رواية صابرين والشيخ جاسم الفصل الثالث 3 بقلم امل نصر
رواية صابرين والشيخ جاسم الفصل الثالث 3 هى رواية من كتابة امل نصر رواية صابرين والشيخ جاسم الفصل الثالث 3 صدر لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية صابرين والشيخ جاسم الفصل الثالث 3 حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية صابرين والشيخ جاسم الفصل الثالث 3
رواية صابرين والشيخ جاسم الفصل الثالث 3
عاد عزازي إلى المنزل الذي يعج بأفراد عائلته من أخواته وأبنائهن، وكان المشهد العام يظهر انشغال الجميع، حتى والدته التي كانت تشرف عليهن في المطبخ، ثم خرجت إليه بمجرد علمها بعودته لتستقبله وتسأله:
ـ حمدالله ع السلامة يا ولدي، أقول للبنات يحضروا الغدا ولا أنت والشيخ هتأجلوا شوية؟
نظر إليها بصمت وبوجه جامد خالٍ من أي ابتسامة، وقال:
ـ لا يا أمة، كنسلي خالص من الغدا، عشان الشيخ أصلاً خلص لفته معايا في البلد وبعدها استأذن يروح مشوار بأخوه يفسحه في المحافظة.
ردت سعيدة بلهفة واسترسال في الحديث وهي تجلس على كرسي مائدة الطعام الذي صادف وقوفهما بجواره:
ـ وماله يا ولدي، اللي طبخناه يقعد للعشا، أهي كل حاجة بخيرها وبالليل بس نسخنهم.. ياما كان نفسي البت صابرين تعملهم زي امبارح بنفسها اللي زي الشهد، بس المضروبة بعتلها قالولي طلعت مع أخوها وراحت الزرعة! مش هتبطل جلجزة واصل لحد ما تنزل القبر!
عقب عزازي بابتسامة باهتة وغريبة:
ـ ما أنا شوفتها يا أمة، أنا والشيخ جاسم مع أخوها في غيط الذرة، كانت بتقشر الشامي.
سكت فجأة وأطلق تنهيدة حارة وهو يرنو ببصره إلى الأمام، مستعيداً في ذهنه لهفة جاسم عليها؛ جاسم الذي يوم رأى أخواته وبنات عمه كانت عيناه لا تفارقان الأرض، أما مع هذه فقد وصل الأمر إلى التلامس حين أمسك بها وأسندها، ناهيك عن عينيه اللتين لم تتزحزحا عنها!
سألته سعيدة بحيرة:
ـ مالك يا عزازي؟ سرحت في إيه؟
همهم وهو يمسح جانب فكه بأطراف أصابعه، ينكر تتابع الأفكار مع نفسه، ثم سارع بنفيها بصوت واضح:
ـ لا أكيد طبعاً مينفعش.. أكيد!
سألته سعيدة بحيرة بعدما سمعته:
ـ هو إيه اللي مينفعش؟
تنهد ونظر إليها بصمت، ثم نهض ورد عليها منكراً:
ـ لا مفيش حاجة، متشغليش بالك أنتِ.. صحيح كنسلي على العشا كمان، عشان الشيخ معزوم برا عند منتصر.
تساءلت سعيدة:
ـ منتصر واد عمك؟
أجابها باقتضاب:
ـ أه منتصر واد عمي.. عن إذنك بقى.
مشى صاعداً إلى الطابق الثاني نحو جناحه، ونادى على زوجته لتلحق به:
ـ بت يا نبيهة! تعالي ورايا طلعيلي غيار من الدولاب أغير بيه بعد ما أتسبح
★★★
في منزل منتصر، وعقب عودته من الحقل بصحبة أخته، خرج على الفور ليجلب مستلزمات العزومة من البقالة، واللحم، والخضراوات، وجميع الأغراض الخاصة بالحلويات التي دونتها له أخته. وفي هذا الوقت، كانت صابرين تباشر مهمة تنظيف المنزل من جديد، وتضع اللمسات الجمالية التي تزينه، بينما كانت أمها تتابعها من خلفها باندهاش، وتسدي إليها النصيحة حينا بعد حين:
ـ يا بنيتي كفاياكي! البيت بيبرق اصلا من النضافة مش محتاج، لساكي راجعة من الغيط ولسة قدامك طبيخ وحلويات! هو انتي غاوية هدة حيل؟!
