رواية صابرين والشيخ جاسم الفصل الثاني 2 بقلم امل نصر
رواية صابرين والشيخ جاسم الفصل الثاني 2 هى رواية من كتابة امل نصر رواية صابرين والشيخ جاسم الفصل الثاني 2 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية صابرين والشيخ جاسم الفصل الثاني 2 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية صابرين والشيخ جاسم الفصل الثاني 2
رواية صابرين والشيخ جاسم الفصل الثاني 2
يقولون إن لكل إنسانٍ نصيباً من اسمه، وهي قد غدت صابرةً حتى صار الصبر لديها عادةً واعتياداً؛ فلم تتطلع يوماً إلى رزق غيرها، ولا خالط قلبها حقدٌ على ما في أيدي سواها. لقد تُبُرمِج عقلها على الكدّ والعمل الدؤوب منذ أن تفتّح وعيها على هذه الدنيا.
حتى أضحى العمل هو سلواها وملاذها؛ وعلى عكس ما يقع في البيوت من شكايات الأمهات بسب تقصير البنات في المساعدة، كانت أمها وإخوتها يشتكون من فرط حركتها ودأبها، ووسواس النظافة الذي يدفعها إلى إعادة ترتيب البيت وتنظيفه من أوله إلى آخره مراتٍ عدة في اليوم الواحد.
في تلك الأثناء، كانت قد انتهت من تنظيف المطبخ وجلي القدور والأواني، على الرغم من الإرهاق الشديد الذي ألمّ بها جراء العزومة المقامة في بيت عمها، وإكرام الضيف الغريب بطعامٍ يرفع الرأس بفضل طيب نَفَسِها وحسن طهيها.
وما إن أبصرت أخاها راجعاً من العزومة، حتى خفّت لتُهيّء له مجلسه إلى جوار والدتهما، التي كانت متكئةً على الجدار تتابع مسلسلاً قديماً على شاشة التلفاز. تربع منتصر على الحصيرة واضعاً وسادة قطنية تحته، بينما كان الفضول ينهك صابرين؛ إذ تتوق لمعرفة من اختار هذا العريس الغريب من بنات عمومتها!
تحدث منتصر بإعجابٍ شديد:
ـ يا سلام يا أمي.. الراجل أدب وأخلاق! قعد معانا يجي ساعتين مفيش كلمة طالعة منه غير بحساب، ده غير حالته المادية حسب ما سمعت من إخوات عزازي، أصلهم كانوا شغالين مع أخوهم لما كان مشاركه!
عقّبت إحسان باستحسان:
ـ ما شاء الله.. ربنا يبارك لهم ويبارك للي هيناسبهم! يا ترى معرفتش ولا حد جاب سيرة هو حط عينه ولا سأل على مين من بنات أعمامك؟
حرك منتصر رأسه بعدم معرفة وقال:
ـ محدش جاب سيرة.. على العموم كله هيبان ومفيش حاجة بتستخبى بالذات النسب! صحيح يا صابرين.. لو أقولك على العمايل اللي عملها وهو بياكل! كان بيقول شعر بجد في الأكل، وهما طبعاً يترسموا ويشوفوا نفسهم! يا أما كان نفسي أكسفهم كلهم وأقول ده نفس أختي اللي لا يعلى عليه يا كلاب!
ضحكت صابرين مع أمهما، وهي تخفي في جوفها غصةً وحسرة على المجهول الذي يبذل الجهد ويعاني، بينما يذهب الشكر والثناء لغيره.
.................
على الجانب الآخر، كانت هذه الليلة الأولى للشيخ "جاسم" في مقر "المَضيَفة" التي أصر صديقه وشريكه السابق "عزازي" على أن يقيم فيها.
