أنا بحب الناس اللي بتضحك.»
ثانية واحدة…
سحبت إيدها فجأة، ونظرتها تغيّرت، بقت حادة، جارحة:
— «بس خلي بالك… الضحك هنا عمره ما بيكمّل.»
سكتت لحظة… وكأنها بتستمتع بالارتباك اللي زرعته.
-مالك بهزر معاكي
ثم ضحكت ضحكة قصيرة، خفيفة، كأن ولا حاجة حصلت.
مشيت، وتركت وراها إحساس تقيل، خانق، يخلي اللي قدامها يسأل نفسه:
هي طيبة؟
ولا شريرة؟
ولا الاتنين في نفس الوقت؟
تميم بابتسامة ارتباك:
— «يستحسن مالناش دعوة برهف.»
سامر وهو يقول بهمس:
— «صح… يستحسن.»
ابتسمت مكة بلطف، ولكن ما زالت نفضت القلب من رهف بداخلها.
###############
مرّ أسبوع كامل…
أسبوع كان أطول من عمر كامل.
نعود الآن إلى بيت مكة.
رحيم كان واقفًا في منتصف الصالة، صوته عالي ومبحوح، والغضب والخوف متشابكين في نبرته:
— «يعني إيه بنتي اختفت؟!»
مالك واقف أمامه، عيونه مرهقة من السهر، وصوته ثابت بالعافية:
— «قلبت الدنيا… مفيش أي أثر. والكاميرات اللي في المكان مش واضحة حاجة، والزحمة كانت رهيبة بسبب حادثة مها وقتها.»
صمت رحيم فجأة.
كان سكوتًا أثقل من أي صرخة.
شعر في قلبه بثقل الخسارة… خسر كل شيء دفعة واحدة.
محمود ترك المستشفى وفرّ، شايلًا صدمة وخزي عمره كله من ما فعل بمها، غير قادر أن يواجه نفسه أو أي شخص آخر.
وبنته… اختفت.
جلس رحيم على أقرب كرسي، ماسك رأسه بإيده، أنفاسه ثقيلة، وشعر لأول مرة أنه أب فشل.
في أوضتها، كانت مها جالسة على الأرض، ضامة ركبها إلى صدرها، ودموعها تنهمر بلا توقف.
بكاء تقيل، مكتوم، يقطع القلب.
— «يا مكة… يا رب تكوني كويسة…»
كانت تتحدث وهي تبكي، من شدّة خوفها عليها، ومن فكرة أنها تكون وحيدة، تائهة، بلا سند.
حاولت أن تنهض…
لكن الدنيا لفّت بها، رجلاها خانتها، جسمها مال، وكانت على وشك السقوط…
وفي اللحظة ذاتها، التفّت يد مالك حولها بسرعة، شدّها إليه، وحملها بين ذراعيه قبل أن تسقط.
— «مها…»
وفي اللحظة نفسها، فتح الباب.
دخلت مكة، وورائها تميم.
أول ما وقعت عين مكة على المشهد…
رأت مالك شايل مها بين ذراعيه.
وقفت متنّحة، عاجزة عن الحركة… عاجزة عن الكلام.
نظرت، وحزنها كان كافيًا ليقفّل كل شيء حولها.
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
وقفت مكة مكانها… شلت {من حبيبها وآخت الطفوله أمامها}
ولا خطوة اتقدّمت، ولا خطوة رجعت.
المشهد قدّامها كان كفيل يسرق منها النفس.
مالك… شايل مها بين إيديه.
مشهد واحد، بس كان كفاية يهدم سنين.
قلبها دق مرة…
وبعدها سكت.
تميم حسّ بتيبّسها قبل ما يسمع أنفاسها المتقطعة.
قرب خطوة، وصوته خرج واطي: — «مكة…»
مالك رفع عينه أخيرًا.
والثانية اللي شاف فيها مكة…
إيده ارتخت.
مها فتحت عينيها،
وأول ما شافت مكة، صرخة مكتومة خرجت منها: — «مكة… لا…»
لكن مكة ما ردّتش.
ولا حتى بصّت لها.
عينها كانت ثابتة على مالك.
نظرة مش غضب…
نظرة نهاية.
لفّت وشّها ببطء،
وشدّت نفس طويل، كأنها بتجمع آخر حاجة فاضلة جواها.
في اللحظة دي، صرخة فاطمة شقّت المكان،
وهي بتهرول ناحيتها وتضمّها: — «مكة!»
لكن مكة ما بادلتش العناق.
إيديها فضلت سايبة جنبها…
جسمها جامد، كأنه مش موجود.
رحيم صوته خرج صارم،
مخلوط بغضب ولهفة واشتياق: — «كنتِ فين يا مكة؟!»
ولا رد.
في نفس اللحظة، مها نزلت من بين إيدين مالك،
وهرولت ناحيتها،
لكن مكة صدّتها بحركة مفاجئة…
شلّت المكان كله.
وبصوت هادي…
هادي زيادة عن اللزوم: — «أنا جاية آخد حاجتي.»
الصالة اتجمّدت.
تميم حمحم، محاولًا يكسر الارتباك،
وهو باصص لمالك: — «إيه يا مكتي؟
إنتِ جايباني كيس جوافه ولا إيه؟
مش هتقولي لهم أنا مين؟»
مكة بصّت له…
وابتسامة واسعة رسمت على وشّها.
مالك كان بيتنقّل بنظره بينها وبينه،
وجواه رغبة يجيب تميم أسف قدمه.
مكة قالت بهدوء ثابت: — «تميم جوزي يا بابا.»
وبإشارة بسيطة: — «بابا… يا تميم.»
صرخة مالك خرجت أخيرًا: — «نعم يا أختي؟!»
رحيم قعد فجأة،
وكأن قلبه وقف.
تميم اتفزع وقرب عليه،
لكن مكة تمسكت في ذراعه، وقالت ببرود: — «يلا يا تميم…
نبقى نرجع في وقت تاني.»
تميم همس لها بوجع: — «يا أم قلب حجر…
أبوكِ بيموت.»
لكنها ما ردّتش.
لفّت، وخرجت…
وتركت خلفها صدمة تقيلة.
هرولت فاطمة وهي تصرخ: — «رحييييم!»
هرول عليه مالك ومها بفزع…
ـــــــــــــ#ــــــــــــ#ــــــــــــــــ#ــــــــــــــ
خرجت مكة من باب البيت كأنها بتنهرب من نفسها.
ركبت العربية من غير ولا كلمة.
العربية اتحركت…
الصمت كان تقيل، بس مش متوتر.
تميم سايق، عينه قدّامه، سايب لها المساحة.
بعد شوية قالت فجأة، بصوت مخنوق: — وقف هنا.
تميم بصّ قدّامه…
النيل.
هدي السرعة وركن من غير ما يسأل.
مكة فتحت الباب ونزلت.
وقفت قصاد الميّة.
ثانيتين…
وبعدين قناع الجبروت وقع.
الخنقة طلعت مرة واحدة.
عيّاط مكتوم، تقيل، كأنها بتطلع نفس كان محبوس بقاله عمر.
تميم نزل بهدوء،
وقف جنب العربية،
ما قربش.
سابها.
فضلت تعيط…
وإيديها على بُقها،
كتافها بتتهز.
بعد شوية، صوتها طلع واطي: — أنا كنت واقفة جوه…
مش حاسة بحاجة.
سكتت لحظة، وبعدين: — أول ما خرجت… وقعت.
تميم قال بهدوء: — الوقعة برّه…
مش جوه.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
رفعت عينها له، دموعها مغرّقة وشّها: — هو طبيعي اللي حصل ده؟
هزّ راسه: — لا.
الكلمة نزلت تقيلة…
بس ريّحتها.
مسحت دموعها بإيدها، وما قالتش حاجة.
سكتوا شوية.
صوت الميّة بس.
فجأة، تميم قال وهو باصص قدّامه: — إنتِ عارفة إنك عاملة زي حد نسي يقفل الراديو؟
بصّت له باستغراب.
— الصوت مش عالي…
بس مدايق.
غمّت شفايفها،
طلعت ضحكة صغيرة منها غصب عنها،
وبعدين حطت إيدها على بُقها بسرعة، كأنها اتكسفت من نفسها.
تميم ابتسم: — أهو كده.
لسه بتضحكي… يبقى لسه واقفة.
رجعت تعيط، بس بهدوء.
— أنا مش ضعيفة… صح؟
قالتها من غير ما تبص له.
— لو ضعيفة…
مكنتيش سكتّي بالطريقة دي. بس خايف تسرعك يندمك!!
لفّت وشّها ناحية النيل.
— أنا مش عايزة أشرح…
ولا أبرر.
— ما تعمليش كده
قالها بهدوء
— اللي ظلمك… هو اللي محتاج يشرح.
مدّ لها منديل من غير ما يبص: — خدي…
علشان كده هنتفهم غلط بالشلالات دي
مسكته، وسكتت.ببسمه بسيطه
بعد شوية: — تميم؟
— أيوه.
— هو ينفع أفضّل ساكتة شوية؟
ابتسم: — ينفع.
وأنا هسوق.
ركبوا العربية تاني.
المرة دي، مكة سندت راسها على الكرسي،
مش على الإزاز.
وقناع الجبروت؟
اتساب هناك…قصاد النيل.
ركبت مكة العربية بصمت.
تميم سايق، سايب لها مساحة.
المشهد رجع غصب عنها.
مالك…
وهو شايل مها.
إيده كانت ثابتة.
نفس الإيد اللي كانت بترتعش أول مرة مسكها هي.
نفس الإيد اللي كانت بتشدها عليه كأنه خايف تضيع.
غمضت عينها بسرعة.
بس المشهد ما راحش.
افتكرت يوم كان واقف جنبها في الشارع،
لما دوخت،
شلها قبل ما تقع،
وقتها ضحك وقال: — «إيه؟ هتقعي من غير إذني؟»
كانت ضحكته دافية.
وكانت حاسّة إن الدنيا أمان.دلوقتي…
الإيد نفسها
شايلة واحدة غيرها.
فتحت عينها.
العربية ماشية،
نور الشارع بيعدّي على وشّها ويختفي.
حاسّة إن قلبها اتشال من مكانه،
مش اتكسر…
اتاخد.
سندت راسها على الكرسي،
لفّت وشّها ناحية الشباك.
النيل عدى جنبها هادي…
ولا كأنه شايف الوجع اللي جواها.
شفايفها اتحركت بصوت مبحوح،
كلمة واحدة خرجت منها
مش سؤال…ولا عتاب…
وجع:
— «ليه؟»
---------------##-----------##-----------
عند محمود🥹
قاعد على الأرض، ضوء ضعيف يسلط على وجهه الشاحب.
الحائط قدامه متشقق، والمرايا المكسورة تعكس صورته الممزقة.
بصّ في واحدة منهم…
شاف نفسه صغير، أبيض الوجه،
وأبوه واقف جنبه صارم، صوته حاد:
— «دول هيضيعوك يا محمود! ابعد عنهم… دول هيدمروا حياتك!»
الكلمات رجعت صدى في دماغه.
الأب كان واقف قدامه كالصخرة، مش سايب له مجال للخيار، عيناه تحرق.
كل حركة له كانت حازمة… كل كلمة كانت إنذار…
كل لمسة كان فيها خوف على ولده من السقوط.
المشهد اتبدّل فجأة…
مها واقفة قدامه في ذاكرته، عينها مليانة دموع، صوتها حاد:
— «أنا بكرهك… مش هسامحك طول عمري… انت دمرتني!»
رجع محمود يطلّع نفسه في المرايا المكسورة…
شاف كل الخراب اللي وصل له… كل دموع الناس اللي اهدرها… كل كسر عمله لنفسه وللي حواليه.
بدأ يبكي… بكاء هستيري، صوته مكتوم، جسمه بيرتعش من شدّة الألم.
عينه وقعت على الحقنة المخدّرة جنب الطاولة.
مدّ إيده ببطء… قلبه يدق…
عرف إنها هتدي له هروب مؤقت من كل اللي داخله… شعوره بالذنب، بكاءه، كسره…
بس قبل ما يدخلها في وريد نفسه، ظهرت له صورة أبوه مرة تانية…
الصلابة، الحزم، التحذير… كل شيء فيه كان أكبر من خوفه أو غضبه أو تمرده.
حس بالمواجهة اللي ما قدّر يهرب منها لما كان صغير…
الحقيقة اللي جوا قلبه… إنه ضيع الطريق، بس أبوه حاول ينقذه من البداية.
رفع الحقنة… دخلها في وريد نفسه.
السائل البارد انتشر، جسمه ارتجف… كل شيء ساكن حواليه، إلا قلبه اللي كان مكسور.
وهنا، الخشوع والوجع اللي جوه قلبه اتربط بمشهده مع أبوه ومها…
كأن الحياة نفسها بتقوله: فيه حساب لكل اللي ضاع… لكن في رحمة لو رجعت.
💬 مقولة:
"من يضلّ قلبه في طريق الغلط، يضلّ جسده مع كل خطوة…"
وهنا نرجع لقول الله عز وجل:
«وَمَن أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا» [طه: 124]
ــــــــــــــ#ـــــــــــــــــ#ــــــــــــــ#ـــــــــــــــ
✦ مساءٌ آخر في القصر ✦
كانت مكة جالسة في غرفتها بالقصر.
غرفة فاخرة بلا مبالغة؛ جدران بلون العاج، سقف مرتفع بنقوش هادئة، إضاءة صفراء دافئة، وستائر ثقيلة تنسدل على نوافذ واسعة.
رفعت عينيها للسقف…
سرحت.
وفجأة، سحب نظرها باب صغير في أحد أركان الغرفة،
باب معدني أنيق، مخفي داخل الحائط،
يشبه أبواب الخزائن.
تحركت خطوة…
خطوتين… بفضول شديد
— حمحم.
اتخضّت.
لفّت بسرعة.
تميم.
صرخة خفيفة كانت هتطلع،
لكن إيده لفّت خصرها فجأة، شدّها ليه بقوة،
لدرجة إن جبينها خبط في صدره العريض.
كانت لابسة إسدال،
خصلة شعر ناعمة فلتت من الطرحة ونزلت على عينيها،
رموش طويلة،
وعيون بنية لامعة من الخضة.
إيده التانية كانت ماسكة كوب شفاف،
مشروب قهوة سوداء باردة Cold Brew Black Coffee
قهوة متخمّرة على البارد، مرّة، تقيلة، بلا سكر…
مشروب ناس بتفكر كتير.
ارتشف منها بهدوء
وهو لسه حاضنها.
دقات قلبها علت.
قوي.
بصّ في عينيها مباشرة وقال بهدوء قاتل: — ما اتفقناش نلعب في خصوصية بعض.
ابتلعت ريقها، حاولت تفلت من غير اندفاع: — أ… أنا مكنتش قصدي… أنا بس كنت عايزة أعرف إيه ده.
عينه ما كانتش معاها…
كانت غرقانة في جمال عيونها.
قرب منها أكتر…
كان فاضل لحظة.
وفجأة
ضغطت على رجله بقوة.
اتنفض.
فوق.
هز راسه، تنهد: — ما تلعبّيش في حاجة الكبار تاني يا شاطرة.
رفعت حاجبها: — وإنت ما تبصّش على حاجة ما تخصكش تاني يا شاطر.
غمز: — معايا ورقة جواز بتأكد إنها تخصني.
اتلخبطت.
وشّها احمر، نزلت بعينها الأرض.
ضحك فجأة، ضحكة عالية كسرت التوتر: — ها؟ ناوية على إيه يا قطة يا شرسة؟
بتوتر: — هو… هو إيه البتاع اللي إنت كل شوية تشربه ده؟
رفع الكوب: — جولد برو… قهوة باردة، مرّة… زي الحقيقة.
كان لسه هيسألها تتذوق…
الباب اتفتح بعنف.
— إييييه ده؟!
سامر.
واقف، شعره منكوش، عينه واسعة: — لا لا لا… أنا داخل ألاقي رومانسية غير مرخّصة؟!
ضحك تميم، ومكة حاولت تداري كسوفها.
سامر بص لها وقال بمبالغة: — هخطف منك تميم شوية ياري-جِي-نا
(Regina = ملكة بالإيطالي)
شدّ تميم وخرج.🖤🌚
خرجت مكة وراهم.
ممر طويل، أرضية رخامية لامعة، أعمدة مزخرفة، لوحات كلاسيكية على الجدران.
وقفت فجأة.
صورة كبيرة على الحائط.
أوبسيدين.
نسخة منها.
دققت.
الشبه مخيف.
همست للصورة: — يا ترى بختك كان زي بختي… ولا خيبتي ما وردتش على حد يا شبهتي؟
— مش كل الشبه نعمة.
اتنفضت.
رهف.
واقفة وراها، لبس كحلي أنيق، شعرها مسدول، نظرتها متقلّبة، صوتها واطي: — أحيانًا الشبه… لعنة.
ضمّت مكة إيديها لصدرها: — إنتِ بتخوفيني.
ابتسمت رهف بسخرية ناعمة، نبرة صوتها جد جداً:
— عارفة يا مكة… وجودك هنا… مش صدفة.
نظرتها كانت فيها هزار، لكن الكلام نفسه كان مرعب
مكة حسّت بالقشعريرة ووقفت ساكتة، عيونها بتلمع من الخضة.
رهف ضحكت ضحكة قصيرة، خففت التوتر وقالت:
— ما تقلقيش… ده كله هزار. كنت بهزر معاكي.
وسابتها ومشيت، تاركة مكة واقفة، يدها على قلبها:
— أنا البت دي هتموتني من الرعب.
ومازالت مكملة مشيها في الممر…🖤🌚
فجأة، وقفت.صوت بكاء.مش عالي…
بكاء مكتوم، مكسور، جاي من أوضة مقفولة.
قلب مكة شدّ.
ما كذّبتش خبر.
قرّبت بهدوء، خبطت خبطتين خفيفين: — آسر؟… ينفع أدخل؟
ثواني صمت…
ثم صوت حركة سريعة، ومسح أنف بعجلة.
— آه… اه طبعًا، اتفضلي.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
فتحت الباب.
واتصدمت.
آسر كان قاعد على الأرض، ضهره للسرير، كتاب مفتوح قدّامه، أوراق مبعثرة، عينه محمرة، ملامحه باينة عليه الهزيمة.
مش هزيمة ولد صغير…
هزيمة حد حاسس إنه بيغرق ومش عارف يمسك في حاجة.
مسح وشه بسرعة كأنه اتقفش: — آسف… يعني…
مكة دخلت بخطوات مترددة: — ممكن… أقعد معاك؟
— اه طبعًا، اتفضلي.
قعدت على طرف الكرسي.
حاسّة بتوتر غريب…
مش عارفة تبدأ منين.
ثواني صمت.
قالت أخيرًا: — إنت في ثانوي؟
هز راسه بتعب: — أيوه.
سكتت شوية…
وبعدين: — طيب… حلمك إيه؟
بصلها باستغراب بسيط: — حلمي؟
(سكت لحظة)
— أقفل كل المواد.
مكة رمشت، وبعدين ضحكت: — حلم جديد أوي عليّا!
كنت متوقعة تقول دكتور، مدرس، مهندس… حاجة كده يعني.
هز راسه بلا: — ده شغل… مش حلم.
الشغل أي حاجة بعدين.
بس حلمي دلوقتي ما نقصّش في الامتحانات… وبعدها أشوف أنا عايز إيه.
إجابة آسرخلّتها تبصّ له بنظرة مختلفة.
نظرة حد اكتشف فجأة إن اللي قدّامه مش طالب عادي،ده عقل واعي، سابق سنّه بخطوة، فاهم أولوياته من غير زيف ولا شعارات.
ده مش بس حلم… ده وعي.
ابتسمت له بإعجاب صادق
علشان تخفف الجو، ابتسمت وقالت: — طب اسمع بقى…
أنا في ثانوي مرة دخلت امتحان فيزياء، وكنت فاكرة نفسي جامدة جدًا…
حلّيت نص الامتحان، وسلّمت الورقة، وأنا طالعة قلت للمراقب:
“هو الامتحان سهل ليه؟”
ضحك آسر بخفة.
كمّلت: — بعد ما خرجت افتكرت إن فيه صفحة تانية…
رجعت أعيّط في الحمّام، وبقول:
“يا رب الصفحة دي تكون اختيار من متعدد في دماغهم!”
آسر انفجر ضحك بصوت عالي: — لااااا! 😂
دي جامدة أوي!
ضحكت معاه: — أهو… كلنا بنقع.
قربت شوية: — طيب… أساعدك في إيه؟
بصلها باستغراب: — بجد؟
— يا بني أنا دكتورة، وكنت شاطرة… جربني، مش هتندم.
ابتسم: — ماشي… ما تضرّيش.
ناولها كتاب الفيزياء.
فتحت الصفحة…
قرأت العنوان:
«الحث الكهرومغناطيسي وقوانين فاراداي»
وسكتت.
ثانيتين…
تلاتة…
وبعدين: — يا ستار يا رب…
أنا ليه اتصرّعت وقلتلك جربني؟
تحمحمت، عدّلت قعدتها: — لا لا… سهلة… سهلة…
(بهمس)
كذّابة.
آسر كان ماسك بطنه من الضحك: — إنتِ بتلعني نفسك؟
— جدًا.
اتنهدت تذمّر طفولي: — يلا… ركّز معايا.
وبدأت تشرح فعلًا…
بأسلوب بسيط، وضحك، وتشبيهات غريبة.
عدّى الوقت من غير ما يحسّوا.
ساعتين كاملتين.
وفجأة…
الباب اتفتح.
تميم واقف، مربي إيده قدّام صدره، عينه بتدور: — إنتي كنتي فين؟ قلبت القصر عليكي!
مكة كانت قدّام مسألة صعبة، بصّت له وقالت بهدوء: — دي معقّدة… زي تميم كده بالظبط.
آسر: — المعقّد جه… قصدي تميم جه.
حاجبه مرفوع: — ساعتين… ساعتين يا دكتورة؟
ده أنا لو خطفتك ما كنتش خدت كل الوقت ده.
مكة رفعت عينيها من الكتاب: — إحنا في مهمة قومية.
آسر: — إنقاذ الفيزياء.
تميم ضحك: — لا واضح…
(بص لمكة)
بس اللي واضح أكتر إنك مستريحة أوي هنا.
نظرة تميم كانت مختلفة.
مش حادة…
مش عدائية…
لكن فيها حاجة غريبة، شدّة غير مبررة.
هو نفسه مش فاهمها.
قرب خطوة: — قوليلي…
إنتي بتعملي إيه بالظبط؟
— بشرح.
— لأ…
(بمزاح)
قصدي إيه اللي مخليكي متحمسة كده؟
مكة ضحكت: — يا بني ده عقل تحفة!
ده أنا لو كنت في سنه كنت بقيت نابغة.
تميم رفع حاجبه: — نابغة؟
واضح إنك بتبالغي.
— خالص.
ده آسر دماغه مش تقليدية.
آسر: — شكرًا…
(بضحكة)
بس هي فعلًا كانت هتلبسني في الحيط عند “فاراداي”.
تميم: — آه…
يعني طلعتِ فاشلة؟
مكة: — فاشلة؟!
ده أنا اخترعت قوانين جديدة مخصوص علشانه.
تميم: — لا واضح…
(قرب أكتر)
أنا مش مطمّن.
— ليه؟
— أي دكتورة تقعد ساعتين مع فيزياء ثانوي وتطلع مبتسمة…
دي حالة مش طبيعية.
انفجروا ضحك.
آسر: — تحب أسيبكم؟
مكة: — لأ خليك… ده تميم محتاج يراجع إنجليزي.
تميم: — أنا؟
ده أنا لو ذاكرته يعتذرلي.
الضحك ملأ الأوضة…
لكن تميم فجأة مال ناحية مكة، صوته واطي، نبرته جدّ: — قوليلي…
إنتي ناوية على إيه؟
مكة سكتت.
ابتسامتها خفتت.
نظرتها سرحت.
وبهمس شبه تايه: — أخسّرهم أغلى حاجة عندهم…
زي ما أنا خسرت نفسي.
تميم ضمّ حاجبه.
عقله اشتغل فورًا…
الربط كان سريع… أخطر من اللي يتقال.
بس قرر يكدّب إحساسه.
ابتسم بسخرية: — مستحيل…
أكيد أنا فهمت غلط.
قرب أكتر، صوته واطي بس واثق: — قصدك تسقطيها؟
أكيد لأ.
سكت.
اتجمّد…
لما لقاها بتهز راسها بهدوء.
لا إنكار…
لا تبرير.
بعيد عنهم…
فايزة كانت واقفة في ظل الممر،
عينها ضيقة، شارده بشده
ونطقت بجد ورعب تشكل في نبرتها
{البنت دي لازم آخلص منها قبل ماتميم يخلص عليها}
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
كانت ساحة الجامعة تعجّ بالحركة، ضحكات متناثرة، خطوات متلاحقة، وأصوات تختلط بلا معنى…
إلا عند مكّة.
كانت تمشي وكأن العالم كله بعيد، حقيبتها معلّقة على كتفها، ونظرتها ثابتة للأمام، تحاول إقناع نفسها أن هذا اليوم لا يختلف عن سابقه.
لكنها اصطدمت به.
ارتطام خفيف…
كفيل بأن يزلزلها من الداخل.
رفعت عينيها ببطء،
لتقع نظرتها على مالك.
تجمّد الزمن للحظة.
هو واقف أمامها، نفس الملامح، نفس النظرة التي تحفظها عن ظهر قلب، لكن بعينين مشتعلتين لا تعرف الهدوء.
— إزاي؟
قالها بصوت منخفض لكنه كان يضرب بقوة.
— إزاي عرفتي تتجوزي؟
اقترب خطوة، وصوته بدأ يهتز رغم محاولته السيطرة عليه:
— وإزاي تخطّيتي؟ وليه… ليه تعملي فيَّ كده؟
مكّة شدّت كتفيها للخلف، ورفعت ذقنها قليلًا، ملامحها باردة، جامدة… مصطنعة.
— إنت بتتكلم عن إيه؟
قالتها وكأن وجوده لا يعني شيئًا.
— لو سمحت، أنا مستعجلة.
لكن عينيها كانت تفضحها.
ارتباك خفيف، رمشة أسرع من اللازم، وأنفاس لم تنتظم كما تدّعي.
مالك لاحظ.
دائمًا كان يلاحظ.
ابتسم ابتسامة موجوعة، ومد إيده يمسك معصمها:
— بصّي في عيني وقولي إنك نسيتي.
وقبل أن تنطق…
— مكّة.
صوت هادئ، لكنه حاضر بقوة.
ظهر تميم من خلفها، اقترب منها بخطوة واحدة، ثم ضمّها إليه دون تردد، وكأن المشهد لا يحتمل تفسيرًا.
يدُه استقرّت على كتفها بحماية واضحة، وصوته خرج ثابتًا:
— اتأخرتِ عليّا.
عروق رقبة مالك برزت فجأة، فكه اشتدّ، وعينيه اشتعلوا بنار غيرة عمياء.
دفع تميم بكتفه بعنف:
— إبعد عنها!
لم يتراجع تميم.
ردّ اللكمة بواحدة أقسى، لتشتعل الساحة فجأة بمشاجرة لم يتوقّعها أحد.
لكمات… صراخ… تجمّع طلاب.
— بس!
صوت مكّة خرج ضعيفًا، مرتجفًا.
تراجعت خطوة… ثم خطوة…
والدنيا لفت بيها.
لاحظ تميم تغيّر ملامحها في لحظة، ترك مالك فورًا، واندفع ناحيتها قبل أن تسقط.
التقطها بين ذراعيه وهي فاقدة للوعي، صوته خرج مذعورًا:
— مكّة! مكّة فوقي!
مالك وقف مكانه، أنفاسه لاهثة، ينظر للمشهد وكأن حد انتزع قلبه قدّامه.
لم ينتظر تميم.
حملها بسرعة واتجه نحو سيارته، والجامعة كلها تشهد بداية حرب لم تنتهِ بعد…
ـــــــــ&ـــــــــ-ـــــــ&&ــــــــــــ&ـــــ
عاد مالك إلى الفيلا بخطوات ثقيلة،
أغلق الباب خلفه بعنف مكتوم، واستند عليه للحظة، وأنفاسه متلاحقة، وعيناه تلمعان بدموع رفضت السقوط.
مستحيل.
مستحيل يتنازل عنها…
مستحيل تكون مكّة عملت كده بسهولة.
كان عقله يرفض الفكرة كما يرفض جسده الألم.
كلما تذكّر صورة تميم وهو يحملها بين ذراعيه، شعر بأن رأسه سينفجر، أفكاره تهرب، تتبعثر، لا تعرف طريقًا للهدوء.
استقام أخيرًا، واتجه نحو السلم ليصعد إلى غرفته…
فتجمّد مكانه.
مها كانت جالسة على الأريكة.
ظهرها منحنٍ قليلًا، يداها متشابكتان بتوتر، وملامحها مرهقة، شاحبة، كأنها لم تنم منذ أيام.
اقترب منها بخطوات ثابتة، باردة،
رفعت رأسها بصعوبة، وصوتها خرج منهكًا:
— طلقني يا مالك.
ابتسم…
ابتسامة استهزاء موجعة.
— طلاق إيه اللي عايزاني أطلقك منه؟
ضحك ضحكة قصيرة خالية من الفرح:
— إحنا جوازنا باطل أصلًا… حتى المأذون كان باطل.
ثم انفجر ضاحكًا بهستيريا، وهو يضرب كفًا بكف:
— ولا تكوني فاكرة إني مش فاهمك من يوم ما اعترفت بحب مكّة قصّاد الكل؟
شهقت مها من الصدمة، عيناها اتسعتا، وكأن الاتهام سحب الهواء من رئتيها.
— أنا كنت بحمي محمود من أبوكي…
قالها مالك بصوت حاد، ثابت:
— دي الحقيقة الوحيدة. علشان كده عملت كل ده… بس ماكنتش بحمي مكّة منك.
اقترب منها ببطء…
كالثعلب قبل الانقضاض.
— علشان اللي يفكّر… مجرد يفكّر… يمس مكّة،
مال بجذعه قليلًا، وصوته خرج مخيفًا:
— أنا همحيه.
أشارت مها إلى نفسها بارتباك، وشفتيها ترتجفان:
— ق… ق… قصدك إيه؟
ردّ ببرود قاطع، لا يقبل نقاشًا:
— قصدي واضح أوووي… أوووي.
كل اللي حصل ده كان من لعبك إنتِ.
آه، ماكنتيش قاصدة اللي حصل مع محمود،
بس قاصدة اللي حصل معايا.
وإلا كنتِ قلتي: مش عارفة مين اللي عمل كده فيّا وخلاص.
انهارت دموع مها كالشلالات، وصوتها خرج مكسورًا:
— كفاية ظلم بقى… كان هيموتني!
صرخ فيها بغضب أعمى، صوته دوّى في أرجاء الفيلا:
— إنتِ اللي كفاية تضحكي على نفسك!
فوقي بقى!
استدار وتركها غارقة في دوّامة واحدة…
سؤال واحد يطاردها بلا رحمة:
هل كانت فعلًا تقصد كل ما حدث؟
ــــــــــــ&ـــــــــــــــــ&ـــــــــــــــ
كان الليل ساكنًا على غير عادته،
وغرفة النوم يغمرها نور خافت يتسلّل من مصباح صغير جوار السرير.
رحيم كان ممدّدًا فوق الفراش، جسده ساكن، أنفاسه متقطّعة، وملامحه تحمل آثار تعب سنين طويلة.
بجواره جلست فاطمة، ثابتة كالدعاء، تمسك المصحف بين يديها، تقرأ بصوتٍ منخفض لا يكاد يُسمع،
وكأن كل آية تخرج من قلبها قبل لسانها.
وضعت كفّها برفق فوق كفّه،
لم تشدّ… لم تضغط…
فقط لمسة أمان.
كانت تقرأ عن التوبة…
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾
[سورة الشورى: 25]
عن بابٍ لا يُغلق،
وعن ربٍّ يقبل من عباده الرجوع مهما أثقلهم الذنب،
ربٍّ يفرح بعودة عبده أكثر مما يفرح العطشان بقطرة ماء.
تحرّكت أنامل رحيم قليلًا…
ثم فتح عينيه بصعوبة، نظر إليها طويلًا، وكأنها أوّل ما يراه في حياته.
— فاطمة…
صوته خرج مبحوحًا، متكسّرًا.
اقتربت منه فورًا، أغلقت المصحف بهدوء، وعيناها معلّقتان بوجهه.
— شكرًا…
قالها بعد جهد،
— شكرًا إنك استحملتيني… وتقبلتيني…
وغمض عينيه لحظة، كأنه يجمع قوّته:
— وغفرِتِ لي اللي عملته زمان…
أنا من غيرك كنت ضعت من زمان… ضعت بجد.
انسابت دمعة صامتة من عينيه، فتح عينيه مرة أخرى، بنبرة وجع صادق:
— بس…
تنفّس بعمق،
— بس شكلّي لسه ما كفّرتش عن ذنبي يا فاطمة.
في حركة سريعة حنونة، رفعت يدها،
وضعت أناملها على شفتيه،
أوقفته عن الكلام.
— متقولش كده…
قالتها بصوت دافئ مطمئن:
— مافيش إنسان ملاك يا رحيم… كلنا بنغلط.
إنت توبت لربنا، وعملت اللي يرضي الله، وما قصّرتش يوم.
ويشهد ربنا…
سحبت يدها قليلًا، ونظرت في عينيه بثبات:
— إني مسمحاك، ومش شايلة في قلبي ليك غير كل حب… وبس.
تنهد رحيم عالياً ـ يارب مكه تسامحني يافاطمه
نظرت إليه بآلم - مكه بنتك وبتحبك وهي مقدره انت بتحبها قد إيه -----
---------&---------&&---------
فتحت مكّة عينيها فجأة…
وقامت من مكانها دفعة واحدة،
زي حد كان ماشي في طريق هادي وفجأة لقى عربية طالعة عليه من العدم.
لهث صدرها، وعينيها دارت في الأوضة،
ولما استوعبت إنها في القصر، وقعت نظرتها على تميم
قاعد جنبها… قريب زيادة عن اللزوم.
صوتها خرج مرتعشًا، مليان خوف:
— مالك… عملت إيه في مالك يا تميم؟
من غير ما يحس، نار غريبة ولعت جواه.
غيرة مفاجئة، حادة، هو نفسه مش فاهم سببها.
قام واقف مرة واحدة،
ومسك كتفيها بقوة، صوته خرج غاضبًا:
— مالك مين يا روح أمك؟
شدّ قبضته أكتر:
— مالك وماله؟ ومالك خايفة عليه قوي كده ليه؟
رفعت مكّة عينيها فيه، نار الغضب بتلمع فيها:
— إنت نسيت نفسك ولا إيه؟
— إنت بتساعدني أنتقم وبس… ماتنساش ده!
الغضب اشتعل أكتر في عينيه،
وهزّها بعنف من غير ما يحس بنفسه:
— وأنتِ ما تنسيش نفسك!
صوته بقى أعلى:
— أنا جوزك، وإنتِ على عصمتي!
انتقام بقى مش انتقام…
— إنتِ على اسمي، ويا ريت متنسيش ده!
وفي لحظة فقد فيها السيطرة،
دفعها بعيد عنه.
سقطت على الأرض،
وبصّتله بذهول… صدمة خالصة،
وهو واقف لحظة، كأنه مصدوم من نفسه،
وبعدين لفّ وخرج من الأوضة بعنف.
ثواني معدودة…
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
والباب اتفتح.
— مكّة!
دخلت هالة بفزع،
عينها جابت المشهد كله في ثانية.
جريت عليها، سندتها، وقعدتها على السرير،
وشدّتها في حضنها بحنان أمّ.
— يا حبيبتي… إيه اللي حصل؟
قالتها وهي بتمسح على شعرها:
— خناقة؟
هتلاقيها خناقة وعدّت… ما فيش بيت من غير صوت عالي شوية.
مكّة كانت ساكتة…
عينها ثابتة في الفراغ،
روحها في حتة تانية خالص.
هالة كملت بنبرة هادية دافية:
— اسمعي مني يا بنتي…
الجواز مش دايمًا وردي،
فيه شدّ وجذب، فيه كلمة تطلع زيادة،
وفيه عصبية بتعدّي.
رفعت وشها لمكّة بابتسامة مطمئنة:
— الراجل ساعات يغلط،
والست الشاطرة هي اللي تعرف تحتوي،
وتعدّي المركب من غير ما تكسرها.
لكن مكّة ما ردّتش.
حضن هالة كان دافي…
بس قلبها كان بيرتعش.
تميم؟
عمرها ما شافته كده.
ولا الصوت ده…
ولا الإيد اللي زقّتها.
ــــــــــــ&&ـــــــــــــــــ&&ـــــــ
جلس مالك في شرفة الفيلا،
الليل فرد عباءته بهدوء مهيب،
والسماء صافية كأنها مغسولة للتو،
نجوم متناثرة بخجل،
والقمر في المنتصف… كاملًا، يزيّن العتمة كجوهرة معلّقة في صدر السماء.
كان ينظر إليه بشرود،
وكأن القمر يعرفها…
وكأنه الشاهد الوحيد على وجعه.
همس بصوتٍ واهن،
يستدعي كلماتٍ قالها قيس يومًا لفراق ليلاه:
أمُرُّ على الديارِ ديارِ ليلى
أُقَبِّلُ ذا الجدارَ وذا الجدارا
وما حبُّ الديارِ شغفنَ قلبي
ولكن حبُّ من سكنَ الديارا
انسلت دمعة من عينيه دون إذن،
لم يحاول مسحها،
تبعها غيرها…
كأن القمر كشف كل ما كان يخفيه.