تنهدت صابرين بتعب وهي تلقي نظرة أخيرة على المكان المخصوص لجلسة الرجال في الصالون، تفتش بعينيها عما ينقصه، ثم ردت على أمها:
ـ وهي هدة الحيل دي عفشة؟! على الاقل الواحد بيجي اخر الليل يحط رأسه على المخدة وينام على طول لا يفكر فى حد قالي ولا حد عاد لي، بس انا حاسة الصالون برضك ناقص حاجة، هشوف اي عيل وابعته للبت صالحة تاجي وتديني رأيها.
أوقفتها والدتها «إحسان» وأمسكت بساعدها:
ـ استني هنا يا مجنونة! هي اختك دي اصلا بتعرف زيك في الزوق ولا في الوكل؟! يا بتي ريحي عضمك شوية، على كدة بيت عمك حجازي عملوا حتى نص اللي عملتيه في الترتيب ولا النضافة؟!
لاحت ابتسامة باهتة على شفتي صابرين، ثم عقبت على كلامها:
ـ وهما بيت عمي محتاجين اصلا؟! دول بيتهم عمارة عالية وشقق غالية، انما أحنا نصه بالطوب الني ونصه الشقة اللي قاعدين فيها، وحالنا على قدنا.
ضايق هذا الكلام والدتها إحسان، فدفعتها فجأة وأجلستها على الكرسي الذي خلفها بحزم:
ـ حالنا احسن حال يا صابرين، وحتى لو قاعدين في الطوب الني بس، كفاية النضافة والوكل اللي بيحسدونا عليه الناس! اهمدي كدة بقى، هروح اجيب كوبايتين شاي نشربهم مع بعض قبل ما يجي اخوكي وندخل في عمايل العزومة.
تحركت الأم ومشت من أمامها، بينما ظلت عيون صابرين تتابعها؛ فهي تعلم صحة كلام والدتها ولم تنظر يوما للأمور من هذه الزاوية، لكنها كانت متوترة جدا ومنفعلة دون سبب واضح
★★★
في المساء، حان موعد العزومة.
خرج عزازي من منزله بناءً على اتصال من الشيخ جاسم الذي أخبره أنه بانتظاره لكي يذهبا معًا لزيارة ابن عمه المعزوم عنده.
وجده ينتظره بجوار السيارة الفاخرة، الأمر الذي جعل عزازي يستعجل خطاه وهو يقول مستغربًا:
ـ مش محتاجة تروح بالعربية يا عمنا، وانت بنفسك بتقول انك بتحب المشي في القرية!
ابتسم الشيخ جاسم وهو يفتح باب السيارة ردًا عليه بلهجته الخليجية:
ـ أنا فعلاً أحب المشي في ديرتكم، بس مو بكل الأوقات يكون مناسب!
قطب عزازي جبهته باستغراب، قبل أن تقع عينُه داخل السيارة، وتحديدًا على «حمد» المدلل وهو يجلس في المقعد الخلفي وبجواره هدايا وعلب مغلقة من الشوكولاتة والحلويات الفاخرة التي لم يتعرف عزازي على أنواعها.
تساءل عزازي بنبرة مندهشة:
ـ إيه الحاجات دي كلها؟! ما كانت ندهت على عيل من العيال يدخلها جناحكم فوق!
ـ لا، أنا مو جايبها للجناح.. هذه حقة العزومة!
قاطعه بها جاسم على عجالة بلهجته السعودية الدافئة، وهو يلتفت للناحية الأخرى ليتأهب للجلوس خلف عجلة القيادة، الأمر الذي جعل عزازي يتسمر مكانه مبهوتًا:
ـ كل ده حقة العزومة ليه؟! كان يكفي علبة حلاوة أو حتى من غير خالص، ده انت راجل غريب والواجب إكرامك!
أدار جاسم محرك السيارة ونظر إليه بعبوس خفيف وهدوء رزين:
ـ وش تحكي يا عم عزازي؟! ندخل البيت وإيدينا فاضية؟! حنا نعرف الأصول ونقدرها زين.. اركب يلا خلنا نمشي!
صك عزازي على أسنانه وهو يستقل المقعد المجاور لجاسم، ويغمغم بضيق مكتوم داخل نفسه والسيارة تتهادى ببطء تقطع طريق القرية:
ـ "بيتكلم في الأصول وكمان مستعجل! على أساس عازمك على دوار العمدة ولا نائب المحافظة؟! إشحال ما كان منتصر وبيتهم الواقع... عجايب!"
