رواية حاكم متاهة من الفصل الاول للاخير بقلم اماني سيد

رواية حاكم متاهة من الفصل الاول للاخير بقلم اماني سيد

رواية حاكم متاهة من الفصل الاول للاخير هي رواية من كتابة اماني سيد رواية حاكم متاهة من الفصل الاول للاخير لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية حاكم متاهة من الفصل الاول للاخير حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية حاكم متاهة من الفصل الاول للاخير

رواية حاكم متاهة من الفصل الاول للاخير بقلم اماني سيد

رواية حاكم متاهة من الفصل الاول للاخير

ـ عارفه يا نبويه انا نفسى اجوز ابنى لبنت مايكنش ليها حد يسأل عنها عايزه واحده تبقى زى الخاتم فى صباعى اقول يمين تبقى يمين شمال تبقى شمال 
عايزه واحده كده تبقى خدامه تحت رجليا وتسمع كلامى ومحدش يقولى انتى بتعملى ايه 
يا امنيه حياتى يا نبويه بس للاسف كل اللى رحنا اتقدمنا ليهم عنيهم تدب فيها رصاصه وقال ايه رافضيين يعيشوا معايا عايزين شقه منفصله ...
وانا ابنى غلبان اخاف اجوزه واحده تضحك عليه لازم يقعد معايا عشان اخلى باله منه لحسن مراته تركب عليه وتدلدل
ـ واللى يقولك الحل يا عايده تديله ايه 
ـ إيه ده انتى تعرفى واحده بالمواصفات دى ومخبيه 
ـ لأ بس اعرف ممكن تجبيها منين 
ـ ماتنطقى يا وليه على طول اجبها منين دى وانا من بكره اجوزه 
ـ المواضيع مابتتخدش قفش كده يا عايده واحده واحده عشان كل حاجه تمشى زى مانتى عايزه 
بصى هتروحى  دار ايتام موجود في محافظة البحيرة وقضى يوم كده هناك بحجه إنك عايزه تعملى خير 
ـ واشمعنى الدار دى يا نبويه 
ـ نبوية بخبث: "بصي يا عايدة، الدار دي فيها بنات زي الورد، بس الأهم إنهم مقطوعين من شجرة. يعني لا خالة تسأل ولا عم يفتش وراكي. هتروحي هناك وتفرزي بعينك.. تنقي اللي ملامحها هادية، اللي عينها مكسورة شوية، وتتقربي منها بالحنية في الأول.
أكلة حلوة من إيدك، كلمتين يثبتوها، هتحس إنك الأم اللي اتحرمت منها. وساعتها لو قولتلها ارمي نفسك في النار عشان خاطر "سي محمد" ابني، هترميها وهي مغمضة. والبنت من دول هتبقى شايفة إن قعدة البيت معاكي دي الجنة اللي كانت بتحلم بيها، ولا هتطلب شقة لوحدها ولا هتقول "لأ" ليكي أبدًا.
عايدة بلهفة: "يا بنت اللعيب يا نبوية! تصدقي فكرة؟ أهو هناك أضمن إن مفيش حد يقوّيها عليا، والبت تبقى تحت رجلى  وتخدمنا برمش عينيها. بس تفتكري الإدارة هناك هتوافق بسهولة؟"
ـ "يا خيبة.. انتي هتدخلي بشنطة الخير في إيد،
وبالنوايا الحسنة في الإيد التانية وكام كلمه حلوه على كام وعد كده. ومحمد ابنك بشغله وحاله يشجع أي حد. إحنا بس نوقع البنت في حبك انتي الأول، والباقي كله مقدور عليه."
عايدة وعينيها بتلمع: 
ـ أنا من بكره هحضر شنط الأكل وأسأل على عنوان الدار دي.. ده أنا هخليها خاتم في صباعي بجد، ومحمد يا عيني هيرتاح من وش النسوان اللي شايفين نفسهم اليومين دول.
ـ المهم انك قبل ما تروحى فى حته عرفى ابنك الاول انتى ناويه على ايه 
ـ ومن امته محمد ليه كلمه انا هنا الكلمه كلمتى والشوره شورتى اروح الاول واختار البت واختبرها براحتى وبعدين ابقى أقول لمحمد 
المهم عايزاكى تفضى انتى كمان وتيجى معايا 
— نبوية وهي بتعدل طرحتها: "خلاص يا عايدة، اعتبريني معاكي من النجمة، أهو أكسب فيكي وفى ابنك ثواب، والواحد برضه يغير جو في البحيرة ونشوف العرايس اللي هناك."
عايدة وعينيها بتلمع بشر: "أيوه كدة يا نبوية، هو ده العشم.. أنا بقى هقوم دلوقتي أطلع اللحمة من الفريزر، وهبعت أجيب جوزين بط وفراخ بلدي، لازم الأكل يبقى يرم العضم، عشان اللي مابتعرفش تمسك السكينة وتوقفي قدام البوتاجاز من أولها كده  تطلع بره حساباتي، أنا مش عايزة واحدة جاية تتمنظر بجمالها، أنا عايزة خدامه فى عقد زواج 
أنا عايزة أشوفهم وهمّ غرقانين في الزفر والخضار، مش جاية أضايفهم أنا.. أنا رايحة أنقي اللي حمالة قسية وإيدها واخدة على الشقى."
بدأت عايدة فعلًا تلمّ الشنط، حطت فيها اللحمة لسه بدمها، والفراخ والبط بخيرهم، وشكاير الرز والخضار. كانت بتنقي الحاجة اللي "غلبتها" كتير؛ القلقاس اللي محتاج تقشير وتخريط، والبصل اللي ريحته بتفضح النفس، والبط اللي محتاج مجهود في التنظيف.
نبوية كانت واقفة تتفرج عليها وهي بتقول: "أيوه يا عايدة، زودي من القلقاس والسبانخ، الحاجات دي هي اللي بتبين الست اللي بتعرف تخدم البيت بجد، مش اللي آخرها تعمل مكرونة وبانية."
في صباح اليوم التالي..
الطريق لمحافظة البحيرة كان طويل، بس عايدة مكنتش حاسة بالوقت، كانت بترسم في خيالها صورة البنت اللي "عينها مكسورة" وهي واقفة قدام البوتاجاز بتنفذ أوامرها. أول ما العربية وقفت قدام باب دار الأيتام، عايدة عدلت العباية السمرة، ونزلت هي ونبوية وهما شايلين الشنط التقيلة بالعافية عشان يبانوا إنهم "أهل خير" وتعبانين في شيل الأمانة.
دخلوا لمديرة الدار، وعايدة رسمت على وشها ابتسامة حنينة أوي، وقالت بصوت واطي ومكسور:
ـ انا جايه  من مصر مخصوص عشان ننول بركة البنات دول فى ناس حبايبنا هنا كلمونا كتير عنهم وعم ادبهم  وانا بصراحه قاعده عند قرايبى وقولت اجى اقضى يوم هنا و بدل ما نجيب أكل جاهز ملهوش طعم، نجيب الخير ونطبخه هنا وسطيهم، يشموا ريحة الطبيخ البيتي ويحسوا إن ليهم أهل أنا ماليش بنات ونفسى فى بنت فقولت اجى هنا مع البنات دى .. بس أنا زي ما أنتي شايفة يا بنتي، صحتي على قدي ورجلي بتوجعني، فلو تسمحيلي بكام بنت من الكبار الشاطرين يساعدوني في المطبخ، أهم يتعلموا وأهم يسلوني."
المديرة رحبت بيهم جدًا وانخدعت في المنظر، وندت على ٥ بنات من كبار الدار، سنهم يترواح من ١٨ ل ١٩ سنه  وقالتلهم: "ساعدوا الحاجة عايدة يا بنات، ده يوم خير."
عايدة أول ما دخلت المطبخ مع البنات هى و نبوية، بدات فى تقييم البنات  ، حطت الشنط على الرخامة وقالت بلهجة فيها أمر مستتر ورا ضحكة صفرا:
"بصوا بقى يا حلوين، أنا مابحبش حد يمد إيده في الأكل غير لما يغسل إيده بالصابونة دي.. يلا يا شاطرة أنتي وهي، البط ده عايز يتنظف ويبقى قشطة، والقلقاس ده يتخرط مكعبات قد بعضها، والرز يتنقى بالواحدة.. أنا هقعد هنا أنا والست نبوية نشرف عليكم، ونساعدكم  
قعدت عايدة على كرسي في ركن المطبخ، وطلعت سبحتها، بس عينيها مكنتش على السبحة.. عينيها كانت زي الرادار، بتراقب مين اللي مسكت السكينة بتمكن، ومين اللي وشها كشر من ريحة البصل، ومين اللي بدأت تشتغل من سكات وهي مطأطأة راسها.
نبوية مالت على ودن عايدة وقالتلها وشوشة: ـ 
ـ شوفي البت اللي لابسة طرحة بيضا هناك دي يا عايدة، إيدها خفيفة في تنظيف البط وساكتة خالص، لا اشتكت من ريحة ولا رفعت عينها فيكي."
عايدة ضيقت عينيها وهي بتراقب البنت، وقالت ببرود:
ـ  "لسه يا نبوية.. الاختبار لسه في أوله، لما نشوف نفسها في النفس والتحمير هيبقى إيه، واللاهم من ده كله.. هتستحمل لساني لما أعلق على شغلها ولا هتتذمر؟"
فضلت عايده قاعده وتفتح مواضيع مع البنات عن حياتهم وتربيتهم 
ولاحظت إن فى بنت فيهم هاديه زيادة عن الباقى البنت اللى كانت بتنضف البط وبدأت عايده تركز معاها اكتر فى الاسئله والبت بتجاوبها على استيحاء 
عايدة مالت بجسمها لقدام شوية وهي بتراقب "زينب" ومنزلتش عينها من عليها، البنت كانت شغالة في صمت رهيب، إيدها بتتحرك بمهارة في تنظيف البط وماسكة السكينة بخفة، وملامحها فيها هدوء غريب يريح الأعصاب.. جمالها هادي وبسيط، وعينيها فيها نظرة "انكسار" هي دي اللي عايدة بتدور عليها.
عايدة بصوت واطي لنبوية: "شايفة يا نبوية؟ البت دي لا بتبرطم ولا بتنفخ زي الباقيين، وشكلها كده مالهاش في اللت والعجن."
عايده همست لنبويه بصوت واطى 
ـ عايزاكى تروحى تسالى عنها وتعرفى ايه قصتها 
وانا هفضل هنا اتكلم معاها واتعرف عليها 
عايدة عدلت طرحتها ورسمت على وشها  ابتسامة حنية، وقامت من مكانها بالراحة وهي بتتسند على العصاية تمثيل، وراحت وقفت جنب زينب اللي كانت لسه بتنضف الخضار .
مدت عايدة إيدها وطبطبت على كتف زينب بحنان مصطنع وقالت بصوت هادي وواطي:
ـ  بسم الله ما شاء الله عليكي يا بنتي.. إيدك فيها البركة، والله فكرتيني بنفسي وأنا قدك، كنت شاطرة وبحب اللمة والخدمة زيك كده.
زينب رفعت عينيها وبصت لعايدة بامتنان، وكأنها أول مرة تسمع كلمة حلوة من حد غريب
ـ تسلمي حضرتك  ده من ذوقك والله.. أنا بس بحب الحاجة تطلع مظبوطة عشان اللي ياكل يدعي لنا."
عايدة لفت إيدها حوالين كتف زينب وكأنها خايفة عليها من الهوا: "يا حبيبتي يا بنتي.. والله قلبي انشرح لك من أول ما شوفتك. تعالي يا زينب، سيبي السكينة دي لحظة وارتاحي.. أنتي باين عليكي شايلة الهم من صغرك والدار هنا حملها تقيل."
نبوية كانت بتراقب المشهد من بعيد وهي بتضحك في سرها على تمثيل عايدة اللى لو مكنتش متفقه معاها كانت صدقتها
عايدة سحبت كرسي صغير وقعدت جنب زينب وهي لسه محاوطاها بإيدها، واتكلمت  بصوت واطي كأنها بتوشوش سر:
ـ قوليلي يا زينب يا ضنايا.. أنتي كملتي علامك ولا الدار هنا اكتفوا بيكي في المطبخ؟"
زينب بابتسامة رقيقة ومرسومة بالخجل: 
ـ لا حضرتك ، أنا الحمد لله أخدت دبلوم تجارة.. كان نفسي أكمل كلية بس النصيب، والدار هنا وقفوا جنبي لحد ما خلصت، ومن وقتها وأنا بساعدهم في كل حاجة؛ طبيخ، تنظيف، حتى حسابات المطبخ أنا اللي بمسكها."
عايدة لمعت عينيها أكتر وقالت في سرها
"يعني كمان بتعرف تحسب وتدبر؟ ده أنتي لقطة مكنتش أحلم بيها!".. وراحت قايلة بصوت مسموع: 
ـ يا ما شاء الله.. متعلمة وشاطرة ومدبرة! طب وأنتي يا بنتي، عمرك ما فكرتي تخرجي بره الدار دي؟ يعني تشتغلي، أو... تفتحي بيت؟"
زينب وطت راسها في الأرض والكسوف غطا وشها: "أروح فين بس ؟ أنا ماليش بره الدار دي لا حيطة تداريني ولا سند يتشد بيه الضهر. الشغل صعب لبنت زيي ملهاش حد، والجواز... ده نصيب، ومحدش بيخبط على باب واحدة ملهاش أهل يسألوا عليها."
عايدة راحت ضاغطة على إيدها بحنية مزيفة
ـ يا هبلة! ده الأهل هما اللي بيعملوا المشاكل، إنما البنت اللي زي الورد زيك كده، بتبقى هي السند لنفسها وللي يتجوزها. أنتي عارفة يا زينب، أنا طول عمري بدعي ربنا يرزق ابني محمد ببنت 'قنوعة'، مش بتاعة مظاهر وكلام فارغ، بنت تحس بقيمة البيت وتحافظ عليه."
ـ ربنا يباركلك فيه حضرتك وتفرحى بيه
ـ بقولك ما كفايه كلمه حضرتك دى قوليلى يا ماما انا ماخلفتش بنات وهعتبرك بنتى 
ضحكت زينب وحضنتها ظنت انها ممكن تكون لها سند 
تفتكروا فعلاً عايده هتتقى ربنا فى زينب ولا هتوريها الع..ذاب ألوان ؟؟
وياترى ايه قصه نبويه والفكره دى جاتلها وليده اللحظه أم عن تجربه سابقه ؟؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
في أفخم فيلا في المنطقة، كان الهدوء اللي فيها يسبق العاصفة.. جناح رحيم كان عبارة عن خلية نحل، بس نحل بيتحرك بحساب، مفيش نفس عالي، مفيش حركة غلط.
رحيم كان واقف في النص زي التمثال ، عينه مركزه في نقطه معينه  ووشه مبيقولش أي حاجة، لكن حضوره كان كفيل يهز المكان. الخدم والمساعدين حواليه "على شعرة"، كل واحد عارف دوره بالمللي وكأنهم في عرض عسكري صامت:
اللي بيظبط لياقة البدله اللي متفصلة مخصوص عشان تليق بكتفه، واللي بيلمع الجزمة لدرجة إنك تشوف فيها صورتك.
واحد تاني بيقفل زراير القميص بحذر، والتالت بيلبسه الساعة "الروليكس" اللي دقاتها هي اللي بتمشي وقت السوق كله.
اللمسة الأخيرة: رشة البرفان اللي ريحتها "هيبة وغموض"، أول ما بتظهر بتعرف إن "الكبير" وصل.
ووراه بمسافة محسوبة، كانت واقفة المساعدة بتاعته، عينها في الآيباد وصوتها واطي وواضح وهي بترص له جدول اليوم:
"يا فندم، كل التقارير جاهزة على المكتب.. الاجتماع الساعة 10، والكل في انتظار إشارة من حضرتك."
رحيم ماردش، بس نظرة عينه في المراية كانت بتقول إن اليوم ده مش هيعدي بسلام، وإن اللي جاي تقيل.
أول ما رحيم اتحرك، السكون اللي كان في الجناح اتحول لحركة سريعة ومنتظمة وراه.. نزل السلم بخطوات ليها رنة بتعلن عن وصوله، والكل ماشي وراه "حرس ومساعدين" كأنهم جيش بيتحرك ورا القائد بتاعه.
قدام الفيلا، كانت العربية "المرسيدس السوداء" مستنياه، الباب اتفتح له في ثانية بوقار، ركب في الكنبة الورانية ببرود تام.. السكرتيرة أخدت مكانها جنب السواق، وعينها مابتفارقش ملفات الشغل، والكل اتحرك في موكب بيشق طريق القاهرة لغاية ما وصل لقلب الشركة.
رحيم مش مجرد اسم في السوق، ده إمبراطورية ماشية على الأرض:
مزرعة ومصنع الألبان: اللي منتجاتها مالية البيوت ومسيطرة على السوق، واللي بتمثل النفس اللي بيتنفسه السوق المصري في المجال ده.
القرية السياحية: تحفة معمارية على البحر، مخصصة بس للصفوة وللي يقدروا يدفعوا ثمن الرفاهية اللي رحيم راسمها بخياله.
مجموعة الشركات: أخطبوط ممدود في كل حتة، من عقارات لتجارة، وكل خيط فيهم مربوط بكلمة واحدة منه.
داخل غرفة الاجتماعات الرئيسية في "مجموعة شركات رحيم
عشرة من كبار المديرين والخبراء قاعدين، والكل عينيه في الورق اللي قدامه، مفيش حد بيجرؤ يرفع عينه في "رحيم" اللي قاعد في صدر التربيزة، ساند ظهره ببرود، وبيلعب بخاتم فضة في إيده، وعينه مركزة في الشاشة الكبيرة اللي معروض عليها تقارير الخسارة في قطاع الألبان الشهر ده.
رحيم بصوت واطي وواضح، صوته فيه رنة تخوف:
ـ "يعني إيه شركة 'الصافي' تاخد مننا 15% من حصة السوق في أسبوعين؟ يعني إيه المصنع بتاعهم يغرق المحافظات بمنتج سعره أقل، وإحنا قاعدين بنتفرج؟"
مدير التسويق بلع ريقه وبدأ يتكلم وصوته بيترعش:
ـ "يا فندم، هما بيضربوا في السعر، وبيعتمدوا على مواد حافظة رخيصة، إحنا جودتنا أعلى بكتير وده اللي مخلي سع..."
رحيم قاطعه بنظرة واحدة خلت الراجل يسكت فوراً:
ـ "الجودة دي كلمتي أنا.. السعر ده شغلك أنت. أنا مش ببيع لبن وزبادي، أنا ببيع 'اسم رحيم'. لما 'الصافي' يتجرأ ويحط منتجه جنب منتجي في الثلاجة، يبقى أنت قصرت في شغلك."
قام رحيم من مكانه بالراحة، واتمشى لحد الشباك وهو مدي ظهره للكل:
ـ "الصافي مش منافس.. الصافي ده 'غلطة' ولازم تتصلح. أنا عايز تقرير كامل عن الموردين بتوعهم قبل نهاية اليوم. كل مزرعة بيتعاملوا معاها، وكل مخزن بيوزعوا فيه. الصافي لو ملقاش لبن يورده للمصنع، مش هيلاقي منتج يبيعه."
واحد من المستشارين القانونيين اتكلم بحذر:
ـ "بس يا فندم، دي هتبقى حرب علنية، وممكن السوق يتأثر.."
رحيم لفت له بابتسامة باردة مفيهاش أي نوع من الرحمة:
ـ "أنا مش عايز حرب.. أنا عايز 'استحواذ'. الشركة دي تقع في خلال شهر، وتيجوا تمضوني على ورق شرائها بنص تمنها. اللي يقف قدام قطر رحيم، لازم يعرف إنه هيداس."
خبط بإيده خبطة خفيفة على التربيزة وكمل:
ـ "الاجتماع خلص.. قدامكم 24 ساعة، والخبر اللي يوصلي هو إن موردين 'الصافي' بقوا موردين عندنا، أو اعتذروا عن الشغل معاهم. اتفضلوا."
الكل قام في صمت وسرعة، وبدأوا يخرجوا وهما بيفكروا فى كلام رحيم وازاى ينفذوه ، ورحيم فضل واقف لوحده قدام الشباك، عينه على القاهرة كأنه بيملكها، 
فى مكان تانى فى بيت عايده كانت قاعده مع ابنها 
وبتحكيله تفاصيل زيارتها بدار الايتام 
روحت انهارده مع خالتك عزيزه دار الايتام ولقيتلك عروسه انما ايه بنت ولا اجمل 
ـ تانى موضوع العرايس دى مانتى عارفه اللى فيها من ساعه الحادثه اتجوزت كأنى ماتجوزتش 
ـ عشان كده يا محمد روحت دار الايتام عشان اجبلك واحده غالبانه يتيمه مالهاش حد يسأل عليها ولا يقولك دخلت ولا مادخلتش ولا عاملتها حلو ولا وحش وفى نفس الوقت مش هتقدر تخرج سرك بره لانها هتخاف 
ـ طيب افرضى عرفت اللى فيها واترسمت 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ـ طيب افرضى عرفت اللى فيها واترسمت 
ـ تترسم على إيه يا حسرة؟ ده أنا بقولك يتيمة، يعني مقطوعة من شجرة، لا ليها حيطة تداري فيها ولا ضهر تتسند عليه غيرك، دي لو عرفت اللي فيها هتحمد ربنا إنها لقت سقف يلمها وراجل يستر عليها.
ـ يا أمي البنات اليومين دول مابيعجبهمش العجب، واليتيمة دي بكرة تفتح عينها وتعرف إنها ناقصة حاجة وتذلني بيها.
ـ تذل مين يا واد؟ إنت ناسي إنك محمد ابن عايدة؟ وبعدين هي مين أصلاً عشان تتكلم؟ دي واحدة طالعة من دار، يعني لو سيبتها هترجع للشارع أو للخدمة في البيوت، إنما لما تدخل بيتك وتاكل لقمة نظيفة وتلبس وتتشخص، هتبوس إيدك وش وظهر إنك رضيت بيها، وساعتها لو عرفت حاجة هتكتم في قلبها وتدارى عليك عشان تخاف على اللقمة اللي بتاكلها.
ـ يعني إنتي شايفة إن ده الحل؟
ـ هو ده الستر يا حبيبي، نجيب واحدة تداري وتعيش، لا حد يجي يفتش وراك ولا خالة تسأل بنتها زعلانة ليه، نكسر عينها بجمايلنا ونضمن سكوتها للأبد، والعروسة زي القشطة وهتعجبك، وبكرة تقول أمي عرفت تختار
وافق محمد على كلام عايده والحديث جه على هواه أولا هيقطع السنه الناس وتانى حاجه اهى تخدم امه ولو كمل علاجه وبقى كويس يقدر بعدها يتجوز اللى تعجبه من غير ما حد يحاسبه 
فى اليوم التالى قررت عايده انها تعدى يومين وتروح تانى للملجا والمره دى هتتكلم مع مدام حنان مديره الملجا 
مدام حنان ست طيبه بتخاف على بنات الملجئ وبتعتبرهم زى بناتها وهما رينادوها بماما 
"""""""********""""""*******"""""""*****
بعد يومين بالظبط، عايدة كانت واقفة قدام باب الملجأ ومعاها عزيزة تاني.. المرة دي عايدة جايبة معاها "شنط حلويات" وفاكهة كتير، كأنها داخلة على أهل بيتها.
دخلوا لمدام حنان المكتب، اللي أول ما شافتهم ابتسمت ابتسامة صافية وقامت ترحب بيهم:
ـ "أهلاً يا ست عايدة، نورتينا.. ده البنات لسه بيحكوا عن زيارتك اللي فاتت."
عايدة حطت الشنط على المكتب بتمثيل متقن:
ـ "والله يا مدام حنان، يا أم البنات كلهم، أنا اللي من يوم ما جيت والضحكة اللي شفتها في عيون البنات مش مفارقة خيالي.. قلت لازم أعدي أطمن عليهم وأجيب لهم حاجة حلوة."
مدام حنان عيونها لمعت بحنان: "ربنا يبارك فيكي يا حبيبتي، هما فعلاً محتاجين الكلمة الحلوة قبل أي حاجة.. البنات هنا غلابة وبنعتبرهم ولادنا اللي مخلفناهمش."
هنا عايدة سحبت الكرسي وقربت من مدام حنان، ووطت صوتها بنبرة فيها "ثقة" ومودة:
ـ "وعشان إنتي أمهم وبتخافي عليهم، أنا جيت لك النهاردة في موضوع يخص زينب.. أنا مش عارفة ليه البنت دي بالذات دخلت قلبي من أول نظرة، وحسيت إن ربنا باعتني ليها وهي مبعوتة لي.. أنا كنت بتمنى أخلف بنت تونسني في الكبر ، وقلت في نفسي: يا عايدة، مفيش أحسن من زينب تكون بنتي ومرات ابنى في نفس الوقت.
مدام حنان سكتت وبدأت ملامحها تبقى جد شوية:
ـ "جواز يا ست عايدة؟ زينب لسه صغيرة، وإحنا هنا بنخاف عليهم زي عنينا.. إنتي عارفة إنهم ملهمش ضهر غير ربنا وإحنا."
عايدة مسكت إيد مدام حنان بلهفة:
ـ "وعشان كدة جيتلك إنتي.. محمد ابني مهندس وسيد الرجالة، وعنده شقته، ومش عايز غير واحده تراعى ربنا فيه وتصون بيته .. هو عايز واحدة يسترها وتستره، وأنا عايزة بنت تبقالى بنت وانت ابقلها ام وتخافلى احفاد كتير ونعمل بيت وعزوه .. إحنا هنكون ضهرها يا مدام حنان، والبت هتعيش ملكة، لا حد هيسأل وراها ولا حد هيكسر بخاطرها.. ده أنا هحبها أكتر من محمد نفسه!"
عزيزة دخلت في الكلام بسرعة: "والله يا مدام حنان، عايدة دي قلبها أبيض، ومحمد ابنها ملوش في السهر ولا اللعب، راجل دغري وبتاع شغله.. فكري في مصلحة البنت، بدل ما تخرج للدنيا لوحدها."
مدام حنان بصت للفراغ لحظة، وبدأ الصراع يبان على وشها.. بين خوفها على "بنتها" وبين فرصة "فى زوج يصونها ويحميها " وحما تتقى رينا فيها 
وفى نفس الوقت خايفه تكرر غلط حصل زمان 
رفعت حنان عينها مره تانيه وبصت لعايده 
ـ بصى يا حاجة عايده انا اهم حاجه عندى هى راحه البنات ومستقبلهم وفى الاول والاخر الرأى ليها بس قبل أى شئ إحنا لازم نسأل عنكم الاول ولو السمع خير مافيش مانع نحدد يوم ونكون موجودين والولد والبنت يتقابلوا ويتكلموا مع بعض 
وافقت عايده وهى بتبسم على كلام حنان لانها عارفه انها مهما سالت محدش هيفيدها بحاجة لأن محدش يعرف عنهم غير انهم ناس عاديه وفى حالهم ومالهمش اختلاط بحد وبخصوص حادثة ابنها محدش يعرف ازاى اثرت عليه كل اللى يعرفوا انها حادثه وقام منها 
ياترى زينب هتوافق على محمد وهيتجوزوا ولا للقدر رأى اخر ؟؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بصت عايده لنبويه بصت انتصار وخبث  لانها عارفه انهم لو جم سألوا محدش هيفيدهم وخلاص انها مقربه من انها  تجوز ابنها لزينب وتاخدها معاها فى محافظه وبلد غير اللى عايشه فيهم مهما تعمل معاها لا هتلاقى قريب ولا حبيب يقف فى صفها 
طلبت عايده من حنان انها تقابل زينب  وتسلم عليهم 
ـ ممكن طيب اقابل زينب أسأل عليها 
قالت حنان بنبرة حازمة لكن هادئة:
— مفيش مانع يا ست عايدة، بس ياريت المقابلة تكون في حدود السلام والاطمئنان وبس.. يعني بلاش نفتح مواضيع ممكن تشوشر على البنت دلوقتي، لحد ما الأمور تترتب ونفهم الدنيا رايحة فين.
عايدة رسمت الابتسامة الصفرا وقالت بتمثيل متقن:
— يا خبر يا ست حنان! ده أنا زي أمها، وأخاف على زعلها قبل أي حد.. ده أنا بس وحشتني وقولت أملي عيني منها
أول ما حنان وافقت، زينب دخلت أوضة المقابلة والابتسامة مش مفارقة وشها.. كانت ماشية بسرعة، مصدقة إن فيه حد أخيراً افتكرها وجه يسأل عليها في غربتها دي.
​زينب بلهفة وفرحة:
— طنط عايدة! طنط نبوية! مش مصدقة إنكم جيتوا وزرتوني.. نورتوا الدار والله.
​عايدة قامت خدتها بالحضن وبتطبطب عليها بتمثيل:
— يا حبيبتي يا زينب، ده إنتي اللي منورة الدنيا كلها.. إزاي نهون عليكي نسيبك هنا لوحدك؟ ده إحنا بالنا مشغول بيكي ليل نهار.
​قعدوا التلاتة، ونبوية كانت قاعدة بتبص لزينب بصات "تفحص" كأنها بتعاين بضاعة، وعايدة عمالة توزع ابتسامات يمين وشمال. وفجأة، نبوية راحت مطلعة موبايلها من الشنطة وقامت وقفت وهي بتقول بلؤم:
— طيب يا جماعة، كملوا كلامكم عقبال ما أرد على التليفون ده.. أصلهم بيرنوا عليا من الصبح بخصوص "البيت الجديد" اللي بنوضبه، ولازم أرد ضروري.
​انسحبت نبوية وسابتهم، فمالت عايدة على زينب بوش الحنية المزيف وقالت لها:
عارفه يا زينب انا نفسى تكونى بنتى لانى من اول ما شوفتك وانا حسيت بحاجه بتشدنى ليكى تعرفى انى جيتلك مخصوص 
ـ بجد يا طنط 
ـ قوليلى يا ماما ... اه بجد ده انا قاعدت اتكلم مع ابنى عليكى كتير واحكيله عنك لدرجه انه بقى نفسه يشوفك من كتر كلامى عنك 
زينب وشها بقى زي الدم، نزلت عينيها في الأرض وفضلت تفرك في إيديها بتوتر، مش عارفة ترد تقول إيه.. حست بإحراج رهيب، بس في نفس الوقت، فيه جزء جواها كان "عطشان" للاهتمام ده، لدرجة إنها مخدتش بالها من النوايا اللي ورا الكلام.
عايدة شافت سكوتها ده، فابتسمت ابتسامة عريضة وقربت منها أكتر، وهمست لها:
— تعرفي يا زينب.. أنا طلبتك من مدام حنان، وهي قالت لي بالحرف إنها هتسأل عننا الأول، ولو لقت كل حاجة تمام هي اللي هتكلمك وتعرض عليكي الموضوع.. يعني أنا جاية لك دغري أهو ومش مخبية عليكي حاجة.
زينب كانت بتسمع وهي مذهولة، ونفسها مكتوم من المفاجأة، فكملت عايدة بلؤم أكتر:
— أنا بصراحة كده يا بنتي، عايزة أجوزك ابني محمد، وهو وافق وبصم بالعشرة من كتر كلامي عنك.. بس ليا طلب بسيط خالص، أنا نفسي إنتي ومحمد تتجوزوا معايا في الشقة، نعيش سوا ونساعد بعض في شيل البيت، وتخلفي لي حتة عيل أشيله وأفرح بيه وهو بيكبر قدام عيني.. يملى عليا دنيتي.
عايدة مسكت إيد زينب وضغطت عليها بحنية مصطنعة وقالت لها:
— عشان كده يا زينب، لو إنتي ماعندكيش اعتراض، عايزاكي توافقي على جوازك من محمد، وأنا أوعدك إني هبقالك أم تانية، ومش هخليكي تحسي بغربة أبداً.
زينب في اللحظة دي حست إن الدنيا بتلف بيها.. من ناحية كلام عايدة فيه "الستر" اللي بتتمناه، ومن ناحية تانية حست بمسؤولية كبيرة وتردد، بس نظرة عايدة كانت محاصراها ومستنية منها رد فعل.
كملت عايده كلام 
— بصي يا زينب.. مدام حنان نبهت عليا إني مأتكلمش معاكي في أي حاجة دلوقتي، عشان كده أنا مش عايزاها تعرف خالص إني فتحت معاكي السيرة دي، خلي سرنا في بير يا بنتي.
زينب رفعت راسها باستغراب والخوف بدأ يتسرب لقلبها:
— طب ليه يا ماما؟ مش حضرتك قلتي إنها موافقة؟
عايدة بابتسامة صفرا ضغطت على إيدها:
— يا حبيبتي هي موافقة، بس الأصول والروتين بتاع الدار بيخليهم يلفوا ويدوروا، وأنا مش عايزة عطلة.. أنا قولتلك دلوقتي عشان أديكي فرصة تفكري براحتك بعيد عن ضغطهم، وعشان لما هي تيجي تفتح معاكي الموضوع، تبقي عارفة راسك من رجلك وتردي بـ "آه" وإنتي مطمنة.. إحنا عايزين نخلص الإجراءات بسرعة ونخدك في حضننا، مش كفاية السنين اللي ضاعت من غير ما نكون سوا؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
في اللحظة دي، نبوية رجعت وهي بتراقب الباب بطرف عينها، وقالت بصوت مسموع عشان لو حد معدي:
— ها يا ست عايدة؟ مش يلا بينا بقى عشان نلحق نخلص مشاويرنا؟ البنت زينب شكلها تعبت مننا النهاردة.
عايدة قامت وقفت، ومالت على ودن زينب ووشوشتها بكلمة أخيرة كأنها "قفل" على عقلها:
— فكري يا زينب.. فكري في "محمد" وفي البيت اللي هيلمنا، وافتكري إنك لو حكيتي لمدام حنان دلوقتي ممكن تعقد الأمور وتقول البنت لسه مش جاهزة وتخليكي هنا سنة كمان.. والقرار في إيدك.
مشيت عايدة ونبوية، وسابوا زينب قاعدة مكانها، الحيرة واكلة قلبها
خرجت عايده مع نبويه وركبوا العربيه عشان يروحوا البيت 
فى العربيه سألت نبويه عايده ليه حكت لزينب رغم تنبيه حنان ليها
ـ هموت واعرف ليه عرفتى البت دلوقتي 
ـ ده اختبار ليها عشان اعرف اذا كانت هتمسك لسانها ولا لأ لو مسكت لسانها هتبقى دى اللى عليها العين إنما لو راحت كلمت حنان وعرفتها انى كلمتها يبقى البت دى ماتلزمنيش انا مش عايزه واحده تحصل حاجه فى البيت الاقى تانى يوم الشارع كله عارفها 
ـ مش سهله انتى يا عايده
ـ مهما كان يا نبويه دى ناس احنا مانعرفش عنها حاجه مانعرفش اصلها ولا فصلها ومش أى واحده تدخل بيتنا كده وخلاص لازم اتاكد انها امينه وهتصون السر 
سكتت كل واحده فيهم وبصوا للطريق ورجعت عايده بصت مره تانيه لنبويه بطرف عنيها وسالتها 
ـ إلا صحيح يا نبويه اننى جبتى الفكرة دى منين اكيد مش وليده اللحظه يعنى 
ـ هو انتى اكل وبحلقه
ـ لا بس عايزه اعرف الفكره دى جتلك إزاى وعرفتيها منين غير لو حاجه حصلت قدامك او شوفتى حد عملها قبل كده 
سكتت نبوية وسرحت، وعينيها باصة للطريق بس هي مش شايفة الأسفلت، هي شايفة ذكرى من تلات سنين فاتت.. وقت ما كانت في البلد بتزور واحدة قريبتها وقاعدة معاها تقضي الإجازة.
​شافت وقتها بنت غلبانة، كانت يتيمة ووحيدة، والناس في البلد بيبصولها بصه عطف بس من بعيد لبعيد. كانت البنت دي بتشتغل في البيوت، تكنس وتمسح وراسها دايماً في الأرض، لا ليها صوت ولا ليها طلبات. قريبتها دي كانت ست قوية ومسيطرة، جابت البنت وجوزتها لابنها اللي كان "تعبان" ومحدش راضي بيه، بس البنت سكتت واستحملت وشالت البيت كله على كتافها، والأهم من ده كله إنها كانت "صندوق أسود".. مهما انضربت أو اتهانت، مكنش حد بره البيت بيعرف عنها حاجة، ولا عمر حد سمع لها حس.
​نبوية وقتها بهرتها الفكرة، شافت إزاي "الكسر" بيخلق طاعة عمياء، وإزاي البنت اللي ملهاش ضهر بتبقى زي العجينة في إيد اللي يلمها.
​نبوية فاقت من سرحانها ورجعت لعايدة اللي لسه مستنية الرد، وقالت بنبرة فيها فخر مكتوم:
— شوفتها بعيني يا عايدة.. شوفت واحدة كانت زي زينب كده، ملهاش حد، وقريبتي "كسرت سمها" من أول يوم بالجواز والخدمة، وبقت زي الخاتم في صباعها. البنت اللي ملهاش حد يسأل عليها، بتبقى أحسن خدامة وأطوع زوجة، لأنها عارفة إن مفيش باب تاني يتفتح لها لو انطردت.
احكيلى قصه البت دى نسلى نفسنا واحنا فى الطريق كده 
( كان اوجاع الناس اصبحت للتسليه ) 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
البنت اللي ملهاش حد يسأل عليها، بتبقى أحسن خدامة وأطوع زوجة، لأنها عارفة إن مفيش باب تاني يتفتح لها لو انطردت.
عزه كانت بنت غلبانه اتربت فى ميتم اهلها ماتوا ومالهاش اعمام وخلنها ودوها ملجأ بعد موت أهلها 
البت كبرت ووصلت ل ١٦ سنه كان ابن قربتى ده شغال فى نفس المحافظة اللى فيها الملجأ شافها حبها وفضل يرسم عليها الحب صدقته وفضلت معاه لحد ما تمت ١٨ سنه ولما جه يتجاوزها اهله كلهم رفضوا لكن هو صمم وهددهم أنه هيسيبلهم البيت ويمشى ...
تخت ضغطه اهلوا وافقوا ظاهريا بس من بينهم وبين بعض هما مش معترفين بالجوازه دى أصلا هما شايفين إن الممنوع مرغوب وكل اما هيرفضو هو هيتعلق بيها أكتر 
المهم راحوا خطبوها والدار سألوا عليهم ومحدش قال عنهم حاجه وحشه 
الدار وافقت وفعلاً البنت اتجوزت الولد وسافرت معاه البلد بتاعتهم 
طبعاً ماهتموش بعفش جابوا ارخص حاجه لانهم جايبنها جوازه مؤقته 
وقدام الدار فرشوا الشقه ووصلوا البنت وعملوا اللى عليهم 
تانى يوم الصبح حماه البنت طلعتلها فى الصباحيه 
فتحت "عزة" الباب وهي لسه بيجامه بسيطه ، ووشها كان منور بابتسامة خجولة، كانت فاكرة إن حماتها طالعة تبارك لها أو تطمن عليها زي ما بتسمع عن الأمهات. لكن الصدمة كانت في ملامح "الحما" اللي مكنش فيها ذرة ود.
دخلت الست الشقة من غير حتى ما تقول "صباح الخير"، وبدأت تمشي إيدها على العفش الرخيص وهي بتلوي بوزها باحتقار، وبصت لعزة من فوق لتحت وقالت بنبرة خالية من الرحمة:
ـ أهو البيت اللي كنتي بتحلمي بيه يا بت يا مقطوعة من شجرة.. بس خليكي عارفة، البيت ده ليه قوانين، وإنتي هنا مش ست بيت، إنتي هنا عشان تريحي ابني يومين لحد ما يفوق لنفسه، والحد ده ما يجي، إيدك ما تلمسش لقمة غير لما تشوفي طلبات البيت كله الأول.. يالا يا عروسة، اقلعي شيفوناتك دي وانزلي امسحي السلم من فوق لتحت، أصلنا مش جايبينك عشان تقعدي تحطي رجل على رجل!"
عزة وقفت مذهولة، دموعها اتجمدت في عينيها. كانت فاكرة إن الجواز هيحميها وهيعوضها عن عليتها اللى فقدتها 
لكن للأسف الخذلان 
الخذلان لما بييجي من المكان اللي كنا فاكرينه "الأمان"، بيبقى طعمه أمرّ من اليتم نفسه
عزة في اللحظة دي حست إن الحيطان اللي فرحت بيها وهي بتفرشها، بدأت تضيق عليها وتتحول لقفص.
عزة بلعت ريقها ودارت ملامح صدمتها ورا ابتسامة باهتة مليانة رجاء، وبصت لحماتها بكل طاعة
ـ حاضر يا ماما.. اللي تؤمري بيه هعمله، من عيني، السلم دلوقتى يبقى زي القشطة.