داخل صدره اشتبكت مشاعر لا تُحتمل:
خوف… قلق… اشتياق يحرق،
غضب أعمى،
وغيرة تنهش روحه بلا رحمة.
مدّ يده المرتجفة، أمسك هاتفه،
فتح صورها…
مكّة كما كانت،
ضحكتها الهادئة، ملامحها الطاهرة،
كأنها ملاك هبط خطأً إلى أرض لا ترحم.
ابتسم بمرارة، وتمتم بصدقٍ موجوع:
— طلع من إيه داهية الدكتور ده؟
ورايحه تتجوزيه؟
هتجنّنيني يا بنت رحيم.
ثم اشتد صوته، وانعقد فكه، وعينيه لمع فيهما قسم خطير:
— بس لو فاكرة إني مش هدفعِك تمن اللي عملتيه، تبقي غلطانة.
وقف، وأسند يديه على السور، ونظر للقمر مرة أخيرة:
— لما ترجعي لحضني الأول…
سكت لحظة،
— وده وعد.
الليل ظل صامتًا…
لكن القمر شهد على وعد قد يقلب كل شيء.
ــــــــــــ&&ـــــــــــــــــ&&ـــــــ
وقفت مكّة على الشرفة، مستندة على الدرابزين،
عينها شاخصة نحو القمر، شارده لا تفهم شيئًا،
كأن العالم كله توقف عند هذه اللحظة، والنسيم يلمس شعرها بهدوء.
وفجأة، صوت جي من أسفل الشرفة فاجأها، رفعت رأسها، فتحت فمها بصدمه:
في الأسفل كان تميم واقف في منتصف قلب مرسوم على الأرض، مرسوم بالنار،
يحتوي على كل مشاعره، الغيرة، الحب، والغضب… كل شيء بداخله متوهج.
يحمل بين يديه بوكيه ورد، وصوته يعلو بأقصى ما عنده:
— أنا آسف… كان بينقطع لساني قبل ما أزعلك!
مكّة ما زالت مصدومة، همست:
— ده… مجنون رسمي!
كأنه سمع همسها، صرخ فجأة:
— شوية… مش كتير!
وفجأة، السماء فوقهم تحولت إلى لوحة نارية ساحرة،
القمر كامل يسطع، النجوم تومض حولهم، والنسيم يلمس شعرها…
كل شيء حولهم أصبح رومانسية ساحرة وكأنهم في حلم.
تميم مد يده نحوها، ومعه علبة قطيفة حمراء صغيرة،
تلمع فيها سلسلة ألماس رقيقة تتلألأ تحت ضوء القمر، تصميمها ناعم وراقي، وكأنها صنعت خصيصًا لها.
ابتسم وهو ينظر إليها، بنبرة دعابة:
— أنا هفضل على الوضع ده كتير… انزلي بقى، خلي عندك دم!
ضحكت مكّة بصوت عالي، مثل طفلة، وبدون تردد انطلقت نحو الأسفل، فرحة جدًا، كأن والدها حضّر لها لعبة لأول مرة.
وفجأة ظهر سامر، دخل المشهد وضحكته تسبق كلامه:
— إيه ده؟ تميم بيخوني… آه قلبي؟
ثم آكمل بعدم إستيعاب
ده فيلم ولا إيه؟
وابتسم آسر من الخلف، صفّر بمشاكسه، كأنهم كلهم في لعبة، وكل لحظة فيها مفاجأة.
وسط الضحك والمزاح، دخل الجميع القصر
مكّة كانت ، ترتدي حجابها، عينيها لامعة بدهشة وفرحة، ووجهها يعكس كل مشاعر الصدمة والفرحة، جسدها مرتجف قليلًا من مفاجأة اللحظة.
وفجأة، تميم لم يكتفِ بالمشي بجانبها…
رفعها بين ذراعيه، يحملها بكل حنان وثقة، ومشى بها عبر الحديقة، وسط الجميع، كما لو أنها أغلى ما يملك.
الكل تجمد للحظة، صدمة ودهشة على وجوههم.
مكّة شهقت بصوت منخفض، ابتسامة مختلطة بالخوف والدهشة ارتسمت على وجهها، وعيونها تتلألأ في ضوء القمر.
كأن صوته يقول:
— متقلقيش… أنا هاحميكي… ومافيش حد يقرب منك.
في الخلف، سامر استند على آسر بتمثيل للصدمة:
— شيلني يا آسر… ده تميم واخد كل المشهد!
ضحك الجميع، والمزاح والدهشة يملأهم
مكّة ضحكت كطفلة، بعين ستموت من الخجل، ويدها ممسكة بحذر بكتف تميم، وكل شيء حولها أصبح مليئًا بالدفء والسحر.
دلوقت اخيرا ليلتفوا حول السفره
الليلة كلها كانت مليئة بالضحك والمفاجآت والحب…
القصر تحول لعالم صغير خاص بهم، حيث الدفء والسعادة يسيطران على كل لحظة.
همسات هاله -من زمان ماشوفتكش مبسوط كده ياتميم ؟!
في حين كانت فايزه تدعوا الله آن يحفظ لها حفيدها من شر نفسه وعقله
ــــــــــــ&&ـــــــــــــــــ&&ـــــــ
في المساء الساعه واحده في منتصف الليل 🫶
في غرفة تميم
، كان تميم نايم على الكنبة بهدوء، متناغم مع الليل،
ومكّة لا تزال نائمة على السرير، قلبها مضطرب وعينيها نصف مفتوحة.
شعرت بالملل والقلق، قامت تتحرك بخطوات هادئة في الغرفة،
ثم فتحت الباب ونزلت إلى المطبخ، حيث الضوء الخافت يملأ المكان.
تفاجأت بـ الدادة واقفة تنظف الطبخ بهدوء وحب، يديها تتحركان بعناية، وابتسامتها الدافئة تملأ المكان دفئًا.
تقدمت مكّة بخجل، وعيونها الواسعة مليئة بالفضول، وقالت:
— اسمك إيه يا ست الدادة؟
ابتسمت الدادة بحنان، وأجابت:
— صابرين يا حبيبتي.
جلست مكّة بجانبها على الطاولة، وأحضرت لها الدادة كوب شاي دافئ، وجلستا يشربانه معًا، لحظات هدوء وحنان بعد ليلة طويلة مليئة بالتوتر.
ثم بدأت الدادة تتحدث عن أوبسيدين بصوت مليء بالحنان:
— أنتي شبه أوبسيدين جدًا… كانت ملاك، طيبة جدًا وحنينة، كل القصر كان بيحبها… كانت صغيرة وعفوية، قلبها مليان حب لكل حد حواليها…
كانت بتعامل الكل بمحبة واحترام، حتى خدام القصر كانوا بيحبوها…
كانت شخصية نادرة، كأنها الضوء اللي بيدفي كل قلب حوالينها…
مكّة نظرت إليها بدهشة وفضول:
— أوبسيدين؟ ماتت ازاي؟
أجابت الدادة بصوت حزين:
— ماتت بطريقة غريبة جدًا… ماتت هي والدكتور حسام ابو الدكتور تميم … ماتوا في نفس اليوم.
شهقت مكّة، عيونها اتسعت، قلبها كاد يتوقف:
— هما ماتوا مع بعض؟!
هزّت الدادة رأسها بأسف، وأضافت بحب وحنان:
— كانت ست طيبة وحنينة… وماحسستش الدكتور تميم بأي نقص… ولا حسسته بوفاة الست أُولفت، الله يرحمها.
قفزت مكّة من مكانها، الصدمة اجتاحت عقلها بالكامل:
— مين آولفت؟!
ابتسمت الدادة بحزن، وصوتها خافت:
— الست أُولفت… أم الدكتور تميم.
الصدمة اجتاحت مكّة بالكامل:
قلبها دق بسرعة، عقلها يحاول استيعاب كل شيء دفعة واحدة،
عيونها اتسعت، فمها مفتوح قليلًا،
كل المشاعر اختلطت وشلت تماماً
وهي تقول بصوت بالكاد يسمع ـأمه؟؟؟؟!
ويتبع ....
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
في اللحظة اللي مكّة عرفت فيها الحقيقة، انتهى الأمان… وبدأ الخوف.
مكّة شُلّت تمامًا، أعادت النظر إلى صابرين، وقالت كمن تاه في عالم لا يعرف طريق العودة منه:
— أمه؟ إزاي يعني؟!
وسكتت لحظة، ثم أضافت بصوت مرتبك:
— أومال أوبسيدين دي تبقى مين؟
صابرين ابتسمت بلطف، كأنها اعتادت استقبال الصدمات بهدوء:
— أوبسيدين تبقى مرات حسام بيه… اتجوزها بعد وفاة الست أولفت.
كانت خدامة معانا هنا.
همّت مكّة واقفة، وكأن عقلها يصرخ: كفاية!
— خدامة؟!
وضحكة قصيرة خرجت منها بلا وعي:
— إيه الصدمات اللي مش شبه بعضها دي؟
قهقهت صابرين بخفة:
— يا بنتي وإنتِ ليكي إيه في ده كله؟
وبنبرة واثقة:
— إنتِ ليكي الدكتور تميم… ربنا يحفظه، الحب ليكي باين في عينيه.
لكن مكّة ما كانتش هنا… كانت شارده بعيد.
فاقت على رعشة خفيفة مع صوت تميم، قال برفق:
— صابرين… ومكّة؟ خير؟
ضحكت صابرين عاليًا وقالت بسرعة:
— قهوتك هتكون جاهزة بعد ثواني.
مكّة كانت شارده فيه من غير ما تقصد.
ابتسم بخفة:
— عارف إني قمور… بس مش للدرجة دي.
لم ترد.
صفّق أمام عينيها بخفة:
— مالك؟ روحتي فين؟
انتفضت، وقالت بابتسامة متكلّفة:
— أبدًا… إنت ليه صاحي دلوقتي؟
رفع تميم حاجبه، ينظر إليها تارة وإلى صابرين تارة، وكأن عقله – كعادته – يربط الأحداث،
وتصل إليه الحقيقة أسرع من نبضة قلبه حين يستشعر الخطر.
— ورايا شغل.
أغمضت مكّة عينيها بتعب:
— دلوقتي الساعة أربعة الفجر… شغل إيه ده؟
مدت صابرين فنجان القهوة:
— اتفضل يا تميم بيه.
أمسكه، ثم مال على مكّة، رفع ذقنها بلطف، وقال بابتسامة غامضة:
— ما تسأليش كتير يا نونه.
وتركها غارقة في حيرتها…
وأسئلة تكدّست في عقلها بلا إجابة.
في مكان بعيد…
أشبه بصحراء خالية من الناس، خالية من الأصوات،
لا يقطع الظلام سوى نور كشافات السيارات.
نطق بحذر وهو يدعس سيجارته أسفل حذائه:
— حبيتها؟
نظر إليه الآخر بحدة:
— مستحيل… إنت ناسي دي تبقى مين؟
ابتسم بخبث:
— بس باين إنك حبيتها.
ضحك عاليًا، وقف منتصب القامة، وضع يديه في جيبه وقال بثقة:
— تميم العاصي ما بيحبش.
ردّ الآخر بثبات:
— تميم العاصي واقع على وشه.
التفت إليه بغضب:
— حمزة!
قال بلامبالاة:
— طيب خلاص… تميم مش بيحب.
وسكت لحظة:
— نعمل إيه بقى؟
مسح تميم وجهه بيديه:
— لو قعدنا مية سنة بالطريقة دي مش هننفّذ حاجة.
— ما هو أصلًا الدنيا ضاقت بيك، ومصمم تعمل المصنع على الأرض دي.
قال تميم بنبرة قاطعة:
— المصنع ده كان حلم أبويا… ولازم يتحقق.
حمزة بضيق:
— فهمنا… قول بقى، إزاي هناخد الأرض؟
— دي ملك لعيلة الهلالي.
شرد تميم بعيدًا…
ثم ابتسم بهدوء لا يطمّن:
— …
وآخيرا بعد خروج الشمس ............
وقفت مكّة قدّام المراية،
ساكنة… كأنها بتحاول تتعرّف على نفسها من جديد.
الخمار الأسود كان منسدل بهدوء على كتفيها، قماشه ناعم، بسيط،
لا فيه تكلّف ولا مبالغة… زيها بالضبط.
مغطي شعرها بالكامل، ومرسوم بعناية حوالين وشّها،
مخلّي ملامحها أوضح، أهدى، وأنقى.
فستانها كان طويل، لونه غامق يميل للرمادي،
واسع من غير ما يخفي أنوثتها،
قماشه سايب، يتحرك معاها في كل نفس،
كأنه بيعكس اللي جواها… هدوء ظاهري، واضطراب مستخبي.
وشّها كان شاحب شوية،
عينيها واسعة، سودا،
فيهم نظرة تايهة،
نظرة واحدة كفاية تقول إن صاحبة العيون دي شافت أكتر مما كانت مستعدة له.
قربت خطوة من المراية،
رفعت إيدها وعدّلت طرف الخمار عند جبينها بحركة تلقائية،
بس إيديها كانت بترتعش.
همست لنفسها، صوتها barely مسموع:
— دي أنا؟… ولا دي واحدة تانية؟
حدّقت في انعكاسها طويلًا،
وكأن المراية مش بتوري شكلها…
بتفضح خوفها
اقتربت من المكتب تحمل بين يديها حقيبتها ...........
وماكادت تغادر الغرفه حتي اصتدمت بصدر تميم العريض لتعويض للخلف خطوه بتأوه
تميم وهو يربط يده أمام صدره
-شكلك كنت ناويه علي الرحيل
مكه وهي تنظر إليه بغضب
-اه في حاجه ؟!
هز تميم رآسه بلا
-لأ يلا
مكه بنفس الغضب
-بلاش فين ؟!
تميم بكل برود
-علي جامعتك يانونه
ضربت مكه الأرض بغضب
-ايه نونه دي يابنى آدم انت وبعدين هو انا عيله صغيره مش هعرف اروح جامعتي وحدي .
هز رآسه تميم يلا بكل برود
-لأ عيله متجوزه من تميم العاصى ولازم تعرف ده غالي قد ايه
تنفست عالياً اقتربت منه ببطأ لتشب بقدمها وتقترب من أذنه في حركه شلت حركته .في حين هي قالت بثبات
&شكلك يادكتور تميم العاصى بدأت تنسى انا هنا ليه ؟!
تميم اغمض عينيه ضربات قلبه تضارب صدره علي وشك تدمير قفصه الصدري ....
تمالك قوته بصعوبه لينطق بكل برود &لأ ازاي مش ناسي ياحرم تميم العاصي
مكه وهي تنظر إليه بغضب علي وشك الجنون
ضربت الأرض بقوه لتحرك أمامه وهي في قمه غضبها وتسبه بداخلها وتلعن غبائه
وبسبب غضبها كانت هناك ضباب علي عينها جعلها لا تلاحظ تلك التيماسكة فنجان شاي في إيد،ولوحة صغيرة في الإيد الآخرى
قريبة من صدرها كأنها بتحميها.
كانت لابسة فستان بسيط بلون هادي،
محتشم وأنيق من غير أي مبالغة،
قماشه ناعم،
سايب، بيتحرّك مع حركتها بخفة.
شعرها كان سايب على كتفيها،
طويل، ناعم،
أسود مائل للبني،
خصلاته مرتّبة بعفوية،
ولا خصلة في مكانها بالغلط.
ملامحها رقيقة بس مش ضعيفة،
عينيها فاتحة شوية،
نظرتها صاحية،
فيها ثقة واحدة متعودة تعتمد على نفسها.
الاصطدام خلّى الفنجان يهتز،
والشاي ينسكب دفعة واحدة—
مش على الأرض…
لكن فوق اللوحة.
اللون تمدّد فوق الورق،
طمس خطوط كانت مرسومة بعناية،
وكأن حد مسح تعب ساعات في ثانية.
رهف ثبتت مكانها لحظة،
بصّت للوحة،
ثم رفعت وشّها ببطء.
الغضب كان واضح في عينيها.
— إنتِ مش بتفتحي عينيك؟!
صوتها طلع حاد،
متفجّر.
شدّت اللوحة ناحيتها،
إيديها بترتعش من القهر،
ثم اندفعت خطوة لقدّام،
ودفعت مكّة بعنف.
— إنتِ عارفة دي كانت إيه؟!
مكّة اتصدمت،
رجعت لورا بخضة،
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
العالم لفّ بيها.
وقبل ما تقع—
إيد تميم لفّت كتفها،
سحبها ناحيته،
وثبّت جسمها.
— إنتِ اتجننتي؟!
صرخته قطعت المكان،
نظراته كانت نار وهو بيبص لرهف.
وقف قدّام مكّة،
جسمه ساترها،
وصوته نزل أخطر:
— اعتذري… دلوقتي
رهف وقفت مشدوهة،
غضبها لسه مولّع،
لكن هيبته خلتها تتراجع نص خطوة.
— هي اللي خبطتني!
قالها بتحدي.
ردّ تميم بنبرة أخطر، منخفضة لكنها قاطعة:
— مهما حصل… إنتِ ما تمديش إيدك.
قرب منها خطوة:
— وبتعتذري.
رهف قبضت إيديها،
نظرتها عدّت على مكّة،
شافت الصدمة،
وشافت إيد تميم حوالين كتفها.
بلعت غضبها بالقوة،
وقالت ببرود قاسي:
— آسفة.
لكن الكلمة خرجت مكسورة…
مش ندمانة،
غضبانة.
مكّة كانت ساكتة،
أنفاسها متلخبطة،
مش قادرة تستوعب اللي حصل.
وتميم؟
نظراته ما نزلتش من رهف،
غضبه منها كان واضح…
غضب حد حسّ إن حد قرّب من اللي يخصه
ليشد مكه متجها به نحو سيارته التي تمشيه خلفه في صمت وحزن من كل ماحدث
أمام باب الجامعة
أمام باب الجامعة كان تميم يصف سيارته ليهبط منها بكل روجولية طاغية.
يتفحص بعينه المكان، ثم يتجه ليفتح لتلك التي تشرد في طريقة تعامله معها.
لا ينكر أنه قد نال قلبها دفاعه عنها.
تميم بغمزة:
— أنزلي يا عسل.
مكة ضمت شفتيها بتزمر.
أمام باب الجامعة، وقف مالك ثابتًا، كأن المكان كله وقف احترامًا له.
كان طويل القامة، جسده ممشوق، وعضلاته بارزة من خلال قميصه الأسود الضيق، وياقة مفتوحة تكشف عن جزء من صدره، تضفي عليه هيبة صارخة.
حذاؤه الجلد الفخم يلمع تحت ضوء الشمس الخافت، كأن كل حركة له محسوبة.
نظراته؟
مكثفة… ثاقبة… كصقر يتربص بفريسته.
عيناه السوداوَان كالليل، يكتشف كل حركة، كل تردد، كل خفقة قلب.
كل التفاصيل الصغيرة حوله لم تمر دون أن تمر عبر عقله الحاد.
تقدم خطوة واحدة،
صوته خرج منخفضًا، بارد، قاتل:
— غلط كبير يا تميم العاصي.
ضم كفيه، عروقه بارزة على يديه، كأنه مستعد للانفجار في أي لحظة.
مكانه كله صمت، لكن الصمت كان أثقل من أي ضجيج،
حتى الهواء كان يهاب وجوده.
الكل يعرف أن مالك ليس مجرد شخص…
هو عاصفة تنتظر الفرصة المناسبة لتضرب.
تميم ومكة بين الهمسات والعيون
في حين دلفت تمشي بجوارها تميم ليصرخ بالهمسات،
والعيون تحسدها على ذلك الذي كان فتي أحلام فتيات الجامعة.
تميم يمشي بجوارها وكأنه يود إخفائها من كل تلك العيون.
همس بصوت بالكاد يُسمع، وهو يبطئ حركته وينظر إلى الترابيزة أمامه:
كانت تجلس عليها مها، جسد فقط بدون روح، تشرد في عالم لا تعرف من أين خرجت، غارقة في خيباتها، لا تعلم متى ستنتهي كل تلك الخيبات.
واحد… اثنان… ثلاثة…
نظرت إليه لتضم حاجبها وتقول بهمس:
— بتتعلم الرياضة على كبر.
نظرت إلى ما ينظر إليه، فلم تكن سوى مها التي تقترب منها نادل كافيه الجامعة لتقدم لها كوب قهوة.
ابتسم تميم وهو يضع يديه في جيبه ويقول ببرود:
— علشان ما تقوليشي إني ناسي اتجوزتك ليه.
وما كاد ينظر إليها حتى هرولت مكة نحو طاولة مها بكل قوتها بعد أن فهمت ما يقصده تميم…
ليحرمه من يديها، بينما كانت الأرض تستقبل فنجان القهوة.
في حين همت مها واقفة بسعادة شديدة، تريد أن تضمها بين يديها، لم تبالِ بما فعلته مكة، فهي فقط تريد حضنها.
قاطعتها مكة بخيبة أمل:
— ياريتني كنت موت وقتها…
كانت تتحدث عن يوم الحادثة، ثم تركتها وهرولت.
في حين ضرب تميم كفًا على الآخر وقال بهمس:
— مادام مش دراكولا، ليه بتتشبحي من الأول؟
وقفت مكة على سطح الجامعة…
يضربها الهواء، والدموع شلالات لا تتوقف من عينيها.
نطق بهدوء:
— قولت من الأول… جو الشر ده مش لايق عليكي.
قالت بألم:
— الانتقام سهل، بس الخصم أعزّ ما كنت أملك.
تنهد تميم، لكنه شُلّ تمامًا من حركة مكة المفاجئة حين ألقت بنفسها بين ضلوعه، وسمحت لنفسها أن تبكي بحُرقة، وعقلها يذكّرها بكل شيء.
ثوانٍ تردّد فيها تميم، هل يستغل الفرصة؟
لكنه ضعف… وضمّها إليه بامتلاك وقوة.
حمحمت مكة، وأفاقت لنفسها، فابتعدت عنه سريعًا وهي تقول بارتباك:
— أنا آسفة… أنا…
أوقفها تميم فورًا:
— والله يا بنتي جوزِك!
كادت مكة تتحدث مرة أخرى، فأشار لها بإصبعه أن تصمت، حين أعلن هاتفه الرنين. رفعه إلى أذنه، ثوانٍ قليلة، ثم قال وهو ينوي الهبوط:
— ثواني، وألاقيكي في السكشن.
هزّت رأسها بنعم…
تنفست بعمق، وما كادت تنوي النزول،
حتى أوقفها صوته…
الصوت الذي أعلن الخراب في قلبها قبل عقلها.
قال بهدوءٍ قاتل:
«أَمُرُّ عَلَى الدِّيَارِ دِيارِ لَيلى
أُقَبِّلُ ذَا الجِدَارَ وَذَا الجِدَارا
وَمَا حُبُّ الدِّيَارِ شَغَفْنَ قَلْبِي
وَلَكِنْ حُبُّ مَن سَكَنَ الدِّيَارا»
نظرت خلفها…
فارتعش جسدها، وانقبض قلبها، وتجمعت الدموع في عينيها.
هذا هو أمانها الوحيد…
كيف لها أن تهرب منه الآن؟
اقترب منها ببطء، ووقف أمامها مباشرة.
بحركة بسيطة من أنامله، مسح دموعها التي تهبط كالشلالات.
عيناه تتفحصانها، تسأل:
هل أنتِ بخير؟
هل ما زال قلبك ينبض لي؟
شدّه الغضب… والغيرة.
ثوانٍ، ثم فاقت وهي شاردة في عينيه،
هناك شيء يسحبها إلى داخله رغمًا عنها.
قال بهمسٍ بالكاد يُسمع:
— لسه ما اتخلقش اللي ينزّل دموعك وأنا عايش.
نظرت إليه لحظات…
تحولت نظراتها من حب واشتياق وعتاب،
إلى كراهية…
حقد…
غل.
شاهد مالك ذلك التحول السريع، فقطع الصمت:
— اسمعيني… لو مرة واحدة… مش ممكن تندمي.
قالت بغضب أعمى:
— أنا عمري ما هاندَم على حاجة غير إنك كنت في حياتي في يوم.
قال مالك بانكسار، لا يظهره إلا أمامها:
— كفاية لحد كده… أنا تعبت.
أمسك كفها بقوة، ووضعه على صدره:
— اسمعي ضرباته… يمكن تفهمي إني مش بخير، وإني ما أقدرش أعيش من غيرك.
شلت حركتها، وتوترت، ثم نزعت يدها بعنف، تصرخ كالمجنونة:
— ياريت إنت اللي تستوعب بقى إني واحدة متجوزة، وبحب جوزي!
وما كرهتش حد قد ما كرهتك يا مالك… فاهم؟!
ألقت كلماتها كالسكاكين،
دون أن تدري أنها فتحت بها بركانًا لا سدّ له.
ظل مالك يحدّق في طيفها،
وعيناه تحوّلتا إلى لون الدم.
ــــــــــــــــــــــــ
واخيرا بعد يوم طويل لم تكن فيه مكه مع آحد كانت مع صراعات كثيره بين الماضى والحاضر
والخوف من المستقبل ...........
كانت ترتدي تيشرت أبيض اللون بآكمام فراشه يزينه في الممتصف صوره ورده باللون الاسود
وترتدي جيب بنطلون أسود اللون
وترتدي طرحه باللون البنك ........ وكانت تشبه القمر بوجهها المستدير
تنظر من الشرفه نحو السماء ........
تنظر من الشرفة نحو السماء…
تتساءل بداخلها:
هو أنا إيه اللي بعمله ده؟ هو ده صح ولا غلط؟
هم ليه عملوا فيا كده؟
هو أنا فعلًا كنت أستاهل؟ ولا بقيت أستاهل… لأني حبيتهم أكتر من نفسي؟
تنفست عاليًا…
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
لكن أنفاسها توقفت حين لمحت آسر جالسًا في الحديقة بمفرده، لا ترى منه سوى ظهره المنحني كأنه شايل همّ أكبر من سنه.
ابتسمت بهدوء، ونوت أن تنزل إليه.
نزلت بخطوات بطيئة، وما إن اقتربت حتى صُدمت…
آسر كان يبكي.
ليس دمعتين…
بل بكاءً حقيقيًا، مكبوتًا، كأن صدره لم يعد يحتمل.
وقفت أمامه، عقدت حاجبيها وقالت بنبرة تحاول تخفيف الموقف:
— إنت كل شوية بتعيط يا آسر! ما فيش في الحياه غير ثانوية عامة ولا إيه؟
مسح وجهه بعنف، وصوته خرج مكسورًا:
— أنا خسرت درجات كتير في امتحان الأحياء…
ومن ساعة ما دخلت السنة دي وأنا بخسر بس.
مش قادر ألاقي نفسي، حاسس إني فاشل وضايع، وكل ما أحاول أقف أقع تاني.
حاسس إني هخسر أكتر… وتايه، وخايف أوي. إني آفضل أرسم طريق وفي الآخر ماوصلش لآي حاجه
خايف آطلع في الآخر بضحك علي نفسي وانا مش قد حاجه
جلست أمامه، تنظر إليه بتركيز…
وكأنه يشرح حالتها هي، دون أن يدري.
قالت بهدوء عميق:
— بص يا آسر…
اللي بيجتهد ربنا ما يضيّعش تعبه، حتى لو النتيجة ما ظهرتش دلوقتي.
إحنا نقع؟ آه.
نتكسر؟ وارد.
بس نفضل واقعين؟ لأ.
صمتت لحظة ثم أكملت:
— ثانوية عامة دي محطة… مش نهاية السكة.
دي بداية طريق، مش الهدف نفسه.
الهدف الحقيقي إنك تقوم، تحاول، وتكمّل.
باب الأمل عمره ما بيتقفل، غير في عين اللي قرر يقف.
ثانويه عامله اول طريق يعلمك تتعلم مها تقع تقف تاني وان الحياه فيها احلام كتير كل ماتفشل في حلم حقق غيره المهم ماتقفش عند حلم واحد وبس
رفع رأسه ينظر لها، ودموعه هدأت قليلًا.
قالت بابتسامة خفيفة:
— ومهما خسرت جولة… ما ينفعش تعلن هزيمتك في الحرب كلها.
وقبل ما يرد، دخل سامر فجأة وهو يقول:
— إيه ده؟ اجتماع كئيب من غير ما تعزموني؟
ولا أنا داخل على مسلسل تركي؟
انفجروا ضحكًا…
ضحكة بسيطة، لكنها كسرت ثقل الجو.
آسر مسح دموعه وضحك
، ثم قال وهو يضرب على كتف آسر:
— عندك حق…
إحنا قدّ الممكن والمستحيل يا وحش.
وعادي لو القطر فاتني مرة،
مش همشي من المحطة…
هفضل مستني لحد ما ييجي القطر اللي شبهي.
نظر بعدها إلى مكة…
وكأن كلامه موجّه لها أكثر مما هو لآسر.
قال سامر وهو يربت على كتف آسر:
— الفشل ما بيزورش غير الناس الضعيفة…
اللي مش مؤمنة بنفسها يا آسر.
ابتسم آسر …
ولأول مرة منذ وقت طويل،
شعر أن الأمل لا يزال حيًا.
(الأمل مش موقف، ده طريقة حياة… وكل خطوة نوقف عندها نتعلم ونقوم أقوى.")
غمز سامر لآسر ليقول بمشاكسه
-تيجي نسمع فيلم؟!
آسر وهو يضحك عالياً -ايوه الفشل
ضحك سامر وهو يقول بمشاكسه -ياصحبي مش هياخد معانا القبر نجاح ولاعفاف
ضحكوا معا سامر لمكه التي تبتسم بلطف
-تيجي ؟!
هزت مكه رآسها بلطف -انا نطلع انام
وضع سامر يده علي كتف آسر ليقول بمزاحه المعتاد
شويه فشار مع فيلم هيخلوكي تندمي عمرك كله يافواز
مكه وهي تشير علي نفسها لبسمه -انا فواز
لتهزر رآسها -والله البيت ده من سامر كان أدفن بالنكد أكيد الراجل ده جه غلط هنا
حركت رآسهت برضا علي نفسها
لتوجه نحو غرفتها قاصده الهروب فهي تخفف عن الآخرين. ولكن ليس هناك من يخفف آحمالها عنها
تسد جروح الآخرين وجرحها ينزف ..........
ولكن هيئة تشد في ذاتها تريد أن ترى نفسها اين سيذهب بها مركبها هذه المره ولكن توقفت أمام غرفه في الجنينه يخرج منها ضوء خافت
تسمع صوت لامس قلبها وعقلها وقف أعصابها لثواني
وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُؤْمِنِينَ"
(آل عمران: 139)
تنفست عالياً وكآن مع القرآن أكسجين مختلف عن الأكسجين الذي نتفسه
وماكادت تتخطو بعيداً حتي جاء صوته الهادئ
سلوي بلطف -تعالي يامكه
فزعت مكه ولكنها أدركت أنها سلوى لتفتح الباب بترقب
كانت سلوي تجلس علي سجاده الصلاه ولكن وجهها أشبه بالبدر المنير فهذا نور مختلف نور الإيمان
لا يعرفه جيدا الا من ينعم به يكون هادئ القلب مريح البال
أشارت بكف يديها أمام سجاده الصلاه لتقول ببسمه
-اقعدي يامكه
جلست أمامها مربعه القدمين .........
سلوي قطعت إرتبكاها
-شايله طاجن ستك ليه يابنتي
تنفست مكه أشارت علي نفسها
-أنا .. ابدأ
سلوى ببسمه مطمنه -لازم نعترف أننا ضعاف يامكه تخيلي كده معاكي جردل وقررتي تمليه ولو ماخلتيهوش يفضى اللي جواه هينفجر من كتر الضغط
مكه بآلم وبدأت تتجمع الدموع في عيونها
-مش عارفه ابقى كويسه انا مش كويسه انا تعبانه اوي ومش عارفه الدنيا كل شويه تحطني علي مركبه ومافيش مركبه عارفه انا ركبتها ليه انا والله تعبت انا اضعف من كل ده
والله مافيش حاجه من اللي حصلت كنت عوزاها تحصل
سلوي فتحت لها ازرعتها وبدون سابق انذار من مكه ألقت بنفسها بين ضلوعها
سلوي وهي تربط علي كتفها
-كلنا ضعاف اوي من غير ربنا يابنتي إحنا محتاجين ربنا في حياتنا القوه بتيجي بإننا ننادي ربنا ونعترف بضعفنا بين أيد سبحانه ربنا حنين اوووووووووووووووووي اوي بيستقبل العبد الضعيف والتايه اللي بيروحله ويقوله يارب انا العبد الفقير الي سبحانك الارض ومن عليها يحتاج الي رحمه ربنا يابنتي
أخرجتها بلطف من بين ضلوعها قالت بهمس
:متوضيه ؟!
هزت مكه رآسها بلا .......... .
سلوى إشارت علي مرحاض صغير في الغرفه لتقول بنفس الهمس
:قومي اتوضي وتعالي
وبالفعل قد أدت مكه وضوئها .......والمياه أول خطوه في مسح الالم من علي وجهها المرهق لتري سلوى ممده لها بإسدال صلاه وتركت لها الغرفه وسجاده الصلاه
وقفت علي باب الغرفه لتقول ببسمه : ربنا السميع الرحيم يابنتي
وتركتها بمفردها الأدق أنها تركتها تبدأ في رحله من الحديث مع خالقها
وبالفعل وقفت علي سجاده الصلاه ورفعت يديها
لتقول بهمس الله آكبر
لثواني اعادت الكلمه مره آخري الله آكبر
نعم لم نقولها فراغ فشعرت بقيمتها
الله آكبر اول خطوه اعتراف العبد لربه بآنه ضعيف بشكل مبالغ فيه يلقى فيها العبد بينها قله حيلته
قالتها مره ثالثه الله آكبر لتكمل الله آكبر من همي وحزني وضعفى ووجعي وفقدي وآلمي وآشتياقي وإنكسارى
الله آكبر من كل ماانا عليه
ولكن ثواني وانهارت في بكاء شديد ...... تبكي ليس بحرقه بل بشكوى بتلك الدموع تشتكي لخالقها عما فعلته بها الدنيا وهي بمفردها
ولكن ثواني احتلت في سجودها.......قد آدت ركعتين
اتمام علي سجاده الصلاه في وضع الجنين علي وجنتيها دموعها تهبط الدموع كالنسيم الناعم قلبها وكآن ريش ناعم يربط عليه بحنيه شديد تنهدت تلك التنهديه التي لم تحدث سوى عندما تتحدث مع خالقك لتغمض عينيها بعدها معترف أن المخلوق لديه قوه عظيمه في الدنيا قوه الخالق
لحقت بها رحمه ربها الذي لا يرد قط عبدا قال يارب ......
وماان ذهبت في نوم عميق حتي فتح الباب برفق شديد
ولكن توقف أمامه كيف تبدوا كالملاك الهادئ مسلمه تماما تنام وكآنها لم تحمل هما قط
انحني علي ركبتيه بجوارها لايحرك أنامله علي وجهه برفق
دقائق حملها بين يديه
ليضعها في سيارته من الخلف
برفق شديد دون أن تشعر وكأنه لم تنام منذ سنين
همس بجوار أذنها برفق
-أسف مضطر ......
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
فتحت مكة عينيها فجأة، وإحساس غريب بالتعب مسيطر عليها. حاولت تتحرك، لكن جسدها كان ثقيل… نظرت حولها ووجدت نفسها في غرفة واسعة وأنيقة: الجدران مزينة بألوان دافئة، والأرضية مغطاة بسجاد فاخر. نافذة كبيرة تسمح بدخول ضوء خافت، وكرسي مريح وطاولة جانبية صغيرة تكمل المشهد، كل شيء هنا يوحي بالثراء والفخامة، لكنه يحمل هدوءًا غريبًا ومخيفًا.
بدأت مكة تتحرك بحذر، تتفقد المكان خطوة بخطوة، وكل زاوية كانت تحوي ظلًا غامضًا يجعلها تشعر أن القصر نفسه يراقبها.
في نفس الوقت، في حديقة القصر، وقف تميم مبتسمًا، ضحكته مليئة بالسيطرة والغطرسة:
— دي لعبتي… كلها لعبتي.
وفجأة، ظهرت مكة شبيهة لها تمامًا، نور خفيف يحيط بها، وكأنها ملاك. كانت أوبسيدين. ركضت نحو مكة واحتضنتها بقوة، ودموعها تتساقط بغزارة.
مكة وقفت مذهولة، لا تعرف كيف تتصرف، وكيف لشخص يشبهها تمامًا أن يكون هنا. ثم همست أوبسيدين في ودنها بصوت مليء بالألم والخوف:
— سامحيني… ماكنتش أقصد أعمل كل ده…
وفجأة… اختفت بين يديها كما لو أنها كانت مجرد وهم.
صرخت مكة، صوته يرتجف بالغضب والخوف:
— إنت سيباني وحدي هنا ليه؟!
وبدون سابق أنذار، تصحى مكة مفزوعة، كأن قلبها خرج من صدرها. عيونها تتسع من الرعب، كل جسدها يرتجف من أثر الكابوس. تطلع على نفسها… تكتشف أنها لا تزال نايمة على سجادة الصلاة، يديها ملتفتين على صدرها، وكل شيء حولها نفس المكان الهادئ الذي نامت عليه
تستعيذ بالله، تأخذ نفسًا عميقًا، تحاول جمع شتات نفسها، لكن كل دقيقه تلمح لها الحلم وكأنه ذكرى سريعة تمر أمام عينيها. الرعب لم يختفِ تمامًا، يبدأ التوتر يتصاعد معها، قلبها يدق بسرعة، عرق بارد يغطي جبينها، وتشعر بتعب وضيق في صدرها.
