رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل التاسع عشر 19 بقلم سعاد محمد سلامه
رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل التاسع عشر 19 هى رواية من كتابة سعاد محمد سلامة رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل التاسع عشر 19 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل التاسع عشر 19 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل التاسع عشر 19
رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل التاسع عشر 19
بالعودة قبل وقت سابق
بمرآب الشركة
صدفة سيئة... بعد أن
قامت كارلا بوقف سيارتها فى أحد الزوايا، ثم ترجلت منها ..بتلقائية رفعت رأسها نحو باب المرآب المؤدي الى داخل الشركة ، كانت ترسم على شفتيها ابتسامة...لكن سرعان ما اختفت... وعبست ملامحها حين رأت ميراچ تترجل هي الأخرى من سيارتها...باللحظة نفسها اشتعل الغضب داخل صدرها، واختلط بصدمة لم تستطع إخفاءها، إزدادت حقدًا حين رأت سليم يترجل من سيارته في اللحظة نفسها، وما إن لمح ميراچ حتى أضاء وجهه بابتسامة عريضة، وفتح ذراعيه لها في ترحاب أبوي خالص...
اقتربت منه ميراچ، وارتمت بين ذراعيه، فضمها إلى صدره بحنان، وطبع قبلة على رأسها، قبل أن يبتعد قليلًا ليتفحص وجهها وكأنه لا يزال عاجزًا عن تصديق أنها أمامه بالفعل... لبُعد مسافتها عنهم
لم تستطع سماع ما يقولانه، لكنها رأت ابتسامة سليم الحقيقية، ورأت كيف كانت ميراچ تنظر إلية بمودة افتقدتها طويلًا...
كان واضحًا أن وجودها هنا ليس مجرد زيارة عابرة...
ظلت تتوقف بعيدًا، تشعر بأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.... وهمست بغيظ:
رجعت إمتى دي ... ولية رجعت... وإزاي محدش قال لي.
تلفتت حولها بعصبية، وكأنها تنتظر أن يظهر شخص يخبرها بأن ما تراه مجرد سوء فهم، لكن المشهد أمامها كان حقيقيًا بكل تفاصيله...
سليم يعانق ميراچ وهي تبتسم له، ثم يسيران معًا باتجاه مدخل الشركة، بينما يضع ذراعه حول كتفيها في حركة أبوية حانية.. ظلت تراقبهما حتي إختفيا من أمامها... فتحت حقيبتها...
قبضت على هاتفها بقوة، ثم تابعت بخطوات متوترة نحو باب يؤدي الى حديقة جانبية بالشركة..توقفت لحظات تشعر بغضب شديد عودة ميراچ مرة أخرة... قد تبدل خطتها بالكامل...
فعودتها قد تعني أن أمورًا كثيرة قد تعود وتغير، وبالتأكيد وجودها مجددًا بالقرب من أديم... قد يهدد كل ما تحاول الوصول إليه...
توقفت بالحديقة تتنفس بغضب..
.ضغط على هاتفها بعصبية، وعيناها لا تزالان معلقتين بالأبواب الزجاجية التي اختفت خلفها ميراچ ووالدها... لم تستطع استيعاب المفاجأة، فكيف عادت ميراچ دون أن يصل إليها أي خبر...بحثت عن اسم فارس.. قامت بإتصال هاتفي له... لم تنتظر كثيرًا لرده عليها.. بمجرد ما إن أجاب حتى اندفعت تتحدث بلهفة وارتباك وبتسرُع:
فارس إنت فين.
جاءها صوته هادئًا على غير عادته يشوبه ببعض السخرية:
فى البنك،يعني هكون فين.. في إيه بتتصلي عليا دلوقتي.
ميراچ..
قالتها ثم صمتت لحظة، ثم أكملت بنبرة مشحونة بالدهشة:
ميراچ رجعت إسكندرية... أنا لسه شايفاها بعيني في الجراج،بتاع الشركة... كانت مع سليم، وداخلين مع بعض إنت تعرف حاجة عن الموضوع ده... رجعت إمتى.. وإزاي معرفش ومحدش قالي.
ساد الصمت للحظات على الطرف الآخر، قبل أن يأتيها صوت فارس باردًا، خاليًا من أي انفعال أو دهشة:
عارف إنها رجعت
عقدت حاجبيها، وتوقفت عن السير... وسألته بدهشه:
إيه كنت عارف إنها رجعت، وليه مقولتش ليا.
أجابها:
عرفت بس صدفه إمبارح إنها رجعت ... وكمان عرفت مفاجأة... إنها مش راجعة لوحدها.
شعرت بانقباض غريب في صدرها، وكأن نبرة فارس تخفي وراءها شيئًا أسوأ مما تتخيل... تسألت:
فارس، إنت بتتكلم بالألغاز ليه... تقصد إيه إنها مش راجعة لوحدها.
ضحك ضحكة قصيرة خالية من المرح، ثم أجابها ببرود زاد من توترها:
استعدي بقى، لأن اللي هقولهولك هيخليكِ تتمني إنك ما شفتيهاش النهارده
بحدة وغضت قالت:
فارس... ما تتكلم عدل وبلاش حوارات.
ضحك بغيظ قائلًا:
خدي المفاجأة ولا أقول الصدمة....
ميراچ خلفت من أديم ولد.
تجمدت كارلا في مكانها...
لثواني، لم تسمع سوى صوت غضب أنفاسها المتسارعة، بينما ظلت الكلمات تتردد في رأسها دون أن تستوعب معناها... وسألته بذهول:
إنت بتقول إيه... أنا سمعت غلط..
أجابها بتأكيد:
لاء... زي ما سمعتي بالظبط... ميراچ خلفت ولد من أديم، والولد ده اللي أكيد هيقلب موازين حاجات كتير.
بذهول قالت بنفي:
لا... مستحيل.
خرجت الكلمة منها مرتعشة، وهزت رأسها بعنف كأنها تحاول نفي الحقيقة قبل أن تتمكن منها:
لأ، لأ يا فارس، الكلام ده مش حقيقي... إنت بتكدب... لو ميراچ خلفت من أديم، كان زماننا عرفنا من قبل كده... وبعدين أديم نفسه... أديم كان هيخبي إزاي إن عنده ابن.
تهكم فارس بسخرية قائلًا:
هكدب فى أمر زي ده ليه... وعندك أديم اسأليه
بدأت تستوعب.. وقالت بسؤال:
إنت كنت عارف من إمتى إن ميراچ خلفت ولد.
تهكم بآسف قائلًا:
عرفت إمبارح صدفة... لا صدمة.
-طب ليه كان الأمر مخفي.. تفتكر عن قصد؟
هكذا سألت كارلا فأجابها فارس:
معرفش...