دخلت بسرعة جابت طرحتها ولمت فستانها، وبدأت تشتغل بهمة ونشاط وهي بتقول لنفسها: "هي أكيد لسه مش عارفاني، وواخدة على خاطرها عشان محمود صمم يتجوزني غصب عنهم.. بس لما تشوف شطارتي ونظافتي، وتلاقيني شايلة البيت كله على كتافي وما بقولش لأ، قلبها هيلين.. بكره تحبني وتعتبرني بنتها ، هي بس محتاجة وقت."
سعيد  وقف يراقبها من بعيد وهو حاسس براحة إنها "ريحت دماغه" ومعملتش مشكلة مع أمه، وسابها ونزل يقعد مع أبوه وإخواته، وساب عزة في أول يوم ليها في البيت غرقانة في المية والمنظفات، بتمسح السلم وهي بتغني بصوت واطي ومنكسر أغنية حزينة كانت بتسمعها في الملجأ، وكأنها بتهون على نفسها التعب.
حماتها كانت واقفة في البلكونة بتبص عليها، وبدل ما قلبها يحن، بصت لجوزها وقالت بلؤم:
ـ أهو ده اللي كنت خايفة منه.. دي واخدة على الشقا، ولا كأنها عروسة في صباحيتها! دي باين عليها هتاكل الجو وتعمل فيها المظلومة عشان تقلب ابنك  علينا.. بس على مين، ده أنا هخليها تلف حوالين نفسها لحد ما تقول حقي برقبتي 
ـ عايزك تشيليها كل الحمل لحد ما تهزق وتدبل وابنك بنفسه يكر.هها او هى تطلب الطلاق 
عزة كانت بتتعامل مع البيت كأنه معركة لازم تكسبها بالحب والتفاني. كانت فاكرة إنها كل ما بتزود في المجهود، كل ما بتقرب من قلب حماتها خطوة.
عزة بقت شعلة نشاط مابتطفيش، "سعيد" يدخل البيت يلاقي ريحة النظافة واصلة لآخر الشارع
نزلت شقه حماتها 
شالت السجاد وغسلته، مسحت الخشب بملمع عملته بنفسها، وغسلت الحيطان لحد ما بقت بتبرق. حتى النحاس القديم اللي مركون فوق الدواليب نزلته ولمعته لحد ما رجع جديد.
دخلت المطبخ وعملت الأصناف اللي "سعيد" وأمه بيحبوها؛ المحشي اللي بياخد غلبة، والبط والرقاق.. وقفت طول النهار على  عشان توفر اللقمة الحلوة ليهم
لما خلصت كل حاجة، ولقيت إن مفيش فتفوتة تراب في البيت، ومفيش معلقة مش في مكانها، وقفت قدام المراية ثواني، حاولت تعدل طرحتها وتمسح وشها اللي بقى شاحب وعرقان، وقالت لنفسها بابتاسة منكسرة: "أكيد النهاردة هترضى عني.. البيت بقى زي القصر، والأكل ريحته تجوع
. أكيد يا عزة لما تدخل وتشوف اللي عملتيه، هتقولي تسلم إيدك يا بنتي.. هي بس كانت بتختبر صبري."
أول ما سمعت صوت مفتاح "سعيد" في الباب، وشها نور، وحماتها دخلت وراها. عزة راحت عليهم بلهفة: 
ـ حمد الله على السلامة يا ماما، حمد الله على السلامة يا سعيد.. ادخلوا شوفوا البيت، أنا عملت كل اللي طلبتيه وزيادة، والأكل سخن ومستنيكم."
سعيد دخل وبص للنظافة وقال
ـ تسلم إيدك يا عزة، البيت فعلاً يفتح النفس
عزة فرحت جداً وبصت لحماتها مستنية الرد، فحماتها بصت لسعيد واتكلمت ببرود
ـ "ما هو ده الطبيعي يا سعيد، ده الواجب اللي عليها، هي يعني هتعمل إيه غير كدة؟" ولفّت لعزة وقالت بنبرة فيها تعالي: "ماشي يا عزة، كويّس.. بس ادخلي اغسلي وشك وغيري لبسك ده قبل ما نقعد ناكل، مش عايزين ريحة الكلور تكتم نفسنا على الأكل .
عزة رغم الكلمة اللي قطمت فرحتها، لكنها ردت بادب 
ـ حاضر يا ماما، ثواني وأكون جاهزة.
ودخلت أوضتها وهي بتقول لنفسها
ـ مش مهم.. المهم إنها قالت كويس، المرة الجاية هعمل أكتر، وأكيد بكرة هبقى في نظرها زي بنتها
عزة اتحولت  بقت عاملة زي "النحلة" اللي مش بتعرف طعم الراحة، طاقتها كلها استنزفتها في البيت، وصحتها بدأت تروح وهي مكملتش ال ٢٠ سنه ، وكل ده عشان "سراب" فاكره كل اما تدى اكتر حماتها واهل جوزها يحبوها ويرضوا عنها اكتر وكل أما تكلمها حنان مديره الدار تطمن عليها 
كانت عزه بطمنها أنها كويسه وبخير
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ـ يا عزه انا قلبى واكلنى عليكى 
ـ اطمنى يا ماما انا مرتاحه وسعيد بيعاملنى حلو
ـ طيب وأهل سعيد
سكتت عزه مش عارفه تجمل الكلام ازاى لانها ماتعدوتش على الكدب 
ـ كويسين هما لسه ماتعودوش عليه كل مش بيعاملونى وحش 
ـ عزه لو حصل حاجه او احتاجتى حاجه كلمينى فوراً احنا هنا أهلك 
ـ حاضر يا ماما حنان ماتقلقيش عليه 
قفلت عزه مع حنان التليفون وقعدت تعيط 
الدموع اللي نزلت من عزة بعد المكالمة دي مكنتش دموع ضعف، كانت دموع الوجع والقهر  اللي شايلاه لوحدها. هي مش عايزة تقلق "ماما حنان" ولا عايزة تعترف لنفسها إن الحلم اللي حلمت بيه في الملجأ بيتحول لكابوس، لأن الاعتراف ده معناه إنها ترجع الملجأ تاني، وهي نفسها فى اسره وعيله حتى لو  هتتعب فى الاول 
في يوم، عزة كانت لسه مخلصة تنظيف البيت الكبير من فوق لتحت، وواقفة بتغسل إيدها بتعب، دخلت عليها حماتها وقالت لها ببرود
ـ بقولك إيه يا عزة هناء بنتي كلمتني، والمسكينة تعبانة في بيتها والعيال مطلعين عينها، والبيت عندها يضرب يقلب ومافيش حد بيساعدهت واختها مشغوله فى عيالها وجوزها .. البسي طرحتك وروحي ساعديها يومين، أهو تكسبي ثواب فيها ، وسعيد جوزك مش هيمانع."
عزة في الأول اتفاجئت، لكن بسرعة لمعت في دماغها فكرة تانية خالص، وبدأت تكلم نفسها بنية صافية: "أيوة.. دي فرصتي! أنا هروح عند بناتها وأشيلهم في عيني، ولما يشوفوا شطارتي ووقفتي معاهم في شدتهم، هيحبوني ويحكوا لأمهم عني بالخير.. وساعتها بس الست الكبيرة هتعرف إن مفيش حد بيخاف على مصلحة بناتها زيي، وأكيد قلبها هيحن وتعتبرني واحدة منهم."
بصت لحماتها بابتسامة واتكلمت بلهفه 
"من عيني يا ماما، ده هناء غالية ومن ريحتك.. ثواني وهكون جاهزة، ومتقلقيش، هخلي لها بيتها زي الفل واريحها على الآخر
راحت عزة بيت بنت حماتها، وبدل ما تروح "ضيفة" بتساعد، راحت "خدامة" بمعنى الكلمه. بنت حماتها كانت بتقعد تحط رجل على رجل وتأمرها: "يا عزة اغسلي المواعين.. يا عزة غيري للعيال.. يا عزة اطبخي لجوزي عشان جاي من الشغل تعبان."
عزة كانت بتعمل كل ده وهي بتضحك في وشهم، كل ما يزودوا الحمل عليها، تزيد هي في العطاء، وهي حاطة في بالها إن "الطريق لقلب الحما بيمر برضا بناتها". مكنتش تعرف إن حماتها وبناتها في التليفون بيضحكوا عليها وبيقولوا: "دي مابتصدق تلاقي شغل، كأنها كانت محرومة من المسح والكنس في الملجأ 
ردت امها بتريقه 
ـ أو يمكن الشغل اللى بتشتغله ده كانت بتشتغله فى الملجأ اضعاف مضاعفه 
مش يمكن يابت يكونوا بيودوها البيوت تخدم فيها ؟؟
ـ ممكن مش ممكن ليه .. 
بقولك ايه يا ماما خلاص سبيها عايشه معانا اهى بتخدمنا وسعيد لو حب يتجوز بعد كده وذهق منها قاعديها معاكى تحت واحنا هنلاقى فين واحده زيها بتشتغل بضمير كده 
دى لو جاتلى مره بس فى الأسبوع هتشيل عنى الهم
ـ أنا أصلاً مرتبة كدة، سعيد بكرة يمل منها، ونقعدها هي في عندى تحت  ونجيب له ست ستها  أهي منها تكون "خدّامة بلقمتها ، ومنها نكون عملنا فيها ثواب وبدل ما تترمي في الشارع 
عزة بقت زي "المرسال" بين بيوت بنات حماتها، وكل بيت تدخله تسيب فيه قطعة من صحتها ومن روحها. خلصت عند "هناء" ومنها على "وفاء"، وبنفس الحماس والنية الصافية، قلبت الشقة التانية جنة. غسلت، وطبخت، ونظفت النجف، وشالت السجاد.. كانت بتشتغل وكأنها بتبني لنفسها مكان في قلوبهم.
وقفت عزة في نص صالة "وفاء" وهي بتسند ضهرها اللي مابقاش بيفرد بسهولة، بصت حواليها بفخر وهي شايفة كل حاجة بتلمع. وفاء دخلت وشافت المنظر، وبخباثة ابتسمت لها ابتسامة عريضة وقالت
"يا حلاوتك يا عزة! والله يا بنتي إنتي مفيش منك، ده البيت رجع جديد، أنا مش عارفة كنت هعمل إيه من غيرك."
الابتسامة دي كانت بالنسبة لعزة "كنز". نستها التعب، ونستها الوجع اللي في مفاصلها، ونستها إنها بقالها يومين مابتنامش غير ساعات قليلة. عزة كانت بتتعامل بقلبها، والكلمة الحلوة كانت هى اللى بتديها امل انهم يحبوها وبيبقوا عيلتها 
ردت عزة بلهفة وهي بتمسح إيدها المبلولة في طرف جلبيتها 
ـ ولا تشيلي هم يا وفاء، أنا اتفقت مع ماما إني هجيلك يوم في الأسبوع، ويوم عند  هناء، .. أنا مش عايزة حاجة غير إني أشوفكم مرتاحين وراضيين عني.
في اللحظة دي، وفاء بصت لملامح عزة اللي دبلت وقارنتها بالبنت اللي شافتـها أول يوم فرحها؛ كانت وردة مفتحة، ودلوقتي بقت خيال مآتة من كتر الشغل والخدمة في بيوتهم. فجأة، وفاء حست بغصة في قلبها، وانكسرت عندها حدة اللؤم اللي أمها زرعتها فيها.
من غير مقدمات، وفاء قربت من عزة وأخدتها في حضنها بحب خالص وبندم حقيقي، وضمتها بقوة وكأنها بتعتذر لها عن كل مرة استغلوها فيها. عزة اتجمدت مكانها، دي كانت أول مرة حد من عيلة سعيد يلمسها بحنية مش بأمر.
عزة وقفت مذهولة من حضن وفاء، كأنها كانت عطشانة لحضن أم أو أخت بقالها سنين، ووفاء هي اللي فتحت لها طاقة الأمل دي.
وفاء شدت عزة من إيدها بحنية وقعدتها على الكرسي، وشالت من قدامها الجردل والمنظفات وهي بتقول بحزم ممزوج بالرحمة
ـ والله ما إنتي مادة إيدك في حاجة تانية النهاردة يا عزة.. كفاية كدة وزيادة، إنتي خليتي البيت زي القشطة."
ـ "يا وفاء بس ماما قالت
لكن وفاء قاطعتها وهي بتحط قدامها طبق أكل سخن وقالت
ـ مالكيش دعوه بماما أنا اللي بقولك اقعدي كلي يا عزه .. شوفي إيدك بقت عاملة إزاي! وشك مابقاش فيه نقطة دم، كلي لقمة تسند طولك.
وفاء قعدت جنبها وبدأت تأكلها بإيدها، وعزة كانت بتاكل وهي مش مصدقة، الدموع كانت بتنزل في طبقها من الفرحة إن في حد حس بيها وبوجعها. وفاء بدأت تتكلم معاها بلين
ـ احكيلي يا عزة، إنتي بتعملي في نفسك كدة ليه؟ وليه اى حاجه تتقالك تنفذيها من غير نقاش ؟
ـ أنا بس يا وفاء خايفة أرجع وحيدة تاني، خايفة ماما أو سعيد يزهقوا مني.. أنا ماليش حد يسأل عليا لو خرجت من الباب ده هرجع الملجأ تانى والبنات فى الملجأ مسيرهم يتجوزوا 
انا عايزه أعمل عيله واخلف عيال كتير يبقوا اهلى وامك تحبنى وانتوا كمان انا بحاول اخليكم تحبونى عشان احقق حلمى ويبقالى عيله 
وفاء قلبها اتوجع أكتر، وطبطبت على كفتها
ياترى وفاء هتعمل ايه وهيكون ليها دور ولا هتسكت عشان ماتجرحش عزه ؟؟ 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
من كتر الرسايل نزلتهولكم بدرى اهو ياكش الاقى تفاعل يرضينى زى مابرضيكوا 
بينما كنتِ تحترقين لتُضيئي لهم عتمة بيوتهم، كانوا هم يتدفأون على نار حزنكِ، ويناقشون بدمٍ بارد.. ثمن "الخادمة" القادمة.
خرجت عزة من عند وفاء  والدنيا مش سيعاها من الفرحه  كانت ماشية في الشارع ورجليها مش شايلة جسمها من التعب، بس قلبها كان طاير وسابقها للبيت؛ لأول مرة تحس إن تعبها "له تمن"، وإن الحلم اللي كانت بتطارده بدأ يبقى حقيقه انهارده وفاء 
فى بيت حماه عزه 
كانت وفاء بتتكلم  مع أمها على التليفون ، وبتحاول بضميرها اللي صحي تدافع عن عزة:
ـ بس يا ماما، البنت غلبانة بجد وتعبت معانا أوي، أنا شفت إيدها النهاردة والله قلبي وجعني.. دي بتضيع صحتها عشان ترضينا 
ـ "قلبك وجعك؟ يا خايبة ده هما بتوع الملجأ كدة، يمثلوا عليكي الغلب والكسرة عشان ياكلوا بعقلك حلاوة.. بكره تشوفي لما تقوى شوكة وتتمكن، هتعمل فينا إيه. خليكي إنتي بس "حنينة" بزيادة لحد ما تلاقيها هي اللي بقت تأمر وتنهي .
عزة كانت ماشية في الطرقة وهي بتسند على الحيطة، الدنيا بتلف بيها وكأن الأرض بتميد تحت رجليها. نَفَسها كان بيطلع بطلوع الروح، وصدرها بيزيق من كتر المجهود اللي بذلته في بيوت بنات حماتها. كانت شايلة "شيل" أكبر من طاقتها بكتير، والمرة دي جسمها هو اللي قال "لأ".
قبل ما توصل للصالة وتشوف حد، وقفت في نص الطريق وحطت إيدها على قلبها اللي كان بيدق بسرعة مرعبة وكأنه عايز يخرج من بين ضلوعها. حست بنغزة حادة خلتها توطي بضهرها، وجع ملوش وصف، كأن روحها بتتسحب منها. حاولت تنطق، حاولت تنادي على حماتها بكلمة "يا ماما"، بس صوتها طلع مخنوق ورايح خالص.
في اللحظة دي، كانت وفاء على الخط مع أمها بتقولها: "البنت تعبت يا ماما وبجد قلبي وجعني عليها".. لكن عزة مكنتش سامعة، كانت غرقانة في وجعها هي، وجع قلبها اللي تعب من كتر "العطاء" من غير مقابل.
فجأة، النور انطفأ في عينيها، ورجليها مابقتش شايلاها.. اترمى جسمها الضعيف على الأرض بهبدة هزت الشقة كلها.
الحما خرجت تجري وهي مخضوضة: "ستر يا رب! في إيه؟"
أول ما شافتها واقعة وإيدها متشنجة على صدرها، صرخت بهلع: "يا لهوي! عزة! ردي عليا يا بنتي.. إلحقي يا وفاء البت وقعت من طولها وقلبها واقف!"
اتصلت ام سعيد بابنها اللى جه واخد عزه وراحوا للدكتور ودخلوا الطوارئ 
فضل سعيد واقف بره ومعاه امه وجت عليهم وفاء عشان تطمن على عزه 
خرج الدكتور عشان يطمنهم
الحالة حرجة، مجهود بدني فوق الطاقة مع ضعف عام وتوتر عصبي أثّر على صمامات القلب.. لازم إشاعات وتحاليل فورية."
وقفت امه بجبروت وكانت رافضه انه يدفعلها فلوس او يصرف عليها 
بقولك إيه يا سعيد، متخليش المستشفيات الاستثمارية دي تاكل بعقلك حلاوة، تلاقيها بس "فرفة روح" من قلة الأكل أو شوية برد في عضمها، والبت دي أصلها من الملجأ يعني واخدة على الشقا، مش معقول تقع من يومين شغل.. دي بتدلع عشان تلم الشمل وتخليك تصرف اللي وراك واللي قدامك."
وفاء هنا لفت لأمها، وعينيها كانت بتطلع شرار، ولأول مرة صوتها يعلى عليها:
ـ "دلع إيه يا ماما؟ البنت ميتة بين إيدينا جوه! البنت إيديها وارمة من الكلور والمساحيق اللي كانت بتنظف بيها بيوتنا.. البنت كانت بتخدمنا بلقمتها وهي بتضحك عشان بس نرضى عنها، وإحنا كنا بنقطع في فروتها!"
سعيد بص لوفاء بذهول، وانه اتصدمت من رد فعل بنتها، بس وفاء مكملتش كلامها؛ الباب اتفتح والممرضة خرجت تجري وهي بتقول:
ـ "الحالة محتاجة نقل دم فوراً ونقص أكسجين حاد، فين أهلها يخلصوا الحساب عشان ندخلها الرعاية؟"
سعيد وقف محتار، يبص لورقة الحساب اللي فيها أرقام تسد النفس، ويبص لأمه اللي بتهز راسها بـ "لأ"، ويبص لوفاء اللي بدأت تفتح شنطتها وتطلع موبايلها وهي بتقول بمرارة:
ـ "لو إنت مش هتدفع يا سعيد، أنا هكلم جوزي يبعتلي فلوس دلوقت، وعزة مش هتموت بسبب بخلنا وقلبنا اللي بقى حجر."
ام سعيد شدت ابنها بعيد عن وفاء وبدأت تزن فى ودانه 
اسمع يا سعيد، البت دي شكلها "معيوبة" من يومها، وأكيد كانت مريضة ومخبية في الملجأ وجت لبستها لنا.. أنت مش شجرة فلوس يا ابني عشان تضيع شقاك على واحدة ملهاش تصل  وجسمها بايش. إحنا مش مجبرين نصرف دم قلبنا على مرض مش إحنا سببه
ـ بس يا أمي الدكتور بيقول ده من المجهود والضغط، وعزة طول الوقت شايله البيت وماشتكتش 
ـ تشتكي إيه؟ دي ما صدقت تلاقي حد يسترها! بقولك إيه، اقطع عرق وسيح دمه.. البت دي بكرة تبقى عالة عليك، والقرشين اللي هتدفعهم في الإشاعات دي، أولى بيهم تتجوز ست ستها وتجيب لك عيال يملوا عليك البيت، بدل ما تقضي عمرك "تمرجي" لواحدة مريضة.. طلقها يا سعيد وارجعها مطرح ما جت، وهما في الملجأ يداووها بمعرفتهم
سعيد وقف ووشه مخطوف، ملامح أمه وكلامها بدأوا يتسربوا لعقله زي المخدر، وبدأ يبص لباب الرعاية المركزة مش كأنه مستني مراته تفوق، لكن كأنه بيبص لـ "حمل تقيل" عايز يخلص منه
قررت ام سعيد فى الوقت ده تقط.ع ع.رق وتسيح د..م قبل ما ابنها ينخ مره تانيه وتتصل هى بنفسها بحنان وتبلغها واستغلت انشغال وفاء بمكالمه جوزها عشان تخلص من عزه واتصلت بحنان 
ـ أيوة يا ست حنان، أنا أم سعيد جوز عزة.. بقولك إيه، سعيد هيطلق عزخ . إحنا مش فاتحينها مستشفى ولا تكية! إنتو غشيتونا وبعتولنا واحدة مريضة بالقلب ومعيوبة، ومن ساعة ما دخلت بيتنا وهي من مستشفى لمستشفى ونايمة لا شغلة ولا مشغلة، وإحنا مش مجبرين نشيل شيلة غيرنا لما هى مريضه جوزتوها ليه من الأول 
ـ مريضة إيه يا حاجّة؟ عزة بنتنا طول عمرها صحتها زي الفل
ـ "جرى لها اللي جرى لها، المهم إن ابني مش هيضيع مستقبله وفلوسه على واحدة داخلة بمرضها ومخبية علينا.. جهزي مكان عندك في الملجأ عشان أول ما تخرج من الرعاية -لو خرجت- سعيد هيوصلها لحد بابكم وورقتها في إيدها، وإياكِ تفتكري إننا هنصرف عليها مليم واحد بعد النهاردة."
حنان مديرة الملجأ أول ما سمعت كلام حماه عزه ، الدنيا دارت بيها، مكنتش مصدقة إن في بشر بالقسوة دي. اتصلت بسعيد وصوتها كان بيترعش من الغضب والحزن والقلق على عزخ 
ـ سعيد، إنت فين؟ عزة في أنهي مستشفى؟ إزاي تعملوا فيها كدة وهي ملهاش حد غيركم؟"
سعيد رد عليها ببرود غريب، كأنه بيتخلص من حمل تقيل:
ـ "إحنا في مستشفى (...) يا ست حنان، وأنا عملت اللي عليا وزيادة.. تقدري تيجي تستلميها، عشان أنا مش فاضي، ورايا إجراءات تانية أهم."
سعيد قفل السكة، وبص لأبوه اللى وصل المستشفى وأمه اللي كانوا واقفين فوق راسه زي خياله، امه بلهفة وشماتة:
ـ "يلاه يا ابني،  اقطع الشك باليقين وطلقها 'طلقة بائنة' عشان لا تعرف ترجع ولا تعرف تطالبنا بمليم.. إحنا يا دوب نلحق نخلص الورق قبل ما البت دي تفوق وتعمل لنا شوشرة.
أكد ابوه على كلام امه ومشى معاهم سعيد زى المعمى 
وفاء وقفت قدام سعيد وهي ماسكة في هدومه وبتعيط بكسرة:
ـ "يا سعيد أبوس إيدك بلاش تعمل كدة، دي عزة! دي اللي شالتنا في عينيها، دي اللي كانت بتآكل اللقمة بعرقها وتعبها عشان ترضينا.. فكر في وقفتها معانا، فكر إن مالهاش حد غيرك."
سعيد زق إيدها بجمود غريب وكأن أمه "كتفته" بكلامها، ورد بصوت ناشف:
ـ "خلاص يا وفاء، اللي حصل حصل أنا مش هعيش عمري كله بخدم واحدة مريضة.. شوفي حياتك وسيبيني أشوف حياتي وخدى بعضك وروحى 
سابها ومشى هو وأمه وأبوه، كأنهم خارجين من "فرح" مش من مستشفى فيها روح بتموت.
في اللحظة دي، وصل "محمود" جوز وفاء، وشاف مراته منهارة وحنان مديرة الملجأ واقفة بتبكي بعد ما وصلت ووفاء حكتلها اللى حصل 
محمود راجل أصيل، أول ما عرف اللي حصل، بصلهم وطمنهم 
ـ "امسحي دموعك يا وفاء،  واهدى وبإذن الله هى هتبقى كويسه انا هتكفل بعلاجها وبكل حاجه  عزة دلوقت أمانة في رقبتنا إحنا."
محمود وحنان بدأوا يتحركوا زي الخلية؛ محمود خلص إجراءات المستشفى ودفع الحساب من غير ما يتردد، وحنان وقفت مع الدكاترة تتابع الحالة. وفاء كانت بتبص لجوزها بامتنان، وبتبص لباب الرعاية وهي بتدعي إن عزة تفوق عشان تلاقي "العيلة الحقيقية" اللي بجد، مش الناس اللي باعوها بأرخص تمن.
بعد وقت طويل خرج الدكتور ووشه ماليان عرق 
ياترى حصل ايه عزه 
ماتت ولا قدروا ينقذوها ولو لسه عايشه ياترى رد فعلها ايه لما تعرف اللى حصل ولو ماتت هل ده هيأثر على موافقه حنان بجواز زينب من محمد ؟؟
وهل هيكون مصير زينب زى عزه ؟؟
ومين هو الاخطبوط ده وايه علاقته بالقصه ؟؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الدكتور خرج من أوضة الطوارئ وهو بينفخ بضيق، وشه كان باين عليه الزعل قبل الإرهاق. أول ما خرج، حنان جرت عليه وهي بتترعش، ووفاء ومحمود وقفوا مستنيين الكلمة اللي هتطمنهم أو توجعهم.
الدكتور بصوت عالي شوية وكأنه بيسمع الكل:
"يا جماعة، الحالة استقرت بالعافية.. البنت دي كانت بتموت حرفياً. اللي حصل ده مش مرض مفاجئ، ده نتيجة ضغط وإرهاق بدني فوق طاقة أي بشر! ضغط دمها كان عالي جداً مع نقص أكسجين، والقلب مكنش قادر يلاحق على المجهود اللي بتعمله وهي "صايمة" أو مابتأكلش كويس."
بصلهم الدكتور واتكلم بجديه 
ـ البنت محتاجة راحة تامة، راحة جسدية ونفسية. أي مجهود تاني أو ضغط عصبي في الحالة دي معناه إننا بنحكم عليها بالموت. هي محتاجة رعاية وأكل ونوم، وقبل كل ده محتاجة راحه  إحنا عملنا اللي علينا، والباقي على ربنا 
.
بعد ما الدكتور مشى  فضلت حنان و محمود  ووفاء قدام أوضة الرعاية.. حنان قعدت على الكرسي بتعب، وبصت لوفاء نظرة طويلة، نظرة لوم وعتاب خلت وفاء تحني راسها في الأرض بكسرة.
ـ احكي لي يا وفاء.. إيه اللي وصل بنتي للحالة دي؟ عزة كانت بتروح لك وهي طايرة، كانت بتقول إنك أختها مش مجرد بنت حماتها. إيه اللي حصل ووصلها للحاله دى وليه اخوكى بيقولى إنه واخدها تعبانه 
ـ والله يا مدام حنان أنا ندمانة، بس الندم مش هيرجع اللي انكسر. عزة كانت بتتهان كل يوم وإحنا ساكتين.. أمي وأخواتي كانوا بيعتبروها 'آلة' مش بني آدمة. كانت بتخلص شغل البيت عند ماما ونروح  بيت أختي، ومن بيت أختي لبيتها .. مسح، وطبخ، وشيل تقيل، وكل ده من غير كلمه شكرا  وأمي.. أمي كانت بتزن في ودن سعيد إنها معيوبة عشان تخلص منها وتجوزه واحدة من اختيارها. 
ـ يعنى ايه معيوبه ؟؟ معيوبه عشان خاطر اتربت فى ملجأ ؟؟ وهى ذنبها ايه ده بدل ما تحنوا عليها وتعوضوها الايام اللى تعبتها ؟
طيب يا وفاء.. لحد هنا وكفاية أوي. عزة دخلت بيتكم  أمانة، وانتوا ماكنتوش اد الامانه 
حنان بصت لمحمود (جوز وفاء) وقالتله بحزم:
ـ  يا أستاذ محمود، أنت راجل أصيل ومعدنك بان في الشدة.. أنا هاخد عزة معايا الملجأ أول ما تفوق وتتحسن شوية. مكانها هناك، وسط ناسها اللي بجد. 
ومش هسكت على اللى جرالها ولا هسيب حقها يضيع أنا هدور على أكبر محامي في البلد.. سعيد فاكر إن مفيش حد وراها فاستقوى عليها وطلقها وهي بتموت، بس أنا هجيب لها حقها تالت ومتلت  'المؤخر'، و'المتعة'، وكل مليم صرفته من صحتها في بيوتكم، هيترد لها بالقانون. اللي يبيع الغالي بالرخيص، لازم يدفع الثمن غالي أوي."
بدأت عزة تفتح عينيها ببطء، الرؤية كانت لسه مشوشة، ريحة المستشفى بتفكرها بالوجع اللي حست بيه قبل ما تقع. لقت حنان قاعدة جنبها بتمسح على راسها بحنان، ووفاء واقفة الناحية التانية وعينيها منفوخة من كتر العياط.
عزة بصوت مهزوز وهمس بالعافية:
"أنا فين؟.. هو إيه اللي حصل؟"
حنان بابتسامة بتحاول تداري وراها قهرتها:
"حمد الله على سلامتك يا قلب ماما حنان.. إنتي تعبتي شوية يا بنتي، مجهود زيادة والضغط عِلي عليكي، بس الحمد لله ربنا نجاكي."
عزة سكتت لحظة، وعينها بدأت تدور في الأوضة بلهفة، وسألت السؤال اللي حنان كانت خايفة منه:
"سعيد فين يا ماما حنان؟ هو جه؟ أنا شفته وهو شايلني.. هو بره صح؟ خليه يدخل.. أنا عايزة أمشي معاه."
حنان اتخنق صوتها، وبصت لوفاء بكسرة، ومسكت إيد عزة وضغطت عليها براحة:
"ارتاحي بس دلوقتي يا عزة.. سعيد عارف إنك فوقتي، وهو جاي في الطريق.. بس الدكتور مانع الزيارة الكتير دلوقتي عشان قلبك. نامي وارتاحي يا بنتي، وكل حاجة هتبقى كويسة، أنا مش هسيبك تانى."
عزة بقلب لسه متعلق بأمل ضايع:
"يعني هو مش زعلان مني عشان تعبت؟ قوليله يا وفاء إني والله هقوم وأبقى كويسة وأرجع أنضفله الشقة.. أنا مش عايزة أعطله عن شغله."
وفاء مقدرتش تمسك نفسها، لفت وشها الناحية التانية وكتمت شهقتها، ورجعت بصت لعزة وهي بتحاول تبان طبيعية:
"ارتاحي يا عزة.. مفيش شغل ومفيش تعب تاني. أنا معاكي أهو، مش هتحرك من جنبك، وأي حاجة تعوزيها هتكون عندك. نامي يا حبيبتي عشان ترجعي بالسلامة."
عزة بدأت تغمض عينيها بتعب تحت تأثير المهدئات، وهي بتهمس باسم "سعيد" لحد ما راحت في النوم. حنان فضلت باصة لها بحزن، ولفت لوفاء وقالتلها بصوت واطي ومرارة:
"شايفة يا وفاء؟ شايفة البت لسه خايفة على مشاعره إزاي؟ وهي متعرفش إنه باعها وورقتها في إيدها. ربنا يستر لما تعرف الحقيقة.. قلبها المرة دي 
مش هيتحمل 
وفاء وهي بتمسح دموعها:
"أنا هفضل معاها يا ست حنان، مش هسيبها لحد ما تقف على رجليها.. ده أقل حاجة أعملها بعد اللي شافته مننا."
*******&*********&********&******
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
فى مكتب رحيم فى الوقت الحالى 
​بعد ما الكل خرج وجري ينفذ الأوامر، رحيم فضل واقف مكانه. رنة تليفونه الخاص -اللي مش مع أي حد- قطعت سكون الأوضة. طلعه من جيبه وبص فيه ببرود، كانت السكرتيرة "ليلى" بتسأله عن تحركات بقية اليوم.
​رحيم بصوت  وهادي:
ـ ليلى.. لغي أي مواعيد تانية النهاردة. أنا عايز ملف 'الصافي' يكون على مكتبي في الفيلا بالليل.. وعايزك تسأليلي 'المصدر بتاعنا' في الوزارة، لو فيه أي ثغرة في تراخيص مصانعهم، مش عايزهم يتنفسوا."
​قفل السكة من غير ما يستنى رد، ورجع يبص من الشباك. في اللحظة دي، دخل عليه "عمار"، دراعه اليمين وصديق عمره الوحيد اللي بيجرؤ يتكلم معاه من غير رسميات.
​عمار بابتسامة خفيفة:
ـ برضه يا رحيم؟ هتاكل السوق كله لوحدك؟ الصافي غلبان يا صاحبي، ده لسه بيبدأ."
​رحيم لفت له بحدة:
"السوق مبيعرفش غلابة يا عمار. اللي يسيب 'ثغرة' لغيره، يستاهل إنه يتداس. وبعدين أنا مش باكل السوق، أنا بنضفه من العشوائية. الشركة دي لو دخلت تحت إيدي، هتبقى حاجة تانية.. أنا مابحبش المنافسة، أنا بحب السيادة."
عمار بتنهيدة:
ـ السيادة ليها ثمن يا رحيم.. وأنت بقيت بتدفع الثمن ده من روحك. مابقتش بتعرف تنام من غير ما تخطط هتدوس على مين بكرة؟ السوق كبير ، والكل ممكن يعيش."
عمار سحب كرسي وقعد قدام رحيم، وربع إيده وهو بيبص لصاحبه بصه فيها عتاب وقلق. رحيم كان لسه باصص للشباك، وكأن "القاهرة" هي الحاجة الوحيدة اللي بتشغله.
عمار بهدوء:
ـ وبعدين يا رحيم؟ الشغل مش هيطير، والشركات مش هتموت لو أخدت نَفَس.. إنت لسه صغير، والحياة مش بس صفقات واستحواذ. مش ناوي تستقر بقى؟"
رحيم لف له بابتسامة باهتة ومريرة:
ـ أستقر؟ إنت ناسي يا عمار إني جربت 'الاستقرار' ده مرتين وفشلوا؟ أنا مش حمل تجارب تانية."
عمار اتنهد وكمل كلامه:
ـ المرة الأولى كانت صعبة، 'سارة' كانت رقيقة ومتحملتش طبعك ولا ضغط شغلك، وسفرها بعد الطلاق عشان تعالج نفسيتها كان وجع ليك وليها، أنا عارف.. والمرة التانية 'نيرمين'، أهو ربنا رزقك منها بـ 'آدم'.. الولد مالهوش ذنب يشوف أبوه كل أسبوعين "زيارة رسمية" وكأنه بيقابل مدير عام، مش أبوه اللي من دمه."
رحيم وشه اتخشب، وعروق إيده برزت وهو بيفتكر ابنه:
ـ آدم هو الحاجة الوحيدة الصح اللي عملتها، بس وجودي مع أمه كان هيخليه يطلع مشوه نفسياً. الخناقات والمقارنات وإنها عايزة 'رحيم' بتاع الحفلات والمظاهر مش 'رحيم' اللي بيبني إمبراطورية.. كان لازم ننفصل. أنا دلوقتي مرتاح كدة، قلبي مقفول عليه بترباس، ومفتاحه رميته في البحر."
عمار قام ووقف جنبه وطبطب على كتفه:
ـ. الترباس ده هيصدي يا صاحبي لو مفيش حد دخل ونضفه.. آدم محتاج يشوفك في بيتك، مش في فيلا باردة زي دي مفيش فيها غير صوت الخدم. فكر يا رحيم، العمر بيجري، والفلوس بتبني حيطان بس متبنيش 'ونس'."
رحيم بص لعمار نظرة طويلة، وسكت.. سكوته مكنش موافقة، لكنه كان "وجع" مكتوم. قطع اللحظة دي بصوته الحازم اللي رجع لمود الشغل:
ـ  قفل على السيرة دي يا عمار.. آدم هشوفه الجمعة الجاية، وعايزك تجهز لي 'اليخت' عشان هخده يومين بعيد عن الدنيا دي كلها. دلوقتي قولي، وصلت لإيه في موضوع 'الصافي'؟"
( تفتكروا وا زى رحيم ده ازاى ممكن واحده تتعامل معاه ) 
تانى يوم فى المستشفى 
النور كان مالي الأوضة، وعزة بدأت تفتح عينيها وتسترد وعيها الكامل. حنان كانت قاعدة جنبها، ملامحها كانت هادية بس فيها حزن مكتوم وقوة.. وفاء كانت واقفة بعيد شوية، وشها باهت وعينيها في الأرض.
عزة بصوت واهن بس أوضح من امبارح:
"ماما حنان.. هو سعيد لسه مجاش؟ إنتي قلتي لي امبارح إنه في الطريق.. هو حصل له حاجة؟"
حنان خدت نَفَس طويل، ومسكت إيد عزة بين إيديها الاتنين، وبصت لها بتركيز:
"بصي لي يا عزة.. بصي لي يا بنتي واسمعيني كويس. إنتي طول عمرك "بطلة" وشيلتي شيلة جبال، والوقت جه إنك تشيلي غمامة كدابة من على عينك."
عزة قلبها بدأ يدق بسرعة وخوف:
"في إيه يا ماما؟ سعيد ماله؟"
سعيد مش هييجي يا عزة.. سعيد باعك. باعك وإنتي في الرعاية بين إيدين ربنا. طلقك يا بنتي وساب المستشفى ومشي هو وأمه، وقال إنه مش فاتحها "تكية" ولا مستشفى، وإنه عايز واحدة "بصحتها  تخدمهم " مش واحدة مريضة وتشيله الهم."
الصمت خيّم على الأوضة، عزة ملامحها اتجمدت ماظهرش عليها اى تعبير  بس عينيها كانت بتتحرك في الأوضة وكأنها بتدور على نَفَس تهرب بيه من اللي سمعته.
عزة بذهول:
"طلقني؟ وانا بموت؟.. طب والعيشة اللي عشتها؟ طب والخدمة اللي خدمتها في بيوتهم؟ طب وإيدي اللي باشت من الكلور عشان أرضيهم؟ كل ده راح؟"
حنان ضغطت على إيدها بقوة:
"مراحش يا عزة.. ربنا شاله لك عشان يوريكي حقيقتهم. إنتي كنتي "شمعة" بتحرقي نفسك لناس مبيقدروش غير نفسهم. وفاء واقفة أهي واسأليها، أخوها مشي وهو بيقول إنه مش هيصرف عليكي مليم، وسابك لينا إحنا .
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
كُنتُ أحسَبُ أنَّ العطاءَ سياجٌ يحمي قلبي من اليتم، وأنَّ انحناءَ ظهري في خدمَتِهم سيُقيمُ لي في أرواحِهم مَقاماً. سكبْتُ سنواتي عِطراً في بيوتٍ لا تعرفُ سوى ريحِ الجُحود، وأحرقتُ فتيلَ صحتي لأُضيءَ عتَمةَ أيامِهم، فما زادَهم ضيائي إلا بَصيرةً بضعفي، وما زادَهم انحنائي إلا رغبةً في دهسي.
يا ويحَ قلبي الذي ظنَّ أنَّ الحُبَّ يُشترى بالمذلَّة، وأنَّ السكنَ يُبنى من جلودِ الصابرين! لقد نسيْتُ في زِحامِ طاعتِهم أنَّ لِنفسي عليَّ حقاً، وأنَّ الكرامةَ إذا أُريقتْ، لا يُرمِّمُها اعتذارٌ ولا يجبرها ندم. اليومَ أقفُ على أطلالِ روحي، ألملمُ ما تبقى مني، وأدركُ يقيناً أنَّ الذي لا يرى قيمتَك وأنتَ تُعطيهِ بصرَك، لن يراها ولو وهبْتَه عُمرَك. سأرحلُ عَنهم، لا حِقداً، بل استرداداً لِنفسي التي ضاعتْ بين "حاضرٍ" قتلتْني، و"سترٍ" كانَ هو القبر."
مشيت عزه مع حنان ورجعت دار الايتام مره تانيه 
طفله مكملتش ال ٢٠ سنه لكن شافت اكبر من سنها 
عزة كانت قاعدة في أوضتها الصغيرة في الملجأ، الأوضة اللي سابتها وهي فاكرة إنها رايحة "للجنة" وراجعة لها وهي حاسة إنها "جثة" بتمشي على الأرض. كانت سانده ضهرها على السرير، وعينيها باصة للشباك اللي بيدخل منه خيط نور ضعيف، وكأن النور ده هو الأمل اللي فاضل لها في الدنيا.
