رواية قسمتي ونصيبك الفصل الاول 1 بقلم نور محمد
رواية قسمتي ونصيبك الفصل الاول 1 هى رواية من كتابة نور محمد رواية قسمتي ونصيبك الفصل الاول 1 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية قسمتي ونصيبك الفصل الاول 1 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية قسمتي ونصيبك الفصل الاول 1
رواية قسمتي ونصيبك الفصل الاول 1
"ارميه في وشه يا ماما! أنا مش هتدفن بالحيا في شقة مع واحدة مشلولة أغيرلها وأأكلها بالمعلقة! أنا سماح.. اللي الكل بيتحاكى بجمالي، اتجوز عشان أطلع من الكوافير على خدمة واحدة عاجزة؟! الجوازة دي مش هتم لو انطبقت السما على الأرض!"
الكلمات نزلت زي المية المغلية في صالة الشقة اللي كانت مقلوبة ومربوكة. صوت الزغاريد اللي طالع من الشارع تحت كان بيخترق الشبابيك، وصوت "الدي جي" بيهز الحيطان بأغاني الفرح، والمعازيم بيتجمعوا قدام العمارة مستنيين زفة العروسة.
"أخرسي.. أخرسي قطيعة تقطع لسانك يا فاجرة!"
الست هدى، الأم، لطمت على صدرها بإيديها الاتنين، عيونها كانت مبرقة برعب حقيقي ووشها اصفرّ زي الميتين. مسكت دراع بنتها سماح وهزتها بغل وهي بتشاور على الباب المقفول:
"وطي صوتك الناس هتسمع برة! معتز تحت، وصل أمه وداخل يكتب الكتاب! أنتي اتجننتي في عقلك؟! ده دافع دم قلبه في جهازك.. مأجرك قاعة من أحسن القاعات، وكاتبلك مؤخر مكنتيش تحلمي بيه! وجاية بعد ما لبستي الفستان والماكياج تقولي مش عايزة عشان أمه؟!"
سماح رفعت إيدها وهي بتخلع الطرحة البيضا بعنف من على شعرها، رمتها على الأرض وداس عليها كعب جزمتها بقرف:
"أيوة مش عايزة! كان مخبي عليا إن أمه مش هتفضل في دار المسنين اللي وعدني بيها! لسه عارفة حالا إنها راجعة تعيش معاه في الشقة عشان تعبانة ومحتاجة رعاية.. أنا مش خدامة يا ماما، وأنا متجوزتوش عشان أبقى ممرضة! والشبكة أهي.. خليه يشبع بيها!"
فتحت الشنطة ورزعت علبة الدهب على الترابيزة، وفي لحظة كانت بتفك سحاب الفستان وبتبص لأمها بتحدي وقسوة قلب مفيهاش ذرة رحمة:
"أنا مكلمة طارق ابن خالتي.. مستنيني بعربيته ورا الشارع، وهسافر معاه إسكندرية عند خالتي لحد ما العاصفة دي تعدي. وأنتي ورقتينك دول بليهم واشربي ميتهم!"
"سماح! أبوس رجلك يا بنتي متهديش بيتنا!"
صرخت هدى وهي بتترمي على ركبتها قدام بنتها، ماسكة في ديل الفستان ودموعها بتنزل سيول:
"لو الفرح ده باظ أنا هروح في داهية.. أنتي فاكرة الفشخرة دي كلها منين؟! تلاجتك اللي بتمانين ألف، وغسالتك وأوضة نومك المستوردة.. أنا ماضية لمعتز ولتجار الأجهزة وصولات أمانة بنص مليون جنيه! معتز مسلفني الفلوس دي بضمان وصولات عشان أجهزك زي ما طلبتي ومحسسكيش بقلة.. لو عرف إنك هربتي وكسرتي قلبه قدام أهله وناسه، هيوديني السجن بكره الصبح! هتحبسي أمك يا سماح؟!"