همست كارلا بغيظ:
يعني إيه متعرفش... كده ميراچ ممكن بسهولة ترجع تتحكم في حياة أديم من جديد.
تهكم فارس بإستهزاء قائلًا:
هي مش محتاجة تتحكم فيه يا كارلا... مجرد وجود ابنه قدامه كفاية يخليه يعمل أي حاجة عشانهم.
أغمضت عينيها للحظة، ثم سألته بصوت خافت:
وأديم شاف ابنه.
تأخر فارس في الإجابة، فازداد قلقها... حتى أكد لها:
أكيد طبعًا شافه يا كارلا.
شعرت بوخزة حادة في صدرها...
لم تجد ما تقوله... كانت تتخيل أديم وهو يحمل طفله، يتأمل وجهه الصغير، ويكتشف أن ميراچ تركت في حياته أثرًا لن يستطيع محوه أبدًا...
فى خضم ذلك تحدث فارس بتحذير:
اسمعي مني يا كارلا ، ابعدي عن ميراچ دلوقتي، وما تحاوليش تعملي أي حركة غبية... إنتِ مش عارفة هي رجعت وهي ناوية على إيه، ولا عارفة أديم ممكن يعمل إيه لو حس إن حد بيهددها هي أو ابنه...
أنا دلوقتي مشغول مع عميل مضطر أنهي الإتصال..
بلاش تتسرعي وتتصرفي بغباء.
أنهى المكالمة دون انتظار ردها...
أنزلت كارلا الهاتف عن أذنها ببطء، وظلت تحدق في شاشته، وقد تحولت الصدمة في عينيها إلى غضب مكتوم....
ميراچ لم تعد مجرد زوجة مؤقتة بسبب تنفيذ وصية ذلك العجوز الخرف..... لقد عادت ومعها ابن أديم، والآن أصبح لديها ما يكفي لتظل جزءًا من حياته إلى الأبد... دخلت عبر ذلك الباب الزجاجي.. ذهبت نحو المصعد
رفعت عينيها.. وضغطت على زر الصعود... لكن هذه المرة لم تكن تفكر في كيفية معرفة سبب عودة ميراچ...
كانت تفكر في شيء واحد فقط...
كيف ستتحمل أن ترى أديم يمنح امرأة أخرى، وابنًا منها، كل ما كانت تتمنى الحصول عليه لنفسها...
بعد لحظات
خرجت من المصعد في الطابق الموجود به مكتبها... بخطوات سريعة وملامح متوترة حاولت عبثًا إخفاءها. كانت كلمات فارس تتردد في رأسها، وكلما حاولت استيعاب الحقيقة، ازداد الغضب داخلها.
"ميراچ خلفت من أديم ولد".
طفل يحمل اسمه ودمه، وابن سيظل يربطه بها مهما حاول الابتعاد عنها...
لكن ما أشعل غيرتها أكثر أنها لم تكن تعرف إن كان أديم قد أخفى الأمر عن الجميع عمدًا، أم أن هي كانت آخر من يعلم بحقيقة ظلت تتشكل بعيدًا عن عينيها... دخلت الى مكتبها أغلقته بعنف، ثم
ألقت حقيبتها فوق الأريكة، وأخذت تتحرك في المكان بعصبية... تعرف أن مواجهة ميراچ الآن لن تفيدها، وأن عليها أولًا معرفة موقف أديم من عودة زوجته وطفله...
فتحت هاتفها، وكتبت رسالة إلى أديم، ثم محتها قبل أن ترسلها...
لم تكن تريد أن تبدو مهتمة أكثر من اللازم، ولا أن تمنحه فرصة ليفهم أنها تشعر بالضيق...
لكن.. بعد لحظات من التفكير، قررت الذهاب إلى مكتبه بنفسها...
ستنتظر، وتراقب، حتى تعرف ما الذي تخفيه هذه العودة....
فإذا كانت ميراچ قد رجعت لتستعيد حياتها، فإنها مستعدة لأن تجعل تلك الحياة أصعب مما تتخيل.
******ــــــــــــــــــــــــ
بمكتب سليم
مال سليم بجسده إلى الأمام، متأملًا ملامح ابنته التي اشتاق إليها طويلًا... ثم قال بحنو:
وحشتيني يا ميراچ.
تبسمت له برحابة قائلة:
أنت كمان وحشتني يا بابا، ووحشني كل حاجة هنا.
ربت على يدها، ثم سألها بجدية:
ويونس سبتِيه فين.
ضحكت قائلة:
مع ناناه لولا ولميس، متقلقش عليه، هما مش هيسيبوه لحظة.
هز سليم رأسه بتفهم، لكنه لم يستطع إخفاء ضحكته...بينما عاود السؤال:
خدتي قرار هتفضلي فى إسكندرية.
أومأت برأسها قائلة:
أيوه... هرتب أموري الأول.
صمت سليم لحظات، ثم سألها السؤال الذي كان يؤجل طرحه منذ عودتها من الخارج:
وأديم هتعملي إيه معاه.
تصلبت ملامحها، وانسحبت يدها بهدوء من بين يديه... قائلة:
مش عايزة أتكلم عنه دلوقت.
تأملها سليم طويلًا، ثم تنهد باستسلام... قائلًا:
_ براحتك يا حبيبتي، مش هضغط عليكِ... بس خلي بالك، أديم مش هيستسلم بسهولة، خصوصًا بعد ما عرف إن عنده ابن.
شردت ميراچ للحظات، وكأن مجرد سماع اسمه أعاد إليها مخاوف حاولت دفنها... قالت بهدوء:
دي مشكلته يا بابا... أنا مش هقدر أعيش طول عمري خايفة من رد فعله.
التفتت إليه، وابتسمت ابتسامة صغيرة تخفي وراءها وجعًا كبيرًا... ثم قالت:
عارف يا بابا، وده أكتر شيء مطمني. أنا بس مش عايزة حد ياخد قرارات عني، ولا حد يفتكر إن رجوعي معناه إني مستعدة أبدأ من جديد.
ربت على يدها يشعر بندم أنه يومّ جعلها توافق على تنفيذ الوصية، طمعّا فى الارث قائلًا:
محدش هيقدر يجبرك على حاجة، بس لازم تكوني مستعدة إن أديم يحاول يقرب منك.
انقبض قلبها عند سماع اسمه، لكنها تماسكت... قائلة:
يحاول براحته، أنا مش ههرب تاني، لكن ده مش معناه إني هفتح له الباب لمجرد إنه قرر يرجع لحياتي.
تنهد قائلًا:
محدش هيقدر يفرض عليكِ حاجة.
تبسمت له...
ضمها إلى صدره للحظات، إستكانت لحظات لكن قطع ذلك صوت رنين هاتفه...جذبه،نظرت ميراچ للهاتف غص قلبها للحظة ثم قالت:
من يوم ما رجعت كذا مرة إتصل عليا عمو نصر، هروح أشوفه فى مكتبه.