★★★
داخل منزل منتصر،
الذي كان يتأمل كل ركن في غرفة استقبال الضيوف بانبهار شديد، لمسات من النظافة والفن في الترتيب تنسي الرائي ضعف الأثاث وتواضع الحالة المادية لأهل المنزل، هذا غير ثقته الكاملة في إعداد طعام شهي يتفوق به على العزومة الفخمة التي أقامها ابن عمه عزازي؛ باختصار أصناف معينة ومختلفة بتكلفة لا تتجاوز الربع، لكنه متأكد من تميزها لأن معه أختًا جميلة تعد الطعام وتضع فيه من روحها الطيبة، ومع هذا كله تطرقه وتطلب رأيه:
ـ ها... إيه رأيك يا منتصر؟
كانت صابرين واقفة بجواره تفرك يديها بترقب، منتظرة رأيه بلهفة وتوتر شديد انعكس على أخيها بضحكة دافئة:
ـ يا بنتي بتاخدي رأيي في إيه؟ والله العظيم ولا أروع! يا حبيبتي أنا أمشي وراكي وأنا مغمض عيني، عشان عارف إنك ممتازة وأشطر من أي ست في الدنيا كلها.
أسعدها إطراؤه والذي يشعرها أحيانًا كثيرة أنه مبالغ فيه ليجبر بخاطرها؛ فطبيعته حنونة وهي تتفانى في إرضائه لأنها تعلم أنه يستحق
لكن هذا لم يمنعها من التعقيب بغصة مقيمة داخلها:
ـ أشطر من أي ست في الدنيا كلها؟! يا خوي ربنا يحفظك.. أهو نحمد ربنا إننا شاطرين في حاجة، لا هيبقى تعليم مدارس ولا شطارة في البيت كمان!
تنهيدة متعبة خرجت من صدر منتصر، ولم يملك إلا أن يضمها إليه بحنان، يقبل رأسها والحزن يعصر قلبه؛ لأنها لم تفرح من قلبها يوما بسبب تلك العقدة القديمة التي تشعرها دائمًا بالنقص، وللأسف هي ترفض كل محاولاته معها بيقين راسخ داخلها أن لا فائدة، لكنه متأكد أنها على خطأ.
قطع عليهما صوت نسائي يعرفه جيدًا:
ـ يا عمي كفاية بقى! ما ترعوا مشاعر الناس، خصوصًا لما يكونوا عذارى زيي!
ضحك منتصر الذي كان يعرف صاحبة الصوت، فيما خرجت صابرين من أحضانه لترد على «نهلة» بنت خالها بمرح:
ـ يا ستي بكرة يبقى من نصيبك وحضنه يبقى ليكي لوحدك وتشبعوا من بعض!
نقلت نهلة نظرها بابتسامة جميلة ناحية منتصر الذي كان ينظر إليها بابتسامة مداراة، بتلقيح نحوه :
ـ أعتبر كلامك ده وعد؟
ـ لأ..
قالها منتصر بمشاكسة وهو ينسحب من أمامهما، بينما ظلت نهلة تردد لأخته:
ـ بيقولي لأ! بيقولي لأ يا صابرين؟! أنا هعمل جريمة لو محصلش عشان تبقي على علم!
قالت صابرين وهي تحاول كتم ضحكتها وتدفعها للخلف:
ـ يا مجنونة يا خفيفة! يا بت ارسي وخليكي تقيلة زي البنات!
ردت نهلة وهي تواصل مسكنتها المازحة:
ـ يا ريت أصلًا أعرف.. يا ريت!
وما هي إلا لحظات حتى وصلهم صوت سيارة في الشارع وحركة غير طبيعية، اضطرتهم للدخول والتقنع خلف الستارة في وسط البيت ليتلصصوا على الضيوف الذين خرج منتصر لاستقبالهم وترديد عبارات الترحيب، وهم داخلون يحملون الهدايا: عزازي ابن عمه، وحمد الصغير، وجاسم الذي دققت فيه نهلة لتعقب بذهول:
ـ يا لهوي يا أمة! إيه الهيبة والحلاوة دي؟!