المكان كان هادي، بس جوه دماغ عزة كان فيه دوشة وصراخ مش بيبطل. كانت بتفتكر كل لحظة تعب، كل جردل مية شالته، كل كلمة "حاضر" قالتها وهي قلبها بيتقطع.
عزة في سرها:
"يااااه يا عزة.. بقى هو ده التمن؟ بقى كل اللي عملتيه عشان يبقالك عيلة، يخلص بكلمة 'طلقتك' وإنتي بين إيدين ربنا؟ كنتي فاكرة إن الحب بيتشري بالخدمة، وإن القلوب بتحن بكتر العطاء.. طلعتي غلبانة أوي يا بنتي."
بصت لإيديها اللي لسه آثار الكلور والمنظفات معلمة فيها، حاولت تقفل كف إيدها لقت صوابعها بتوجعها، فابتسمت بمرارة وقالت:
"حتى إيدي شاهدة عليا.. كنت بلمع بيوتهم، وهما كانوا بيطمسوا روحي. سعيد اللي كان بيقولي إنتي السند، باعني في أول محطة تعب.. وأمه اللي كنت بقولها يا ماما، طلعت هي اللي بتخطط لموتي."
في اللحظة دي، دخلت عليها "حنان" وهي شايلة صينية أكل صغيرة، وشافت نظرة الانكسار اللي في عيون عزة.
حنان بحنية:
— "ها يا عزة؟ سرحانة في إيه يا قلب ماما؟ كلي لقمة عشان تقدري تقفي على رجليكي، الدكتور أكد إن الراحة والأكل هما علاجك الوحيد دلوقتي."
عزة لفت وشها لحنان، والدموع بدأت تتجمع في عينيها تاني:
— "بفكر في اللي جاي يا ماما حنان.. أنا دلوقتي رجعت لنقطة الصفر، لا بيت، ولا زوج، ولا حتى صحة أقدر أشتغل بيها. أنا خايفة أكون حمل عليكي وعلى الدار، وخايفة أكتر من نظرة الشفقة اللي بشوفها في عيون اللي حواليا."
حنان قعدت جنبها وأخدت إيدها في حضنها:
— "نقطة الصفر دي هي اللي بتبني السطر الجديد يا عزة. والدار دي بيتك، وعمرك ما كنتي ولا هتكوني حمل.. ده إنتي البركة اللي فينا. وبعدين حقك مش هيضيع، محمود وجوز وفاء واقفين معانا، وقريب أوي سعيد وأهله هيعرفوا إن اليتيمة ليها رب أقوى من أي حد.
بعد ما حنان خلصت كلامها، عزة فضلت باصة للفراغ، الحروف كانت محبوسة في زورها، والوجع كان لسه طري. لفت وشها لحنان وبصت لها بصه فيها رجاء وكسرة ووجع، وقالت بصوت واهن:
ـ "ماما حنان.. أنا عارفة إنك خايفة عليا، وعارفة إن قلبك بيتقطع عشاني.. بس أبوس إيدك، سيبيني لوحدي شوية. محتاجة أسمع صوتي أنا، مش صوت الوجع ولا صوت الناس."
حنان كانت لسه هتعترض بلهفة الأم، بس عزة كملت وهي بتغمض عينيها:
ـ "محتاجة أراجع حساباتي يا ماما.. محتاجة أعرف أنا غلطت في حق نفسي فين قبل ما هما يغلطوا فيا. سيبيني أتصالح مع 'عزة' اللي هنتها بإيدي عشان أرضي ناس ميسووش. سيبيني يا أمي.. الأوضة دي هي المكان الوحيد اللي مش هضطر فيه ألبس وش السكوت ولا وش الرضا."
حنان اتنهدت بوجع، وطبطبت على إيدها وقامت بالراحة:
ـ "حاضر يا عزة.. هسيبك لراحتك، بس افتكري إنك مش لوحدك، وإني واقفة ورا الباب ده مستنية بس إشارة منك. ارتاحي يا بنتي، وربنا يبرد نار قلبك."
خرجت حنان وقفلت الباب وراها بهدوء، وفضلت عزة لوحدها في الأوضة.. الصمت كان تقيل، بس كان هو ده اللي محتاجاه عشان تبدأ تلملم شتات نفسها اللي اتوزع على بيوت بنات حماتها.
نهايه الفلاش باك 
نبوية خلصت الحكاية لعايدة وهما في العربية، وعايدة عينيها بتلمع بالشر وتقول لنبوية:
ـ "يا بنت اللعيب! يعني البت عزة دي بعد ما اتهرت شغل وخدمه مكنتش بتفتحوبقها ولا بتشتكى ؟
ـ تخيلى اه 
ـ مدام حنان لسه بتدافع عنها؟"
نبوية بخبث:
ـ "أيوة، بس إحنا بقى يا عايدة اتعلمنا الدرس. ، وإحنا هندخل لمدام حنان من مدخل 'الستر'. المهم يا عايدة، محمد ابنك لازم يمثل الحب قدام البت زينب في الأول، عشان لما تيجي بيتك، تكون هي اللي رامية نفسها في حضنك."
عايدة ضحكت ضحكة عالية رنت في العربية:
ـ "ماتخافيش، محمد ابني 'بيسمع الكلام'، والبت زينب دي شكلها عطشانة حنية.. أنا هرويها حنية لحد ما تمضي على بياض، وبعد الجواز.. القول قول عايدة!"
ـ طيب وعزه على كده عرفت تاخد حقها 
ـ لحد دلوقتي لأ والقضيه لسه فى المحاكم 
ضحكت عايدة باستهزاء وهي بتعدل طرحتها قدام مراية العربية، وقالت لنبوية ببرود:
ـ "قضايا إيه ومحاكم إيه يا نبوية! هي المحاكم بترجع صحة راحت ولا قلب انكسر؟ أهي البت غرقانة في وجعها، وسعيد أهو بكره يتجوز ويعيش حياته .. القانون ده للناس اللي ليهم ضهر، لكن اليتيمة مالهاش غير الصبر.
سكتت عايدة شوية، وعينيها لسه فيها لمعة الشر، وكملت:
ـ "بس تصدقي، حكاية عزة دي نبهتني لحاجة.. إحنا مش بس هنخلي زينب تحفظ السر، إحنا هنخليها هي اللي تترجانا عشان نستر عليها! المهم دلوقتي محمد.. لازم يلبس وش الحنيه ، ويحسسها إنه 'المنقذ' اللي هيخرجها من سور الملجأ ده للدنيا."
(في قلب إمبراطورية رحيم - مكتبه الفخم)
على الناحية التانية خالص، في عالم مفيهوش مكان للضعف ولا للغلابة، كان "رحيم" قاعد ورا مكتبه الأبنوس، الإضاءة كانت خافتة ومفيش صوت غير تكة الساعة الروليكس في إيده.. الساعة اللي بتمشي مع دقات قلبه اللي مبيعرفش الرحمة.
الباب خبط، ودخل "عمار" وهو شايل ملف لونه أحمر، وحطه قدام رحيم بوجوم.
رحيم من غير ما يرفع عينه:
ـ "خلصت؟"
عمار بتنهيدة:
ـ "موضوع 'الصافي' بقى في جيبك يا رحيم. الموردين اللي كانوا بيوردوا له اللبن، مضوا معانا النهاردة عقود احتكار لمدة 5 سنين.. الصافي دلوقتي معندوش 'نقطة لبن' واحدة يدخلها مصنعه. الحرب خلصت قبل ما تبدأ."
رحيم رفع عينه ببطء، وابتسامة باردة جداً اترسمت على وشه:
ـ "أنا قولتلك يا عمار.. أنا مابحاربش، أنا بستحوذ. الصافي ده كان مجرد 'دبانة' بتزن فوق الإمبراطورية، وكان لازم تتداس. ابعتله حد من طرفنا يعرض عليه يبيع المصنع 'خردة'.. أهو نكسب فيه ثواب بدل ما يفلس ويتحبس."
رحيم سحب نفس طويل من سيجاره، وطفاه ببرود في الطفاية الكريستال، وكأن فكرة "الصافي" خلاص بقت ماضي ومبقتش تشغل باله. بص لعمار اللي كان مستني أوامره الجديدة، وقال بنبرة قاطعة:
— "عمار.. موضوع 'الصافي' صفحة واتقفلت. اللي يشغلني دلوقتي هو المصنع الجديد اللي بنبنيه في (..)؛ الطاقة الإنتاجية بتاعته هتكون ضعف اللي عندنا، وده معناه إننا محتاجين 'مادة خام'.. محتاجين لبن مش بس كتير، ده لازم يكون تحت إيدينا من الألف للياء."
عمار بتركيز: "يعني إنت عايز تبني مزرعة مواشي ضخمة خاصة بينا؟"
رحيم قام وقف وفرد طوله بهيبة:
— "بالظبط.. مش عايز اعتمد على موردين تاني، ولا عايز حد يذلنا بلتر لبن واحد. أنا عايزك تسافر المحافظات القريبة، وتدور لي على 'أرض بكر'.. مساحة واسعة، جوها مناسب، وتكون بعيدة عن الزحمة بس قريبة من خطوط التوزيع. عايزك تلف القرى والنجوع يا عمار، وتجبلي الأرض اللي هبني عليها أكبر مزرعة ألبان في الشرق الأوسط."
عمار وهو بيدون الملاحظات:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
— "تمام يا رحيم، هبدأ من بكرة ألف في الأقاليم، وهشوف لك المساحات اللي تناسب طموحك.. بس إنت عارف، الأراضي دي بتحتاج 'نفس طويل' في التخليص والمفاوضات مع الأهالي."
رحيم ابتسم ابتسامة باهتة فيها ثقة مرعبة:
— "الفلوس بتطول النَفَس يا عمار، واللي مبيجيش بالرضا، بيجي بسلطة الاسم. المهم تلاقي المكان، والباقي سيبه عليا."
على الناحية التانية، عايدة كانت قاعدة في الصالة، وماسكة المسبحة في إيدها بتمثل التقوى، ومحمد ابنها قاعد قدامها وبصص في الأرض بملل.
عايدة بصوت واطي ومسموع:
— "سمعت اللي قولته يا محمد؟ البت زينب دي 'لقطة'.. يتيمة، غلبانة، ومالهاش ضهر. يعني الكلمة هتكون كلمتك، والشورى شورتي. إنت بس تلبس وش الحنية، وتسمعها كلمتين حلوين يثبتوها، وأنا هخلص كل حاجة مع الست حنان."
محمد بتنهيدة مكتومة:
— "يا أمي أنا وافقت خلاص، أهو عشان أخلص من وجع الدماغ وكلام الناس.. بس ياريت تطلع زي ما بتقولي، مش عايز واحدة تفتح بوقها بكلمة ولا تشتكي من عيشة ولا شغل."
عايدة ضحكت بخبث وطبطبت على رجله:
— "تشتكي؟ دي هتبوس إيدها وش وضهر إننا انتشلناها من الملجأ. الاسبوع الجاى هتروح معايا، تلبس أنضف ما عندك، وتحط البرفان اللي ريحته بتقلب المكان ده  وتخليك 'جنتل' كدة.. البت عطشانة، وأول ما هتشوف اهتمامك توافق على طول 
بينما كانت "عايدة" بترسم خططها في بلد تانية، و"رحيم" بيفكر في توسيع إمبراطوريته، كانت "زينب" في عالم تالت خالص.. عالم ملوش لون غير الوردي، عالم هي بطلته الوحيدة.
في ركنها المفضل بجنينة الملجأ، كانت زينب قاعدة، سانده ظهرها على جذع شجرة قديمة، وماسكة في إيدها طرحة خفيفة بتفرك فيها بكسوف والابتسامة مش مفارقة وشها. لأول مرة تحس إن الهوا اللي بتتنفسه له طعم، وإن الشمس مش بس طالعة عشان تنور الدنيا، دي طالعة عشان "تبشرها".
زينب في سرها وهي مغمضة عينيها:
"يااااه يا رب.. معقولة؟ معقولة السنين الصعبة دي كلها كان وراها الجبر ده؟ طنط عايدة.. قصدي 'ماما عايدة' زي ما قالت لي.. كلامها لسه بيرن في ودني. معقول فيه حد حبني من أول نظرة كدة؟ ونفسها أكون بنتها ومرات ابنها؟"
افتكرت كلمة عايدة عن ابنها "محمد" وإنه مهندس، وإنه وافق "يبصم بالعشرة" أول ما سمع عنها، فحست بقلبها بيدق بسرعة، وحرارة طلعت على وشها خلتها تخبي ملامحها بإيدها وهي بتضحك بصوت واطي.
"يا ترى شكلك إيه يا محمد؟ يا ترى طيب وحنين زي مامتك؟ مهندس.. يعني راجل متعلم ومثقف، وأكيد هيعرف قيمتي. ماما عايدة قالت لي إنه 'عايز يسترها وتستره'.. الجملة دي لوحدها خلتني أحس بأمان عمري ما دوقت طعمه. السكن.. البيت.. العيلة.. أخيراً يا زينب مش هتكوني 'رقم' في دار، هتكوني 'ست بيت' وليكي كلمة، وليكي حد يسأل عليكي لما تتأخري أو يتوحشك لما تغيبي."
وفجأة افتكرت تحذير عايدة ليها إنها متقولش لمدام حنان:
"هي طنط عايدة عندها حق.. الإجراءات والروتين بيعطلوا كل حاجة، وأنا مش عايزة أستنى يوم واحد تاني هنا. أنا عايزة أخرج للدنيا، عايزة يكون عندي شقة أرتبها بإيدي، وأطبخ لمحمد الأكل اللي بيحبه، وأشيل ولادي وأكبرهم في حضني."
زينب قامت وقفت وبدأت تمشي وسط الورد وهي حاسة إنها بتطير، مش شايفة من الصورة غير "النص الحلو".. مش شايفة إن الستر اللي عايدة بتتكلم عنه ممكن يكون "قبر"، ولا إن الحنية دي ممكن تكون "سم". هي بس شايفة باب الملجأ وهو بيتفتح عشان تخرج منه "عروسة" لبيت ميعرفش غير القسوة.
في اللحظة دي، كانت مدام حنان مراقباها من شباك مكتبها، وقلبها كان مقبوض من غير سبب واضح، كانت شايفة فرحة زينب وخايفة عليها من "فرحة البدايات" اللي دايماً بتخدع الغلابة.
مر أسبوع بحاله وحنان مابطلتش تفكير. كانت بتبعت ناس من طرفها، ناس ثقة "ينكشوا" ورا محمد وعايدة في منطقتهم. كانت بتدور على أي غلطة، أي سيرة وحشة، بس الغريب إن الكل أجمع إن محمد "في حاله"، مهندس  ومالوش في القيل والقال، وأمه ست "في حالها" ومعاها قرشين شايلة بيهم ابنها.
حنان قعدت في مكتبها، بتراجع الكلام اللي وصلها، وبتقارن بين محمد وبين "سعيد" (جوز عزة).
حنان وهي بتكلم نفسها:
— "يا رب أكون باخد القرار الصح.. محمد وحيد، يعني مفيش بيت عيلة ولا دوشة سلايف ولا اخوات  زي اللي دمروا عزة. وعايدة ست كبيره ومبسوطة وعندهم شقة تمليك، يعني زينب هتدخل 'ملكة' مش 'خدامة'. ومحمد مهندس ومستقبله حلو.. شكلها المرة دي يا زينب الدنيا هتضحك لك بجد."
خدت حنان نَفَس طويل وقررت تتوكل على الله. رفعت سماعة التليفون وطلبت عايدة، وأول ما الرنة فتحت:
— "أيوة يا ست عايدة.. أنا سألت واستخرت، ولو حابين تشرفونا بكرة ومعاكي محمد عشان يقعد مع زينب، إحنا مستنيينكم."
عايدة والضحكة كانت هتنط من التليفون:
— "يا ألف نهار أبيض يا ست حنان! ده يوم السعد.. بكرة نكون عندك في الميعاد، والبركة فيكي وفي ذوقك
زينب كانت عاملة زي الوردة اللي لسه فاتحة في الفجر. لبست أشيك حاجة عندها، ووشها كان بينور من كتر الفرحة. حنان دخلت عليها لقتها بتظبط الطرحة وإيديها بتترعش.
حنان بابتسامة:
— "اهدي يا زينب.. إنتي زي القمر، ومحمد أمه داعية له عشان نال الرقة دي كلها. اقعدي واتكلمي وشوفي قلبك هيقولك إيه، والراحة النفسية هي اللي بتحكم."
بره الملجأ، عربية عايدة وقفت، ونزل منها "محمد" بالقميص المكوي والبرفان اللي قالب الريحة.
عايدة بتوشوشه:
— "افرد ضهرك يا محمد.. البت دي 'لقطة' ومقطوعة من شجرة، يعني كلمتنا هي اللي هتمشي. إلبس وش الحنية، وقول لها الكلمتين اللي يثبتوها، مش عايزة غلطة."
محمد ببرود:
— "خلاص يا أمي، عرفت الدور.. هسمعها الكلمتين اللي يخلصوا الليلة دي."
قعدوا كلهم، وأول ما زينب دخلت بصينية العصير، عينها جت في عين محمد. شافت شاب وسيم ومرتب، وابتسامته "هادية" جداً.. مكنتش تعرف إنها "مرسومة".
حنان وعايدة انسحبوا عشان يسيبوهم يتكلموا. محمد قرب من زينب وقال بصوت ناعم:
— "بصي يا زينب.. أنا مش عايز أتكلم كتير، بس أنا بدور على 'السكن'. نفسي أرجع من شغلي ألاقي الوش البشوش والبيت الهادي.. أنا حاسس إنك إنتي اللي هتحافظي على بيتي وتملي عليا دنيتي."
زينب بفرحة مش سايعاها:
— "ده اللي بتمناه يا أستاذ محمد.. أنا ماليش طلبات غير إني أعيش مستورة وأعمل عيلة وتكون إنت وأهلك هما كل أماني."
في الوقت ده، كانت عربية عمار (دراع رحيم) راكنة على أطراف الملجأ. عمار كان بيصور الأرض اللي رحيم عايز يعمل فيها المزرعة، وشاف عايدة ومحمد وهما خارجين من الملجأ والضحكة مالية وشوشهم.
عمار في التليفون:
— "أيوة يا رحيم.. أنا قدام الأرض أهو. المنطقة حيوية جداً، وفيه ملجأ أيتام لازق في الأرض بالظبط، وشكله فيه حركة 
الأرض دي لقطة للمزرعة والمصنع الجديد."
رحيم ببرود من مكتبه:
— "الملجأ ده يا عمار.. مالهوش مكان في الخريطة الجاية. خلص موضوع الأرض، وسيب موضوع الملجأ ده عليا.. أنا هعرف إزاي أخليه يختفي من غير شوشرة."
تفتكري "رحيم" هيهدم الملجأ فعلاً قبل ما جوازة زينب تتم؟ ولا "محمد" هيسبقه ويخرج بـ "الضحية الجديدة" لبيته؟
وهل رحيم فعلاً يملك القسوه اللى تخليه يهدم الملجأ ويشرد اللى فيه ولا هيكون عنده خطط تانيه ده اللى هنعرفوا في باقى الاحداث
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
عزه ♥️ عمار 
كنا نحسبُ أن البيوتَ أمان، وأن من نمنحُهم أبصارنا سيحفظون لنا ضياءَ الملامح.
لكننا نسينا أن بعضَ الأيادي التي تمتدُّ لتنتشلنا من بئر الوحدة، هي ذاتها الأيادي التي تحفرُ لنا قبوراً تحت مسمى 'الستر'.
يا قلبي.. لا تبعْ انكسارك لمن يرى فيك مجرد 'سكنٍ' مؤقت،
ولا تنحنِ لتلمع بيوتهم بينما هم يطمسون نور روحك.
الكرامةُ يا صاحبي ثوبٌ إذا اتسخَ بماء المذلة، لا يطهرُه اعتذار،
والذي لا يراكَ وأنت في قمة عطائك، لن يراكَ وأنت جثةٌ هامدة على أعتابِ جحوده.
ارحلْ.. ليس حِقداً، بل استرداداً لنفسٍ ضاعت في زحام 'حاضر وطيب'،
فالأرضُ واسعة، واللهُ لا ينسى من كان اليتمُ قدره، والكرامةُ اختياره."
مر الأسبوع وكأنه سنة على "زينب"، اللي كانت بتعد الساعات والدقائق وهي باصة للسما، بتدعي إن "محمد" يطلع هو الفارس اللي هيخطفها من وحدة الملجأ. أما في بيت "عايدة"، فكان التجهيز على قدم وساق، بس مش تجهيز فرحة، ده كان تجهيز لـ "فخ" محكم.
العربية وقفت قدام الباب، ونزل منها محمد وهو بيعدل ياقه القميص، ريحة برفانه كانت سابقة خطوته، وعايدة جنبه ماشية بفخر وكأنها جاية تشتري حتة أرض مش تخطب بنت.
حنان استقبلتهم بابتسامة هادية، بس عينيها كانت بتفحص كل تفصيلة في محمد، بتحاول تقرأ اللي ورا الوش المرسوم. دخلت زينب بصينية العصير، إيديها كانت بتترعش والخجل راسم وردتين على وشها. أول ما عينيها جت في عين محمد، لقت نظرة "هادية" وطيبة.. مكنتش تعرف إن النظرة دي "مدروسة" بالمللي قدام المراية.
حنان وعايدة سحبوهم وخرجوا الجنينة، وسابوا "العروسين" يتكلموا.
محمد (بصوت واطي وناعم):
— "بصي يا زينب.. أنا عارف إن القعدة دي بتبقى صعبة وموترة، بس أنا عايزك تطمني خالص. أنا مش جاي أدور على عروسة وخلاص، أنا جاي أدور على 'شريكه حياه '.. نفسي لما أرجع من شغلي وتعب الشغل، ألاقي الوش اللي يضحك لي، والبيت اللي أحس فيه إني ملك ومراتى ملكه 
— "ده اللي بتمناه يا أستاذ محمد.. أنا ماليش طلبات والله، أنا بس نفسي في بيت يتقفل عليا، وأهل يحبوني وأحبهم. طنط عايدة شكرت لي فيك كتير، وأنا.. أنا ارتحت لكلامها
— "ماما دي أطيب قلب في الدنيا، بس هي كمان تعبت ونفسها ترتاح وتشوفني مستقر. وعشان كدة أنا مش عايز نضيع وقت في الخطوبة والرسميات.. أنا جاهز، والشقة جاهزة، ومستني بس موافقتك عشان نكتب الكتاب وننقل حياتنا لمرحلة تانية."
زينب من كتر الفرحة كانت هتعيط، حست إن بوابات الجنة اتفتحت لها.
— "تعرفي يا زينب.. أنا من أول ما شوفتك وأنا حاسس إن فيكي حاجة مختلفة. البنات اليومين دول طلباتهم مابتخلصش، وعايزين منظرة وفشخرة.. لكن أنا لمحت في عينيكي 'الأصل'. لمحت الست اللي هتشيلني في عينيها، وأنا والله يا زينب، هعوضك عن كل يوم مر شوفتيه في حياتك."
زينب (وشها بقى طماطم وبصت في الأرض):
— "ربنا يخليك يا أستاذ محمد.. أنا والله مش طماعة، أنا بس محتاجة الأمان. محتاجة أحس إن ليا ضهر أتسند عليه لما الدنيا تضيق بيا."
محمد (مسح على وشه بتمثيل متقن وكأنه متأثر):
— "الأمان ده كلمتي ووعدي ليكي. بس خليني أكون صريح معاكي في حاجة.. أنا وأمي روحنا في بعض، وهي اللي ربتني وكبرتني لحد ما بقيت مهندس قد الدنيا. هي عايزة تشوفنا مبسوطين، بس هي كمان نظامها 'شديد' شوية في البيت.. يعني بتحب النظام، وبتحب الست اللي تعرف قيمة اللقمة وتدبر بيتها
— "ماتقلقش يا محمد.. أنا اتعلمت في الدار كل حاجة، من أول الطبيخ لحد أصغر تفصيلة في البيت. أنا هخدم ماما عايدة بعيني، وهشيلها فوق راسي، دي كفاية إنها اختارتني وبقت هي الأم اللي كنت بحلم بيها."
— "عفارم عليكي يا زينب.. ده العشم برضه. وعشان كدة، أنا اتفقت مع ماما إننا مش هنعمل فرح وهيصة ومصاريف مالهاش لازمة. إحنا أولى بالفلوس دي نجهز بيها لعيالنا اللي جايين، ونعمل كتب كتاب في الضيق ونروح على شقتنا.. إيه رأيك؟"
زينب (سكتت لحظة، كان نفسها تلبس الفستان الأبيض وتفرح زي البنات، بس الخوف من ضياع الفرصة خلاها توافق):
— "اللي تشوفه صح يا محمد أنا معاك فيه.. المهم نكون مع بعض في بيت واحد."
في اللحظة دي، دخلت عايدة ومعاها حنان، وعايدة كانت بتراقب ملامح زينب 
— "ها يا ولاد؟ شكل الوفاق حصل والقلوب اتفتحت لبعضها.. مبروك علينا يا ست حنان، البت زينب خلاص بقت تخصنا."
حنان (بقلب مقبوض بس بتحاول تبتسم):
— "على بركة الله.. بس يا ست عايدة، زينب بنتي، وأنا لازم أطمن على كل خطوة. والكتب كتاب مش هيتم إلا لما نخلص كل الإجراءات الرسمية هنا في الدار."
محمد (قام وقف وفرد طوله وبكل ثقة):
— "طبعاً يا مدام حنان، إحنا بتوع أصول.. وفى اقرب وقت كل حاجه تخلص ،  ونخرج زينب لبيتها اللي هينور بوجودها."
خرج محمد وعايدة من الملجأ، وأول ما ركبوا العربية وقفلوا الأبواب، الوشوش اتغيرت تماماً.
عايدة (وهي بتعدل طرحتها قدام المراية):
— "برافو يا محمد.. ثبت البت بكلمتين 'الأمان والستر'. البت واقعة وشكلها هتسد معانا في المصلحة دي."
محمد (وهو بيدور العربية ببرود):
— "اهي وافقت على موضوع الفرح وكتب الكتاب السريع.. بس يا أمي، إنتي متأكدة إن الست حنان مش هتعمل لنا مشاكل في 'القائمة' والطلبات؟"
عايدة (بضحكة خبيثة):
— "قائمة إيه يا موكوس! البت مالهاش حد، والدار بتجهز بأساسيات..
على أطراف الملجأ، كانت العربية الجيب السوداء مركونة في حتة مدارية تحت شجرة ضخمة. "عمار" كان ساند ضهره على الكرسي، وماسك في إيده "تابلت" عليه خرائط مساحية، وعينيه مش مفارقة باب الملجأ. شاف محمد وعايدة وهما خارجين، وشاف الفرحة اللي كانت مرسومة على وش زينب وهي بتودعهم من بعيد، فابتسم بسخرية وطلع الموبايل وطلب "رحيم".
رحيم (رد بصوته الهادي الرخيم اللي فيه نبرة آمرة):
— "ها يا عمار.. طمني، الأرض طلعت زي ما قولت؟"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
عمار (بتركيز وهو بيبص للمساحات اللي قدامه):
— "يا رحيم بيه، الأرض دي كنز.. مساحة بكر، وموقعها يخلي التوزيع للمحافظات اللي حوالينا أسرع من البرق. بس زي ما قولتلك، فيه 'شوكة' في نص الأرض.. ملجأ الأيتام."
رحيم (سكت لحظة، وسمع عمار صوت تكة الولاعة وهو بيولع سيجاره):
— "الشوكة بتتشال يا عمار.. الأرض دي لازم تبقى 'إمبراطورية الألبان' الجديدة. الملجأ ده مساحته قد إيه بالظبط؟"
عمار:
— "واخد مساحة مش قليلة،مساحه فيلا صغيره  والمباني قديمة شوية بس مترممة.  الملجأ ده فيه حركة، والست حنان اللي ماسكاه، سمعتها في المنطقة إنها 'ست بـ 100 راجل' ومبتفرطش في حق عيالها."
رحيم (بضحكة باردة فيها ثقة مرعبة):
— "100 راجل؟ تمام.. خليهم 101 بيا. اسمع يا عمار، مش عايزك تدخل من باب المواجهة دلوقتي. ابدأ اسحب الأراضي اللي حوالين الملجأ كلها، اشتري من الأهالي بأي تمن.. عايز الملجأ ده يبقى 'جزيرة' محاصرة بأملاكي من كل ناحية. والملجا ده وحنان دى سبهملى انا متحاولش حتى تكلمها او تيجى جمبها فاهم انا هعرف ازاى اخلص الموضوع ده 
عمار (بتردد):
— "يعني نتبع سياسة 'النفس الطويل'؟"
رحيم (بصوت قاطع):
— "أنا معنديش وقت للنفس الطويل يا عمار بس انا عارف هعمل ايه كديس واعرف ازاى استغل اى حاجه قدامى 
بعد ما عمار قفل مع رحيم، حس بضيق مش عارف سببه، ركن العربية ونزل يتمشى شوية حوالين سور الملجأ، كان بيحاول يشوف مداخل ومخارج الأرض بعينه بعيداً عن الورق والخرائط.
​وصل عند حتة في السور، كانت المباني فيها واطية شوية ومطلة على الجنينة الجوانية، ووقف يعدل قميصه.. وفجأة، عينيه جت على "عزة".
​كانت قاعدة على دكة خشب قديمة، سانده راسها على السور وبصة للسما بشرود، ملامحها كانت هادية بس باين عليها "وجع" سنين، وكأنها وردة دبلت قبل أوانها. عمار فضل واقف مكانه مش عارف يتحرك، جمالها الحزين خطف نظره، وخلاه ينسى هو كان جاي يعمل إيه أصلاً.
​عزة حست بحد واقف، لفت وشها بسرعة وهي مخضوضة، ومسحت طرف عينيها بطرف طرحتها:
— "مين حضرتك؟ وعايز إيه من هنا؟"
​عمار ارتبك لأول مرة في حياته، هو اللي بيواجه حيتان السوق، لقى نفسه مش عارف يجمع كلمتين قدام نظرة عينيها:
— "أنا.. أنا آسف جداً لو أزعجتك. أنا مهندس، وكنت بعاين الأراضي اللي حوالين الملجأ عشان مشروع جديد، وتُهت في المساحات شوية."
​
عزة قامت وقفت، ونفضت إيدها من تراب الدكة بحركة فيها كبرياء يوجع القلب، وقالت بنبرة حادة زي الموس:
— "الأرض اللي بره السور تقدر تعاينها براحتك، لكن هنا ده مكان خاص.. يا ريت تمشي قبل ما حد يشوفك ويفهم غلط."
عمار سحب نفس طويل، وبدل ما يمشي، سند كوعه على حرف السور الواطي وبص لها ببرود محترف، بس عينيه كانت بتلمع بفضول غريب:
— "الغلط الحقيقي هو إنك تكوني في السن ده وشايلة في عينيكي نبرة 'يأس' متوقعة الموت في أي لحظة. أنا مهندس يا آنسة، وعيني واخدة على كشف العيوب في الأساسات.. وإنتي أساسك محتاج ترميم."
عزة ضحكت ضحكة وجع، قصيرة ومكتومة:
— "أساسي؟ إنت جاي تتفلسف ولا جاي تشتري؟ لو جاي تشتري، فالدار دي ملهاش تمن، ولو جاي تتفلسف، فوفر كلامك.. اللي إيديه في المية الباردة مش زي اللي إيديه محروقة بنار 'حاضر وطيب' وخدمة ناس ميسووش."
عمار استغرب قوتها، وقرب وشّه منها شوية وبصوت واطي فيه بحّة جدية:
— "أنا عمار.. والناس اللي بتعرفني، بتخاف من نظرتي لأني مابشوفش غير الحقيقة. والحقيقة اللي أنا شايفها دلوقتي، إنك عاملة زي العمارة اللي صمدت قدام زلزال، بس خايفة من الهوا اللي جاي يوقعها. ليه؟ هو الستر بره السور ده مخيف للدرجة دي؟"
عزة قربت من السور هي كمان، وعينيها كانت بتلمع بالدموع اللي رافضة تنزل:
— "مخيف؟ كلمة مخيف دي قليلة. بره السور ده فيه ناس بتشوف اليتيمة 'لقمة' سهلة، وناس بتشوفها 'خدامة' بلقمتها، وناس بتشوفها 'ستر' لسر قذر.. بره السور ده يا بشمهندس، مفيش حد بيحب لله، كله بيحب للمصلحة. أنا جربت أكون 'سند' واتكسر ضهري، وجربت أكون 'عِطر' واتداس عليا بالرجلين.. فما تجيش إنت ببدلتك دي وتقولي أساسك محتاج ترميم."
عمار سكت خالص، حس إن الكلام لجمه.. حس إن البنت دي "كتاب مفتوح" بس حروفه مكتوبة بالدم.
عزة لفت وشها وسابته واقف، مشيت بخطوات سريعة ومنتظمة، ضهرها مفرود بوجع، وكأنها بتحاول تثبت للأرض قبل ما تثبت له إنها لسه واقفة على رجليها. مابصتش وراها ولا لفت براسها 
عمار فضل مكانه.. إيده لسه ساندة على السور، وعينيه مثبتة على النقطة اللي اختفت عندها. الصمت اللي سابته عزة كان ألعن من كلامها، كان صمت بيصرخ في وشه ويقوله إن العالم اللي هو جاي منه بـ "بدلته وشياكته" مجرد قشرة قدام حقيقة الوجع اللي ساكن ورا السور ده.
عدت دقيقة.. اتنين.. وفجأة، موبايله رن في جيبه بـ "نغمة" خاصة، نغمة أوامر رحيم بيه.
الصوت ده كان كفيل يرجعه للواقع، نفض إيده من غبار السور وكأنه بينفض تأثير كلام عزة عنه. عدل ياقه قميصه بجمود، ورسم على وشه الملامح الرخامية اللي بيقابل بيها الدنيا.
عمار (بصوت واطي ونبرة خالية من أي مشاعر):
— "فوق يا عمار.. إنت هنا عشان 'أرض'، مش عشان 'حكاوي'. الأرواح دي ليها رب يحميها، لكن رحيم ملوش غيرك ينفذ له اللي هو عايزه."
طلع المنديل، مسح إيده ببرود، ولبس نضارته الشمسية اللي خبت أي لمعة تعاطف كانت في عينيه. ركب عربيته، ودور المحرك بصوت قوي هز هدوء المكان، وبص للملجأ في المراية وهو بيتحرك:
— "آسف يا آنسة عزة.. بس في عالم الأخطبوط، مفيش مكان للترميم.. فيه بس 'إزالة' وبنا من جديد."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
مر اسبوعين والعمال حوالين الدار كانوا شغالين زى خليه النحل بيسابقوا الزمن حنان حاولت تفهم ايه بيحصل لكن ماكنش حد بيفدها وده خلى القلق يزيد عندها
فضلت  حنان واقفه  قدام الشباك، ملامحها متشنجة وهي شايفة اللودرات بتهد في التل اللي قصاد الدار، التراب ملى الجو وكأنه غيامة سوداء بتهجم عليهم. دخلت عليها عزة وهي ماسكة كباية ينسون، إيدها كانت بتترعش حاجة بسيطة.
— "الوضع بره مريحش يا ست حنان.. العمال وشوشهم مقلوبة، والنهاردة الصبح شفت اتنين منهم بيجروا وهما بيصوتوا، بيقولوا الأرض 'بتطلع' تعابين وعقارب من كتر الحفر في حضن الجبل."
حنان لفت لها بضيق:
— "والبشمهندس بتاعهم ده مالهوش قلب؟ الأرض بتهيج وهما مكملين، وكأنهم بيحفروا في جثث مش في رمل!"
بره على السور، كان عمار واقف زي الصنم، لابس نضارته السوداء اللي بتعكس صورة البلدوزر وهو بيخبط في صخر الجبل. جاله "جمعة" الريس بتاع العمال، ووشه أصفر زي الليمونة:
— "يا بشمهندس عمار، أبوس إيدك وقف الشغل ساعة واحدة.. الأرض هنا مسكونة بصحيح، العقارب طالعة من الشقوق بحجم كف الإيد، والرجالة ركبها بتخبط في بعضها، الجبل ده مابيرحمش حد بيقرب منه."
عمار بصله ببرود، وطلع سيجارة ولعها وهو بيقول بنبرة خالية من أي رحمة:
— "اللي يخاف من العقرب يقعد فى البيت  يا جمعة.. رحيم بيه بايع الدنيا وشاري الأرض دي، ولو طلعت عفريت من تحت الأرض، هتتفرم تحت عجل اللودر. وزع مصل السموم على الرجالة، واللي يتصاب يتعالج ويرجع مكانه.. إحنا هنا بنبني 'إمبراطورية'، مش بنعمل جنينة أطفال."
في اللحظة دي، وقفت عربية محمد وعايدة قدام باب الدار. عايدة نزلت وهي بتنفض التراب عن طرحتها بقرف وتأفف:
— "يا ساتر يا رب.. إيه الغبرة دي! الواحد بييجي هنا بيطلع بروحين."
محمد عدل جرافتته وبص على عمار والعمال بنظرة سريعة فيها "فهم" خفي، وكأنه عارف السر اللي ورا الهدد ده، ودخلوا لزينب اللي كانت مستنياهم ورا الباب بلهفة.
محمد قعد مع زينب في الصالون، وعينه كانت بتلمع بلمعة غريبة وهو بيقول لها:
— "شفتي يا زينب؟ الدنيا بره بتتهد عشان تتبني من جديد.. زي حياتنا بالظبط، بنهد الوحدة عشان نبني البيت اللي هيجمعنا. هانت ، كلها كام يوم ونكتب الكتاب، وأخدك من الدوشة دي كلها لمملكتك الهادية."
زينب كانت بتسمع كلامه وهي حاسة إنها في حلم، بس صرخة عامل بره شافت تعبان "طريشة" طالع من الرمل، خلت قلبها ينقبض فجأة.. حست إن "الستر" اللي محمد بيوعدها بيه، طعمه مر زي السم اللي بيطلع من حضن الجبل ده.
دخلت عايدة مكتب حنان، قعدت وفردت عبايتها بتكلف، ورسمت على وشها ابتسامة صفراء وهي بتهوي بكلماتها:
ـ يا ست حنان، إحنا أهل وأصول، والبت زينب دخلت قلبي وبقت زي نور عيني.. وعشان كدة أنا جاية أقولك إننا خير البر عاجله، إحنا عايزين نكتب الكتاب والدخلة كمان شهر بالظبط."
ـ شهر يا ست عايدة؟ ده البت لسه ملحقتش تستوعب، وبعدين إجراءات الدار والورق والتحريات بتاخد وقتها.. إيه الاستعجال ده؟"
ـ استعجال؟ يا حبيبتي ده 'خير البر عاجله '! وبعدين محمد جاله عقد شغل في الساحل، وعايز مراته معاه في بيته ومطرحه. إنتي يرضيكي الولد يسافر ويسيب مراته لسه في دار أيتام والناس تاكل وشنا؟"
ـ محدش هياكل وش حد، زينب في بيتها ومع أهلها هنا. أنا بس شايفة إن شهر قليل قوي عشان يفرشوا ويجهزوا.. والجهاز بتاع الدار لسه مجاش."
ـ  "جهاز إيه وشوار إيه! البيت عندي كامل من مجاميعه، ومحمد مش عايز من البت غير شنطة هدومها.. إحنا بنشتري 'جوهرة' يا ست حنان مش بنشتري عفش . وبعدين، هو إنتي خايفة من إيه؟ ده محمد مهندس قد الدنيا، يعني الأمان كله. ووحيد يعمى مش هتلاقى سلفه تضايقها او اخت جوز تغير منها 
ـ  "مش خايفة، بس 'حريصة'. الجوازة اللي بتيجي سلق بيض دي بتقلقني. ليه متبقاش خطوبة شهرين تلاتة، البت تفهم طبعه وهو يفهم طبعها؟"
عايدة (قامت وقفت ولعبت على الوتر الحساس): "طبع إيه ونبع إيه! العيال ارتاحوا لبعض، والبت زينب كل ما تشوف محمد وشها ينور.. إنتي عايزة تقطعي فرحتها ليه؟ ولا هو أنتم في الدار هنا بتحبوا 'الحبسة' للعيال؟ البت يتيمة يا حنان، وكسرة خاطر اليتيم وعطلة حاله دي عند ربنا كبيرة.. ولا إنتي عايزة تشيلي ذنبها؟"
حنان (اتنهدت بضيق وهي حاسة بالضغط)
ـ يا ست عايدة متبدليش الكلام، أنا مصلحة البت عندي فوق كل شيء."