شعر بتبدل حالها حين رأت من تتصل عليه غص قلبه هو الآخر... وأومأ لها قائلًا:
قبل ما تمشي من الشركة إبقي أرجعي هنا تاني.
نهضت وخرجت من المكتب...
لكنها لم تنتبه إلى الرجل الذي خرج لتوه من مكتبه في نهاية الممر.
****ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل دقائق
قبل أديم يدخل الى مكتبه توقف قبل أن يفتح الباب حين لمح امرأة يعرف خطواتها قبل أن يرى وجهها...
تجمد مكانه...
لم يكن مُنتتظرًا لهذه اللحظة، رغم أنه ظل يتوقع مجيئها الى الشركة منذ عرف بعودتها... ها هي تمشي أمامه، بشعرها المنسدل على كتفيها وحقيبتها التي تتشبث بها بثقة، همس قلبه قبل لسانه بإسمها:
ميراچ.
توقفت خطواتها...
أغمضت عينيها لثانية، كأنها تجمع شجاعتها قبل أن تلتفت إليه... وحين فعلت، وجدته ينظر إليها بنظرة لم تستطع تفسيرها؛ خليط من الشوق والعتاب والغضب الذي يحاول السيطرة عليه...
اقترب منها خطوة... قائلًا:
جايه الشركة ليع.
تهكمت ورفعت ذقنها، وأجابته ببرود متعمد:
ده سؤال تسأله لنفسك، مش ليا.
تنهد بصبر قائلًا:
طب فهميني إنت هنا دلوقتي ليه.
نظرت إليه طويلًا، وكأنها تحاول أن تقرر إن كان يستحق سماع ما بداخلها أم لا، ثم قالت بصوت خافت لكنه حاسم:
والله أنا ليا تلت أسهم الشركة يعني وجودي هنا أمر طبيعي، حتى لو بضايق حضرتك.
لا ينكر أعجبه ردها... تبسم ومد يده أمسك معصمها قائلًا:
مش هينفع نتكلم فى الممر...
قاطعته بحدة وجذبت يدها بعيد عنه قائلة:
لما أكون مستعدة أتكلم، هتكلم... لحد الوقت ده، من فضلك، سيبني أعيش من غير ما تحاصرني بأسئلتك وقراراتك.
تركته وابتعدت...
دخلت المصعد قبل أن يتمكن من الرد، وأغلقت الأبواب بينهما...
ظل أديم واقفًا مكانه، يحدق في انعكاس صورته على الأبواب المعدنية، شاعراً بعجز لم يعتده... يستطيع أن يدير شركات، ويحسم أصعب الصفقات، ويفرض كلمته على رجال لا يتراجعون بسهولة، لكنه أصبح أمام ميراچ لم يعد يملك سوى الانتظار... لكن الى متى الصبر.. لابد من موقف حاسم.. أغمض عينيه ثم فتحهما على رنين هاتفه، تنهد مطولًا ثم قام بالرد على الهاتف... أنهي الاتصال ثم قام باتصال آخر، أنهاه بعد لحظات ثم توجه الى مكتب نصر.
❈-❈-❈
بعد دقائق بمكتب نصر...
جلس أديم أمامه قائلًا:
التقارير اللى وصلت لى بتظهر إن فى عيوب تصنيع جسيمة فى الباخرة دي وعشان كده الشركة المسؤولة عن تصنيعها باعتها بنص تمنها تقريبًا.. الباخرة دي عندي يقين إن مع أول رحلة لها هيكون فى أضرار وخساير متوقعه... والشركة اللي اشترت الباخرة شركة بترول، واضح إنهم إما ما راجعوش التقارير الفنية كويس قبل إتمام الصفقة، أو إن فيه أطراف جوه الشركة عندها مصلحة في إتمام عملية الشراء رغم العيوب اللي فيها.
رفع عينيه عن الملف، ونبرته ازدادت حزمًا وهو يكمل:
أنا مش بتكلم عن خسارة مالية عادية فقط ممكن الشركة اللى اشترتها تتحملها وتعدي، أنا بتكلم عن إن ممكن يحصل كارثة بحرية محتملة، ممكن تهدد حياة الطاقم، وتسبب تلوث بحري، وممكن توقف حركة الملاحة فى البحر لو حصل تسريب أو انفجار في أول رحلة تشغيلية للباخرة.
سكت للحظة، ثم أشار إلى أحد التقارير أمامه... قائلًا:
اللي يخليني أشك أكتر إن الشركة المصنعة باعتها بأقل من نص قيمتها الحقيقية... ومحدش بيتنازل عن باخرة بالحجم دي بالخسارة دي من غير سبب خطير، إلا لو كان عايز يتخلص من مشكلة على حساب المشتري...
تدخل نصر متسائلًا:
تقصد إن شركة البترول اشترت الباخرة وهي عارفة بعيوبها... طب هتستفاد إي.
رد بثبات:
لسه ما أقدرش أتهم حد من غير دليل قاطع، لكن اللي أقدر أقوله إن الصفقة دي فيها علامات استفهام كتير، ومش هسمح إننا نكون جزء من كارثة ممكن نتجنبها... المفروض يكون فى فحص فني مستقل وشامل للباخرة قبل ما تتحرك متر واحد داخل حدود المينا عندنا، وعايز أعرف مين اللي وقع على تقارير صلاحيتها، ومين اللي وافق على الصفقة، وإيه اللي اتقال في المفاوضات بعيد عن الأوراق الرسمية.
ثم أغلق الملف بحدة، وأضاف بنبرة لا تقبل النقاش:
ولو ثبت إن فيه حد تعمُد إخفاء العيوب دي، سواء من الشركة المصنعة أو الشركة المشترية، هكشف الحقيقة مهما كان اسم الشخص اللي ورا الصفقة... لأن في البحر، الغلطة مش دايمًا بتتصلح باعتذار أو شيك بمبلغ كبير... ساعات بتكون تمنها أرواح ناس مالهاش ذنب.
أومأ نصر قائلًا:
أعتقد دي معلومات بتبقي خاصة بين الشركات وصعب توضح... بس قرار منعك إن الباخرة دي تدخل المينا هو أفضل قرار متاح لينا.. مش عاوزين مشاكل ممكن نتجنبها بسهولة.
أومأ أديم بتوافق...
بنفس اللحظة سمع الإثتين طرق على باب المكتب، سمح نصر بالدخول...
طلت برأسها وتبسمت قائلة برقة مرحة:
عمو نصر.. فاضي ولا الباشا مشغول.
نهض من خلف مكتبه وفتح يديه لها قائلًا:
ولو مش فاضي... أفضالك مخصوص... إنت مامت حفيدي الأول.