كانت الزيارة مُعدّاً لها أن تكون قصيرة بصحبة أخيه الأصغر "حمد"، ليتعرّفا على بلاد الصعيد وعوائدها الطيبة، ويقضيا وقتاً ممتعاً قبل العودة إلى فندقهما في مركز المحافظة. غير أن إصرار عزازي أجبره على البقاء... والحق يُقال، كان ثمة سببٌ آخر شاغلٌ لباله؛ ربما تلك "الجنيّة" التي لمحها عند طرف النهر؛ بشعرها المنساب، ووجنتيها البرونزيتين المليحتين، ورعشة الخوف التي تملكتها لحظة اكتشاف وجوده.
والصورة التي التقطها هاتفه دون قصد، ورغم عدم وضوحها، إلا أنه لم يكفّ عن التأمل فيها والتساؤل بحيرة عن هويتها.
طرقٌ مفاجئ على باب الغرفة جعله يضع الهاتف جانباً، ويمضي ليفتح الباب لـ "عزازي"، الذي دخل حاملاً صينية حافلة بأطباق الحلويات والفاكهة.
تذمر جاسم بحرج وبلهجته السعودية:
ـ وش هالكرم يا ابن الحلال؟! هو حنا بنقضي اليوم كله أكل؟!
ضحك عزازي وهو يتخطاه ليدخل ويضع الصينية على الطاولة:
ـ وهي الفاكهة والحلويات بقت أكل؟! دي نقنقة! تعال بس دوق طبق أم علي، ولا خد حتة رواني.. حاجة كده تنسيك اسمك! هو فين حمد؟ أكيد هيفرح بالحلويات دي!
ـ حمد نايم يا ابن الحلال على السرير اللي وراك.. وعقبالي أنا بعد عشان أفتك من هالبلع اللي شغال أربعة وعشرين ساعة!
ضحك عزازي وهو يناوله طبقاً صغيراً عليه قطعة رواني وشوكة:
ـ طب دوق طيب وانت تحكم!
وما إن وضع جاسم قطعةً منها في فمه، حتى اتسعت عيناه، وتهلل وجهه بإعجابٍ شديد:
ـ وش ذا؟! أنا للحيين عقلي ما رجع مكانه من أكل الظهر! بحياتي ما ذقت مثله.. والحين جايب لي رواني وأم علي بعد؟! خلنا نذوق!
تناول ملعقة من طبق "أم علي"، ليتعاظم انبهاره ويزداد انتشاؤه بالطعم الساحر، فقال بذهول:
ـ يا ولد!.. عز الله إن اللي بتآخذها بتاكل الشهد! يا بخت زوجها فيها اللي تسوي هالزين كله! يا بختك يا عزازي.. كل يوم تتهنون بهالأكل اللي يفتح النفس؟!
لم يُرد عزازي أن يصحح له المعلومة، وتمنى في سره لو كان في مكان "منتصر" الذي يبدو أنه يرفض التفريط في أخته "المجنونة" ذات النَفَس الطيّب، فقط لأنه لا يستطيع الاستغناء عن طهيها!
أما جاسم، فقد أخذ يأكل بشرود، والحيرة تضرب رأسه؛ هل يُفاتح عزازي ويسأله عن تلك الفتاة؟ لا شك أنه سيظن به ظن السوء إن أراه الصورة التي التقطتها كاميرا الهاتف دون علمها...
يا تُرى، هل سيكتب له القدر ميعاداً آخر مع تلك "الجنيّة" المرتبكة، أم سيكتفي بهذه الصورة الباهتة المخبوءة في هاتفه؟
★★★
في صبيحة اليوم التالي، نزل عزازي من جناحه ليتفاجأ بالسفرة وقد حُشدت بأشهى الأصناف من الطعام الفلاحي الأصيل. كانت والدته لا تزال ترص الأطباق بمساعدة زوجته وأخته "نسمة"، التي وقفت بترقب واهتمام وهي تراه يقترب ويتأمل الأطباق بإنبهار.