عايدة (بصوت ناعم ومسموم): "
ـ ومصلحتها في الستر والبيت المفتوح. محمد ابني لو ضاع من إيدها، مش هتلاقي زيه تاني.. مهندس، وابن ناس، وشقة ملك،وعربيه  وهيشيلها في عينه. قولي مبروك وخلينا نخلص الإجراءات، ولا إنتي ليكي رأي تاني يزعلنا من بعض؟"
حنان سكتت، وبصت من الشباك على اللودرات اللي بتهد في الجبل بره، حست إن عايدة هي كمان "لودر" بس من نوع تاني، بتهد دفاعاتها عشان تاخد زينب لمنطقة مجهولة
اتنهدت حنان وادت عايده موافقه مبدايه هى مش عارفه ايه اللى بيحصل حواليها ومعندهاش سبب او مبرر للتاجيل 
خرجت عايده ومشيت مع محمد وبدات تجهز ازاى تسيطر سيطره كامله على زينب 
فى اليوم التانى شافت حنان عربيه عمار وقررت انها تروح تكلمه بنفسها عشان تعرف ايه اللى بيحصل بالظبطت 
فتحت حنان باب الدار الحديدي وهي بتعدل طرحتها بعصبية، وعزة ماشية وراها بخطوات سريعة وقلب مقبوض، وكأنها بتحاول تكون "ضهر" لحنان في مواجهة المجهول اللي بره السور. الغبار كان مالي الجو وصوت المكن يصم الاذان.
حنان قربت من عمار اللي كان واقف مدي ضهره للباب، وبصوت جهوري قدرت تغلب بيه صوت اللودرات:
— "يا بشمهندس! يا بشمهندس أنت يا اللي واقف!"
عمار لف ببطء، نزل نضارته الشمسية شوية وبص لحنان ببرود، وعينه جت في عين عزة اللي كانت واقفة بصلابة ورا حنان، لمحة الارتباك اللي حصلت المرة اللي فاتت اختفت ورا قناع "المهندس المحترف".
حنان (بنفس مقطوع):
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
— "أنا مديرة الدار، الست حنان. ممكن أفهم إيه اللي بيحصل ده؟، فجأة اتقلبت خلية نحل وهدد.. والعمال بتوعك بيقولوا فيه بلاوي بتطلع من تحت الأرض، والدار هنا فيها أطفال ومسؤولية. أنت مين، وبتبنوا إيه بالظبط؟"
عمار (بابتسامة رسمية باردة):
— "أهلاً يا مدام حنان. مفيش داعي للقلق خالص، إحنا شركة مقاولات وبننفذ مشروع استثماري مرخص. مجرد استصلاح وتجهيز بنية تحتية للأراضي اللي حواليكم."
حنان (بشك):
— "استصلاح إيه يا بشمهندس والجبل بيتهد فوق دماغنا؟ ومين صاحب المشروع ده؟ أنا بقالي سنين هنا وعارفة إن الأرض دي ملكية عامة، إزاي فجأة بقت 'مشروع استثماري'؟"
عمار (وهو بيبص في ساعته بتجاهل متعمد):
— "والله يا مدام حنان، دي تفاصيل قانونية وإدارية تخص الملاك والجهات الرسمية، أنا هنا مجرد مهندس تنفيذ. يعني بسلم وبستلم خرسانة وطوب.. ماليش في ورق الملكية."
عزة (تدخلت وصوتها كان فيه نبرة حادة):
— "بس ليك في 'السموم' اللي بتهيجوها علينا يا بشمهندس. العمال بيقولوا إن التعابين والعقارب بدأت تظهر بسبب الحفر الغلط في حضن الجبل. إزاي بتقول مفيش داعي للقلق وأنت بتهدد سلامة المكان اللي ورانا ده؟"
عمار بص لعزة نظرة طويلة، حاول فيها يحافظ على جموده:
— لكل بنا 'أساسات'، والأساسات أوقات بتطلع شوية كراكيب قديمة من الأرض. إحنا واخدين احتياطاتنا، والموضوع كله كام يوم والأرض هتتساوى."وماتقلقيش بعتنا لمراكز مختصه هتيج. ترش المكان كله وتجرده خالص وهنأمن المكان اللى انتوا فيه كويس اوى 
حنان (بإصرار):
— "أنا مش هسكت يا بشمهندس. أنا لازم أعرف مين اللي باعتكم، والملجأ ده مش هيتأذي طول ما أنا فيّ نفس."
عمار (رجع لبس نضارته وكأنه بيقفل الكلام):
— "يا ست حنان، نصيحة مني.. ركزي في إدارة الدار وفي ولادك، وسيبي البنا لأصحابه. الدنيا بره بتتغير، واللي مابيمشيش مع التغيير هو اللي بيتعب. عن إذنك، عندي شغل لازم يخلص قبل الليل."
عمار سابهم ومشي ناحية الجبل بكل برود، وحنان وقفت مكانها وهي حاسة إنها بتخبط في حيطة سد. لفت لعزة وقالت بصوت واطي فيه قلق حقيقي:
— "الجدع ده مش سهل يا عزة.. وكلامه وراه 'حد' تقيل قوي. أنا قلبي واكلني إن الدار بقت في نص مصلحة كبيرة، وزينب في نص مصلحة تانية، وإحنا مش عارفين رأسنا من رجلينا."
عزة فضلت باصة لضهر عمار وهو بيبعد، 
بغل وحزن، وحنان بدأت تتحرك ناحية باب الدار وهي بتبرطم بكلام مش مفهوم من ضيقها. وفجأة، وسط الرمل الناعم اللي هج من الحفر، عزة حست بـ "سيخ نار" اتمكن من رجلها.. وجع مش طبيعي، خلى الدنيا تلف بيها وصوتها يخرج في صرخة شقت هدوء المكان:
ـ ااااه الحقونى 
عمار، اللي كان لسه ممشي، جسمه اتنفض وكأن الصرخة دي لمست سلك عريان في قلبه. لف بسرعة البرق، وشاف عزة وهي بتقع على الأرض وماسكة رجلها بوجع هستيري.
جري عليها بقلب واكل صدره، وفي اللحظة اللي وصل فيها، لمح خيال "طريشة" صغيرة لونها من لون الرمل، كانت لسه بتتسحب بعيد عن رجل عزة. عمار من غير تفكير، ومن غير ما يستنى يدوّر على حجر أو عصاية، قلع جزمته التقيلة ونزل بيها بكل قوته على راس التعبان، فضِل يضرب فيه بغل وكأنه بينتقم
رمى الجزمة من إيده وارتمى على الأرض جنب عزة، اللي كان وشها بدأ يصفر وعرقها يسيل.
كان قاعد على الأرض قصادها، عينيه متركزة على مكان سنون التعبان في كاحلها بس كل حواسه معاها. مسك كعب رجلها بكفوفه اللي فيها خشونة الأيام بس لمستها كانت أرق من الحرير، كأنه بيمسك حتة إزاز خايف تتكسر. وبدون تردد، ميل براسه وحط شفايفه على ساقها عند مكان الجرح، وبدأ يسحب السم بكل قوته، كأنه بيمتص الوجع اللي بيجري في عروقها ويفتديه بنفسه.
بعد كل مرة، كان بيمسح طرف بقه بظهر إيده وعينيه متركزة في عينيها بنظرة ثابتة، لحد ما رفع عينيه ببطء في المرة الأخيرة والسكوت مالي المكان.. نظرة كان فيها ألف كلمة متقالتش؛ كأنه بيبصملها بالفعل ده إنه سندها، وإن الخطاوي اللي تعبت من شيل الهموم -وحتى الموت اللي قرب منها- هو اللي هيصده عنها، عشان تمشي من بعد النهاردة على حرير."
جريت حنان عليها وهى بتصوت وبعدها عمار شالها وركبها العربيه وجريت حنان وراهم
العربية طارت زي السهم، وعمار كان دايس بنزين لآخر نفس، عينه مش بتفارق المراية، بيبص على وش عزة اللي بقى لونه أبيض زي الورقة وهي نايمة ورا، وحنان جنبها بتبكي وتدعي بصوت مكتوم ومنهار.
صمت عمار كان مرعب، إيده اللي قابضة على الدريكسيون كانت بترتعش لأول مرة في حياته. وصلوا المستشفى في دقايق، وشالها تاني بين إيديه وهو بيصرخ في الممرضين: "ألحقونا بسرعة.. أي حد يلحقنا!"
بعد لحظات من التوتر والرعب في أوضة الطوارئ، خرج الدكتور وطمنهم إن "المصل" لحقها في الوقت المناسب وأنها عدت مرحلة الخطر. دخل عمار الأوضة بعد ما العاصفة هديت، كانت الإضاءة خافتة وعزة بدأت تفتح عينيها ببطء وبتسترد وعيها.
قرب من السرير، وقعد على طرف الكرسي اللي جنبها.. مكنش فيه أي أثر للمهندس القاسي اللي جاي يهد الجبال؛ كان فيه بس راجل مغلوب قدام نظرة عينين ذبلانة وتعبانة
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
افتكرت عزه لمسة شفايف عمار على رجلها !
حست برجفة سريعة مشيت في جسمها كله، وجع رجلها اتنسى قدام إحساس تملّكها في اللحظة دي.. افتكرت إزاي كان ماسك رجلها بكفوفه الخشنة بس بحنان غريب، وكأنه بيمسك جوهرة خايف تتهشم، افتكرت إزاي كان بيمتص السم بقوة، كأنه عايز ياخد الموت نفسه منها ويفتديها بيه. عيونها دمعت وهي بتفتكر نظرته الأخيرة ليها قبل ما يسيبها ويخرج، النظرة اللي كانت مليانة كلام كتير قوي، كلام كان أبلغ من أي قصة حب اتقالت.
افتكرت كمان لما شالها بين إيديه، حست بأمان مكنتش حاساه طول عمرها، حست إنها بقت عيلة صغيرة في حضنه، افتكرت إزاي كان بيجري بيها وهو بيصرخ في الكل يوسعوا له السكة، كأنه بيسابق الزمن عشانها.. افتكرت خوفه الحقيقي عليها، الخوف اللي كسر كل الحواجز اللي بينهم.
عزة غمضت عينيها تاني، بس المرة دي عشان تعيش اللحظات دي تاني في خيالها، تحس بدفء جسمه وهو شالها، وبلمسة شفايفه على رجلها.. حست إن فيه حاجة اتغيرت جواها، حاجة كانت ميتة وصحيت من جديد.. حست إن عمار مكنش بس مهندس باعتينه عشان يهد الجبال، كان سندها وضهرها في وقت الشدة، كان الراجل اللي ضحى بحياته عشانها.. حست إنها بدأت تلمح "القلب الطيب" ورا "القناع الجليدي" اللي هو لابسها طول الوقت.. حست بملامحه بتتشكل بشكل مختلف 
في اللحظة دي، دخلت حنان الغرفة، وشافت عزة وهي نايمة ومبتسمة ابتسامة باهتة، قالت بصوت هادي:
— "حمد الله على سلامتك يا عزة.. البشمهندس عمار لسه خارج، كان قلقان عليكي قوي."
عزة فتحت عينيها تاني، وبصت لحنان بنظرة غريبة، نظرة كان فيها ألف سؤال وسؤال، بس مكنش فيه غير إجابة واحدة في قلبها..
فجأة، انقبضت ملامح عزة وكأن تياراً كهربائياً ضرب قلبها، تلاشت الابتسامة الباهتة وحلت محلها نظرة رعب باردة.. وكأن ذكرى "سعيد" هجمت عليها مثل ذئب جائع لينتشلها من لحظة الأمان المزيفة.
استعادت عزة أنفاسها بصعوبة، وصورة عمار وهو يمتص السم من جسدها تداخلت مع صورة قديمة لسعيد.. سعيد الذي كان بارعاً أيضاً في تمثيل دور "المنقذ"، الذي دخل حياتها بكلام معسول ونظرات كانت توهمها بالستر، حتى تمكن من خنق روحها وكسرها.
غمغمت عزة في سرها بمرارة:
"كلهم زي بعض.. بيبدأوا بالحنية والشهامة، لحد ما نقع في الفخ، وبعدها بيظهر الوش الحقيقي. سعيد كمان كان بيمثل إنه بيخاف على الهوا اللي بتنفسه.. وفي الآخر كان هو اللي كتم نَفَسي."
حست بـ "قرف" من نفسها لأنها سمحت لقلبها يدق ثواني لمجرد لمسة، وبدأت تشك في كل حاجة.. ليه عمار عمل كدة؟ هل ده جزء من خطة "الشركة" عشان يسيطروا على الدار؟ هل هو ومحمد وجهين لعملة واحدة؟ واحد بيضحك على زينب بالجواز، والتاني بيحاول يثبت بطولته قدامها عشان يسكتها عن اللي بيحصل في الجبل؟
حنان لاحظت التحول المفاجئ في وش عزة، وسألتها بقلق:
— "مالك يا عزة؟ رجلك وجعتك تاني؟ أنده للدكتور؟"
عزة بصت لها بعيون مليانة حزن وغل، وقالت بصوت ناشف:
— "لا يا ست حنان.. مفيش دكتور بيعالج الوجع ده. أنا بس افتكرت إن التعبان اللي قرصني في الجبل أرحم بكتير من "تعابين" تانية لبست وش بني آدمين ودخلت حياتنا زمان. البشمهندس ده لازم نبعد عنه، كلامه وفعله وراهم غرض.. والجميل اللي عمله ده أنا هردهوله، بس مش عايزة أشوف وشه هنا تاني."
حنان استغربت من الهجوم المفاجئ، بس سكتت لأنها عارفة "جرح" عزة القديم وقديش هو غاير.
بره في الممر، كان عمار لسه واقف، ساند راسه على الحيطة.. مكنش عارف إن "البطولة" اللي عملها، صحت في قلب عزة "شيطان" قديم اسمه الشك، وإن معركته الجاية مش هتكون مع صخر الجبل، لكن مع ذكريات راجل تاني دمر ثقة عزة في جنس الرجال كله.
في الناحية تانية، كان رحيم قاعد في مكتبه  وصوت الموسيقى الكلاسيك الهادية مغطي على أي دوشة. رفع رحيم موبايله  ورد ببرود:
— "إيه يا عمار؟ طمني.. اللودرات هدت قد إيه من التل النهاردة؟"
عمار (بصوت مكتوم وفيه نهجة وتوتر):
— "اللودرات وقفت يا رحيم بيه.. أنا في المستشفى."
رحيم (عدل قعدته على الكرسي الجلد الفخم، وعينه لمعت بشك):
— "مستشفى؟ جرى لك حاجة؟"
عمار:
— "أنا كويس، بس الأرض طلعت سمومها علينا.. فيه ست من الدار اللي جنبنا قرصتها "طريشة" وهي واقفة قدام بابها، والموضوع قلب قلبة وحشة والعمال خايفين يكملوا. يا رحيم بيه، الجبل ده فيه بلاوي، ولو مبعتش طقم تطهير متخصص وفريق رش يقلب المنطقة النهاردة، بكرة الصبح هتلاقي المحافظة والنيابة واقفين فوق راسنا بسبب بلاغ من الدار.. والأطفال هناك مسؤولية مش هتعرف تسكتها بفلوس."
رحيم سكت، وبدأ يحرك صباعه على طرف المكتب الأبنوس، وصوته نزل لدرجة مرعبة من الهدوء:
— "إنت بتتصل بيا من المستشفى عشان تقولي "نوقف" يا عمار؟ إنت عارف الساعة في المشروع ده بتكلفني كام؟ وبعدين من إمتى وإنت قلبك رهيف قوي كدة على جيرانك؟"
عمار (بيحاول يلم الدور):
— "مش رهيف يا جناب الباشا، أنا بحمي رقبتنا. البت اللي اتصابت دي لو جرى لها حاجة، الدنيا هتتقلب، والدار دي عين الدولة عليها. خلينا نطهّر المكان ونرش سموم تموت أي حاجة بتزحف، عشان الرجالة تشتغل وهي مطمنة وعشان الدار تسكت."
رحيم (بابتسامة باردة وهو بيبص من ورا الزجاج الفخم لمكتبه على أضواء المدينة):
— "تمام.. فى تيم تطهير جايلك فى الطريق كلمتهم ومظبط معاهم كل حاجه فريق كامل متخصص في إبادة الزواحف، ومعاهم تصاريحهم عشان يدخلوا حتى جوه جنينة الدار لو لزم الأمر. بس اسمع يا عمار.. ملمحش وشك في المستشفى دقيقة زيادة. تخلص المكالمة، تغسل إيدك، وترجع تقف فوق راس اللودرات. الأرض دي ملكي، واللي فيها ملكي، ومحدش يوقفني.. مفهوم؟"
عمار قفل السكة وهو بيشتم في سِره، بص بصه أخيرة على باب أوضة عزة، ومسح وشه بتعب، ونزل جري عشان يسبق فريق الرش ويوصل لموقع "المعركة" من تاني.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
مرّ يومين، وعزة خرجت من المستشفى ورجعت الدار، بس رجوعها مكنش زي خروجها؛ كانت ماشية بتعرج بسيط بس قلبها كان شايل حمل أتقل من رجلها. وفي وسط الغبرة وصوت المكن اللي مبيسكتش، وقفت عربية سودة فخمة، من النوع اللي يخلي العمال يسيبوا اللي في إيدهم ويبلموا.
نزل السواق وفتح الباب، ونزل رحيم.. هيبة، شياكة، ونضارة سودة مخبية عينين مابتشوفش غير مصلحتها. وقف يعدل جاكيت بدلته الغالية وسط التراب، وكأنه ملك داخل مملكته. عمار أول ما شافه، ساب اللودرات وراح عليه 
— "رحيم بيه ! نورت الموقع يا باشا..
رحيم (بصوت هادي زي هدوء المقابر):
- انا جيت عشان اقابل مدام حنان بخصوص الارض افتكر كده بقالنا شهر بنساوى الارض واتساوت فاضل مكان الدار دى وانا جاى عشان اخرجهم منها 
حنان كانت واقفة ورا السور،وبتراقب  المنظر، وشكت انه ممكن يكون ده صاحب الارض الجديد هيبته ولمت العمال حواليه خلتها تتوقه انه مالك الارض 
انتهى رحيم من الكلام مع العمال واخد  رحيم ودخل الدار واستقبلته حنان فى مكتبها 
حنان (بصوت عالي ومن غير خوف):
— "أهلاً يا بشمهندس عمار.. ومين الضيف؟ صاحب الارض اللي بره ده؟"
رحيم نزل نضارته ببطء، وبص لحنان نظرة "تفحص" كأنه بيشوف هي تسوى كام، وقال بابتسامة صفرا:
— "أنا رحيم.. صاحب الأرض اللي هتبني مستقبل المنطقة دي. جيت بنفسي أتطمن على الآنسة اللي التعبان قرصها.. يرضيني برضه إن جيراني يبقوا بخير."
عزة كانت واقفة بتبصله بغل، ملامحه فكرتها بـ "سعيد" بس على أنضف وأخطر بكتير
بدأت حنان الكلام معاه والدخول فى الموضوع على طول 
ـ بس الدار دى مش للبيع يا رحيم بيه والملجا ده مش هيتهد واللى فيه يتشردوا 
— "بس يا ست حنان، الدار دي شكلها تعبان قوي.. الحيطان دي مش حمل الهز اللي حواليها. حرام تظلمي العيال معاكي في مكان ممكن يقع في أي لحظة. إيه رأيك لو فكرنا في "حل" يرضي الكل؟ نشتري راحة بالكم بمبلغ محترم، وتنقلي العيال لمكان أنضف؟"
حنان (ردت عليه بحدة):
— "الدار مش للبيع يا رحيم بيه، والحيطان دي شايلة أرواح مش شايلة طوب. لو خايف على راحتنا، ابعد لودراتك عننا، وإحنا هنبقى زي الفل."
رحيم سحب نفس طويل، وطلع دخان سيجاره ببطء وهو بيبص لحنان بنظرة فيها "ثقة" تقلق.. شبك صوابعه قدامه على المكتب وقال بصوت ناعم زي الحرير:
— "يا ست حنان، أنا مابحبش العند اللي ملوش لازمة، وخسارة الست العاقلة زيك تضيع فرصة عمرها وعمر العيال دي عشان شوية طوب مشقق. أنا مش بس جاي أخرجكم.. أنا جاي أنقلكم جنة."
حنان سكتت وبصت له بتركيز، كمل رحيم وهو بيميل بجسمه لقدام:
— "أنا اشتريت البيت اللي في أول الطريق، البيت اللي الكل بيقول عليه 'فيلا '
جنينة واسعة، غرف متهوية، ومباني زي الحديد، وأكبر من الدار دي مرتين. البيت ده جاهز من مجاميعه، يدوب تنقلي هدوم العيال وتروحوا هناك.. وده مش عرض، ده قرار هيتنفذ خلال أسبوع، عشان الدار دي لازم تتهد، ومكانها هيتساوي بالأرض."
عزة كانت واقفة بعيد، عيونها بتلمع بغضب، بس كلام رحيم اللي جاي خلاها تتسمر مكانها:
— "ومش بس كدة.. أنا هخصص مبلغ شهري للدار، رقم يخلي العيال دي تاكل وتشرب وتلبس أحسن لبس.. وأي بنت من بناتك هنا توصل لسن الجواز، 'شوارها' وجهازها كله من الإبرة للصاروخ عليا أنا شخصياً.. هجوزهم جوازات تشرف، وكأنهم بناتي."
ومش بس كده هوفر ليهم كمان فرص عمل جوه المزرعه اللى هتتبنى هنا المزرعه هتكون كبيره فوق ما خيالك يصورلك ومش هتتبنى فى حته الارض اللى انتى شيفاها دى بس لا دى هتاخد الجبل اللى قدامك واللى وراه ده كله 
حنان حست إن الأرض بتلف بيها.. العرض مغري لدرجة تخوف، ومصالح البنات اللي شايلة همهم بدأت ترفرف قدام عينها. بصت لعزة اللي وشها كان باهت، وقالت بصوت مهزوز:
— "واللي بيقدم كل ده يا رحيم بيه.. بيبقى عايز إيه في المقابل؟ مفيش حد بيرمي دهب في الأرض لله وللوطن."
رحيم لبس نضارته السودة تانى وقام وقف بكل هيبته:
— مافيش مقابل ' يا ست حنان.. تنقلي في هدوء، وتنسي إن كان فيه هنا دار،  قدامك 48 ساعة تفكري، بس خليكي فاكرة الهدم  هيبدأ الأسبوع الجاي، يا تخرجي بكرامتك للفيلا الجديدة، يا تخرجي واللودر فوق راسك. سلام يا.. جارتي العزيزة." 
حنان بصت من الشباك على العيال وهم بيلعبوا في الجنينة، وقالت بكسرة:
— "والجهاز يا عزة؟ والبنات اللي مش لاقيين ياكلوا؟ والحيطان اللي هتقع علينا؟ الراجل ده حط السم في العسل.. وعارف إننا محتاجين العسل ده عشان نعيش."
تفتكروا حنان هتوافق 
وانتوا لو مكان حنان هتعملوا ايه هتوافقوا ولا هتعاندوا ؟؟ 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بعد يومين من زيارة رحيم، والشمس لسه بتشقشق على دار الأيتام، الهدوء قطعه صوت سرينة عربية "بوكس" ومعاها عربية تابعة للمجلس المحلي.
عزة كانت واقفة في الجنينة، بتعرج بسيط وهي بتسقي الزرع، قلبها انقبض أول ما شافتهم. خرجت حنان تجري وهي بتعدل طرحتها، وشها كان مخطوف.
— "مدام حنان؟ معاكي بلاغ إزالة فوري وإخلاء للدار خلال 24 ساعة. المبنى طالع له قرار إنه 'آيل للسقوط' ويمثل خطورة داهمة على الأرواح، خصوصاً بعد تصدع الحيطان بسبب أعمال الحفر اللي جنبكوا."
حنان (بصدمة وهي بتمسك الورقة وإيدها بتترعش):
— "إزالة إيه يا حضرة؟ الدار دي واقفة من سنين! وبعدين القرار ده طالع بناءً على إيه؟ إحنا مقدمين طلب ترميم من شهر ومحدش رد علينا!"
الموظف (وهو بيمشي):
— "والله يا ست الكل دي أوامر، والتقرير الهندسي بيقول إن الهز اللي حصل اثناء الحفر حوالين الدار  خلّى التربة غير مستقرة. قدامك ل بكرة الصبح، وإلا الإخلاء هيبقى بالقوة الجبرية عشان نحمي الأطفال.
"عزة سحبت الورقة من إيد حنان وقرتها، عيونها كانت بتطلع شرار. بصت ناحية الجبل، شافت من بعيد عربية عمار  السوداء واقفة، عمار  ساند بضهره عليها وبصص لهم وهو بيدخن سيجاره بكل برود، وكأنه بيتفرج على مسرحية هو اللي كاتبها.
عزة (بصوت مخنوق من الغل):
— "شوفتي يا ست حنان؟ العسل اللي كان بيقدمه طلع مسموم فعلاً. هو اللي هز الأرض تحتنا باللودرات بتاعته، وهو اللي جابلنا قرار الإزالة عشان يرمينا في الشارع، ويجبرنا نروح 'الجنة' بتاعته بمزاجنا.. الراجل ده مبيسبش حاجة للصدفة، ده أخطبوط بجد!"
حنان قعدت على أقرب كرسي في الجنينة، والعيال بدأوا يتلموا حواليها وهما خايفين من شكل العساكر والورق. بصت لعزة وقالت بكسرة:
— "الفيلا يا عزة.. هو عارف إن معندناش مكان نروح فيه بالعيال دي في 24 ساعة. يا ننام في الشارع واللودر يهد المكان فوق عفشنا، يا نروح نقعد في حماه ونمضي على التنازل."
حنان (بصوت مهزوز ومليان حيرة):
— "أنا مش قادرة أفهم يا عزة.. هو الراجل ده بيلعب بينا ليه؟ لسه من يومين كان بيعرض فيلا وجهاز بنات وشهرية.. إيه اللي جاب المحليات وقرار الإزالة دلوقتي؟ تفتكري يكون سحب عرضه؟ تفتكري لما لقى منّي صدّ في الكلام، قرر يرمينا في الشارع ويخلص؟"
عزة (بصت لها بنظرة حادة، وقامت وقفت وهي بتسند على رجلها بوجع):
— "يسحب عرضه؟ يا ست حنان رحيم ده مبيسحبش حاجة.. رحيم ده 'أخطبوط'. الأخطار ده هو (الرجل التانية) للأخطبوط عشان يكتفنا بيها. هو مجاش يعرض علينا الجنة عشان سواد عيونا، هو جه يرمي الطعم.. ولما لقاكي بتفكري، شد الحبل عشان يخنقنا ويجبرنا نبلع الطعم وإحنا بنبوس إيده كمان."
حنان (بدموع):
— "بس ده قرار إزالة يا عزة! يعني لو مخرجناش، اللودر هيهد علينا بجد. معقول يكون مجهز كل ده من قبل ما يدخل مكتبنا؟"
عزة (بضحكة مريرة):
— "مجهز؟ ده أكيد كان ماضي قرار الإزالة وهو بيشرب القهوة معاكي! هو كان عارف إننا هنرفض أو هنتردد، فحب يورينا 'الوش التاني' بدري.. عشان لما نروحه دلوقتي نترجاه يفتح لنا الفيلا، يفتحلها لنا بشروطه هو 
ـ بقولك ايه يا عزه انا هتصل بيه دلوقتي وافهم منه كل حاجه بدل الحيره دى 
عزة (بمرارة):
— "كلميه يا ست حنان.. بس خليكي عارفة إنك بتكلمي الصياد اللي نصب الفخ. هو مستني الرنة دي بالثانية."
أخذت حنان نفساً عميقاً وضغطت على زر الاتصال.. لم يكمل الهاتف الرنة الثانية حتى جاء صوت رحيم، هادئاً، بارداً، وواثقاً لدرجة مرعبة.
حنان (بصوت تحاول جعله متماسكاً):
— "أظن حضرتك عارف اللي حصل يا رحيم بيه.. أنا بس بسأل، لسه كلامك ساري؟ ولا قرار الإزالة ده معناه إنك سحبت عرضك وعايز ترمينا في الشارع؟"
رحيم (بضحكة خفيفة مكتومة):
— "أنا مابرجعش في كلمتي يا ست حنان، أنا راجل بحترم جيراني. العرض ساري طبعاً.. والفيلا مفتوحة ومفروشة ومستنية العيال يملوها ضحك. أنا مش بس هسكنكم.. أنا هبعت لك عمار حالاً، ومعاه تيم عمال متخصص، ينقلوا لكم كل أساسياتكم وهدومكم في عربيات الشركة. إنتوا بس خدوا حاجتكم الشخصية، والباقي كله عليا."
حنان (بهمس):
— "واللودرات يا رحيم بيه؟"
رحيم: — "اللودرات مش هتتحرك ناحية السور طول ما إنتوا جوه.. أول ما عمار يبلغني إن آخر طفل ركب العربية ووصل الفيلا، وقتها بس الأرض هتاخد حقها عشان نبدأ مشروع المزرعة. قدامك ساعة وعمار هيكون عندك.. سلام يا جارتى
قفلت حنان الخط وبصت لعزة اللي كانت مربعة إيدها وعيونها زي الصقر.
حنان: — "بيقول الفيلا جاهزة.. وعمار جاي يساعدنا في النقل. الراجل ده قفل كل الأبواب، ومسابش لينا غير باب بيته."
عزة (بصوت ناشف): — "الفيلا دي مش بيت يا ست حنان.. دي 'قفص دهب'. وعمار اللي باعتينه يساعدنا ده، هو اللي هيقفل علينا الترباس. بس ماشي.. خلينا نروح 'الجنة' بتاعته، ونشوف آخرتها إيه
عمار وصل ومعاه أسطول عربيات نقل وعمال لابسين لبس شركة رحيم للمقاولات. كان بيتحرك في كل حتة، بيوجه العمال ويوصيهم على العفش كأنه بينقل ألماظ، وعينه مشقلقة على الباب، مستني "عزة" تخرج.
خرجت عزة وهي شايلة شنطة صغيرة فيها حاجتها، كانت بتمشي وهي بتعرج بسيط، بس راسها كانت في السماء، وكأنها ملكة مكسورة الجناح بس لسه محتفظة بهيبتها.
عمار (قرب منها بلهفة وشوق):
— "هاتي عنك الشنطة دي يا عزة.. إنتي لسه تعبانة والجرح محتاج راحة، والعمال هيشيلوا كل حاجة، ارتاحي إنتي في العربية."
عزة ولا كأنها سمعت، ولا حتى بصت في وشه، كأن صوته ده مجرد وش في الهوا. عدت من جنبه ببرود يجمّد الدم، وراحت حطت شنطتها في ميكروباص الدار بنفسها، وركبت في آخر كرسى ووشها للشباك.
عمار مقدرش يسكت، راح وقف جنب شباك الميكروباص وقال بصوت واطي:
— "عزة.. أنا عارف إن الظروف صعبة، بس صدقيني الفيلا هناك أمان للعيال.. لو محتاجة أي حاجة في أوضتك قوليلي بس وأنا هرتبها لك."
عزة، وبكل منتهى القسوة، راحت سحبت ستارة الشباك في وشه، من غير ولا كلمة.
وقف عمار مكانه مذهول، مش قادر يصدق إن البنت اللي خاطر بحياته عشان يشد السم من جسمها، بتبص له دلوقتي كأنه هو "التعبان" اللي قرصها
بعد ما وصلوا الفيلا الفخمة اللي كانت في حتة مقطوعة وراقية، والعمال بدأوا ينزلوا العفش تحت إشراف حنان، عمار وقف مع حنان بعيد وهو مراقب عزة وهي بتدخل العيال الفيلا من غير ما تلتفت وراها.
— "ست حنان.. أنا مش فاهم عزة بتعمل معايا كدة ليه؟ أنا عملت كل اللي أقدر عليه عشان أحميها وأحمي الدار، وفي الآخر بتبص لي كأني عدوها اللدود!"
حنان شافت عمار واقف وشه جايب ألوان من صد عزة ليه، قربت منه وطبطبت على كتفه بحنان وقالت له:
— "معلش يا بشمهندس، حقك عليا أنا.. ماتاخدش على خاطرها، عزة اللي شافته مش قليل. تعالى ندخل نرتاح من هدة اليوم ده، وأنا هقعد معاك وأحكيلك كل حاجة من طقطق لسلام عليكم."
عمار هز راسه بقلة حيلة ودخل معاها الفيلا.. وأول ما حنان خطت رجليها جوه، اتسمرت مكانها. هي كانت متخيلة إن رحيم وعمار هيجيبوهم في مكان "أي كلام" يسكتوهم بيه، بس اللي شافته كان فوق الخيال.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الفيلا كانت قطعة من أوروبا؛ السجاد والفرش ريحتهم لسه جديدة وفخمة، النجف والاضاءة تخطف العين، والتكييفات شغال في كل ركن ومخلي الجو جنة بعيد عن حر الجبل.
حنان مشيت بشويش وهي مش مصدقة، دخلت أوض الأطفال لقتها مجهزة بالكامل، سراير جديدة بلوازمها، وحتى الهدوم واللعب مرصوصة بشكل يخلي أي طفل ينسى الدنيا وما فيها. طلعت بصت من الشباك على الجنينة، لقت منطقة ألعاب كاملة (مراجيح وزحاليق) وكأنها ملاهي صغيرة خاصة ليهم.
حنان (بصوت مهزوز):
— "إيه كل ده يا بشمهندس؟ إحنا كنا فاكرين إننا هنقعد في بيت، مش في قصر!"
عمار كان ماشي وراها والسكوت مالي وشه، بس حنان لما دخلت المطبخ شافت الصدمة الحقيقية. المطبخ مجهز بأحدث الأجهزة، ومن غير ما تفتح لقت "الخزين" مالي الرفوف (رز، مكرونة، زيت، معلبات).. وفتحت "الديب فريزر" الكبير لقت فيه كميات لحوم وفراخ وأسماك تكفيهم شهور، وكأن فيه جيش كان بيجهز للمكان ده قبل ما يوصلوا بكتير.
حنان (بذهول وهي بتبص لعمار):
— "ده مسبش حاجة للصدفة.. الراجل ده مجهز كل ده إمتى؟ ده المطبخ فيه ملح وفلفل يا بشمهندس! إنتوا كنتوا عارفين إننا هنوافق ونيجي هنا، صح؟"
عمار سحب كرسي وقعد بتعب، وبص للأرض وقال بصدق:
— "رحيم بيه لما بيعوز حاجة بيجيبها يا ست حنان، وهو مبيحبش يظهر في صورة غير لما يكون مجهز كل حاجه هو معندوش عداوه معاكم   قوليلي بقى.. عزة ليه شايفة إن كل ده فخ؟ وإيه حكاية 'سعيد' اللي خلت البنت دي قلبها حجر كدة؟"
حنان دخلت مكتبها الجديد وسابت الاولاد تتفرج على الفيلا ويتبسطوا بالالعاب الجديده 
— "عزة يا بشمهندس كانت وردة مفتحة، لحد ما دخل حياتها سعيد.. كان بيمثل الحب والشهامة بالظبط زي ما إنت بتعمل دلوقتي.."
حنان بدأت تحكي وعينها بتلمع بالدموع، وصوتها كان واطي بس مسموع في هدوء الفيلا الفخمة:
— "إنت فاكر إنها كانت جوازة عادية يا بشمهندس؟ لا.. عزة دخلت بيت سعيد مش عشان تبقى ست بيت، دخلت عشان تبقى 'خدامة' بلقمتها.. خدامة لسعيد، ولأمه، ولإخواته البنات. كانت بتقوم قبل الفجر وتنام بعد نص الليل، شغل وذل وإهانة، وصابرة وبتقول أهو ستر."
عمار كان بيسمع وعروق إيده بدأت تبرز من الغضب، وحنان كملت بصوت مخنوق:
— "لحد ما في يوم، جسمها مِتحملش.. وقعت من طولها من كتر التعب والشقى، وبدل ما يشيلها ويوديها لدكتور، أو حتى يراعي إنها مراته.. سعيد رمى عليها اليمين وهى راقده فى غرفه الطوارئ قبل حتى ما يعرف ايه اللى صبها طلقهاعشان مبقاش ليها لازمة عنده وهي تعبانة.. شفت بقى الخسة وصلت لفين؟ شفت ليه هي بتترعب من أي حد بيمثل دور 'المنقذ'؟"
عمار نزل عليه الكلام كأنه صاعقة. الضيق اللي كان حاسس بيه اتحول لبركان غضب مكتوم. الكلمة وجعته في مقتله:
— "يعني الراجل ده استهلكها وهي بصحتها، ولما وقعت رماها في الشارع؟ وحقها يا ست حنان؟ السنين اللي ضاعت من عمرها في خدمتهم، والذل اللي شافته.. مخدتش منه حق ولا باطل؟"
حنان (بأسى):
— "ولا مليم يا بشمهندس.. خرجت من بيتهم بكسرة نفس، وجت لنا الدار وهي مش قادرة تبص في وش حد. وعشان كدة، هي لما شافتك بتمتص السم من رجلها وتجري بيها للمستشفى، بدل ما تحس بالجميل، خافت.. خافت لتكون بتعمل كدة عشان لما 'تخلص مصلحتك' ترميها الرمية اللي رماها سعيد."
عمار قام وقف وراح ناحية الشباك وهو بيضغط على سنانه بقوة
العمال خلصوا فرش ونقل، وصوت المكن والزحمة بدأ ينسحب من الفيلا واحدة واحدة، لحد ما المكان هدي تماماً ومبقاش فيه غير عمار وحنان في الصالة، والعيال نايمين من التعب في أوضهم الجديدة "المكيفة".
عمار كان واقف باصص للسقف الفخم، وكأنه شايف خيالات عزة وهي بتخدم في بيت سعيد، شايفها وهي بتقع من طولها وشايف الرمية اللي اترمتها في الشارع. الضيق اللي في صدره وصل لمنتهاه
عمار خرج من الفيلا ودمه بيفلي، ركب عربيته ودورها وهو بيفكر في أول خيط يوصله لـ "سعيد". الكلام اللي حكته حنان عن ذل عزة ورميتها في الشارع كان بيتردد في ودنه زي الصرخة، وده خلاه ياخد قرار إنه مش هيرجع الموقع ولا هيقابل رحيم غير لما يعرف راس سعيد من رجله.
بدأ عمار يتحرك ويروح المنطقة اللي كانت عزة ساكنة فيها مع سعيد، منطقة شعبية البيوت فيها لزق في بعض 
عمار نزل من عربيتة وبدأ يلف في الشوارع الجانبية للمنطقة اللي كان عايش فيها سعيد. مكنش عايز يواجه سعيد بس، كان عايز "يملى عينه" بالحقيقة من لسان الناس اللي شافوا الوجع بعينهم.
وقف قدام محل خضار صغير، ودردش مع راجل عجوز كان قاعد يبيع، وبكلمتين من بتوع المهندسين، جرّ لسان الراجل
— "يا حاج، أنا كنت بسأل على الأستاذ سعيد.. بيقولوا كان متجوز واحدة هنا اسمها عزة، هي لسه ساكنة معاه؟"
الراجل (هز راسه بحسرة وتفّ في الأرض):
— "عزة؟ يا ابني متفكرناش باللي جرى.. البنت دي كانت غلبانة ومقطوعة من شجرة، سعيد وأهله استلموها لحم ورموها عضم. دي كانت بتشيل البيت كله على كتافها، تخدم أمه  وإخواته البنات اللي مبيحطوش إيدهم في مية، ولما تعبت ووقعت من طولها ومبقتش قادرة تقف على رجلها، طلقها في ساعتها ورمى لها هدومها في الشارع بالليل.. لا راعى ذمة ولا عشرة."
عمار (بضغط على سنانه):
— "وهو عايش حياته عادي كدة بعد اللي عمله؟"
الراجل:
— "عادي إيه يا ابني.. ده يا دوب طلقها من هنا، وراح اتجوز واحدة قريبته من هنا، ومعاها دلوقتي عيل منها 
عمار ساب الراجل وهو حاسس بنار قايدة في صدره. فكرة إن سعيد "عايش حياته" ومخلف ومبسوط بفلوس عزة، وهي "مكسورة" في دار أيتام ومرعوبة من أي لمسة حنية، خلت عمار ياخد قرار ملوش رجعة.
ياترى عمار هيرجع حق عزه ازاى وهل ده هيأثر فى عزه لما تعرف إن حقها رجع 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
عمار ركن عربيته بعيد شوية عن مدخل العمارة، وفضل قاعد، عينه مش مفارقة الباب، وسيجارة ورا التانية بتخلص في إيده وناره قايدة. "عزه مرميه فى ظار ايتام وبقى عندها فوبيا من كل الناس وواحد عايش حياته ولا على باله اللى رماها واتسبب فى اذاها 
بعد فترة، الباب اتفتح، وخرج "سعيد" وشه منور بالضحكة، وماسك في إيده واحدة شابة، وفي إيدهم طفل صغير بيتنطط بينهم بكل براءة. المنظر ده كان بالنسبة لعمار زي البنزين اللى جه على النار ليه الظالم يعيش مبسوط والمظلوم يعيش فى الظلم 
عمار قبض إيده على الدركسيون بقوة لدرجة إن عروقه كانت هتنفجر، وهو شايف "سعيد" بيطبطب على كتف مراته ويضحك مع ابنه، وكأن مفيش ست غلبانة كانت في يوم من الأيام "خدامة" تحت رجليهم واتهرست واتركنت على الرف.