ضحكت وأكملت فتح باب المكتب، لكن إختفت بسمتها حين تفاجئت بوجود أديم فى المكتب، تنحنحت قائلة:
فكرتك لوحدك..
قالت ذلك وفكرت فى الهروب قائلة:
واضح إن حضرتك مشغول هـ...
قاطعها نصر:
لا مش مشغول، تعالي.
دلفت نحو نصر... حايدت النظر نحو أديم الذي شعر بوخزات قويه فى قلبه، من تعمُد ميراچ تجنب وجوده...بعد مواجهتهم قبل أقل من ساعة ....زفر نفسه... حين عانق نصر يديها بين يديه يحدثها بتآلف .. يعلم مكانتها لديه كأنها إبنته... شعر بغيرة من ذلك، حتى من تقبلها الحديث مع والده... ليس ذلك فقط، بل زادت غِيرته حين دخل ريان الى المكتب، نظر نحوها قائلًا بمرح:
إيه ده "أم جالمبو" هنا فى الشركة.
ضحكت ونظرت له بغيظ مصطنع قائلة:
شايف يا عمو ريان هيوصم حفيدك ... من يوم ما ولدت كل ما يشوفني أو يكلمني عالموبايل يقولي يا أم جالمبو.
ضحك نصر قائلًا بمرح:
بس هو يجيب زيه.
ضحك ريان قائلًا:
لا... أنا ناوي أكبر العيلة وأجيب نص دستة أحفاد متنوعة.
ضحكت ميراچ.. دار حديث مرح بين ثلاثتهم... وأديم يقف مكانه، يتابعهم في صمت، وعيناه لا تفارقان ميراچ... وإندماجها معهم...
شعر بألم من المفروض أن ميراچ زوجته... وهو أقرب أحد لها،لكن ومع ذلك يشعر الآن أنها بعيدة عنه أكثر من أي وقت مضى...
تضايقه ضحكتها التي لم تعد تظهر حين يكون معها، ويؤلمه أكثر أنها تبدو مرتاحة تمامًا في وجود والده وريان، بينما وجوده هو يجعلها متحفزة وكأنها تنتظر منه أن يؤذيها أو يقترب من حدودها...
قال ريان وهو يضحك:
بس أنا عندي اقتراح... بما إن أم جالمبو جت الشركة، يبقى نحتفل بيها ونعمل حفلة عشان أول حفيد للعيلة.
ابتسمت ميراچ قائلة:
حفلة إيه يا ريان.. ده لسه بيبي صغير.
رد نصر بحماس:
لا يا بنتي، حفيدي الأول يستاهل حفلة كل يوم.
ضحكت ميراچ، فاشتدت نظرة أديم إليها...
تدخل أخيرًا قائلًا بنبرة تبدوا هادئة عكس حقيقتها:
وأنا رأيي إن مامته ترتاح شوية بدل ما تفضل واقفة تتكلم من ساعة ما دخلت... غير تنقلها بين المكاتب.
التفتت إليه ميراچ، وفهمت فورًا أن كلامه لم يكن عن راحتها... قالت بقصد:
أنا كويسة.
تفوه بتأكيد:
ما قولتش إنك مش كويسة.
بغضب منها قالت:
أمال قصدك إيه.
ثبت عينيه عليها لحظة، ثم قال:
بقول إنك مرهقة... ومش محتاجة تضغطي على نفسك.
شعر ريان ونصر بتوتر بينهما...
تدخل نصر مبتسمًا:
سيب مراتك براحتها يا أديم، دي عارفة مصلحتها أكتر منك.
ساد الصمت لثواني..
ابتسم ريان بمكر قائلًا بقصد::
أنا حاسس إن أديم باشا متضايق إن مراته مبسوطة معانا... واضح إن دي غِيرة.
رمقه أديم بنظرة حادة قائلًا بنبرة تحذيرية:
ريان...
ضحكت ميراچ رغمًا عنها، ثم قالت:
سيبه يا أديم، هو بيحب يستفزك... أكيد هو غلطان..
التفت إليها أديم فورًا...
كانت أول مرة منذ مدة تدافع فيها عنه أمام أحد، حتى لو كانت جملة عابرة...
ولسبب لم يفهمه، شعر بشيء دافئ يتحرك داخل صدره...
أما ميراچ، فحين أدركت ما قالته، أسرعت بإبعاد عينيها عنه... وقالت:
أنا آخر حد ممكن تغير عليه.
نظر لها أديم هي مُخطئة...هي الوحيدة التي يغار عليها...تفوه بصوت أكثر هدوءًا:
على فكرة... أنا مش متضايق.
ابتسم ريان قائلًا بمكر عن قصد يحاول استفزاز أديم ليعترف:
أمال إيه سبب إنك متعصب... والضيق اللى مرسوم على وشك ده إيه.
رد أديم دون أن يحيد عينيه عن ميراچ:
يمكن بس... مش متعود أشوف مراتي بتضحك بالشكل ده وأنا مش السبب.
اختفت ابتسامة ميراچ ببطء...
أما نصر وريان فتبادلا نظرة سريعة، بينما بقي أديم ينظر إليها، هو تعمد قول ذلك لإثبات ملكيته لها...
توترت ميراچ وأختارت الصمت بينما تبسم أديم يشعر بغبطة في قلبه...
لم تدوم حين تهربت قائلة:
أنا كنت جاية أسلم على عمو نصر... شايفة إنكم مشغولين، هسيبكم...
قاطعها ريان عن قصد:
أنا مش مشغول خديني معاكِ و..
كلمات ريان استفزت أديم الذي قال بحدة:
تاخدك فين، مش ناوي تبطل هزار... عندنا شغل ومشاكل محتاجة تتحل وإنت بتتعامل ببرود.
بقصد من ريان تفوه ببرود مرح:
بلاش تعمل عليا مدير، أنا ليا تلت الشركة وميراچ التلت التاني، يعني ممكن نعمل عليك تحالف... ونبقي قوى عُظمى... وممكن نشيلك من منصبك....
إقترب أديم منه بخطوات تبدوا بطيئة لكن بالنسبة لـ ريان هي سريعة حين وقف أمامه تلفحه أنفاس أديم الساخنة... بصعوبة أخفي بسمته وتحشرج بالكلام:
مش قصدي نشيلك من منصبك... قصدي يعني
نشيل عنك شوية... إنت فهمت إيه.
مازال أديم ينظر له بغيظ ليس من حديثه المرح بل من ميراچ التي تبتسم على سخافات ريان، بينما حين تنظر له تعبس ملامحها.
بينما تبسم ريان قائلًا:
إيه رأيك أعزمك على نسكافيه فى مكتبي.