ـ إش إش! كل ده أكل يا ست الحبايب؟! فطير مشلتت وعسل وبيض وجبن أبيض وجبن قديم و...
قاطعته والدته الحاجة سعيدة ببعض الحزم:
ـ بالهنا والشفا.. بطل رط يا عزازي! سيب الأكل بخيره كده، إحنا عايزين نزغلل عينه ونملى بطنه! المهم انت طمني.. مجابش سيرة أي واحدة من البنات ولا سأل عنهم؟ خلينا نفرح يا ولدي!
مطّ عزازي شفتيه ينفي وقال:
ـ بصراحة لأ.. على العموم هيبان النهاردة قبل ما يمشي، أكيد هيسأل ولا يتكلم، يا إما هينتظر بعد ما يمشي يعني لو مفيش...
ردت سعيدة بلهفة وتصميم:
ـ لأ إن شاء الله هيكون فيه! انت متسبهوش يسافر من هنا غير وانت واخد منه كلمة.. لازم ياخد أختك يا إما واحدة من بنات عمك، المهم ميطلعش برانا يا ولدي.. حرام الخير ده كله يروح للغريب!
هز رأسه مطيعاً إياها:
ـ إن شاء الله يا أمي.. أديني رايح أوديله الفطار، وبعدها هاخده ألف بيه البلد.. بس الأول قبل ما أطلع.. بت يا نسمة، انتي عاجبك؟!
وجّه السؤال لأخته التي كانت متكئة على جدار المطبخ تراقب في صمت، وما إن أُلقي الكلام نحوها حتى ابتسمت بدلال وقالت:
ـ وه يا خوي! إزاي يعني ميعجبنيش؟! قيمة وسيمة وهيبة كده! أينعم هو أكبر مني بيجي بسنين كتير، بس فرصة عشان أدلع عليه بكيفي عليه.. ورجل بصرامته وهيبته يعجب الباشا!
ضحك عزازي وقال:
ـ آه يا ملعونة! وأنا اللي فاكرك قطة مغمضة.. محدش ساهل في الزمن ده!
تناول صينية الفطور وصعد بها إلى المَضيَفة، ليجد جاسم قد استيقظ وخرج إلى الشرفة المطلة على النهر، يرتدي ثوبه الأبيض الأنيق ويتأمل المدى الشاسع بشرود.
ابتسم عزازي وصاح بهمسٍ بشوش وهو يضع الصينية:
ـ صباح الخير يا شيخ جاسم! الفطار الفلاحي اللي يفتح النفس جاهز اهو.. من خير البيت!
التفت إليه جاسم مبتسماً بوقار، وتطلع إلى السفرة العامرة، ثم قال بلهجته السعودية الدافئة:
ـ يسعد صباحك يا عزازي.. ما شاء الله، وش هالكرم اللي مو راضي يخلص؟! عز الله إنكم ما قصرتم أبداً
اسند عزازي الصنيه على طاولة مستديرة ثم التف إلى حمد الصغير شقيق الشيخ جاسم قائلا بحماس:
ـ نفطروا مع بعض وبعد الفطار هفرجم على البلد كلها
★★★
خرج منتصر يُعدّ العربة الخشبية التي يجرها الحمار، ليستقلها في طريقه إلى الأرض؛ فرغم مؤهله الجامعي، إلا أنه لا يطيق التقصير يوماً في متابعة زرعه ومحاصيله التي دأب على رعايتها.
لمح صابرين خارجة وهي تُحكم لَفّ شالها حول عنقها، ثم قالت بنبرة حثيثة:
ـ أنا جاية معاك يا خوي.. أصل الشامي أكيد محتاج أكتر من إيد!
نظر إليها برفضٍ قاطع وقال:
ـ لأ يا صابرين.. حتى لو محتاج أكتر من إيد، أنا كم مرّة نبهت عليكِ مفيش مرواح للأرض والشقا ده تاني؟! كفاية عليكِ شغل البيت يا خيتي.. انتي لازم تتستتي زي باقي النسوان!