ابتسمت صابرين وتعقيبها يخرج بهدوء:
ـ ما شاء الله.. يا بخت اللي هتبقى من نصيبه، أكيد نسمة بت عمي حجازي!
★★★
وعند جاسم الذي جلس وعيونه تطوف داخل الغرفة الشاسعة بأثاثها الرائع رغم عدم تكلفه، واللمسات الجمالية المختلفة، عن أي منزل دخله هنا وبالأخص منزل والد عزازي؛ فبرغم البهرجة المكلفة إلا أنه يفتقر إلى الذوق الرفيع، وهذه لفتة يلتقطها جيدا من يقدر الجمال .
وعلى العكس منه، كان عزازي ينظر بشيء من القرف رغم النظافة التي لا يستطيع إنكارها والترتيب المستفز؛ يرى إنهم مهما فعلوا بالتأكيد لا يمكن لأحد أن يصل إلى جمال المندرة التي صرف عليها هو وإخوته آلاف الجنيهات، هم الذين ورثوا من والدهم أراضي وأموالًا كبروها بأعمالهم بالإضافة إلى سفره هو للخليج، أما منتصر، وحيد إخوته البنات، فقد ورث أرضًا ذهب معظمها على زواج اخواته البنات وتعليمه الجامعي، وحالتهم المادية لا ترتقي لربع حالتهم.
نفض أفكار الانتقاص فجأة مع دخول منتصر حاملًا صينية مذهبة وعليها المشروبات:
ـ العصير الفريش لجناب الشيخ!
ابتسم جاسم بلهجته السعودية الدافئة:
ـ يا سيدي هو إحنا لحقنا نقعد عشان نشرب؟!
اقترب منتصر ببشاشة زادت من وسامته الرجولية على الوجه الأسمر المنحوت، يقدم كأس عصير المانجو لجاسم، وبعدها قدم لحمد وعزازي الذي تناول منه ونظرة التعالي تمر حتى على الكأس من أعلاه لاسفله ثم وضعه على الطاولة أمامه، عكس الشيخ الذي ارتشف منه على الفور بتلذذ:
ـ يا الله على هالطعمة!
ضحك منتصر:
ـ عجبك يا شيخ جاسم؟
ـ امممم..
خرجت من الأخير تعبيرًا عن إعجابه الشديد:
ـ ما شاء الله.. هذا يجنن يا منتصر! تسلم إيد اللي سوّته!
أومأ منتصر بانتشاء:
ـ الله يسلمك.. وأنت يا شيخ حمد؟
سمع منه الثاني وهو يشرب من الكأس الكبير حتى أتمه إلى آخره، ليرفع بعد ذلك أنامله لشفتيه يطبع عليها قبلة في الهواء ويعبر عن إعجابه بالمصري:
ـ قشطة!
بمجرد أن قالها، وانطلقت ضحكات الاثنين بصخب، حتى عزازي اضطر لمشاركتهم، قبل أن ينهض منتصر فجأة مخاطبا حمد بمرح:
ـ والله لأجيبلك واحد تاني يا قشطة أنت!
مشهد احسان وهي بتشجع بنتها تخلص الاكل
★★★
وفي منزل عزازي، كان الهدوء هو سيد الموقف في الجلسة التي جمعت بين سعيدة وزوجة ابنها نبيهة ونسمة، بعد مغادرة جميع العاملات اللاتي كنّ يشتغلن معهن، في ظل طعامٍ كُثِر وتَمّ تخزينه في الثلاجات لعدم حضور الضيف بسب ذهابه لعزومة أخرى.
ليصبح الحديث الآن دائرًا حول المكان المعزوم فيه والمقارنة؛ حيث قالت نسمة بتأفف:
ـ مش عارفة أنا إزاي عزازي وافق يروح بالشيخ جاسم على بيت منتصر! دي ناس غريبة، يعني كان لازم حاجة تشرف!
ردت سعيدة، التي كانت تتناول اللب وترمي قشره في الطبق الثاني متكئة بجسدها الضخم على الوسادة القطنية خلف ظهرها، باستخفاف قائلة:
ـ وماله يا بتي؟! أهو يروح ويجرب.. دي ناس غريبة زي ما قولتي، أي حاجة يشوفوها يفرحوا بيها!