أومأت بموافقه وهي تبتسم...نظر ريان نحو نصر قائلًا:
ده الملف اللى حضرتك طلبته فيه كل البيانات المطلوبة...أنا فى مكتبي لو إحتاجت أي توضيح.
أخفي نصر بسمته من إستفزاز ريان الواضح لـ أديم ... أومأ له بصمت... لكن بنظرة تحذيرية الا يستفز أديم أكثر، لم يبالى ريان وقال:
يلا بينا يا أم جالمبو.
ضحكت وهي تتوجه معه للخروج من باب المكتب... تاركين أديم يشتعل غضبً وغِيرة...
بعد أن تسلطت عيناه عليهما،لاحظ نصر ذلك..هو الآخر رغم وجود غصة فى قلبه من معاملة ميراچ الباردة لـ أديم،لكن هو يستحق،أكم من المرات حذره سابقًا وهو كان مُغيب القلب.
❈-❈-❈
بعد وقت قليل
عادت ميراچ الى مكتب سليم، تبسم لها قائلًا:
لسه موجودة فى الشركة، كنت لسه هتصل أشوفك فين.
تبسمت له قائلة:
بعد ما خرجت من مكتب عمو نصر روحت مع ريان مكتبه، والكلام أخدنا... أنا قولت أفوت عليك قبل ما أمشي، أنا كلمت عمو نصر، وقولت له إنك هتستمر هنا مكاني فى الشركة وهو هيقول لـ أديم، أنا مش بفهم فى الشغل هنا، هرجع لشغل الهندسة من تاني، بقالى فترة كنت بعيدة عنها.
ابتسم سليم بحنان قائلًا:
متوقع رد فعل أديم،أكيد هيعترض... بس أنا عارف إنك بتحبي شغل الترميمات طول عمرك.. كنتِ بتحاولي ترجعي له من فترة، وكل مرة كان بيظهر سبب يأخرك... يمكن اللي حصل يكون فرصتك إنك ترجعي للحاجة اللي بتحبيها، بعيد عن ضغط الشركة ومشاكلها.
انطفأت ابتسامة ميراچ تدريجيًا، وجلست على المقعد المقابل لمكتبه، وهي تقول بنبرة هادية تخفي وراها تعب كبير:
أنا تعبت يا بابا، تعبت من إني كل يوم أصحى ألاقي نفسي في معركة جديدة، وكل قرار أخده لازم أحسب ألف حساب لرد فعل أديم... أنا مش عايزة أعيش طول عمري في صراع معاه، ولا عايزة أفضل في مكان مش حاسة إني أنتمي له.
تفهم سليم قصدها، شعر بوخزات ألم قائلًا:
أقصد إن أديم مشكلته مش الشركة يا ميراچ، مشكلته إنك بقيتي بعيدة عنه، وإنه مش قادر يفهم إزاي واحدة المفروض إنها مراته، حتى لو جوازكم بدأ باتفاق، قدرت تعيش من غيره وتقرر تبعد عنه بالشكل ده.
ضحكت ضحكة قصيرة خالية من المرح، وهزت رأسها بيأس.. تحدثت بنبرة موجعه:
هو اللي اختار ده يا بابا، هو اللي خلاني أوصل للمرحلة دي... أنا حاولت معاه، استحملت شكه، واتهاماته، وطريقته في التعامل معايا كأني متهمة طول الوقت، مش ست اتجوزها على سنة الله ورسوله...حتى لو كان بوصية... ولما تعبت وقررت أحافظ على اللي باقي مني، بقى هو المظلوم وأنا القاسية.
مد سليم يده فوق المكتب، وكأنه يحاول أن يمسك بيدها رغم المسافة الفاصلة بينهما... وتفوه بتفاهم:
أنا مش بلومك يا حبيبتي، ولا بقول إنك غلطانة، بس عايزك تفكري كويس قبل ما تاخدي أي خطو.. ة. أديم ممكن يعترض على قرارك، وممكن يحاول يمنعك ترجعي لشغلك القديم، خصوصًا إنه مش بيحبه.
تفوهت باستبياع:
يعترض براحته، لكن مش من حقه يقرر أنا أشتغل إيه وأعيش إزاي... أنا وافقت أساعد في إدارة الشركة فترة، وعملت اللي أقدر عليه، لكن ده مش معناه إني هفضل فيها غصب عني... أنا مهندسة ترميمات يا بابا، ودي الحاجة الوحيدة اللي بحس فيها إني بعمل حاجة لنفسي، مش مجرد شخص بيحاول يرضي الناس حواليه.
ابتسم سليم بفخر، وقد أعجبه إصرارها رغم حزنه على ما وصلت إليه علاقتها بأديم... قائلًا:
خلاص يا حبيبتي، اعتبري الموضوع انتهى... أنا هبقي مكانك في الشركة لحد ما الأمور تستقر.
نهضت ميراچ من مقعدها، واقتربت منه، ثم انحنت تقبل رأسه... قائلة:
ربنا يخليك ليا يا بابا، أنا عارفة إني بتعبك معايا، بس والله ما كان نفسي الأمور توصل لكده.
احتضنها سليم للحظات، وربت على ظهرها بحنان... قائلًا:
إنتِ بنتي، وتعبك من تعبي، بس عندي طلب واحد منك.
ابتعدت قليلًا لتنظر إليه سائلة:
طلب إيه.
أجابها:
إنك بلاش تضغطي على نفسك.
تبسمت له...
ضمها سليم إلى صدره مرة أخرى، ولم يحاول إقناعها بشيء، فقد أدرك أن ابنته لم تكن بحاجة إلى نصائح إضافية بقدر احتياجها إلى شخص لا يطالبها بتبرير ألمها...
لكن قبل أن تبتعد عنه، رن هاتفها داخل حقيبتها.
أخرجته، وما إن رأت اسم المتصل حتى تبدلت ملامحها... همست:
أديم القصاص.
ظلت تحدق في الشاشة لثواني، بينما لاحظ سليم توترها، فسألها بهدوء:
أديم.
أومأت دون كلام، ثم ضغطت زر الإجابة، ورفعت الهاتف إلى أذنها:
أيوه يا أديم.
جاءها صوته هادئًا على نحو أثار ريبتها:
عرفت إنك قررتي تسيبي مكانك في الإدارة وترجعي لشغلك القديم.
اشتدت أصابعها حول الهاتف... وقالت:
واضح إن الأخبار بتوصلك بسرعة.
أكد لها:
أنا المسؤول عن الشركة يا ميراچ، طبيعي أعرف أي تغيير بيحصل فيها.
تفوهت بهدوء:
تمام، يبقى عرفت، ومش محتاجة أشرح أكتر من كده.
إعترض قائلًا:
- لأ، محتاجة تشرحي لى ، لأن فيه فرق بين إنك تكوني مش حابة شغلك هنا، وبين إنك تاخدي قرار زي ده من غير ما نتكلم.