لوت شفتيها جانبياً بسخرية حزينة وقالت:
ـ وهي كَتمة البيت اللي هتستتني؟! يا خوي على الأقل أنا في الأرض بشم هوا طبيعي وريحة الزرع بتنعش روحي! ولا فاكر إن لسه العرسان هتدوّر عليّ وتعيب على روحة الزرع؟! ده كلام وقته فات خلاص.. أنا هسبقك مشي وانت حصلني بالعربية!
ومضت في طريقها بالفعل، بينما أطرق ينظر في أثرها بحزنٍ دفين، ثم التفتت عيناه نحو أمه بإحباط؛ فقد كان يتوق لأن يُدللها ويُريحها كباقي النساء، معوضاً إياها عن سنوات الشقاء مع والدها الذي استصلح تلك الأرض على حساب عافيتها وشبابها... لكن يبدو أن الأوان قد فات.
رفع عينيه نحو السماء بقلبٍ يعصره الرجاء ودعا خفية:
ـ يا رب!
★★★
داخل طرقات البلدة، كان يسير بصحبة عزازي وعدد من أبناء العائلة، ومعهم "حمد" الصغير - شقيق جاسم، طفلٌ لم يتجاوز العاشرة من عمره، يلتقط الصور لكل ما تقع عليه عيناه في طريقه، كأخيه تماماً.
غير أن عقل جاسم في تلك اللحظات كان في شأنٍ آخر؛ فعيناه تطوفان بالأنحاء بحثاً وتطلعاً، يحدوه أملٌ في أن يسأل، ويخشى في الوقت ذاته أن يُساء فهمُه، فلا يدري كيف يصنع!
تحدث عزازي بابتسامة:
ـ أهو زي ما انت شايف.. قريتنا صغيرة وعدد أفرادها قليلين، كلنا نعرف بعض، يارب تكون عجبتك!
رد جاسم بلهجته السعودية الدافئة:
ـ يا رجل شلون تقول الكلام هذا؟! أنا وقعت بغرام البلد، وودي والله أرتبط فيها ويكون لي عيلة فيها.. ولا أنت ناسي إني قايل لك من قبل؟!
تهلل وجه عزازي، وأيقن في نفسه أن جاسم سيفاتحه الآن في أمر الزواج، فقال بلهفة:
ـ يعني خلاص انت اخترت؟! طب ما تقول لو واحدة عجبتك!
أجاب جاسم بابتسامة متكتمة:
ـ تقدر تقول شيء مثل كذا..
ـ طب شفتها فين؟ عندنا في البيت صح؟! أختي نسمة ولا واحدة من بنات أعمامي؟
شعر جاسم بالحرج، فصارحه ومسح أوهامه قائلاً:
ـ ما شاء الله على أختك وبنات عمك يا عزازي يا صديقي.. والله أي رجل يتمنى واحدة منهن لجمالهن وأخلاقهن، وكافي إنهن من طرفك، بس أنا بصراحة اللي شفتها كانت برا بيتكم خالص!
أصاب الإحباط عزازي؛ إذ لم يكن يتوقع هذا الرد قط، فاصطنع ابتسامة وقال:
ـ وماله.. ده جواز يعني قسمة ونصيب! بس مين البنت وشوفتها فين؟ انت من إمبارح معانا مخرجتش من غيرنا!
ـ لا، طلعت! وشفتها.. بنية عند النهر، تبارك الله! بس للأسف ما عرفت صراحة من هي، لكن شفتها داخلة بيتكم!
ردد عزازي خلفه بعدم استيعاب وذهول:
ـ بيتنا إحنا؟! هتكون مين دي يعني اللي دخلت بيتنا؟!