سماح بصت لأمها ببرود يرعب، وسحبت الفستان من بين إيديها بمنتهى القسوة:
"أنتي اللي ماضيتي مش أنا.. أنتي اللي كان همك تتفشخري قدام جيرانك وتقولي بنتي اتجوزت أحسن جوازة. شيلي شيلتك بقى يا ماما، أنا مش هضحي بشبابي عشان خاطر غلطاتك!"
وفي ثواني، كانت سماح لابسة عباية سودا وطرحة عادية، خدت شنطتها وجريت من باب المطبخ اللي بيفتح على السلم الخلفي للعمارة، وسابت الباب بيترزع وراها بصوت عمل صدى مفزع جوة البيت.
الأم وقعت على الأرض، حاطة إيدها على قلبها وبتشهق شهقات مقطوعة، نفسها بيروح وعينيها بتتقلب لفوق من هول الصدمة والضغط اللي علي فجأة.
من أوضة النوم الصغيرة، كانت واقفة "شهد".
شهد، البنت التانية، اللي عندها تلاتة وعشرين سنة.. البنت اللي خلصت كليتها بصمت، واشتغلت في حضانة بمرتب ملاليم عشان تصرف على علاج أمها وتسند البيت. ملامحها هادية وبريئة، عيونها واسعة وعسلي مليانة طيبة وحزن دفين، شعرها البني ملموم ببساطة، ولابسة فستان بيج بسيط جداً كانت مجهزاه لفرح أختها.
شهد كانت سامعة كل كلمة من ورا الباب، وشايفة كل تفصيلة في الانهيار ده.
جريت على أمها بلهفة ورعب، نزلت على الأرض وسندت راسها في حضنها:
"ماما! ردي عليا يا ماما.. استهدي بالله، متعمليش في نفسك كده!"
"هتسجن يا شهد.. هتسجن يا بنتي وتفضح في الحارة!"
هدى كانت بتخبط على رجلها بهستيريا، صوتها بقى مبحوح وطالع بالعافية:
"الفضيحة يا ناس.. المعازيم في الشارع تحت، المأذون زمانه طالع على السلم، ومعتز اللي كل الناس بتحلف بأخلاقه وكرمه.. أقوله إيه؟! أقوله بنتي هربت عشان مش عايزة تخدم أمك العاجزة؟! هيمسح بكرامتنا الأرض، وهيجرجرني في المحاكم بكره الصبح.. يا ريتني مت قبل ما أشوف اليوم ده!"
الباب الخارجي للشقة خبط خبطات تقيلة ورزينة.
الخبطة دي خلت قلب شهد يقف، وهدى جسمها اتنفض كله كأن سلك كهربا لمسها.
"يا أم العروسة! يا ست هدى .. افتحوا، العريس وصل ومعاه المأذون والشهود!"
صوت عماد، خال معتز، كان طالع من برة مليان فرحة وصخب.
الأم بصت لشهد بنظرة مجنونة.. نظرة مخلوطة بالرعب واليأس والذل. مسكت إيدين شهد بقوة لدرجة إن ضوافرها غرزت في جلدها، وقالت بصوت واطي ومبحوح كأنه فحيح:
"شهد.. أنتي بنتي البارة.. أنتي اللي عمرك ما كسرتيلي كلمة. أنقذيني يا بنتي! أنقذي أمك من كلبش البوليس وفضيحة الحارة!"
شهد بلعت ريقها برعب، قلبها دق بعنف:
"أنقذك إزاي يا ماما؟! أعمل إيه؟!"
هدى شاورت بصباع بيترعش على الفستان الأبيض المرمي على الأرض، والطرحة المتبهدلة:
"ألبسي الفستان ده.. اطلعي واكتبي الكتاب مكانها!"
شهد اتراجعت لورا كأن أمها ضربتها بقلم على وشها، عيونها وسعت بذهول وصدمة شلت لسانها:
"أنتي بتقولي إيه يا ماما؟! اتجوز معتز؟! معتز خطيب أختي؟! معتز اللي بيحب سماح ومستنيها هي؟! أنتي عايزاني أبيع نفسي عشان غلطة بنتك الأنانية؟!"