ضحكت بمرارة قائلة
نتكلم فى إيه يا أديم..من إمتي كنت بتديني فرصة أتكلم من غير ما تحكم عليا قبل ما أخلص كلامي.
فهم قصدها عن سوء ظنه السابق بها.. إبتلع ذاك...
تغيرت نبرته قليلًا، لكنه حافظ على هدوئه...
عقدت ميراچ حاجبيها، فقد كانت تتوقع اعتراضًا حادًا أو محاولة لإجبارها على التراجع، لا هذا الهدوء المفاجئ... وهو يقول:
تمام. ابعتيلي اسم المكان اللي هتشتغلي فيه.
تصلبت ملامحها فورًا... وقالت:
وإنت محتاج تعرف هشتغل فين ليه، شيء ميخصكش.
حاول أن يتمسك بالهدوء..
صمت لحظة، ثم أجابها بصوت خفيض:
عشان أعرف المكان اللي هتكوني فيه، مش أكتر.
أجابته:
أنا مش محتاجة حد يراقبني يا أديم، ومش هقبل إنك تدخل في تفاصيل حياتي بالطريقة دي.
تنهد بصبر قائلًا:
أنا ما قولتش إني هراقبك... ميراچ أنا أتغيرت.
تهكمت بعدم تصديق قائلة:
لما أصدق إنك اتغيرت، هبطل أحكم عليك من اللي فات... إنما دلوقتي، لو سمحت، خلينا في حدود شغلنا وبس.
أنهت المكالمة قبل أن يرد، ثم أغلقت الهاتف ووضعته في حقيبتها...
راقبها سليم بصمت، قبل أن يسألها:
واضح إن قرارك وصل لـ أديم... وإيه رد فعله.
أجابته وهي تحاول استعادة هدوئها:
رد فعله ولا حاجة، ... أنا قولت لعمو نصر وأكيد هو بلغه... وأكيد بيحاول يثبت إنه اتغير.
سألها سليم:
وإنتِ مصدقاه.
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بصدق موجع:
المشكلة يا بابا إني لسه بخاف أصدقه... لأن جزء مني لسه نفسه يصدق إنه ممكن يكون الراجل اللي حبيته في الأول، والجزء التاني فاكر كويس هو عمل فيا إيه لما صدقته.
لم يجد سليم ما يقوله، بينما حملت ميراچ حقيبتها واستعدت للمغادرة، دون أن تعرف أن أديم، في مكتبه بالطابق العلوي، كان ينظر إلى هاتفه بعد انتهاء المكالمة، مدركًا أن الهدوء الذي اختاره لن يكون كافيًا لاستعادة ثقتها...
لقد خسر حقه في أن تصدق كلماته بسهولة، وإذا أراد استعادتها، فلن تنفعه الوعود وحدها.
كان عليه أن يثبت لها، للمرة الأولى، أنه قادر على اختراق قرارها...وهذا ما عليه البدء فيه دون تأجيل أو تأخير.
❈-❈-❈
بالعودة للوقت الحاضر
بعدما غادرت ميراچ مكتب سليم توجهت الى المرآب... لكن أثناء سيرها... إعترض عامل تنظيف السيارات طريقها.. إعتذر منها لعدم إنتباهه لها.. أومأت له، لكن هو قام برش رذاذ،
إدعى أنه بالخطأ... رغم ضيقها لكن إبتعدت دون حديث... أخرجت محرمة من حقيبتها وجففت ذلك الرذاذ عن وجهها ذهبت نحو مكان سيارتها، لكن فجأة شعرت بزغلله فى عينيها يصحبها دوخه بدأت تتملك منها.. وقفت تستند على سيارتها... لكن إهتزت يديها وكاد يختل توازنها... وكادت تسقُط، لولا أن تلقاها أديم بين يديه... همست بإسمه قبل أن تففد الوعي:
أديم...
تبسم وهو يتلقاها بين ذراعيه قائلًا:
حبيبتي..
ربما لم تسمع كلمته، وغابت عن الوعي... سارع العامل نحو سيارة أديم وفتح له باب السيارة... وضعها أديم على المقعد المجاور له، ثم أغلق الباب وتوجه نحو المقود... يعلم الى أين يذهب بها... أثناء الطريق
بين الحين والآخر كان ينظر نحوها كانت غافية...
بعد قليل وصل الي أمام منزل الشاطئ نظر نحوها كانت غافية... تركها بالسيارة... ثم ترجل منها ذهب نحو باب المنزل فتح الباب، ثم عاد للسيارة حمل ميراچ... ثم عاد يدخل المنزل توجه بها الى غرفة النوم وضعها فوق الفراش... وقف للحظات يُفكر فى إفاقتها لكن تراجع.. وتمدد الى جوارها فوق الفراش جذبها يضمها إلى صدره، وقام بتقبيل شفتيها قُبله ناعمة، ثم إستسلم وغفي هو الآخر جوارها دون أن يشعر بذلك.
❈-❈-❈
مساءً بالنادي
جحظت عينا نورهان حين أخبرتها درية:
ميراچ رجعت.. ومعاها ولد... ابن أديم.
تفوهت نورهان بتلعثم، تحاول استيعاب المفاجأة:
ولد... ابن أديم!.
أومأت درية قائلة:
أنا كنت زيك كده مستغربة، بس دي الحقيقة.
نفضت نورهان عنها دهشتها، وبدأت تبث الشك في الأمر بنبرة ساخرة:
يعني هي سافرت فجأة من غير ما تقول لحد، واختفت كل المدة دي، وبعدين ترجع مرة واحدة ومعاها طفل وتقول إنه ابن أديم.. مش شايفة إن الموضوع غريب شوية.
عقدت درية حاجبيها، ونظرت إليها باستغراب قائلة بتبرير:
غريب ليه.. ما يمكن كانت حامل وقت ما سافرت، أو عرفت بحملها بعد ما بعدت عن أديم... إنتِ إيه اللي مخليكِ مستبعدة الموضوع بالشكل ده.
هزت نورهان رأسها وهي تحرك يدها وقالت باستخفاف:
أنا مش مستبعدة حاجة، بس مش معنى إنها جابت طفل تقول إنه ابنه وخلاص... وبعدين، إيه اللي يضمن إن الطفل ده فعلًا ابن أديم..مش يمكن تكون بتخطط ترجع لحياته بالطريقة دي، خصوصًا إنها متأكدة إن أديم مستحيل يقبل وجود طفل منه بعيد عنه.
ضيقت درية عينيها، ولم يعجبها تشكيك نورهان في ميراچ من غير دليل قالت بدفاع:
وإنتِ فاكرة أديم ممكن يصدق الكلام ده من غير ما يتأكد.. ده أديم القصاص يا نورهان، مش أي حد ممكن يضحك عليه... وبعدين، هو قالى إنه شاف الولد بنفسه وإنه ابنه.