وفيما كانا يسيران على الطريق الزراعي، لفت نظر جاسم رجلٌ يعمل في أرضه بجدّ، مع طيف امرأة بالقرب منه شك أن تكون ما برأسه, فاستوقف عزازي وسأله:
ـ هذا منتصر ابن عمك، صح؟
أجاب عزازي بجفاء:
ـ صح..
قال جاسم وهو يتجه نحوه بخطوات واثقة:
ـ أجل تعال.. نمر نسلم عليه!
★★★
كلما اقترب خطواتٍ من الأرض التي يعمل فيها منتصر، كان الأمل يتجدد ويتضاعف داخل قلبه؛ لعلها تكون هي الفتاة نفسها التي فزعت منه بالأمس، وهرعت لتستولي على عقله وتفكيره منذ الليلة الماضية.
وزاد يقينه تأكيداً ما إن وطأت أقدامهم حوض الذرة؛ حيث كان منتصر يرفع حزمة ثقيلة من أعواد الذرة الشامية بمساعدة أخته، قبل أن تنتفض هي فجأة على صوت عزازي وهو ينادي بحفاوة:
ـ الله يقوي يا أبا عمّه!
انتبه منتصر ورفع يده بابتسامة مشرقة، ثم تحرك بحمله الثقيل ونقله إلى المجموعة التي يرصّها تمهيداً لدِراسها. وما إن ألقى بالحزمة على الأرض حتى مسح جبهته من العرق، واتجه نحو الضيوف ليرحب بهم.
أما صابرين، فقد ارتدت خطواتها للخلف بخوفٍ وارتباكٍ ملحوظين، متراجعةً عن المشهد بوضوح؛ الأمر الذي جعل جاسم يستغل الموقف ويوجه سؤاله لعزازي بمكرٍ وخبث شديدين قبل أن يصل منتصر إليهما:
ـ يا الله.. باين زوجته خافت منّنا!
رد عزازي يصحح له بسرعة:
ـ منتصر مش متجوز أساساً.. دي أخته صابرين!
فتظاهر جاسم بالبراءة قائلاً وهو يواصل مكره:
ـ أها.. طب يا رب ما تروح تشتكينا لزوجها!
وللمرة الثانية يُجبر عزازي على التصحيح بضيقٍ وضجر:
ـ ولا ليها جوز تشتكينا ليه! وهتشتكينا ليه أصلاً؟! تعال.. تعال!
سحبه عزازي ليُقرّبه من منتصر، الذي كان قد وصل في تلك اللحظة ليرحب بالشيخ جاسم بحرارة. بينما كان جاسم يسرق النظرات في كل لحظة نحو صابرين، التي دفعها خوفها وارتباكها للتراجع بعيداً عن مستوى أنظارهم، حتى وجدت زاوية منزوية جلست فيها تأخذ بقشر قناديل الذرة الشامية، غير مدركة أن عينيه الصقريتين كانتا تتابعان كل حركة منها، حتى وهي في مكمنها المنزوي...
................
في الظل الظليل أسفل مجموعة من أشجار النخيل الباسقة المنتشرة بكثافة خارج الحقل، جلس جاسم على الحصير البسيط في ضيافة منتصر، الذي أصرّ أشد الإصرار على أن يسقيه كوباً من الشاي الأصيل من صنعة يديه، أعدّه على جمر النار الهادئة، واستعذب ماءه من «جركن» الماء المثلج الذي أحضره معه من البيت، إلى جوار بعض «النقنقة» والمخبوزات الخفيفة التي أعدتها أخته صابرين لتُصبره بها لحين العودة إلى البيت وحلول موعد الطعام.
في الكوب الزجاجي الشفاف، صبّ منتصر من غلاية الشاي الدكناء ذلك المشروب الساخن؛ فارتفع منه الدخان بجاذبية تُداعب الحواس وتفتح الشهية، حتى إن الشيخ جاسم، وما إن قُدِّم إليه الكوب، حتى تناوله بترحيب وشرب منه للتوّ، ليصدر بعد أول رشفة تنهيدة سعادة واستمتاع:
ـ الله! على الشاي بتاعك يا سي منتصر.. هذا أجمل كوب شربته من أمس، رغم إن الأكل طعمه يهبل!