تنهض ببطء، تتجه نحو غرفتها، تفتح الباب بخطوات مترددة. عيناها تلتقطان ذلك الباب في الحائط، شبه صندوق قديم. قلبها يقفز، لكنها تجرؤ على الاقتراب، وفجأة… يظهر لها ليس المشهد يعيد لها صورة أوبسيدين من الحلم، واقفة أمامها، مسحت وجهها بتعب، تقترب منه ببطأ
مكة تتوقف، قلبها يختنق، وفجأة تتذكر كلام صابرين:
— أوبسيدين؟ دي مرات حسام مش أم تميم… كانت خدامة في القصر.
تفكر بقوة، عقلها يدور: ليه أبو تميم يتجوز خدامته؟ وليه أوبسيدين تحديدًا؟ ليه كل الناس حبوها لدرجة معلقين صورتها في كل مكان؟ وإزاي ماتت هي ووالد تميم في نفس الوقت؟
يبدأ الصداع يشتد، دماغها تقفل على نفسها من كثرة الأسئلة، وتحس بحالة من الارتباك الشديد. تتقدم بتعب نحو الفراش، وتلمح صورة لأوبسيدين على كومودينو تميم، تلتقطها بيد مرتجفة، تسرح في ملامحها، وتردد بصوت منخفض:
— الشبه بيننا مش طبيعي… ياترى إيه حكاتيك انت كمان؟
تضع الصورة مكانها مرة أخرى، لكن فجأة يلمع أمام عينيها شيء غريب: كلمة مكتوبة باللون الأحمر على حواف الصورة، كأنها دم، ولكن الحروف غير مفهومة بالكامل، صعبة التفسير. تتنفس بعمق، تحاول تهدئة نفسها، وتترك الصورة مكانها، لكن شعور الغموض لا يترك قلبها.
-----------------&----------&----------------
دخل شعاع الشمس الأول من النوافذ الكبيرة، ينشر دفء اليوم الجديد على وجوه العائلة المتجمعة حول السفرة.
قطع آسر صمت الصباح بهدوء:
— هي مكه وتميم فين؟
أجابت هالة بهدوء متحفظ:
— مكه نايمه في أوضتها، وتميم ماجاش من إمبارح.
في تلك اللحظة، وقف آسر فجأة، ضحكته مشرقة وعيونه تلمع، تعكس ضوء الأمل الذي يشع منه. تحدث بنبرة كلها ثقة وثبات:
— أنا رايح أذاكر عند كريم.
هالة عبّست بغضب:
— مش معقوله، كريم كل شويه؟!
نظر إليها آسر بجدية:
— ياماما، حضرتك عارفة كريم صاحبي من زمان، ومن وقت الحادثة مش بيعرف يمشي.
ثم أضاف مبتسمًا:
— وبعدين ياماما، ربنا قال: إن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.
تنفست هالة ببطء، تهز رأسها فقدانًا للأمل:
— من أمتي… وارتفع صوتها قليلًا، متعجبًا: …ويطلعلك صوت ياأستاذ آسر؟
ضحك سامر بخفة:
— لا، ماهو بياخد كل يوم درس خصوصي على إيد مكه.
ابتسمت هالة بخفة، بينما نظرت رهف بغضب، مستاءة من سيرتهم.
لكن سامر قاطع الكلام، في الوقت الذي غادر فيه آسر المكان بالفعل:
— في ضيف مهم جدًا جاي لي النهارده.
فايزة بجدية:
— مين ده يا بني؟
ضحك سامر بسعادة، وهو ينوي المغادرة:
— صديق الطفولة يا حجوج.
ثم هرول إلى الأعلى، قاصدًا غرفته.
وفي مكانٍ بعيدٍ جدًا… داخل مستشفى خاص بعلاج المدمنين،
كان محمود مستلقيًا على السرير، يصـارع الموت لحظة بعد أخرى، والسمّ يخرج من جسده بعنف. كانت الغرفة تهتز كل ثوانٍ من قوة صرخاته، صرخات رجلٍ يبحث عن أي يد تمتد إليه لتنقذه من هذا الهلاك… بلا جدوى.
اندفع فجأة، يضرب باب الغرفة الحديدي بقبضتيه، يصرخ مستغيثًا حتى خانته أنفاسه.
وفجأة… وقف أمامه رجل بهيبته المعهودة، يضع كفّيه في جيبيه، نظراته ثابتة لا تهتز.
هرول محمود إليه كالمجنون: — مالك… طلعني من هنا، أبوس إيدك… أنا بموت يا مالك!
تنفس مالك بعمق، وقال بهدوء ثقيل: — وأنت مين قالك تعمل في نفسك كده يا محمود؟
تراجع محمود مترنحًا، ثم صرخ بغضبٍ هستيري: — أنا عايز أموت! مالك، ابعد عني… سيبني في حالي وخرجني من هنا!
ثقلت أنفاس مالك، وقبل أن يرد، سقط محمود على الأرض من شدة الإعياء.
هبط مالك إلى مستواه، وقال بجدية: — أختك ما تستاهلش منك كده… وأبوك تعب في تربيتك يا محمود.
أنّ محمود بألم: — كفاية… أنا مش قادر.
أمسك مالك كتفه بقوة، صوته ثابت كالصخر: — زي ما عملت المعصية بسهولة، خليك قد إنك تكفّر عنها. سيب طريق الشيطان يا محمود… هياكلك.
انهار محمود في بكاء هستيري، التعب ينهش جسده: — أنت بتعمل كده ليه؟
ابتسم مالك ابتسامة هادئة وقال: — علشان هي بتحبك.
في تلك اللحظة، دخل الطبيب مسرعًا: — مالك بيه.
وقف مالك بكل شموخ: — فاضل كتير؟
تنهد الطبيب بأسى: — للأسف… هو جاي في حالة متأخرة.
رفع مالك سبابته محذرًا: — لو حصل له خدش بسيط، هتدفع التمن غالي.
— تحت أمرك يا فندم.
غادر مالك المستشفى بخطوات ثابتة، يمضي في طريقه دون أن يلتفت.
ــــــــــ$ـــــــــ$ــــــــ
عند رحيم،
كان يدخل البيت مُنهكًا، ظهره منحني من ثِقل التعب… وتعبٌ آخر لا يُرى، تعب الكَسرة.
قاطعته فاطمة بصوتٍ يوجع: — مالك وعدنا إن محمود هيبقى كويس…
هرولت مها من الداخل، ملامحها مختلطة بين الشوق والخوف، وبطنها بارزة قليلًا: — م… محمود كويس يا عمو؟
هزّ رحيم رأسه بتعب: — إن شاء الله يبقى كويس.
ثم نظر إليها وأضاف بنبرة أهدأ:
— إنتِ واللي في بطنك كويسين؟
نظرت مها إلى بطنها، وابتسامة مرهقة ارتسمت على شفتيها: — الحمد لله.
جلست فاطمة على الأريكة الأمريكية، جسدها ينهار دفعة واحدة، وضعت يدها على قلبها وهمست بوجعٍ واشتياق: — يا ترى… يا بنتي عاملة إيه؟
جلس رحيم جوارها بنفس الانكسار: — ما ادّتهاش فرصة تفهم… افتكرت نفسها قوية وعنيدة زي أمها. اتسرّعت… وضيّعتنا.
التفتت إليه فاطمة بعينين مشتعلتين: — تقصد إيه يا رحيم؟
تنهد وقال بمرارة: — رغم إنها تربيتك… بس واخدة كل صفات أمها.
انتفضت فاطمة واقفة، الغضب أعمى عينيها: — مكة بنتي أنا يا رحيم! فاهم؟
صوتها ارتفع وهي تشير إلى صدرها:
— أنا اللي أخدتها لحمة على إيدي… فاطمة بنتي أنا وبس!
ثم اندفعت نحو غرفتها، خطواتها غاضبة، وباب الغرفة أُغلق خلفها بقوة.
وقفت مها في مكانها، فمها مفتوح من الصدمة، تنظر بين رحيم والباب المغلق،
وضعت يدها على بطنها بلا وعي، وهمست لنفسها بخوف: — يعني… مكة فين دلوقتي؟
ظل رحيم صامتًا، ينظر إلى الفراغ،
وكأن السؤال أثقل من أن يُجاب.
كانت مكة تقف شاردة أمام ذلك الباب الذي يشبه باب خزنة، عيناها معلقتان به وكأنها تشعر أن خلفه سرًا ضخمًا ينتظر أن يُكشف.
تنفست بعمق، وهمست لنفسها: — يا ترى الحاجه دي بتتفتح إزاي؟
مدّت يدها بتردد، تنوي تخمين الرقم السري،
لكن قبل أن تتمكن في لمسه… صاعقة كهربائية خاطفة لسعتها بقوة، فألقتها إلى الخلف وهي تصرخ فزعًا.
وضعت يدها على موضع قلبها، تلهث بصعوبة: — هي وصلت إنك تكهربه يا تميم بيه؟!
ورغم الرعب، نوت في داخلها أن تهبط إلى صابرين… ربما تجد عندها إجابة لبعض أسئلتها.
كانت تهبط الدرج بخفة كالفراشة،
لكنها توقفت فجأة عند صوت رهف، وصل إلى أذنها حادًا وغاضبًا.
— إنتِ إيه اللي عملتيه ده؟!
أجابتها هالة بصوت متعب مكسور: — يا بنتي… كنت عايزة مصلحتك.
صرخت رهف بانفعال: — محدش يدخل في حياتي ويقولي مصلحتك! أنا ليا شخصيتي، ومش ناوية ألغيها علشان حد. أنا اللي أقرر أسافر ولا لأ!
تجمعت الدموع في عيني هالة: — عايزة تسيبيني يا رهف؟ تسيبيني وأنا اللي استحملت تعبكم السنين دي كلها؟
ردت رهف ببرود قاسٍ: — وأبويا؟ مش من حقي أروح أشوفه؟ ده برضه ليه حق عليّا.
شهقت هالة بصدمة: — دلوقتي افتكرتي إن عنده عيال؟ ده سابني وسابكم علشان واحدة تانية!
سحبت رهف جواز السفر من يد أمها بقسوة: — إنتِ اللي مش عايزة تقتنعي إنه أبويا زي ما إنتِ أمي.
ثم اندفعت للأعلى، لا ترى أمامها شيئًا.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ترنحت هالة وكادت تفقد وعيها،
وفي اللحظة نفسها، هرولت مكة نحوها: — طنط هالة!
أسندتها سريعًا وساعدتها على الجلوس، وضعت إصبعها على نبضها كما تعلمت في كليتها: — ضغط حضرتك عالي قوي.
صرخت صابرين وهي تأتي مهرولة: — نعم يا هانم؟
— هاتيلي كركاديه بسرعة.
بعد دقائق، كانت هالة مستلقية، ومكة بجوارها. — حضرتك أحسن دلوقتي؟
انهارت هالة في بكاء: — أنا اللي ربيت وكبرت وتعبت… وهو جاي ياخدهم مني على الجاهز.
جلست مكة قربها، تربت على يدها: — رهف في سن مش دايمًا الواحد بيبقى فاهم نفسه فيه.
هزّت هالة رأسها بأسى: — دفنت نفسي علشانهم… وهو فين لما ابنه مات؟ فين لما هي تعبت؟ فين لما آسر وقع مية مرة؟
اتسعت عينا مكة بصدمة… شعرت أنها أمام جبل من الوجع.
تمالكت نفسها وربتت على يدها: — حضرتك صبرتي كتير.
— علشانهم… ضحيت بكل حاجة.
ثم تمتمت هالة وهي تغمض عينيها: — إنا لله وإنا إليه راجعون.
ابتسمت مكة بحزن… الآن فقط فهمت من أين جاء هذا النور
الإيمان فهي من اولئك الذين قال المولى فيهم
وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
سورة البقرة (155–156)
انسحبت بهدوء، تبحث عن صابرين،
لكن أذنها التقطت أنين قطة.
تتبعت الصوت حتى وجدتها عالقة بين فروع شجرة. ضحكت بلا وعي: — إنتِ بتعملي إيه يا شقية؟
حاولت إخراجها، فشلت،
تعالت صيحات القطه
قالت: — خلاص… هجيبك.
لتنظر لآعلى وحولها بترقب وهي تذهب لعقلها الفكره
في اللحظة نفسها، توقفت سيارة فيراري سوداء أمام القصر.
هبط مالك الهلالي بكل شموخ، قميص جملي مفتوح الأزرار الأولى، أكمامه مرفوعة قليلًا، ساعته تلمع، وخطواته ثابتة كعادته.
تجمّد في مكانه…
حين رآها.
مكة تقف قدمًا على غصن والأخرى على غصن آخر، تمد ذراعيها لتُخرج القطة. نجحت… وابتسمت بسذاجة، رفعت يديها فرحًا،
لكن الفرحة تحولت في ثانية إلى صرخة نجدة.
سقطت للخلف…
وأغمضت عينيها. ترفع قدمها والقطه لآعلى
لم تستقبلها الأرض…
بل يدان كانتا أحنّ من الدنيا كلها.
فتحت عينيها ببطء…
ثم قفزت مبتعدة كمن لدغه عقرب.
نفض مالك يديه ببرود: — مش هتبطلي حركات الأطفال دي؟
كانت تحدق فيه بذهول… ثم شردت في وسامته دون وعي.
ابتسم على شرودها، وغمز بمشاكسة…
مكه بصدمه :انت بتعمل ايه هنا ؟!
مالك رفع كفيه بستسلام :اتعودي علي كده
مكه بغضب :هو بالعافيه انا بكر
مالك قاطعها :بكرهك ايوه فاهم بس وجودي مش اختيار ده فرض
ثم تركها غارقة في صدمتها.
حتى دوّى صوت سامر: — أوووه… مالك الهلالي بنفسه!
وفي اللحظة نفسها…
كاد فم مكة يسقط من شدة الدهشة.
ضربت مكة وجهها بكفيها بصدمة: — فوقي بقى… ده أكيد حلم، كابوس! فوقي يا غبية، مش وقت أحلام!
لكن الفضول كان أقوى. هرولت إلى الداخل تبحث بعينيها عنه، لم تجد أثرًا سوى رائحة عطره، ما زالت عالقة في المكان وكأنه لم يغادر.
وأخيرًا، دوّى صوت ضحك سامر العالي،
بينما كان مالك يبتسم بهدوء.
اقتربت من باب الصالون بتردد، لا تريد شيئًا سوى أن تتأكد أنه بالفعل بالداخل.
وقفت عند العتبة، عيناها متسعتان، تحاول الفهم.
كان يجلس على المقعد المقابل، مائلًا للخلف بهدوء، ظهره مستقيم، وقدماه متباعدتان قليلًا… سيطرته تسبق حضوره.
رآها… فابتسم بلطف.
تبع سامر نظرتها وقال مبتسمًا: — أوه… ياريجينا.
تحولت نظرة مالك فجأة، ضم كفيه حتى برزت عروقه، بالكاد تمالك أعصابه.
قال سامر بجدية: — مرات ابن حسام… تميم. تعالي يا مكة.
ثم أشار إلى مالك: — مالك الهلالي… أعز أصدقاء الطفولة والدراسة، وأكبر رجل أعمال.
لم تتحرك مكة، لم تجب، لم تنطق… شردت فقط.
ضحك سامر: — صح يا مالك… اتجوزت ولا لسه؟
ظل مالك ينظر إليها…
وفاقت مكة على السؤال، رمقته بنظرة اشمئزاز.
أجاب مالك سريعًا: — لسه.
اتسعت عيناها بصدمة، وهتفت في داخلها: يا كدّاب!
استدارت وغادرت المكان سريعًا، تلعن حظها.
وبينما تهرول، اصطدمت بصدرٍ صلب، فتراجعت متألمة.
أمسكها تميم من خصرها وضَمّها إليه: — إيه يا نومة؟ مين مزعلك؟
نظرت إليه، ابتلعت ريقها، توترها ازداد بلا سبب مفهوم.
رفع حاجبه: — في إيه؟
هزّت رأسها بلا، تحاول الإفلات من حصاره.
في اللحظة نفسها، مرت صابرين بعربة الضيافة الصغيرة. أوقفها تميم: — مين هنا يا صابرين؟
— صاحب سامر بيه يا تميم بيه.
ارتفع حاجب تميم،
بينما توترت مكة بشدة، تفرك يديها خوفًا من اللقاء.
رفع تميم ذقنها بلطف: — مش هتقولي مالك يا نون؟
وقبل أن يُكمل…
خرج سامر ضاحكًا، وخلفه مالك بهيبته الكاملة.
ابتلعت مكة ريقها.
ضحك تميم واقترب يصافحه بحرارة: — يا سلام! مالك الهلالي بنفسه عندنا!
قال سامر بدهشة: — إنت تعرف مالك يا تميم؟
غمز تميم: — حق المعرفة.
تمالك مالك أعصابه بصعوبة.
اقترب تميم من مكة، لفّ ذراعه حول خصرها وقال ببرود قاتل: — خطيب مراتي مسبقًا.
فتح سامر فمه: — نعم يا خويا؟!
لم يرَ مالك شيئًا أمامه، لكنه وقف ثابتًا وقال بثقة: — وأم عيالي مستقبلًا.
ارتعش قلب تميم لا إراديًا،
ومكة لَعنت كل شيء… أولهم غباؤها.
سامر واقف لا يفهم شيئًا.
تحرك مالك بهدوء،
وحين مرّ بجوار تميم، همس بصوتٍ سام: — نزّل إيدك يا تميم… العاصي زعلي وحش.
وبلا وعي، أنزل تميم يده.
غادر مالك القصر بثبات.
وفي اللحظة نفسها…
رنّ هاتف تميم.
رفع السماعة، ثوانٍ…
ثم سقط الهاتف من يده وهو يحدق في أثر خروج مالك.
بصدمة.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
هرولت مكّة خلف ذلك الذي انطلق كالثور الهائج،
في حين ظلّ سامر يحدّق في طيفهما، عاجزًا عن استيعاب أيّ شيءٍ مما حدث.
فتح تميم باب غرفته كالأعمى، لا يرى أمامه سوى صورٍ قد نسيها منذ زمن.
وفجأةً شرد…
وانتزعت منه ذكرى خاطفة.
فلاش.
كان طفلًا في الحادية عشرة من عمره،
يصرخ بألمٍ وبكاءٍ هستيري: — بابا ما تسيبنيش يا بابا… أنا عاوز بابا!
— عمتو هالة… عاوز بابا!
فاق من شروده على دمعةٍ فرت من عينه دون قصد،
لكنّه سرعان ما مسحها.
في تلك اللحظة، شُلّت مكّة أمامه…
هل هذه دموع؟
اقتربت منه بتردّدٍ شديد، ومدّت يدها لتضعها فوق كفّه،
فانتفض تميم فجأة، ونظر إليها بعينٍ منكسرة تحمل الكثير:
حبًّا دفينًا،
وحقدًا،
وكراهيةً أشد.
لم تستطع مكّة تفسير تلك النظرات.
قالت بألم: — إنت كويس؟
ثم أضافت بصوتٍ منخفض: — أنا آسفة… أنا السبب في كل الدوشة اللي حصلت في حياتك دي.
تنفّس تميم بعمق، ثم قال بحدّة: — ممكن تسكتي؟ اطلعي برا… مش عاوز أشوفك.
نظرت إليه مكّة بصدمة؛
فهذه أول مرة يتعامل معها بهذه الطريقة،
طريقةٍ خاليةٍ من أيّ شيء.
خفضت بصرها بارتباك، ثم اتجهت نحو الخارج بألم، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
تنفّست بعمق وهي تخطو خارج القصر،
فتفاجأت برهف جالسةً على أحد الكراسي، تحرّك قدمها بسرعةٍ وتوتّر.
اقتربت منها بحذر.
قالت بصوتٍ هادئٍ للغاية: — ر… ر… رهف.
نظرت إليها رهف بكراهية: — إنتِ عاوزة إيه؟!
جلست مكّة بجوارها، وقالت بألم: — إنتِ ليه بتتعاملي معايا كده؟ هو أنا أذيتِك؟
وقفت رهف بعنف: — أنا لا بحبك ولا بكرهك، وبصراحة مش طايقة وجودك أصلًا… إنتِ بسببك تميم رفع صوته عليّا.
اقتربت مكّة سريعًا، وضعت يدها على كتفها: — أنا آسفة.
أبعدت رهف يدها بعصبية: — إنتِ ليه عايشة جو البريئة؟
ابتسمت مكّة بألم: — أنا…
ثم أكملت قبل أن تغادر رهف مباشرة: — بلاش تخلي عقلك دايمًا هو اللي يتحكم يا رهف، بلاش تخسري اللي بتحبيهم علشان عايزة عقلك هو اللي يطلع صح… اسمعي لقلبك مرة.
توقّفت رهف، وظلّت كلمات مكّة عالقةً في أذنها لثوانٍ.
لاحظت مكّة تأثير كلماتها، فأكملت بجدية: — بلاش تخسري الست اللي تعبت قوي علشانك، علشان شايفة إنك عايزة تبقي حرة وتتحكمي في تصرفاتك.
انهمرت دموع رهف بألمٍ وهي تهمس: — بس أنا اتحرمت من الأب طول عمري… ما عرفتش يعني إيه سند، ولا حب الأب، ولا يعني إيه أكون محتاجة وأقول بابا.
كل ده ليه؟ علشان هي رفضت تبقى زوجة تانية.
عشنا في رعب، والكل كان متحكم فينا، وكل واحد يقول كلمة في حقنا علشان يربّينا…
وأنا أبويا عايش، بس كان بالنسبالنا ميت.
ابتسمت مكّة بلطف، وأمسكت بكفّها تبثّ فيها الأمان: — ما تقبليش على أمك حاجة ما كنتيش هتقبليها على نفسك يا رهف.
هي عملت كده علشان كبريائها اتجرح، بس ما رمتكيش إنتِ وإخواتك.
اختارت تبيع راحتها وشبابها علشانكم، وفضّلتكم على نفسها.
بلاش ننكر فضل اللي بيحبونا علينا لمجرد إننا عايزين نشوفهم مذنبين.
لو خسرتِ أمك بكرة يا رهف، مش هتلاقي اللي يعوضك عنها… فاهمة؟
ربّتت على كفّها، ثم قالت بهمس: — بلاش تنكري فضل حد عليكِ… الدنيا صغيرة.
دخلت مكّة،
بينما جلست رهف مكانها تبكي بحرقةٍ على حظّها؛
فقد خرجت إلى دنيا غير عادلة،
بأبٍ أناني…
وحياةٍ قاسية.
مسحت دموعها بعنف، وعزمت على الذهاب إلى والدتها،
لتعترف بتقصيرها في حقها طوال هذه المدة،
كم كانت ترتدي قناع القسوة،
وتنكر الاعتراف بالمحبة.
وقفت رهف أمام باب غرفة والدتها،
تفرك يديها بتوتّر؛ فهذه أول مرة تأتي لتجلس معها وتتحاور…
لطالما كانت لقاءاتهما تنتهي بالشجار،
ودائمًا ما رأت في والدتها المذنبة الوحيدة.
تنفست أخيرًا،
ودقّت الباب مرة…
ثم ثانية…
ثم ثالثة…
دون إجابة.
فتحت الباب بهدوء.
وقعت عيناها على والدتها نائمة على الفراش بسلامٍ عميق،
سلامٍ يشبه الأمان.
كانت كالبدر،
نورٌ هادئ يكسو وجهها،
وراحةٌ غريبة تسكن ملامحها.
ابتسمت رهف دون وعي،
واقتربت ببطء،
جلست إلى جوارها،
وأمسكت بكفّ يدها وهمست: — ماما…
لكن الابتسامة تلاشت.
برودةٌ قاسية تسللت إلى أطرافها.
عقدت حاجبيها بقلق،
ثم دقّقت النظر…
في شفتيها الزرقاوين،
في جسدٍ جامدٍ كأنه سُحب من دفء الحياة.
كانت الصاعقة.
هزّتها رهف بعنف،
وصوتها يرتجف: — ماما! ماما فوقي! ماما!
لا رد.
وفي ثوانٍ…
ومن غير أيّ مقدمات،
اهتزّ القصر بأكمله من صرخةٍ واحدة،
صرخةٍ خرجت من قلبٍ انكسر للأبد.
جاء الجميع على صرخة رهف.
تجمّد الكل في أماكنهم،
وصار الصمت أثقل من الصوت.
هرول تميم نحو عمّته،
وضع يده على موضع نبضها…
ثوانٍ معدودة،
ثوانٍ فقط،
ثم هزّ رأسه كالمجنون: — عمّتي… لا.
وفي اللحظة نفسها،
انهارت فايزة على الأرض وهي تصرخ بفزع: — بنتييييي!
أما مكّة،
فقد وضعت يدها على فمها بصدمة،
تهزّ رأسها نفيًا،
ثم فرت الدموع من عينيها فجأة،
كأنها كانت محبوسة تنتظر الإذن.
في أقلّ من ثوانٍ،
سكن الحزن البيت،
وتلبّد بالغيوم.
مرّت ساعات…
لم تكن هيّنة على قلب أحد،
فقد خسروا أحنّ القلوب،
وأطيبهم.
وقفت مكّة أمام قبرها،
تبكي بحرقةٍ شديدة.
قالت بصوتٍ مكسور: — في ريحة جميلة قوي طالعة من قبرك…
الكل مش قادر يستوعب جمال الريحة دي جاية منين،
بس أنا عارفة.
تنفّست بعمق، ثم أكملت: — إنتِ سيبتي دنيا مُزعجة، سعيتي فيها لرضا ربنا،
ودلوقتي رايحة تتمتعي بصبرك وعبادتك…
وربنا قال:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
— أنا اتعلمت منك إن الدنيا دي فانية،
وإن اللي هيفوز فيها بجد هو اللي كان مع ربنا.
رفعت عينيها إلى القبر: — أهو أنا شايفة ده في النور اللي طالع على وشك،
وفي قبرك اللي بيطري،
وفي المسك اللي طالع منه،
وفي ابتسامتك اللي كأنها شافت هي رايحة على فين.
ابتسمت بحزنٍ عميق: — إنتِ معجزة جميلة،
علمتيني أسعى…
علشان أنا كمان عاوزة أبقى في المكان اللي إنتِ فيه دلوقتي.
صمتت لحظة،
ثم انكسر صوتها: — بس… هتوحشيني قوي.
وفي الجهة الأخرى،
كانت رهف واقفة تبكي بحرقة،
ثم سقطت على ركبتيها.
وجهها شاحب،
عيناها ذابلتان،
شعرها مبعثر.
صرخت بألم: — كنتِ صبرتي شوية…
كنت جاية أقولك إني بحبك،
كنت جاية أفهمك إني غلطت في حقك…
كنتِ صبرتي شوية صغيرة، اسمعيني ولو مرة يا ماما!
وضعت يدها على موضع قلبها،
ثم صرخةٌ خرجت منها،
هزّت كل من في المكان: — آاااه!
اتأخرت في حضنك،
واتأخرت في اعتذاري،
وما اتأخرتيش في الرحيل
أسرعت مكّة نحوها،
فارتمت رهف بين ضلوعها،
تهتزّ بعنف وهي تبكي بندمٍ يمزّق الروح: — راحت قبل ما أفهمها إني بحبها…
ماتت وسابتني،
وهي اللي قالتلي لو فضلت وحشة طول عمري مش هتسيبني…
مشيت بسرعة ليه؟ ليه؟ لييييه؟
شدّت مكّة ذراعيها حولها بقوة،
كأنها تحاول أن تمنع قلبًا آخر من الانكسار.
(في اعتذارات لما بتتأخر… بتبقى مالهاش عنوان)
مرّ شهران 🌜
كان القصر يغرق في صمت قاتل، هدوء ثقيل يسيطر على كل ركن فيه.
ومكّة تذهب أحيانًا إلى جامعتها برفقة تميم الذي لم يفارقها منذ ذلك اليوم،
وعلى الرغم من ذلك، ما زال يعاملها ببعض القسوة الغامضة التي لا تدري سببها.
وفي كل مكان تذهب إليه، كانت ترى مالك جالسًا، يضع قدم على الأخرى، ينظر إليها ببرود،
كأن عاصفة خفية تترقب خلفه.
وفي صباح يوم جديد، استيقظت مكّة على جو القصر المغيم بالكآبة الشديدة.
ذهبت إلى المرحاض، وأدّت صلاة الضحى، ثم قرأت وردها الصباحي من القرآن والأذكار.
وقفت أمام المرآة، تتأمل نفسها برضا، تشعر بنور الإيمان الذي قررت أن تلحق به،
كما فعلت هالة من قبل.
وهكذا كانت دائمًا تذكر نفسها: السعي نحو النور، مهما كان الطريق صعبًا.
جلست على الأريكة مرتدية الكوتشي، ثم نظرت مرة أخرى في المرآة، عدّلت خمارها،
وأحست بالرضا عن مظهرها المتناسق: خمار نبيتي اللون، وفستان كافيه رقيق يشبه شخصيتها،
كوتشي أبيض، وشنطة بيضاء.
كانت على وشك النزول لقضاء آخر امتحان في السنة،
حتى انفجر صوت سامر في أركان القصر، مملوءًا بالغضب:
— باقي شهر على امتحاناتك وأنت مقضيها نوم! ماتفوق ونظم نفسك يا آسر، هتضيع تعب سنة كاملة يا زفت!
آسر نظر إلى الأسفل، عاجزًا عن مواجهة الواقع،
شعوره بالفراغ بعد فقد والدته غرقه في عالم بلا شغف، بلا حياة، بلا معنى.
نظرت إليه مكّة بألم شديد، مدّت شفتيها بحزن عميق.
آسر بلامبالاة:
— مش فارقة… مش عاوز السنة أصلاً.
انفجر غضب سامر، ورفع يده بسرعة لتضرب وجه آسر،
لكنّ اليد هبطت على وجه آخر لم يراه أنها وقفت امامه.
في تلك اللحظة، دخل تميم ببطء، عينيه تتسعان من الصدمة،
ثم انهال نحو سامر كالمجنون، يشد يد مكّة خلفه، صوته يرتفع:
— انت اتجننت؟!
فتح سامر فمه، مذهولًا مما حدث.
تحدثت مكّة بسرعة، محاولةً التوضيح:
— هو ماكنش يقصد…
لكن تميم قاطعها بغضبٍ جامح:
— عملت إيه علشان تستجرأ تعمل كده؟
فاق سامر سريعًا، صوته يرتجف:
— أنا ماكنتش قصدي…
رفع تميم إصبعه السبابة، موجّهًا له تحذيرًا صارمًا:
— الحاجة الوحيدة اللي صبرتني علي ، إني ما نسفكش حالًا… أنك عمى
شدّ مكّة خلفه للخارج، دون أن تفهم شيئًا، بينما وقف آسر يراقب، قلبه مثقل بالصدمة،
ولم يستطع أن يتحرك لمواجهة سامر، الذي جلس ، فقدان الأمل واضحًا على وجهه،
كأن العالم كله انهار حوله.
عاد الهدوء القاتل إلى القصر،
لكن ثقل اللحظة كان ثقيلًا على القلوب،
يزرع ألمًا صامتًا في كل من عاش الغضب أو فقد الأمل في ذلك اليوم.
وقف تميم بسيارته في ساحة الجامعة،
فتح لها الباب بهدوء معتاد،
وهي تهبط منه بغضب، تصرخ أمامه:
— ممكن تسمعني بقى!
تميم بلا مبالاة، نظر إلى خدها المتهالك بآلم حاول إخفاءه:
— اطلعي على لجنتك يا مكّة.
تحدثت بغضب قبل أن تغادر:
— سامر كان هيضرب آسر، وأنا اللي خدت الضربة مكانه عن قصد… علشان هو مش ناقص!
تركت المكان بسرعة،
في حين نظر تميم إلى طيفها وابتسم برفق،
وضع يده على قلبه وقال بآلم مكتوم:
— وبعدين معاك… هو ده اللي هنخليها تندم إنها بنتها؟… هو ده الانتقام؟
اعترف أمام كبريائه وشرّه أنه يحبها… نعم، حبّها حد الجنون،
ثم أغلق باب السيارة بغضب أعمى وتحرك للداخل بهدوئه المعتاد.
توقف أمام لجنة الامتحان، المسؤول عن مراقبتها،
رفع هاتفه ببرود:
— عاوز إيه يا حمزة؟
— من وقت ما حرق مالك الهلالي المصنع بتاعك وأنت ساكت ومختفي…
تنفّس تميم ببرود:
— معلش، أنا معايا قلبه… ده أقل واجب منه.
أجاب حمزة بهدوء:
— اقفل الحرب دي يا تميم… انت مش قدها.
تميم بتحدي:
— الحرب هتبقى بتاعتي، وأرض الهلالي هاخدها!
ثم أغلق الخط في وجهه دون أن يستمع.
كانت مكّة تتحرك في الدور متجهة نحو لجنتها،
حتى شعرت بيد تسحبها بقوة، لم يكن سواه، يسحبها خلفه وهي تصرخ بغضب:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
— سيبني يا مالك! بتعمل إيه؟!
وقف بها في سطح الجامعة، حاصرها بينه وبين الحائط،
نظر إلى خدها وهو يضم كفه بغضب أعمى:
— مين اللي عمل فيكي كده؟!
سحبت يديها بغضب:
— ابعد عني بقى، وروّح اهتم بمراتك وابنك وسيبني في حالي!
ضرب مالك الحائط خلفها بعنف، قوة كالعمى، حتى نزفت يده.
مكه فزعت، أمسكت يده بفزع:
— انت اتجننت؟ ايه اللي انت بتعمله ده؟!
رفع ذقنها لينظر في عينيها، جعلها تشرد في بؤبؤ عينه،
نطق بصوت الأفعى:
— مين اللي عمل كده؟ ورحمة آمي هخليه يتمنى إنه اتولد من غير إيد!
ابتلعت مكّة ريقها، ونظرت لأسفل.
صرخ مالك صرخة هزت جسدها بالكامل:
— أنطقييييي!
ارتعشت لتقول بغضب:
— مالكش دعوة بيا… أنا بكرهك يا مالك… أنا بكرهكم كلكم!
وكادت أن تغادر السطح مهرولة، حتى أوقفها مالك وهو يمسك كفّها:
— وعزّة جلالة الله، هتندمي يا مكّة… حتى انتقامك كان غباء… تسرعك كله غباء… ولو فكرتي إنك بسهولة هتبقي لغيري، تبقي غبية… فاهمة؟
تركها وهرولت سريعًا لأسفل، وتردد صوته في مسمعها عدة مرات.
دخلت اللجنة، وتفاجأت بأن من يراقبها اليوم هو تميم.
نظر إليها، شاهد وجهها المرهق، وغمز لها،
في حين شعرت ببعض الارتباك من الأنظار حولها.
وضع المراقب الآخر الورقة أمامها لتبدأ في الحل.
شعرت فجأة بالاختناق، فأسعلت بقوة،
لكن ثوانٍ معدودة، فتح تميم غطاء زجاجة المياه وقال بلطف:
— أهدئي.
مسكت منه الزجاجة، تنظر لكل من حولها بخجل، همست بهدوء:
— شكرًا.
جلس تميم على الطرابيزة بجوارها، يضع قدمه علي كرسي بجوار الكرسي الذي تجلس عليه
ينظر إلى باقي اللجنة، بينما ركزت مكّة وجهها على ورقة الامتحان، تؤدي أفضل ما يمكن.
وفي النهاية، أخذ تميم الورقة ليغمز لها بمشاكسه:
— هاتي يا دكتورتي.
فتحت عيونها بصدمه، ابتلعت ريقها بغضب، وذهبت للخارج.
بينما جاء إشعار لتميم، جملة بسيطة محملة بكل أنواع التهديد:
— دي بالذات ما ينفعش تتلمس.
كانت مكّة تمشي نحو سيارة تميم، تنظر في شنطتها،
لكن توقفّت لثوانٍ على صوت إحدى زميلاتها:
— مكه!
نظرت خلفها، ابتسمت:
— إزيك يا مروه؟
مروه بسؤال هادئ:
— مكه، مها محضرتش ولا امتحان السنة دي؟ هي كويسة؟
نظرت إليها مكّة، شعرت بشيء يلمس قلبها بألم، أجابت بهدوء:
— مش عارفة يا مروه.
وتركتها، بينما مروه تفكر، رفعت حاجبها:
— مش عارفة إزاي يعني؟! لما انت مش عارفة، أمال مين اللي هيعرف؟!
اتجهت مكّة سريعًا نحو سيارة تميم، ثوانٍ معدودة، وكان هو يدخل السيارة.
شردت مكّة بعيدًا، فرغم كل شيء، انشغل قلبها بصديقة عمرها، همست وهي تفرك يديها:
— ت.تميم…
تميم وضع يده على المقود، نظر للأمام وتحدث ببرود شديد:
— مقدمة شهادة مرضية… الحمل تعبها… وكانت محجوزة في المستشفى… دلوقتي هي كويسة.
فتحت مكّة فمها بصدمه، في حين تحدث تميم بهدوء:
— حاجة تانية؟
نظرت إليه في المرآة، ونطقت بهدوء:
— انت إنسان مخيف.
صفّت سيارة تميم أمام القصر،
وهو ينطق بهدوئه المعتاد:
— انزلي.