"مش عشانها.. عشان رقبتي اللي تحت السكينة!" صرخت هدى بدموع حرقت خدها:
"معتز راجل سيد الرجالة، بيشتغل مهندس ومقاول وعنده شركته، راجل محترم وهيصونك.. لكن لو خرج من الباب ده مكسور قدام أهله وناسه، مش هيرحم حد فينا! هيدوس علينا بجزمته! هيقولوا علينا نصابين، شحاتين كلوا فلوس الراجل وهربوا العروسه! أرضى بإيه؟ ترضى أتسجن وأنا عندي السكر والضغط والقلب؟! عايزة تشوفي أمك بتتجرجر على القسم قدام الجيران؟!"
الخبط على الباب زاد، وصوت معتز نفسه ظهر برة.. صوت رجولي، عميق، وهادي بثقة:
"يا خالتي هدى.. افتحي، أمي تعبت من الوقفة على السلم وعايزين ندخلها تقعد ترتاح."
اسم "أمه" كان زي الصاعقة.
شهد افتكرت "الست صفية"، أم معتز.. ست طيبة، غلبانة، جالها جلطة من سنتين قعدتها على كرسي متحرك، كانت دايماً لما تشوف شهد في الشارع تبتسم لها وتطبطب على كتفها بحنية وتدعيلها. الست دي اتهانت الليلة دي واتباعت برخيص عشان واحدة تافهة مش همها غير المظاهر والفسح.
بصت شهد لأمها اللي كانت بتبوس إيديها في مشهد يقطع القلب، وبصت للفستان الأبيض.
حست بحبل بيلف حوالين رقبتها هي.. مش رقبة سماح. سماح طارت بحريتها وراحت تعيش حياتها، وشهد هي اللي مطلوب منها تدفع التمن، تمن أنانية أختها وهوس أمها بالمظاهر الكدابة والديون اللي ورطوا نفسهم فيها عشان "الناس متقولش علينا أقل من غيرنا".
غمضت شهد عينيها، ونزلت دمعة سخنة كوت خدها، وفتحت عينيها بجمود غريب، وقالت بصوت هادي وميت:
"هلبس الفستان يا أمي.. بس افتكري كويس.. أنتي الليلة دي قتلتيني بإيدك."
خلال عشر دقايق بس، كانت المعجزة المؤلمة حصلت.
شهد لبست الفستان اللي كان واسع شوية على وسطها الرفيع، حطت الطرحة التقيلة على وشها عشان تداري ملامحها ومسحت دموعها. أمها كانت بتسندها بإيدين بترتعش، وفتحت باب الشقة.
الصالة كانت مليانة ناس.. خال معتز، وعمه، والمأذون قاعد على الترابيزة ومجهز الدفاتر، وفي ركن الصالة كانت قاعدة "الست صفية" على كرسيها المتحرك، لابسة توب حرير أخضر جميل، وشها منور بابتسامة رضا وفرحة لابنها الوحيد وسندها في الدنيا.
ومعتز..
كان واقف في نص الصالة، لابس بدلة كحلي غامقة أنيقة جداً، طوله وهيبته وملامحه الحادة كانت بتفرض احترامها على أي حد. عيونه كانت فيها لمعة رجولة وطيبة، باصص للباب بابتسامة راجل فرحان إنه بيبني بيته وبيوفي بوعده.
أول ما شاف العروسة طالعة متغطية بالطرحة، ابتسم وقرب خطوتين، وباس راس أمه الأول وقال بصوت واطي:
"دعواتك يا أمي.. الليلة دي فرحتك أنتي قبل ما تكون فرحتي."
الست صفية دمعت من الفرحة:
"ربنا يسعدك يا حبيب قلبي، ويجعلها ليلة بيضا ويسخرلك الصالحة اللي تتقي الله فيك."