ابتسم منتصر ورمى بنظرة ماكرة نحو عزازي، الذي فهم على الفور القصد الخفي الذي يروم التلميح إليه؛ وهو أن الأكل كان أيضاً من صنع يدي أخته صابرين تماماً كالشاي، ولا يد لنساء بيت عزازي فيه!
إلا أن عزازي سارع بالتدخل لشتات القعدة وتغيير مجرى الحديث، فقال بمداعبة متكلفة:
ـ طب بقولك إيه.. ما تحكيلنا يا سيدي عن البنت الحلوة اللي شفتها عند النهر، ودماغك بتوسوسلك تتجوزها؟!
ـ وه! جواز مرة واحدة؟! كده خبط لزق؟!
تمتم بها منتصر ضاحكاً بذهول، فارتسمت على ثغر جاسم ابتسامة هادئة يُغلفها لؤم مكتوم، قطع بها الصمت قائلاً وهو ينظر لمنتصر:
ـ أدينا قاعدين في انتظار الفرصة.. والفضول مشوقنا! يعني قدامنا كام يوم في البلد.. وشكلي هتقل عليك يا عزازي.
رد عزازي بمسارعة:
ـ لا طبعاً! إيه الكلام ده؟! ده بيتك ومطرحك!
هنا انتهز منتصر الفرصة وقال بحفاوة وترحاب أصيل من واقع الواجب الذي شعر به:
ـ فعلاً.. كلنا بيوتنا مفتوحة ليك! إيه رأيك طب.. انت معزوم عندي بكرة!
وكأنه كان في انتظار هذا التصريح بالذات؛ وافق جاسم على الفور بابتسامة واثقة، متجاهلاً عزازي وملامح وجهه التي تبدلت وانقبضت بضيقٍ ملحوظ!
............
طالت جلسة السمر والحديث مع منتصر وعزازي، وهو ينتظرها على أمل أن تترك مكانها وتقترب ليتعرف عليها كما فعل مع باقي الفتيات حين عرّفه عزازي على بنات عمومته، لكن الظاهر أنها اتخذت قرارها بالابتعاد والتواري، وهو لم يعد ينفع أن يصبر أكثر من ذلك!
لذا لم يجد بُدّاً من الاستئذان لينهض من جوارهما بدعوى التعرف على معالم المنطقة والزراعات الممتدة، تاركاً معهما شقيقه الصغير "حمد" الذي صادق مجموعة من أطفال البلدة في سنّه وأخذ يلعب معهم في محيط الغيط المصري البديع.
اتخذ طريقا مستقيماً، وما إن توارى قليلاً عن أنظارهما حتى اخترق الزرع من جديد واتجه نحوها بجهدٍ وتصميم. لمحها من مكانه وأخذ يقلص تلك المسافة البعيدة.. عجيبةٌ هي حكاية المسافات التي جلبته من دياره البعيدة حتى هذه البقعة، ليصيبه الشغف مع فتاة لم يضع لها يوماً مواصفاتٍ محددة في عقله!
النية لديه واضحة جليّة؛ فهو ليس متلصصاً ولا هذه أخلاقه، ولكن الثابت في يقينه العميق أنه قد يغض البصر عن نساء الأرض أجمعين، أما معها هي.. فلا! كان هذا شعوراً عارماً يتملكه، ويدعو الله بقلبه أن يتأكد منه قريباً في الحلال.
وصل إلى حوض الغيط الذي تجلس فيه بجوار كمٍّ هائل من قناديل الذرة الشامية التي تقشرها وترمي بها داخل المقطف الخوص.. هذه المرة لم تكن صدفة!