ـ يفرحوا بإيه يا أمة؟! هو منزل منتصر ده يتسمى بيت؟! نصه بالطوب الأحمر ونصه بالطوب الني، حاجة تكسف! صحيح مقولتيليش يا أمة.. هو مفتحش قدامه سيرة؟
ـ هو مين؟
تساءلت بها سعيدة، لترد نسمة بلهفة وتوتر:
ـ جاسم يا أمة! مفتحش قدام عزازي موضوع الجواز؟ يعني اختار حد من بنات أعمامي؟ اتكلم مثلاً عن البت سعاد ولا سهر ولا سهير ولا... ولا اختارني أنا؟!
همّت سعيدة أن تخبرها بالنفي، إلا أن «نبيهة» زوجة ابنها الأكبر عزازي، التي كانت تراقب المشهد بصمت، تكلفت بالإجابة بنبرة ذات مغزى:
ـ للأسف يا نسمة ما اختارش ولا واحدة فيكم.. أصله شاف واحدة تانية وعجبته!
ـ واحدة مين يا بت؟!
هبت سعيدة تتعدل في جلستها بذهول وتساءلت وهي تدفع الطبقين عن رجليها بحدة، أمام صدمة ابنتها نسمة التي تجمّدت مكانها بعدم استيعاب، فجاء رد نبيهة بلؤم وشماتة خفية:
ـ وأنا إيش عرفني يا مرة عمي؟! أنا بقول اللي قالي عليه عزازي، وهو نفسه ميعرفهاش، بس جاسم بلّغه إن اللي عجبته دخلت بيتنا بس ميعرفش اسمها!
صرخت سعيدة بغضب واستنكار:
ـ كمان اختار واحدة غريبة داخلة بيتنا؟! دي مين القادرة اللي عملتها؟!
ومجرد ما أنهت سعيدة كلامها، نهضت ابنتها نسمة بعصبية وجرت من أمامهما ناحية غرفتها والدموع تغمر عينيها، بينما تمتمت سعيدة من خلفها بغيظ:
ـ أما نشوف ذوقك يا شيخ جاسم! اللي خلاك تفضل واحدة غريبة عن بتي اللي زي القمر!
★★★
تمت العزومة على أجمل ما يكون. جاسم الذي كان منبهرا بالطعام عند عزازي، عقله هنا كان سيطير من جمال الأنواع المختلفة والتقديم المميز على سفرة متوسطة جمعت أصنافًا محددة بعناية ودون إسراف، وهو ما زاد من روعتها لدرجة جعلته لا يتوقف عن الثناء على من أعدت الطعام وقدمته بهذه الصورة الجميلة.
أما صابرين، التي هلكت من التعب في إعداد الطعام والتقديم وترتيب البيت، فكانت غير قادرة على رفع إصبع واحد لغسيل الأطباق.
لكن «نهلة» بنت خالها، التي لم تلحق مساعدتها في البداية، أقسمت وأصرت على أن تغسل الأطباق وترتب المطبخ بمفردها، لتجبر صابرين على الراحة. جلست صابرين على الكرسي تراقبها وهي تفرك يدها بعصبية جعلت والدتها تضحك عليها كلما مرت بهما، وكلما حاولت صابرين القيام للمساعدة رغم تعبها، أعادتها نهلة للجلوس بالقوة.
حتى طردتاها أخيرًا من المطبخ تمامًا، فخرجت إلى أقرب غرفة صادفتها وهي غرفة المعيشة التي يقضون فيها معظم وقتهم في مشاهدة التلفاز أو تناول الطعام.
كانت ضحكات الرجال ومزاحهم تصل إليها لقرب المسافة بين غرفة المعيشة وغرفة الاستقبال؛ يبدو واضحًا أنهم مستمتعون، وأخوها «منتصر» يتبادل الحديث مع جاسم بأريحية وبساطة لا يفعلها عادة مع أي غريب لطبيعته المتحفظة الشبيهة بطبيعتها، حتى «عزازي» كان يضحك، يا سبحان الله! برغم طبيعته المتجهمة وحديثه الذي لا يخرج معها الا بحساب، ربما لكونها في نظرهم ذات طبيعة غريبة كما يتهمونها أحيانًا.