نظرت إليه مكّة بغضب من طريقة كلامه المتغيرة كل ثوانٍ،
هبطت من السيارة، تتجه نحو الداخل بخطوات سريعة،
لكنها قررت أولًا أن تدلف إلى غرفة آسر قبل أي شيء آخر.
دقت الباب، وسمح لها آسر بالدخول.
دخلت مكّة بخطوات هادئة، ابتسامة رقيقة ترتسم على وجهها،
وجدت آسر ممسكًا بصورة والدته، يمسح دموعه بصمت،
وعند وقوفها قال بصوت منخفض:
— شكرًا.
ابتسمت مكّة برقة:
— على إيه؟
— على إنك وقفتي جنبي… واللي عملتيه النهارده مش هنساه ليكي.
جلست مكّة على مقدمة السرير، قلبها يرفرف بخفة، ونظرتها ثابتة على آسر.
آسر، الذي بدا منهكًا، عينيه محمرتان من البكاء، يديه تمسك بصورة والدته.
ابتسمت مكّة بهدوء، وجلست أقرب إليه، محاولة أن تنقل له بعض السلام:
— آسر… اعرف إن الدنيا أوقات بتبقى صعبة… وأنك تحس إن كل شيء ضاع… بس صدقني… كل حاجة بتمر بيها ربنا شايفها… وكل لحظة ألم هي فرصة… فرصة تقويك… فرصة تخليك أقوى.
رفع رأسه ببطء، نظر إليها بعينين مليئتين بالحزن، همس:
— مقدرش… حاسس إن قلبي ميت… ما فيش فايدة.
مدّت يدها ووضعتها على قلبه:
— اسمعني… القلب ما يموتش إلا لما نسيب النفس تتخلى عن ربنا… آسر، كل تجربة صعبة، كل ألم… ده امتحان… واللي بيصبر ويثبت، ربنا معاه.
ابتسمت ابتسامة بسيطة، ثم أضافت بحنان:
— مش لازم تحس إنك لو وقعت، وقعت للأبد… حتى لو حاسس إنك ضايع، ربنا موجود… ده وعده… واللي يفقد أمله في نفسه، ما يفقدش أمله فيه.
رفع رأسه ببطء، نظر إليها بعينين مليئتين بالحيرة:
— طب… وانا مينفعش أعمل حاجة دلوقتي… هي مش معايا…
أمالت مكّة جسدها قليلًا، وأمسكت يديه بكل حنان:
— آسر… الحُب مش مجرد شعور… الحُب أفعال… لو بتحب أمك… خلي حياتك كلها دليل… خلي كل نجاح، كل صبر، كل خير… عملتوه… علشانها… علشان لما تقابلها في الآخرة تبقى فخورة بيك جدًا… تبقى شايفة ابنها وقف قد المسؤولية… ما استسلمش… وما تخليش اليأس يدخل قلبك.
آسر ابتلع ريقه، قلبه بدأ يدق أسرع، وشعر بشيء يتحرك جواه… شعور بالمسؤولية، شعور بالقوة، شعور بأن الدنيا ما انتهتش رغم كل الألم.
ابتسمت مكّة، وضعت يدها على قلبه:
— ربنا شايفك… وهو اللي هيساعدك… وأي خطوة صح هتخلي قلبك أهدأ… كل يوم هتكتشف قد إيه انت قادر…
قالت ببسمه— آيه رآيك لونذاكر مع بعض تعالى نبدأ بأي حاجه
أحس آسر بالسكينة تتسلل إلى قلبه،
بدأ يلتقط أنفاسه ببطء، كأن الحياة تعود إليه شيئًا فشيئًا.
جلسا معًا، مكّة وآسر، يذاكران حتى وقت متأخر جدًا،
ورغم التعب، ظلّ التركيز حاضرًا،
حتى غلبها النوم فجأة، وانحنت على الطرابيزة، يديها على الورق،
وآسر ينظر إليها بدهشة وحنان، يهمس بصوت منخفض:
— شكرًاااااا… شكرًا.
ثم قام، واتجه إلى تميم الذي كان جالسًا يشتغل على اللابتوب:
— تميم، تعال شيل مراتك من عندي… مش قادر أمسك نفسي قدامها بصراحة!
نظر تميم إليه بدهشة، ثم مسكه من ياقة قميصه قائلاً بغضب:
— بتقول إيه يا ض…؟!
ضحك آسر عاليًا، وأشار إلى الغرفة:
— تعالوا خدوا الميتين اللي هنا!
تحرك تميم نحو الغرفة وهو يصرخ فيه بغضب، ويشتمه:
— أنا غلطان إني سايبها معاك يا ابن… إنت…!
فتح الباب ليجد مكّة غارقة في النوم،
لا هدوءها تغيّر، ولا إرهاقها خفّ… الورق حولها مبعثر،
لكن شكلها كان مفعمًا بالراحة رغم كل شيء.
اقترب تميم منها، حملها بين ذراعيه، وضمها إلى صدره بحب امتلاك،
توجه بها نحو غرفته، وهو يشعر بالفخر والحنان في آن واحد.
ضحك آسر عاليًا:
— يابختك ياعم… ثقلتك امك يا آسر!
ضحك آسر بحرية، وكأن الحزن لم يزره أبدًا،
وفي الوقت نفسه، كان سامر يشاهد المشهد،
يشعر بسعادة عميقة، يراها بعيونه،
يحس بقدوم آسر للحياة مرة أخرى، ينبض قلبه بالأمل.
في صباح يوم جديد 🫶🫶 🥹
فاقت مكّة على صوت إشعار على هاتفها.
رقم غريب… لم تعرفه من قبل.
فتحت الرسالة، وكانت مكتوبة بكلمات قصيرة:
— بصي من الشباك.
اقتربت مكّة من الشرفة ببطء، قلبها ينبض بشدة، شعور مختلط بين الفضول والخوف والدهشة.
فتحت عينيها بدهشة، وما إن نظرت إلى الخارج…
حتى توقفت عن التنفس للحظة.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
{أصعب من المواجهة… هي من تواجه."🖤🌎}
وقفت مكّة خلف الشرفة تتطلع إلى الأسفل، وقلبها يخفق باضطرابٍ لا تهدأ له وتيرة.
كانت مها هناك، وحيدة، منكسرة، كأنها جاءت تحمل اعترافًا أثقل من قدرتها على الاحتمال.
ترددت مكّة طويلًا.
شيءٌ في داخلها كان يأمرها أن تغلق الباب وتعود، وشيءٌ آخر كان يلحّ عليها أن تواجه.
وفي النهاية… نزلت.
ما إن وقعت عينا مها عليها، حتى اندفعت نحوها كمن أفلتت منه الحياة، وألقت بنفسها في حضنها، تشبثت بعنقها، وارتجف جسدها كله من شدة البكاء.
كانت شهقاتها متلاحقة، وبكاؤها صامتًا لكنه مزلزل.
غير أن مكّة لم تبادلها العناق.
ظلت واقفة كتمثالٍ بلا روح، ثم أبعدتها عنها بقسوة مكتومة.
قالت من غير ما تبصلها:
— إنتِ إيه اللي جابك هنا؟
مسكت مها كف إيدها بسرعة، صوتها مكسور:
— أرجوكي يا مكّة… اسمعيني مرة واحدة بس.
سحبت مكّة إيدها بعنف، والغضب انفجر من صدرها:
— أسمعك؟!
إنتِ فاكرة نفسك عملتي إيه؟
فاكرة أنا حبيتك قد إيه؟
ارتعش صوتها، والدموع نزلت غصب عنها:
— أنا كنت مستعدة أخسر حياتي كلها ولا أخسرك إنتِ!
لو كنت أعرف إنك بتحبي مالك… والله كنت سيبته ليكي!
إنتِ ماكنتيش مجرد صاحبة…
إنتِ كنتِ أختي، وصاحبتي، ودار أماني.
انخفضت رأس مها، وعيناها معلقتان بالأرض، والدموع تنساب بلا توقف.
تشابكت أصابعها في بعضها، كأنها تعاقب نفسها قبل أن يُدان ذنبها.
أشارت مكّة بيدها نحو باب القصر، وصوتها خرج مبحوحًا صارخًا:
— اطلعي برا.
وسيبيـني في حالي.
وانسي إن كان ليكي صاحبة اسمها مكّة في يوم.
ثم صرخت بكل ما تبقى فيها:
— بــــــــراااااااااااااااا!
استدارت مكّة لتغادر، تاركة خلفها إنسانة محطمة.
لكن مها أوقفتها فجأة، صوتها خرج مرتجفًا:
— أنا حامل…
بس مش من مالك.
من محمود.
توقفت مكّة مكانها، وكأن الهواء قد تجمد حولها.
خطت خطوة إلى الخلف، وقلبها كاد يخرج من صدرها.
التفتت ببطء، ونظرت إليها وفمها مفتوح من الصدمة.
ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة باهتة، وقالت ببرود:
— كذبة جديدة.
جرت مها نحوها، أمسكت كف إيديها، وسقطت على ركبتيها أمامها:
— والله العظيم بقول الحقيقة!
إنتِ باقي سنتين وتبقي دكتورة، تقدري تعملي تحليل DNA بنفسك!
اعمليه… شكّي زي ما إنتِ عايزة!
كانت مكّة واقفة، شاحبة الملامح، زائغة النظرات، ثابتة في موضعها كأنها تلقت ضربة لم تستوعبها بعد.
أخذت مها نفسًا عميقًا، وبدأت تحكي كل شيء بسرعة، ودموعها لا تتوقف،
بينما ظلت مكّة كما هي…
عالقة في لحظة صدمة لا زمن لها.
ظلّت مكّة واقفة في موضعها، لا تتحرك، كأن الكلمات التي سقطت على مسامعها قد شلّت الزمن من حولها.
كانت تنظر إلى مها، لكن بصرها لم يكن يراها، وكأن عقلها ما زال عالقًا عند الجملة الأخيرة.
تنفست مها بعمق، صدرها يعلو ويهبط بعنف، ثم قالت بصوت مرتعش:
— أنا ماكنتش عايزة ده يحصل… والله ما كنت قاصدة أخسرِك.
لم ترد مكّة.
ملامحها جامدة، وعيناها ثابتتان في نقطة بعيدة، كأنها تحتمي بالصمت من الانهيار.
اقتربت مها خطوة، ثم توقفت، خائفة من أن تُصدّ من جديد
ابتلعت ريقها بصعوبة، وأكملت وهي تبكي:
— عمري ما حبيت مالك زي ما إنتِ فاكرة… هو كان إنقاذ، لحظة غباء، بس إنتِ؟
إنتِ كنتِ حياتي.
شدّت مكّة أصابعها بقوة، أظافرها انغرست في كفها، محاولة أن تستعيد توازنها.
ثم قالت ببطء، بنبرة منخفضة لكنها حادة:
— وإنتِ فاكرة إن الكلام ده يفرق؟
رفعت مها عينيها إليها، مليئتين بالخوف:
— يفرق… علشان تعرفي إني ما خنتكيش عن قصد.
ضحكت مكّة ضحكة قصيرة خالية من الفرح:
— القصد ما يغيّرش النتيجة.
ساد الصمت لحظة ثقيلة، لم يُسمع فيها سوى أنفاس مها المتقطعة.
أغمضت مكّة عينيها لثوانٍ، ثم فتحتهما وقالت بصوت مبحوح:
— إنتِ كسرتي حاجة ما بتتصلحش.
انكمشت مها على نفسها، وكأن الجملة سحبت منها آخر ذرة أمل:
— عارفة… وعارفة إني أستاهل كل ده. بس محدش يستاهل الانتقام ده يامكه
تقدمت مكّة خطوة إلى الخلف، كأنها تحتاج مسافة تحميها:
— اللي بينا انتهى.
حتى لو الكلام خلّص… الوجع لسه.
رفعت مها رأسها، نظرت إليها نظرة أخيرة مليئة بالرجاء:
— بس حاول تسامحيني
لم تجبها مكّة.
استدارت ببطء، ومشت نحو باب القصر، خطواتها ثقيلة لكنها ثابتة.
أما مها…
فبقيت في مكانها،
وحدها،
تحمل سرًا أكبر من قدرتها،
وتراقب ظهر مكّة وهو يبتعد،
مدركة أن بعض الخسارات لا يعوّضها اعتراف،
ولا يمحوها صدق متأخر.
أغلقت مكّة باب غرفتها خلفها، وما إن استندت إليه حتى سقط ثقل جسدها عليه، كأنها كانت تتماسك فقط إلى أن وصلت إلى هذا المكان.
اتجهت نحو السرير بخطوات متعثرة، ثم توقفت في منتصف الغرفة.
صوت مها عاد يرنّ في أذنيها بإلحاحٍ قاسٍ.
أنا حامل… بس مش من مالك… من محمود.
رفعت يدها إلى رأسها، ضغطت على صدغيها، وكأنها تحاول إيقاف ذلك الصوت، لكن الأفكار كانت أسرع.
محمود…
أخوها.
كيف حدث هذا من دون أن تعلم؟
وأين هو الآن؟
ثم مالك.
ملامحه، أفعاله، مواقفه التي بدت لها وقتها قاسية وغير مبررة.
هل كان يفعل كل ذلك من أجلها؟
هل كانت تراه بعينٍ واحدة فقط؟
تسارعت أنفاسها، وبدأ صدرها يعلو ويهبط بعنف.
نظرت إلى انعكاسها في المرآة، فرأت وجهًا شاحبًا، عينين متورمتين، وشفتين ترتجفان.
خرج صوتها فجأة، مبحوحًا، كأنها تحاسب نفسها:
— بس أنا كنت فين من كل ده؟!
لم تحتمل الوقوف أكثر.
انزلقت على الأرض بجوار السرير، ظهرها إلى الحائط، وساقاها مطويتان تحتها.
انهارت.
انفجر بكاؤها، بكاءً مريرًا، جسدها كله يهتز، ودموعها تنساب بلا توقف.
كانت تبكي غيابها، وتسرعها في الحكم، ووجع الحقيقة التي جاءت متأخرة.
وفجأة…
انفتح باب الغرفة بعنف.
دخل تميم، وما إن رأى المشهد حتى توقفت أنفاسه.
مكّة كانت على الأرض، شعرها مبعثر، خصلاته ملتصقة بوجهٍ غارقٍ في الدموع، عيناها حمراوان، زائغتان، وفستانها متجعد، كأنها خرجت من معركة خاسرة.
جري نحوها، جثا على ركبتيه، ومد يديه بسرعة:
— مكّة! إيه اللي حصلك؟!
لم تجبه.
كانت تبكي بقوة، شهقاتها متقطعة.
أمسك كتفيها برفق، محاولًا رفع وجهها إليه، وصوته مليء بالصدمة:
— بصّيلي… إنتِ كويسة؟
رفعت عينيها ببطء، نظرت إليه نظرة مليئة بالتعب والضياع، وهمست:
— أنا… كنت بعيدة أوي.
لم يسأل أكثر.
شدّها إليه، وضمّها بحذر، وكأنها شيء هشّ قد ينكسر بين يديه، بينما استمر بكاؤها بين ذراعيه.
وفي تلك الغرفة،
بين جدران تعرف أسرارها،
سقطت مكّة أخيرًا…
وسمحت لنفسها أن تنهار.
لم تشعر مكّة بنفسها حين هدأ جسدها بين ذراعي تميم.
كان بكاؤها قد استنزف ما تبقى فيها، فاستسلمت للنوم ببطء، رأسها مستقر فوق صدره، وأنفاسها غير منتظمة، كطفلة احتمت أخيرًا من العاصفة.
ظلّ تميم ثابتًا لا يتحرك.
كان يتأمل ملامحها عن قرب؛
العينان المغمضتان بتعب،
آثار الدموع الجافة على وجنتيها،
وشفتان ترتجفان حتى وهي نائمة.
رفع يده ببطء، أبعد خصلة شعر علقت بوجهها، وتنفس بعمق.
اقترب بفمه من أذنها، وهمس بصوتٍ منخفض كأنه حديث لا يجب أن يسمعه أحد:
— شكل كل الأدوار هتتلعب عليكي في لحظة يا أميرتي الصغيرة.
نهض بحذر شديد، وحملها بين ذراعيه دون أن توقظها.
كانت خفيفة… أكثر مما ينبغي.
وضعها على الفراش برفق، كأنها قطعة من الزجاج، وعدّل وضعها، ثم استدار.
توجه نحو أحد الجدران.
لم يكن جدارًا عاديًا؛
لوحة معدنية سوداء، مدمجة بإتقان في الحائط، تشبه باب خزنة عملاقة، لا مقبض لها ولا مفاتيح.
وقف أمامها بثبات، ووضع كفّه داخل مربع صغير محفور في المعدن.
ثوانٍ قليلة…
ثم صدر صوت خافت، أشبه بنبضٍ معدني.
انشقّ الباب ببطء.
من الداخل، ظهر سلّم ضيق ينحدر إلى الأسفل، درجاته من الحديد الداكن، يبتلع الضوء كلما نزل أعمق.
عاد تميم سريعًا، حمل مكّة من جديد، ودخل بها.
أُغلق الباب خلفهما في صمت.
بدأ النزول.
وكان مع كل درجة، يبتعدان أكثر عن العالم في الأعلى.
انتهى السلم عند غرفة مخفية أسفل الأرض.
غرفة واسعة على غير المتوقع، جدرانها حجرية ملساء، يكسوها ضوء خافت مائل للزرقة، مصدره وحدات إضاءة صغيرة مخفية في الزوايا.
الهواء بارد، نقي، مشبع برائحة معدنٍ قديم وأسرار دفينة.
في منتصف الغرفة، فراش بسيط لكن فخم، وإلى جانبه طاولة خشبية داكنة، وعلى الجدران شاشات مغلقة، وخزائن معدنية، وملفات مرتبة بعناية.
المكان كله يوحي بشيء واحد:
هذا ليس ملجأ…
بل غرفة انتظار للحقيقة.
وضع تميم مكّة على الفراش، ووقف يتأملها للحظة.
هنا، في هذا العمق،
في أعماق الغرفة السفلية، كان الصمت سيد المكان.
مكّة نائمة بسلامٍ زائف، لا تعلم أن الأمان الذي احتمت به لم يكن إلا جزءًا من لعبة أكبر منها.
وقف تميم بعيدًا عنها، ظهره إلى الفراش، وعيناه مثبتتان على إحدى الشاشات التي أضاءها بلمسة واحدة.
ظهرت صورة قديمة لرجلٍ في منتصف العمر…
والد مكّة.
انقبض فكه، وارتسمت على ملامحه قسوة لم تعهدها من قبل.
لم يكن هذا المكان وليد الصدفة.
ولا هذا الزواج محض حب.
عاد بذاكرته سنواتٍ إلى الوراء…
إلى بيتٍ آخر، وصوت ضحكات لم تكتمل، وأبٍ كان عالمه كله.
رأى المشهد مجددًا، كما لو أنه يحدث الآن:
أبوه، منكسرًا، مخدوعًا، بعد أن اكتشف خيانة أحب الأشخاص و الأقرب…خيانة زوجته.
خيانة واحدة كانت كفيلة بأن تسلبه كل شيء.
شرفه.
كرامته.
وحياته.
لم يحتمل الوجع، ولا الخذلان.
اختار النهاية الأسرع…
قتلها.
ثم أنهى حياته.
وفي لحظة واحدة،
تحوّل تميم من ابنٍ مدلل
إلى يتيمٍ محروم حتى من حق البكاء.
حُرم من أبيه…
أحبّ الناس إلى قلبه.
تنفس تميم بعمق:
التفت ببطء نحو مكّة.،كانت نائمة ببراءة، ملامحها هادئة، لا تشبه الرجل الذي يحمل اسمه كرهه منذ سنوات.
ومرر يده على وجهها، ثم قال بصوتٍ منخفض، كأنه يحدث أشباح الماضي:
— كل ده كان لازم يترد.
اقترب منها خطوة، ثم توقف.
صراعٌ حاد دار داخله.
لم تكن هي الهدف.
لكنها كانت الطريق.
قال بصوت خافت، يحمل قسوة القرار:
— أنا اتجوزتك علشان أنتقم من أبوكي…
علشان يحس بوجع الحرمان زي ما حسيته.
وأنت الوحيده اللي هتوجع الحي والميت
سكت لحظة، ثم أضاف بنبرة أخف، أكثر اضطرابًا:
— بس ماكنتش عامل حساب إنك تبقي كل ده.
مدّ يده، توقف قبل أن يلمسها، ثم قبضها بقوة وتراجع.
على الشاشة، ظهرت ملفات جديدة.
تواريخ.
أسماء.
صور.
كلها تشير إلى شبكة خيانه قديمة، لم تُغلق ملفاتها بعد.
رحلة الانتقام بدأت.
لا تراجع.
ولا رحمة.
لكن المشكلة الوحيدة…
أن قلبه بدأ يتمرد على الخطة.
وفي الحروب الكبيرة،
أخطر شئ (أن تقع في حب ابنة عدوك.)
-----------------$---------------$----------$----
في مساءٍ مثقلٍ بالخذلان، 🥹
وقفت مها أمام بابٍ حديدي بارد داخل المستشفى الخاص.
كانت قد وصلت إلى الحافة؛ لم تعد تعرف إلى أين تهرب، ولا بمن تستنجد.
لم يفتح لها أحد، لكن صوتًا خافتًا من الداخل جعل قلبها ينقبض.
طرقت بخفة.
لا رد.
اقتربت أكثر، وضعت أذنها على الباب…
وسمعت أنفاسًا متقطعة، متألمة، كأنها صادرة من صدرٍ يحتضر.
ترددت لحظة، ثم دفعت الباب ببطء.
كان محمود ممددًا على الأرض، جسده ملتف على نفسه، ذراعاه تحيطان بصدره كمن يحتمي من ألمٍ لا يُرى.
ملامحه شاحبة، عرق بارد يغطي جبينه، وشفاهه تتمتم بكلمات غير مفهومة.
شهقت مها، واندفعت نحوه:
— محمود…!
فتح عينيه بصعوبة، حاول أن يركز، وحين رآها تجمد في مكانه.
الخجل سبق الألم إلى ملامحه.
قال بصوتٍ مبحوح:
— إنتِ… إنتِ بتعملي إيه هنا؟
جلست على الأرض أمامه، دموعها تنساب بلا توقف:
— جيت أطمن عليك… الدنيا قفلت في وشي، وما لقيتش غيرك.
أدار وجهه بعيدًا، وكأن النظر إليها يقتله:
— امشي… وجودك هنا غلط.
اقتربت أكثر، صوتها مكسور لكنه ثابت:
— الغلط حصل خلاص… بس إحنا لسه عايشين.
ضحك بمرارة، ضحكة مختنقة:
— عايشين؟
أنا مش عايش… أنا بعاقب نفسي.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
مدّت يدها بتردد، ثم وضعتها على كتفه.
ارتجف جسده تحت لمستها.
قالت بصوتٍ مرتعش:
— أنا خايفة عليك.
صرخ فجأة، بعجز:
— وأنا أستاهل؟
أنا كسرتك… أذيتك…
أنا مش عايز أتعالج، سيبيني أموت.
انهارت مها، وضمت وجهها بين يديها، ثم رفعت رأسها وقالت من بين بكائها:
— لو مت… ابنك هيعيش بإيه؟
هيعيش بذنب مالوش فيه؟
تجمد محمود.
تابعت، وصوتها يرتعش لكنه صادق:
— الطفل ده مالوش ذنب في اللي حصل…
مالوش ذنب إن أبوه كان ضايع.
بدأت دموع محمود تنهمر بصمت.
صوته خرج ضعيفًا:
— ابن…؟
هزت رأسها، والدموع تغرق وجهها:
— أيوه… ابنك.
انهار.جسده كله انحنى، ودفن وجهه في الأرض.
اقتربت مها، وضمّته.
لم يكن عناق حب فقط، بل عناق إنقاذ.
رجل محطم وامرأة موجوعة، يتشبثان بالحياة من آخر خيط.
قال بصوتٍ مبحوح، مختنق:
— أنا خايف.
همست وهي تضمه:
— وأنا كمان… بس الخوف مش مبرر إننا نسيب الطفل يتوجع.
تنفس بعمق، كأنه اتخذ قرارًا أخيرًا، وقال بصوتٍ متعب لكن صادق:
— أنا… هتعالج.
علشان ابني.
علشان ما يطلعش زيّي.
شدّت ذراعيها حوله أكثر، وبكت:
— كفاية عليّا القرار ده.
وفي تلك الغرفة الباردة،
لم يُولد حب…
بل وُلدت مسؤولية،
وأمل هش،قد يكون آخر فرصة للنجاة.
-------------&--------------&-----------------🌚🖤
استفاقت مكّة على إحساسٍ غير مألوف بالبرودة، وكأن الأرض تحتها تحاول ابتلاعها، والهواء يضغط على صدرها.
فتحت عينيها ببطء، لتجد نفسها في غرفة حجرية ضيقة، الإضاءة فيها مائلة للزرقة، والظلال تلعب على الجدران بشكل يخيف أكثر مما يطمئن.
كل شيء حولها غريب… أصوات خافتة لا تعرف مصدرها، ورائحة معدنية باهتة تشبه البرودة نفسها.
جلست فجأة على السرير، قلبها يقفز في صدرها كمن يريد الخروج، كأن كل عصب في جسدها صار متوترًا بشكل مبالغ فيه.
أصابعها ترتجف وهي تحاول لمس الفرش، كأنها تحاول أن تتأكد من أنها ليست في حلم، أو كابوس جديد لا ينتهي.
همست بصوتٍ منخفض، كأنها تخاطب نفسها قبل أن يخطر في بالها أي فكرة:
— تميم؟
توقف كل شيء.
لحظة غريبة… صمت يثقل المكان.
ثم جاء صوته من طرف الغرفة، هادئًا لكنه غير واضح المعالم:
— صحيتي؟
التفتت إليه، لكنها لم تستطع رؤية ملامحه بالكامل، كان واقفًا في الظل، كظلال تتحرك مع الضوء.
خوفها ازداد، وفكرها بدأ يتخبط:
— إيه اللي بيحصل؟… أنا فين بالظبط؟… وليه هو هناك؟
مدّت يدها إلى صدرها، تشعر بضربات قلبها العنيفة تصل إلى حلقها، تتنفس بشكل متقطع، وكل مرة تتنفس فيها يزداد إحساسها بالغربة والخطر.
حاولت أن تتكلم بصوتٍ أقوى مما شعرت به، لكنها اكتفت بصوتٍ مبحوح:
— أنا… فين؟
اقترب تميم خطوة، صوته منخفض، غامض، مليء بالإيحاء:
— المكان ده… مش ليكي تعرفيه دلوقتي.
شهقت مكّة، عيناها تتسعان، جسدها بدأ يرتجف من الخوف والارتباك، شعرت أنها محاصرة بين الجدران وبين رجلٍ لا يمكنها أن تقرأه.
— إيه؟!… إنت جبتني هنا ليه؟!
— أنا لازم أفهم!
صوتها بدأ يرتعش، لكنها أجبرت نفسها على التقدم خطوة، حتى تهتز الأرض تحت قدميها وكأنها تعلن عن ضعفها.
ابتسم تميم ابتسامة جانبية قصيرة، بلا دفء، كأنه يقرأها دون أن تنطق بكلمة:
— كل واحد فينا ليه دوره… ودورك لسه مخلصش.
سقطت الكلمات على أذنها كجمر، شعرت بشيء غريب يضغط على قلبها، خوف مختلط بالحيرة، وبالأسى على التسرع في الحكم… على نفسها، على مها، وعلى كل الماضي.
اقترب أكثر، ومدّ يده نحو جزء صغير في الحائط، وفي لحظة، انقسم الجدار إلى نصفين، بشكل مخيف وهادئ في نفس الوقت، وكأن المكان كله قد تنفس فجأة.
شهقت مكّة، هرولت نحوه، ضربت بقبضتيها على الحائط:
— افتح!… تميم!… رد عليّ!
لم يأتِ أي رد، ولم يكن هناك أي صوت إلا ارتجاف قلبها وأنفاسها المتقطعة.
انسحبت إلى زاوية الغرفة، جسدها يرتجف، عيناها ملأتهما الدموع، وفمها يخرجه شهقات طويلة.
كانت تبكي بقوة، شعور بالغربة والخطر مختلط بالغضب والندم على كل شيء، حتى على سرعة حكمها على كل من حولها.
في وسط البكاء، عاد صوت مها يتردد في ذهنها:
اسمعيني مرة واحدة بس… أنا ماكنتش أقصد.
شهقت مكّة، ودموعها غمرت وجهها:
— أنا اتسرعت… حكمت على الكل… قبل ما أفهم حاجة.
أخذت نفسًا عميقًا، حاولت أن تتنفس من جديد، لكن الغرفة بدت أكثر برودة، والظل حولها صار يضغط عليها أكثر.
كانت وحدها… شعور بالوحشة، بالرعب، بالخذلان… حتى البرودة أصبحت ملمسًا على جسدها، على أطرافها، على قلبها، وكأن كل شيء حولها صار غامضًا وتهديدًا.
وبهذا، في هذه الغرفة تحت الأرض، بين الظلال والجدران التي تخفي الأسرار، كانت مكّة…
وحيدة تمامًا، بلا إجابة، بلا فهم، بلا أمان.
(التسرّع في الحكم بداية الضياع، والانتقام نهايته.")
-------------&--------------&-----------------🌚🖤
عند مالك 🌚🌎
جلس مالك على كرسيه في الغرفة المضيئة بضوء الشرفة الخافت، فرشته في يده، واللوحة أمامه.
كان يرسم مكّة كما رآها في الجامعة، كل خط على الورق يحاول أن يثبت صورةً منها في قلبه قبل عينيه.
لكن شيئًا غريبًا هزّه فجأة… شعورٌ لم يعرفه من قبل.
كأن قلبه صار مربوطًا بخيطٍ مرئي معها، كأن أحدًا يضغط على صدره بقوة، يسكب خوفًا لا يمكن تفسيره.
توقف عن الرسم فجأة، عينا مالك اتسعتا، ويده بقيت معلقة على الفرشة.
لم يكن ألمًا جسديًا، بل إحساسًا عميقًا، شعور بالخطر الذي يحيط بها، بكأنها على بعد أميال وهو يشعر بكل تهديد يقترب منها.
رفعه رأسه نحو الشرفة، النظر للسماء الصافية لم يخفف من شعوره، بل زاد قلقه… قلبه يصرخ بلا صوت:
“مكّة… أنتِ بخير؟… في أمان؟”
الفرشة هبطت إلى الطاولة، يده ترتجف، وتنهيدة ثقيلة خرجت من صدره.
كل صورة كان يرسمها لها الآن تحمل خوفه عليها، خوف لم يعرفه قلبه من قبل، خوف يغمره ويجعله عاجزًا عن التفكير في أي شيء سوى حمايتها.
جلس دقيقة، كأن الوقت توقف، يلتقط أنفاسه ويحاول تهدئة قلبه.
لكن الشعور لم يختفِ… كل ثانية تمرّ بدون أن يعرف عنها شيئًا كانت تضاعف قلقه.
ابتلع ريقه ببطء، وعيناه لم تترك اللوحة، كأنه يريد أن يلمسها بنظراته فقط.
اهتز رأسه إلى الوراء، وعض شفتيه بصمت، محاولًا السيطرة على الصدمة.
ثم عاد الهدوء، لكن شعورًا جديدًا ظهر: خوف.
خوف على مكّة، على سلامتها، على كل خطوة تخطوها.
كان يريد الاطمئنان عليها، أن يعرف أنها بخير الآن، هنا، لحظةً بلحظة، وكأنها تناديه بلا كلمات، وصدى ندائها يملأ قلبه كله.
مد يده بعناية، لكنه لم يلمسها…
كان الأمر مجرد إحساس، وهمسة، نبض خفي يربطه بها أكثر من أي حوار يمكن أن يقوله.
ابتسم لنفسه بخفة، وهمس في صمت:
— صدق أنتوان دو سانت إكزوبيري لما قال:
"الحب ليس أن تنظر إلى بعضكما البعض، بل أن تنظروا معًا في نفس الاتجاه."
ثم قرر شيئًا، فكرة هاجمت قلبه بقوة:
“لازم أشوفها… من بعيد… بس أتأكد إنها بخير… بس من بعيد… قلبك بس يا مالك، بس عشان يهدى.”
وقف، أخذ معطفه بهدوء، والفرشة بقيت على الطاولة، واللوحة نصف مرسومة…
خطوته الأولى نحو الشرفة، نحو الخارج، نحو ما يتيح له الاطمئنان عليها دون أن يقتحم حياتها،
-------------&--------------&-----------------🌚🖤
عاد رحيم من صلاة الظهر، خطاه ثقيلة، ووجهه مُرخي التعب.
دخل البيت، جسده يئن من إرهاق يوم طويل، وكأن كل خطوة تكبر عمره عشرات السنين.
جلس على الكنبة البسيطة، ظهره منحني، ويداه تستند على ركبتيه، تنهده أنفاسه المتعبة.
البيت كله ساكن… كأن الحزن نفسه يملأ الجو، يضغط على الصدر بلا رحمة.
فاطمة كانت في المطبخ، تتحضر الغداء، لكن عينيها تذرفان دموعًا صامتة.
دموعها تسيل على وجنتيها، بينما قلبها يئن من غياب بنتها، من الانتقام الذي يسلك طرقه المجهولة، ومن ابنها الممدد في المستشفى بلا حراك.
كل شيء حولها يشهد على الألم الدفين الذي يختنق في البيت…
حتى الهواء نفسه يبدو ثقيلاً، كأن الجدران تمتص الحزن وتعيده إليها.
وفجأة، رن هاتف محمود على واتساب بإشعار غريب…
رقم من خارج مصر.
فتح الفيديو بتردد، وما إن ضغط التشغيل حتى تجمدت أنفاسه، وعاد قلبه يسكب الرعب في عروقه.
رأى مكّة… في غرفة ضالمة، تسقط على الأرض، ترتعش، تبكي بصوت عالٍ، دموعها تتدفق بغزارة، وكل شيء فيها ينبض بالوجع، بالخوف، بالانكسار…
انقبض قلبه، وانطلقت في عقله أفكار متسارعة، حية، لا يجرؤ على تجاهلها.
ثم وصلت الرسالة البسيطة على الشاشة:
"قوي قلبك على الوجع يا رحيم… اللي جي عليك مش رحيم"
ابتلعت الكلمات الهواء حوله، شعوره ارتجف، وعقله تجمد عند منظر ابنته، دموعه انزلقت، يده ارتعشت، لا يقدر على السيطرة.
أول اسم خطر في ذهنه كان مالك…
هو الوحيد الذي قد يقدر أن يصل إليها بسرعة، أن يراقبها، أن يحميها…
لم يفكر ثانيتين.
رحيم يلتقطه، ويضغط على الاتصال
عند مالك🌎🌚
خرج من البيت، وصوت المحرك يهدر، والأدرينالين يملأ جسده، يضغط على دواسة الوقود كما لو أن العالم كله ينهار خلفه.
وفجأة، رن الهاتف مرة أخرى.
وصوت رحيم كان على الطرف الآخر، صادق، حاد، مشحون بالعجلة:
— الحقني يابني!
توقف قلبه للحظة، وارتعشت كل أعصابه.
في تلك اللحظة، كل شيء أصبح متوقفًا… كل شيء أصبح معلقًا بين قلب رحيم، قلب مكّة، وقلوب من يحبونها.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
{أقسى أنواع العذاب… أن تؤذي من أحبّ قلبك، وأنت تعرف ذلك.🖤🌚}
مكّة كانت ملقاة على الأرض، جسدها مكور على نفسه، كما لو أن العالم كله قد تآمر عليها، وأن الهواء نفسه لا يريد أن يحيطها. فجأة… ارتجف جسدها، كغريقٍ يفلت من أعماق البحار، فتفتحت عيناها على الفزع، وارتعشت كما لو أن جردل ماء ثلجٍ قد ثُقب فوقها.
وقفت مكّة، ترتجف، عيناها تلتقط ما حولها بنظرة مكسورة، خاسرة كل شيء.
أما تميم، فكان يقف أمامها بلا أي شعور، ببرود قاتل. رفع الجردل بعيدًا عن طريقه، ونفخ السيجارة بين شفتيه:
— سقعه؟!
قطرات الماء تتساقط من شعرها على وجهها، على كتفيها، وعلى صدرها المبلل، صوتها بالكاد يسمع:
— أنت مين؟
ضحك تميم ضحكة عالية، نفخ الدخان في وجهها:
— قدرك الأسود…
نظر إليها من أعلى إلى أسفل، حرك إصبعه بجانب فمه، وكأن الكلمات نفسها هي أدوات العذاب:
— أنا المشاريب اللي أبوك شربها… وانت اللي هتحاسبي عليها.
تحرك حولها ببطء، مكّة تنظر إليه فقط، كل جسدها يرتجف من البرد والخوف.
تميم لم ينظر في عينيها، يعلم أنه قد ينهار لو فعل… روح الانتقام هي الوحيدة التي تغطيه الآن.
مكّة تحدثت بغضب، صوتها يرتعش:
— وأنت تعرف بابا منين؟ انت عاوز مني إيه؟
اقترب تميم، عيناه تشع شرار نار، وفي لحظة، لف شعرها حول كفه ليشدها إلى الخلف.
مكّة تأوهت من الألم، دموعها تنهال بغزارة:
— أنت انتجننت!
تميم بصوت مبحوح وغاضب:
— أعرف أبوك منين! أبوك خلاني أعيش يتيم… أبوك حرمني من أكتر حد حبيته في حياتي… كنت مسنود عليه، وأبوكي الغبي بسببه بقيت وحيد!