هذه المرة كان قاصداً ومستقصداً؛ مشى بخطواته الرزينة متعمداً ألا تشعر بقدومه، وهي مندمجة في تقشير الذرة بانهماكٍ شديد، بينما العرق يغطي بشرتها البرونزية الجميلة. كانت تجسد بوضوح صورة الفلاحة المصرية الناصعة التي طالما رآها في الأفلام القديمة؛ حتى زيّها الفلاحي الأصيل كان ملتزماً بطبيعة البلد وتراثها، بعيداً كل البعد عن الثياب العصرية الدخيلة.
رفعت عينيها دون قصد والتقت بعينيه، فذهلت لحظات وكأنها لا تستوعب وجوده في "غيط" الذرة الخاص بهم. وبرد فعل غريزي، اتسعت عينها بفزع، ثم أخذت تلتفت يمنة ويسرة بحثاً عن عزازي أو أحد أبناء عمومتها ممن قد يرافقونه.
أثارت حيرتها الخائفة تبسمه، فاقترب منها بمنتهى الأدب والذوق، وقال بلهجته السعودية الدافئة:
ـ مساء الخير.. أرجو ما تكوني فزعتِ مني اليوم؟ أنا جاي أرضكم يعني أعتبر ضيفكم!
شعرت صابرين وكأن قاموس الكلام قد مُحي تماماً من رأسها؛ تجمدت مكانها تنظر إليه في صمتٍ مذهول، مما زاد من تسليته ورغبته في ملاطفتها:
ـ يا أخت صابرين.. أنا أكلمك!
خرجت منها الكلمات دون تفكير وهي ترمشه بذهول:
ـ وكمان عارف اسمي؟!
اتسعت ابتسامته بسعادة أكبر وقال:
ـ إي نعم عرفت اسمك.. ومعزوم الليلة بعد عندكم بدعوة من أخوك منتصر، أرجو ما أكون أزعجتك!
هكذا أخبرها ببساطة أنه معزوم عندهم بدعوة من أخيها؛ أي أنه سيدخل بيتهم ويأكل من طعامهم، ناهيك عن أنه عرف اسمكِ يا صابرين! وهي التي ظنت أنها لن تراه ثانية، حتى لو تزوج واحدة من بنات عمومتها!
ـ يا حظك المنيل يا صابرين!
غمغمت بحديث مع نفسها، قبل أن تنتبه إلى أنها صمتت طويلاً والرجل يرمقها بابتسامة غريبة، فاضطرت إلى تصنع ابتسامة هي الأخرى لترد بترحيب كي لا يظنها خفيفة العقل أو عاجزة عن الكلام:
ـ تأنس وتنور ااا...
توقفت فجأة، وأخذت تنفض القش والفضول عن قناديل الذرة، محاولة النهوض للهرب من حصار نظراته وتحديقه بها. غير أنها اهتزت في وقفتها ولم تعد تشعر بساقيها مطلقاً!
ـ يا وقعتك السودة يا صابرين!.. والورطة اللي ورطتي نفسك فيها دي؟!
همست تؤنب نفسها على غبائها؛ إذ نهضت بغتة بعد جلسة طويلة أثرت على رجلها التي خدرت تماماً من كثرة "التنميل". والنتيجة؟ وقفة مخجلة؛ فلا هي قادرة على إقامة طولها، ولا هي قادرة على الحركة!
وصلها صوته بنبرة يملؤها الذهول والدهشة بلهجته السعودية:
ـ وش فيك يا أنسة صابرين؟!
التفتت بجذعها تنفي بكذب مكشوف:
ـ لاه.. مفيش حاجة، أنا بس...
قطعت كلامها حين انتبهت إلى نظرة اللهفة والقلق الذي غلف عينيه؛ فزاد إحراجها ورغبتها العارمة في المغادرة. وبرد فعل غير محسوب، حركت قدمها ظناً منها أنها تستطيع المشي، وكانت النتيجة أن مالت بعنف وكادت تسقط على الأرض، لولا يدان دافئتان لحقتا بها وأمسكتا بخصرها!