نزل عمار من العربية وهو مش شايف قدامه، بس هدوءه كان مرعب راح ناحية القهوة اللي في وش البيت، سحب كرسي وقعد وعينه لسه مراقبة سعيد وهو بيركب ابنه ومراته العربيه وبيتحرك بيهم.
عمار نادى على القهوجي 
— "بقولك يا أبن عمى .. مش ده الأستاذ سعيد اللي ساكن في البيت ده؟ أصل كان ليا شغل معاه وتاه مني."
القهوجي (وهو بينفض الفوطة):
— "أيوه يا بيه، هو ده.. الأستاذ سعيد ودى مراته وابنه 
— "اسمك إيه يا بطل؟"
القهوجي:
— "اسمى شادي يا بيه.. نؤمر بحاجة تانية؟"
عمار (سحب نفس طويل من سيجارته):
— "تسلم يا شادي.. كنت عايز أسألك، الأستاذ سعيد اللي لسه خارج ده، راجل مخلص في شغله وكلامه؟ أصل كان بيعرض عليا شغل توريدات وكنت عايز أتطمن."
شادي أول ما سمع سيرة "سعيد" و"شغل"، ملامحه اتغيرت خالص، وبص حواليه يتأكد إن مفيش حد سامعه، وقرب من عمار وهو بيوشوشه بمرارة:
شادي:
— "بقولك إيه يا بشمهندس.. نصيحة لوجه الله، ابعد عن الراجل ده. سعيد ده 'تعبان' وبيلدغ.. ده نصب عليا أنا شخصياً في جمعية كانت بـ 5 آلاف جنيه، وخد الفلوس وضرب عليها، ولما جيت أطالبه قعد يلف ويدور ويقولي أصل والدي تعبان وأصل مراته (عزة) هي اللي خدت الفلوس وهربت.. وهو أصلاً كان راميها في الشارع وواخد حقها!"
عمار ضغط على سنانه لدرجة إن شادي خاف من نظرة عينه، وسأله بحدة:
— "يعني هو قالك إن عزة هي اللي سرقته؟"
شادي (بتف في الأرض):
— "ده مبيسيبش حد إلا لما ينهبه يا بيه! ده حتى العفش اللي في شقته ده، الناس كلها عارفة إنه بتاع مراته الغلبانة اللي طلقها، ولما اتجوز قريبته 'هند' اتجوزها على فرش مراته القديمه 
عمار بص لشادي القهوجي نظرة خلت شادي يحس إن طاقة فرج اتفتحت له، بس وراها رعب مش فاهمه.
​عمار: — "بقولك إيه يا شادي.. سيب اللي في إيدك ده وتعالى معايا في المشوار ده دقيقتين، والرزق اللي هتطلعه في يومك هتاخده في ساعة."
​شادي تردد ثانية، بس هيبة عمار وعربيته خلته يرمي الفوطة لزميله ويركب جنبه وهو مبهور بريحة العربية والجلد. عمار مشي بالعربية لحد ما وصلوا لمكان هادي ومقطوع بعيد عن الزحمة، وركن وبص لشادي بجمود.
ـ عايز تجيب حقك من سعيد يا شادي؟"
شادي (وعينه بتلمع بالغل): 
- يا ريت يا باشا! ده أكل شقايا ودم قلبي، والواحد مش عارف ياخد منه حق ولا باطل."
​عمار (بصوت ): —
 "يبقى تسمع كلامي وتنفذ اللي هقولك عليه بالحرف.. سعيد ده أغلى حاجة عنده ابنه  وهو ده اللي هيرجع لنا حقوقنا كلها."
شادي (وشه اتخطف ورجع لورا): — "إيه يا باشا؟ لا.. عيال لا! أنا آخد حقي منه هو، لكن الواد ملوش ذنب، دي تودي في داهية!"
عمار طلع رزمة فلوس من جيبه، وعدّ منها مبلغ (نص فلوس الجمعية) وحطها في إيد شادي اللي ارتعشت أول ما لمست الفلوس.
عمار: — "دي عربون، وبقية حقك هتاخده وزيادة لما نخلص. أنا مش هأذي الواد يا شادي.. أنا أبوه كسر قلب واحدة غلبانة وضيع حياتها، وأنا بس هقرصه قرصة تخليه يرجع الحق لأصحابه وهو راكع. الواد هيفضل معايا أمان، وتلات ايام بالظبط والواد ده هيرجع لحضن امه انا مش هدفى لا الواد ولا أمه انت هدفى سعيد عايز اكسر عينه وأعرفه أن القوى فى الأقوى منه 
فهمتك يا باشا انا عندى فكره 
مرات سعيد مهووسة بحاجة اسمها 'عروض الأونلاين' والطلبات اللي بتيجي لحد البيت. كل يومين التلاتة تجيب لبس للواد أو حاجات للبيت والدليفري طالع نازل عليهم."
عمار ركز معاه: "وايه الخطة؟"
شادي كمل بذكاء:
— "أنا عارف الواد اللي بيوصل لهم الطلبات، صبي في محل منظفات قريب مننا. أنا هقنعه يخليني أنا اللي أوصل الطلب المرة دي، أو حتى هلبس زيه وألبس كاب يداري وشي. هطلع أخبط، هند هتفتح، هقولها الحساب كذا، وفي لحظة وهي بتدور على الفلوس جوه، هقول للواد 'تعالى يا حبيبي خد البالونة دي' أو 'خد الحاجة الحلوة دي' وأسحبه في ثانية.. هند مابتأمنش حد يدخل البيت، فبتسيب الباب موارب وتدخل تجيب الفلوس، واللحظة دي هي فرصتنا."
عمار هز رأسه:
— "كده أضمن بكتير.. بس الواد ميربخش ولا يصرخ، خليه يحس إنك بتهزر معاه."
شادي:
— "ماتقلقش يا باشا، الواد عارفني وبيشوفني في القهوة وأنا بودي لآبوه الشاي، يعني مش هيخاف مني. هي دقيقة واحدة هكون طلعت السطح وعديت لسطح العماره التانيه وانزل منها بالواد 
ـ سكت عمار وقاله بتفكير 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ـ حاول تشوف حد معاك يطلع قلبك وتناوله الواد عشان لو راجعوا الكاميرات تبقى طالع ونازل فى السليم قصاد الكاميرات 
ـ صح با باشا عندك حق 
ـ هبعتلك انا حد من طرفى تسلمه الواد وهو هيسلمهولى 
— "الحد اللي هبعتهولك ده ملوش علاقة بالمنطقة خالص، يعني لو الدنيا اتقلبت مفيش مخلوق هيعرف يوصل له.. إنت تخلص مهمتك فوق السطوح وتناوله الأمانة، وتنزل إنت تمارس حياتك طبيعي وتقدم الشاي والقهوة لزبائنك كأن مفيش حاجة حصلت."
شادي هز رأسه بإعجاب:
— "تمام يا باشا، كدة اللعب بقى على مية بيضاء.. وأنا هعرف أظبط الطلعة والنزلة بحيث لو حد شافني يبقى شكلي شغال عادي وبوصل طلبات."
شادي كان واقف لابس الكاب والقميص بتاع محل المنظفات، قلبه بيدق بسرعة بس الغل من سعيد مقوي قلبه. استنى اللحظة اللي هند طلبت فيها الطلبات، وطلع السلم بخطوات ثابتة.
خبط على الباب، وفعلاً زي ما توقع، هند فتحت وخدت الحاجة وقالت له "ثانية واحدة أجيب الفلوس" وسابت الباب موارب. ياسين الصغير كان واقف بيبص لشادي بفضول.
شادي وشوشه: "ياسين.. بص البالونة الكبيرة دي فوق السطوح، تيجي نطلع نجيبها؟"
الواد ضحك ومد إيده لشادي، وفي ثواني كان شادي شايله ونادى على الراجل اللى باعته عمار والراجل اخده وطلع فوق السطوح، 
واختفى في ثانية عبر السطوح المجاورة، وشادي نزل السلم بهدوء، ورجع القهوه وكمل شغله عادى ،
بعد خمس دقائق، صرخة هزت الشارع كله.. صرخة "هند" وهي بتجري في المنور وتنادي: "ياسين!! يا ناس ابني راح فين!! يا سعيد الحقني الواد اتخطف!!"
عمار كان واقف بالعربية في شارع جانبي، الباب اتفتح والراجل  حط ياسين في الكرسي اللي ورا. عمار بص للواد اللي كان مستغرب، وطلّع له "شوكولاتة" وادهاله واخده ومشى بيه وراح للملجأ 
عمار دخل الملجأ وهو شايل "ياسين" ببرود يحسد عليه. الموظفة بلغت حنان إن البشمهندس عمار بره ومعاه طفل. حنان استغربت وقالت في سرها: "طفل إيه اللي جايبه عمار في الوقت ده؟". وافقت تقابله فوراً، وأول ما دخل المكتب، وقفت مذهولة من المنظر.
حنان (بصدمة):
— "خير يا بشمهندس عمار؟ ومين الطفل ده
عمار حط ياسين على الكرسي، والواد كان ساكت وباصص لحنان ببراءة. عمار بص لحنان وبصوت هادي ورزين قال:
— "الطفل ده أمانة عندك يا ست حنان.. عايزك (تتبنيه) أسبوع واحد بالكتير، وتخليه وسط العيال، ومحدش يعرف هو مين ولا جه منين."
حنان (قربت من المكتب بذهول):
— "أمانة إيه يا ابني؟ إنت فاكرنا حضانة خاصة؟ ده ملجأ رسمي يا بشمهندس، ودخوله وخروجه بورق وقانون.. وبعدين الواد ده ابن مين؟"
عمار ميل بجسمه لقدام وشوشها بكلمتين:
— "ده ابن سعيد يا ست حنان.. ابنه من مراته الجديدة."
حنان رجعت لورا خطوة، وسندت على المكتب ووشها جاب ألوان:
— "ابن سعيد؟! يا وقعة بيضا! إنت عملت إيه يا عمار؟ إنت خطفت الواد؟ إنت عايز تودينا في داهية؟ إحنا ملجأ يا ابني مش وكر عصابة!"
عمار (بثبات مرعب):
— "أنا لا بخطف ولا بعصابة.. أنا مهندس وبقيس خطواتي بالملي. سعيد دلوقتي بيدور على ابنه في الشوارع، وعمره ما هيخطر على باله إنه هنا.. في حماية الست اللي ظلمها. أسبوع واحد،
حنان (بصوت مرتعش):
— "إنت بتلعب بالنار.. ولو الحكومة عرفت، الملجأ ده هيتقفل وأنا هتحبس! وبعدين عزة.. عزة لو شافته وعرفت إنه ابنه، تفتكر هتعمل إيه؟ دي ممكن تروح فيها!"
عمار:
— "عزة مش هتعرف، إنتي قولي إنه حالة طارئة ومحتاجة استضافة أسبوع.. والدار واسعة. أنا بعمل كدة عشان خاطر (حق عزة) اللي إنتي نفسك قولتِ إنه ضاع.. الحق هيرجع يا ست حنان، بس بالأسلوب اللي يفهمه سعيد."
حنان بصت لياسين اللي بدأ يلعب في القلم اللي على مكتبها، وبصت لعمار وهي في قمة حيرتها.. هي مديرة ملجأ وليها سمعتها، بس وجع عزة اللي شافته كان بيوزن قصاد خوفها من القانون.
حنان بصت لعمار بنظرة فيها خيبة أمل مخلوطة بخوف، ربعت إيدها وقالت له بصوت حاد وواضح:
— "لو حق عزة هيرجع بالمساومة وبخطف العيال، يبقى بلاش منه يا بشمهندس.. أنا مديرة ملجأ، يعني وظيفتي أحمي الأطفال، مش أستخدمهم وسيلة ضغط عشان أجيب حقوق ضايعة. اللي بتعمله ده يخلينا لا نفرق حاجة عن سعيد في قسوته."
عمار ملامحه ماتغيرتش، فضل محافظ على بروده، وقرب خطوة من حنان وقال لها بنبرة هادية بس توجع:
— "لو الحكاية حكاية مساومة على قرشين يا ست حنان، مكنتش خطفت ابنه.. أنا كنت قدرت أجيب حقه بالدراعات والنفوذ في ثانية. بس أنا مش عايز فلوسه، أنا عايز أحرق قلبه."
حنان استغربت وسألت بذهول:
— "يعني إيه؟ لو مش مساومة يبقى إيه؟"
عمار بص لياسين اللي كان بيلعب ببراءة، وكمل كلامه بمرارة:
— "أنا عايز سعيد يدوق طعم (اليتم) وهو عايش.. عايز يحس إن ابنه في لحظة ممكن يبقى (يتيم الأب والأم)، ومصيره ينتهي في ملجأ زي ده، ويقع في إيد حد يظلمه ويدوس عليه زي ما هو عمل في عزة بالظبط. أنا عايز أفرجه على 'المستقبل' اللي هو كان بيحضره لغيره، عشان لما يرجع له ابنه، يعرف إن الله حق، وإن القرش اللي سرقه كان ممكن يدفع تمنه أغلى حاجة في حياته."
سكت لحظة وبص لحنان بقوة:
— "أنا مش عايز منه ورق، أنا عايز منه (كسرة عين) تخليه لما يشوف عزة في الشارع بعد كدة، يوطي راسه في الأرض ويمشي من طريق تاني. الواد ده هيفضل هنا عشان يشوف بعينه إن الملجأ اللي هو كان بيستهزأ ممكن فى لحظه يبقى هو المكان لابنه اللى يأويه 
حنان سكتت، وبدأت تفهم إن عمار مش بيدور على "انتقام" مادي، ده بيعمل "درس" قاسي لسعيد مش هينساه طول عمره.. بس لسه قلبها واكلها من وجود طفل مخطوف في مكتبها.
حنان (بتنهيدة):
— "والأم يا عمار؟ ذنبها إيه تموت من الرعب على ابنها؟"
عمار:
— "ذنبها إنها رضيت تعيش بفلوس ست تانية اترميت في الشارع.. خليهم يدوقوا المر شوية يا ست حنان، عشان لما الحلاوة ترجع، يعرفوا قيمتها."
صدقينى يا مدام حنان حق عزه هيرجع مره واتنين وتلاته بس انا عايز ابدأها باعز ما يملك 
تفتكروا حنان هتوافق ولا هترفض 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
حنان بصوت واطي ومخنوق
— "لا يا عمار.. لحد هنا وستوب طفل صغير ملوش ذنب يدفع تمن ذنب أبوه؟ دي مش طريقتنا، الواد ده  لازم يرجع لأمه دلوقت."
— "إهدي بس يا ست حنان واسمعيني.. إنتي شايفة نص الكوباية الفاضي، لكن أنا باصص لقدام. سعيد ده فاكر إن الدنيا دايمة له، وفاكر إن مفيش حد يقدر يكسره. أنا عايز أعرفه يعني إيه في لحظة، ابنه ده ممكن يبقى "يتيم" ومالوش غير دار زي دي تأويه. تفتكري وقتها هيكون مرتاح وهو عارف إن ابنه ممكن يقع في إيد حد يذله أو يستغله؟"
أنا مش بأذيه.. أنا بخليه يدوق طعم الخوف عشان لما يرجع له ابنه، يعرف قيمة النعمة، ويعرف إن الله حق. وبعدين إيه المشكلة لو قعد هنا تلات أربع أيام؟ أنا واثق إنك هتعامليه أحسن معاملة، وهياكل أحسن أكل، وهيبقى وسط عيال في سنه يلعب معاهم.. هنا أمان له من الدنيا اللي أبوه بيعك فيها."
عمار قرأ التردد في عين حنان، وعرف إنها بدأت تضعف قدام خوفها من العواقب، فقرر يلعب بآخر ورقة ضغط عنده عشان ينهي الجدال ده لصالحه.
— "بصي يا ست حنان.. أنا اللي بدأته هكمله، والكلمة اللي خرجت من بقي مبرجعش فيها. حق عزة هيرجع يعني هيرجع، وبالطريقة اللي أنا راسمها."
— "لو إنتي مش هتاخديه هنا وتخليه تحت عينك وتضمنيله الأمان الكام يوم دول، قوليلي دلوقت.. وأنا هاخده أوديه في مكان تاني خالص، مكان لا أنا ولا إنتي هنبقى ضامنين الولد هيتعامل فيه إزاي، ولا مين اللي هيخلي باله منه."
— "أنت بتهددني يا عمار؟ عايز ترمي طفل في مكان مجهول عشان تضغط عليا؟"
عمار (عدل وقفته وبكل ثبات):
— "أنا مبهددش، أنا بخيرك.. هنا وسط عيالك وتحت رعايتك، ولا هناك في "الخرابة" اللي سعيد كان بيشبه دارك بيها؟ اختاري يا ست حنان، بس اختاري بسرعة عشان وقتي ملوش تمن."
حنان بصت له بقهر، كانت عارفة إنها لو رفضت، عمار مش هيرجع في كلامه وهينفذ اللي قاله، فغمضت عينيها واستسلمت للأمر الواقع.
حنان (بصوت مخنوق):
_ ماشي يا عمار.. هيفضل هنا. بس ذنبه وذنب أمه في رقبتك أنت.. أنا ماليش دعوة باللي هيحصل بعد كدة."
— "بس قولي يا عمار.. أنت بتعمل كل ده ليه؟ يعني.. إيه اللي جابرك تدخل عش الدبابير ده وتخاطر بكل حاجة عشان عزة؟ الموضوع مابقاش مجرد جدعنة يا عمار، فيه حاجة تانية أنت مخبيها."
عمار سكت فجأة، ملامحه اتجمدت ونظراته تاهت بعيد عنها،
ـ يعني إيه بعمل كده ليه؟ مش عزة دي كانت اتربت هنا؟ مش إنتي اللي قولتي إنها اتظلمت؟ أنا.. أنا مابحبش الظلم، هى دى كل الحكايه 
ـ — "مبتحبش الظلم ماشي، بس مش لدرجة إنك تخطف طفل وتدخل في مواجهة مع ناس انت ماتعرفهاش 
عمار (بدأ يتلعثم ويحاول يبرر بأي كلام، صوته علي شوية عشان يداري ارتباكه):
— "الموضوع.. الموضوع إن سعيد ده لازم يتربى، أيوة، النوعية دي من البشر لو سيبناها هتفتري أكتر. وبعدين عزة غلبانة، ملهاش حد.. وأنا قولت يعني.. إن ده واجبي، ـ.. كإنسان  وبايدى القدره أنى اجيب حقها
المهم هسيبلك الولد اليومين دول وهاجى اخده منك كمان يومين تلاته 
خرج عنار وساب الطفل لحنان اللى بتفكر ترجع الولد لابوه ولا لأ وهل لو رجعته من ورا عمار ممكن سعيد يتهمها انها اللى خطفته 
خرج عمار وركب عربيته وراح وقف بالعربيه فى مكان فاضى
عمار قاعد ورا الدركسيون، العربية مركونة في حتة ضلمة على طرف الطريق، الموتور شغال وصوته هادي  عمار ساند راسه لورا، ومغمض عينيه، بس ملامحه مش مرتاحة.. كأنه في حلبة مصارعة مع أفكاره.
عمار في سرّه 
— "أنت بتعمل إيه يا عمار؟ إيه اللي شقلب حالك كده؟"
فتح عينيه وبص قدامه للفراغ، ونفخ دخان سجارته بضيق.
— "بقا عمار اللي السوق كله بيعمله ألف حساب، يروح يخطف عيل  عشان خاطر مين؟.. عشان (عزة)؟"
سكت لحظة، وكمل كلامه لنفسه بحدة كأنه بيحاول يقنع روحه بعكس الحقيقة:
— "لأ.. مش عشانها. أنا بعمل كده عشان سعيد ده يتمسح بكرامته الأرض، عشان محدش يفتكر إن الدنيا سايبة.. أيوة، ده السبب. أنا مابحبش حد يتظلم .
لكن جواه صوت تاني، صوت واطي بس قوي، بيرد عليه:
— "كداب يا عمار.. ما ياما ناس اتظلمت وأنت مكنتش بتتحرك غير لو مصلحتك موجودة. اشمعنى المرة دي مصلحتك هي دموعها؟ اشمعنى المرة دي بتنام وتصحى وتفكر هترجعلها حقها إزاي؟"
عمار خبط إيده على الدركسيون بضيق وقام قعد:
— "يوووه! وبعدين معاك؟.. البنت غلبانة، وشافت اللي مفيش حد يتحمله،  ليه نظرة الوجع اللي في عينيها بتخليني عايز أهد الدنيا وأبنيها تاني عشان خاطر ضحكة منها؟"
سكت تانى، والمرة دي السؤال كان أصعب، ومفيش له إجابة:
— "هو أنا حبيتها؟.. لأ، مستحيل. عمار  يحب؟ والوقعة تبقى كده؟ معقولة دخلت حياتي وشقلبت كياني في يومين؟"
هز راسه يمين وشمال كأنه بيطرد الفكرة، وداس بنزين بقوة وهو بيحاول يهرب من الحقيقة اللي مش لاقي لها تبرير منطقي. هو مش عارف السبب، ومش عارف ليه "عزة" بالذات بقت هي المحرك لكل جنونه ده.. بس الأكيد إنه مش هيقدر يرجع في اللي بدأه.
جملة عمار الأخيرة لنفسه قبل ما يتحرك بالعربية:
— "مش مهم ليه يا عمار.. المهم إنك خلاص غرقت،
فى بيت سعيد 
سعيد لزق وشه في الشاشة، وعمال يعيد مشهد المدخل من ساعة ما الواد دخل ينام لحد اللحظة دي.. مفيش! مفيش حد غريب دخل، والأدهى من كدة، إن الكاميرا اللي مركزيها على باب العمارة من بره، مبيناش إن الواد خرج أصلاً!
 — "مش ممكن.. مش ممكن اللي أنا شايفه ده! الكاميرا جايبة باب العمارة والشارع طول الليل.. مفيش بني آدم غريب حط رجله جوه، والواد مخرجش من باب العمارة أصلاً! الواد راح فين يا شيرين؟ طلع للسما؟ نزل تحت الأرض؟"
 ـ يعني إيه يا سعيد؟ أنت قصدك إن الواد لسه جوه العمارة؟ ولا قصدك إن اللي خطفه عفريت؟"
سعيد (بزعيق وجنون):
— بقولك الكاميرا مراقبة الباب ٢٤ ساعة، والواد مدخلش وراه حد، وهو مخرجش! يبقى إزاي الراجل اللي كلمني ده بيقولي إنه معاه؟ وإزاي سحبه من وسطنا وإحنا نايمين من غير ما يعدي على باب العمارة؟"
شيرين (بدأت تلطم على وشها بخفة):
— "يا مصيبتي.. يا مصيبتي السوداء! ده معناه إن الواد راح خلاص مننا ؟
— "بقولك إيه يا سعيد مش يمكن طليقتك (عزة) هي اللي عملت كدة؟ يمكن اتلمت عليها شوية صيع من اللي كانت تعرفهم وخطفت الواد عشان تذلك؟"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
سعيد ساب الماوس وبص لها بصه كلها استهزاء، وضحك ضحكة صفرا فيها كمية احتقار لـ عزة ولتفكير شيرين.
سعيد (بنبرة حادة وواثقة):
— "عزة؟ أنتي بتقولي إيه يا ولية أنتي؟ هي عزة دي أصلاً فيها دماغ تفكر في حاجة زي دي؟ دي كانت بتخاف من خيالها وتترعش لو صوتي علي.. دي غلبانة ومكسوره ، لا ليها لا حبيب ولا قريب، ومقطوعة من شجرة وكل اللى فى الدار اللى هى فيها اغلب منها . ياتفكري عدل وتطلعي كلام يتصدق، يا تسكتي خالص، أنا مش ناقص هبل!
— "يا سعيد ما هي المكسورة دي ممكن تعمل أي حاجة عشان تنتقم! الوجع بيخلي الواحد يعمل المستحيل!"
سعيد (قاطعها بزعيق أقوى):
— "قولتلك قفلي على السيرة دي! عزة أضعف من إنها تهوب ناحية بيتي، ولو كانت عايزة تخطفه كانت خطفته من زمان وهي هنا، مش وهي مرمية في الشارع لا حول لها ولا قوة..  عارف هو بيعمل إيه كويس، ومستهدفني أنا لشخصي.. عزة بره الحسبة خالص، فمتشغليش بالك بيا بأوهامك دي!"
شيرين واقفة في نص الصالة، عمالة تروح وتيجي وتنهج، وحماتها قاعدة على الكنبة، سانده إيدها على عصايتها وباصة لها ببرود يفرس، وعينيها كلها شماتة في "خيبة" شيرين.
— "وبعدين معاكي يا بنتي؟ هتفضلي تلطمي وتجيبيها في يمين وشمال؟ أنتي بترمى إهمالك على غيرك ليه؟ عزة إيه اللي بتجيبي في سيرتها؟ هو أي خيبة تخيبوها تلبسيها فى عزه 
دانتى مش عارفه إذا كان الواد مشى لواحده ولا اتخطف 
— "إهمال إيه يا حماتي؟ بقولك الواد اتخطف من جوه البيت! يعني اللي دخل ده عارف المداخل والمخارج.. مين له مصلحة يكسر سعيد غيرها؟"
— "مصلحة! المصلحة الوحيدة اللي موجودة هنا هي إنك ست خايبة.. الواد ضاع من تحت إيدك وإنتي غرقانة في نومك، ودلوقتي جاية تتبلي على الولية عشان تداري على خيبتك  عزة كانت هنا ، عمرنا ما ضاع لنا فردة شراب، ولا عمرنا خفنا وبابنا موارب.. لكن أنتي من يوم ما دخلتي والبيت ده "خربان" من جواه
— "أنا اللي خربته؟ ده أنا اللي عملت لسعيد كيان وشيلت عنه.."
سعيد كان قاعد، حاطط راسه بين إيديه، وتليفونه محطوط على التربيزة قدامه. فجأة، التليفون رن.. رقم غريب مش متسجل.
سعيد اتنفض ورد من اول رنو شيرين رفعت راسها بسرعة وأمه عدلت قاعدتها.
— "ألو.. مين؟"
— "مساء الفل يا سعيد بيه.. ها، طمنا، لقيت أثر للواد في الكاميرات اللي قعدت تعيد وتزيد فيها طول الليل؟ ولا لسه الأرض بلعاه ومطلعتوش؟"
— "تطربق إيه بس.. ده أنت حتى مش عارف الواد خرج من "باب" العماره ازاى . بلاش النبرة دي يا سعيد، أنا بس حبيت أسأل، أصلك صعبت عليا وأنت عمال تلف حولين نفسك في الشقة والشاشات مش جايبه  الهوا.. مع إن الواد كان تحت إيدك!"
— "أنت مين؟ وعايز إيه؟ لو عايز فلوس انطق، إنما شغل التخفي ده مش هيخيل عليا.. أنت مين؟"
— "أنا اللي شايل لك أمانة غالية.. واللعب لسه في أوله. فكر كدة، عيل يختفي من قلب بيته والباب مقفول، ده يبقى اسمه إيه؟ 
— "بص يا سعيد.. أنا مش بتاع لف ودوران، ولا فارق معايا قرش من فلوسك اللي أنت حاني ضهرك عشان تجمعها. أنا ليا كلمة واحدة.. عايز الواد يرجع لحضنك؟ يبقى ترجع كل حق لصاحبه، وقت ما كل واحد نصبت عليه فلوسه ترجعله ابنك وقتها هيرجعلك
_ حق مين يا جدع أنت؟ انطق عايز إيه بالظبط؟"
وحق ايه اللى بتقول عليه 
قولى الواد فين والى انت عايزه انا هديهولك 
— "بص يا سعيد.. عشان ماتتعبش نفسك وتدور ورا الرقم، أنا واحد أنت أكلت حقه. ومش هقولك أنا مين ولا اسمي إيه عشان ذكاءك مايصورلكش إنك تروح تبلغ عني وتعمل فيها بطل.. أنا عايز حقي اللي أنت نصبت عليا فيه يرجع، ويرجع في وسط الناس اللي أنت نصبت عليهم كلهم."
— "حق إيه؟ ونصب إيه؟ أنا مابكلش حق حد! انطق أنت مين والواد فين؟"
— "مابتاكلش حق حد؟ ده أنت كلك على بعضك عايش على قفا الغلابة.. اسمع الكلام اللي هيتنفذ بالحرف عشان الواد يرجعلك. زي ما الواد اختفى "زي الفص ملح وداب"، وزي ما الكاميرات مالمحتش خياله وهو خارج.. الأرض هتنشف وهتلاقيه داخل شقتك تاني في وسط دارك."
سعيد بص حواليه في الصالة برعب، كأنه متخيل إن الحرامى  باصص عليه من ورا الحيطان.
— "حقوق الناس اللي عندك تترد، والظلم اللي أنت فارده على الغلابة يتشال.. وفي اللحظة اللي الحقوق فيها ترجع لأصحابها، هتلاقي ابنك في حضنك في قلب الشقة من غير ما تلمح اللي جايبه. إنما لو لوعت، أو فكرت تلعب بديلك.. اعتبر إن ابنك "يتيم" وأبوه لسه عايش."
عمار قفل السكة فوراً، وسعيد فضل واقف مكانه زي الصنم، التليفون لسه على ودنه وصوت "التوت توت" بيضرب في نفوخه.
فى مكتب حنان قررت أنها تكلم رحيم وتشكره على الدار الجديدة وتقوله على زينب عشان تاكد لنفسها أنه فعلا هينفذ كل وعوده 
ـ ألو.. أيوة يا رحيم بيه. أنا قولت لازم أكلمك وأشكرك بنفسي على كل اللي بتعمله للدار، ربنا يجعله في ميزان حسناتك ويوسع عليك كمان وكمان."
— "يا ست حنان الشكر لله، أنا معملتش غير الواجب.. طمنيني، الدار محتاجة حاجة؟ ناقصكم أي حاجة تانية؟"
حنان:
— "كتر خيرك يا رب، والله كنت بكلمك عشان أعرفك إن (زينب) بنتنا خلاص حددنا ميعاد فرحها وهتتجوز. وأنا قولت أقولك عشان أنت كنت قولت لي قبل كدة إن أي بنت تتجوز جهازها كله عليك.. أنا بس حبيت أديك علم، مع إن وزارة التضامن كدة كدة بتبعت تجهيزات للبنات، بس قولت لازم أرجعلك زي ما اتفقنا."
— "تضامن إيه يا ست حنان؟ انسى موضوع الوزارة ده خالص، خلال اسبوع هتكون عندك عربيه عليها كل مستلزمات العروسه 
المهم إنكم سالتوا عليه كويس 
ـ سألنا بس محدش قال عنه حاجه وحشه ولا حلوه وده شويه قلقنى 
ـ خلاص ابعتيلى العنوان وأنا هسالك عليه 
ـ بجد شكرا اوى با رحيم بيه مش عارفه اودى جمايلك فين 
ـ لا جمايل ولا حاجه 
سكتت حنان لحظه مش عارفه تقوله على موضوع عمار وخطفه للواد ولا لأ 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
حنان فضلت ساكتة والخط لسه مفتوح، صوت أنفاسها كان مسموع لرحيم اللي حس إن ورا السكوت ده كلام كتير.
رحيم (بنبرة هادية بس فيها تركيز):
— "مالك يا ست حنان؟ سكتي ليه؟ حاسس إنك كنتِ عايزة تقولي حاجة تانية.. فيه مشكلة تانية في الدار؟"
حنان (بتردد، وهي بتفرك إيدها في بعضها):
— "ها؟ لا يا رحيم بيه.. مفيش حاجة، بس كنت بفكر في مسؤولية البنات والعيال، الدنيا بقت تخوف والواحد مابقاش ضامن بكره فيه إيه."
رحيم (بذكاء):
— "الخوف مبيغيرش النصيب يا ست حنان.. المهم إننا بنعمل اللي علينا. وعمار؟ لسه بيجيلكم؟"
الاسم نزل على حنان كأنه كهرباء، بلعت ريقها وقالت بسرعة:
— "عمار؟ أيوة.. أيوة بيعدي يطمن علينا. هو كمان فيه جدعنة غريبة المرة دي."
رحيم سكت لحظة، وكأنه بيوزن كلامها
— "في إيه يا حنان؟ انطقي.. حد ضايقكم؟"
حنان (باندفاع):
— "عمار يا رحيم بيه.. عمار جاب ابن سعيد هنا، خطفه وجابه وقالي خليه تحت عينك كام يوم. أنا قولتله لأ، وقولتله ده طفل ملوش ذنب، بس هو ركب دماغه وهددني إنه لو مخدتوش هنا هيوديه في مكان "خرابة" ومحدش هيرحمه هناك. أنا وافقت بس عشان أحمي الواد، لكن قلبي واكلني.. سعيد ده بتاع مشاكل ومالوش خير فى حد وممكن يقلب الدنيا ويحبسنا كلنا."
ساد صمت رهيب على الناحية التانية من الخط. رحيم مقاطعهاش، لكن حنان حست ببرودة الصمت ده لدرجة إنها خافت تكون غلطت لما حكت.
رحيم (بصوت منخفض ومرعب):
— "عمار عمل كدة؟ ومن ورايا؟"
حنان:
— "بيقول إنه بيرجع حق عزة.. بس دي مش طريقتنا يا رحيم بيه. أنا قولت لازم أقولك عشان تلم الموضوع، عمار بيغرق وهو مش حاسس، والمرة دي داخل في وش القطر."
استغرب رحيم من تصرف عمار وايه علاقته بعزه ومين عزه دى اصلا 
سأل رحيم حنان عن موضوع عزه وهى حكتله الحكايه من اولها 
رحيم (ببرود):
— "اقفلي يا ست حنان.. وسيبي الولد عندك، ميتكلمش مع حد، ومحدش يعرف هو ابن مين. وأنا هعرف أحاسب عمار على "السرحان" اللي هو فيه ده."
في شقة سعيد بن
سعيد كان لسه واقف مكانه، شيرين قربت منه وهي بتترعش:
— "قالك إيه يا سعيد؟ انطق.. الواد فين؟"
سعيد (بصوت مشروخ):
— "بيقول رد المظالم.. بيقول إنه واحد أنا أكلت حقه. بس إزاي دخل هنا؟ وإزاي خرج بالواد؟ الكاميرات يا شيرين.. الكاميرات مفيهاش غلطة!"
في اللحظة دي، عين سعيد وقعت على "المنور" الصغير اللي في المطبخ، المنور ده ضيق جداً ومستحيل حد ينزل منه، بس بدأ يشك في كل خرم إبرة في البيت.
أمه (بصوت مليان حكمة وشماتة):
— "اللي دخل يا سعيد مدخلش من الباب.. اللي دخل ده عارف سكتك كويس. فكر يا ابن بطني، مين اللي وجعته لدرجة إنه يجيلك من السما عشان يحرق قلبك؟"
سعيد ساب أمه وشيرين ، ودخل مكتبه وقفل الباب بالمفتاح. قعد وفتح درج مكتبه وطلع "دفتر أسود" قديم، فيه أسماء الناس اللي كان بيستقوى عليهم، اللي أكل عرقهم، واللي نصب عليهم في توريدات الشغل.
إيده كانت بتترعش وهو بيمسك التليفون، طلب أول رقم.. (المعلم جابر المقاول).
— "ألو.. أيوة يا معلم جابر.. أنا سعيد."
جابر (بصوت ناشف):
— "سعيد مين؟ سعيد اللي أكل عليا نص تمن الرمل والمناورة؟ عايز إيه يا سعيد؟ جايب الفلوس ولا ناوي تكمل تمثيل؟"
سعيد (بصوت واطي ومكسور):
— "لا يا معلم.. أنا.. أنا براجع حساباتي ولقيت لك حق عندي. الفلوس موجودة، ابعت حد يستلمها بكرة الصبح."
جابر سكت باستغراب، وسعيد كمل بلهفة:
— "بس قولي يا معلم.. أنت ليك يد في اللي حصل لي؟ ابني عمر اتخطف يا معلم جابر! لو أنت اللي عملت كدة عشان حقك، قولي وخد اللي أنت عايزه بس رجع لي الواد."
جابر (بضحكة استهزاء):
— "ابنك؟ لا يا سعيد.. أنا حقي آخده بيدي في السوق، مش بخطف عيال. وبعدين أنا مالي ومال الحركات دي؟ روح شوف مين اللي أنت كاسر عينه بجد.. اللي زيك أعداؤه كتير."
سعيد قفل السكة والدم بيغلي في عروقه من الخوف. بدأ يتصل بالرقم التاني.. (الأسطى عبده السباك).
— "يا عبده.. أنا سعيد. حقك بتاع السباكة والمصنعية اللي قولتلك ملهمش عوزة عندي، تعال خدهم وزيادة عليهم حلاوة."
عبده (بدهشة):
— "سعيد بيه؟ أنت سخن يا بيه ولا إيه؟ ده أنت طردتني وقولتلي ملكش عندي مليم!"
سعيد (بزعيق مكتوم):
— "بقولك تعال خدهم! بس انطق انت شوفت ابنى اصلى بدور عليه ومش لاقيه 
عبده:
— "والله يا بيه أنا راجل غلبان بلم يوميتي بالعافية،
سعيد رمى التليفون على المكتب وقام وقف. المكالمات دي بدل ما تريحه، جننته أكتر. كل واحد بيكلمه بيحس فيه بنبرة شماتة، وكأنه شايفهم كلهم واقفين قدامه بيضحكوا على وقعه دي.
فضل يلف في المكتب زي المجنون، وكل شوية يبص لشاشة الكاميرات اللي لسه مفيش فيها جديد، 
قرر عمار إنه يتصل بسعيد مره تانيه يشوفه فعلاً نفذ ولا لسه اول ما رن تليفون سعيد برقم المجهول 
سعيد فتح الخط بسرعة وبدأ يصرخ قبل ما اللي بيكلمه ينطق:
— "كلمتهم! كلمت جابر وكلمت عبده وكلمت الكل.. هرجع الحقوق يا أخي! أنطق بقى أنت مين؟ وعايز إيه؟ ابني فين؟"
صوت عمار جاله بارد وهادي:
ـ لأ لسه مش كلهم حقهم رجع انجز يا سعيد لو خايف على ابنك 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
قال عمار الكلمتين وقفل الخط 
وبعدها سعيد مسك الأجندة ورجع تاتى كمل اتصال بكل الناس اللى نصب عليهم 
سعيد كان بيكلمهم وهو بيحاول "يجرجرهم في الكلام" عشان يعرف مين فيهم المجهول ، أو مين فيهم اللي "وز"  عليه، بس الكل كان رده واحد: دهشة وذهول من "التقوى" اللي نزلت على سعيد فجأة، وإنكار تام لمعرفة مكان الواد.
شيرين كانت واقفة برا بتابع اللي بيحصل وهي هتتجنن، دخلت عليه المكتب وهي بتنهج:
— "أنت بتعمل إيه يا سعيد؟ بتوزع فلوسك على الخلق؟ أنت صدقت الراجل ده؟"
سعيد (بزعيق وهستيريا):
— "وأعمل إيه؟ الكاميرات مش جايبة حاجة، والشرطة لو عرفت هتسحبني أنا وأنتي في الرجلين عشان "الأعمال" اللي بنعملها والنصب ! الواد ضاع يا شيرين.. ضاع والراجل ده عارف كل خرم إبرة في حياتي!"
سعيد سكت فجأة، والرسالة اللي عمار قالهاله في التليفون كانت بترن في ودنه: "زي ما الواد اختفى زي فص ملح وداب.. هيرجع في قلب شقتك". بص لشاشات الكاميرات تاني بذهول، وبدأ يكلم نفسه:
— "هيرجعه في قلب الشقة؟ يعني اللي دخل وخرج ده.. مش بني آدم طبيعي، ده حد مأمن نفسه صح."
سعيد مكنش لسه جاب سيرة (عزة) خالص، ولا حتى نطق اسمها قدام أمه أو شيرين، كان بيحاول يهرب من فكرة إن "عزة" الغلبانة هي السبب، كأنه لو معترفش بظلمها، يبقى لسه فيه أمل إن الموضوع يكون مجرد "تصفية حسابات" تجارية وبس.
في اليوم التالي،
عمار واقف وسط العمال واللودرات، عينه على الحفر بس باله مشغول. رحيم وصل، وقف جنبه وبص للحفرة العميقة اللي قدامهم وقال بصوت واطي بس مسموع وسط الهيلمة:
— رحيم: "الحفرة دي لو وسعت منك يا عمار، هتاخد الموقع كله وتنزل.. وأنت حفرت حفرة أوسع من اللازم في موضوع "ابن سعيد"."