فجأة استدركت صابرين أن التفكير سيسحبها لمساحات قد تجهد روحها، وفي مثل هذه الحالات تهرب دائمًا للحل الأمثل؛ تشغيل يديها بالعمل على أي شيء. وبما أنها لن تستطيع التحرك في البيت أثناء وجود الضيوف ونهلة احتلت المطبخ، فلم يكن أمامها سوى الهواية التي تلجأ إليها وقت الفراغ
قامت بسرعة وفتحت درجًا في الركن الواقع بين الكنبتين الخشبيتين، وأخرجت كيسًا كبيرًا مملوءًا بخيوط الكروشيه المتعددة الألوان ومعها إبرتها المحببة. تناولت بداية مفرش بدأت تلف عليه الخيط بيديها الماهرتين السريعتين بتركيز تام حتى اندمجت، إلا أن لحظة انسجامها قُطعت بفجأة بصوت طفل يتكلم بلهجة خليجية ناعمة لأول مرة تسمعها منه:
ـ واو! إيش الجمال هذا؟!
رفعت رأسها نحو الطفل الذي لا يبدو أكبر من عشر سنوات، وهو يقترب نحوها وعيناه معلقتان بالمفرش والأشغال الملفوفة والمطوية بجوارها.
ـ أنتِ تسوين هذا بيدِك؟!
نظرت إليه باستغراب، قبل أن تطمئنها والدتها سريعًا من خلفها:
ـ ده «حمد» يا بنتي، أخو الشيخ جاسم الصغير.
هزت صابرين رأسها بتفهم وابتسمت بلطف للولد:
ـ أهلاً يا حبيبي، نورتنا.
ـ يزيد نورك!
قالها دون أن يرفع عينيه عن القطع، يتأمل ما صنعته يداها بخيط الكروشيه ويفردها بانبهار:
ـ كل هذا أنتِ سويتيه بيدك؟!
ـ أيوة يا حبيبي، أنا اللي عملته.
ردت صابرين، فيما امتدت يد «حمد» لتمسك بطاقية صوف كانت قد حادت صنعها بمزاج عالٍ، ليتسع شعاع عينيه بذهول وصياح شقي:
ـ أنا أبي هذه! ممكن تعطينياها هدية؟!
رفضت صابرين على الفور بابتسامة مرتبكة:
ـ بس دي بناتي يا حمد!
ـ لا مو بناتي! أنا شفت أولاد لابسين مثلها بالظبط!
ضاق صدر صابرين من إصراره؛ فهي تعتبر هذه الأشغال أسرارًا خاصة وتخجل أن يراها أحد أو يوجه لها أي انتقاد، فقالت بمهادنة وهي تمد يدها نحو الطاقية:
ـ بص يا حمد يا عسل، هاتها وأنا هعملك واحدة ولدالي جميلة.
كانت تتكلم ويدها على الطاقية تحاول سحبها بهدوء، لكن الصغير كان أسرع منها؛ انزلق بالطاقية وجرى نحو الخارج، ومن شدة توترها جرت خلفه لتمسك به قبل أن يصل لغرفة الاستقبال، دون أن تدري أن الضيوف كانوا في تلك اللحظة بالذات يغادرون الغرفة متوجهين نحو باب المنزل، ليفاجأ الجميع بـ «حمد» يركض أمامهما وصابرين تندفع خلفه بتلقائية وتتسمر مصدومة حين رأتهم!
وقف جاسم ونظر لأخيه الصغير وهو يناديه بدهشة ابتسامة:
ـ وقف يا خوي!
«استنى...»
الكلمة وقفت على لسانها كما وقفت هي بالضبط عن الجري وتسمرت في مكانها؛ الرجل الذي كلما حاولت الهرب منه وجدته أمامها بصدف أغرب من الخيال كتلك التي تحدث الآن!
ـ آنسة صابرين! يا هلا.. أنا كنت ودي أطمن على رجلك، الحين بخير؟
قالها جاسم بلهفة في استقبالها، وابتسامة أنارت وجهه، مما أثار اندهاش البقية وأولهم عزازي.
ـ بخير والحمد لله..
أومأت صابرين بابتسامة محرجة، موجهة بصرها نحو «البلوة» الذي كان السبب في جريها ورائه من الغرفة، والذي كانت السعادة في تلك اللحظة تغمر وجهه؛ «حمد» الذي تكلم بلهجته السعودية بانبهار لأخيه جاسم:
ـ شوف يا خوي الطاقية اللي سوّتها صابرين! تشبه اللي شفتها المرة اللي فاتت بالسوق بس هذه أحلى، أقول لها عطيني إياها مو راضية!