تغيرت ملامح نورهان للحظة، لكنها سرعان ما أخفت ارتباكها خلف ابتسامة ساخرة قائلة بتشكيك:
شافه بنفسه.. وإيه يعني.. الشبه مش دليل قاطع، وفيه تحليل يقدر يحسم الموضوع كله بدل ما كل واحد يفضل يقول رأيه.
تنهدت درية، ثم تناولت فنجان القهوة من أمامها...
تفوهت نورهان:
أنا بس مستغربة، لأن ميراچ طول عمرها بتعرف إزاي تكسب تعاطف اللي حواليها. مش مستبعدة إنها تكون رجعت علشان تستغل وجود الطفل وتفرض نفسها على أديم من جديد.
حدقت درية فيها قليلًا، ثم سألتها بنبرة تحمل شيئًا من الشك:
هو إنتِ ليه مصممة تطلعي ميراچ بالشكل الوحش ده... على حد علمي، أديم هو اللي شك فيها وظلمها، وهي اللي مشيت من حياته بعد ما وصلت لمرحلة إنها مبقتش قادرة تستحمل.
انقبض فك نورهان، وشعرت بالضيق من دفاع درية عن ميراچ، لكنها تماسكت وقالت:
وإنتِ عرفتي منين إنها مظلومة.. يمكن إحنا كلنا منعرفش الحقيقة كاملة، ويمكن هي كمان مخبية حاجات كتير..
صمتت نورهان لحظة، ثم أشاحت بوجهها بعيدًا، تراقب حركة الأعضاء في النادي، قبل أن تعود بنظرها إلى درية بتبرير تحاول زعزعة ثقة درية:
أنا مش بتهمها، أنا بقول إن الموضوع محتاج نفهمه... واحدة تختفي بالشهور، محدش يعرف عنها حاجة، وبعدين تظهر فجأة ومعاها ابن أديم... أكيد فيه تفاصيل ناقصة.
أومأت درية بتفكير قائلة:
دي حاجة أنا متفقة معاكِ فيها، فعلًا فيه تفاصيل محدش يعرفها، لكن ده مش معناه إننا نفترض الأسوأ... يمكن ميراچ عندها أسبابها، ويمكن اللي حصل بينها وبين أديم أكبر بكتير من اللي إحنا فاهمينه.
ابتسمت نورهان ابتسامة باهتة، ثم قالت:
عمومًا، الأيام هتثبت مين فينا كان صح.
أومأت درية برأسها...لكن قبل أن تزداد نورهان فى تشكيكها...إبتلعت ريقها الذي جف حين رفعت رأسها ورأت ذلك الذي يقترب من مكانها...حتى توقف أمامها مباشرةً خلع نظارته الشمسية وتبسم بغبطة قائلًا:
كنت متوقع أقابلك فى النادي النهاردة.
توترت وتعلثمت قائلة:
وجدي...
قالت ذلك ثم نظرت نحو درية وقالت بتبرير:
وجدي البسيوني...عضو هنا فى النادي،إتعرفت عليه من فترة.
بينما نظرت نحو وجدي وقالت:
مدام درية..أعز واقرب صديقاتي،وتبقي زوجة "نصر القصاص".
نظر نصر نحو درية وأومأ برأسه بترحيب هادئ مازالت عيناه على نورهان... التي قالت:
النادي دلوقتي بيبقي زحمة.
أومأ وجدي قائلًا:
فعلًا...أنا كنت جاي أشرب قهوة.
فكرت نورهان لحظات ثم قالت:
ممكن تقعد معانا.
تضايقت درية من ذلك، لكن صمتت كنوع من الذوق، جلس وجدي، كانت نورهان هي من تتحدث معه ودرية، شبة صامته... بعد دقائق نهضت نورهان وتحججت قائلة:
كنت طالبة من مدرب الچيم فى النادي يعملى كورس رياضي،وهو بيبقي موجود فى الوقت ده،هروح له مش هغيب.
رفعت درية رأسها إليها وقالت:
تمام هاجي معاكِ.
التقطت نورهان حقيبتها، وأجابتها وهي تحاول إخفاء توترها:
لا خليكِ مش هغيب خمس دقايق وراجعة.
لم تنتظر بعد ذلك
تحركت مبتعدة عن الطاولة، شعرت درية بالاستياء، حاول وجدي جذب حديثها، لكنها لم تستطيع البقاء معه ونهضت تعتذر منه وغادرت... لمعت عين وجدي ببسمة ماكرة، بينما نورهان حين ابتعدت توقفت تلتقط نفسها، لكن عادت تنظر نحو درية، وارتسمت بسمه ماكرة وهي تنظر نحوهما... أخرجت هاتفها والتقطت صورة لكن سرعان ما زفرت نفسها بغضب، فهنالك زحام بالمكان والصورة غير واضحة
❈-❈-❈
بالڤيلا
بغرفة ريان
جلست كنزي على طرف الفراش.. وقد بدأت ملامح القلق تتبدل تدريجيًا إلى ترقب ممزوج بأمل خفي... فمنذ عدة أيام وهي تعاني من مغص متكرر، ومع تأخر عادتها الشهرية عن موعدها المعتاد، بدأت تراودها فكرة الحمل، أمنية تتمنى أن تتحقق...
وضعت كفها فوق بطنها، وراحت تتأملها للحظات، قبل أن ترتسم ابتسامة رقيقة على شفتيها... وهي تقول بتمني:
يا رب يصدق إحساسي المرة دي وأكون حامل.
خرجت الكلمات من بين شفتيها في همس خافت، بينما لمعت عيناها بمشاعر يصعب عليها إخفاؤها حتى عن نفسها... لطالما تخيلت اللحظة التي تخبر فيها ريان بأنه سيصبح أبًا، وكيف ستتبدل ملامحه حين يستوعب أن هناك طفلًا صغيرًا سيجمع بينهما، يحمل شيئًا منها وشيئًا منه...
لكنها، رغم كونها طبيبة، لم تسمح لأمنياتها بأن تتحول إلى يقين؛ فالمرات السابقة أثبتت أن الأعراض وحدها لا تكفي لتأكيد الحمل، إذن عليها أن تجري اختبارًا جديد لتعرف الحقيقة...
نهضت عن الفراش... والتقطت هاتفها لتراجع موعد آخر دورة شهرية، ثم أعادت الحساب مرة أخرى، وكأنها تبحث عن دليل إضافي يمنحها الأمل... همست:
المرة دي أنا متأخرة فعلًا... والمغص ده مش زي كل مرة. يا رب ما يكونش مجرد تأخير وخلاص.