نظرت للرجل بفزع، مما جعله يتأسف على الفور ويرفع يده مسنداً مرفقها بذوق وأدب:
ـ آسف والله.. بس لو ما لحقتك كان طحتي! ممكن تسندي عليّ؟
بالطبع لم يكذب، لكن أثر يده الدافئة على جلدها من فوق الثياب توترت له جوارحها وشُلّت بالكامل، ليخرج صوتها بصعوبة بالغة:
ـ يدك...
تردد جاسم مراعاة لخجلها وفزعها منه، لكنه كان متأكد أنه بمجرد أن يرفع يده عنها ستسقط أرضاً، وهذا جليّ من هيئتها المضطربة.
ـ أنا أقول نطلع عند الطبيب أفضل!
ـ طبيب كمان؟! يا مرك يا صابرين!
وقبل أن تزيد في الارتباك وتلتقط أنفاسها، دوى صوت خشن أطاح بقلبها:
ـ إيه في إيه؟ ايه اللي حاصل هنا ؟!
ما إن سمعت الصوت حتى أيقنت أن أمرها قد انتهى! لكن الغريب كان ثبات جاسم ويقينه؛ إذ رد بمنتهى السهولة والهدوء وهو ينادي أخاها:
ـ تعال يا منتصر! شوف الأخت صابرين.. ليكون رجلها انصابت ولا شيء، ما هي قادرة توقف عليها أبد!
فوراً تحول الموقف من نبرة الشك والريبة إلى قلق وفزع شقيقها، الذي هرع إليها يضمها ويسندها من أسفل إبطيها:
ـ مالك.. رجلك فيها إيه يا صابرين؟! ليكون دبيبة اتدست وسط الربراب العفش اللي هنا؟! أنا قولتلك متجيش معايا!
ابتلعت ريقها تحاول طمأنته، بعدما حانت منها نظرة خاطفة نحو عزازي الذي ظهر القلق والحيرة على ملامحه هو الآخر:
ـ خير إن شاء الله.. مفيش حاجة! هي بس نملت من كثر القعدة عليها، والبيه لحقني فعلاً قبل ما أقع ع الدرباس وتحصل حاجة واعرة.. اصبر عليها شوية وهي هتفك لوحدها.
قال جاسم بعفوية يلفت الأنظار إليه مجدداً:
ـ بس أنا من رأيي تروحون بها للطبيب أفضل!
إلا أن منتصر تصرف بعملية وحنان، محتضناً إياها ليحملها بعيداً:
ـ أبعدها الأول عن المكان المعبك ده، وتقعد تحت النخلة نشوفها.. لتكون محتاجة دكتور بالفعل!
تابعهما جاسم بعيون قلقة يحاول اللحاق بهما، لكن عزازي اعترض طريقه ومنعه بتهذيب:
ـ استنى هنا يا عم! أخوها أدرى بيها وهيفحص رجلها.. ميصحش نكون واقفين!
استدرك جاسم واعتذر بارتباك:
ـ أوه صحيح.. عندك حق! سامحني يا عزازي، أنا بس توترت وما أخذت بالي!
أومأ عزازي برأسه متفهماً، ثم سأله بنبرة تشوبها الشكوك والفضول:
ـ إلا انت إيه جابك هنا؟
وبسرعة بديهة أجابه جاسم بلهجته السعودية الواثقة:
ـ أنا قلت آخذ لي لفة بين الحقول يا ابن الحلال، وأنا أتمشى وراجع لمجلسنا قابلت الأخت وهي تترنح وكادت تطيح.. أسيبها يعني وما ألحقها؟!
استشعر عزازي الحيرة والفوضى في رأسه ، لكنه لم يستطع تكذيبه أمام شهامته المنطقية، فقال:
ـ لا طبعاً تلحقها.. فيك الخير يا شيخنا!