مكّة لم تفهم كل شيء، لكن قبضته على شعرها تؤلمها بشدة.
رجت بجسدها، تبكي بصوت هستيري:
— ارجوك سيب شعري يا تميم…
لكن تميم لم يكن معها، عيناه تلمعان بالانتقام، قبضته تزداد قوة… فجاء صوتها الصارخ:
— آآآه!
تميم دفعها سريعًا، جسده ينتفض من العاطفة المكبوتة، ضربات قلبه تتعالى كأنها طبول داخل صدره.
سقطت مكّة على الأرض، لكنها قررت أن تتوقف عن البكاء، لتفهم ولو حرفًا واحدًا مما يقوله.
تميم ببرود:
— قومي.
مكّة ارتجفت من صوته، رجاءً:
— ارجوكي يا تميم… فوق أنا عملتلك إيه؟
لم يسمح لها بالكلام، وفي لحظة، كانت يداها معلقتين بالحبال، مرتفعتين عن الأرض، وآسفلها مياه ساخنة تصدر فقاعات، والحرارة بدأت تعرق جسدها بالكامل.
تميم جلس على كرسيه، أمام جهازه، يراقب كل صرخة، كل اهتزاز، كل نفس، عيناه تتنصب في الفراغ، مسمعة كل كلمة:
— هتعمل إيه يا تميم…؟ أرجوك لأ ....أرجوك ماتعملش كده
ذهبت منه ذكرى
: لااااااااا بابا طلعوا بابا عمتو ليه بتحطوا علي بابا التراب طلعوا بابا من هنا لااااااااا
ليغلق عينه مسلم تماماً.......ويقع مغشى عليه لا يتحمل فكره أنه فقد والده
وفي لحظة، ضغط على زر واحد، وسقطت مشط قدم مكّة في المياه، رجت كل الجدران بصوت صراخها.
تميم نهض بسرعة، وبضغطه زر آخر كانت تهبط مكه علي الأرض
فك الحبال، حملها بين يديه كما لو كانت جثة هامدة، شعرها مبعثر، ويديها مرتخيتان تمامًا.
وضعها برفق على الفراش، ضربات قلبه تتسارع، هرول إلى الخزانة وأخرج عبوة “بانديرماكس” (Bandermax Cream) للحروق، أسرع إليها، رفع قدمها المبللة، نظر إليها بعينين متفحمتين بالقلق والندم.
قدمتها كانت حمراء ومرتفعة الحرارة، الجلد حساس ومتورم، أصابعها ترتجف، والقدم مغطاة بالماء الساخن المتبخر.
بدأ يضع المرهم بحذر:
ضغطه خفيف على الإصبع الكبير أولًا، يدلك المرهم بحركات دائرية صغيرة لتوزيع الكريم على كامل القدم.
ينتقل تدريجيًا إلى باطن القدم والكعب، حرصًا على توزيع الحرارة ومنع أي حروق إضافية.
يدلك حول أصابعها، ثم يمتد للحافة الأمامية للقدم، كل حركة محسوبة، دقيقة، دافئة، حنونة رغم برودة عينيه.
مكّة شعرت بالراحة البسيطة ، جسدها بدأ يهدأ قليلًا، لكنها لا تزال في صدمة.
تميم أنهى وضع المرهم، مسح يده بلطف، جلس على طرف السرير، ينظر إليها وهي نائمة، شعرها متفرق على الوسادة، وجهها مبلل، يديها مرتخيتان… صامتًا، ولكن كل عاطفته مختبئة خلف برودته المعتادة.
ظل ينظر، كأنه يراقب أثر الألم الذي تركه فيها، وفي نفسه أيضًا، عيناه تثبتان على وجهها، لا ينطق، ولكن كل شيء في صمته يقول:
— الانتقام ليس سهلاً، ولا الرحمة تأتي بسهولة.
وليتنهد ويقترب من ذلك الجزء في الحائط لينشق
ويتركها تواجه مشاكل لاعلاقه لها بها ......................
ــــــــ&ــــــ&&&&&ــــــــــــــ&
البيت كله ساكن
، كأن الزمن نفسه توقف عند حدود الغرفة. رحيم جالس على الكنبة، ظهره منحني، عينيه مثبتتان في الفراغ، دموع صامتة تنساب بلا توقف، قلبه يئن تحت كفه. فاطمة، صوته ارتجف من البكاء:
— هاتولي بنتي… أبوس إيدكم… عاوزه بنتي!
مالك كان يتحرك في الغرفة كالمجنون، يلف حول نفسه بسرعة، شعوره كأن جزء من رأسه سيهرب من مكانه. صرخ بغضب أعمى:
— يعني إيه اختفت من القصر يعني… إييييييييييبببيييييييه!
وفي ثانية، التفت إلى ذلك الشخص الواقوف مطأطأ الرأس، الحزن يكسوه من كل جانب. اقترب منه، مسك باقة قميصه كالثور، صوته اهتز بالغضب:
— وربي ما أعبد… أقسم بالعلي العظيم، لو طلعت تعرف حاجة عن الموضوع ده، هنف.يك يا تميم!
سامر تدخل سريعًا، يحاول فك التوتر:
— أهدى يا مالك… هو لو تميم ليه علاقة، هيبقى ده منظره… مهما كان… دي مراته برضو!
مالِك انفجر بصرخة لم يسمع مثلها أحد:
— ماتقولش مرااااااااااااته!
وفجأة، رن إشعار على هاتف رحيم. التقطه بسرعة، وبمجرد أن فتح الفيديو كاتم الصوت ارتعش جسده بالكامل. فاطمة اقتربت بلهفة لتأخذ الهاتف منه، وفي ثانية فقدت وعيها.
سامر هب عليها، حملها بين ذراعيه، بينما مالك ظل واقفًا، متجمدًا… لا يريد أن يرى، لا يريد، كان يريد الموت قبل أن يرى أي شيء.
تميم نظر إلى الهاتف، صرخ:
— ممممممممممممممكه!
ظل يضرب كل شيء حوله كالمجنون، بينما مالك، يده ترتجف، أنفاسه متقطعة، قلبه كاد يتوقف. رفع الهاتف، وعيناه وقعتا على الشاشة.
مكة… كانت معلقة، قدمها في الماء الساخن مرة ، جسدها يلمع بالعرق والماء، عرقها يتساقط كالمطر، كل تفصيلة من جسدها تُظهر الألم والرعب والخذلان. مالك لم يتحرك، أصابعه تتحرك على الشاشة، يمسح، يلمس، يبكي كالطفل، كل دمعة تنهمر بلا توقف.
تميم ظل ينظر إليه، بصمت طويل، ثم عاد بصره إلى رحيم، الذي كان يضع يده على قلبه ويبكي بحرقة:
— بنتي… هاتولي بنتي…
سامر خرج من الغرفة، صوته يرتفع كالمجنون:
— انتوا هتفضلوا متنحين كده كتير… لازم نتصرف… لازم نشوف هنعمل إيه!
مالك عاد إلى وعيه، نظر إلى سامر، عيناه مرعبة، تحولت إلى اللون الأحمر، عروقه بارزة بشكل مرعب على وجهه، كأنها لوحة حية من الغضب والانتقام. رفع إصبع السبابة، وقال بهدوء قاتل:
— أنا لو شميت ريحة كدب، وأنتم عارفين هي فين… مش هرحم حد.
وفي ثانية، انطلق خارج البيت كالمجنون.
تميم شعر بشيء من الرعب تجاه نظرته، لكن مشهد رحيم ودموعه جعله يشعر بالشفاء الداخلي قليلاً.
صرخ سامر:
— انت هتفضل متنح كتير… مش وقت صدمة ياتميم! فوق… لازم ندور عليها… لازم نعرف إزاي اختفت من وسطنا… وإيه اللي حصل… اتحرك!
تميم نظر إليه، عيناه تتحول من نظرة مشحونة بالغضب إلى نظرة قلق، رسمتها واضحة على وجهه، ثم هرولوا معًا خارج البيت.
وفي نفس اللحظة، اصطدم كتف سامر ب… مها. رجعت لورا، تأوهت بغضب:
— مش تفتح يا عمّي!
لم يرد أحد عليها، أكملت طريقها نحو بيت مكّة وهي تمتم بغضب:
— ناقصة أشكالكم هي…
ما إن وصلت بيت مكّة حتى وجدت الباب مفتوحًا، صدمت من منظر رحيم يجلس على الأرض، يضع كفه على موضع قلبه. هرولت عليه بقلق:
— عمي رحيم…!
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ــــــــــــــــــــــــــــــــ&&&&&&&&&ــــ
كان يقود سيارته بلا وعي
، قدماه تضغطان على الدواسة، وعيناه مثبتتان على الطريق دون أن تراه حقًا.
شيء خفيّ كان يشدّه… إحساس غامض، كأن قلبه يعرف الاتجاه قبل عقله.
لم يفكّر، لم يتردّد… وجد نفسه أمام القصر.
دخل بخطوات ثقيلة، وجهه شاحب، ملامحه منهكة، كأن روحه انسحبت وتركت جسدًا يتحرّك بالعادة فقط.
فايزة ما إن وقعت عيناها عليه حتى انتفضت:
— مالك ؟! في إيه؟شكلك .....هو سامر مش هنا ه
قاطعها صوته، مبحوحًا، فارغًا من أي حياة:
— فايزه هانم مكه اختفت فين ؟!.
الجملة سقطت كالقنبلة.
فايزة شهقت، جسدها ارتعش بعنف، يدها تمسكت بحافة الطاولة لتتوازن، وعيناها اتسعتا برعب حقيقي.
ذلك الارتعاش… لم يَفُت مالك.
عيناه ضاقت كالصقر، ذكاؤه الحاد التقط الارتباك، شيئًا ما لم يكن طبيعيًا… هناك سر.
وفي الخلف، كان آسر يضرب رأسه بكفيه بجنون:
— يعني إيه اختفت؟! أنا متأكد إنها ماخرجتش من هنا! متأكد!
مالك لم يلتفت.
نفض كل الأصوات، كل الوجوه، وقال بجديّة قاتلة:
— عايز أطلع أوضتها.
ساد الصمت.
رهف نظرت لآسر بتردد، ثم تحركوا سويًا.
غرفة مكّة – من وجهة نظر مالك
ما إن خطا داخل الغرفة…
حتى انفجر قلبه.
ضربات عنيفة، متلاحقة، مؤلمة.
أنفاسه اختنقت، صدره ضاق، إحساس غريب اجتاحه… إحساس عاشق يقترب من حبيبته دون أن يراها.
الغرفة تحمل رائحتها.
دفئها.
أنفاسها.
وقف في المنتصف، لا يدري لماذا يشعر أنها هنا… قريبة… قريبة لدرجة لو أزاح هذا الحاجز الوهمي لرآها مكسورة أمامه.
لا يعلم أنه يقف فوقها.
لا يعلم أن بينه وبينها فقط طبقات من الأرض والحديد.
انتقال إلى مكّة
فتحت عينيها ببطء.
الضوء خافت، الجدران قاسية، الهواء ثقيل.
نظرت إلى قدمها… صرخت.
ألم حارق صعد إلى صدرها، دموعها انفجرت، صوت أنينها خرج مبحوحًا:
— آآه… رجلي…
بكت.
بكت بحرقة، وهي تهمس بصوت متكسّر:
— ليه بيعمل فيا كده؟… قال بابا… بابا عمله إيه؟
شهقتها قطعت الكلمات:
— كل ده بسببي… بسبب إني اتسرعت في الحكم… بسبب إني ماشوفتش غير الانتقام… وطلعت بنتقم من نفسي.
ضمّت نفسها بقوة، كأنها تحاول حمايتها من العالم.
الغرفة مخيفة، جدرانها صامتة، الإضاءة باهتة، كل شيء يضغط على صدرها.
بكت أكثر… أكثر… حتى تعبت من البكاء.
عودة إلى مالك
كان يدور في الغرفة كالمسكون.
يفتح الأدراج.
يقلب السرير.
ينظر خلف الستائر.
قلبه يقوده، لكن عقله لا يجد دليلًا.
توقف فجأة.
صوت خطوات.
باب الغرفة فُتح… ودخل تميم.
وقف بهدوء مستفز، يداه في جيبه، نظرة باردة لا تحمل أي ذرة ندم:
— عموماً… سايبك تعمل اللي إنت عايزه.
اقترب خطوة، صوته انخفض:
— بس أعرف إن ده عيب وغلط يا باشمهندس.
ثم أضاف بابتسامة جانبية سامّة:
— وما تنساش… مكّة مراتي. ومحدش هيخاف عليها قدي.
الاستفزاز كان مقصودًا.
البرود متعمّد.
كأنه يسكب الملح على جرح مفتوح.
مالك التفت ببطء.
الغضب في عينيه كان أعمى، قاتلًا.
اقترب منه حتى أصبحا وجهًا لوجه:
— أنا متأكد إني هيطلع وراك حاجة.
صوته هادئ… أخطر من الصراخ:
— ولو تأكدت… هتفضل تتمنى الموت، ومش هتلاقيه.
— وده وعد.
ثم استدار ليخرج.
لكن…
توقّف.
شيء شدّ انتباهه.
باب حديدي…
مخفي في الحائط…
يشبه باب خزنة.
عيناه ضاقت.
قلبه دق بقوة
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
{أقسى أنواع العذاب… أن تؤذي من أحبّ قلبك، وأنت تعرف ذلك.🖤🌚}
مكّة كانت ملقاة على الأرض، جسدها مكور على نفسه، كما لو أن العالم كله قد تآمر عليها، وأن الهواء نفسه لا يريد أن يحيطها. فجأة… ارتجف جسدها، كغريقٍ يفلت من أعماق البحار، فتفتحت عيناها على الفزع، وارتعشت كما لو أن جردل ماء ثلجٍ قد ثُقب فوقها.
وقفت مكّة، ترتجف، عيناها تلتقط ما حولها بنظرة مكسورة، خاسرة كل شيء.
أما تميم، فكان يقف أمامها بلا أي شعور، ببرود قاتل. رفع الجردل بعيدًا عن طريقه، ونفخ السيجارة بين شفتيه:
— سقعه؟!
قطرات الماء تتساقط من شعرها على وجهها، على كتفيها، وعلى صدرها المبلل، صوتها بالكاد يسمع:
— أنت مين؟
ضحك تميم ضحكة عالية، نفخ الدخان في وجهها:
— قدرك الأسود…
نظر إليها من أعلى إلى أسفل، حرك إصبعه بجانب فمه، وكأن الكلمات نفسها هي أدوات العذاب:
— أنا المشاريب اللي أبوك شربها… وانت اللي هتحاسبي عليها.
تحرك حولها ببطء، مكّة تنظر إليه فقط، كل جسدها يرتجف من البرد والخوف.
تميم لم ينظر في عينيها، يعلم أنه قد ينهار لو فعل… روح الانتقام هي الوحيدة التي تغطيه الآن.
مكّة تحدثت بغضب، صوتها يرتعش:
— وأنت تعرف بابا منين؟ انت عاوز مني إيه؟
اقترب تميم، عيناه تشع شرار نار، وفي لحظة، لف شعرها حول كفه ليشدها إلى الخلف.
مكّة تأوهت من الألم، دموعها تنهال بغزارة:
— أنت انتجننت!
تميم بصوت مبحوح وغاضب:
— أعرف أبوك منين! أبوك خلاني أعيش يتيم… أبوك حرمني من أكتر حد حبيته في حياتي… كنت مسنود عليه، وأبوكي الغبي بسببه بقيت وحيد!
مكّة لم تفهم كل شيء، لكن قبضته على شعرها تؤلمها بشدة.
رجت بجسدها، تبكي بصوت هستيري:
— ارجوك سيب شعري يا تميم…
لكن تميم لم يكن معها، عيناه تلمعان بالانتقام، قبضته تزداد قوة… فجاء صوتها الصارخ:
— آآآه!
تميم دفعها سريعًا، جسده ينتفض من العاطفة المكبوتة، ضربات قلبه تتعالى كأنها طبول داخل صدره.
سقطت مكّة على الأرض، لكنها قررت أن تتوقف عن البكاء، لتفهم ولو حرفًا واحدًا مما يقوله.
تميم ببرود:
— قومي.
مكّة ارتجفت من صوته، رجاءً:
— ارجوكي يا تميم… فوق أنا عملتلك إيه؟
لم يسمح لها بالكلام، وفي لحظة، كانت يداها معلقتين بالحبال، مرتفعتين عن الأرض، وآسفلها مياه ساخنة تصدر فقاعات، والحرارة بدأت تعرق جسدها بالكامل.
تميم جلس على كرسيه، أمام جهازه، يراقب كل صرخة، كل اهتزاز، كل نفس، عيناه تتنصب في الفراغ، مسمعة كل كلمة:
— هتعمل إيه يا تميم…؟ أرجوك لأ ....أرجوك ماتعملش كده
ذهبت منه ذكرى
: لااااااااا بابا طلعوا بابا عمتو ليه بتحطوا علي بابا التراب طلعوا بابا من هنا لااااااااا
ليغلق عينه مسلم تماماً.......ويقع مغشى عليه لا يتحمل فكره أنه فقد والده
وفي لحظة، ضغط على زر واحد، وسقطت مشط قدم مكّة في المياه، رجت كل الجدران بصوت صراخها.
تميم نهض بسرعة، وبضغطه زر آخر كانت تهبط مكه علي الأرض
فك الحبال، حملها بين يديه كما لو كانت جثة هامدة، شعرها مبعثر، ويديها مرتخيتان تمامًا.
وضعها برفق على الفراش، ضربات قلبه تتسارع، هرول إلى الخزانة وأخرج عبوة “بانديرماكس” (Bandermax Cream) للحروق، أسرع إليها، رفع قدمها المبللة، نظر إليها بعينين متفحمتين بالقلق والندم.
قدمتها كانت حمراء ومرتفعة الحرارة، الجلد حساس ومتورم، أصابعها ترتجف، والقدم مغطاة بالماء الساخن المتبخر.
بدأ يضع المرهم بحذر:
ضغطه خفيف على الإصبع الكبير أولًا، يدلك المرهم بحركات دائرية صغيرة لتوزيع الكريم على كامل القدم.
ينتقل تدريجيًا إلى باطن القدم والكعب، حرصًا على توزيع الحرارة ومنع أي حروق إضافية.
يدلك حول أصابعها، ثم يمتد للحافة الأمامية للقدم، كل حركة محسوبة، دقيقة، دافئة، حنونة رغم برودة عينيه.
مكّة شعرت بالراحة البسيطة ، جسدها بدأ يهدأ قليلًا، لكنها لا تزال في صدمة.
تميم أنهى وضع المرهم، مسح يده بلطف، جلس على طرف السرير، ينظر إليها وهي نائمة، شعرها متفرق على الوسادة، وجهها مبلل، يديها مرتخيتان… صامتًا، ولكن كل عاطفته مختبئة خلف برودته المعتادة.
ظل ينظر، كأنه يراقب أثر الألم الذي تركه فيها، وفي نفسه أيضًا، عيناه تثبتان على وجهها، لا ينطق، ولكن كل شيء في صمته يقول:
— الانتقام ليس سهلاً، ولا الرحمة تأتي بسهولة.
وليتنهد ويقترب من ذلك الجزء في الحائط لينشق
ويتركها تواجه مشاكل لاعلاقه لها بها ......................
ــــــــ&ــــــ&&&&&ــــــــــــــ&
البيت كله ساكن
، كأن الزمن نفسه توقف عند حدود الغرفة. رحيم جالس على الكنبة، ظهره منحني، عينيه مثبتتان في الفراغ، دموع صامتة تنساب بلا توقف، قلبه يئن تحت كفه. فاطمة، صوته ارتجف من البكاء:
— هاتولي بنتي… أبوس إيدكم… عاوزه بنتي!
مالك كان يتحرك في الغرفة كالمجنون، يلف حول نفسه بسرعة، شعوره كأن جزء من رأسه سيهرب من مكانه. صرخ بغضب أعمى:
— يعني إيه اختفت من القصر يعني… إييييييييييبببيييييييه!
وفي ثانية، التفت إلى ذلك الشخص الواقوف مطأطأ الرأس، الحزن يكسوه من كل جانب. اقترب منه، مسك باقة قميصه كالثور، صوته اهتز بالغضب:
— وربي ما أعبد… أقسم بالعلي العظيم، لو طلعت تعرف حاجة عن الموضوع ده، هنف.يك يا تميم!
سامر تدخل سريعًا، يحاول فك التوتر:
— أهدى يا مالك… هو لو تميم ليه علاقة، هيبقى ده منظره… مهما كان… دي مراته برضو!
مالِك انفجر بصرخة لم يسمع مثلها أحد:
— ماتقولش مرااااااااااااته!
وفجأة، رن إشعار على هاتف رحيم. التقطه بسرعة، وبمجرد أن فتح الفيديو كاتم الصوت ارتعش جسده بالكامل. فاطمة اقتربت بلهفة لتأخذ الهاتف منه، وفي ثانية فقدت وعيها.
سامر هب عليها، حملها بين ذراعيه، بينما مالك ظل واقفًا، متجمدًا… لا يريد أن يرى، لا يريد، كان يريد الموت قبل أن يرى أي شيء.
تميم نظر إلى الهاتف، صرخ:
— ممممممممممممممكه!
ظل يضرب كل شيء حوله كالمجنون، بينما مالك، يده ترتجف، أنفاسه متقطعة، قلبه كاد يتوقف. رفع الهاتف، وعيناه وقعتا على الشاشة.
مكة… كانت معلقة، قدمها في الماء الساخن مرة ، جسدها يلمع بالعرق والماء، عرقها يتساقط كالمطر، كل تفصيلة من جسدها تُظهر الألم والرعب والخذلان. مالك لم يتحرك، أصابعه تتحرك على الشاشة، يمسح، يلمس، يبكي كالطفل، كل دمعة تنهمر بلا توقف.
تميم ظل ينظر إليه، بصمت طويل، ثم عاد بصره إلى رحيم، الذي كان يضع يده على قلبه ويبكي بحرقة:
— بنتي… هاتولي بنتي…
سامر خرج من الغرفة، صوته يرتفع كالمجنون:
— انتوا هتفضلوا متنحين كده كتير… لازم نتصرف… لازم نشوف هنعمل إيه!
مالك عاد إلى وعيه، نظر إلى سامر، عيناه مرعبة، تحولت إلى اللون الأحمر، عروقه بارزة بشكل مرعب على وجهه، كأنها لوحة حية من الغضب والانتقام. رفع إصبع السبابة، وقال بهدوء قاتل:
— أنا لو شميت ريحة كدب، وأنتم عارفين هي فين… مش هرحم حد.
وفي ثانية، انطلق خارج البيت كالمجنون.
تميم شعر بشيء من الرعب تجاه نظرته، لكن مشهد رحيم ودموعه جعله يشعر بالشفاء الداخلي قليلاً.
صرخ سامر:
— انت هتفضل متنح كتير… مش وقت صدمة ياتميم! فوق… لازم ندور عليها… لازم نعرف إزاي اختفت من وسطنا… وإيه اللي حصل… اتحرك!
تميم نظر إليه، عيناه تتحول من نظرة مشحونة بالغضب إلى نظرة قلق، رسمتها واضحة على وجهه، ثم هرولوا معًا خارج البيت.
وفي نفس اللحظة، اصطدم كتف سامر ب… مها. رجعت لورا، تأوهت بغضب:
— مش تفتح يا عمّي!
لم يرد أحد عليها، أكملت طريقها نحو بيت مكّة وهي تمتم بغضب:
— ناقصة أشكالكم هي…
ما إن وصلت بيت مكّة حتى وجدت الباب مفتوحًا، صدمت من منظر رحيم يجلس على الأرض، يضع كفه على موضع قلبه. هرولت عليه بقلق:
— عمي رحيم…!
ــــــــــــــــــــــــــــــــ&&&&&&&&&ــــ
كان يقود سيارته بلا وعي
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
، قدماه تضغطان على الدواسة، وعيناه مثبتتان على الطريق دون أن تراه حقًا.
شيء خفيّ كان يشدّه… إحساس غامض، كأن قلبه يعرف الاتجاه قبل عقله.
لم يفكّر، لم يتردّد… وجد نفسه أمام القصر.
دخل بخطوات ثقيلة، وجهه شاحب، ملامحه منهكة، كأن روحه انسحبت وتركت جسدًا يتحرّك بالعادة فقط.
فايزة ما إن وقعت عيناها عليه حتى انتفضت:
— مالك ؟! في إيه؟شكلك .....هو سامر مش هنا ه
قاطعها صوته، مبحوحًا، فارغًا من أي حياة:
— فايزه هانم مكه اختفت فين ؟!.
الجملة سقطت كالقنبلة.
فايزة شهقت، جسدها ارتعش بعنف، يدها تمسكت بحافة الطاولة لتتوازن، وعيناها اتسعتا برعب حقيقي.
ذلك الارتعاش… لم يَفُت مالك.
عيناه ضاقت كالصقر، ذكاؤه الحاد التقط الارتباك، شيئًا ما لم يكن طبيعيًا… هناك سر.
وفي الخلف، كان آسر يضرب رأسه بكفيه بجنون:
— يعني إيه اختفت؟! أنا متأكد إنها ماخرجتش من هنا! متأكد!
مالك لم يلتفت.
نفض كل الأصوات، كل الوجوه، وقال بجديّة قاتلة:
— عايز أطلع أوضتها.
ساد الصمت.
رهف نظرت لآسر بتردد، ثم تحركوا سويًا.
غرفة مكّة – من وجهة نظر مالك
ما إن خطا داخل الغرفة…
حتى انفجر قلبه.
ضربات عنيفة، متلاحقة، مؤلمة.
أنفاسه اختنقت، صدره ضاق، إحساس غريب اجتاحه… إحساس عاشق يقترب من حبيبته دون أن يراها.
الغرفة تحمل رائحتها.
دفئها.
أنفاسها.
وقف في المنتصف، لا يدري لماذا يشعر أنها هنا… قريبة… قريبة لدرجة لو أزاح هذا الحاجز الوهمي لرآها مكسورة أمامه.
لا يعلم أنه يقف فوقها.
لا يعلم أن بينه وبينها فقط طبقات من الأرض والحديد.
انتقال إلى مكّة
فتحت عينيها ببطء.
الضوء خافت، الجدران قاسية، الهواء ثقيل.
نظرت إلى قدمها… صرخت.
ألم حارق صعد إلى صدرها، دموعها انفجرت، صوت أنينها خرج مبحوحًا:
— آآه… رجلي…
بكت.
بكت بحرقة، وهي تهمس بصوت متكسّر:
— ليه بيعمل فيا كده؟… قال بابا… بابا عمله إيه؟
شهقتها قطعت الكلمات:
— كل ده بسببي… بسبب إني اتسرعت في الحكم… بسبب إني ماشوفتش غير الانتقام… وطلعت بنتقم من نفسي.
ضمّت نفسها بقوة، كأنها تحاول حمايتها من العالم.
الغرفة مخيفة، جدرانها صامتة، الإضاءة باهتة، كل شيء يضغط على صدرها.
بكت أكثر… أكثر… حتى تعبت من البكاء.
عودة إلى مالك
كان يدور في الغرفة كالمسكون.
يفتح الأدراج.
يقلب السرير.
ينظر خلف الستائر.
قلبه يقوده، لكن عقله لا يجد دليلًا.
توقف فجأة.
صوت خطوات.
باب الغرفة فُتح… ودخل تميم.
وقف بهدوء مستفز، يداه في جيبه، نظرة باردة لا تحمل أي ذرة ندم:
— عموماً… سايبك تعمل اللي إنت عايزه.
اقترب خطوة، صوته انخفض:
— بس أعرف إن ده عيب وغلط يا باشمهندس.
ثم أضاف بابتسامة جانبية سامّة:
— وما تنساش… مكّة مراتي. ومحدش هيخاف عليها قدي.
الاستفزاز كان مقصودًا.
البرود متعمّد.
كأنه يسكب الملح على جرح مفتوح.
مالك التفت ببطء.
الغضب في عينيه كان أعمى، قاتلًا.
اقترب منه حتى أصبحا وجهًا لوجه:
— أنا متأكد إني هيطلع وراك حاجة.
صوته هادئ… أخطر من الصراخ:
— ولو تأكدت… هتفضل تتمنى الموت، ومش هتلاقيه.
— وده وعد.
ثم استدار ليخرج.
لكن…
توقّف.
شيء شدّ انتباهه.
باب حديدي…
مخفي في الحائط…
يشبه باب خزنة.
عيناه ضاقت.
قلبه دق بقوة
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
كان مالك يدلف إلى المستشفى بخطواتٍ متسارعة، يوقف أحد الأطباء فجأة، صوته خرج مبحوحًا من فرط اللهاث:
— «لو سمحت… أوضة ٣٠٢ فين؟»
تطلع إليه الطبيب باهتمامٍ واحترام، ثم أشار بيده إلى نهاية الممر:
— «هناك، آخر الطرقة.»
تحرك مالك، جسده مثقل، كأن الأرض تسحبه لا هو يسير عليها.
وما إن وصل أمام الغرفة حتى تسمّر مكانه.
مشهدٌ واحد… كان كافيًا ليسرق منه القدرة على التنفس.
رحيم…
ممدد على السرير، جسده ساكن بشكلٍ مخيف، وأحدهم يجرّ الغطاء الأبيض فوقه… حتى غطّى وجهه.
علامة واحدة فقط…
أنه فارق الحياة.
صرخة اخترقت المكان، لم تكن سوى صوتٍ واحدٍ ممزق:
— «عمي رحيييييييم!»
مها.
وفي اللحظة ذاتها، تعالى صوت الطبيب بجدية صارمة وهو يجر فاطمة على التريلا:
— «دخلت في غيبوبة! اتحركوا بسرعة!»
تحرك الفريق الطبي مهرولين، أصوات العجلات، أوامر متداخلة، فوضى…
بينما وقف مالك مكانه، لا يستوعب شيئًا.
عائلةٌ كاملة…
تنهار أمام عينيه.
وأخيرًا…
بعد مرور ساعاتٍ طويلة، ثقيلة كالعمر كله.
كان مالك يقف بجوار سامر، كلاهما يرتدي بدلة سوداء رسمية.
مكان العزاء مزدحم، لكن الجو خانق، كأن الهواء نفسه يشاركهم الحداد.
مالك…
كان حاضرًا بجسده فقط.
عيناه زائغتان، روحه غائبة، يشعر وكأنه في غيبوبة مفتوحة.
أما سامر، فكان يتعامل مع الأمر بقوه غريب، كأن من فقده شخص قريب… من أطراف العائلة، يمس القلب مباشرة.
مرّت ساعات العزاء على الجميع بصعوبةٍ بالغة.
وما إن تحرك مالك بخطوةٍ متجهًا إلى الخارج…
حتى تجمّد مكانه.
ذلك الوجه.
محمود.
كان واقفًا، يتطلع حوله بدهشة، قلبه بدأ يدق بعنف.
توتر تسلل إلى أوصاله…
عزاء؟ طب مين؟
لسانه ثقل، لا يريد أن يسأل.
يريد أن يهرب.
لا يحتمل خبرًا يعيده إلى النكسة مرة أخرى.
لكن مالك لم يترك له فرصة.
اندفع نحوه فجأة، شده بقوة واحتضنه، يضرب على ظهره بعنف:
— «حمدالله على السلامة يا بطل.»
محمود لم يبادله العناق.
ظل يبلع ريقه مرةً تلو الأخرى، توتره واضح، صدره يعلو ويهبط بسرعة.
وفي تلك اللحظة، جاء أحد الجيران مهرولًا نحوه:
— «البقاء لله يا دكتور محمود… ربنا يجعلها آخر الأحزان.»
وأضاف آخر بصوتٍ حزين:
— «الله يرحمه… عم رحيم كان أطيب خلق الله.»
ثانية…
اثنتان…
استوعب محمود الكلمات.
لينفجر صوته مرة واحدة، صرخة واحدة شقت القلوب:
— «بااااابااااااااااااااااا!»
شده مالك بقوة، لكن محمود انهار، سقط على الأرض.
الناس التفوا حوله، أصوات تهدئة، أيدٍ تحاول رفعه.
جلس مالك بجواره، يربت على صدره:
— «كلنا لله… وكلنا إليه راجعون يا محمود.»
خرج صوت محمود من بين شهقاته، طفلًا مكسورًا لا رجلًا ناضجًا:
— «مات… قبل ما يسامحني يا مالك…»
— «أبويا مات قبل ما أقوله يسامحني… يا ماااالك.»
ظل مالك بجواره، يحاول تهدئته…
لكنه فشل.
هو نفسه فشل من قبل في تهدئة قلبه.
قلبه ما زال مشتعلاً نارًا على طفلته…
وحبيبته الوحيدة في الدنيا.
جلس بجواره في الحالة ذاتها.
ينظر في الفراغ…
بخيبة أملٍ ثقيلة،
وفقدان روحٍ لا يُقال.
كانت مكّة جالسةً مكورة على نفسها، ذراعاها يحيطان بجسدها كدرعٍ هشّ، وساقها تهتز بعنفٍ لا إرادي.
الرعب كان يسكنها، يتنفس داخل صدرها.
أنا فين؟
وجيت هنا إزاي؟
أسئلة تتكرر…
ولا إجابة.
كلما حاولت الفهم، هبطت الدموع من عينيها، فمسحتها بعنفٍ شديد، كأنها تعاقب نفسها على ضعفها.
جسدها ارتعش بقوة، وأنفاسها خرجت متقطعة.
الأشكال من حولها…
وجوه غريبة، ظلال تتحرك، عيون تراقب.
الخوف كان كثيفًا لدرجة أنه خنق أنفاسها.
نظرت في الفراغ طويلًا…
وفجأة، ظهرت أمامها.
هي.
نسختها.
شبيهتها.
النسخة التي سلبت منها الوجع كله، والألم كله، وتركته عاريًا داخل صدرها.
اقتربت منها بهدوء مخيف، ورفعت يدها تمسح على وجهها برفقٍ يناقض كل ما حولهما.
ارتعش جسد مكّة بعنف، وهربت الكلمات من فمها، صوتها خرج مكسورًا:
— «إنتِ… إنتِ مين؟»
لكن الأخرى ابتسمت ابتسامة واهنة، ونطقت بصوتٍ ناعم:
— «ماتزعليش مني… أنا آسفة.»
— «خليكي قوية.»
تحركت أناملها فوق وجنتيها بحنانٍ موجع…
ثم، فجأة… اختفت.
نهضت مكّة فزعة، تنظر حولها بجنون:
— «استني! ماتمشيش!»
لا شيء.
كأنها كانت هواءً مرّ… واختفى.
اندفعت مكّة ناحية باب الزنزانة الحديدي، ضربته بكل ما تبقى فيها من قوة، تصرخ بصوتٍ ممزق:
— «حد يطلعني من هنا!»
— «حد يطلعني من هنا!»
كررت الصراخ…
ولا جدوى.
أسندت ظهرها إلى الباب، جسدها يهبط ببطءٍ مؤلم إلى الأرض، وصوتها يخفت حتى كاد يختفي:
— «أرجوكم… حد يطلعني من هنا.»
اختفى الصوت…
وحلّت مكانه دموع تنهمر بغزارة.
في الخارج…
داخل أحد المكاتب، يتصدر بابه اسمٌ محفورٌ بوضوح:
الرائد حمزة الهلالي
كان حمزة يجلس خلف مكتبه، منكفئًا على ملفٍ مفتوح أمامه.
ملامحه حادة، جامدة، عيناه تتحركان بتركيزٍ محسوب بين السطور.
كمّ قميصه مرفوع، ساعة معدنية تلمع على معصمه، وسيجارة مشتعلة تستقر بين أصابعه بثباتٍ يوحي ببرودٍ اعتاده.
فجأة…
انفتح الباب بعنف.
دلف شاب في أوائل الثلاثينات، طويل القامة، عريض الكتفين، ملامحه مشدودة، وعيناه تقدحان شررًا.
زيه الرسمي بدا مشدودًا على جسده المتوتر.
صرخ بغضبٍ أعمى:
— «اللي في زنزانة ١٠١ واحد دي مش اللي مالك الهلالي قدّم بيها بلاغ اختفاء!»
رفع حمزة عينيه ببطءٍ من فوق الورق، صوته خرج هادئًا على عكس العاصفة أمامه:
— «اهدى يا قاسم.»
قاسم انفجر أكثر:
— «ماترد عليّا!»
— «البنت دي بتعمل إيه هنا؟ مالك قالب الدنيا عليها!»
مال حمزة بظهره إلى الكرسي، ينفث دخان سيجارته ببرودٍ مستفز:
— «جت بتهمة سرقة خمسة مليون دولار من خزنة تميم العاصي.»
فتح قاسم فمه بصدمة:
— «نعم؟!»
— «دي مش خطيبة مالك؟!»
هز حمزة رأسه بلا مبالاة، وأخرج سيجارة أخرى:
قاسم ضيّق عينيه، صوته صار جادًا خطيرًا:
— «حاسس إنك عامل عامله وابن عمك مش هيرحمك يا حمزة.»
استدار قاسم وخرج غاضبًا.
ابتلع حمزة ريقه، ومد يده سريعًا إلى هاتفه.
الاسم على الشاشة:
تميم العاصي
لا رد.
ضرب المكتب بقدمه بعصبية، صرخ:
— «إنت فين يا تميم يا زفت!»
— «هنروح في داهية… الله يخربيت معرفتك!»