لكن الست هدى، أم شهد، كانت واقفة ورا العروسة بترتعش، وقربت من المأذون وصوتها بيطلع بالعافية:
"يا شيخنا.. اكتب الكتاب.. بس.. بس في حاجة لازم تعرفوها."
معتز استغرب من نبرة صوتها، التفت ورفع حاجبه، وبص للمأذون اللي بص في البطايق اللي قدامه وقال باستغراب:
"البطاقة اللي معايا دي باسم (شهد عبد الرحمن).. فين بطاقة سماح؟"
الصمت نزل على الصالة زي الصاعقة.
المعازيم بطلوا همس، خال معتز بصلهم بذهول، ومعتز ملامحه كلها اتغيرت في ثانية واحدة.. الابتسامة اختفت تماماً، وعينيه اسودّت وبقت زي الجمر المشتعل.
قرب معتز خطوة من الست هدى، صوته اللي كان هادي من شوية بقى حاد زي شفرة:
"بطاقة مين دي يا خالتي؟! وبطاقة سماح فين؟! وفين سماح أصلاً؟!"
هدى وقعت على ركبتها قدام معتز قدام أهله كلهم، وبدأت تعيط بنحيب يفضح المستور:
"سماح مشيت يا معتز.. سماح طايشة ومعندهاش عقل وسابت البيت وهربت.. بس والله شهد أهي! شهد ست البنات وأعقل منها وأطيب منها، شهد هي اللي هتصونك وتصون أمك وتشيلكم فوق راسها!"
"إييييه؟!"
خال معتز وقف وزعق:
"هربت؟! أنتوا بتستعبطونا؟! عيلتكم جاية تفرط في شرفها وتضحك على ابن أختي ليلة دخلته؟! ده الفرح تحت والناس مالية الشارع!"
الست صفية، على كرسيها، حطت إيدها على صدرها وبدأت تكح وتنهج، الصدمة كانت أكبر من قدرتها على الاحتمال، والدموع نزلت من عينيها بكسرة وذل:
"هربت ليه يا ابني؟! هربت عشان مش عايزاني؟! عشان عرفت إني جاية أعيش معاكم؟!"
معتز مقالش ولا كلمة في الأول.
كان باصص لأمه اللي بتنكسر قدامه، وكرامة عيلته اللي بتتداس في الأرض في ليلة كان المفروض تكون ليلة عمره. حس بدمه بيفور في عروقه، وفكه اتشنج بغضب أعمى.
التفت للبنت اللي واقفة قدامه بالفستان الأبيض.. البنت اللي متغطية بالطرحة وساكتة.
مد إيده وبحركة عنيفة وسريعة، شد الطرحة من على وشها ورماها على الأرض.
وش شهد بان للنور.
عيونها كانت محبوسة فيها الدموع، لكنها مكنتش باصة في الأرض بإنكسار.. كانت باصة في عينيه مباشرة. ملامحها البريئة كانت بتترعش، بس فيها عزة نفس وصمود غريب خلى معتز يتسمر مكانه للحظة.
"أنتي بقى البديل؟"
صوت معتز كان هادي جداً.. هدوء مرعب، هدوء ما قبل العاصفة المدمرة:
"أنتي البيعة التانية اللي أمك بترميهالي عشان تسدوا بيها وصولات الأمانة وتداروا على وساخة أختك وفضيحتكم؟ فاكرين الجواز ده سوق خضار؟ البضاعة باظت فنبدلها بواحدة تانية؟!"
شهد حست بالطعنة دخلت في قلبها، الإهانة كانت بتكوي كرامتها، لكنها افتكرت أمها اللي هتروح السجن، وافتكرت الست العاجزة اللي بتعيط ورا ضهره.