تمنت صابرين لو أن الأرض تنشق وتبتلعها؛ فما كفاها وقوفها أمامه بعباءة منزلية لا تليق بالاستقبال، حتى جاء أخوه ليشتكيها أمام شقيقها وابن عمها!
ـ يا حبيبي دي لونها بناتي، والله ما قصدي ابقى عفشة معاك!
تكلمت صابرين تبرر موقفها لتحافظ على صورتها أمام أخيها وابن عمها عزازي، الذي تدخل بعصبية:
ـ خلاص يا صابرين، مادام شبط فيها اديهالو وخلاص! مش تجري وراه من الاوضة!
نظر إليه منتصر بحاجب مرفوع، ثم حول نظره إلى أخته التي انخطف لون وجهها، وكان يتمنى لو يضرب عزازي لتدخله، لكنه حافظ على هدوئه إكراما للرجل الغريب؛ هذا الأخير الذي، على عكس الجميع، تقبل الموقف بهدوء وهو يتأمل الطاقية:
ـ هذه معمولة كروشيه صح؟ على فكرة هذه أول مرة يسويها يا آنسة صابرين، وبصراحة ما أقدر ألوم عليه.. الطاقية تهبل وهو شكله وقع بغرامها!
برقت صابرين بعينيها ذهولا، فيما وجه إليه عزازي السؤال بجهامة:
ـ هي مين دي اللي وقع في غرامها؟!
ابتسم جاسم بمكر ورزانة:
ـ الطاقية! حمد وقع بغرامها يا عم عزازي.. وشكل الآنسة صابرين غالية عليها.
ـ ها؟
صدرت منها التلعثُمَة بعدم انتباه، ثم سرعان ما استعادت توازنها، لكن ردها خرج مرتبكاً متلعثماً:
ـ لا طبعاً ممتغلاش عليه، أنا كنت عايزاه يصبر بس لبكرة حتى وأنا أعمله واحدة غيرها.
رد عليها جاسم بابتسامة زادت من حيرتها، وبعفوية ناعمة:
ـ طيب ممكن أخذها أنا، وأنتِ تسوين الثانية لحمد؟
كان طلبه غريباً إلى الحد الذي جعل الجميع يشخصون بأبصارهم نحوه في اندهاش تام، فبادر هو بالتوضيح ببساطة ورزانة:
ـ أخذها تذكار يا جماعة.. لو ترضى الآنسة صابرين.
وقفت هي مبهوتة، تهز رأسها في ارتباك شديد:
ـ خدها.. خدها طبعاً، وأنا هعمل واحدة تانية لحمد.
قالت عبارتها الأخيرة وهي ترمق الصغير ببصرها، وقد بدت عليه علامات المرح والشماتة الظافرة، ظاناً أنها حيلة ذكية من شقيقه لينتزعها له في النهاية.
غير أن ما دار داخل السيارة أثناء طريق العودة مع عزازي كان أمراً مختلفاً كلياً؛ فقد تمكن جاسم بأسلوبه الدبلوماسي وبعض الوعود المغرية من إقناع الصغير بالتخلي عنها وانتظار الطاقية الجديدة. زاد هذا الموقف من حيرة عزازي وريبته، غير أن المفاجأة الصاعقة كانت في انتظاره عقب توصيل الصغير إلى الدوار، والانفراد بجاسم داخل المندرة، بينما كان الأخير يقلب طاقية الكروشيه بين يديه بتأمل وشغف صامت.
ـ بتقول إيه؟! مين دي اللي عايز تطلبها؟!
خرج سؤال عزازي بنبرة مشدوهة مستنكرة عقب سماع تصريح جاسم المفاجئ، فجاءه رد الشيخ بتأكيد هادئ وحاسم:
ـ أقول لك ودي أطلب إيد صابرين يا عزازي.. هي محتاجة شرح؟
أخيراً استوعب عزازي الأمر وصدق ما كان يعده من قبيل المحال، فساد الصمت للحظات ثقيلة، قبل أن يخرج أول سؤال من بين شفتيه بحدة:
ـ ليه؟!
ـ ليه؟!
ـ أيوة ليه بالذات هي اللي اخترتها؟! معقول تكون البت اللي قولت دخلت بيتنا؟! هو أنت شفتها بتعمل إيه بالظبط عند النهر؟!
...يتبع