سجل رسالة صوتية على الواتس:
— «رد يا أخويا…»
— «قاسم عرف إن الست هانم بتاعتك مشرفة عندي.»
— «والله هحبسها علشان نبتز مالك بيها.»
— «الأرض ياهي… مش هنلحق، ده ابن عمي وأنا حافظه.»
لكن الرسالة لم تصل…
علامة واحدة فقط.
قطع إنترنت.عند تميم
اندفع حمزة واقفًا بعصبية، وجه عينه إلى الباب، عندما طُرق بعنف.
فتح الباب، فدخل رجل خمسيني، وجهه شاحب، صوته مرتعش:
— «يا باشا… البنت اللي جبتها امبارح أُغمي عليها… قاطعه النفس.»
لم يسمع حمزة بقية الكلام.
هرول خارجًا.
وصل إلى الزنزانة، صرخ في العسكري:
— «افتح!»
دلف سريعًا…
ليجدها مسطحة على الأرض، ساكنة تمامًا. وحولها الكل يلتم
صرخ بغضبٍ أعمى:
— «وسعي إنت وهي!»
انحنى وحملها بين ذراعيه، يهرول بها وسط الهمسات والضحكات الخافتة، إلى مكتبه.
وضعها برفق على الكنبة، أخذ يربت على وجهها:
— «فوقي… فوقي!»
لا رد.
أمسك بزجاجة ماء، رشّ وجهها بعصبية، صوته خرج مذعورًا:
— «فوقي… أبوس إيدك.»
— «إنتِ عايزة مالك ينسفني؟!»
لا شيء.
مسح وجهه بكفّه بعجز:
— «يلعن معرفتك يا تميم.»
انحنى، أسند رأسه قرب صدرها، يحاول سماع نبض قلبها.
وضع أذنه…
وفي اللحظة ذاتها…
انفتح باب المكتب.
صرخة شهقة اخترقت المكان:
— «يالهوي!»
انتفض حمزة للخلف برعب، عيناه اتسعتا حدّ الخروج من مكانهما:
— «إيماااان؟!!!!»
كان تميم يقف أمام القصر، يخفي وجهه بين كفيه بألمٍ لا يُحتمل.
كأن يديه تحاولان حجب الحقيقة… لا ستر ملامحه فقط.
كلمات رحيم قبل موته كانت ترتطم بأذنيه بلا توقف:
— «أبوك كان شكاك.»
— «أنا ماخنتش حد.»
— «كانت بتترجّاني تشوف مكّة.»
الكلمات تتكرر…
تنهش رأسه مرةً بعد مرة، لا تترك له مهربًا.
دلف إلى القصر أخيرًا.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
خطواته مترنحة، جسده مرهق، وعقله في صدمةٍ لا يستوعب شيئًا.
هل ظلمها؟
هل ظل يعاقب كل شيء… بينما من كان أحق بالعقاب هو أبوه؟
هل خسر أكثر شخص أحبّه قلبه… من أجل انتقامٍ مزيف؟
أول من رأت حالته كانت فايزة.
كانت جالسة على الأريكة، المصحف بين يديها، ترتّل بهدوءٍ مطمئن.
ما إن وقعت عيناها عليه حتى قالت بصوتٍ خفيض:
— «صدق الله العظيم.»
قبّلت المصحف، ووضعته إلى جوارها، وظلت تنظر إليه في صمتٍ موجع.
تميم كان يمشي بترنح، أصواتٌ داخل رأسه تتكرر بإلحاحٍ قاسٍ…
صوتٌ واحد يصرخ:
غبي يا تميم… غبي.
توقف فجأة…
حين وجدها تقف أمامه مباشرة، فاتحةً ذراعيها على وسعهما.
نظر إليها بعينين مكسورتين، نظرة طفلٍ ضائع…
ثانية واحدة فقط، ثم اندفع بكل قوته داخل ذراعيها.
شدّ قبضته حولها، وبكى…
بكاءً حارقًا، بلا خجل.
ربّتت على ظهره برفق، تهمس بلطفٍ أمومي:
— «اهدى يا بني… اهدى.»
خرج صوته من بين شهقاته متكسّرًا:
— «أنا دمرت واحدة مالهاش ذنب…»
— «يا تيته أنا دمرت نفسي… دمرت حياتي.»
— «عشت عمري كله بخطط وانتقام وكُره…»
— «وفي الآخر طلعت أنا اللي كنت بعذب نفسي… وبنتقم من نفسي.»
— «اتسرّعت في الحكم عليهم… يا تيته.»
— «دمرتهم… ودمرت نفسي.»
وانفجر في البكاء مرةً أخرى.
شدّت عليه أكثر، تشاركه دموعها، يوجعها منظره…
فهو، مهما فعل، كان وما زال حفيدها المدلل… طفلها.
أبعدته قليلًا، وأحاطت وجهه بين كفيها:
— «هتتعالج يا تميم.»
— «وهتبقى أحسن واحد في الدنيا.»
— «وهتصلّح كل حاجة.»
هزّ رأسه بنعم، لكن صوته خرج مهزومًا:
— «أنا بوّظت كل حاجة بتسرّعي.»
— «مش هينفع أصلّح حاجة… كل حاجة باظت.»
قالت بألمٍ صادق:
— «كتير قلتلك إنك هتندم يا تميم.»
— «وإنك فاهم أبوك غلط.»
— «بس ماكنتش بتسمعني يا ابني.»
ألقى بنفسه بين ضلوعها مرةً أخرى، وبكى بحرقةٍ أشد، يتمتم من بين شهقاته:
— «أنا آسف…»
كطفلٍ صغير…
كسر شيئًا غاليًا…
ثم عاد معتذرًا بعد فوات الأوان.
وشرد تميم…
وسحبته الذاكرة إلى ذلك اليوم.
غرفة هادئة، إضاءة خافتة، صوت الطبيب ثابت… بلا انفعال.
— «بص يا تميم…»
— «إنت مش شرير، ومش سادي.»
— «إنت مريض… بس مش زي ما إنت فاكر.»
كان تميم جالسًا، عينيه مثبتتين في الأرض.
الطبيب أكمل:
— «إنت عندك اضطراب ما بعد الصدمة المُعقّد.»
— «حرمان الطفولة… وحبك في أبوك…»
— «وفقده… سيبوا جواك غضب ما اتعالجش.»
رفع تميم رأسه وقتها، صوته كان حادًا:
— «يعني إيه؟!»
رد الطبيب بهدوءٍ موجع:
— «يعني إنت ماانتقمتش من اللي أذا ابوك »
— «إنت بتنتقم من كل حاجة بتفكر أنها كانت السبب في فقدان ابوك »
— «أشخاص… أماكن… وحتى جمادات.»
— «بتعاقبهم… علشان ماقدرتش تحافظ علي أبوك.»
صمت قليلًا، ثم قال الجملة اللي حفرت جواه:
— «أكتر واحد إنت قاسي عليه… هو نفسك.»
رجع تميم للحظة الحاضرة…
وعرف.
إنه لم يكن ينتقم…كان ينهار....كان سريع الحكم .....
: «سوء الحكم على الآخرين غالبًا انعكاس لصراعات لم نحلّها داخلنا.»🌚🌎
كان مالك واقفًا في شرفة غرفة مكّة، عينيه معلّقة بالسماء، كأنها وحدها تعرف مكانها.
محمود كان قد غرق في نومٍ ثقيل، نوم البكاء المنهك، فبقي مالك وحده… مع الاشتياق.
خرج صوته مبحوحًا، يتمتم بستة أبياتٍ يعرفها قلب كل مشتاق:
«أشتاقُكِ اشتياقَ الغريبِ لوطنه،
والظمآنِ لقطرةِ ماءٍ في التيهِ الطويل.
أشتاقُكِ شوقًا يكسِرُ الصدرَ إذا مرّ،
ويُربكُ القلبَ إذا حاول النسيان.
كأنكِ الغيابُ كلّه…
وكأن حضوركِ هو الحياة.»
ابتلع ألمه، وقال بصوتٍ مرتعش:
— «ما عجزتش عن حاجة…»
— «وعجزت إني ألاقيكي.»
— «عمري ما هسامح نفسي… لأني كنت السبب في كل اللي إنتِ بتعاني منه.»
قاطعه رنين هاتفه.
— «مالك بيه… تميم العاصي اتحرك من المستشفى للقصر، وما تحركش من وقتها.»
مسح وجهه بغضب، وأغلق الخط في وجه المتحدث.
قال بجديةٍ قاتلة:
— «أتمنى ما تبقاش معاك يا ابن العاصي…»
— «أتمنى ربنا يرحمك مني.»
تحرك مغادرًا البيت، وما إن فتح باب السيارة حتى رنّ الهاتف مرة أخرى.
هوية المتصل: (قاسم الهلالي)
رفع السماعة، وقبل أن ينطق…
— «مالك… مكّة رحيم محبوسة عندنا.»
توسعت عينا مالك بصدمةٍ أفقدته القدرة على التنفس:
— «لقيتها؟!»
ابتلع قاسم ريقه، صوته خرج هادئًا حذرًا:
— «مش بظب—»
لم يسمع مالك باقي الكلمات.
أغلق الهاتف…
وانطلق.
السيارة اندفعت كالرصاصة في قلب الطريق.
يده كانت تضغط على المقود بقوةٍ كأنها تحاول تثبيت قلبه الهارب.
أنفاسه متلاحقة، صدره يعلو ويهبط بعنف.
لم يكن يقود…
كان يهرب نحوها.
الإشارات تمر بلا معنى، الشوارع تتلاشى، والعالم كله اختزل في اسمٍ واحد:
مكّة.
صوتها يرن في أذنيه، ضحكتها، دموعها، خوفها.
كل لحظة قسوة قضاها معها كانت تنهشه الآن كوحشٍ جائع.
ضغط على البنزين أكثر، كأن السرعة ستقصر المسافة بين قلبه وقلبها.
لم يكن يخاف من الموت…
كان يخاف أن يصل…
ولا يجدها.
حب مالك لمكّة لم يكن كلامًا،
كان فعلًا…
اندفاعًا أعمى،
وجنون رجلٍ عرف متأخرًا
أنها وطنه الوحيد.
كانت إيمان جالسة بجوار مكّة، جسدها قريب جدًا من جسدها المرهق، أناملها تتحرك فوق شعرها برفق، وكأنها تحاول أن تسرق الألم منها.
المحلول يتدلّى ببطء من يد مكّة، وجهاز التنفس يصدر صوتًا منتظمًا… كأن كل نفس لهما هو وعد بالحياة وسط الظلام الذي أحاط بهن.
وراءهما، كان حمزة يقف متكئًا على الحائط، يعض أظافره، يهز قدمه بعصبية، عينه لا تفارق المشهد. توتره كان يخرج من كل خلية في جسده، كأن قلبه يسبق عقله بخطواتٍ مضطربة.
نطق بصوتٍ بالكاد يسمع:
— «إيمان…»
رمقته بغضب، عيونها كأنها تحرقه من الداخل، نار اشتياق وغضب مختلطين في نفس الوقت.
ابتلع ريقه، صوته مجهد:
— «إنت مش هتقولي لمالك حاجة، صح؟»
انفجرت إيمان بغضبٍ مسموع:
— «مكّة؟! يتعمل إيه عندك؟!»
— «ومالك قالب عليها الدنيا!»
ابتلع حمزة ريقه، وصرح بتوتر:
— «والله… ده لسه جايه امبارح بالليل بس…»
ضيّقت إيمان عينيها:
— «جت لوحدها… حبت تسجن نفسها؟»
مرّر كفه على قفاه بتوتر:
— «هفهمك كل حاجة… بس ارحميني من أخوكي.»
غضبت أكثر:
— «أنت… هتطلقني!»
اتسعت عينا حمزة فجأة، صوته صار متحشرج وهو يقف بجانبها:
— «ده… ده عندها!»
عادت إيمان بنظرها إلى مكّة، قلبها موجوع:
— «أنا مستحيل أكمّل مع واحد خاين وكذاب زيك!»
أسرع نحوها، يضع يديه على كتفيها:
— «سامحيني… والله كل ده من طمعي وجشعي… أنا آسف…»
دفعته للخلف بغضب:
— «ابعد عني! أنا مش طايقاك… أنا بكرهك!»
أوقفها فجأة، وضع كفه على فمها، صوته صار شبه همس:
— «أرجوكي… ماتتسرّعيش في الحكم عليّا.»
— «والله ما كان قصدي… أنا مش عارف إزاي مشيت ورا كلام تميم الكلب.»
نظرت إليه بعينين جامدتين، صوتها مرتعش:
— «ابعد! بس ييجي مالك… وأنا هقوله كل حاجة!»
قال بجدية ممزوجة بالذنب:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
— «قولي اللي إنتِ عايزاه… وأي حاجة يعملها، أنا متقبل… بس تبعدي عني… ده اللي مش مسموح.»
— «وبعدين… مكّة خلاص… ما بقتش تخص مالك.»
اقترب منها، حرّك يديها برفق فوق شعرها:
— «أنتِ عاوزة تقول إنك ما تعرفيش مكّة تبقى بالنسبة لمالك إيه؟»
لوى شفتيه، وهمس برعبٍ داخلي:
— «عارف يا أختي… أمال أنا كنت هعملها على نفسي من شويه ليه
وفجأة…
توقفت عروقه.
تصلّبت أطرافه.
توقفت أنفاسه… وربما قلبه أيضًا.
الباب انفتح بعنف.
وظهر…
ذلك الثور الهائج.
كاد حمزة يُغشى عليه، دوارٌ عنيف اجتاحه، جسده ترنّح.
أما مالك…
فقد توقف الزمن عنده.
توقف العالم كله.
لا أصوات…
لا أنفاس…
لا شيء.
ظهر مالك، عينيه ثابتتان على مكّة.
كل شيء حوله اختفى، لم يكن يسمع شيئًا، لم يكن يرى شيئًا
مستلقية على الفراش، ملامحها شاحبة، لكنها ما زالت جميلة.
أنبوب التنفس قرب شفتيها، والمحلول يقطر ببطء،
كل التفاصيل الصغيرة، كانت الآن كأنها من نور… كأن الكون كله تجمّد ليجعل هذه اللحظة خالدّة.
خطا خطوة، ثم أخرى، حتى اقترب منها، جسده كله يرتجف من الاشتياق والخوف، قلبه يدق بعنف حتى شعر أن أذنيه تتورمان من شدة النبضات.
عينيه تلمعان، وابتسامة موجوعة ترتجف على شفتيه.
— «وتيني…»
همس بها بلا صوت.
يخفض رأسه، يتنفس ببطء، يلمس طرف شعرها برفق، كأنه يخاف أن تتحرك فتختفي من أمامه.
إيمان… حتى وهي مستلقية، جسدها ضعيف، قلبها مسكون بالألم، شعرت بقربه.
نبض قلبها بدأ يعلو، خفقات سريعة، متسارعة، وكأن قلبها صار يعرف أنه ليس وحيدًا بعد الآن.
نبضه ووجوده قربها كان وعدًا، لمسة أمان، بداية لكل شيء لم تُستكمل بعد.
كان تميم واقفًا أمام العمارة، عينيه ثابتتان على الشرفة التي خرجت منها.
في يده هاتفه، قلبه يرفرف كطائر محاصر، والألم يضغط على صدره بلا رحمة.
في داخل الشرفه، كان الدكتور نور الدين سليم، رجل السلطة النفسيّة الذي عرفه من قبل، يقف مكتوف الأيدي أمام الحالة، عيناه تحملان كل مزيج من القلق والمسؤولية. لا حاجة للوحة مكتوب عليها شيء، كل شيء مكتوب في صمت المكان وفي عينيه: «احترس من قلب هذا الشاب… إنه محطم وحائر.»
نظر تميم إليه للحظة، ثم انطلقت منه الذكرى فجأة… فلاش.
صوت، ضحكة، ودموع… كل شيء بدا وكأنه يعود في ثانية واحدة.
اقترب مهرولًا نحو مكّة، كانت ملقاة على الفراش، جسدها مستسلمًا، كأنها طفلة ضائعة في عالمها.
أسد تميم، كان جانبه، كأنه أعز أصدقائه، وفهم كل شيء بعينيه السوداوين.
همس تميم وهو يربت على شعره برفق، قلبه يوجع:
— «شاطر… ماجتش جنبها زي ما اتفقنا…»
حرك الأسد رأسه برفق، كما لو يفهم كل كلمة، كل شعور، ثم اقترب تميم ليحملها بين ذراعيه.
وضَعها على الفراش، وشعر بقلبه يتمزق حين همس بجوار أذنها:
— «أنا مش هقدر أشوفك بتتعذبي قصادي تاني… قلبي مش قادر… عملتي في إيه يا بنت رحيم؟… أنا مش قادر…»
تنفس عميقًا، يحاول السيطرة على الألم الذي يجتاحه، يمرر كفّه على وجهه، ثم رفع هاتفه مترددًا:
— «هاجبلك مكّه…»
— «تجبها عندي؟ هتفسحها في الزنزانة؟ معقوله…»
توقف، كلماته تتسارع بغضب، قلبه يعلو:
— «حمزه…»
— «ما أنت غريب، يا تميم… ماتقول كلام يعقل.»
— «هنبتذ بيها مالك… يا أما يتنازل عن الأرض، يا أما يسيبها مرمية بين المسجونين…»
تميم سحب نفسه قليلًا، كلماته خرجت غاضبة، مرتجفة:
— «انت عاوزني أروح زيارة للآخرة، يا تميم… انت اتجننت!»
ثم همس بحزم، رغم ارتعاش قلبه:
— «لو حد سأل، قول لهم تهمة سرقة… وأنا مظبط الموضوع.»
— «مش عارف ليه… بسمع كلامك… هروح في داهية.»
أغلق الهاتف في وجهه، أعاد النظر إليها، قلبه ينهش نفسه:
— «مالك العاشق… مخلي واحد يراقبني…»
— ضحك مرير: «هههه… ما يعرفش إن تميم العاصي… اللعبة هي اللي معاه.»
تنفس عميقًا، ألم في قلبه، وحب يصرخ بداخله:
— «بس ليه… الحق يحبك… وانت مين يعرفك وما يحبكيش؟»
مرّر كفّه على وجهها برقة، حملها بحذر، وكأنها الزجاج، وخرج بها من باب خلفي، يخرج بها مباشرة إلى الشارع، بعيدًا عن أعين القصر.
وقف تميم للحظة، شعوره بالشرود يملؤه، ضربات قلبه تتسارع: اشتياق… خوف… ندم… قلق… كل مشاعر مختلطة تدفعه للأمام.
ثم رفع هاتفه، أرسل رسالة قصيرة:
— «سيب مكّه، … يا حمزه… وقولها أني طلقتها و خليها تسامحني.»
أغلق الهاتف تمامًا، قلبه ينزف، وخطواته باتت مكسورة، حزينه، وهو يقترب من العياده بخطوات ثقيلة، كل خطوة تُشعره بأن العالم أصبح أصغر من أن يحتمل فوضى قلبه.
نُقل مالك مكّة إلى مستشفى كبير… ضخم بكل معنى الكلمة، مبنى أبيض لامع، زجاجه يلمع تحت أشعة الشمس، وصالاته العالية مليانة ضوء، كل شيء فيه يوحي بالقوة والأمان، وكأن كل زاوية فيه مصممة لتحتوي البشر، وتهدئ القلوب الجريحة.
غرف واسعة، أجهزة طبية حديثة، وكل أصغر التفاصيل مريحة للنفس… كأن المكان نفسه يحضن المرضى ويعيد لهم القوة.
دخل مالك الغرفة، حاملاً مكّة في ذراعيه بعناية، خطواته ثابتة رغم الخوف والقلق الذي يملأ قلبه. ومئات الأطباء حولها ...وكأن جهزت الغرفه بعناية لإستقبال أهم الأشخاص لمديرهم
ساعات قليله من الاهتمام والعمل الجاد وذلك المتمسك بكفها يرفض تماماً تركها والكل يعمل علي إفاقها ومداوه اي إصتبه بها
بعد دقائق
… فتحت مكّة عينيها ببطء، أول ما افتحت، رأت شيئًا مألوفًا…
كانت جالسة بجانبها، ممسكة كفها، عينان مليئتان بالدموع، وصوتها يهتز بالحزن والفرح في نفس الوقت.
نطقت بصعوبه بعض الشئ تحاول تدرك هل هذا حلم أم واقع:مها ....!!!!!!!!!
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
مكّة كانت باصّة لمها، بس المرّة دي النظرة كانت تقيلة…
مش عتاب، ندم.
قالت بصوت مكسور: — أنا أسفة… علشان ظلمتك.
مها شهقت: — مكّة أرجوكي…
مكّة كملت، دمعتها خانتها: — استعجلت الحكم، وصدّقت عقلي قبل قلبي.
والحكم لما يستعجل… بيوصل الواحد لأبشع طريق.
سكتت، صوتها اتهز: — عارفه وصلني لآيه؟!…وصلني للي أنا فيه دلوقتي.
مها دموعها نزلت: — والله أنا كنت خايفة.
مسكت وشّها بإيديها: — كنت أنانية، آه. فكرت في نفسي، وفي خوفي، وفي الشخص اللي بحبه…
ونسيتك. نسيت أحب الأشخاص لقلبي
هزّت راسها: — بس أقسم بالله، عمري ما حبيت مالك، ولا كان قصدي أوجعك.
أنا كنت بحاول أحمي نفسي، ومش كل حماية صح.
مكّة شدت على إيدها: — الخوف مش عيب…
العيب إننا نسيب بعض وإحنا محتاجين بعض.
مها انهارت، حضنتها: — سامحيني.
مكّة حضنتها أقوى: — أنا مسامحاكي من قبل ماتطلبي…
علشان لو خسرتك، مكنتش هسامح نفسي أبدًا.
الاتنين كانوا بيعيطوا…
عياط خفيف، بس صادق، ينضف القلب.
وبعد شوية، مكّة مسحت دموعها وضحكت: — بس بقى…
إحنا أقوى من إننا نسيب سوء فهم يكسّرنا.
مها ضحكت وسط دموعها: — ده إحنا لو سيبنا بعض، الدنيا نفسها هتزعل.
الضحك دخل بينهم بهدوء…
ضحك دافي، يلمّ القلب.
مالك وقف عند باب الغرفة، قلبه بيخفق بقوة، وكل خطوة نحو مكة كانت كأنها ثقل وحب وحنين مجتمعين في نفس اللحظة. عيناه وقعت على وجهها أول ما دخل، ما صدّقش جمالها البسيط، الضعف اللي بيخلي قلبه يذوب، والحنان اللي بينبع من كل حركة صغيرة فيها.
مكة شعرت بنظرة مالك، شعور غريب… بين الخوف والرغبة في الاقتراب، كأنهم اتقاطعوا في لحظة ما كانوش مستعدين ليها. مها اللي كانت موجودة لحظة قبل كده، حست إنهم عايزين يكونوا لحظة وحدهم، ابتسمت بخجل وقالت:
– “أنا هسيبكم شوية…”
وتركتهم، عشان اللحظة دي تكون ملكهم فقط.
مالك اتقدّم بخطوات بطيئة، لكن كل خطوة كانت مليانة مشاعر. قعد جنب سريرها، عينيه ما شالتش عن وجهها ثانية واحدة، وبدأت دموعه تنزل… زي طفل صغير، بلا أي كلام، بس الألم والحب في قلبه كان واضح.
مكة حاوطت وجهه بكفها برقة، وهي تحس بألم داخلي:
– “أنا آسفة…”
مالك شال وشه بسرعة، صوته متهدج بالدموع:
– “سبيني… أنا اعتذرتلك عن كل حاجة حصلتلك… بس سامحيني.”
مكة حاولت تقول أكتر، بس الكلمات اتحبست حواليها، اكتفت بجملة واحدة، بسيطة لكنها محملة بكل وجع قلبها:
– “أنا بابا وماما وحشوني أوي… وعاوزه أشوفهم.”
الكلمة دي وقعّت على مالك زي صاعقة. قلبه انفجر… بس الحقيقة المؤلمة إنه يعرف إن رحيم أبو مكة مات… ومكة لسه مش عارفة.
مكة بصت حواليها بارتباك، وسألت بصوت منخفض:
– “أنا… جت هنا إزاي؟”
ابتلعت ريقها برعب وهمست:
– “تميم…”
نظرة مالك اتغيرت فجأة… اتحولت لغضب قاتل، عيناه ولّت نار:
– “نخليه يتمنى الموت… ومش هيلاقيه.”
مكة بسرعة حاولت توضح، بنبرة مختلطة بين الخوف والعناد:
– “في حاجة حصلت بين بابا وتميم… تميم طلع بيعرف بابا… صدقني يا مالك… لازم أشوف بابا وأفهم منه كل حاجة.”
مالك تذكّر حديثه مع فايزة بعد ما عرف من حمزة إن اللي جاب مكة السجن كان تميم. قلبه اتقلب من الغضب والعذاب، لكنه عرف الحقيقة الكاملة عن أوبسيدين وأم مكة. قرر يخفي الحقيقة عنها، ويبعدها عن أي صدمة أو ألم تاني، وعاهد نفسه إنه هينسيها كل الألم اللي حصل.
فجأة، سمع صوتها الغاضب يصرخ:
– “مالك… انت رحت فين؟! أنا بكلمك!”
مالك رفع عينيه ليقابلها، بعينين مليانين بالحنية، وكل غضبه اتحول لدفء. بحركة مفاجئة، رفع كف إيدها وقبلها برقة، همس في أذنها:
– “بحبك.”
مكة شعرت بالقلب بتاعها بيقف للحظة، كل جسدها ارتجف، فراشاتها طارت في قلبها، ودقات قلبها زادت بسرعة. الشفاه اللي لمست كفها خلتها تحس بدفء وغرق في إحساس الحب اللي ما عرفتش تقاومه. عينيها اتلمعوا والابتسامة ظهرت على شفايفها من غير ما تاخد بالها.
مالك فضل يبص في عينيها، كأنها كل الكون كله بالنسبة له:
– “يا أحلى قرار أنا أخدته.”
مكة ارتجفت من الكلمات، قلبها بيطن، جسدها كله اتملأ بالدفء، وكل مشاعرها اتقلبت من خوف وحزن لحب وسعادة.
مالك أخذ نفس عميق، وقال لها بيت شعر كله عشق وغرام:
– “لو عيونك بحر… أنا غريق فيك… وكل موجة بتمطر حب.”
وبغمزة خفيفة لها، أكمل مبتسم:
– “لأنك وتيني.”
فضلت مكة تحدق في مالك، قلبها خائف ومتردد، وعيناها تجمع بين الخوف والأمان، الحب والحزن… ورجفة خفيفة في صدرها تُذكّرها بكل ما مرّت به من ألم وتجارب صعبة، تجعلها عاجزة عن الانسلاخ بسرعة. كانت تريد الهروب، لكن لم تكن تعرف إلى أين، وكأنها تائهة بين خوفها وحبها، بين رغبتها في الاقتراب والبعد في نفس الوقت.
مالك لاحظ كل ذلك، كل نظرة وكل حركة في جسدها، فهم كل مشاعرها، خوفها، ارتباكها، وحتى ذلك الشك الذي يلوح في عينيها. كان يعرف أنها تحتاج أن يداويها جسديًا ويطبطب على قلبها، لكن كان يعلم أن دواوها النفسي يحتاج صبرًا وحنانًا لا يُقاس.
وفجأة، قُطع كل هذا الصمت والتوتر بدخول حمزة، اندفاعه قطع اللحظة، ومالِك اندفع بسرعة ليقف أمام سرير مكة، مختبئًا خلفه، ليخفيها تمامًا عن الأنظار.
وقف تميم مستغربًا، لا يفهم سبب هذه الحركة.
مكة شعرت بالخجل، وخاطفت أنفاسها عندما لاحظت أن حجابها لم يكن على شعرها، شهقت بخضة، وحاولت أن تخفي وجهها وراء يديها بكل حياء.
حمزة، الذي دخل من دون ترتيب، حاول أن يزيد الغضب والإثارة:
– “ما أنا شوفته على فكرة…”
وغمز لمالك وكأنه يتحداه.
نظر له مالك بهدوء قاتل، صوته منخفض لكنه مليء بالتهديد:
– “اطلع برا يا حمزة… لو لسه باقي على روحك.”
تمتم حمزة وهو يضع يده على وجهه مكان اللكمة التي كان مالك قام بتوجيهها له:
– “أنا كنت جي أعتذر يا خويا…”
ضحكت إيمان ضحكة عالية على حال أخوها وزوجها، وهرولت إلى مكة، تضمها بقوة وحب:
– “حمدالله على سلامتك يا كوكي!”
بادلتها مكة الحضن بكل دفء، شعور بالأمان والطمأنينة يملأ قلبها، وابتسامة صغيرة ارتسمت على وجهها وهي تقول:
– “الله يسلمك يا إيمي.”
صرخت إيمان بغضب لطيف في مالك:
– “أومال أنت اللي حلال يا خويا يعني؟ يلا اطلع برا يلا!”
مالك ابتسم لها وغمز لمكة بعينين مليئتين بالحب:
– “لا… دي بتاعتي أنا.”
دفعت إيمان مالك للخارج بغضب، وهي تصرخ:
– “اطلعوا برا يلا!”
وقف حمزة يشاهد، وابتسم وهو يرى مالك وهو يطري زنقة إيمان، ضحك ضحكة ما قدر يسيطر عليها:
– “ياااه… ده أخوها وده زوجها… تحفة بجد!”
ومكة وقفت، قلبها مليء بالفرح والحب، شعرت بالأمان والدفء وسط عائلتها، لم تكن تستطيع التعبير بالكلمات عن كل ما يجتاح قلبها من مشاعر.
مرت دقائق سريعة، وخرجت مكة من المستشفى، جسدها مرتخي، عيناها شاردتان، وكأنها موجودة بجسدها فقط، لكن روحها في مكان بعيد تمامًا، خالية من أي شعور أو كلام. ركبت سيارة مالك، لكن لم تكن تتفاعل مع ما حولها، مجرد جسد بلا حياة، ونظراتها معلّقة في شيء لا يراه أحد.
مالك جلس خلف المقود، يشعر بأن هناك شيئًا غير طبيعي فيها، قلبه يشتعل قلقًا، كل حركة في عينيها، كل صمتها، أثارت فيه شعورًا غريبًا، وكأنه يعرف أن هناك ألمًا دفينًا لا تُظهره. نظر إلى أخته أكثر من مرة، كأن عينيه تسألها: “إيه اللي قلتي لها؟”، لكن أخته تجنبت النظر إليه، تحاول أن تخفي أي رد فعل.
استقر أخيرًا الوضع في السيارة، مالك يقود من الأمام، حمزة بجانبه، ومكة نائمة في حضن إيمان في الخلف، هدوء قاتل يملأ السيارة، كل شيء صامت، خالي من أي كلام أو صوت، خالي من أي مشاعر.
كل مرة يمرّ مالك على مطب، يخفّض السرعة بعناية شديدة، وكأن حياته ومشاعره كلها مرتبطة بحالة مكة. تمر الدقائق ببطء، ومالك يحدق فيهم من المرايا، يراقب مكة، كيف جسمها مسترخٍ بهدوء، لكن قلبها بعيد، لا يدركه أحد.
مكة كانت ترتدي فستانًا ناعمًا، قماش خفيف يلتف حول جسدها برقة، وخمار أبيض ينسدل على شعرها، لكنه الآن مخفي وراء رأسها المائل، عيناها نصف مغمضتين، وجسدها يبدو كأنه قطعة من صمت مطلق، رقة وصفاء في المشهد كله.
وأخيرًا، وصلوا أمام العمارة، ومكة شعرت بثقل في رجلها، لم تستطع أن تتحرك، كأن الأرض تمسكها بأذرعها. مالك نظر إليها بهدوء، صوته خافت لكنه دافئ:
– “مكة… إنتي كويسة؟”
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
كف إيمان كان مشدود في كفها، بثّ لها شعورًا بالقوة والأمان، دفأ جعل قلبها يرتجف من قليل من الاطمئنان وسط كل الصمت. مالك شعر في تلك اللحظة، أن إيمان نقلت لها حقيقة موت رحيم بطريقة غير مباشرة، شعر بالغضب والحزن والحنان كلهم مجتمعين، بدأ يحاول بث القوة والأمان إليها بالكلمات، لكن مكة لم تعد معه… كانت مع ذكرياتها، مع أبيها، مع كل لحظة لم تُستعاد:
تذكرت مكة أبيها، رحيم، يبتسم لها وهو يمسك يدها، كلمات كان يحب أن يسمعها، ضحكاته، صوته الحنون، وكيف كان يشعر بها دائمًا، وكيف لم يكن لديها فرصة لتودعه قبل موته… وكل هذا الألم عاد يغمرها، تجعلها تتحدث مع نفسها بصوت منخفض:
– “أنا اتسرّعت… خسرت حتى اللحظة اللي كنت هشوف فيها بابا قبل ما يموت…”
تقدمت خطواتها إلى الشقة، كل خطوة ثقيلة، مكسورة، خالية من أي حيوية، وكأنها تحمل كل العالم على كتفيها. وعندما وصلت، تفاجأت برؤية محمود يصلي، صوته هادئ، يرتل آيات قرآنية عن الصبر:
– “وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ”
صوت محمود كان كمسكن لكل ألمها، شعرت بالطمأنينة تتسلل إليها ببطء. ذهبت نحو غرفة والدها بصمت، فتحت الباب، نظرت إلى فراشه، وذهبت نحو ملابسه القديمة، احتضنتها، شمّت رائحته، كل شيء حولها عاد بها إلى الذكريات، إلى الأيام التي فقدت فيها حضن أبيها وحنانه…
وقضت ساعات طويلة مع نفسها، الباب مغلق خلفها، عالمها كله هنا، بين الأصوات والذكريات والروائح التي أحبّت.
في الخارج، مالك يقف، قلبه مليء بالحنان، يريد أن يطمئن عليها، كل خفقة من قلبه تدعوه لأن يقترب، لكنه يحترم صمتها، يعرف أن الوقت لها ضروري.
محمود يقف أيضًا، ملامحه باهتة، يحاول أن يكون قويًا، يجمع نفسه، لكنه يعرف أن روحه مكسورة، الصبر وحده لا يكفي. بصوت منخفض لنفسه:
– “خليها تاخد وقتها…”
وإيمان، بجد، همست لمالك:
– “اللي مكة فيه مش سهل يا مالك… سيبها تلاقي نفسها…”
مرَّ شهرٌ كامل…
شهرٌ انسحبت فيه مكّة من العالم، كما تنسحب وردةٌ من الضوء فتذبل ببطء.
أغلقت على نفسها غرفتها، لا تفتح نافذة، لا تستقبل شمسًا، كأنها ترفض فكرة النور من الأساس.
لم تخرج إلا إلى المستشفى، تطمئن على والدتها، ثم تعود منكّسة الرأس، مكسورة الروح، كما اعتادت.
أما محمود، فكان حبيس غرفته هو الآخر…
لا يفعل شيئًا سوى الصلاة، وترتيل القرآن، كأنما يحاول أن يغسل روحه مما مضى، أو يتمسّك بحبلٍ وحيد يربطه بالحياة.
مالك…
كان يحيطها بعيونه حتى وهو بعيد.
في العمل، ترك من يراقب خطواتها، أنفاسها، صمتها.
وبقية اليوم… كان يجلس أسفل شرفتها.
حتى حفظت الجدران موضعه، وألفه الرصيف، وصارت الأرض تعرف وقع قدميه.
أما مكّة…
فلم تفتح شرفتها يومًا، ولا حتى بالخطأ.
كأنها ترفض فكرة وجود النور… أو ربما ترفض فكرة أن تنكسر مرة آخرى.
كان يراسلها كل لحظة:
«أنا معاكي»
«مش هسيبك على فكرة»
«إنتِ قوية وأنا عارف ده»
«مكّة… وحشتيني»
«مكّة بصّي من الشباك، لو لمرة واحدة بس… نفسي أشوفك»
«يا بنت الناس ارحمي بهدلتي دي، ده عمي كريم اللي بيسئل لله بقىت بقعد على الرصيف أكتر منه»
«بس ليه لأ؟ وأنا مستني نظرة منك بالغلط»
كانت الرسائل تصل…
ومكّة تفتحها، تقرأها، ثم تغلق الهاتف دون رد.
لم تكن قاسية…
كانت فقط تحتاج وقتًا.
وقتًا لتجد نفسها.
لتبحث عن عالمٍ تاه منها، وسقطت فجأة في عالمٍ لا تعرف عنه شيئًا سوى الألم.
دقّ الباب…
كانت تمسك صورة والدها، تحدّق في ملامحه، والدموع تنساب في صمتٍ موجع.
دخلت مها بهدوء، جلست على طرف الفراش، تفرك يديها بتوتر، لا تدري من أين تبدأ.
همست برفق:
— مكّة…
قاطعتها مكّة بصوتٍ مكسور:
— بابا مات بسببي… بابا مات علشان خاف عليّا.
أسرعت مها:
— دي أعمار يا مكّة… كل واحد عمره بينتهي في الوقت اللي ربنا كاتبه. إنتِ مؤمنة بربنا، واللي بتعمليه ده غلط.
هزّت مكّة رأسها بنعم، تمسح دموعها بألم.
وفجأة…
دقّ باب الغرفة مرة أخرى.
لم تتحرّك.
جاء صوت محمود، منكسرًا، مطأطئ الرأس:
— أنا نازل شوية… لو احتاجتوا حاجة كلموني.
نظرت إليه مها بوجع.