— عمار (من غير ما يبص له): "سعيد ده مابينفعش معاه غير الوجع يا رحيم بيه، والوجع اللي في قلب عزة ميتداواش غير بحرقة قلبه على ضناه."
— رحيم (بص له بحدة): "الوجع يترد بمثله.. راجل لراجل. لكن طفل صغير؟ أنت مهندس يا عمار، يعني عينك ميزان.. شايف إن كفة "خطف عيل" توزن قدام اسمك وبرستيجك؟ أنت أكبر من إنك تلعب دور "الخاطف"، الحق اللي بييجي بكسرة طفل بيبقى حق ناقص.. وإحنا مابناخدش حقنا ناقص."
عمار سكت، ورحيم كمل بلهجة فيها أمر مغلف بنصيحة:
— رحيم: "فك الليلة دي.. الواد يرجع لأهله دلوقت، وحق عزة أنا وأنت اللي هنروح نجيبه بيدينا.. بس بمواجهة الرجال. ارمي له الواد وخليه يفتكر إنه فلت، عشان الصدمة اللي جاية تقطمه نصين."
عمار هز راسه، القناعة ظهرت في عينه، وركبوا العربية وطلعوا على الدار.
في الدار، الجو مليان ضحك ولعب أطفال، ووسطهم كانت "عزة" قاعدة على الأرض، ضامة "عمر" لحضنها وبتمسح على شعره بحنان فطري، وهي متعرفش إن الطفل ده هو نفسه اللي ابوه كان السبب في كابوس حياتها. "عمر" كان بيضحك من قلبه وهو بيلعب بلعبة صغيرة في إيده، وعزة بتبتسم له بصفاء، كأنها بتعوض فيه حرمانها من الأمان.
في المكتب الجانبي، كانت حنان قاعدة بتفرك إيدها بقلق، وفجأة الباب اتفتح. دخل عمار ووراه "رحيم". حنان اتنفضت من مكانها، عينيها وسعت من الصدمة، مكنتش متخيلة أبدًا إن "رحيم بيه" بشحمه ولحمه يجي لحد عندها عشان موضوع زي ده.
— "رحيم بيه! خطوة عزيزة أنا مكنتش أعرف إن حضرتك هتيجي بنفسك."
رحيم (بص لها بنظرة هادية ورزينة):
 ـ الموضوع بسيط يا ست حنان، وكان لازم يتحسم  فين الولد؟"
عمار (بص لحنان بعتاب ولوم، ونبرة صوته كانت مليانة خيبة أمل):
— "بقى كدة يا ست حنان؟ مكنتش فاكر إن ثقتك فيا مهزوزة للدرجة دي.. تروحي تحكي لرحيم  وتدخليه في موضوع بسيط زى ده أنا كنت عارف هلمه إزاي؟ للدرجة دي مش واثقة إن عمار يقدر يحمي الدار ويجيب الحق من غير ما يشوشر عليكي؟"
حنان (بلهفة):
— "والله يا عمار يا ابني ما قصدي، أنا بس خفت.. خفت عليك وعلى الدار، وسعيد ده راجل ملوش أمان."
عمار (لسه بيعاتبها):
— "الخوف مبيخليش الواحد يبيع اللي منه يا ست حنان.. أنا كنت راسم كل خطوة، لكن إنتي استعجلتي."
رحيم (قطع كلام عمار بصوت حازم):
— "خلاص يا عمار.. الست حنان عملت الصح. هي خايفة على مكانها وأمانتها، وأنا مقدر ده. المهم دلوقت نخرج الواد من هنا من غير شوشرة."
خرجوا الثلاثة للصالة، عزة كانت لسه قاعدة والولد في حضنها. أول ما شافت عمار، وشها نور بضحكة صافية، وقامت وقفت وهي شايلة عمر:وبتتكلم مع حنان 
 سبحان الله، انا الولد ده زى مايكون شوفته قبل كده 
عمار بص لعزة بوجع مكتوم، وقلبه وجعه وهو شايفها ضامة ابن اللي كسرها
حنان قربت منها واخدت الولد وتجاهلت كلامها متعمده 
ـ هاتى الولد هو كان تايه وأهله لاقوه الحمد لله 
ـ  وهو فين اهله 
ـ عمار يعرفهم اتواصل معاهم وهيرجعلهم الولد 
ـ تمام خديه ربنا يرد كل غايب لاهله ومايوجع قلب ام على ضناها 
رحيم خد عمر، والولد بدأ يصرخ عايز يرجع لعزة، وهي واقفة بتبص لهم بحزن، متعرفش إن اللي في حضنها ده هو "الرهينة" اللي عمار كان بيحاول يرجع لها حقها بيه.
عمار بص لحنان بصه أخيرة قبل ما يخرج، بصة فيها عتاب "الابن" لأمه، وتحرك ورا رحيم اللي كان شايل الولد بكل هيبة، وبدأوا ينفذوا الجزء التاني من الخطة.
تفتكروا رحيم هيرجع الولد ازاى وهيتصرف إزاى 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بعد ما خرجوا من الدار، ركب عمار العربية جنب رحيم وهو لسه حاسس بغصة من حركة "ست حنان". رحيم كان سايق بهدوء، والولد "عمر" ورا في الكرسي الخلفي، كان تعب من العياط ونام وفي إيده اللعبة اللي عزة إدتهاله.
رحيم (بصوت هادي ورزين):
_ بص قدامك يا عمار.. اللي بيحسبها بقلبه بس بيغرق، واللي بيحسبها بعقله بس بينشف. أنت كنت عايز تحرق قلب سعيد، بس كنت هتحرق معاك الدار والناس اللي ملهمش ذنب."
_ كنت عايز يحس بالعجز يا رحيم بيه.. زي ما عزة حست بيه وهي بتشوف حياتها بتتهد قدام عينيها وهو واقف يضحك."
_ العجز الحقيقي مش إنه يفقد ابنه.. العجز إنه يرجع له ابنه، وهو عارف إن "السكينة" لسه على رقبته ومستنية وقتها. الولد ده هيرجع دلوقت، بس بطريقة تخلي سعيد يشك في خياله.
سعيد كان قاعد قدام شاشات الكاميرات، عينه منفوخة من كتر السهر والتركيز. شيرين كانت نايمة من التعب على الكنبة جنبه، وفجأة.. النور قطع في الشقة كلها.
سعيد (بفزع):
— "شيرين! قومي.. النور قطع ليه؟ الكاميرات فصلت!"
شيرين قامت مفزوعة، وبدأوا يدوروا على كشافات، وفي وسط العتمة دي، سمعوا صوت "تكة" باب البلكونة بتتفتح. سعيد جرى على المطبخ جاب سكين، ويده بتترعش:
— "مين؟ مين هنا؟ والله لأقتلك.. اظهر!"
محدش رد، بس سمعوا صوت "نفس" طفل صغير جاي من الصالة. سعيد ولع كشاف الموبايل، والنور جه على الكنبة.. "عمر" كان نايم هناك، وبنفس الهدوم اللي اتخطف بيها، وفي إيده اللعبة.
شيرين صرخت من الفرحة وجريت حضنت الواد، لكن سعيد وقف مكانه متجمد.. عينه مش على ابنه، عينه كانت على "ورقة" محطوطة فوق التربيزة جنب الواد، مكتوب فيها بخط عريض وواضح:
"الأمانة رجعت.. بس الحساب لسه مقفلش. الدور الجاي مش هيكون على "عمر "
سعيد وقع على ركبه، الورقة كانت صدمة أكبر من خطف الواد. اللي دخل الشقة في دقايق والنور مقطوع، ورجع الواد وكتب الورقة وخرج، ده مش مجرد "واحد واكل حقه"، ده "شبح" عارف كل تفاصيل حياته.
​— رحيم: "خلصنا من موضوع الواد.. قولي بقى يا عمار، إيه اللي جاب "عزة" في سكتك؟ وليه شايل همها لدرجة إنك تضيع مستقبلك عشانها؟"
​عمار حاول يهرب بعينه وبص للأرض، وبدأ يفرك إيده بتوتر وهو بيحاول يجمع كلامه:
— عمار (بتردد): "يا رحيم  أنا قولت لحضرتك، سعيد ده مفتري، وعزة دي غلبانة والناس كلها جت عليها، وأنا لما شوفت الظلم ده.."
​رحيم (قاطعه بصوت حازم ورزين):
_ بلاش الكلام اللي بنقوله للناس ده يا عمار.. أنا مش "الست حنان". أنا شايف في عينك حاجة تانية غير مجرد الشهامة. أنت بتتحرك وكأن الوجع ده وجعك أنت، وكأن الحساب ده حسابك الشخصي. انطق يا عمار.. عزة بالنسبة لك إيه؟"
​سكت عمار لحظة، النفس اللي طالع منه كان محبوس بقاله كتير، حاول يبرر تاني بنبرة فيها انفعال مكتوم:
— عمار: مش عارف يا رحيم بيه. . أنا مبررتش لنفسي الخطف، أنا بررت لنفسي إني أكون "القدر" اللي يرجع لها حقها اللي الكل اتخلى عنه."
​رحيم قرب منه خطوة، وحط إيده على كتفه، وبصوت فيه فهم عميق وخبرة:
— رحيم: "الحق مابيرجعش بـ "عوجان" يا عمار. اللي بيحاول يصحح الغلط بغلط زيه، بيبقى نسخة من اللي ظلمه وهو مش حاسس. أنت بتحبها؟"
​عمار اتفاجئ بالسؤال، الكلمة خبطت فيه زي الرصاصة، سكت تماماً، وملامح وشه اتغيرت.. الحقيقة كانت باينة في عينه مهما حاول يداريها بالسكوت.
​— رحيم (بابتسامة خفيفة): "السكوت ده إجابة كافية. وعشان كدة أنت كنت "سرحان" يا عمار.. القلب لما بيدخل في الشغل بيخلي الواحد يغلط في الحسابات. بس اطمن، اللي أنت عملته بالخطف أنا صلحته بكلمة، وحق عزة اللي شاغل بالك ده.. أنا اللي هجيبه بالقانون يا عمار 
— عمار (بمرارة): "قانون إيه يا رحيم بيه؟ عزة دي بنت ملجأ، طلعت للدنيا وهي فاكرة إنها هتبني نفسها بشرفها، لكن وقعت في طريق سعيد. لفت على المحاكم كعب داير، والنتيجة كانت صفر. سعيد معاه الفلوس اللي تشتري الورق وتخرس الألسنة، ومعاه اللي يسنده في كل مصلحة. القانون مبيسمعش صوت الغلابة اللي مالهمش ضهر، وعزة مالهاش في الدنيا دي غير "ست حنان" والست حنان حاولت بس ماقدرتش 
— رحيم: "يعني استقوى عليها عشان مالهاش أهل؟ فاكر إنها مقطوعة من شجرة فهياكل حقها وهو حاطط رجل على رجل؟"
— عمار: "بالظبط.. وده اللي حرق دمي. القانون اللي حضرتك بتقول عليه ده عايز نفس طويل ومصاريف وسند، وهي يدوب لاقية تاكل في الدار. سعيد قفل في وشها كل الأبواب القانونية، وطلع هو الضحية وهي اللي نصابة."
رحيم سحب نفس طويل، وطلع الدخان ببطء وكأنه بيطرد فكرة "القانون العاجز" من دماغه. ربع إيده وبص لعمار بقوة وقال:
— رحيم (بصوت رخيم وحازم): "خلاص يا عمار.. طالما القانون بتاعهم منصفش المظلوم، يبقى "نحط القانون بتاعنا" إحنا. ومن اللحظة دي، اعتبر إن عزة ليها أهل، وليها ضهر أقوى من ميت قانون."
عمار رفع عينه لرحيم بدهشة: "قانوننا إحنا؟ تقصد إيه يا رحيم بيه؟"
— رحيم (بابتسامة باردة): "أقصد إن اللي بيلعب بالبيضة والحجر، لازم يقع على دماغه في الآخر. سعيد محصن نفسه قانونياً، بس أنا هحصره "سوقياً" وإنسانياً. أنا اللي هبقى خصمه، ومش هسيبه غير وهو بيمضي على حق عزة مليم بمليم، وبيرجع لها اعتبارها قدام الكل. الورق اللي هو خده منها، هيرجعه وهو بيبوس إيدها عشان بس أحل عن سماه."
عمار حس إن الروح ردت فيه تاني، كلام رحيم مش مجرد وعود، دي أوامر تنفيذية.
— رحيم: "من بكرة، ملف عزة وحساباتها وكل ورقة تخصها تكون عندي في المكتب. وأنت ارجع ركز في شغلك، وخلي "السرحان" ده لغيرك. عزة دلوقت في حماية رحيم.. وسعيد بدأ العد التنازلي لنهايته."
ركبوا العربية، وعمار كان بيبص لرحيم وهو مش مصدق إن "الكبير" قرر يفتح "دفتر الحساب" الشخصي عشان خاطر واحدة غلبانة مالهاش حد.
في "دار حنان"، كان الجو مختلف تماماً النهاردة. صالة الدار كانت مليانة كراتين وأكياس كبيرة، وريحة "الجديد" طالعة من كل ركن. "زينب" كانت واقفة في وسط البنات، وشها منور بضحكة مش سايعاها، وهي بتفتح كرتونة "طقم العشا" وبترفعه بفخر قدام عيون البنات اللي كانوا بيزغرطوا ويهيصوا بفرحة حقيقية.
البنات (بصوت واحد وفرحة):
— "يا ألف نهار أبيض يا زوزو! الحاجة زي القشطة، ذوقك عالي أوي يا بت."
زينب (وهي بتمسح دمعة فرحة استخبت في عينيها):
— "ده فضل ربنا وست حنان.. أنا مكنتش أحلم بنص الحاجة دي يا بنات. ربنا يسعد قلوبكم ويرزقكم الفرحة اللي في قلبي دلوقت."
وسط الهيلمة دي، كانت "عزة" واقفة بعيد شوية، بتتبسم لزينب بصفاء، لكن عينيها كان فيها نظرة تانية.. نظرة محملة بكلام كتير عايزة تقوله. قربت عزة من زينب وحطت إيدها على كتفها بحنان.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
عزة (بهمس وصوت هادي):
— "مبروك يا حبيبتي، تتهني بيهم يا رب وتملي بيتك بالخير. حاجتك زي الفل وشبه قلبك الأبيض."
زينب (وهي بتحضنها):
— "الله يبارك فيكي يا عزة، عقبال ما نفرح بيكي يا رب ونجهزك أحسن جهاز."
عزة سكتت لحظة، وبعدين بصت للبنات اللي لسه مشغولين بيتفرجوا على الملايات والمفارش، وقالت لزينب بصوت واطي:
— "زينب.. ينفع نسيبهم يتفرجوا براحتهم وندخل أوضتنا شوية؟ عايزة أتكلم معاكي في موضوع.. لوحدنا."
زينب حست بنبرة عزة الجد، مسحت إيدها في هدومها وقالت بسرعة:
— "طبعاً يا حبيبتي، تعالي."
دخلوا الأوضة وقفلوا الباب، وصوت ضحك البنات برا بدأ يبعد تدريجياً. زينب قعدت على طرف السرير وبصت لعزة بقلق:
— "خير يا عزة؟ قلقتيني.. فيه حاجة حصلت؟"
عزة قعدت قدامها، وخدت نفس طويل كأنها بتستجمع شجاعتها:
دخلت حنان الأوضة فجأة، كانت سامعة صوتهم الواطي وحاسة بنبرة القلق اللي في كلام عزة. وقفت قدامهم بابتسامتها الأمومة الصافية، وبصت لزينب اللي كانت لسه مبهورة بالجهاز، وبعدين بصت لعزة اللي الهم واكل وشها.
حنان (وهي بتطبطب على كتف زينب):
— "بتبكوا ليه ومنفردين بنفسكم كده؟ ده النهاردة يوم عيد. اسمعي يا زينب.. واسمعي أنتِ كمان يا عزة. مش عشان نصيبكم كان إنكم تتربوا في دار أيتام، تفتكروا إن مالكمش حد في الدنيا دي. الدار دي والحيطان دي والقلوب اللي فيها هي بيتكم الحقيقي والوحيد. رحيم بيه لما بعت الجهاز ده، مبعتوش شفقة، بعته لأنه عارف إنك بنت أصول وتستاهلي، وعارف إن وراكي "بيت" بيخرج ستات بجد."
زينب (وهي بتمسح دموعها):
— "والله يا ماما حنان أنا مش عارفة أشكركم إزاي، أنا فعلاً كنت شايلة هم الجهاز ده أوي."
حنان كملت بنبرة فيها حكمة السنين:
— "يا بنتي، الرزق بييجي لصاحبه، وإحنا هنا سند لبعض. عمار، ورحيم، وكلنا ضهر ليكم. اوعي يا زينب تدخلي بيت جوزك وأنتِ حاسة إنك قليلة، ادخلي وأنتِ رافعة راسك، وعارفة إن ليكي أهل يهدوا الدنيا لو حد فكر يمس شعرة منك."
​عزة كانت بتسمع كلام حنان وكأنها بتسترجع كل اللي فات، بصت لزينب بنظرة عميقة، ونبرة صوتها كانت حادة ومجروحة في نفس الوقت:
— "ماما حنان عندها حق يا زينب..
بس لازم تعرفي حاجة أهم. الجهاز والعفش مش هما اللي بيعملوا القيمة. القيمة إنك متسمحيش لحد يكسرك. اوعي يا زينب، اوعي تيجي على نفسك مرة تانية عشان خاطر حد، مهما كان غالي أو أنتِ فاكرة إنه السند. اللي بيحبك بجد مش هيحتاج إنك تدبحي نفسك وتضحي بكرامتك عشان ترضيه."
عزة سكتت لحظة وكأنها بتفتكر اللي سعيد عمله فيها، وكملت بوجع:
— "أنا جيت على نفسي كتير، وقولت معلش عشان ماليش ضهر، وادي القعدة اللي أنا قاعداها. اوعي تكرري غلطتي يا زينب. عيشي بكرامتك، واليوم اللي تحسي فيه إنك هتهوني، افتكري إن الدار دي مفتوحة ليكي، وافتكري إن عزة قالتلك إن "النفس" أغلى من أي عفش وأي جهاز."
ساد صمت في الأوضة، حنان بصت لعزة بحزن وفخر في نفس الوقت، لأنها عارفة إن عزة بتنقل وجعها لزينب عشان تحميها.
حنان:
— "كلامك دهب يا عزة.. والدرس ده لازم كل بنت هنا تحفظه. يلا يا بنات، امسحوا دموعكم وخلونا نخرج نكمل فرحتنا، رحيم بيه وعمار مستنيين يعرفوا إن الحاجة وصلت بسلام، ومش عايزين نكسر فرحتنا 
بعد ما سعيد حضن ابنه وشاف "الورقة" اللي سابتها الأشباح في بيته، تليفونه رن مرة تانية بنفس الرقم المجهول. سعيد فتح الخط وهو بينهج:
— "الواد رجع.. والورقة قريتها. أنت عايز مني إيه تاني؟ ارحمني بقى!"
صوت عمار (المجهول) جاله ببرود:
— "ابنك رجع عشان هو ملوش ذنب.. بس الحساب لسه مخلصش. الورق اللي أنت زورته، والحق اللي أنت أكلته، لازم يرجع لأصحابه الليلة دي. هتجيلي عند (الملاحات المهجورة) وراك، ومعاك الشنطة اللي فيها أصل التنازل والورق اللي يخص "عزة" كله. لو جيت، الموضوع هيتقفل للأبد.. لو مجيتش، اعتبر إن الورقة اللي معاك دي "محضر رسمي" هيتقدم الصبح بفضايحك في المصلحة، وهتتجاب من قفاك قدام عيالك."
سعيد مكنش قدامه حل تاني.. هو مرعوب من "القدرة" اللي خلت حد يدخل بيته ويرجع ابنه في عز الضلمة، فخاف لو مرحش إن المجهول ده يهد المعبد كله فوق دماغه
وصل سعيد إلى الملاحات المهجورة (الخرابة) والريح بتصفر حوله، قلبه كان بيقفز مع كل حركة شجر. وقف في نص المكان وزعق بصوت مبحوح:
— "أنا جيت! أظهر بقى وخلصني.. الورق معايا! أنت فين؟"
محدش رد.. السكون كان مرعب. سعيد بدأ يمشي بخطوات مهزوزة لحد ما لمح "ظرف كبير" مسنود على حجر قديم وتحته كشاف صغير منور. جري عليه وفتحه بإيد بتترعش، لقى جواه ملف فيه "شيك" بمبلغ ضخم، قيمة "قائمة منقولات عزة" بالكامل وبزيادة تعويضية، وجنبه ورقة مكتوب فيها: "إمضي الشيك ده، ورجع التنازل على الأرض في الظرف، وتخرج من هنا كأنك مشفتش حاجة.. وإلا الدفاتر القديمة هتتفتح."
سعيد بص للشيك وبص للفراغ حوله، والجشع اللي جواه غلب خوفه، صرخ بهستيريا:
— "مش ممضي! مش همضي على مليم واحد! عزة دي ملهاش عندي حاجة، واللعبة دي مش هتمشي عليا.. أنا سعيد البن يا شوية صيع! أعلى ما في خيلكم اركبوه!"
رمى الملف على الأرض بكل غل، وركب عربيته وطار بها على البيت وهو بيتوعد إنه بكره هيبلغ أمن الدولة والمباحث، وإن مفيش حد هيقدر يكسر عينه.
وصل سعيد قدام باب شقته، طلع المفتاح وفتحه وهو بينهج.. أول ما الباب اتفتح، المفتاح وقع من إيده، ووقف متجمد في مكانه كأن صاعقة ضربته.
الشقة مكنتش مجرد "مكركبة".. الشقة كانت "منسوفة".
العفش الغالي اللي شيرين اختارته بالواحدة، متدغدغ كأنه دخل مفرمة. الكنب متقطع، الخشب متكسر مية حتة، والستائر مشرحة. سعيد دخل يجري زي المجنون على الصالة وهو بيصرخ: "شيرين! يا أمي! الواد فين؟"
دخل المطبخ والحمام لقى الكارثة الأكبر.. السيراميك اللي في الأرض والجدران متكسر بـ "شنيور" أو آلة حادة، كأن فيه زلزال حصل في المطبخ بس. الحمام الأرضية بتاعته متدمرة تماماً، والرخام والبورسلين اللي دفع فيه دم قلبه بقى فتافيت.
أمه وشيرين كانوا قاعدين في ركن في الأوضة الجوانية، مكنش حد لمسهم بس كانوا في حالة ذهول وخرس تام، كأنهم شافوا شياطين داخلة البيت بتدمر في الحيطان والأرض من غير ما ينطقوا كلمة.
سعيد وقع وسط الحطام، وبص للأرض لقى ورقة صغيرة محطوطة وسط تكسير سيراميك الحمام مكتوب فيها:
"المرة دي السيراميك والحيطان.. المرة الجاية السقف هيقع فوق دماغك وأنت نايم. امضي الشيك يا سعيد.. رجع شقى غيرك اللى كلته  والفرش ده بفلوس غيرك، واللي بيتبني على باطل.. آخره يتهد على صاحبه."
سعيد بص لحطام بيته، وفهم إن "المجهول" مش بس عارف أسراره، ده يقدر يوصل لقلب حيطانه ويمحيها من غير ما يلمس حد من أهله.. الرعب الحقيقي بدأ دلوقت.
تفتكروا سعيد هيوافق يمضى  ولا رحيم وعمار هيكتفوا بكده ولا لسه عندهم تانى 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
وافق سعيد إنه يمضى على الشيك ويرد لعزه كل حقوقها ويقفل صفحتها وفعلا مضى الشيك وبعدها عمار اتصل بيه وبلغه سعيد إنه وافق لكن عمار طلب منه الفلوس كاش وانه تانى يوم يروح يسحبهم بنفسه ويحطهم فى شنطه ويسيب الشنطه قدام البنك اللى هيسحب منه الفلوس 
ونفذ سعيد طلب عمار وسحب الفلوس وحطها فى شنطه وسابها فى المكان اللى عمار قاله عليها 
اخد عمار شنطه الفلوس وراح الدار عند حنان واداها شنطه الفلوس 
حنان فتحت الشنطة وهي مش مصدقة، عينها اتسعت بذهول وهي بتبص لِرُزم الفلوس اللي مرصوصة فوق بعضها. قلبها دق بسرعة، وبصت لعمار برهبة وخوف.. الفلوس دي كتير أوي! بس بسرعة حاولت تلم نفسها، بلعت ريقها وبصت لعمار وقالت له بنبرة حاسمة وفيها رجاء:
– "استنى هنا يا عمار.. أوعى تِمشي."
سابت الشنطة على التربيزة ودخلت بسرعة نادت على عزة. عزة خرجت وراها وهي مستغربة من لهفتها وخضتها، وأول ما دخلت الأوضة وشافت الشنطة المفتوحة وعمار واقف بكل برود وثقة، رجليها شالتها بالعافية من الصدمة.
حنان قربت من عزة، وحطت إيدها على كتفها وقالت وصوتها مخنوق بدموع الفرحة والتأثر:
– "حقك رجع يا عزة.. سعيد خلاص مضى الشيك ورجعلك كل مليم. الكاش ده كله بتاعك، حقك اللي كان سعيد واكله .. والراجل اللي واقف قدامك ده، عمار، هو اللي جابلك حقك ده لِحد عندك ونصرنا عليه."
عزة فضلت مسمرة مكانها، عينيها رايحة جاية بين شنطة الفلوس وبين وش عمار الصامت. الصدمة في الأول لجمت لسانها، بس عقلها اللي بيفكر في كل صغيرة وكبيرة بدأ يشتغل فوراً.. بصت لعمار بنظرة كلها شك وتساؤل: يا ترى إيه المقابل؟ وإزاي عمار قدر يلوي دراع سعيد بالسهولة دي؟
الصدمة في الأول لجمت لسانها، لكن عقلها بدأ يجمع الأحداث بسرعة.. قربت خطوتين من عمار وبصت له بنظرة فاحصة كلها ذهول وشك، وقالت له بنبرة حادة ومتوترة:
– "إنت عملت إيه يا عمار؟ سعيد ده أنا أكتر واحدة عارفاها، ده ياكل مال النبي ولا يفرط في قرش واحد بالسهولة دي! إنت إزاي خليته يجيب الفلوس دي كلها كاش وفي يوم وليلة؟"
عمار ملامحه ماتغيرتش، فضل واقف بكل برود وثبات، حط إيده في جيبه وبص لها وقال بكلمات موزونة وهادية:
– "المهم إن حقك رجع يا عزة.. سعيد صفحته اتقفلت خلاص، والفلوس دي مأمنة وجاية من البنك لِحد عندك. مش مهم الطريقة، المهم إن حقك معاكي دلوقتي."
عزة ضيقت عينيها وبصت له وهي مش مرتاحة للهدوء والثقة اللي بيتكلم بيهم، وقالت له وعينها في عينه:
– "مفيش حاجة في الدنيا دي بتيجي بلاش يا عمار.. وإنت مش هتعمل كل ده وتلوي دراع سعيد عشان سواد عيونا. إيه المقابل؟"
عمار بصلها بثقة وهدوء غريب، ملامحه ما اتهزتش من كلامها، بل بالعكس.. الابتسامة الباردة ظهرت على وشّه وهو بيبص في عينيها مباشرة، وقال لها بنبرة هادية بس بتوجع:
– "مش كل الناس بيبصوا لمصلحتهم بس يا عزة.. ومش كل الناس سعيد. لو كل الناس زيه، مكنتيش هتلاقي واحدة على ذِمّة جوزها."
الكلمات نزلت على عزة زي المايه الساقعة، ملامحها اتغيرت والدم هرب من وشها. الجملة لمست جرح قديم وحقيقة هي عارفاها كويس عن سعيد وعن اللي كانت عايشة فيه.
عمار ماداهاش فرصة ترد، عدّل جاكيت بدليته وبص لشنطة الفلوس وقال:
– "الفلوس دي حقك، خديها وأمني بيها نفسك.. عن إذنك."
بعد ما عمار مشي وقفل الباب وراه، ساد السكون في الأوضة. عزة فضلت واقفة مكانها وعينيها مثبتة على شنطة الفلوس، بس مكنتش شايفاها.. كانت سامعة صدى صوت عمار وهو بيقول: "مكنتيش هتلاقي واحدة على ذِمّة جوزها".
​قربت من التربيزة بخطوات بطيئة، ومدت إيدها ولمست رزم الفلوس. دموعها المحبوسة بدأت تنزل في صمت. الفلوس دي اللي كانت هتموت عشانها، دلوقتي حاسة إنها مابقتش فارقة أوي قدام السنين اللي ضاعت من عمرها.
​قعدت على أقرب كرسي وبدأت تراجع نفسها وتفتكر كل اللي فات.. حست فجأة بوجع في قلبها وهي بتكتشف إنها ظلمت نفسها أكتر ما سعيد ظلمها. ضغطت على إيدها وقالت لنفسها بمرارة: "أنا اللي جيت على نفسي.. أنا اللي كنت بحاول أرضي الكل على حساب صحتي ونفسي وكرامتي، وفي الآخر طلعت أنا الخسرانة الوحيدة".
​مسحت دموعها بسرعة بقسوة، وملامح وشها بدأت تتغير من الانكسار للقوة. بصت للشنطة تاني، بس المرة دي بنظرة مختلفة تماماً.. نظرة للمستقبل. الفلوس دي مش هتقعد تصرف منها لحد ما تخلص، الفلوس دي هتكون خطوتها الأولى عشان تقف على رجلها بجد.
​عزة أخدت قرار في اللحظة دي؛ مش هتعيش في ضل حد تاني، ولا هتستني حد يحن عليها بقرش أو بكلمة. شالت الشنطة وقامِت وهي بتفكر في حاجة واحدة بس: "أنا لازم أدور على شغل.. لازم يكون ليا كيان وشغل بتاعي أنا، ومحدش يكسر عيني تاني".

مسحت عزة دموعها، وشالت شنطة الفلوس وخرجت راحت لماما حنان. حطت الشنطة قدامها وقالت لها بنبرة صادقة وكالها احترام:
– "خدي يا ماما حنان.. الفلوس دي شيليها معاكي، وأنا عايزة أتبرع بجزء منها للدار، الدار وأطفالها أولى بأي قرش يدخل."
ماما حنان بصت للشنطة، وبعدين بصت في عين عزة وابتسمت بحنان كبير، هزت راسها بالرفض وقالت لها بطيبة:
– "لأ يا عزة.. الفلوس دي بتاعتك إنتي وتعبك وشقاكي، حطيها في عينك وأمني بيها مستقبلك. والدار الحمد لله ربنا ساترها وفيها اللي يكفيها بزيادة ومصلحتها ماشية. بكره الصبح هاخدك من إيدك ونروح البنك، وتفتحي حساب باسمك وتحطي حاجتك فيه، عشان تبقي مطمنة."
عزة حست بأمان وراحة لأول مرة من فترة طويلة، وهزت راسها بالموافقة وهي بتفكر في خطوتها الجاية. وقبل ما تنام بالليل، بصت لماما حنان وقالت لها:
– "ماما حنان.. هاتي كدة رقم عمار من عندك."
ماما حنان استغربت بس أدتهولها من غير ما تسأل، وعزة سيفت الرقم عندها وهي بتخطط هتقول له إيه.
تاني يوم الصبح، نفذوا كلامهم وراحت عزة مع ماما حنان البنك، وفتحت الحساب وحطت الفلوس كلها. أول ما خرجت من البنك وركبت المواصلات، طلعت موبايلها وبصت للرقم المكتوب باسم "عمار".. أخدت نفس عميق، ودست على زرار الاتصال وضبطت الموبايل على ودنها وهي مستنية رده بقلب بيدق
التليفون بدأ يرن.. نغمة والتانية، وعزة حاطة الموبايل على ودنها ونبضات قلبها بتسرع مع كل رنة. كانت لسه مترددة تقفل ولا تستنى، وفجأة الرن وقف وجه صوت عمار الجاف والرسمي:
– "ألو.. السلام عليكم."
عزة اتخضت ثانية والكلمات طارت من دماغها، حست بخجل غريب ومابقتش عارفة تبدأ كلامها منين ولا تقول إيه. فضلت ساكتة للحظات وهي بتحاول تجمع شتات نفسها، وبلعت ريقها بتوتر.
عمار لما لقى السكوت طول، كرر كلامه بنفس النبرة الهادية والرسمية:
– "ألو.. مين معايا؟"
عزة أخدت نفس عميق وبأصابع مرتعشة ضغطت على الموبايل وقالت بصوت واطي ومردد وفيه خجل واضح:
– "أنا.. أنا عزة يا عمار."
أول ما عمار سمع صوتها، ملامحه الجافة اتمحت تماماً وتلقائياً ظهرت على وشه ابتسامة هادية ودافية، ونبرة صوته اتغيرت وبقت كلها ترحيب واهتمام:
– "أهلاً يا عزة.. أهلاً بيكي، عاملة إيه؟"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ترحيبه المفاجئ ده خلاها تتوتر أكتر وخجلها يزيد، فركت إيدها بتوتر وقالت بصوت واطي ومتردد:
– "الحمد لله.. أنا.. أنا آسفة لو كنت كلمتك في وقت مش مناسب أو أزعجتك.."
عمار قاطعها بسرعة وبنبرة مريحة قال لها:
– "لأ طبعاً مفيش إزعاج ولا حاجة، تحت أمرك يا عزة.. في حاجة حصلت؟"
عزة أخدت نفس عميق عشان تطرد الخجل والتردد اللي جواها، وقررت تدخل في الموضوع بوضوح، فقالت وهي بتحاول تخلي صوتها ثابت:
– "لأ كله تمام الحمد لله.. أنا بس كنت بتصل عشان.. عشان كنت عايزة أطلب منك طلب لو ينفع.. أنا قررت إني لازم أعتمد على نفسي وأبدأ من جديد، وكنت عايزة أدور على شغل.. فكنت حابة لو تقدر تساعدني وتشوف لي أي فرصة شغل مناسبة."
عمار سكت لحظة، وفهم من نبرة صوتها ومن طلبها إن الكلمة اللي قالها لها امبارح علّمت معاها، وإنها بدأت تفوق لنفسها بجد وعايزة تتغير. ابتسم بتقدير وقال لها بنبرة تشجيع:
– "أكيد طبعاً يا عزة أقدر أساعدك.. وبصي، إنتي كلمتيني في وقتك بالظبط. المزرعة الكبيرة خلاص قربت تشتغل، وهنكون محتاجين هناك ناس للإدارة ومدخلين بيانات، وأنا شايف إن الشغلانة دي هتكون مناسبة ليكي جداً، وأول ما المزرعة تبدأ شغل أنا هكلمك فوراً."
عزة حست بلمعة أمل، بس سألته بتوجس وهي خايفة الخطوة دي تتأخر:
– "بس المزرعة دي قدامها كتير على ما تشتغل؟"
عمار رد عليها بثقة ويقين:
– "لأ مش كتير خالص، شهر ونص بالكتير والكل هيستلم مكانه.. وبعدين خليني أقول لك على حاجة تفرحك وتطمنك إنتي وماما حنان؛ إحنا خلاص مش هنِهد مبنى الملجأ القديم بالكامل زي ما كنا مخططين في الأول.. إحنا هنبقي عليه وهنجدده بالكامل، وهنخليه هو المبنى الإداري للمشروع."
عزة سمعت كلامه وقلبها دق بفرحة وراحة مكنتش متخيلاها، فرحة لإنقاذ المكان اللي عاشوا فيه، وفرحة بإنها لقت طريق جديد ومحترم تبدأ منه حياتها.
ابتسمت عزة لأول مرة من قلبها وهي لسه ماسكة الموبايل، وحست إن جبل كان كاتم على نفسها وانزاح. نبرة صوتها اتغيرت خالص وبقت مليانة امتنان وراحة وهي بتقول له:
– "أنا مش عارفة أقولك إيه يا أستاذ عمار.. بجد شكراً ليك. إنت مش عارف الخبر ده هيفرح ماما حنان قد إيه، موضوع الهد ده كان كاسر قلبها."
عمار رد بصوته الهادي اللي فيه دفء حقيقي:
– "مفيش داعي للشكر يا عزة، ده حقكم والمكان ده يستاهل يفضل موجود. جهزي نفسك بس، والشهر ونص دول هيعدوا في ثانية، وأول ما نكون جاهزين للتعيينات هتلاقيني بكلمك."
قفلت عزة الخط وهي حاسة إنها طايرة من الفرحة. نزلت من المواصلات وجريت على الدار بكل سرعتها، أول ما فتحت الباب ودخلت، كانت بتنهج ووشها منور من الفرحة، نادت بأعلى صوتها:
– "ماما حنان! يا ماما حنان.. تعالي بسرعة عايزة أقولك على حاجة!"
ماما حنان خرجت من أوضتها مستغربة من لهفة عزة، وبصت لها بقلق:
– "خير يا بنتي في إيه؟ خضيتيني! عملتوا إيه في البنك؟"
عزة قربت منها ومسكت إيديها الاتنين وهي بتضحك ودموع الفرحة في عينيها:
– "البنك تمام والفلوس في الحفظ والصون.. بس مش ده الموضوع! أنا كلمت أستاذ عمار، وقال لي خبر بمليون جنيه.. الدار مش هتِتهد يا ماما حنان! مش هيهدوها بالكامل، هيمشوا المشروع وهيجددوا المبنى القديم ويخلوه هو المبنى الإداري للمزرعة الكبيرة!"
ماما حنان حطت إيدها على صدرها وقعدت على أقرب كرسي، وعينيها اتملت دموع، ورفعت راسها للسما وقالت بنبرة هزت الأوضة من كتر الصدق:
– "الحمد لله.. يا ألف حمد وألف شكر ليك يا رب.. كنت عارفة إنك مش هتضيعنا ولا هتكسر بخاطر الغلابة دول."
عزة قعدت على ركبها قدامها وكملت بحماس:
– "ومش بس كده يا ماما.. أستاذ عمار كمان قالي إنهم محتاجين موظفين إداريين ومدخلين بيانات للمزرعة، ووعدني إن أول ما الشغل يبدأ كمان شهر ونص، هاكون أنا أول واحدة معاهم.. أنا هاشتغل يا ماما حنان، هاشتغل وأعتمد على نفسي بجد!"
ماما حنان أخدتها في حضنها وطبطبت عليها بحنان وفخر:
– "مبروك يا قلب ماما، ربنا يفتحها عليكي ويسعدك.. عمار ده ابن حلال ومعدنه أصيل، وعارف الأصول."

في نفس الوقت، الأجواء في الدار كانت مقلوبة حركة ونشاط. الصناديق الكرتون مرصوصة في الصالة، والشنط مربوطة، والكل شغال على قدم وساق؛ خلاص بيجهزوا ينقلوا عفش زينب لشقتها الجديدة في القاهرة عشان يبدأوا يفرشوها.
وسط الزحمة والكركبة دي، تليفون ماما حنان رن، ولقيت السواق اللي تبع رحيم بيكلمها ويقول لها إنه بره. خرجت ماما حنان ومعاها زينب وعزة وبصوا من بوابه الدار، لقوا ميكروباص مكيف وجديد واقف مستنيهم، والسواق قرب من ماما حنان بكل أدب واحترام وقال لها:
– "يا مدام حنان، رحيم بيه أمرني إن الميكروباص ده يكون تحت امرك   هاخدكم من هنا اوديكم  الشقة في القاهرة، وأجيبهم كل يوم لِحد ما يخلصوا فرش الشقة على أقل من مهلهم، ومحدش يشيل هم مواصلات ولا سفر خالص."
زينب عينيها لمعت بالفرحة والانبهار من كرم رحيم واهتمامه بأصغر التفاصيل، وحست إنها أخيراً هتعيش العيشة اللي كانت بتحلم بيها، وبصت لعزة وفرحتها مش سيعاها.
ومرت الساعات، ووصلوا الشقة في القاهرة، وبدأوا ينزلوا الحاجه وهم هلكانين من التعب والمشوار. وقبل ما يفكروا حتى هيطبخوا إيه أو يشتروا أكل منين في الغربة دي، الباب خبط.. ولقوا دليفري جاي من أكبر وأفخم مطاعم القاهرة، وشايل وجبات غدا كاملة ومجهزة من كل ما طاب ولذ، ترحيباً بيهم في القاهرة.