بلعت غصتها وردت بصوت نقي، ثابت، هز أركان الصالة:
"أنا مش بديل، ومش بضاعة يا معتز بيه. أنا لا طلبت شبكة، ولا طلبت قاعة، ولا طلبت مليم من اللي أختي طمعت فيه. أنا واقفت ألبس الفستان ده عشان أستر أمي المريضة من السجن، وعشان الست الطيبة دي-"
شاورت شهد بإيدها على أمه صفية:
"-عشان الست اللي ربيتك دي متكسرش قلبها في ليلة زي دي، والناس تقول ابنها اتفركش فرحه عشان أمه عاجزة! لو عايز ترفض وتمشي وتفضحنا وتحبس أمي، حقك وشرعك وقانونك في جيبك، ومحدش هيلومك.. بس متغلطش في كرامتي، لأن كرامتي أغلى من كل فلوسك اللي أنتوا بتتحاموا فيها!"
الكلمات نزلت على الصالة زي القنابل.
خال معتز كان مبرق ومش مصدق الجرأة والأدب اللي ممزوجين مع بعض في كلامها.
والست صفية بكت بصوت عالي، ومدت إيدها المرتعشة ناحية شهد وقالت:
"تعالي يا بنتي.. تعالي في حضني يا ضنايا.. أنتي أشرف وأطهر من مية واحدة تانية."
معتز كان باصص لشهد بنظرة تانية خالص.. نظرة راجل شاف قدامه جبل كبرياء مكنش عامله حساب. هو كان متوقع يشوف بنت منكسرة بتشحت الرحمة، لقى قدامه واحدة بتواجه الإهانة براس مرفوعة وتضحية حقيقية.
لكن كبرياء معتز المجروح وغضبه من الخيانة مكانش هينتهي بالبساطة دي.
بص لأمه، وبص لأمها اللي بتموت على الأرض، وبص للمأذون.
قعد على الكرسي قدام المأذون، ورزع كف إيده على الترابيزة بصوت رن في الشقة:
"اكتب يا شيخنا.. اكتب على (شهد عبد الرحمن)."
المأذون بدأ يكتب، وشهد قعدت جنبه، ماضية على عقد بيع روحها بإيديها.
الأم زغردت زغروتة مخنوقة كلها خوف، والمعازيم اللي برة في الشارع مكنوش فاهمين حاجة، الزفة اشتغلت على إن العروسة هي اللي في الفستان وخلاص، والسر اتقفل عليه بين حيطان الشقة.
بعد نص ساعة، وتحت أصوات الأغاني والأنوار، كانت شهد قاعدة في الكرسي اللي ورا في عربية معتز الفخمة، جنب حماتها الست صفية اللي كانت ماسكة إيدها طول الطريق وبتبوسها وتدعيلها.
ومعتز كان سايق العربية في صمت رهيب.. عيونه كانت باصة للطريق من ورا مراية، كل ما تيجي عينه في عين شهد في المراية، شهد تحس ببرودة تلج وبنار بتولع في نفس الوقت.
وصلوا لعمارة راقية في حي هادي، بعيد تماماً عن دوشة الحارة الشعبية اللي شهد عاشت فيها طول عمرها.
طلعوا للشقة.. شقة واسعة، عفشها فخم ومودرن، كل حاجة فيها بتنطق بالذوق والراحة، لكن بالنسبة لشهد كانت سجن من دهب.
معتز دخل أمه أوضتها بنفسه، ساعدها ترتاح على سريرها، وباس إيدها وراسها، وقفل عليها الباب بنص ضلفة عشان متقلقش.
رجع للصالة.. شهد كانت واقفة في نص الريسبشن، بالفستان الأبيض اللي ديله مفرود على السيراميك، خايفة حتى تقعد على الكنبة لتوسخها، ماسكة إيديها في بعض وعيونها مثبتة على الأرض.
معتز قلع جاكت البدلة ورماه على الكرسي، فك الكرافتة وفتح أول زرارين من قميصه، وقرب منها بخطوات بطيئة وحاسمة لحد ما وقف على بعد شبر واحد منها.
"اقلعي الطرحة دي.. وبصيلي في عيني." أمره كان قاطع وصارم.