متى يعود؟
متى يعترف بابنه؟
وكيف لا وهو لم ينهض من نكسته إلا بتعلّقه بتلك الروح التي تولد من جديد؟
أما مكّة…
فلم تنظر إليه حتى.
مرّت دقائق.
اقتربت مها من مكّة بحماسٍ مصطنع:
— هوت شوكليت؟
ابتسمت مكّة بصعوبة، وأومأت ببطء.
هرولت مها نحو المطبخ، تصفّق بيديها.
وما إن وصلت…
حتى انقطع التيار الكهربائي.
عمّ الظلام.
قالت مها بضيق:
— يا رب… ده وقته؟
تحسّست هاتفها لتشغّل الكشاف.
أما مكّة…
فكانت في عالمٍ آخر.
ذاكرةٌ خاطفة ضربتها بقسوة…
غرفة مظلمة…
تميم…
والأسد.
ارتجف جسدها، تصبّب العرق منها، اهتزّت قدمها بعنف، ضمّت جسدها بذراعيها، الرعب يخنق أنفاسها.
كادت تصرخ…
في الأسفل، كان مالك يقف أسفل البناية.
تيشيرت أسود يلتصق بجسده، وبنطال قماش أسود يزيده وقارًا.
مظهره حادّ، رجولي، ورائحة عطره الداكنة تسبق حضوره، مزيج من خشبٍ وعنبرٍ ونارٍ هادئة.
وفجأة…
سكن الجو.
وانقطع النور.
لم يفكّر.
اندفع كالصاروخ، خطواته تبتلع السلالم.
ثوانٍ… فقط ثوانٍ…
وكان أمام باب شقتها.
فتحت مها الباب، رفعت الكشاف في وجهه:
— مالك!
لم يسمع.
اندفع إلى الداخل، إلى غرفتها.
كان الظلام دامسًا…
بحث عنها بقلبه، لا بعينيه.
شعرت مكّة بفتح الباب، فنهضت بفزع، الدموع تنهمر.
وقف مالك أمامها مباشرة، وهمس بصوتٍ ثابت، دافئ:
— متخافيش… أنا هنا.
همست بصوتٍ مرتجف:
— مالك…
— أنا هنا.
أضاء شاشة هاتفه.
ما إن رأته…
حتى ألقت بنفسها بين ضلوعه.
أغمض عينيه.
في تلك اللحظة، اختلط الشوق بالخوف، والرغبة بالمسؤولية، والحنين بالذنب.
ضمّها قلبه ولم يضمها ذراعيه.
كانت تتشبّث به برعب:
— أ… أ… أسد…
كور مالك كفيه، عضّ على شفتيه.
أقسم ثاني أكسيد الكربون الخارج منه وقتها
لو كان تميم أمامه لفتك به.
همس بلطف:
— مكّة، اهدي… مفيش حاجة.
لم يبادلها العناق رغم اشتياقه…
كان يعلم أنها احتمت به خوفًا، لا فكرا.
ولا يحق له أن يستغل ذلك.
— أنا جنبك… متقلقيش.
وسكنت…
ليس من كلماته فقط…
بل من دفء الأمان الذي وجدت نفسها فيه.
ابتعدت فجأة، محمحمِةً بخجل:
— أنا… أنا آسفة أوي… مكنتش أقصد.
ضحك مالك ضحكة رجولية طاغية، غمز لها:
— مالك يتحكّم في ملكه… فليفعل ما يشاء.
ابتسمت بخجل.
جاء صوت صادم:
— أخويا ومكّة في أوضتها لوحدهم؟! يا الفضايح!
إيمان، تضرب صدرها بتمثيل.
رفع مالك حاجبه:
— إنتِ شفتينا إزاي في الضلمة؟
— بحسّة الشم.
انفجرت مها ضاحكة، واكتفت مكّة بابتسامة خجولة.
دفعت إيمان مالك للخارج:
— يلا يا حبيبي، يلا ورينا عرض كتافك، أنا جيت خلاص.
أغلقت الباب في وجهه وسط ضحكهم.
ما إن هبط…
حتى وجد حمزه متكئًا على سيارته:
— أخدت اللقطة يا روميو؟
رمقه مالك بقرف، وجلس.
جلس حمزة بجواره متوترًا:
— والله يا مالك مكنتش في وعي… اعتبرني عيل وغلط.
— أقسم بالله، لولا إن مكّة طلبت أسيبك… كنت محيتك.
— هي سامحت… إنت مش هتسامح؟
نظر مالك إلى شرفتها:
— أي حاجة تخصّها… لأ.
— هييييح… يا بختها.
— قوم من جنبي لو عايز تبقى فيها ياحيلتها
وقف حمزه سريعاً وهو يرفع يديها لآعلى بستسلام
— مش عايز أموت صغير.
ضحك قاسم وهو يقترب منهم :
— قلتلك… هي لأ.
تمتم حمزه
— انت قولت هي لأ ماقولتش خط أحمر يازفت
.كان قاسم، يضحك بثقة، يقف خلفهما.
اقترب وجلس على كرسي القهوة المجاور لمالك، قال بجديةٍ ممزوجة بمزاح:
— قولت أجيلك نخلص شغلنا هنا… مادام إنت مش فاضي تتحرك من تحت الشباك.
ضحك حمزة وهو يغمز لقاسم:
— بذمتك مش تتمنى تبقى مكانها؟
شارك قاسم الضحك، ثم قال بصراحة:
—بصراحة لأ… الواحد يتمنى يبقى مكانه.
لم يُكمل جملته…
إذ دفع مالك الكرسي بقدمه بقوة، فانقلب قاسم على ظهره وسط ضحك حمزة العالي.
وفي تلك اللحظة…
كان محمود يتقدم منهم، شاهد المشهد، ولم يتمالك نفسه من الضحك.
ضحكته خرجت عفوية، صافية، كأنها انتزعت من صدره ثِقلًا كان جاثمًا عليه.
رفع حمزة حاجبه بدهشة:
— إيه ده؟ الضحك ده منور يا حوده.
ابتسم محمود بهدوء، وقال:
— وحشني الهبل ده.
وفي اللحظة نفسها…
عاد التيار الكهربائي، أضاء المكان من حولهم.
تنهد مالك بعمق، ثم قال:
— يلا… نقعد جوه بدل ما الحارة كلها تتفرج علينا.
داخل القهوة…
جلسوا الأربعة حول طاولة واحدة.
قاسم وحمزة انشغلا بالحديث في العمل، أوراق، أرقام، ومواعيد.
أما محمود…
فكان شاردًا بعض الشيء، عيناه تهربان من الضحك، وكأنه يخشى أن يسمح لنفسه بالفرح.
مالك كان يشاركهم الحديث، يجيب، يعلّق…
لكن عينيه لم تبتعدا لحظة عن تلك الشرفة.
قاطعه حمزة فجأة، موجّهًا كلامه لمحمود:
— صحيح يا حوده، أنا خلّصتلك موضوع الأرض اللي جنب البيت.
انتبه مالك فورًا، ضيّق عينيه:
— أرض إيه؟
ابتسم محمود ابتسامة هادئة، وقال:
— طلبت من حمزة يخلص ورقها… ناوي أبني عليها مسجد.
وأشار إلى قطعة أرضٍ خالية في طرف الحارة.
— صدقة جارية على روح بابا… وجزء اعتذار ليه.
ابتسم مالك بتقدير، قال بهدوء:
— حابب أشاركك لو معندكش مانع… صدقة عن عمي رحيم برضه.
غمز حمزة لقاسم كأن قاسم مالك
يوجه له الكلام :
— وطبعًا إنت يا قاسم، صدقة شكر إنه جبها على الحياة.
ضحك قاسم عاليًا، ثواني…
ثم سكت حين رمقه مالك بنظرةٍ قاتلة.
قال لحمزة بإرتباك:
— دمك سم.
رد قاسم وهو يضحك بسذاجه لمالك :
— بقوله كده دايمًا… مش راضي يقتنع.
ضحك محمود مرة أخرى، ضحكة خفيفة، صادقة…
وفي تلك اللحظة، شعر
{ أن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت تمنحه فرصة.}
صباحُ يومٍ جديد…
أشرقت الشمس بخجل،
كأنها لا تريد أن توقظ الوجع دفعةً واحدة.
استفاقت مكّة ببطء، توضّأت، صلّت، ثم وقفت أمام المرآة.
بدت أنحف قليلًا…
لكن في عينيها صمودٌ عنيد.
ارتدت فستانًا واسعًا بلونٍ عاجيّ هادئ، ينساب حولها بنعومة، لا يلفت الانتباه بقدر ما يمنح الطمأنينة.
لفّت خمارها الأخضر الزيتوني بإتقان، تركته ينسدل على كتفيها، يحيط وجهها برفقٍ يُشبه احتياجها.
لم تضع إلا كحلًا خفيفًا، ومرطّب شفاهٍ شفاف.
كانت جميلة… جمالًا صامتًا، يشبه الدعاء.
خرجت من البيت.
كان مالك ينتظر في الأسفل، مستندًا إلى سيارته، يرتدي بدلته الرسميه ورائحه عطره يحملها الهواء حوله يرسلها لكل الماره،
يحمل كوب قهوته ،
عيونه ما إن وقعت عليها حتى ابتسم.
اقترب منها بهدوء:
— صباح الخير.
— صباح النور.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
فتح باب السيارة وهو يشير لها:
— اركبي… أوصّلك.
توقّفت مكّة مكانها، هزّت رأسها بقوة:
— لأ… مش هركب.
نظر لها بدهشة خفيفة:
— ليه؟
— كده… أنا مش محتاجة.
اقترب خطوة، صوته هادئ:
— مكّة، أنا بس هوصّلك، من غير أي حاجة.
تراجعت خطوة، نبرتها حاسمة:
— قولت لأ يا مالك… متضغطش عليا.
توقف.
لم يُجادل.
لم يُلح.
اكتفى بهزة رأس خفيفة:
— تمام.
تحركت مبتعدة.
ثوانٍ…
وانقلب الهدوء.
كلمة وقحة خرجت من فم أحد الواقفين في الشارع، نظرة ثقيلة سقطت عليها بلا رحمة.
تجمّد جسدها.تجمّد قلب مكّة.
لم تتكلم…
لكن كتفيها انكمشا لا إراديًا.
في أقل من ثانية…
كان مالك قد تحرك
وقف بينها وبينهم.
ظهره لها، وجهه للعالم.
لم يرفع صوته، لم يلمسه؛ لم يصنع مشهدًا فجًّا.
اكتفى بأن نظر للرجل نظرة واحدة…
نظرة رجل يعرف قدر نفسه وقدر من يقف لأجلها.
قال بصوتٍ ثابت، منخفض، لكنه قاطع:
— عينك قبل لسانك… وإلا الاتنين هيتكسّروا.
صوته خرج منخفضًا، ثابتًا:
تراجع الشاب سريعاً هرول بالفعل قد هرول لم يبقى ل فنتوثانيه،
لم ينظر مالك لمكّة مباشرة.
لم يُشعرها بأنها ضعيفة.
انتظر حتى استقامت أنفاسها.
ثم اقترب منها بهدوء، نبرته دافئة:
— إنتِ كويسة؟
هزّت رأسها دون كلام.
أشار بيده نحو سيارته، ابتسامة جانبية وغمزة خفيفة بعينه، وقال بنبرة رومانسية ممزوجة بمزاحٍ حنون حتي لا يشعرها بأي حزن أو يظهر غضبه أمامها:
— اركبي بقى… بدل ما الحارة تتقلب قاعة مصارعة بسببك دلوقت.
ابتسمت رغماً عنها.
وللمرة الأولى…
مدّت يدها نحو الأمان دون خوف.
داخل السيارة…
ساد صمتٌ خفيف، لا يزعج، لكنه مُحمَّل بما لا يُقال.
كانت مكّة تجلس جواره، تنظر إلى الفراغ أمامها، تفرك يديها بقلقٍ واضح، أصابعها تتشابك ثم تنفصل بلا وعي.
تنفّست بعمق، ثم همست بصوتٍ خجول:
— شكرًا.
التقط مالك صوتها من المرآة الأمامية، لم يلتفت، اكتفى بنظرة جانبية انعكست في الزجاج.
ابتسم، وقال بلطفٍ ممزوج بمزاحٍ خفيف:
— وعلى رأي عمرو جابر…
ثم أشار بيده أمامه وهو يقود:
— وشاور بس على اللي يضايقك،
ده أنا أخرّب بيت اللي يخليك تتنرفز.
ثم فجأة، رفع صوته قليلًا، بنبرة تمثيلية مبالغ فيها:
— الله! الراجل ده عليه حُكم… عليه حُكم!
لم تقصد…
لكن ضحكة صغيرة انفلتت منها، ضحكة دافئة، مختلطة بدهشة، وبقلبٍ يفرّ بلا مقاومة أمام حبّه الطاغي.
التفت مالك هذه المرة، لمح ابتسامتها، ولم يقل شيئًا…
اكتفى بأن ابتسم هو الآخر، وعاد للطريق،
وقد شعر أن الرحلة صارت أخف…
لمجرّد أنه سمع ضحكتها.
أمام المستشفى…
توقّفت السيارة أمام المبنى الضخم، واجهته الزجاجية تعكس ضوء الصباح، وحركة لا تهدأ؛ سيارات إسعاف، ممرضون يهرولون، أطباء بملامح متعبة لكن ثابتة.
وضعت مكّة يدها على مقبض الباب، لكنها توقّفت قبل أن تفتحه.
التفت إليها مالك.
كانت ملامحه هادئة، صلبة، صوته خرج منخفضًا، عميقًا، كأنه وعد:
— خُدي نفس .....مش هسيبك
مكه بالم
—كل الحصل كان قدرنا والقدر فرقنا يامالك
غمز لها .....متلاشي كلامها
— فعلاً قدر ..بس ده كان قدري الأجمل
.التقت عيناها بعينيه.
شعرت بشيءٍ يستقيم داخلها، شيءٍ يشبه الثبات.
في لحظةٍ واحدة، نزل مالك بسرعة، دار حول السيارة، فتح لها الباب بنفسه، ومدّ يده دون أن يلمسها،
نزلت.
وفي تلك الثانية…
شعرت مكّة بأنها ليست وحدها.
أن هناك من يقف بينها وبين أي سقوط.
داخل المستشفى…
ابتلعها المكان بحركته الدائمة.
أرضيات لامعة، رائحة مطهّرات حادّة، أصوات أجهزة، نداءات متلاحقة، أسرّة تُدفع، وأقدام لا تتوقّف عن الركض.
كان كل شيء حيًّا…
إلا قلبها الذي يخفق بعنف.
خطت ، تشعر بثقل الخطوه
وصلت إلى المصعد.
ضغطت الزر بيدٍ مرتجفة.
وحين فُتح الباب…
اندفعت إلى الطابق المنشود.
في الممر…
وقبل أن تصلا…
جرت نحوهما ممرضة، وجهها يشرق بابتسامة عريضة، نبرة صوتها مفعمة بالفرح:
— امّك فاقت يا دكتورة!
توقّف الزمن.
— كانت محتاجة دم، ولقينا متبرّع ليها.
— والدكتور سهر الليل كله على حالتها، ما سبهاش لحظة لحد ما فاقت.
انفجرت الدموع من عيني مكه، ضحكت وبكت في آنٍ واحد، كأن الطبول تُقرع في قلبها من شدة الفرح:
— الحمدلله… الحمدلله… ربنا يباركلك، ربنا يفرّحك زي ما فرّحتيني.
لم تنتظر أكثر.
هرولت مسرعة نحو الغرفة.
أما مكّة…
فكانت قد بدأت تتحرّك خلفها.
أمام باب الغرفة…
مدّت يدها.
فتحت الباب.
وتجمّدت.
تسمّرت في مكانها.
تلاشى اللون من وجهها.
وهرب الدم من عروقها دفعةً واحدة.
الرعب…
اجتاحها كاملًا.
تمت بحمدلله
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أمام باب الغرفة…تسمّرت مكّة.
عيناها اتسعتا، أنفاسها انحبست في صدرها،
وكأن الهواء قرر فجأة يعاقبها.
كان هو هناك.
واقف جوّه الغرفة، ظهره للباب،
الضوء الأبيض مسنود على كتفيه،
والمعطف الطبي متدلّي بإرهاق،
كأن الليل كله كان نايم عليه.
تميم.
قلبها خبط خبطه موجعة،
مش خضة لقاء…
خضة ذاكرة.
ذاكرة وجع قديم،
صوت عالي،
أبواب بتتقفل،
وعيون كانت دايمًا بتوجع أكتر ما تطبطب.
رجليها خانتها.
خطوة لقدّام… خطوة لورا.
في اللحظة دي
استدار.
عينيه وقعت عليها.
ثانية.
بس ثانية واحدة…
كانت كفاية تشقّ المسافة بينهم بسكين.
اتجمّد هو كمان.
ملامحه ما اتحركتش،
لكن عينيه اتكسرت حاجة جواهم،
رجعت خطوة لورا،
أنفاسها اتكسرت،
وقلبها خبط بعنف…
مش شوق.
خوف.
الخوف اللي بيطلع فجأة من ذاكرة الجسم
قبل ما العقل يلحق يفهم.
عينيها ما قدرتش تثبّت عليه.
تميم.
نفس الملامح…
لكن في حاجة مختلفة.
حاجة مكسورة.
إيديها بدأت ترجف،
ورجليها رفضت تتحرّك.
لاحظ.
وطّي صوته فورًا،
ووقف مكانه،
ولا خطوة زيادة.
— متخافيش…
قالها بهدوء متعب
— أنا مش قريب منك.
الكلمة خرجت مش دفاع…
اعتراف.
سكت لحظة، وبص للأرض.
كأن النظر في عينيها رفاهية مش من حقه.
— من اليوم اللي مشيتي فيه…
ابتديت علاج نفسي.
رفعت عينيها فجأة.
الصوت دايمًا كان عالي…
دلوقتي واطي،
ومليان ندم.
— اكتشفت إن الغضب لما ما يتفهمش
بيبقى أعمى.
وأنا كنت أعمى…
بحاكم ناس
علشان ما واجهتش وجعي.
رفع عينه ليها،
مش برجاء…
بصدق موجع.
— ظلمتك.
وظلمت أبوكي.
وحكمت من غير ما أفهم…
من غير ما أدي عقلي فرصة
يسأل: ليه؟
صوته اتكسر:
— ودي أخطر جريمة ممكن نعملها في بعض…
إننا نحاكم قبل ما نفهم.
دموع مكّة نزلت،
لكن جسمها لسه مشدود.
الخوف ما راحش.
من على السرير…
تحرّكت فاطمة.
كانت صاحيه.
سامعه.
شايفه كل حاجة.
تميم لمحها،
وقرب من السرير بخطوتين
— أمّك كانت محتاجة دم،
فضلت ألف لحد ما لقيت متبرع.
وسهرت عليها لحد ما فاقت…
مش علشان حاجة
غير إنك ما تتكسريش أكتر.
لفّ وبص لمكّة تاني،
ووقف بعيد…
دايمًا بعيد.
— ده اعتذاري الصغير…
على اللي ما يتصلّحش بسهولة.
سكت.
ثم قالها فجأة،
من غير تمهيد،
من غير هروب:
— وأنا بحبك.
الكلمة نزلت تقيلة.
مش إعلان.
اعتراف متأخر.
— بحبك حبّ
بينهش في القلب،
حب ما طلبش مقابل،
ولا طلب فرصة.
حب خلاني أفهم
إن اللي يحب
ما يحاكمش.
مكّة كانت مرعوبة.
مش من الكلمة…
من صِدقها.
وراء الباب…
كان مالك.
يده كانت ممدودة على المقبض،
لكنها نزلت ببطء.
سمع كل كلمة.
وفهم أكتر.
رجع خطوة،
وسند ظهره للحائط.
قال لنفسه بصوت واطي:
— لازم تختار بعقلها…
مش علشان أنا موجود.
غمض عينه،
يحاول يطمن قلبه
إن اللي بينهم
لسه حيّ.
وإن مفيش حب في قلبها لتميم
غير خوف وجرح قديم.
داخل الغرفة…
مكّة واقفة
بين خوفها
وبين عقلها
وبين قلب
لسه مش فاهم هو رايح فين.
اقترب تميم خطوة.
ثم توقف.
كأن بينه وبينها خطًا غير مرئي
لا يملك حق تجاوزه.
قال بصوت واطي، راجٍ،
مش آمر…
ولا متوسّل زيادة عن اللزوم:
— بلاش تحكمي عليّا… أرجوكي.
بلع ريقه،
وكمل بنبرة أهدى:
— بلاش تتسرّعي.
اديني فرصة…
أوريكي الإنسان
اللي وقع في غرامك يا مكّة…
مش الغضب
ولا الصورة الغلط
ولا الوجع اللي كان سايقني.
مكّة كانت واقفة.
مبلومة.
متسمّرة.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
عقلها واقف.
وقلبها بيخبط بخوف.
وجسمها فاكر
كل مرة اضطرت تحمي نفسها.
قرب.
خطوة واحدة.
رفعت عينيها بارتعاش،
لكنها ما اتحركتش.
ببطء شديد…
مدّ إيده
وفكّ السماعة الطبية من على رقبته.
الحركة كانت هادية
كأنها طقس.
قرب منها،
من غير ما يلمسها.
وضع السماعة برفق
على رقبتها.
حرارة جلده وصلت لها
قبل الصوت.
همس…
كأنه خايف الكلمة تتكسر لو علت:
— بحبك…قوي.
القلب دق.دقة واحدة بس كانت كفاية تهزّها من جوّه
لفّ وخرج.
ولا كلمة زيادة.
مكّة فضلت واقفة.
تبص في أثره بدهشة،
مش فاهمة
هل اللي حصل حقيقي
ولا هلاوس خوف.
لكن قبل ما الفكرة تكمل…
سمعت صوت خافت.
— مكّة…
لفّت.
فاطمة كانت تجلس.مجهدة.
فاتحة ذراعها بتعب،
لكن بعينين مليانين حياة.
في لحظة
طار كل شيء من عقل مكّة.
الخوف.
الارتباك.
الأسئلة.
جريت.
رمت نفسها في حضن أمها،
وكأنها بترجع من موت طويل.
حضنتها بقوة،
قوة بنت
كانت كل يوم
بتخاف تفقدها.
عيطت.عيطت جامد.
طلع الكبت كله.
كل اللي كانت ماسكاه
علشان تبقى قوية.
دفنت وشها في صدرها
وقالت بين شهقاتها:
— كنت هموت لو روحتي…كنت هموت يا ماما…
إيد فاطمة لفّت حواليها
رغم التعب،
تطبطب،
وتهمس:
— خلاص… أنا هنا.
وفي اللحظة دي…
الحياة رجعت.
كانت مكّة لسه محاوطاها،
رأسها على صدرها،
أنفاسها بتنتظم واحدة واحدة.
فاطمة مرّرت إيدها على شعرها بحنان بطيء،
كأنها بتطبطب على طفلة
مش دكتورة
ولا قوية
ولا فاهمة حاجة دلوقتي.
قالت بصوت واطي، مبحوح من التعب:
— إنتي اتخضيتي منه… صح؟
مكّة ما ردّتش.
هزّت راسها بس،
وكأن الاعتراف تقيل.
فاطمة تنفست بعمق،
وبصّت للسقف شوية،
كأنها بترتّب كلامها جوّه عقلها
قبل ما يطلع.
— وأنا نايمة…
كنت سامعة.
رفعت مكّة راسها فجأة.
— سامعة؟
ابتسمت فاطمة ابتسامة خفيفة:
— سامعة كل حاجة.
الكلام اللي طالع من القلب
بيوصل حتى للغايبين.
سكتت لحظة،
وبعدين كملت:
— شوفته يا مكّة…
مش بعيني،
بقلب واحدة كانت بين الحياة والموت.
لمست إيد بنتها،
وضغطت عليها بهدوء:
— شوفته إنسان
بيحاول يفهم نفسه
بعد ما أذى ناس
وهو مش واخد باله.
مكّة شدّت إيدها بتوتر:
— بس يا ماما…
أنا خفت.
فاطمة هزّت راسها بتفهم:
— والخوف حقك.
اللي اتجرح
ما ينفعش يتلام
علشان قلبه يقفل.
قربت منها أكتر،
وصوتها بقى أهدى:
— بس اسمعيلي كلمة…
مش علشان تميم.
علشانك إنتي.
رفعت مكّة عينيها.
— اللي بيتعالج
واللي بيعترف بغلطه
واللي يطلب فرصة
مش زي اللي بينكر
ولا بيبرّر.
ابتسمت بحزن خفيف:
— أنا شوفته وهو فاكر
إن عمري بيضيع من إيده.
ما كانش بيجري علشان يطلع بطل…
كان بيجري علشان ما يتحاسبش
قدّام نفسه.
مسحت دمعة نزلت من عين مكّة.
— ما بقولكش سامحي.
ولا بقولك ارجعي.
ولا بقولك تحبي.
قالتها بوضوح،
من غير ضغط:
— بقولك
ادي عقلك فرصة يفهم
زي ما قلبك محتاج وقت يهدى.
سكتت،
وبعدين أضافت بابتسامة أم مطمّنة:
— والاختيار…
لازم يطلع منك
وإنتي واقفة
مش خايفة
ولا مكسورة
ولا مجروحة.
مكّة سكتت.
لأول مرة
ما كانتش بتجري من الفكرة.
كانت بتفكر.
(حد يسكت الست دي 🫶😂😂😂)
المساء كان نازل بهدوء على المستشفى.
الإضاءة الصفرا الخافتة انعكست على الزجاج،
والحركة قلت،
بس القلق لسه عايش في الجو.
باب الغرفة اتفتح بعد خبطة خفيفة.
دخل مالك.
مش دخول عادي…
دخول بطل مشهد.
بدلته الداكنة كانت راكبة عليه كأنها متفصلة علشانه،
القميص مفتوح من فوق زرّين،
كمّاته مرفوعة تكشف عن ساعد مشدود،
وساعته بتلمع بهدوء مع نور النيون.
خطواته واثقة،كتافه مرفوعة،
ونظرة عين تقول: أنا هنا… والباقي تفصيل.
مكّة كانت قاعدة جنب السرير،
بتمسك المعلقة وبتأكّل فاطمة على مهَل،
والتعب لسه باين على وشّها
بس عنيها فيها حياة.
مالك ابتسم ابتسامته الجذابة،
وبص لفاطمة وغمز:
— إيه يا بطوط؟ لسه المستشفى واقفة ولا إيه؟
فاطمة ضحكت بخفة:
— واقفة على مزاجك يا خويا.
مالك قرب خطوة:
— يلا بقى… نرجع البيت.
مكّة قامت فجأة،
اعترضت بعنف:
— لا!
ماما ماينفعش تخرج دلوقتي خالص،
لسه حالتها مش مستقرة.
فاطمة اتعدّلت في السرير بعصبية:
— يا بنتي أنا اللي طلبت من مالك!
والله تعبت من القعدة دي،
وريحة المستشفى خلاص جابت آخري.
مكّة بصّت لها بحزن:
— بس يا ماما…
مالك كان ساند على الحيطة،
مربع إيديه،
وقدماه متشابكة،
نبرة صوته باردة:
— خلصتوا؟!
مكّة رمقته بتحدّي.
مالك لفّ لفاطمة،
وغمز لها بمكر:
— جاهزة يا بطوط؟
مكّة وفاطمة بصّوا له
بعدم استيعاب.
وفجأة…
شهقة خرجت من فاطمة
وهو بيشيلها بين إيديه بسهولة
كأنها ما تزنش حاجة.
— يا نهار أبيض!
صاحت وهي بتضربه على كتفه
— الله يكسفك يا بني! نزلني، فضحتنا!
مالك تحرك بيها ناحية الباب،
ظهره منصوب،
ابتسامة واثقة،
وغمزة مشاكسة:
— ادلعي يا بطوط… ادلعي.
بصّ لمكّة بهدوء وهو ماشي:
— إنتِ هتفضلي متنحة كتير؟ اتحركي.
إيديه شايلة فاطمة…
بس عينيه كانت على مكّة.
مكّة ابتسمت.
ابتسامة حب صافية.
وابتدت تمشي وراه بخطوات سريعة.
لاحظ إنها بتحاول تلحقه.
فبطّأ خطوته…
بس سنة صغيرة
علشانها.
أول ما وصلوا لتحت…
مكّة فتحت بُقّها بصدمة.
طابور طويل من الأطباء
بيتحرك ورا مالك،
معاطف بيضا،
همسات،
نظرات إعجاب،
ووشوش بتقول:
— ده مالك…
— رئيس القافلة…
— ده اللي قلب المستشفى النهارده.
فاطمة كانت كل شوية تشتم:
— الله يخرب بيتك يا مالك!
ده إحنا بقينا فرجة!
مالك ضحك بهدوء:
— سيبيهُم يا بطوط… ده حب الجماهير.
قدّام موكب عربيات سوداء مصفوفة
كأنها مشهد رسمي،
نزل السائق بسرعة،
فتح الباب الخلفي.
مالك حطّ فاطمة برفق شديد كأنها كنز،
وعدل لها الغطا.
مكّة كانت واقفة
لسه مصدومة.
قرب منها،
هزّ راسه بيأس لطيف،
مسك كف إيدها
وسحبها بخفة،
قعّدها جنبه:
— اقعدي… كده صح.
لفّ وقعد مكان القيادة.
الأطباء ركبوا عربيات وراه.الموكب اتحرك.
العربيات شقّت الطريق
والأتربة بتترفع وراهم،
همسات الناس،
تصوير،
إعجاب،
وإحساس إنهم مش بس خارجين من مستشفى…
دول خارجين من فصل
وداخلين فصل جديد.
مكّة بصّت له من جنبها.
القلب مليان فراشات.
وهو…
ساق بثقة
كأن الدنيا كلها
مجرّد طريق
يوصلها للأمان.
داخل العربية…
صوت عمرو جمال مالي المكان،
والنغمات ماشية مع الطريق
كأنها معمولة مخصوص علشان اللحظة دي.
مالك سايق بإيد،
والإيد التانية على الدركسيون،
وعينه بين الطريق…
وبين مكّة.
ومع المقطع:
«خلاص انتهى تمشي ده عندها…»
لفّ وشّه ليها،
غمز،
ومرّر كفّه بخفة على رقبته
بحركة مش مفهومة
بس خطيرة.
مكّة اتلخبطت.
اتنحتت ثانية…وبعدين
انفجرت ضحك.
ضحكة طالعة من القلب،
من غير حساب.
ومع الكوبليه:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
«ومين يشبع من القمر لو بعد مية سنة»
ضحكت أكتر،
مش قادرة تمسك نفسها.
من الكنبة اللي ورا…
صرخة غاضبة:
— اتلم يا واد!!
مالك ضحك من غير قصد،
ابتسامة واسعة
ما عرفش يخبيها.
— حاضر يا بطوط.
وداس بنزين.
العربية زوّدت السرعة،
مش علشان الطريق…
علشان قلبه.
الإشارة ظهرت.
وقف.
وراه…
العربيات مصطفة
بشكل مبهر،
موكب يخطف العين.
الناس في الشارع وقفت،
ركّاب طلعوا راسهم من الشباك،
موبايلات اتشالت،
وهمسات:
— مين ده؟
— شكله حد مهم!
مالك كان لسه باصص لمكّة.
كانت مغمّضة عينيها،
وبتسحب الهوا من بقهاريحة حمص الشام.
ابتسم.
ابتسامة راجل
بيستعيد رجولته
قدّام نظرتها المستغربة.
فجأة…
فتح الباب ونزل.
الرجالة اللي ورا نزلوا معاه فورًا،
لكن بإشارة خفيفة من كفّه
رجعوا مكانهم.
الشارع كان مصري أصيل.
نور صفر،
أسفلت مهلوك،
عجلة كارو معدية،
ودخان طالع من شواية ذرة.
راجل عجوز
واقف قدام عربية حمص الشام،
جلباب بني،
طاقية صوف،
وشه مليان طيبة السنين.
جنبه شاب
بيشوي ذرة،
النار مولعة
والريحة ماسكة الشارع.
مالك قرب:
— مساء الخير يا حاج.
العجوز ابتسم:
— مساء النور يا بيه.
— عايزين حمص سخن…
وكبايات كبيرة.
— من عنيا.
صبّ الحمص،
والبخار طالع،
ليمون،
شطة،
كمّون.
مالك دفع الحساب وزيادة:
— خلّي الباقي.
العجوز دعاله:
— ربنا يفرحك يا ابني.
رجع للعربية،
مدّ إيده لمكّة بالكوباية،
وغمز:
— بس انتِ تؤمري… وأنا أنفذ.
وبصوت عالي،
مليان مشاكسة:
— عمرو جمال ده عليه حكم!عليه حكم!
من ورا:
— هو أنا ماليش من الحمص ده؟!
مالك ضحك عالي:
— أنا أقدر يا بطوط…
ده الحمص وصاحبه ملكك.
— لا يا خويا،سيب صاحب الحمص…
أنا عاوزة الحمص بس!
ناولها كل اللي معاه،
وبنص عين
بصّ لمكّة.
شاف ابتسامة صغيرة
على شفايفها.
ابتسم باتساع…
كأنه عمل أعظم إنجاز في حياته.
العربية اتحركت.
والشارع وراهم
لسه بيحكيعن موكب عدّى
وسيّب فراشات. 🦋✨
ما إن دخل موكب عربيات مالك الحارة
حتى الحارة كلها صحيت.
أصوات فرامل،
نور كشافات،
ووشوش بتطلع من الشبابيك.
أول واحد جري…
محمود.
كان واقف مستني من بدري،
وكأنه قلبه كان سامع قبل ودانه.
فتح الباب قبل ما العربية تقف تمامًا،
شافها…
أمّه.
صرخة مكتومة خرجت من صدره:
— أمي…!
شالها بين إيديه بحذر ممزوج بهلع،
كأنها حاجة غالية
كانت رايحة منه
ورجعت.
حضنته بقوة غير متناسبة مع تعبها:
— وحشتني يا محمود…
كنت فاكرة إني مش هشوفك تاني.
صوته اتكسر:
— بعد الشر عليكي…
أنا من غيرك ولا حاجة.
مها كانت واقفة جنبه.
عينيها دمعت وهي شايفة المشهد.
قربت،
حضنت فاطمة بحرارة،
اشتياق،
خوف،
واطمئنان في نفس النفس.
— الحمدلله على سلامتك…
قالتها مها وهي بتعيط
— البيت من غيرك كان ضلمة.
فاطمة مسحت على وشها:
— ربنا يخليكم ليا يارب .
لكن…بين الأحضان
كانت في حاجة غلط.
قاسم وحمزة كانوا واقفين ورا محمود.
وشوشهم شاحبة.
أعصاب مشدودة.
قاسم قرّب من ودن حمزة،
صوته ضعيف ومبحوح،
كأنه بيحاول ما يطلعش الصوت:
— من الأفضل نمشي مالك بسرعة…بلاش يطلع.
حمزة لطّم على وشه بخفة،
بعينين مليانين رعب:
— لو مالك طالع…هنموت كلنا.
قاسم بلع ريقه بصعوبة:
— دي…دي هتبقى مجزرة.
مها لمحتهم.
بصّت مرة على مالك…مرة على مكّة. شفايفها تلونت.
الرعب كان واضح
بس ما نطقتش.
مكّة اتحركت بخطوة.
وقبل ما توصل لأي حد…مالك تحرّك.
وقف وراها مباشرة.
ظهره سدّها عن كل العيون.
كانت حاسة بقربه،ريحة أمان،
وحائط واقف بينها وبين العالم.
وصلوا باب البيت.
قاسم سبق بخطوة،
قال بسرعة وهو بيضحك ضحكة باهتة:
— بقولك إيه يا مالك…ما تيجي نرجع البيت دلوقت؟
مالك بصله بنظرة شك.
عينين ضيّقتين.
حمزة تدخل وهو بيضحك بسذاجة مصطنعة:
— ما هو أصل…
مالك ما استناش يكمل.
كبر دماغه.
وكمّل مشيه.
أول ما دخلوا الصالة…
مكّة اتشلّت.
رجليها ثبّتت مكانها.
أنفاسها وقفت.
وعروق مالك…
برزت.فكه اتشد.غضب صامت
كان على وشك الانفجار.
على الكنبة…قاعد بكل هدوء مستفز.ظهره مفرود.
إيد على رجل.
نظرة باردة
ما فيهاش ذرة مفاجأة.
تميم.
وليس وحده.
ورا منه
أفراد أسرته
ماليين المكان
كأنهم موجودين من زمان.
تميم رفع عينه ببطء.
نظره لمكّة أولًا.
ثم لمالك.
قال بصوت ثابت،
بارد،
قاطع:
— رجّعت مكّة على ذمّتي.
الهواء اتسحب من المكان.
مالك خطوة لقدّام.قبضته اتشدت.
ومكّة…
كانت واقفةبين رجلين وقدرقرر يقفل الدائرة.
سكون قاتل
سبق العاصفة...........
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
(هل قال ردها إليه رد قلب لايحبه لايريد أن يرى طيفه )
سكت المكان فجأة…
كأن الهواء نفسه اتشل.
مكّة فتحت بُقّها بصدمة، عينها وسِعت، النفس اتسحب من صدرها مرة واحدة،
والكلمة اللي كانت طالعة ماتت قبل ما تولد.
حمزة بصّ لقاسم، صوته خرج واطي ومبحوح:
— هو… ينفع؟!
لكن مالك؟
مالك ماكنش شايف غير سواد.