وضعت الهاتف في حقيبتها، ثم ارتدت ملابسها واستعدت للخروج... وقبل أن تغادر، توقفت أمام المرآة، وابتسمت لنفسها بخجل، وهي تتخيل ريان يحمل طفله بين ذراعيه... تبسمت بأمل قائلة:
يا ترى هتبقى عامل إزاي يا ريان وإنت شايل ابنك.. أكيد هتفضل باصص له بالساعات، ومش هتسيبه لحد يشيله.
ضحكت بخفوت، ثم هزت رأسها وكأنها تعاتب نفسها على استباق الأحداث... وقالت:
استني بس لما تتأكدي الأول، وبعدها ابقى احلمي براحتك.
غادرت الغرفة متجهة إلى الصيدلية، وقلبها يخفق بالأمل. لم تكن تريد مجرد إجابة تطمئن بها فضولها؛ كانت تتمنى أن تعود إلى ريان وهي تحمل له أجمل خبر يمكن أن يسمعه، خبرًا سيمنحهما بداية جديدة، ويضيف إلى حبهما رابطًا لا يشبه أي شيء آخر...
وفي داخلها، كانت هناك أمنية واحدة ترددها بإلحاح..
أن تعود ومعها دليل صغير يخبرها بأن طفلًا منهما بدأ رحلته إلى الحياة.
❈-❈-❈
بمنزل الشاطئ
شعر أديم باهتزازات خفيفة عند صدره، ففتح عينيه بتثاقل، ليتطلع إلى ميراچ التي ما زالت غافية فوق صدره، مستسلمة لنوم عميق، شعر وكانه وجد بقربها منه السلام الذي يفتقده، منذ سفرها...
ابتسم دون إرادة منه، وأحاطها بذراعيه، يضمها إليه أكثر، مستمتعًا بتلك اللحظة التي لم يكن يتمنى أن تنتهي... لكن استمرار اهتزاز الهاتف أجبره على فك حصار ذراعيه حولها بصعوبة، وكأنه ينتزع من نفسه...
أخرج الهاتف من جيب بنطاله، وألقى نظرة على الشاشة، ثم عاد ببصره إليها، يتأمل ملامحها الهادئة قبل أن يرفع رأسها برفق عن صدره، ويضعها فوق الفراش بحذر حتى لا يوقظها.
نهض من جوارها، واتجه نحو النافذة، ثم فتح أحد ضلفتيها، فاندفعت نسمة بحرية منعشة إلى الغرفة، تحمل رائحة البحر وجزء من برودة أمواجه... تحرك طرف قميصه المفتوح قليلًا مع الهواء، بينما وقف يتحدث في الهاتف، وقد تبدلت ملامحه الهادئة إلى أخرى جادة بمجرد أن بدأ يستمع إلى محدثه.
أيوه، أنا سامعك... إيه اللي حصل.
صمت لثواني، يستمع باهتمام، ثم عقد حاجبيه وهو يرد بنبرة حاسمة:
لا، محدش ياخد أي قرار قبل ما أراجع التقارير بنفسي... ابعت لي كل التفاصيل على الإيميل، وأنا هتصرف.
ظل منشغلًا بالمكالمة، غير منتبه إلى أن النسمة التي تسللت من النافذة عبرت الغرفة، حتى اصطدمت بوجه ميراچ الغافية...
تحركت ميراچ بانزعاج خفيف، وانكمشت ملامحها للحظة، ثم أدارت وجهها إلى الجانب الآخر محاولة الهروب من الهواء الشبة بارد... لكنها سرعان ما فتحت عينيها ببطء، وراحت تتطلع حولها بنعاس..
رفعت رأسها عن الوسادة، تتفحص الغرفة بعينين مثقلتين بالنوم، حتى وقعت عيناها عليه واقفًا عند النافذة، يتحدث في الهاتف، وظهره العريض يحجب جزءًا من الضوء إلى الغرفة.
ظلت تنظر إليه بصمت، تستعيد تدريجيًا.. تفاصيل ما حدث ... تحركت بانزعاج،
في البداية، حتى استوعبت أين هي..
ظلت تحدق في السقف لثواني تحاول استعادة وعيها ونفض بقايا النوم، ثم تحركت قليلًا، ..
تسارعت أنفاسها، وراحت تتفحص ملابسها في ارتباك، قبل أن تعود بعينيها إلى المكان من حولها، وكأنها تحاول تجميع شتات ذاكرتها المفقودة...
استدارت برأسها ناحية الصوت، فرأته واقفًا عند النافذة، يتحدث بهاتفه بكل هدوء، وكأن وجودهما هنا أمر طبيعي لا يستدعي أي تفسير...
حدقت فيه بصدمة، ثم عادت تنظر إلى الفراش، وإلى الغطاء الذي يحيط بها، قبل أن تعود إليه مرة أخرى، وقد بدأ الضيق يتسلل إلى ملامحها..وعقلها يسأل....
كيف وصلت إلى هنا
آخر ما تتذكره أنها كانت بالمرآب...
توقفت أفكارها تحاول أن تتذكر، لكن لم تستيطع...
تفوهت بحدة غاضبة:
إزاي جيت لهنا.
بمجرد أن سمع صوتها أنهي الإتصال وإلتفت نحوها... التقت عيناه بعينيها، اختفت ملامح الانشغال عن وجهه، وحل محلها شيء من الارتياح لرؤيتها مستيقظة... وقال ببسمة دافئة:
أخيرًا صحيتي.
بينما هي انتفضت عندما إقترب خطوة في اتجاهها، ورفعت يدها أمامه بحركة عفوية تمنعه من الاقتراب... قائلة:
أنا جيت هنا إزاي.
أكمل سير نحوها وهو ينظر إلى يدها المرفوعة، ثم إلى وجهها الذي ازدادت ملامحه غضبً وقال:.
اهدي يا ميراچ.
بغضب منها قالت :
بقولك أنا جيت هنا إزاي...أنا مش فاكرة حاجة.
أخذ أديم نفسًا هادئًا، وأجابها وهو يقترب منها:
ميراچ إهدي.. أنا مستحيل أئذيكي.
تهكمت بوجع:
مشوفتش منك غير الأذية يا أديم.. الوجه الجديد اللي بترسمه مش لايق عليك.
شعر بوجع لديها حق فيما قالت، لكن كان هنالك سوء ظن منه...
إقترب أكثر حتى أصبح أمام الفراش مباشرة... ينظر لها، شعرت بغضب من صمته، إعتدلت على الفراش حتى إستقامت رفعت يديها، وقامت بصفع صدره قائلة بغضب:
قولتلك خلاص جوازنا إنتهي... جايبني هنا ليه عشان تطلب إيه المرة دي، أتنازلك عن الأسهم بتاعتي، أنا موافقة يا أديم... أتنازلك عنها قصاد الطلاق.
«يتبع»
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