شهد رفعت عينيها وبصتله بتحدي متداري ورا الحزن:
"أنا بصالك أهو.. عايز تقول إيه؟ عايز تفهمني القواعد اللي هعيش بيها هنا؟"
معتز ابتسم نص ابتسامة باردة جداً، وطلع من جيب بنطلونه ورقة متطبقة، وحطها بين صوابعها بقسوة:
"أنا مبحبش اللف والدوران.. الجوازة دي اتكتبت عشان سببين: أول سبب عشان دموع أمي وكسرة قلبها، وتاني سبب عشان الفضيحة متطولش اسمي في السوق ومع معارفي. غير كده.. أنتي هنا مش مراتي."
شهد حست بغصة وقفت في حلقها، لكنها حافظت على جمودها:
"وأنا مطلبتش أكون مراتك."
"كويس إننا متفقين.. الورقة اللي في إيدك دي تنازل عن كل حقوقك الشرعية ومؤخرك، وبكرة الصبح هتمضي على شيكات مكان وصولات الأمانة.. أنتي هنا عشان تقومي بطلبات أمي ورعايتها وبس. وجودك زي عدمه في حياتي الشخصية.. وأول ما أختك ترجع وتدفع تمن اللي عملته، الجوازة دي هتنتهي بهدوء ومن غير شوشرة."
شهد بصت للورقة، ورفعت راسها وقالت بصوت واطي:
"موافقة.. كل شروطك مقبولة، لأن اللي بيضحي بروحه عشان أمه، مبيستناش أجر من مخلوق.. أجرى عند ربنا، والست صفية في عينيا الاتنين من غير شروطك دي أصلاً."
معتز بصلها بتركيز، كأن كلامها فاجئه أو لمس فيه وتر مكنش متخيله، لكنه اتراجع خطوة لورا وقال ببرود:
"أوضتك هي الأوضة الصغيرة اللي جنب أوضة أمي.. اتفضلي غيري هدومك، وحسابنا الحقيقي هيبدأ من بكرة."
شهد لفت ضهرها ودخلت الأوضة، قفلت الباب وسندت عليه.. الفستان كان تقيل وخانقها، دموعها نزلت أخيرًا من غير صوت، دموع قهر ووجع من أم ضحت بيها، وأخت سرقت فرحتها، وراجل بيعاملها كأنها جارية اشتراها بفلوسه.
غيرت الفستان ولبست بيجامة قطنية بسيطة وغسلت وشها، وخرجت بشويش عشان تطمن على الست صفية قبل ما تنام.
فتحت باب أوضة الست صفية براحة، لقتها نايمة بهدوء وملامحها مرتاحة بعد التعب. شهد غطتها كويس، وطفت النور وسابت الأباجورة هادية، ورجعت للصالة عشان تجيب كوباية مية من المطبخ.
وهي معدية جنب باب الشقة الرئيسي، سمعت صوت حركة غريبة برة على السلم..
صوت نفس عالي ومكتوم، وخربشة أو حركة إيد بتتحسس الباب من برة.
شهد اتجمدت مكانها.. الساعة كانت تلاتة الفجر.
قربت من الباب على طراطيف صوابعها، وبصت من العين السحرية.
الدم نشف في عروق شهد، ورجليها مالت تحتها من الصدمة، وحطت إيدها على بوقها عشان متصرخش!
برة قدام الباب.. كانت واقفة "سماح"!
هدومها متبهدلة ومتقطعة، طرحتها ملوحة، وشها مليان كدمات ودم نازل من شفايفها، وبتسند على الحيطة بالعافية وهي بتعيط بهستيريا وبتخبط على الباب بصوابع بترتعش!
وقبل ما شهد تستوعب الكارثة اللي قدامها، باب أوضة معتز اتفتح وراه، وطلع منها وهو لابس بنطلونه وماسك تليفونه في إيده، وبصلها باستغراب:
"شهد؟ أنتي واقفة بتعملي إيه عندك كده في نص الليل؟"
يتبع.... الكاتبه نور محمد