سواد تقيل، خانق… كأن دخان أسود طالع من عقله، مغطّي كل حاجة.
الغضب ضربه في دماغه ضربة واحدة، مفيش بعدها عقل.
تحرّك خطوة…
خطوة واحدة كانت كفاية.
لسّه هينقض عليه،
تميم رفع إيده الاتنين باستسلام فجأة.
عينيه وقعت على مكّة…
نظرتها كانت رعب خالص، رفض، صدمة،
وفجأة… الدموع لمعت في عينيها، بتتجمع غصب عنها.
صوته طلع مكسور، مهزوز،
مش صوته اللي بيهزر…
صوت واحد حس إنه غلط غلطة عمره:
— بهزر معاكم يا جماعة…
الجملة نزلت على مكّة زي الدفا.
زي أمان رجع فجأة.
كأن حد كان سلب منها روحها…
وبيرجّعها لها تاني في نفس اللحظة.
تميم قرّب خطوة…
لسّه هيقف قصادها—
لكن فجأة،
كان في سور ضخم اتحط بينهم.
مالك.
واقف قدامها،
جسمه مشدود، فكه بيجزّ على بعضه،
إيده مقبوضة لدرجة إن عروقه برزت.
صوته طلع أعمق وأخطر:
— إنت إيه اللي جابك هنا؟
أنا مش قولتلك… لو شوفت طيفك، هنسفك؟!
مكّة من وراه…
غرزت ضوافرها في إيده،
اتشبثت فيه برعب،
كأنه طوق النجاة الوحيد ليها في الدنيا.
حسّ بأظافرها.
غمّض عينه.
ماستناش تميم يرد.
ومن غير إنذار—
وتحت تأثير لمستها—
انقضّ عليه.
مرة…
اتنين…
تلاتة…
وتميم يرجع لورا، يتكعبل، يقع، يقوم،
مش بيفكر يرد،
ومالك بن يعطى له فرصة يفكر
الزحمة زادت فجأة.
أصوات تعالت.
— مالك!
— إهدى!
— سيبه!
— حرام عليك!
لكن مالك ماكانش شايف غير حاجة واحدة:
ده…
ده كان سبب ألمها في لحظة.
مكّة كانت واقفة…
مش بتفكر.
مش بتتكلم.
ولا حتى قادرة تطلع صوت.
بس بتبص.
بتبص على تميم…
بعين شايلة رعب عمره،
وجع، وذكريات كانت فاكرة إنها ماتت.
محدش كان قادر يفك تميم من تحت إيد مالك.
الكل بيصرخ،
الكل بيشد،
والدم بدأ يغرق هدومه.
وفجأة…
مالك هدي.
هدوء مرعب.
زي نار كانت مولعة…
وانطفت مرة واحدة بالمطافي.
إيد مكّة كانت على كتفه.
لمسة خفيفة…
صوتها طالع بالعافية، مبحوح، مكسور:
— كفاية…!!!!
وقف.
ساب تميم بقوة.
فايزة صرخت، اندفعت عليه،
ضمّت حفيدها اللي متغطي دم،
بتعيّط وبتترعش:
— قوم يا حبيبي… قوم…
قاسم وحمزة بصّوا لبعض،
الرعب كان واضح في عيونهم من حالة مالك.
وفي نفس اللحظة،
محمود صرخ بصوت عالي:
— حد يفهمني إيه اللي بيحصل هنا؟!
مكّة بصّت لأخوها.
وبعدين بصّت للحشد حواليها.
عينها كانت مكسورة…
مجهدة…
فاضية.
لفّت.
دخلت الأوضة.
قفلت الباب في وشهم كلهم.
سامر وقف لحظة،
بصّ للمشهد بحزن تقيل،
وسابهم ومشي.
آسر ورهف وقفوا…
نظروا لابن عمهم بألم،
كأنه كان سبب ضياع أغلى ما يملكوا.
لفّوا ومشوا من غير كلمة.
ما فضلش غير تميم…
طارح على الأرض.
وفايزة بتبكي فوقه.
مالك بص لحمزة ببرود مرعب:
— حمزة بيه… ده مش صاحبك.
حمزة رد بسرعة، برعب واضح:
— ولا أعرفه يا كبير…
أول مرة أشوفه.
قاسم ابتلع ضحكته بالعافية.
مالك بغضب قاطع:
— هَنزل خمس دقايق…
أطلع ما أشوفش طيفه هنا.
فايزة بعصبية وحزن:
— مش جاي من حبه في المكان…
الله يسامحهم، آسر ورهف هما اللي صمموا يجوا يشوفوا مكّة.
بس الغلط مش غلطكم…
الغلط غلطنا.
محمود لسه هيتكلم—
لكن مالك قطعه،
صوته مليان وعيد:
— وربي الذي لا إله إلا هو…
أنا كل ما أشوف طيفه يا فايزة هانم،
لأخليه يتمنى الموت…
وما يلاقيهوش.
ساب البيت كله.
وخرج بعصبية.
وفاطمة…
كانت واقفة تبص لكل اللي حواليها،
بعين تعبانة،
من كل الأحوال اللي بقت تقيلة أكتر من القلب نفسه.
قفلت الباب وراها بهدوء…
بس الهدوء كان كذّاب.
الدوشة كلها كانت جواها.
أصوات، صور، لحظات بتخبط في دماغها من غير ترتيب،
قلبها بيدق بعنف،
إيديها بترتعش،
وضهرها لازق في الباب كأنها لسه مستنية حد يقتحمه.
سحبت نفس طويل…
وماعرفتش تطلعه.
قعدت على طرف السرير ببطء،
كتافها واقعين،
وشّها شاحب،
عينها تايهة في نقطة فاضية قدامها.
وفجأة…
سرحت.
مش في المكان.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
في الفكرة.
لو ما كنتش اتسرعت…
الجملة نزلت عليها تقيلة.
لو ما كنتش حكمت على مها من أول لحظة.
لو ما صدّقتش الشك قبل ما أسمع.
لو ما شفتش مالك بعين الغضب بس،
بعين الاتهام،
بعين الكره اللي كان أسهل بكتير من الفهم.
كانت فاكرة إن الحكم السريع حماية.
إن القسوة وقاية.
إن الانتقام حق.
بس الحقيقة؟
الحقيقة كانت إن الحكم من غير فهم
بيكسر أكتر ما بيحمي.
وبيهدّ أكتر ما بينقذ.
افتكرت إزاي البشر بقوا يحكموا على بعض في ثانية،
من نظرة،
من كلمة ناقصة،
من موقف اتحكى غلط.
ولا حد بيدّي فرصة.
ولا حد بيسأل: عملت كده ليه؟
ولا حد بيستنى يسمع الحكاية من الأول.
الكل شايف كره.
شايف عداوة.
شايف انتقام.
ومحدش بيدوّر على الحقيقة.
دموعها لمعت،
بس ما نزلتش.
فضلت محبوسة، زي كل الكلام اللي ما اتقالش.
رفعت إيدها ومسحت وشّها،
بس التعب كان أوضح من إنه يتخبّى.
ملامحها مرهقة،
شعرها مفكوك على كتافها،
ونَفَسها متقطع كأن صدرها ضيق.
قامت ببطء…
مشيت لحد الشرفة.
فتحتها،
والهوا البارد لمس وشّها،
بس ما طفىّش النار اللي جواها.
رفعت عينيها للسما.
سما بعيدة،
واسعة،
وهي…
حاسّة نفسها صغيرة أوي تحتها.
دمعة نزلت.
وبعدها التانية.
مش بكاء هستيري…
بكاء واحد تعِب.
تعب من الأحكام.
تعب من الوجع اللي جه من اختيارات ما كانتش فاكرة إنها غلط.
همست بصوت مكسور، مسموع:
— ياريت… كنا بندّي لبعض فرصة. ومش بنحكم قبل مانفهم
وسابت دموعها تنزل،
وهي باصة للسما،
كأنها بتسألها:
هو الفهم كان صعب أوي كده؟ 💔
وقف مالك تحت الشرفة.
ما رفعش صوته.
ما نداش اسمها.
كان واقف ساكت…
بس السكات ده كان أتقل من أي كلام.
رفع عينه ببطء.
وشافها.
واقفة هناك،
ضهرها للسما،
وشّها مرفوع لتحت الضي،
وحجابها بيتحرّك مع الهوا الخفيف.
شكلها تعبان…
أوي.
القلب وجعه.
وجع مفاجئ، مباشر،
كأن حد غرز سكينة ببطء.
فكّر…
وغصب عنه، بدأ يجلد نفسه.
لو ما كنتش خبيت…
لو كنت شرحت لها من الأول.
لو شاركتها اللي حصل بدل ما أقرر لوحدي أحميها بالصمت.
كانت ممكن تفهمه.
كانت ممكن تستوعب.
كانت ممكن تقف جنبه.
بس هو اختار يخبي.
اختار يشيل لوحده.
اختار الحب اللي بيكتم…
مش الحب اللي بيشارك.
ومن غير ما يقصد،
خسرها.
حتى لو كان كل ده من حبه فيها…
حتى لو كان فاكر إن السكوت أمان…
مش هيغفر لنفسه أبداً
إنه خبّى عليها.
إنه شال عنها الحقيقة بدل ما يشيل إيدها ويحكي.
إنه قرر عنها بدل ما يثق فيها.
لو كان شاركها كل حاجة…
مكانوش وصلوا لكده.
نفسه اتسحب تقيل.
صدره اتحبس.
عينه فضلت معلّقة عليها.
نظرة حب خالص…
حب هادي، موجوع،
من النوع اللي ما بيطالبش…
بس بيتمنى.
حب مليان اعتراف متأخر.
ووجع ناضج.
وشفاه اتحركت همس،
كأنه بيقول لنفسه،
أو بيقول لها من غير ما تسمعه:
«إنِّي أراها في الظَّلام منارتي
شمسٌ وبدرٌ لا سواها نجمتي» ♡
قالها وعينه عليها.
عين مليانة دفء،
امتنان،
وانكسار.
كأنها النور الوحيد
في عتمة اختياراته.
وكأنها،
رغم بعدها،
لسه وطنه.
فضل واقف…
ولا هو قادر يمشي،
ولا قادر يطلع.
بس عارف حاجة واحدة:
إنه لو خسرها،
هيخسر نفسه معاها.
في نفس اللحظه ....وجد إشعار رساله
-كل اللي حصل كان قدري انا أسفه
نظر إلي أعلى ...حيث موضعها تماماً وابتسم بلطف ليجيب
-انت قدري الأجمل 🌚🖤
في قصر العاصى🖤🌚
غرفة تميم كانت غرقانة في صمت تقيل.
نور الأباجورة خافت،
والهوا واقف كأنه مش قادر يتحرك.
تميم كان ممدّد على الفراش…
نص قاعد،
ضهره مسنود بالعافية على الوسادة،
قميصه مفتوح من فوق،
وآثار الضرب باينة بوضوح.
كدمة غامقة حوالين عينه.
شفته مورّمة ومشقوقة.
خده عليه خط دم ناشف.
وإيده ملفوفة بشاش،
بس الوجع الحقيقي ماكانش في جسمه.
كان في عينه.
عين شاردة،
تايهة،
مليانة وجع متأخر.
كان بيبص للسقف،
بس الحقيقة؟
كان بيبص جواه.
أنا عملت إيه؟
الجملة بتتردد في دماغه زي الطَرق.
لو ماكنش اتسرع في الحكم عليها…
لو ما حكمش عليها وعلى أبوها من غير ما يفهم.
لو إدّى نفسه فرصة يسمع الحقيقة كاملة،
مش جزء منها،
مش اللي وصله،
مش اللي صدّقه عشان كان أسهل.
كانت ممكن تحبه.
كان ممكن يبقى الأمان اللي هي بتجري عليه.
مش الخوف اللي بتتهرب منه.
قفل عينه بقوة.
أسنانه جزّت.
هو فاكر اللحظة كويس…
إزاي جت له مكسورة.
خايفة.
بتدور على حد تحتمي فيه.
وهو؟
هو اللي كان المفروض يبقى ضهرها…
كسرها أكتر من أي حد كانت هربانة منه.
ضحكة قصيرة، موجوعة، طلعت منه:
— غبي…
كان فاكر إنه قوي بالحكم.
إن السيطرة في الاتهام.
إن القسوة حماية.
لكن الحقيقة؟
الحقيقة إن التسرع أعمى.
وسوء الفهم بيخلّي الإنسان يشوف بعين واحدة…
ودايماً العين الغلط.
هو حمّلها ذنب مالهاش فيه.
شالها مسؤولية قرارات غيرها.
ودفعها تمن معركة ما كانتش معركتها.
قلبه وجعه.
مش علشان الضرب.
علشان الفقد.
علشان الخسارة اللي عملها بإيده.
فهم متأخر…
إن أسوأ حاجة ممكن يعملها الإنسان
إنه يحكم قبل ما يسمع،
ويقرر قبل ما يفهم،
ويصدّق غضبه أكتر من الحقيقة.
سوء الفهم مش بس بيخسّرنا اللي بنحبهم…
ده بيخسّرنا نفسنا الأول.
بيشوّهنا.
بيخلّينا نسخة قاسية من نفسنا
إحنا ما كناش عايزين نبقاها.
تميم لفّ وشه على الجنب،
عينيه لمعت…
ودمعة نزلت،
سكتة، تقيلة.
مش دمعة ألم جسدي.
دمعة وعي متأخر.
همس لنفسه، بصوت مكسور:
— لو كنت استنيت…
لو كنت سمعت…
ما كنتش خسرتك.
لكن الحقيقة كانت واضحة قدامه دلوقتي:
في حكايات،
التسرع بيكون الحكم…
والحكم بيكون النهاية.
— سوء الفهم… والحكم على الناس من غير ما نعرف الحقيقة… بيخسّرنا قبل ما يخسّر غيرنا…
عند محمود 🥹
غرفة والديه كانت ساكنة، كأن الزمن نفسه اتجمد فيها.
أمه نايمة على السرير، وجهها شاحب من التعب، تنفسها ثقيل ومتقطع، كأن كل لحظة نوم صعبة عليها.
أما صورة أبيه، قاعدة على الكمودينو، عينيه الثابتة كأنها بتراقبه، تذكّره بكل نصائحه، بكل لحظاته اللي ما عرفش يسمعها.
محمود جلس على حافة السرير، عينه ما بين أمه المتعبة وصورة أبيه اللي ما بقا منها إلا ذكرى، وكل لحظة من نظراتها بتخبط في قلبه وجعًا.
كان شارد، دموعه بتلمع، لكنه مش قادر يسيبها تنزل، كأن مجرد سقوطها هيكون اعتراف بألمه الحقيقي.
همس لنفسه، بالكاد يسمع صوته:
— لو كنت فهمت أبوي… لو سمعت كلامه… لو ما كنتش دخلت مع الصحاب دول… ماكنش حصل كل ده… ماكنش خسرت حياتي… ماكنش اتكسرت… ولا حصل لأختي كل اللي حصل…
رفع إيده حابسها على ركبته، كأنه عايز يمسح كل وجع من على وجه أمه، لكنه مش قادر.
استدار ليتأمل صورة أبيه وقال بصوت متقطع:
— ربنا أمرنا بطاعة الوالدين… وأنا… أنا خدت الطريق الغلط… ما سمعتش… ما فهمتش… كنت لازم أسمع… كنت لازم أسمع…
جسمه اتقوس تحت ثقل الندم، وبدأ يجلد نفسه بصوت منخفض:
— يا محمود… يا غبي… يا اللي خسرته كل حاجة… يا اللي ضيعت أختك وهدّيت حياتك…وحيات ناس كل ذنبها أنها حبتك ووثقت فيك
— كل ده بسببك… بسبب التسرع… بسبب إنك ما سمعتش نصايح اللي بيحبوك…
— كل اللي حصل كان ممكن ما يحصلش لو كنت طعت ربنا وطعت آوامره من الاول، ولو كنت برّيت أبويا…
جلس على الأرض قريب من السرير، رأسه بين ركبته، وابتدى يهمس لنفسه:
— الغلط اللي بنعمله واحنا مش فاهمين الأمور… بيتحول لعقاب على نفسنا…
— كل مرة تسرّعت فيها، كل مرة ما سمعتش، كل مرة ما مطعتش… بتخسر كل اللي حواليك… وبتخسر نفسك كمان…
نفسه اتقل، عيناه مليانة دموع أخيراً، وابتدى يبص لأمه، يحس بضعفها وتعبها، ويحس بغلّته على نفسه:
— لو فهمت ده بدري شويه
— كنت… كنت هحمي أختي… كنت هحمي أبويا… كنت هحمي نفسي…
الدموع كسرت حاجز الصمت، نزلت على خده، كل دمعة فيها وجع كل اللي ضاع بسبب غباءه، بسبب تسرعه، بسبب إنه ما وفاش لنفسه فرصة يفهم ويعمل الصح.
الغرفة كلها ساكنة… بس قلب محمود كان صاخب بكل الذنب واللوم والندم، وكل درس ضاع منه، وكل فرصة ضاعت منه…
همس أخيراً، بصوت كأنه بيحفر في قلبه:
— طاعة ربنا وطاعة الوالدين… حياة… لو ضيعتها… ضيعت نفسك… ضيعت كل اللي حواليك… وأنا ضيعت كل حاجة…
الشمس كانت بتنزّل بخفة على الجامعة، والهواء ناعم يحمل نسيم الربيع.
مكّة خرجت من المبنى…
مش الطالبة الصغيرة اللي عرفها مالك، مش الفتاة اللي اتكسّرت قبل سنين.
دي دكتورة الآن… واحدة رجعت من حرب صامتة، أقوى من أي شيء شافه أي حد قبل كده.
خمارها الأسود ملتف على شعرها بالكامل، ثابت، كأنه تاج على رأسها… يضيف لها هيبة، ويخلي كل عين تقع عليها تحس أنها مين… قوة مطلقة، حضور ما يتجاهلش.
فستانها الكحلي الطويل متماسك على جسدها، أنيق وبسيط، لكن كل حركة فيها توحي بالصلابة، بالثقة، بالعزيمة… الطلة كلها بتقول: أنا رجعت… وماحدش هيكسّرني تاني.
خطواتها كانت متسلسلة، ثابتة، كل خطوة بتنطق ثقة، كل خطوة كأنها بتجسد سنين الألم والتحدي اللي تحولت لقوة.
ابتسامة صغيرة على شفتيها كانت مليانة ذكريات، فرح، وحكمة… ابتسامة تقول: أنا عشت… أنا نجحت… وأنا بخير.
مكّة وقفت لحظة، بتسرح في الأفق، وابتسامتها اتسعت
ابتسامتها خافتة، لكنها مليئة بالذكريات… وكل شيء حولها عاد بها ست سنوات للوراء،
للمكان نفسه، نفس الرصيف… نفس زاوية المبنى…، عينها بتلمع بفرح صافي… والذكريات كلها عادت لها:
فلاش 🌚
كانت الشمس تتسلل بخفة على رصيف الجامعة، والهواء يحمل نسيمًا رقيقًا من بين الأشجار. خرجت وهي تحمل حقيبتها، شاخصةً في الكون بلا اهتمام سوى صمت طويل يملأ المكان.
لكنها توقفت فجأة… عندما هبطت أمام عينيها لوحة من المبنى، مرسوم عليها صورة لها وهي تقف على الشرفة.
لحظة أخرى، تنزل لوحة ثانية، صورة لها وهي جالسة.
وهكذا، هبطت لوحات كثيرة، مرسومة لكل تفاصيل حياتها، كأن الجامعة بأسرها تتحول إلى معرض حي لكل لحظة عاشت فيها.
ابتسمت وهي تضع يديها على فمها مصدومة.
وفجأة، تلمع السماء بطائرة تحمل لوحة كبيرة مكتوب عليها: "بحبك"… وفجأة ترتفع الألعاب النارية، أمام أعين كل من في الجامعة: طلاب، دكاترة، معيدين، وعمال.
لم تكاد تدرك ما يحدث، حتى ظهر على ساحة الجامعة مسرح، لتشهق بخضة عندما رأت مالك يرتدي بدلة سوداء زادته جمالًا وأناقة. كانت عيناه تحملان شرارة الحماس، وابتسامته تمزج بين الثقة والحب.
يمسك مايكروفونه ويبدأ بالغناء بصوت عالٍ، مشيرًا إليها بين الحين والآخر. الطلاب يلتفون حوله على المسرح، يصفقون ويصرخون بإعجاب.
أما مكة، فقد وضعت يديها على فمها من الصدمة، وعيونها لا تكاد تصدق ما تراه.
وهو يغني:
"شايف مين واقف هناك
أحلى واحدة في المكان
قلبي دق دقة اتنين تلاتة
والمكان قلب ألوان…"
مع كل كلمة، كان يشير إليها بيده، ويجسد الكلمات بأفعاله، فتزداد دقات قلبها وتختلط مشاعرها بين الدهشة والفرحة.
حالها الآن؟ 😂 كانت واقفة، عيونها تتسع من المفاجأة، شفاهها مبتسمة، ودموع فرح تكاد تترقرق، تكتم شهيقها وهي تتابع كل حركة وكل نظرة منه.
وفجأة، يخرج عمرو جابر من خلف ستار المسرح، ممسكًا بالمايك، والتعالي الأصوات والصيحات والتصفير يغمر المكان.
مالك يسلم عليه، ثم يهبط من المسرح بخطوات ثابتة نحوها.
وهي الآن؟ 😂 حالتها ممزوجة بين الرهبة والفرحة، تهتز من شدة المشاعر، عيونها لا تصدق ما يحدث، تبتسم وتضحك وتدمع في نفس الوقت.
اقترب منها، يقبل يديها، يحملها بروبزر وهو ينزل على ركبته، ويقدم لها الخاتم:
بغمزة يقول لها:
— تتجوزيني؟
تهز رأسها سريعًا بـ "أيوه"، وهي تضحك وتعيط من شدة الفرح.
وفجأة يظهر محمود وفاطمة، تزغرد وسط الجامعة، والتعالي الأصوات والصيحات تضاعف فرحتها.
مالك يلبسها الخاتم على كفها برقة ورومانسية، ثم يشدها ويصعد بها إلى المسرح.
يشير إليها مرة أخرى ويقول بصوت عالٍ:
— ياأحلى قرار أنا اخدته!
ثم يهمس لها في أذنها:
— كل اللي بيحصلي ده قدري…
تضحك وتشير على نفسها:
— أنا قدرك!
يغمز لها بمشاكسه:
— قدري الأجمل.
بااااااااااااااااااااااااك 🥹🖤
عاد قلبها إلى الواقع. نظرت إلى ساعتها، أدركت الوقت، وتحركت بخطوات ثابتة نحو السيارة الفاخرة التي كانت تنتظرها.
دخلت العربية، جلست خلف المقود، وأمسكت بالدركسون بثقة…
قبل أن تتحرك، رن تليفونها، رفعت السماعة بسرعة:
— ألو… تمام حاضر، خمس دقايق وهبقى قصاد حضرتك.
ابتسمت لنفسها، وعينها تلتمع بفخر وذكريات، والشمس تضيء طريقها… وكل شيء حولها يعكس القوة التي اكتسبتها خلال السنين.
في المساء 🖤🥹
، كانت مكّة تنزل الدرج بخطوات سريعة، وعيناها تتقدّان بالغضب، والهواء كله وكأنه يحمل معها حرارة هذه اللحظة. مالك كان جالس على الأريكة المخملية في الصالون الكبير للڤيلا، منشغل بورقة عمل، لكن عيونه لم تفارق الطفلين. الضوء الدافئ يتسلل من النوافذ الكبيرة، ينعكس على الجدران البيضاء المزينة بلوحات فنية حديثة، ويكشف عن السجاد المزخرف بعناية والأثاث الفاخر الذي يلمع كالحرير تحت أشعة الشمس.
على السجادة، كان هناك طفلان، يتأرجحان برقة على أطراف أصابعهما، رؤوسهما مطأطأة، عابسين وحزانى. التوأم كان عمرهما ست سنوات، والبراءة تملأ ملامحهما الصغيرة. الولد، رامي، نسخة صغيرة من مالك: نفس العيون الذكية، نفس الانحناءة البسيطة في الابتسامة، وصوت واثق يحمل جرأة الطفولة. والبنت، ليان، رقيقة كزهرة، عيونها واسعتان كالسماء، وملامحها تحمل الطيبة والبراءة نفسها.
مالك رفع رأسه ببطء، ونظر لهما بفضول:
— اممممم… مين فيكم مزعل ماما؟
رامي رفع رأسه بثقة، وقال:
— أنا يا بابا!
مكّة انفجرت بغضب:
— تقدر تقولي خاصمت أختك ليه؟!
رامي، بجرأة الطفولة:
— علشان كسرت السكيت بتاعي.
ليان بحزن خافت:
— والله ما كسرتش حاجه…
مكّة، بعينين مشتعلة بالغضب:
— أختك ما كسرتش السكيت! لو كنت سألتها كنت عرفت إن السكيت بتاعك كان مكسور من الأول، مش هي اللي خسرته! أنا اللي كسرته من غير قصد وأنا بحطه فوق الدولاب… شوفت إزاي ظلمت أختك؟
رامي، وجهه محمر من الندم، اقترب من ليان وضمّها بشدة:
— آسف يا ليان… وآسف يا مامي…
مكّة، بغضب يخف تدريجيًا، تقول بنبرة تحذيرية:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
مكّة، بغضب يخف تدريجيًا، تقول بنبرة تحذيرية:
— آخر مرة حد فيكم يزعل من غير ما يفهم…
رامي، وهو يحضن أخته زيبوس فوق دماغها:
— وعد… مش هعمل كده تاني يا مامي.
في تلك اللحظة، مالك، الذي ظلّ صامتًا طوال الوقت، رفع حاجبه بمزاح، وقال:
— طب وأنا كنت فاكر إن الأطفال دول نايمين عادي… وبعدين لقيتهم عاملين حرب عالمية على السكيت!
الضحك بدأ ينتشر: وفاجأه مالك ورفع ليان على كتفه في حركة كوميدية صغيرة، وصرخت مكّة:
— مالك! مش قادرين نركز معاك دقيقة واحدة؟
مالك ابتسم وهو يلمس وجه مكّة بلطف:
— خلاص يا حبيبتي… أنا بس بحاول أشوف مين اللي هيضحك أكتر، الأطفال ولا ماما؟
ليان ضحكت وهي تحاول تفلت من حضن مالك، ورامي حاول يقنعها:
— يا ليان… تعالى نضحك على حركات بابا، علشان نروح عند تيته فاطمه
ضحكت مكه عالياً علي أبنائهم في حين أنصدم مالك
—هتضحكولي مصلحه يعني
الڤيلا امتلأت بالضحكات والهمسات، مكّة تمسك بيد رامي، ومالك يرفع ليان على كتفه، والجميع يضحك ويتبادل نظرات مليئة بالحب. المشهد كله كان مزيجًا من الحب والمرح والدفء العائلي، لحظة تجعلك تقول بصوت مسموع: " هذه أسره تدرك ما تفعل جيدا 🥹🖤!"
في بيتٍ هادئٍ، يجلس محمود على أريكته المريحة، بعينين مليئتين بالطمأنينة، يسمع ابنه عثمان وهو يتلو القرآن بصوت واضح ورنان، كل حرف يخرج منه وكأنه يزرع في قلب محمود حب الله وطاعته. الصوت يملأ الغرفة بهدوء وعظمة، والطفل الصغير يبدو أكبر من سنه، حديثه اللبق ونظراته الذكية تحمل نضجًا روحيًا غير عادي.
مها، تحمل نونو الصغير على ذراعيها، وهي تدعوهما على الطعام:
— محمود! عثمان! يلا كلوا…
فردا الاثنان بصوتٍ واحدٍ عالي:
— النهارده الاثنين صيام!
ضحك محمود وضرب كف عثمان بكفّه، وكان في ضحكٍ خفيف يملأ المكان. عثمان، بعينين متقدتين وروح مرحة، أغمز لوالده وقال بمشاكسه:
— هقوم أصلي ركعتين لله عشان أدخل درجة جنّة أعلى منك يا والدي!
محمود رفع يديه شاكرًا الله، والدعاء في قلبه ينبض بالامتنان: "اللهم ثبت ابني، اجعله نورًا يهتدي به في الدنيا والآخرة…".
وبينما عثمان يتحرك للصاله ، يقابل فاطمة وهي جالسة تعمل بالكروشيه، تصنع جاكيت صغيرًا لبنت محمود الصغيره. يجري الطفل نحوها ويقبل كفها بحب:
— بجد… خليكي راضية عليا أنا وبابا ماشي!
فاطمة ضحكت، وضمته إلى صدرها بحنان:
— يشهد ربنا يابني إنّي راضية عليكم كلكم!
ثم يذهب عثمان ليقبل يد مها، قائلاً:
— تسلم إيدك يا ست الكل!
مها، وهي تضحك بمرح:
— يابكاش ده انت صائم… تسلم إيدك فين؟
محمود، وهو يحضنها من الخلف:
— تسلم إيدك من قبل ما ندوق يا عمري… كفاية الريحة!
عثمان، بابتسامة مشاغبة، بدأ يركض:
— يلا يا ولدي… اسبقني في صنع الخيرات!
ويهرول ليفرش المصلى، عينيه تتألق بالحب والبراءة ونور الإيمان، كل حركة منه تعكس روح الطفل الذي يكبر مع الله في قلبه، والبيت كله يملؤه الضحك، الحنان، والدفء العائلي الذي يجعل كل لحظة فيها ذكرى لا تُنسى.
في إحدى المستشفيات 🥹🖤
في مكتب هادئ داخل المستشفى، جلس دكتور تميم، عيناه تتأملان اليوم الخارج من النافذة، وابتسامة هادئة ترتسم على وجهه. كان الجو محمّلًا بالهدوء، لكنه مفعم بالحياة، كل شيء حوله يشهد على صرامته ومهنيته، وفي الوقت نفسه على لطفه الدائم.
تحرك بلطف، يخطو بخطوات محسوبة، كأن كل حركة منه دقيقة ومهمة. عند المدخل، تمسك بعض المارة الحديث معًا بلهفة وسعادة:
— الواحد بيستني اليوم ده من السنة بفارغ الصبر!
— آه والله… الله يبارك له، الدكتور تميم بيخلي الكشف والعمليات كلها على حسابه في اليوم ده!
— ربنا يفتح له أبواب الرزق من واسع…
— آمين!
ثم ظهرت ملوك، تمشي على استحياء، عيناها تتطلعان إليه بحذر، وابتسامة خجولة على وجهها، ونطقت بصوت رقيق:
— دكتور تميم…
تميم رفع رأسه ببطء، عيناه تلتقطانها بدقة، وهو مرتدي زي العمليات الأبيض، القبعة على رأسه، القفازات على يديه، النظارات تحمي عينيه، وكان يبدو محترفًا وجادًا، وفي الوقت نفسه… ساحرًا بشكل لا يوصف.
— أنا كده بنجّت الحالة… تقدر تشتغل،
هزّ تميم رأسه لها بلطف، وابتسم بطريقة تخطف القلب.
خرجت ملوك، ويديها على صدرها وهي تهمس لنفسها:
— ياربي على جماله… ساحرني والله…
فجأة، جاء صوت من خلفها بمزاح:
— اهدي يا ست شاديه عبد الحليم… مش بيتجوز، لو قلبتي قرده كده مش هيعبرك حتى!
تنفست ملوك ببطء، وكأنها تحاول تهدئة قلبها:
— هو ليه بيعمل كده بجد؟!
ضحكت الأخرى بخفة:
— سمعت طراطيش كلام كده… إنه عايش بحب واحدة… حب قديم يعني… مش قادر ينساه أو يتخطاه… وبيقولوا أن اليوم ده بيبقى عيد ميلادها!
ملوك فتحت فمها بدهشة، وعينها تتسع:
— يوم مكّه للغلابه ده… يوم عيد ميلادها…
هزّت الأخرى رأسها، مؤكدة:
— أيوه… بجد…
ملوك، وهي تشرد بعيدًا، همست بهمس، وكأنها تتحدث لنفسها:
— يا بختها… ياريت ألاقي حد يحبني كده بجد…
("حتى بعد كل هذه السنين، ظل قلبه مخلصًا لمكه… لم يقدر الزمان أن يمحوها، ولا نسيانها كان خيارًا يومًا.")
عند مكه 🥹🖤🌚
كانت مكّه ناسية تمامًا إن النهارده عيد ميلادها.
اليوم عدّي عادي… شغل، أولاد، تفاصيل صغيرة سرقت منها الإحساس بالوقت.
وفجأة…
رَنّ الموبايل.
— محمود: مكّه؟
— خير يا محمود؟
صوته كان متوتر على غير العادة:
— مها تعبانة أوي… ومش مطمّنة… لو تقدري تيجي بسرعة؟
القلب وقع منها.
إيدها ارتعشت، ونَفَسها اتخنق.
— أنا جاية حالًا.
قفلت المكالمة، وبدأت تلبس كأنها بتجري من النار.
تلبس وتخلع، دموعها نازلة، وصوتها مكسور:
— يا رب… يا رب استر…
مالك كان واقف، شايف كل ده، قلبه بيتعصر… هو عارف الخطة كلها، وعارف إن اللي بيحصل تمثيل، بس مش قادر يشوف خوفها ده.
قرب منها، مسك إيديها:
— مكّه اهدي… بالله عليكي اهدي.
— إزاي أهدي؟! مها عمرها ما كانت كده…
ضمها بهدوء، وهو مضطر يسكت، صوته واطي:
— أنا معاكي… طول ما أنا معاكي مفيش حاجة وحشة هتحصل.
ركبوا العربية…
رامي وليان في الكنبة اللي ورا، حاسين إن في حاجة غلط.
— بابا… ماما بتعيط ليه؟
مالك بابتسامة مطمّنة:
— مفيش حاجة يا حبيبي… كله هيبقى تمام.
وأول ما وصلوا بيت محمود…
الباب اتفتح.
وفجأة—
زينه… بالونات… أنوار…
وصوت واحد طالع من القلب:
— مفااااااجأة!!! عيد ميلاد سعيد يا مكّه!!!
مكّه وقفت مكانها.
الدموع نشفت.
العقل وقف.
مها جريت عليها وضمتها بقوة.
مكّه مصدومة… وبعدين ضربتها بخفة على كتفها وهي بتعيط:
— أُخِص عليكي! يومها قلبي كان هيقف!
مها ضحكت وحضنتها أقوى:
— بعد الشر عليكي يا عمّة العيال!
الضحك علي، والجو اتقلب فرح.
فاطمة تقرّب، تحضنها وتبوس راسها.
محمود، حمزة، إيمان، قاسم وياسمين ببطنها اللي باين عليها الحمل…
ياسين ومالك أولاد حمزة وإيمان…
عثمان ومكّه الصغيرة ولاد مها ومحمود…
الكل حواليها… بيهنّي، بيضحك، بيحب.
آخر واحد قرب كان مالك.
وقف قصادها… سحب من جيبه علبة صغيرة.
فتحها.
سلسلة رقيقة… مكتوب عليها:
«قدَري الأجمل»
مكّه شافت السلسلة… وضحكت ضحكة طالعة من القلب.
ومن غير وعي… رمت نفسها في حضنه.
مالك حضنها جامد.
تحت تصفيق وتصفير الكل.
مال عليها وهمس جنب ودنها:
— بموت فيكي.
وقبل ما تلف حوالين التورتة…
دخلت رهف، حضنتها بقوة:
— اتعلمت منك لما أحب حد ما أتأخرش إني أقوله…
وبصوت ثابت:
— ودي المرة المليون اللي أقولك فيها: يا أمي بحبك.
دموع مكّه نزلت… بس بابتسامة.
وبعدين دخل آسر.
شاب باين عليه الرزانة، هدومه بسيطة، نظراته ثابتة.
— وأنا اتعلمت منك إن مهما أقع… أقف تاني بالإصرار والعزيمة.
ابتسم:
— علمتيني كده وأنا طالب ثانوية… ولما بقيت طالب عندك في الجامعة… يا دكتورتي.
مالك قرّب وضربه على قفاه بخفة:
— دي دكتورتي أنا… واحدة واحدة كده!
الضحك علي.
مكّه كانت واقفة في النص…
سعيدة بصدق.
مليانة.
محاطة بحب عمره ما كان صدفة.
وفجأة…
حمزة رفع الموبايل:
— يلا الكل يقول…
وسحب النفس:
— بطيييييييييييخ!!!
الصورة اتاخدت…
واللحظة اتختمت.
نهاية…
على قدّ القلب. 🖤🥹🌚
وفي النهاية… الفهم ما بيغيّرش الحكايات، بس بيغيّر نهايتها.”
خلصت الحكاية،
بس الدرس لسه مكمّل:
ما تحكمش قبل ما تفهم،
وما تكسّرش قلب كان ممكن تحميه. 🖤
وفي الآخر…
الحكاية دي ما كانتش عن حب وبس،
كانت عن الفهم اللي اتأخر،
وعن أحكام خدناها بسرعة فكسّرت قلوب قبل ما تحميها.
كل شخصية هنا غلطت،
بس اللي كمل للنهاية عرف إن
الوجع مش دايمًا شر…
أحيانًا بيكون درس.
يمكن ما قدرناش نغيّر اللي فات،
بس قدرنا نفهمه.
وقدَرنا نختار نكون أحنّ،
وأوعى،
وأصدق مع نفسنا.
شكرًا لكل قلب قرأ، حسّ، زعل، فرح، وصبر معايا لآخر سطر.
دي مش نهاية حكاية…
دي بداية فهم جديد.