مع الأكل كان فيه كارت صغير مكتوب فيه بخط شيك:
"خطوة عزيزة.. منورين القاهرة، والف مبروك الغدا على حسابى انهارده انا عارف انكم لسه ماتعرفوش حاجه فى البلد هنا 
زينب قعدت وهي مبهورة وبصت للكل وقالت بنبرة كلها فرحة ودعاء:
بينما الكل كان شغال والنار قايدة في الشقة؛ شيل وحط وترتيب، عايدة سحبت كرسي مريح وقعدت عليه في الصالة، ربعت رجليها وبصت حواليها بنظرة رضا وفخر. أول ما الوجبات الفخمة بتاعة رحيم وصلت، كانت هي أول واحدة تمد إيدها وتفتح علب الأكل، وقعدت تتغدى بمزاج عالي وتدوق من كل الأصناف والكل حواليها غرقان في عرق الشغل والفرش.
وطول القعدة، مكانتش بتقدم أي مساعدة، بل بالعكس، لو عازت تشرب أو حبت أي حاجة تانية تتعمل، كانت بتنادي ببرستيج وتطلب من البنات اللي جايين من الدار يساعدوا زينب: "يا بت يا هدى هاتيلي بوق ماية.. يا ندى شيلي الكرتونة دي من قدامي". والبنات بطيبتهم وأدبهم كانوا بينفذوا لها طلباتها فوراً من غير كلام.
– "أنا قعدت يا جماعة وما رضيتش أحط إيدي في حاجة عشان أسيب العيال براحتهم خالص في شقتهم وماتتكسفوش مني وهما بيفرشوا حاجتهم على ذوقهم.. الفرش ده ذوق وأسرار يا حبيبتي، وأنا مش حابة أدخل في خصوصياتهم، قولت أسيب البنات يساعدوا زينب براحتهم ومن غير ما يتقيدوا بوجودي!"
ماما حنان ابتسمت هديت الموقف وهزت راسها وسكتت وهي فاهمة دماغ عايدة كويس وإنها بتدور على راحتها وتعمل لنفسها برستيج الحماة، وزينب كملت فرش مع البنات
مرت الايام وانتهوا من الفرش والتوضيب وكان تخطيط عايده من جواها ازاى تكسر زينب من أول يوم 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ـ أخيرا يا نبويه هانت كلها كام يوم وزينب تيجى وابقى خلاص جبت الخدامه انتى عارفه لما كانت هنا بتفرش مكنتش بقوم من مكانى حتى كوبايه الميه بتجيلى لحد عندى 
ـ هانت يا عايده بس لازم تدبحلها القطه من اول يوم 
الشغالة لو مش من أول يوم عرفت إنك الست وهيا الخدامة، هتسوق فيها. أنا مش بقولك اضربيها، أنا بقولك حطي الخطوط الحمرا من أول دقيقة. تدخليها المطبخ، توقفي على إيدها، تظبطي مواعيدها بالثانية. الغلبان ده ساعات بيبقى وراه بلاوي، وإنتي جايباها تخدمك وتريحك، مش عشان تتدلع عليكي.

عايدة لوت بوزها بابتسامة شريرة، وسندت ضهرها لورا وهي بتبص لنبوية بنظرة كلها لؤم :
ـ لاء يا نبوية.. إنتي كده بتظلميني، أنا لسه هستنى لما تتدلع عليا وبعدين أروضها؟ أنا مجهزه من أول يوم من قبل ما رجليها تخطي العتبة!
نبوية رفعت حاجبها باهتمام ومالت عليها بفضول:
ـ ومجهزه إيه بقى دي يا فصيحة؟
عايدة ضحكت ضحكة مكتومة وقالت وهي بتفرك إيديها ببعض:
ـ اختبار صغير كده.. من أول يوم في الفرح. الليلة اللي البيت كله هيبقى مقلوب فيها والناس رايحة جاية. هحطها في قلب المعمعة من أول دقيقة، وهرمي قدامها "طُعم" يوزن بلد.. حاجة كده تخلي عينيها تزوغ لو هي مش تمام، وتخليني أعرف قماشتها من أول ليلة. لو نجحت، يبقى كسبت خدامة بجد، ولو خابت.. أبقى كسرت عينها من أول قعدتها ومتقدرش تنطق بكلمة، وتفضل تحت ضِرسي العمر كله!
نبوية عينيها لمعت بإعجاب، وضربت كف على كف وهي بتضحك: 

على الناحية التانية.. في قصر رحيم.
الهدوء الفخم اللي مالي المكان اتهز أول ما جرس الباب الخارجي رن، والشغالة بلغت رحيم إن طليقته نرمين برة ومعاها آدم. رحيم أخد نفس طويل، وملامحه الصارمة زادت حدة وهو نازل على السلم الرخام الواسع.
نرمين كانت واقفة في الصالون الكبير، بتلف حوالين نفسها وبتبص على القصر بنظرة فيها حسرة وندم، وإيدها ماسكة إيد آدم.. الولد الصغير اللي كان باصص في الأرض وساكت تماماً.
أول ما رحيم دخل بهيبته، نرمين اتعدلت وحاولت ترسم على وشها ابتسامة ندم ورجاء، وقالت بنبرة ناعمة:
ـ أهلاً يا رحيم.. أنا عارفة إن الزيارة مفاجأة، بس أنا فكرت كتير يا رحيم، ولقيت إننا ظلمنا نفسنا وظلمنا آدم معانا. إيه ذنبه الولد يعيش مشتت كده؟ ما نرجع لبعض يا رحيم، ونقفل الصفحة القديمة دي ونربي ابننا وسطنا.. .
رحيم وقف مكانه، حاطط إيديه في جيوبه، وبص لها ببرود قاتل متهزش منه جفن، وقال بصوت رخيم وحاسم:
ـ إحنا قفلنا الصفحة دي من زمان يا نرمين، وإنتي عارفة كويس إن مفيش خط رجوع. أنا وإنتي مابنصلحش لبعض. أما بخصوص آدم، فأنا عمري ما قصرت ولا هقصر في مليم، وحقوقه بتجيلك، وبشوفه في مواعيده.
نرمين ملامحها اتغيرت في ثانية، والنعومة اللي في صوتها اتمسحت، وحل مكانها العند والبرود اللي متعود عليهم منها. سابت إيد آدم، وربعت إيديها وقالت له بنبرة تحدي ونرفزة:
ـ خلاص.. مادام مش عايز ترجع، يبقى خده ربيه إنت بقى!
رحيم رفع حاجبه بنظرة ذهول وغضب مكتوم:
ـ نعم؟ أربيه أنا إزاي؟ والولد متعود عليكى وانا كل شهر ببعتلكواللى يكفيكوا سنه كامله 
وغير كده لو انا اخدته مين هيقعد معاه ومدرسته ومزكرته 
نرمين لوّت بوزها وقالتها بكل بساطة ومن غير ما يتهز فيها جفن:
ـ اتصرف انت بقى يا نرجع يا تاخده وتتصرف فيه زى ماتحب انت ابوه ومش هتغلب .. أنا جالي عريس وعايزة أتجوز وأشوف حياتي، ومش هفضل طول عمري قاعدة من غير جواز وموقفة دنيتي. العريس شاريني بس مش هيشيل عيال مش عياله. فمن الآخر كده.. ابنك معاك أهو في قصرك، شيل إنت بقى شيلتك او نرجع ونشيلها سوا 
رحيم حافظ على ثباته الانفعالي، ولا اتهز ولا اتنرفز. فضل واقف مكانه بكل هيبته وبروده القاتل، وبص لنرمين من فوق لتحت نظرة استخفاف، وكأن تصرفها ده مكنش مفاجأة بالنسبة له، بل أكد له نظريته فيها إنها بتدور على مصلحتها وبس.
بص لآدم اللي كان واقف منكمش في نفسه، وبعدين رجع بنظره لنرمين وقال بلهجة هادية ومستفزة من كتر برودها:
ـ خلاص.. سيبيه يا نرمين، وانتي روحي عيشي حياتك.
نرمين برقت بعينيها وبصت له بذهول، كانت فاكراه هيزعق أو يساومها، أو على الأقل يرفض عشان يضايقها، بس بروده ده صدمها. رحيم كمل كلامه وهو بيشاور بإيده للشغالة تقرب:
ـ آدم ابني، ومكانه الطبيعي في قصر أبوه، وأنا هعرف أتصرف وأربيه إزاي. مبروك عليكي الجوازة الجديدة، وياريت تقفلي الباب وراكي وانتي خارجة عشان الدوشة.
نرمين اتغاظت جدًا إنها معرفتش تستفزه أو تطلع منه بأي رد فعل عنيف، لمت شنطتها بعصبية، وبصت لآدم بقلة حيلة ومن غير ما تسلم عليه حتى، لفت ضهرها ومشيت وهي بتخبط كعب جزمتها في الأرض بغل
أول ما الباب الخارجي اتقفل وراها، رحيم أخد نفس طويل، ونزل لمستوى طول آدم، ملامحه الحادة دي اتحولت تمامًا للدفا والحنان، وطبطب على كتف ابنه وقال له بصوت حنين:
ـ نور القصر يا بطل.. متخافش من أي حاجة، من هنا ورايح إنت مع باباك، ومحدش في الدنيا يقدر يزعلك.
آدم فضل واقف مكانه لثواني، كأنه مش مصدق إن الخوف والشد والجذب اللي كان عايش فيهم انتهوا خلاص. بص لوش أبوه وللحنان اللي مالي عينيه، وفجأة، رمى نفسه في حضن رحيم بكل قوته، وربط إيديه الصغيرة حوالين رقبته وكأنه بيستخبى فيه من الدنيا كلها.
رحيم ضمّه لقلبه جامد، وشاله من على الأرض وهو بيطبطب على ضهره بحنان يهز جبال.
آدم دفن وشه في كتف أبوه، وصوته طلع مخنوق من الدموع اللي كان حابسها طول القعدة وقال:
ـ أنا بحبك أوي يا بابا.. أنا أصلاً كان نفسي أعيش معاك هنا علطول، ومكنتش عايز أرجع هناك تاني.
رحيم غمض عينيه وأنفاسه حارة، وحس بوجع في قلبه على كل ليلة ابنه بعد فيها عنه وعاش في قلق. باس راسه وقال بصوت دافي كله وعود صادقة:
ـ وأنا بحبك يا قلب بابا. من النهاردة مفيش مرواح في حتة تاني، ومحدش هيقدر يبعدك عني. القصر ده كله بتاعك، وإنت الآمر الناهي فيه.
رحيم وداه على الكنبة وقعده جنبه وبدأ يمسح دموعه بحنان، ويضحك معاه عشان يخرجه من المود الصعب ده ويهون عليه قسوة الموقف اللي أمه حطته فيه.
ملامح رحيم رجعت حادة تاني وعينيه ضاقت بغضب مكتوم وهو سامع ابنه بيتكلم، بس حاول يحافظ على نبرة صوته الهادية والدفو اللي فيها عشان الولد يفضفض وميخافش. آدم مسح عينيه بظَهر إيده، وبص لأبوه وقال بنبرة طفولية مكسورة:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ـ بابا.. أنا مكنتش بخرج خالص هناك، ومكنتش بشوف الشارع والنوادي غير في الأيام اللي إنت كنت بتيجي تاخدني فيها وتقعدني معاك.
رحيم شد على إيد آدم الصغير وقال بتركيز:
ـ ومامتك يا آدم؟ مكنتش بتاخدك معاها وهي خارجة؟
آدم هز راسه بالنفي وقال:
ـ لاء.. ماما طول الوقت كانت بتسيبني عند تيتا، وتقول إنها وراها مشاوير وشغل كتير ومش فاضية للدوشة. وتيتا كمان كانت أوقات كتير بتخرج وتسيبني لوحدي في الشقة، ومكنش بيبقى قدامي غير الموبايل أقعد ألعب عليه بالساعات لحد ما هما يرجعوا. أنا كنت بخاف أوي يا بابا من الضلمة لما الليل يليل عليا وأنا لوحدي.
كلام آدم نزل على رحيم زي الصاعقة. الغضب جواه كان بيغلي؛ طليقته اللي كانت بتساومه على الفلوس والنفقة بحجة مصاريف الولد وعيشته، كانت رامية حتة منه بالإهمال ده كله! سيباه للوحدة وللموبايل وعايش في رعب.
رحيم اتنهد عشان يطرد الشحنة اللي جواه، وضّم آدم لصدره تاني وباس راسه بقوة وقال له:
ـ خلاص يا بطل.. كل ده خلص وانتهى. من النهاردة مفيش موبايل بالساعات، ومفيش قعدة لوحدك في الضلمة تاني. أنا هقدملك في أكبر نادٍ، وهجيبلك كل اللعب اللي بتحبها، وقصر باباك كله مفتوح لك تعيش فيه برنس.
رحيم شاور للشغالة اللي كانت واقفة بعيد ومتابعة الموقف، وقال لها بنبرة حاسمة:
ـ جهزي عشا خفيف لآدم.. هاتي كل الحاجات اللي بيحبها، وحضري السفرة بسرعة.
دقايق وكان الأكل جاهز، ورحيم أخد آدم من إيده ودخلوا غرفة السفرة الفخمة. قعدوا سوا، ورحيم بدأ يقرّب الأكل لآدم ويشجعه ياكل وهو مبتسم، والدنيا بدأت تروق والضحكة ترجع لوش الولد الصغير تاني. وهما بيتكلموا وبياكلوا، آدم سكت شوية، وبص لرحيم بعيون كلها رجاء وقال:
ـ بابا.. هو أنا ينفع أروح معاك الشغل بكرة؟
رحيم ابتسم وهز راسه:
ـ الشغل يا آدم؟ بس الشغل بيبقى زحمة وفي مكاتب ومقابلات، وإنت هتزهق هناك ومفيش لعب.
آدم بدأ يزن ويلح، ومسك في إيد أبوه:
ـ لأ مش هزهق والله! أنا هقعد ساكت خالص ومش هعمل دوشة، بس خدني معاك.. مش عايز أقعد هنا لوحدي بكرة، والنبي يا بابا خدني معاك!
الزن والإلحاح بتوع آدم مكنوش مجرد شقاوة أطفال، رحيم كان قاري اللي وراهم؛ الولد خايف يتساب لوحده تاني بعد السنين اللي عاشها في إهمال. رحيم طبطب على إيده وقال له بطمأنينة:
ـ خلاص يا بطل، متزنّش.. وافقت، بكرة هتروح معايا الشركة وتشوف مكتبي كمان.
آدم وشه نوّر وفرح جداً ورجع يكمل أكله بحماس، في الوقت ده رحيم شرد بذهنه لبعيد.. وعينيه ضاقت وهو بيفكر في بكرة. هو وافق عشان يطمن ابنه، بس هو رجل أعمال ومشغول، والشركة مش مكان مناسب لولاية طفل طول الوقت. فكر في نفسه: "لازم من بكرة الصبح أشوف (دادة) تكون أمينة، وعلى مستوى عالي من التعليم والتربية، تيجي القصر هنا وتتفرغ لآدم وتاخد بالها منه ومن أكله ومذاكرته في غيابي.. مش هسمح لثانية إهمال تانية في حياة ابني."

رحيم طلع موبايله وهو قاعد على السفرة، وبص لآدم اللي كان مشغول بآكل العشا ومبسوط، وكتب رسالة قصيرة وحاسمة ونبرتها مفيش فيها أي مجال للنقاش وبعتها لنرمين:
"نرمين، جهزي كل ورق آدم.. ملفه، شهادة ميلاده، وأوراقه الرسمية كلها. السواق هيكون عندك بكره الصبح ياخدهم. الولد هيتنقل مدرسة تانية هنا جنمب القصر."
أول ما داس "إرسال"، حط الموبايل على الترابيزة ورجع ضهره لورا وهو بيتنفس براحة. الخطوة دي كانت بالنسبة له هي القفل النهائي على أي خيط بيربط آدم بحياته القديمة، عشان يبدأ معاه على نظافة ومن غير تشتيت.
آدم رفع عينه وبص لباباه وبقُه مليان أكل وقال ببراءة:
ـ بابا.. هو أنا هروح المدرسة من هنا؟
رحيم ابتسم له وباس راسه:
ـ أه يا حبيبي، هتروح مدرسة أحسن بكتير وأقرب، 
آدم فرح ورجع يكمل أكله، ورحيم في نظراته إصرار وتحدي إنه يبني لابنه الحياة اللي يستاهلها ويهد كل الإهمال اللي عاشه.
فى الملجأ
الدنيا كانت هادية، وحنان قاعدة جنب زينب في الأوضة الصغيرة، وبتساعدها تقفل شنطتها البسيطة اللي فيها مستلزمات الكوافير . حنان ملامحها كان باين عليها الخوف والقلق، مش قلق عادي، ده قلق الأم اللي بتسلم حتة من قلبها للدنيا وهي مش مطمنة للناس برة.
حنان مسكت إيد زينب، وبصت في عينيها بنظرة كلها حنان ووصية، وقالت بصوت واطي ودافي:
ـ خلاص يا زينب.. هانت يا بنتي، كلها كام يوم والفرح يخلص وتدخلي البيت الجديد. أنا مش عايزاكي تخافي، بس في نفس الوقت عايزاكي تبقي صاحية ومفتحة عينيكي وسط الناس دول.
زينب ابتسمت بكسوف وبراءة، وقالت وهي بتهز راسها:
ـ متخافيش عليا يا ماما حنان، دي ست عايدة طيبة، وأنا جربتها قبل كده لما كنت بروح أفرش معاهم.. الست كانت بتعاملني كويس ومبتنطقش بكلمة زيادة.
حنان اتنهدت وأخدت نفس طويل، وضغطت على إيد زينب أكتر وقالت:
ـ يا حبيبتي، الفرش والزيارة السريعة حاجة، وإنك تبقي مقيمة معاهم في البيت حاجة تانية خالص. الزمان ده النفوس فيه اتغيرت، والناس مبقتش ترحم الغريب، بالذات لما يعرفوا إن ملوش ضهر. أنا وصيتي ليكي يا زينب: شغلك تعمليه على أكمل وجه وبأمانة، بس كرامتك خط أحمر. لا تسمحي لحد يكسر عينك، ولا تمدي إيدك على حاجة مش بتاعتك مهما كانت المغريات، وخليكي دايماً في حالك.. كلمة ورد غطاها.
زينب نزلت عينيها في الأرض، وحست بمسؤولية كبيرة وضغط، بس كلام حنان كان بيطمنها ويقويها. هزت راسها وقالت:
ـ حاضر يا ماما حنان، كلامك كله هيبقى حلقة في ودني. ربنا يقدرني وأكون عند حسن ظنك وأشرفك ومجبلكيش الكلام.
حنان ضمتها لحضنها جامد، ودمعة فرت من عينيها وهي بتدعي لها بظهر الغيب إن ربنا يحميها من شر النفوس اللئيمة اللي مستنياها برة، وهي مش دريانة باللي بيترتب لها.
مرت الايام وجه يوم الفرح 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
دخلت زينب بيت عايده وكان جواها امل انها خلاص بدأت حياه جديده لكن اللى حصل كان اكبر وجع ممكن تشوفه 
اول ما دخلت كانت بتبص للبيت بفرحه لكن الفرحه راحت لما لقت البيت مكركب كانت واقفه مش عارفه تعمل ايه بصت لحماتها لقت حماتها واقفه بتبص للبيت بضحكه وقربت منها 
ـ البيت مكركب يا عروسه عشان اهل جوزك كانوا هنا واحنا كنا مضيفينهم واخدوا راحتهم شويه 
حبست زينب دموعها بالعافية، وحست بغصة مرار في حلقها، وقبل ما تنطق، كملت حماتها بكلام زي السكاكين:
ـ يالا يا حبيبتي، ادخلي غيري هدومك دي بسرعة، وقبل ما تخشي تنامي، تروقي الشقة وتلمي الكركبة دي عشان تصبح نظيفة.. مش هينفع نقعد في المنظر ده.
سحبت زينب رجليها بالعافية وهي حاسة إن جبل تقيل فوق كتافها، واتجهت للأوضة اللي المفروض إنها أوضة عرسان. فتحت الباب وهي بتمني نفسها تلاقي حتة نظيفة تقعد فيها، بس هنا كانت الطعنة اللي بجد!
الأوضة ما كانتش الأوضة اللي فرشتها بـ إيدها وتعبت في كل تفصيلة فيها؛ الأوضة كانت مبهدلة ومتبهدلة ع الآخر. السرير غطاه مرمي في الأرض، وهدوم محمد القديمة متنطورة في كل حتة، والتراب مغطي الخشب. كان واضح جداً إن محمد كان بينام فيها الفترة اللي فاتت وبإهمال شديد، ومحدش فكر حتى يحترم إن دي أوضة عروسة داخلة بالليل!
خرجت زينب من الأوضة وهي مش شايفة قدامها، الدموع خلاص هربت من عينيها. وافتكرت فجأة العشا اللي كانت ماما حنان مجهزاه ومنظفاه وباعتاه معاها بحب عشان ليلتها الأولى. جريت على المطبخ بخطوات مهزوزة، بس لقت المطبخ فاضي تماماً، ومفيش غير المواعين والحلل المتوسخة.
وقفت عند باب المطبخ، وبصوت مخنوق وبيرتعش من القهر سألت حماتها:
ـ هو.. هو الأكل فين يا طنط؟ الأكل اللي ماما حنان كانت مجهزاه لينا؟
لفت حماتها وبصتلها ببرود تام ولا مبالاة تقهر، وقالتلها:
ـ أكل؟ واكلينه طبعاً! وأنا كنت آكلهم إيه يعني؟ ناس جايين يباركوا لولادهم نجوّعهم؟ ابقي اصحي بكرة بدري واعملي غيره، الشغل مش هيطير يا عروسة
كلام حماتها كان القشة اللي قطمت ضهر زينب. حست بقهر وجع قلبها لدرجة إنها مابقتش قادرة تتنفس. لفت وشها وبصت لعايدة وجمعت كل شجاعتها، وبصوت رغم كسوره كان فيه نبرة رفض واضحة، قالت:
ـ أنا مش هقدر أعمل حاجة يا طنط.. أنا تعبانة ومقتولة من التعب طول اليوم، ومش قادرة أصلب طولي عشان أروق كل ده.
وقبل ما تلتفت وتدخل أوضتها، لقت إيد حماتها بتتشد على دراعها بقوة وقفتها مكانها. لفت عايدة ووشها اتقلب تماماً، والضحكة الباردة اتحولت لنظرة غل وعيون ضيقة مليانة شر. قربت وشها من وش زينب وقالت بنبرة فحيح زي الأفاعي:
ـ نعم يا ختي؟ مش هتقدري؟ أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه يا بت أنتِ؟! شكل القعدة في وسطنا والدلع اللي شفتيه كام يوم دول لحسوا مخك وخلوكي تنسي أنتِ جاية منين!
شالت إيدها بقرف وزقتها لورا وهي بتكمل بمعايرة تقطع القلب:
ـ فوقي لنفسك يا حبيبتي واعرفي مقامك كويس.. أنتِ حتة بنت ملجأ، مالكيش أصل ولا فصل، واحمدي ربنا إن ابني بصلك ولمك من الشارع وكتب اسمه على اسمك! جاية تدلعي وتتهننى  من أول ليلة؟ الشقة دي تتغربل وتتروق دلوقتي، وإلا وعزة جلال الله هتشوفي مني وش عمرك ما تتمنيه!
دموع زينب اللي كانت حابساها نزلت غصب عنها، بس ما نزلتش من كلام عايدة.. نزلت لما لفت عينيها بتلقائية وبصت لمحمد اللي كان واقف جنب أمه طول الوقت. كان واقف مربع إيده، وعينه ماليها البرود، مفيش في وشه أي ملامح صدمة أو اعتراض على الكلام اللي أمه قالته.
كانت فاكرة إنه هيتحرك، إنه هينطق ويقول لأمه "عيب يا أمي دي مراتي"، أو على الأقل يطلب منها تراعي تعبها.. بس محمد خيب ظنها وخزلها خذلان عمرها ما هتنساه.
قرب محمد منها خطوتين، وبص لها بنظرة استحقار وسخرية، وقال بنبرة صوت عالية هزت الحيطة:
ـ أنتِ بتبصيلي كده ليه؟ أنتِ فاكرة نفسك إيه يا بت أنتِ؟ فوقي واصحي لنفسك وبطلي دور السنيورة ده!
صوته بقى أقوى وأقسى وهو بيكمل وبيغرس السكاكين في قلبها:
ـ أنا جايبك هنا عشان تبقي تحت رجل أمي! أمي اختارتك بنفسها من وسط الكل عشان مفيش حد هيرضى باللي أنتِ هترضي بيه.. أنا جبتك هنا خدامة ليها، تخدميها برموش عينيكي وتسمعي كلامها وهي مغمضة. أنتِ هنا عشان تريحيها، مش جاية تتأمري وتعيشي دور العروسة! يالا اخلصي شوفي وراكي إيه ورجلك فوق رقبتك!
الكلام نزل على زينب زي المية المغلية، حست إن الدنيا بتلف بيها، ومبقتش سامعة غير صدى الكلمتين دول: "جبتك خدامة.. بنت ملجأ". حست إن السقف بيقع فوق دماغها، والأمل اللي دخلت بيه البيت اتهد وبقى تراب تحت رجليها.
سكتت زينب.. الصدمة لجمت لسانها، ومابقتش قادرة حتى تصرخ. الكلمات كانت بتدور في دماغها زي الإعصار، بتموت كل حتة كانت صاحية وجواها أمل. بصت لمحمد والدموع مغرقة وشها، لكن فجأة، وسط السواد ده كله، لمعت في دماغها ملامح "ماما حنان".
افتكرت حضنها الدافي الصبح وهي بتودعها، وافتكرت الكلمة اللي حنان دايماً كانت تقولها ليها: "يا زينب، قيمتك في عين نفسك هي اللي بتجبر الكل يحترمك، أوعي في يوم تسيبي حد يكسر نفسك عشان أنتِ غالية".. وافتكرت حكاية "عزة"؛  واللى  حصلها لما حاولت ترضى الكل على حساب نفسها وكرامتها ، اللي وافقت من أول ليلة تتداس وتبقى خدامة عشان خايفة من لقب "بنت ملجأ"، وفي الآخر رموها في الشارع بعد ما أخدوا منها كل حاجة وصحتها راحت.
الحكايتين لفو في دماغها في ثواني، وحست بنبضة كرامة فجأة صحت جواها، نفضت عنها الخوف. مسحت دموعها بعنف، وبصت لعايدة ومحمد بثبات غريب
شالت إيد عايدة من على دراعها بقوة، وقالت بصوت قوي ومسموع:
ـ أنا مش هعمل حاجة.. الشقة دي أنا مش هلم فيها قشة واحدة دلوقتي. أنا مش خدامة يا محمد، وأنا ماليش ذنب في أهلك ولا في كركبتهم.
كلمتها نزلت على عايدة ومحمد زي الصاعقة. عايدة عينيها اتسعت من الصدمة والغل، ولفت لمحمد وصوتها علي بالردح:
ـ شفت؟ شفت السنيورة اللي لمتها من الشوارع؟ واقفه في وشي وبترد الكلمة بـ عشرة من أول ليلة! وريني هتعمل إيه مع حتة البنت دي يا محمد!
عروق محمد اتنفخت، والدم طار في عينه من الغضب. حس إن رجولته اتهزت قدام أمه. قرب من زينب بخطوات سريعة وزي الثور الهائج، ومن غير ما يدير أي حوار، رفع إيده ونزل بـ قلم قوي على وش زينب ردّ الشقة كلها صدى.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
قوة الضربة رمت زينب على الأرض، حست بـ طعم الدم في بقها، وودنها بقت بتصفر. لكن محمد ما اكتفاش بكده، وطى عليها ومسكها من شعرها بكل غل، ورفع راسها لفوق وهو بيجز على سنانه:
ـ أنتِ بتعلي صوتك في بيت أمي؟ وبتقولي لاء؟! دانا هربيكي من أول وجديد يا بنت الملجأ!
زقها ناحية المطبخ وهو بيجرها من دراعها بعنف وهي بتقاوم وتصرخ، وحدفها قدام الحوض وقال بنبرة كله شر وجبروت:
ـ المواعين دي تخلص، والشقة دي تتروق، ورجلك فوق رقبتك! وإلا وعزة جلال الله ما هتشوفي ضوء الشمس تاني، وهعرفك مقامك اللي نسيتيه في المطبخ ده! يالا اخلصي
بصت له زينب وهي ع الأرض، إيدها على خدها اللي علم عليه الكرباج بتاع قلمه، والدموع نازلة بـ حرقان مع طعم الدم اللي في بقها. ورغم الوجع والجرجرة، عينيها مكنش فيها استسلام؛ كان فيها نظرة تحدي خلت محمد يتجنن أكتر.
محمد وقف فوق راسها وهو بينهج، وعينه بتلف في المطبخ يمين وشمال، وفجأة ملامحهد اتغيرت.. الغضب الأعمى اللي في وشه اتحول لـ حتة برود غريب، مخلط بـ لؤم وخوف هربان جوة عينيه. لفت دراعه وربع إيده، وبص لها بـ قرف مصطنع وقال بصوت عالي عشان أمه اللي واقفة برا تسمعه:
ـ وعشان تفوقي لنفسك وتعرفي إن الله حق.. وعقاباً ليكي على طول لسانك وقلة أدبك من أول ليلة، مش هيبقى في دخلة ولا جواز!
سكت ثانية، وبص لها بـ نظرة استحقار وهو بيكمل بـ نبرة كان بيمثل فيها الجبروت، بس كان باين فيها إنه ما صدق لقى القشة اللي هتعميه:
ـ أنا مش هقرب منك، ولا هلمسك، ولا هتبقي مراتي بجد غير لما تتربي وتعرفي يعني إيه تسمعي الكلام وتوطي راسك قدام أسيادك.. اقعي بقى في الشقة دي زي الوقف، لا أنتِ طايلة سما ولا أرض، لحد ما أشوف هتعملي إيه!
عايدة برا في الصالة سمعت الكلمتين، وزغرطت بـ غل وقالت:
ـ عفارم عليك يا واد يا محمد! تربية إيدي صحيح.. سيبها كدة زي البيت الوقف عشان تعرف إنها من غيرك ولا تسوى مليم في سوق الحريم!
وقفت الكلمات في حلق زينب، وحست إن الدنيا بتدور بيها وهي بتبص لمحمد ومش مصدقة إن في بني آدم بالقساوة دي.. كان كلامه بيقطّع في قلبها، وفي نفس الوقت صحّى جواها غضب ورفض مكنتش تعرف إنهم عندها. قامت وقفت على رجليها ببطء، مسكت حيطة المطبخ وسندت طولها، ومسحت وشها وبصت لعايدة ومحمد بـ نظرة مفيهاش نقطة استسلام واحدة.
بصت لعايدة وقالت بصوت مهزوز من الوجع بس مليان تحدي:
ـ مش هعمل حاجة يا طنط.. ومجبتش أنا اللي هتروق ولا هتحرك من مكاني. لو عايز تقعدني في البيت ده كدة اقعدني، لكن مش هكون ليكم خدامة من أول ليلة!
عايدة لما سمعت الجملة دي، وشها اتقلب ألوان، والغل عماها تماماً.. إزاي حتة بنت ملجأ ملهاش ضهر تقف في وشها وترد الكلمة بـ الكلمة في بيتها ومن أول ليلة؟ برقت عينيها بـ جنون وقربت من زينب وزعقت بـ فحيح يرعب:
ـ بقى بتتحدينا يا بت الملجأ؟ وكمان بتقلّي أدبك في بيتي؟! دانا هوريكي النجوم في عز الظهر عشان تعرفي مقامك كويس!
وفي ثانية، مدت عايدة إيدها بـ غل وعنف، وقبضت على طرحة زينب وشدتها منها بـ قوة لدرجة إن رقبة زينب اتلوت معاها لورا. زينب صرخت وبدأت تقاوم وتزق إيد عايدة عنها وهي بتحاول تخلص نفسها:
ـ سيبيني.. سيبيني بقولك! مش هتعملوا فيا كدة.. حرام عليكم!
لكن عايدة كانت زي السعرانة، بدأت تجر زينب من طرحتها وشعرها بـ كل عافيتها وتجرجرها في الصالة لـ حد باب الشقة، ومحمد واقف يتفرج ولا اتهزت فيه شعرة. زينب كانت بتقاوم بـ كل ما أوتيت من قوة، بتتشبث بـ الكراسي، بـ الحيطة، ودموعها نازلة من القهر والتعب اللي هد حيلها.
فتحت عايدة باب الشقة بـ إيدها التانية، وبـ دفعة قوية مليانة حقد، حدفت زينب برا على السلم، وزقتها لورا لدرجة إن زينب وقعت على ركبها وإيدها على البلاط الساقع، والتراب ملى فستانها، وطرحتها اتملخت في إيد عايدة وشعرها بقى متبهدل.
وقفت عايدة على عتبة الباب، وبصت لزينب اللي مرمية على الأرض بـ استعلاء ولؤم شديد.. عايدة كانت مقتنعة في دماغها المريضة إن الحركة دي هي اللي تكسر عين البنت، وتخليها تخاف من الليل وضلمة السلم وترجع زاحفة على ركبها، تبوس رجليها ورجل ابنها عشان يدخلوها الشقة وتنفذ كل اللي عايزينه.
سندت عايدة على الباب وقالت بـ صوت مليان تهديد وثقة عمياء:
ـ باتى  بقى على السلم زي الكلبة كدة! وريني هتروحي فين في نصاص الليالي يا مقطوعة من شجرة! م لكيش غيرنا يلمك من الشوارع.. قدامك خمس دقائق، يا إما تدخلي وتبوسي جزمة ابني وتغسلي الشقة دي بـ دموع عينيكي، يا إما قسماً بالله هسيبك لـ برد الليل وكلاب السكك تتفرج عليكي، والصبح الفضيحة هتبقى بـ جلاجل وسط الجيران!
رزعت عايدة الباب بـ كل قوتها في وش زينب، وسابتها في ضلمة السلم وبرد الليل، وهي مأمنة تماماً إن البنت هتترعب وتخاف هتيجي تخبط على الباب وتترجاها تفتح بعد دقيقة واحدة.
تفتكروا زينب هتعمل ايه ؟؟؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
وقفت زينب على السلم، جسمها بيترعش من البرد والوجع، وفستان الفرح الأبيض اللي كان المفروض يبقى رمز لبداية حياتها، بقى متبهدل ومطين من تراب السلم. كانت واقفة مكسورة، بس جواها نار قايدة.. نار كرامة مفيش قوة في الدنيا تقدر تطفّيها.
بصت لباب الشقة المقفول في وشها، وسمعت صوت ضحك عايدة المكتوم وصوت محمد وهو بيزعق وبيتحكم، فضلوا مستنيين دقيقة.. اتنين.. تلاتة.. كانوا متخيلين إنها هترجع تزحف وتخبط عليهم.
لكن زينب، اللي حست إنها ماتت جوه وهي لسه عايشة، أخدت قرارها. مسحت دموعها اللي نشفت على خدها بظهر إيدها، ورفعت راسها لفوق بـ إصرار. هي عارفة إنها لو رجعت، هتعيش "خدامة" وهتموت بالبطيء، يبقى ليه الخوف؟ والشارع أحسن ألف مرة من ذل ناس باعت ضميرها.
بدأت تنزل درجات السلم ببطء، وجع جسمها بيزيد مع كل خطوة، وفستانها بيمسح  السلم
خرجت لباب العمارة، وبصت للشارع الضلمة اللي كانت بتخاف منه، حست إنها تايهة.. لا فلوس، لا موبايل، لا مكان تروح له.. بس فجأة، لمعت في دماغها فكرة
افتكرت "مدام منى"، جارتهم اللي في الدور التاني، الست الطيبة اللي كانت دايماً بتبتسم في وشها لما كانت بتيجي تفرش الشقة، والست اللي كانت دايمًا بتقول لزينب: "يا بنتي لو احتاجتي أي حاجة، أنا جنبك".
طلعت تاني بخطوات تقيلة، ووقفت قدام شقة مدام منى. إيدها كانت بتترعش وهي بتخبط.. خبطات خفيفة ومترددة.
فتحت مدام منى الباب وهي لابسة روب النوم، وشها اتغير تماماً أول ما شافت "العروسة" بالمنظر ده.. فستان مقطع، وش محتقن بالضرب، وعين مليانة دموع وقهر.
اتخضت الست وشهقت:
ـ يا ساتر يا رب! زينب؟ يا بنتي في إيه؟ إيه اللي حصل؟ وليه لابسة كدة؟
زينب مقدرتش تتكلم من شهقاتها، بس قدرت تطلع صوتها بالعافية وهي بتقول:
ـ طنط منى.. بالله عليكي.. محتاجة موبايلك.. أرجوكِ، مكالمة واحدة بس.
دخلتها مدام منى بسرعة وقفلت الباب وراها وهي بتسألها بلهفة وقلق:
ـ ادخلي يا بنتي، ادخلي يا حبيبتي، مين اللي عمل فيكي كدة؟ ده إحنا لسه سامعين صوت زعيق.. ده محمد؟
زينب مكنتش سامعة كلمة، كل اللي كان شاغل بالها هو الموبايل. مدت إيدها التانية بلهفة، وأخدت التليفون. كتبت الرقم اللي محفور في ذاكرتها.. رقم "ماما حنان". إيدها كانت بترتعش لدرجة إنها كانت  هتوقع التليفون من اديها 
رنت الرنة الأولى.. التانية.. التالتة.. وكل رنة كانت بتعدي عليها بـ سنة. وفجأة، رد صوت ماما حنان بصوت فيه قلق وخضة:
ـ ألو؟ مين معايا 
زينب أول ما سمعت صوت حنان، مقدرتش تسيطر على نفسها، انفجرت في العياط، وقالت بـ صوت مبحوح ومكسور:
ـ ماما حنان.. أنا زينب.. تعالي خدي بنتك من هنا قبل ما أموت!
صوت حنان في التليفون كان فيه رعب وصدمة وخوف . اول ما سمعت صوت زينب المنهار 
ـ "زينب؟ بنتي؟ إيه اللي بتقوليه ده؟ مين اللي عمل فيكي كده؟ ردي عليا يا زينب، إيه اللي حصل في ليلة فرحك؟"
زينب كانت بتشهق بصوت مسموع، ومش قادرة توصف لها حجم الذل اللي شافته، غير إنها كررت جملة واحدة بوجع:
ـ "تعالي يا ماما.. أنا في الشارع.. محمد وأمه طردوني.. مش عايزة أرجع.. أرجوكي تعالي."
الضغط النفسي في العربية بقى لا يُطاق، وحنان أعصابها بدأت تنهار مع كل متر بتبعده عن زينب. بصت للسواق بلهفة ورجاء، وصوتها بيترعش من القهر:
ـ "يا ابني بالله عليك، مفيش يوتيرن؟ أي فتحة نلف منها؟ البنت بتموت مني هناك، أرجوك شوف أي طريق!"
السواق بص للمراية بأسف، ووشه كان باين عليه الحيرة والتركيز، رد بصوت هادي ومحبط:
ـ "يا ست حنان والله مافيش! الطريق ده مقفول بحواجز خرسانية لمسافة طويلة عشان التصليحات، مفيش أي يوتيرن قدامنا غير بعد محطة التحصيل اللي جاية، وده لسه قدامنا وقت طويل."
حنان خبطت على إيدها بقهوة، وحست إن الدنيا بتضيق أكتر. السواد اللي في عينيها زاد، وهي لسه محبوسة في الطريق، كأن الزمن بيعاندها. بصت للساعة، الوقت بيجري
العربية ماشية في طريق السفر الضلمة، ومن جوه العربية الهدوء كان مريب. البنات، اللي كانوا لسه مأثر فيهم تعب اليوم والارتباك، بدأوا يفوقوا تدريجياً. حنان كانت قاعدة جمب السواق ، عينيها مثبتة على الطريق المظلم، وبتفرك فى اديها عشان تداري الرجفة اللي في جسمها.
واحدة من البنات اللي معاها بدأت تفرك في عينيها وبصت لحنان بقلق:
ـ "يا طنط حنان، إحنا لسه بعيد؟ أنا حاسة إني قلقانة ومش عارفة ليه، قلبي مقبوض من ساعة ما ركبنا."
التانية بصت لحنان ولاحظت شحوب وشها، وسألت بخوف:
ـ "طنط.. مالك؟ وشك مخطوف خالص، في حاجة حصلت؟ حد اتصل بيكي؟"
حنان اتجمدت مكانها، حاولت ترسم ابتسامة باهتة وهي بتداري وجع قلبها، وبصت لهم بصوت حاول يكون طبيعي:
ـ "لا يا حبايبي.. مفيش حاجة، ده بس تعب السفر وقلة النوم. ناموا أنتم وارتاحوا، الطريق لسه طويل."
بس ملامح حنان كانت بتفضحها؛ عينيها كانت بتلمع بدموع محبوسة، وإيدها اللي كانت ماسكة الموبايل بتترعش بشكل لا إرادي. السواق بص في المراية وقال بجدية:
ـ "يا ست حنان، أنا بجد محتار، الطريق كله حواجز ومافيش يوتيرن يرجعنا، لو لفيت عكس الطريق هتبقى مخاطرة كبيرة."
حنان خلاص، الصبر خلص ومعدش فيه مكان للهدوء. قلبها كان بيتقطع على زينب اللي سابتها لوحدها في مواجهة الوحوش. طلعت الموبايل بسرعة، واتصلت بزينب مرة أخيرة عشان تتطمن، ولما سمعت صوتها المكسور وعرفت إنها لسه عند الجارة، قفلت وهي بتمسح دموعها اللي غلبتها.
بسرعة البرق، وبإيد بترتعش، دورت في الأسماء وطلبت رقم "رحيم".
الرقم رن مره واتنين وتلاته لحد ما رحيم رد بصوت نعسان 
ـ "ألو.. يا ست حنان؟ خير، في حاجة حصلت؟
حنان مقدرتش تسيطر على أعصابها، وانفجرت في البكاء وهي بتقول بنبرة مكسورة:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ـ "رحيم.. الحقني.. الحق زينب! محمد وأمه طردوها في الشارع، والبت لوحدها ومبهدلة عند جارتها، وأنا في طريق السفر والسواق بيقول مفيش يوتيرن وأنا مكتوفة الإيدين.. يا رحيم البنت ضاعت مني، أمانة عليك تروح لها، متخليش حد يقرب منها لحد ما أوصل!"
ـ "بتقولي إيه؟ طردوها؟ ليلة فرحها؟! اسمعيني يا ست حنان، انسي كل حاجة، اقفلي دلوقتي، وزينب في رقبتي لحد ما أوصل."
قفل رحيم المكالمة، وحنان حست إن فيه جبل انزاح عن صدرها، بس الخوف على اللي ممكن يعمله رحيم كان لسه موجود. البنات في العربية بقوا باصين لها بصمت مريب، مستنيين يفهموا إيه اللي حصل، وحنان مش قادرة تنطق بكلمة، بس نظرتها كانت بتقول إن اللي جاي مش عادي.
قفل رحيم مع حنان واتصل على السواق والرجل اللى بعته قبل كده عشان يسال عن محمد فى المنطقة اللى ساكن فيها وطلب منهم يقابلهم عشان يوصلوه وفعلا خلال ربع ساعه قابلهم واخدوه عند البيت وبعدها اتصل رحيم بحنان عشان يطمنها وياخد منها رقم جارتهم اللى زينب قاعده عندهم 
ردت حنان بسرعة وهي بتلهث من القلق:
ـ "ألو.. يا رحيم؟ عملت إيه؟ طمني يا ابني!"
رحيم رد بنبرة تقيلة ومطمنة:
ـ "اطمني يا ست حنان، أنا وصلت العمارة ومعايا الرجالة.. اديني رقم الجارة اللي زينب قاعدة عندها دلوقتي، عشان أطلع أجيبها
حنان، وهي بتتنفس الصعداء وبتحاول تسيطر على رجفة إيدها، أدته الرقم. رحيم سجل الرقم ، وقفل معاها، ووقف قدام العمارة بيبص للدور اللي فيه الأنوار منورة، وعيونه كانت بتبرق بوعيد شديد للبيت اللي فوق.
طلع رحيم على السلم هو ورجالته، خطواتهم كانت تقيلة ومسموعة في العمارة كلها، زي دقات طبول الحرب. وصل قدام شقة الجارة، وضرب خبطتين تقال على الباب. مدام منى فتحت وبصت وراها لزينب اللي كانت قاعدة بتترعش، وبمجرد ما شافت رحيم وهيبته ورجالته وراه، فهمت إنه ده رحبم  اللي حنان كانت بتكلمه عنه.
رحيم بصلها بصه كلها طمأنة وقال بصوت واطي ومحترم:
ـ "يا مدام ، أنا رحيم.. جيت عشان آخد زينب وارجعها بيتها 
زينب قامت بضعف وهي ماسكة في طرف طرحتها المتبهدلة، عيونها كانت مليانة دموع، 
. رحيم ما اتكلمش كتير، بس إشار لرجاله يسبقوه، وخد زينب بوقار، نزل بيها من العمارة من غير ما يبص حتى ناحية باب شقة محمد، وكأن محمد وأمه مش موجودين أصلاً في حساباته دلوقتي.
ركبها ، وبعد ما اتطمن إنها بخير، طلع تليفونه واتصل بحنان.
حنان ردت في أول رنة، صوتها كان ميت من الرعب:
ـ "رحيم؟! زينب؟ طمني يا ابني، حصل إيه؟"
رحيم اتكلم بصوت هادي ورزين يطمنها:
ـ "اهدي يا ست حنان.. زينب معايا في العربية وفي أمان، ولا شعرة منها اتأذت. ارجعي أنتِ مع البنات للدار، وبكرة لما الأمور تهدى لينا كلام تاني ونشوف هنعمل إيه. ارتاحي يا ست حنان، بنتك في عينيا."
قفل رحيم المكالمة، وبص لزينب اللي كانت ساندة راسها على إزاز العربية وبتنهج من القهر والوجع. العربيات بدأت تتحرك بيهم بهدوء في شوارع الفجر الهادية، بعيداً عن كابوس بيت محمد.
السكون كان هو اللي مسيطر  في العربية، مفيش غير صوت أنفاس زينب اللي بدأت تهدى شوية بشوية، كأن جسمها بدأ يصدق إنها خلاص بعدت عن كابوس ليلة الفرح. رحيم كان بيسوق بهدوء، عينيه مركزة في الطريق، بس كل شوية يبص في المراية، نظراته كانت خليط بين غضب مكتوم من اللي حصل للبنت، ومسؤولية كبيرة حس إنها بقت في رقبته.
مع الوقت، التعب والإرهاق النفسي بدأوا ياكلوا في زينب، وعنيها اللي ورمت من العياط تقلت، ومقدرتش تقاوم.. استسلمت للنوم من كتر الوجع. العربية فضلت ماشية لحد ما بدأت تظهر قدامهم أسوار القصر العالي.
ركن رحيم العربية قدام بوابة القصر. بص لزينب اللي كانت غرقانة في النوم، ووشها رغم السكينة اللي فيه، لسه مرسوم عليه وجع الساعات اللي فاتت. مكنش عايز يصحّيها بفزع، فمال عليها بجسمه وبالراحة قال بصوت واطي ومطمن:
ـ "زينب.. يا زينب، اصحي .. وصلنا. اطمني، إحنا في أمان."
زينب فتحت عينيها ، بصت حواليها وهي تايهة ومصدومة، ولما استوعبت اللي حصل، جسمها اتشنج. رحيم حس بـ خوفها، وقالها بنبرة واثقة:
ـ "محدش في الدنيا يقدر يلمسك هنا. انزلي، القصر ده بيتك من اللحظة دي لحد ما نشوف هنعمل إيه."
نزلت زينب من العربية . الخدم كانوا مستنيين، والكل كان بيتعامل باحترام شديد حسب تعليمات رحيم. نادى رحيم على واحدة من الخدم اللي بيثق فيهم، وقالها بصوت فيه حزم وحنية:
ـ "خدي الأستاذة زينب لجناح الضيوف، جهزي لها لبس نضيف ومريح، وهاتي لها حاجة دافية تشربها، وتأكدي إنها تاخد راحتها تماماً.. وممنوع أي حد يزعجها."
زينب مشيت مع الخادمة، كانت ماشية بخطوات تقيلة، كأنها شايلة فوق كتافها حمل السنين. قبل ما تختفي من قدامه، بصت لرحيم اللي كان واقف بيراقبها وعنيه كلها حماية، ومقدرتش تنطق بكلمة، اكتفت بإيماءة شكر مكسورة.
دخلت الجناح، وبمجرد ما خلعت فستان الفرح اللي بقى شاهد على ذلها، حست إن جسمها خلاص بيفصل. لبست الهدوم اللي جابتها الخادمة، ورمت نفسها على السرير الكبير، وفي ثانية، غابت عن الدنيا ودخلت في نوم عميق، كانت محتاجة له عشان تهرب من الواقع اللي لسه مش قادرة تستوعبه.
أما رحيم، ففضل واقف في بلكونة جناحه، باصص للسما، إيده ورا ظهره، ودماغه بتغلي. مكنش بيفكر بس في إزاي يرجع لزينب حقها، 
وزينب دخلت اوضه الضيوف وغلبها النوم عن أى حاجة تانيه 
بس متعرفش إن القدر ليه رأى تانى 
ـ ياترى مصير زينب ايه فى قصر رحيم ؟؟
وهل زينب هتقبل بماصيرها وترحع الملجأ زى عزه ولا ليها رأى تانى 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
رحيم صحي بدري، زى عادته  أخد نفس طويل، وطلع تليفونه وطلب رقم حنان عشان يطمنها.
حنان ردت على طول، صوتها باين فيه إنها منمتش دقيقة:
ـ ألو.. إيوه يا رحيم بيه ؟ طمني، زينب عاملة إيه دلوقتي؟
رحيم رد بصوت هادي ومطمن:
ـ صباح الخير يا ست حنان. اهدي خالص، زينب  نايمة سبيها لما تصحى لوحدها . أنا كلمتك عشان أقولك متقلقيش واطمني عليها خالص.
حنان بتنهيدة ارتياح:
ـ الحمد لله رب العالمين.. ربنا يجبر بخاطرك يا ابني ويهدي سرك. أنا بالي مشغول ومش عارفة أعمل إيه.
رحيم كمل بجدية:
ـ أنا محتاج بس أقعد معاها الأول لما تصحى، وأتكلم معاها على روقان عشان أعرف كل اللي حصل بالتفاصيل من أوله لآخره، عشان لما أتحرك وأتصرف أبقى فاهم راسي من رجلي.
حنان:
ـ انا مش عايزه اتعبك اكتر من كده كفايه انى قلقوك امبارح.
رحيم:
ـ لا مافيش تعب ولا حاجه الموضوع بسيط بإذن الله ، ولما تخلص وتتحسن وتطلب ترجع تاني الدار، أنا هبعتلهالك فى  عربية مخصوص من عندي توصلها لحد عندك معززة مكرمة.
حنان حست إن جبل انزاح من على صدرها، وأعصابها بدأت تهدى وتطمن بعد كلامه:
ـ تسلم يا رحيم بيه. كتر خيرك، أنا كدة ارتحت.
ـ الشغل ده شغلي يا ست حنان، يلا اسيبك ترتاحي. سلام.
رحيم قفل مع حنان، وقعد في مكتبه. فتح اللاب توب وبدأ يتابع الإيميلات وشغل الشركات بتاعته، وعينه مركزة في الأرقام والتقارير، بس دماغه كانت لسه بتفكر في حكاية زينب واللي حصل معاها.
على الظهر كدة، زينب صحيت. فتحت عينيها وبصت حواليها وهي لسه بتحاول تستوعب المكان. قامت بتعب، وغسلت وشها.
في نفس الوقت، رحيم نادى على الشغالة وقالها بالحرف:
ـ جهزي فطار كويس للأستاذة زينب وطلّعيه ليها الجناح، وقوليلها لما تخلص فطار وترتاح، أنا مستنيها في المكتب عشان عايز أتكلم معاها.
الشغالة طلعت لزينب وفطرتها، وبلغتها بكلام رحيم بيه. زينب خلصت فطارها، ولمت نفسها، وطلعت من الجناح وهي متوترة، وراحت ناحية المكتب.. خبطت الباب، ورحيم قالها:
ـ ادخلي يا زينب.
دخلت زينب المكتب، عينيها في الأرض وإيدها بتفرك في طرف الطرحة، التوتر كان واضح على ملامحها.
رحيم كان قاعد ورا المكتب، عيونه مركزة عليها بحدة من غير كلام، شاور لها على الكرسي بإيده من غير ما يقطع سكوتة. وقبل ما زينب تنطق بكلمة، رحيم بص للشغالة اللي واقفة في زاوية المكتب وقال بصوت حازم:
ـ "اعملي لها عصير لمون..."
خرجت الشغالة وقفلت الباب وراها بهدوء، ليخيم على المكتب صمت تقيل ما يقطعهوش غير صوت عقارب الساعة اللي بيعلن إن الوقت فات.
رحيم اتعدل في قعدته، وشد الكرسي لقدام شوية، حط كوعه على المكتب، وشبك إيديه ببعض ببطء، وعيونه ما نزلتش من على زينب للحظة. نظراته كانت فاحصة، حازمة، وبتحاول تلمس الحقيقة اللي ورا وشها الشاحب.
زينب كانت واقفة زي التايهة، بتحاول تاخد نفسها وتتحكم في رفة جفنها، حست إن المكان ضيق عليها، وإن وجود رحيم بهيبته دي أصعب من أي شيطان واجهته امبارح.
رحيم بلهجة هادية بس حاده ، كسر السكوت:
ـ اقعدي يا زينب.. مافيش داعي للوقفة دي، أنا مش قاضي ولا محقق، أنا عايز أفهم الصورة كاملة عشان أعرف أحميكي.
زينب قعدت على طرف الكرسي، وإيدها بتعصر في بعضها، وشفايفها كانت بتترعش قبل ما تنطق.
رحيم مَالَ بجسمه ناحيتها أكتر، وكمل بنفس النبرة الجادة:
ـ اتكلمى .. أنا سامعك، ومن اللحظة اللي دخلتي فيها الشقه ، عايز أعرف كل تفصيلة، مهما كانت صغيرة أو شايفاها مش مهمة.. اتكلمي يا زينب، احكي لي اللي حصل بالتفصيل.
سكت رحيم، وساب مساحة لزينب عشان تبدأ تطلع اللي جواها، في حين عيونه كانت مستنية أي رد فعل، 
زينب بلعت ريقها بصعوبة، وخدت نفس طويل كأنه بيطلع من روحها المحبوسة، وبدأت تتكلم وصوتها بيتقطع:
ـ "يا رحيم بيه.. أنا رحت قبل الفرح بيومين، فرشت الشقة، وفرشت اوضه النوم والمطبخ ، وعملت أكل يكفي جيش، تعبت في كل ركن فيها عشان أبيض وشهم قدام الضيوف، وعشان أبدأ حياتي صح."
سكتت لحظة، دموعها بدأت تلمع في عينيها، وكملت بصوت مبحوح:
ـ "يوم الفرح.. دخلت الشقة اتصدمت من اللى شوفته. الأكل اللي عملته كله خلص، كأنهم كانوا عازمين نص البلد عليه، والشقة... الشقة كانت مقلوبة فوقاني تحتاني الشقه اللى فرشتها انا والبنات ، مفيش حتة نضيفة، حتى أوضة النوم ، لقيتها مبهدلة، الملايات مكركبه ومستخدمنها والفوط منعكشه والهدوم على الارض 
رحيم كان بيسمعها ووشه ثابت، زي الصخر، بس عيونه كانت بتلمع بغضب مكتوم. زينب مسحت دموعها بطرف طرحتها، وكملت بوجع:
ـ "حماتي دخلت عليا، ومن غير ما حتى تبارك لي، رمت في وشي فوطة وقالت لي 'قومي نضفي مكان الضيوف قبل ما تنامى  قلت لها يا خالتى أنا ميتة من التعب، ومن الطريق، والبيت كان زي الفل.. 
قالتلى الناس بهدلوا ودورك تلمى وراهم يعنى هنسيب الشقه كده 
زينب سكتت فجأة، شهقة خرجت منها غصب عنها، وبدأت تعيط بحرقة، كأن الذكرى دي سكاكين بتنهش في قلبها. رحيم فضل ساكت، مديها فرصة تطلع اللي جواها، بس ملامحه اتصلبت أكتر.
زينب بصت في الأرض، وقالت بصوت واطي ومكسور:
ـ "قالوا لي كلام... كلام يوجع يا رحيم بيه. قالوا لي 'إحنا جبناكي من الملجأ خدامة، لا ليكي أصل ولا فصل، يبقى تتعدلي وتسمعي الكلام من غير نقاش  ، وإلا الشارع أولى بيكي من بيتنا'."
ولما رفضت شدونى من الطرحه ورمونى على السلم 
خيم الصمت على المكتب تاني، بس المرة دي كان تقيل ومحمل بمرارة ما تتوصَفش. رحيم اتنهد تنهيدة طويلة، وفك تشبيكة إيديه، وبص لزينب وقالها بهدوء 
ـ أهدى يا زينب وحقك هيجيلك اجبلك عربيه دلوقتي ترجعك الملجأ وانا 
لسه هيكمل كلامه زينب قاطعته
رحيم سحب منديل من علبة المناديل اللي على المكتب وناولهولها بهدوء، صوته كان أهدى بكتير من الأول، فيه نبرة حماية واضحة:
ـ "أهدي يا زينب، امسحي دموعك دي.. حقك هيجيلك، وأنا مش هسيب حد يغلط فيكي ولا يكسر خاطرك. أنا مجهزلك عربية دلوقتي هترجعك الملجأ بتاعك، وهناك ارتاحي وأنا هعرف أتصرف مع الناس دي."
قبل ما رحيم يكمل باقي كلامه عن الترتيبات، زينب فجأة رفعت راسها، وعينيها اللي كانت غرقانة دموع لمعت برفض قاطع، قاطعته وهي بتنفض إيدها بحركة عصبية:
ـ "لا.. مش هرجع الملجأ يا رحيم بيه."
رحيم استغرب رد فعلها، ورفع حاجبه باستفهام:
ـ "ليه يا زينب؟ ده المكان اللي انتى عيشتى عمرك فيه  .
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
زينب سكتت للحظة، شريط ذكريات سريع عدّى قدام عينيها.. افتكرت "عزة"، صاحبتها اللي رجعت الملجأ  وهي مكسورة ومنهارة، وإزاي الناس هناك بقت تبصلها بشفقة مسمومة، وكلام الناس اللي مبيخلصش:  
ياترى لو انا رجعت تانى يوم جواز الناس هتقول "يا ترى فيها إيه؟ يا ترى عملت إيه عشان تترمي تاني يوم جواز؟".
هزت راسها بعنف وهي بتنفي الفكرة، ودموعها زادت وهي بتبص لرحيم  بوجع:
ـ "مش عايزة أرجع أكون زي عزة.. مش عايزة أرجع والناس تبص لي بشفقة وتقول 'رجعت الملجأ تاني يوم جوازها ياترى فيها ايه ووقتها الكلام هيطول باقى البنات ويشككوا فى اخلاقهم '. مش عايزة أرجع أعيش في حيطة سد، أنا عايزة أعيش، عايزة أشتغل، عايزة أثبت لنفسي وللدنيا كلها إني ليّ قيمة.. لو رجعت هناك، هبقى قضيت على نفسي بيدي، والناس مش هترحمني بلسانها."
زينب قامت وقفت بضعف، بس كان فيه إصرار في وقفتها، وكملت بصوت واطي:
ـ "أنا مش عايزه اسمع كلمه معيوبه اللى ممكن تتقال لما ارجع وانى ممكن اشبهه بنات الدار .
ـ بس انتى ماعملتيش حاجه 
ـ إحنا عايشين فى فلاحين يعنى الناس فى حياتك اكتر منك ومش هيصدقوا يمكن عندكم هنا عادى انما هناك لا 
رحيم اتسند بضهره على الكرسي، وربّع إيديه وهو بيراقبها بنظرة تقدير ممزوجة بحيرة. ملامحه اللي كانت حادة بدأت تلين، وبان عليه إنه بدأ يحترم قوتها اللي ظهرت فجأة وسط انكسارها.
زينب مسحت عيونها بطرف صوابعها، وكملت كلامها بلهجة فيها رجاء وإصرار:
ـ "أنا عارفة ومقدرة جداً موقفك يا رحيم بيه، وعارفة إن قعدتي هنا لا تجوز ولا تنفع.. لا أنت ينفع تفضل مستضيفني، ولا أنا ينفع أقبل ده. بس أنا بطلب منك خدمة واحدة، مش عايزة مساعدة مادية، أنا عايزة 'طريق'.. ممكن تخلي حد من رجالتك يشوف لي أوضة صغيرة، أي مكان أستر فيه نفسي؟"
أخدت نفس عميق وتابعت:
ـ "ممكن أشتغل في حضانة، عيادة، أي مكان.. أنا متعلمة وشاطرة وهعرف أثبت نفسي. كل اللي محتاجاه منك بس إنك تأمن لي بداية، وأنا هكمل.. مش عايزة أرجع الملجأ تاني، مش عايزة أدخله إلا وأنا ناجحة وواقفة على رجلي، عشان لما حد يسألني 'إيه اللي حصل؟'، أقدر أرفع راسي وأقولهم أنا اللي مشيت لأني كنت أستاهل حياة أحسن من اللي كانوا راسمينهالي."
رحيم سكت ثواني طويلة، كان بيدرس ملامحها المرة دي بنظرة مختلفة، نظرة حد بيحط خطة مش مجرد بيسمع شكوى. نزل إيده من على المكتب، وبص لها بجدية وقال:
ـ "يعني إنتي واخدة قرارك؟ وعارفة إن الدنيا بره دي ذئاب، ومحدش بيرحم حد؟"
زينب هزت راسها بـ "أيوة" قاطعة، وصوتها طلع بثبات لأول مرة:
ـ "الذئاب اللي بره أرحم بكتير من اللي بيكسروا فيك وأنت جوه بيتك.. أنا مستعدة لأي حاجة يا رحيم بيه، بس المهم.. إني أخرج من هنا على حياة تانية، مش على ذكريات توجعني."
رحيم قام من مكانه ولف وشه ناحية الشباك، بص للشارع شوية، وبعدين رجع بص لزينب وقال بصوت حازم:
ـ "تمام يا زينب.. بما إنك اخترتي طريقك، فـ أنا مش هقف في طريقك
رحيم سكت، وبدأ يفرك دقنه بإيده وهو بيفكر في "زينب" وفي ابنه اللي محتاج حد أمين يتابع مذاكرته وياخد باله منه في غيابه. الفكرة لاحت في عقله، وبص لزينب بتركيز، كأنه بيوزن كلامه قبل ما ينطقه:
ـ "بصي يا زينب، أنا عندي فكرة.. مؤقتة لحد ما الأمور تتظبط. ابني محتاج حد متابع معاه المذاكرة، حد أمين ياخد باله منه ويكون موجود في البيت، وشغلة زي دي في البيت عندي أضمن ليكي من أي مكان تاني دلوقتي، وأهو منها تشتغلي ومنها تبعدي عن وش الناس."
زينب بَصتله باهتمام، فكمل هو بشرح عملي:
ـ "في ملحق ورا الفيلا، ده مكان مخصص للي بيشتغلوا هنا، هجهزهولك وأفرشهولك بحيث يكون ليكي خصوصيتك التامة، لا حد يضايقك ولا حد يعرفك. تشتغلي 'دادة' ومربية لابني، لحد ما ألاقي لك الفرصة المناسبة بره، وتكوني وقفتي على رجلك."
زينب حست ببارقة أمل، الفكرة كانت طوق نجاة، مكان أمان وشغل في نفس الوقت، بعيد عن أعين الناس وكلامهم. ردت عليه بصوت فيه رجاء:
ـ "موافقة يا رحيم بيه، وكتر خيرك إنك فكرت فيا.. بس عندي طلب صغير، خايفة على 'ماما حنان'. هتقلق عليا وممكن ترفض ، ومش عايزة أقلقها أو تفتكر إني رميت نفسي في التهلكة."
سكتت لحظة، وعيونها اتملت دمعة تانية، بس المرة دي دمعة خوف عليها مش على نفسها:
ـ "لو ممكن.. تساعدني وتقنعها؟ فهمها إني بخير، وإني بشتغل وببني مستقبلي، وإن ده قراري عشان أعيش بكرامة. هي لو سمعت منك، هتطمن  ، وأنا واثقة في حضرتك."
رحيم هز راسه بالموافقة، ونظراته كانت بتوحي إنه قَبِل المهمة:
ـ "متقلقيش من دي.. هعرف أطمنها كويس، وهخليها هي اللي تدعي لك لما تشوفك ناجحة. اعتبري الموضوع منتهي، جهزي نفسك، والنهاردة هبعت حد يوضب لك الملحق."
ملامح زينب اتغيرت تماماً؛ النظرة المنكسرة اتحولت لبريق أمل، وابتسامة خجولة بدأت ترسم طريقها على وشها لأول مرة من وقت ما دخلت البيت.
رحيم لاحظ التحول ده، ملامحه لانت أكتر، وابتسم ابتسامة خفيفة وهو بيقوم من مكانه:
ـ "خلاص اتفقنا.. اعتبري دي صفحة جديدة."
دق على الجرس اللي جنبه، ودخل الخادم. رحيم أمره :
ـ "بلغ 'ياسين ' يجيلي المكتب انا مستنيه
دقايق ودخل ولد صغير، عيونه ذكية بس باين عليه إنه زهقان من الروتين. رحيم شاورله يقرب، وقال لزينب 
ـ "زينب.. ده ياسين، ابني. ياسين، دي زينب، هي اللي هتهتم بيك وتساعدك في دروسك من هنا ورايح."
ياسين بص لزينب بفضول طفولي، وزينب نزلت لمستواه وابتسمت له بصدق، فالولد اطمن لها وبدأ يشدها من إيدها بحماس:
ـ "تعالي يا  زينب، أنا عندي ألعاب كتير فوق، بس مفيش حد بيلعب معايا.. بابا دايماً مشغول!"
رحيم بص لهم وهما خارجين، وضحكة خفيفة هربت منه وهو بيشوف زينب بتتحرك مع ياسين بتلقائية.
في أوضة الألعاب، الدنيا كانت عالم تاني. زينب وقفت مبهورة؛ الرفوف مليانة ألعاب حديثة، عربيات بتتحكم بالريموت، بازل، ومكعبات. ملامحها اتغيرت وبقت زي طفلة شافت الجنة لأول مرة، نسيت كل الهموم اللي حكت عنها من دقايق.
قعدت على الأرض مع ياسين، بدأت تمسك الألعاب وتجربها بضحكة طالعة من القلب، وعيونها بتلمع ببهجة حقيقية. مالك كان فرحان جداً إن لقى حد يشاركه لعبه، وزينب لقت في اللحظة دي مهرب من وجعها، كأنها بتسترد طفولتها اللي اتسرقت منها في دوامة المشاكل.
رحيم كان واقف عند باب الأوضة، بيراقب المشهد بصمت، 
سابهم ودخل الاوضه بتاعته واتصل بحنان 
ياترى حنان هتوافق على الوضع ده ؟؟رحيم مسك موبايله، وطلب رقم حنان. استنى ثواني، ولما سمع صوتها الملهوف في الناحية التانية، اتكلم بنبرة واثقة ومطمئنة:
ـ ألو، يا ست حنان إزاي حالك النهاردة؟
ـ رحيم بيه! والله يا ابني قلبي واكلني على زينب، مش عارفة نامت ولا لأ، ولا كلت حاجة ولا لأ.. طمني بالله عليك، هي لسه عندك؟
رحيم اتنهد ، وبدأ يرسم كلامه عشان يهديها ويقنعها في نفس الوقت:
ـ يا ست حنان، زينب بخير، وزي الفل.. وأنا كنت بكلمك عشان أقولك إننا قعدنا سوا واتكلمنا، وزينب طلعت إنسانة عاقلة جداً وعندها طموح إنها تبني نفسها بعيد عن أي وجع قلب. هي مش عايزة ترجع البلد دلوقتي، ومش عايزة ترجع الملجأ، وقررت إنها تبدأ حياة جديدة، وأنا الحقيقة لقيت عندها إصرار يخليني أساعدها.
حنان بخوف وتردد:
ـ يعني إيه يا رحيم بيه؟ طب هتروح فين؟ وأنا هطمن عليها إزاي وهي بعيدة عني؟
رحيم كمل بهدوء:
ـ هي هتكون في أمان، في مكان تبعي ومحمي، وهتشتغل هنا في الفيلا، مسؤولة عن ابني "ياسين" ومذاكرته. يعني هتكون في بيتي، قدام عيني، وفي مكان مجهز ومحترم. لا حد هيقدر يضايقها، ولا حد هيعرف يوصلها، وهتكون بتعتمد على نفسها  . أنا مش بطلب منك غير إنك تديها فرصه وأوعدك إني هكون بمقام أخوها الكبير، ومحدش هيقدر يمس شعرة منها.
سكتت حنان لحظة، كان واضح إنها بتفكر في كلامه، وبعدين قالت بصوت مخنوق:
ـ يعني هي اللي اختارت كدة يا رحيم بيه؟
ـ أيوة يا ست حنان، ده قرارها.. وهي شافت إن ده الطريق الوحيد اللي يحفظ كرامتها، وأنا شايف إنها فعلاً ذكية ومحتاجة فرصة. وافقي يا ست حنان عشان خاطرها، عشان هي محتاجة دعمك وتشجيعك مش قلقك عليها.
حنان اتنهدت تنهيدة طويلة:
ـ ربنا يبارك فيك ويجعله في ميزان حسناتك.. خلاص يا رحيم بيه، أنا تحت أمرك، .. بس أمانة عليك، خلى بالك منها. وخليها تكلمنى تطمنى عليها 
ـ حاضر هبعتلها تليفون واخليكى تكلميها براحتك 
قفل رحيم المكالمة، وحس براحة إنه قدر يسيطر على الموقف. بس في نفس الوقت، كان في باله ألف فكرة وفكرة للي جاي
في الوقت ده، زينب كانت لسه قاعدة مع ياسين في أوضة الألعاب، بس فجأة دخلت عليها الشغاله   كان في إيدها ظرف كبير وشنطة صغيرة فيها شوية حاجات شخصية.
الشغاله  بصت لزينب بجدية:
ـ أستاذة زينب، رحيم بيه أمرني أجهز الملحق اللي ورا الفيلا، وده مفتاح الأوضة، ودي شوية حاجات أساسية طلبتها ليكي عشان تستقري. الملحق منفصل تماماً، وفيه كل اللي تحتاجيه.
زينب وقفت، وأخدت منها الحاجات بإمتنان:
ـ متشكرة جداً  .
ـ رحيم بيه مهتم جداً إنك تكوني مرتاحة، 
ـ أنا عارفة، ومستعدة لكل حاجة.
بعد ما الشغاله  خرجت ، زينب بدأت تلم حاجاتها وتطلع للملحق. دخلت المكان، كان بسيط بس نضيف جداً ومريح. قعدت على السرير، وبصت للسقف وهي بتفكر في اللي فات واللي جاي. هي فعلاً خدت طريقها، بس السؤال اللي كان شاغلها  هل فعلاً رحيم هيقدر يحميها من محمد  وهتقدر تجيب حقها وهل هى عايزه تكمل مع محمد ولا خلاص كده 
زينب قعدت على السرير، الملحق كان هادي بشكل مريب، صوت نبضات قلبها كان أعلى من أي صوت تاني. بدأت تفتش في الشنطة اللي بعتهالها رحيم، لقت موبايل جديد وشريحة، فتحته وبدأت تتأمل الشاشة، وكأنها بتفكر في "محمد".
الاسم ده لوحده كان بيخلي جسمها يقشعر. افتكرت "محمد" وهو بيقولها ببرود: "إحنا جبناكي من الملجأ خدامة". الكلمة دي لسه بترن في ودانها زي جرس إنذار. هل هي عايزة تكمل معاه؟ هل كان فيه ذرة حب أصلاً؟ ولا كانت مخدوعة في صورة وهمية رسمتها لنفسها عن "بيت" و"عيلة"؟
وفجأة الموبايل الجديد اللي رحيم سابهولها بدأ يرن. زينب اتوترت في البداية، وبصت للشاشة لقيت اسم رحيم  
ردت بسرعة وهي بتحاول تضبط نبرة صوتها:
ـ ألو.. أيوه يا رحيم بيه؟
صوت رحيم جه هادي ومطمئن من الناحية التانية:
ـ أيوة يا زينب.. يا رب تكوني ارتحتي شوية في مكانك الجديد. أنا كنت بكلمك عشان أقولك إني وفرتلك التليفون ده ، تقدري دلوقتي تكلمي ست حنان وتطمنيها عليكي براحتك وماتقلقيش انا كلمتها وهى وافقت على طلبك . هى عايزه تطمن عليكى عشان  بالها مشغول عليكي، فخليها تسمع صوتك عشان تهدا.
زينب حسّت بدموع الفرحة في عينيها، صوت رحيم كان فيه حنية الأب والأخ اللي عمرها ما حستها. 
ـ ربنا يخليك  يا رحيم بيه.. بجد مش عارفة أقولك إيه، ده أحسن خبر سمعته النهاردة.
رحيم كمل بنبرة واثقة:
ـ ما تقوليش حاجة، ده واجبي. خدي وقتك في الكلام معاها، ولو احتاجتي أي حاجة تانية، تليفوني معاكي، أنا موجود.
قفل رحيم، وزينب فوراً طلبت رقم حنان. الرنة ما كملتش، وحنان ردت بصوت ملهوف:
ـ ألو؟ مين؟
زينب بصوت مخنوق من التأثر:
ـ أنا يا ماما.. أنا زينب.
صرخة فرحة مكتومة طلعت من حنان:
ـ زينب! يا بنتي.. يا حبيبة قلبي، طمنيني عليكي؟ إنتي فين؟ عملوا فيكي إيه؟
زينب بدأت تحكيلها بهدوء عن مكانها الجديد، وعن رحيم اللي وقف جنبها وحماها، وعن "ياسين " الصغير اللي بدأت تحبه. حنان، وهي بتسمعها، حست إن الحمل اللي كان على قلبها بدأ ينزاح.
بعد المكالمة، زينب قعدت على السرير، وبصت للسقف وهي حاسة بنوع جديد من الأمان. لأول مرة، مكنتش خايفة من المجهول، بالعكس، حست إن رحيم فتح لها باب مش بس للسكن، ده باب للحياة من جديد.
لكن، في وسط هدوئها ده، هل يا ترى "محمد" هيسكت؟ وهل وجود زينب في بيت رحيم هيفضل سر، ولا الأخطبوط هيبدأ يحرك دراعاته عشان يوصل لها من تاني؟
رحيم كان بيتحرك بهدوء "الأخطبوط" الحقيقي؛ ما بيسيبش خيط إلا لما يمسك أوله وآخره. بعد ما اطمأن إن زينب بقت في مكانها الآمن وبدأت تطمن حنان، قعد في مكتبه، اللاب توب قدامه مفتوح، وشاشة المكتب مليانة ملفات وتقارير طبية.
خالد، ذراعه اليمين، كان واقف قدامه وبيديله التقرير النهائي اللي جابه من "المستشفى" اللي كان بيتعالج فيها محمد بعد الحادثة اللي حصلتله قبل الجواز بفترة:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ـ "كل حاجة موثقة يا رحيم بيه. التقارير الطبية، وحتى التشخيص النفسي والبدني. محمد فعلاً كان بيعاني من إصابات بالغة أثرت عليه بشكل كامل، والتقارير بتأكد إنه في وضعه الحالي لا يصلح للزواج أو الإنجاب."
رحيم بص للتقرير ببرود، ملامحه ما اتغيرتش، بس عينيه كانت بتلمع بنظرة انتصار حازم. مسك موبايله، وفتح رقم محمد، وبدأ يكتب الرسالة اللي هتقلب حياة محمد رأساً على عقب.
ما كتبش كتير، كان عارف إن "الضربة" لما تكون في الصميم، مش محتاجة مقدمات. أرفق صور التحاليل والتقارير الطبية الموثقة بختم المستشفى، وكتب تحتها رسالة واحدة بس:
"الستر اللي ربنا ستره عليك، إنت اللي خسرته لما فكرت تمد إيدك على واحدة مالهاش ضهر.. دي تقاريرك الطبية يا محمد، اللي بتثبت إنك 'لا تصلح للزواج' من قبل ما تتجوز زينب او تخطبها . فكر كويس.. لو الناس في شارعكم  عرفوا الحقيقة دي، وعرفوا إن ظلمك للبنت كان مجرد غطاء على عجزك، تفتكر شكلك هيكون ايه ؟ ومين اللي سيرته هتبقى على كل لسان؟ فكر قبل ما تتحرك، لأن المرة دي، 'انا اللى هقفلك 
رحيم ضغط على زر الإرسال، ورمى الموبايل على المكتب. قام وقف وبص من إزاز المكتب الكبير، كان بيتخيل حالة الرعب اللي هتصيب محمد لما يشوف الرسالة دي.
في الناحية التانية، محمد كان قاعد مع أمه، التليفون ادى اشعار ، وبمجرد ما عينيه وقعت على الصور والكلمات، وشه اتخطف وبقى أبيض زي الميت. إيده بدأت ترتعش والموبايل وقع منه، ونظرة الخوف اللي في عينيه كانت بتقول كل حاجة. امه بصتله باستغراب:
ـ "في إيه يا محمد؟ مالك يا ابني؟"
محمد ما عرفش ينطق، كان حاسس إن الأرض بتتشق تحت رجله. كان عارف إن لو الخبر ده اتسرب، حياته انتهت كان واقف بيتخيل نظرات الناس  وهمسهم عليه، وسمعته اللي كان بيحاول يداريها بـ "التجبر" على زينب، هتتداس بالأقدام.
رحيم في مكتبه، كان واثق إن محمد دلوقتي بيفكر في ألف طريقة عشان يداري على الفضيحة دي، والأكيد إنه مش هيجرؤ يفتح بقه بسيرة زينب تاني، ولا حتى هيجرؤ يقرب من طريقها.
محمد مسك التليفون وبعت لرحيم رساله 
ـ أنت مين وعايز ايه
؟ اطلب اللي إنت عايزه، بس الكلام ده يفضل بيننا، محدش يعرف عنه حاجة أبداً."
رحيم ابتسم ابتسامة صفرا، وبدأ يكتب الرد ببرود تام: "اللي عايزه واضح ومحدد.. ورقة طلاقها توصل لعنوان الملجأ النهاردة قبل بكرة. إنت عارف كويس إنت مين ووضعك إيه، وزينب ما تستاهلش تدفع تمن ظروفك دي ده غير تحكمات امك فيها . طلقها، واستر على نفسك، واعتبر إن اللي حصل يوم الفرح ده غلطة ومسحتها من الوجود.. غير كدة، التقارير دي هتكون في إيد كل حد فى الشارع ، ووقتها لا أنا ولا غيري هنقدر نلم الفضيحة اللي هتحصلك، وهتكون مادة لسيرة الناس اللي ما بتشبعش."
ما كملتش ثواني، ومحمد رد برد كله ذل وهزيمة: "موافق.. هعمل اللي إنت عايزه، الورقة هتكون فى الملجا . بس أمانة عليك، تمسح كل اللي عندك، ما يبقاش فيه أثر للحكاية دي."
رحيم رمى التليفون على المكتب، وخد نفس عميق. حاسس إن تقله كله انزاح، مش عشان هو اللي انتصر، بس عشان الحق رجع لأصحابه. قام من مكانه، وطلع ناحية الملحق اللي زينب قاعدة فيه. خبط خبطات هادية ومنتظمة، وزينب فتحت الباب وهي باين عليها التوتر.
رحيم بصلها بابتسامة هادية وطمّنها: "يا زينب.. اعتبري إن الجبل اللي كان كابس على صدرك انزاح. محمد وافق على كل حاجة، والطلاق هيوصل الملجأ . من اللحظة دي، مفيش حد هيقدر يفتح بقه بسيرتك تاني، ومحدش هيقدر يطالبك بأي حاجة.. إنتي من النهاردة حرة، وتقدرى تعيشى حياتك زى ماتحبى 
زينب اتسمرت في مكانها، عينيها اتملت دموع، بس المرة دي كانت دموع راحة وفرحة مش وجع. صوتها طلع مبحوح وهي بتسأل: "يعني.. يعني خلاص يا رحيم بيه؟ مفيش كلام تاني؟ مفيش حد هيجرؤ يغلط فيا تانى ولا محمد هيهدننى إنه هيجيب سيرتى بالباطل 
رحيم هز رأسه بثقة: "ولا حد هيجرؤ. إنتي دلوقتي في  حمايتي، وأنا كلمتي سيف."
زينب ما قدرتش تتمالك نفسها، سجدت لله شكر في مكانها. كانت حاسة إنها اتولدت من جديد، وإن ربنا بعت لها رحيم في طريقها عشان ينقذها. رحيم وقف بعيد شوية بيراقبها، كان عارف إن الحياة لسه مخبية تحديات، بس كان مطمن إنه قفل الباب ده وراها للأبد.
الأيام بدأت تعدي، وزينب بدأت تستقر في حياتها الجديدة في الملحق، والجو العام في الفيلا بقى أهدى بكتير. زينب من وقتها قررت إنها مش هتعيش دور الضحية، وهي أصلاً معاها دبلوم، فقررت إنها لازم تكمل تعليمها وتدخل الجامعة عشان تضمن لنفسها مستقبل ومكانة.
دخلت زينب المكتب على رحيم وهي حاسة برهبة بس جواها إصرار، قعدت وكلمته في موضوع تعليمها، وبدأت تشرح له إنها مش عايزة تعتمد على حد، وعايزة تثبت وجودها. رحيم بصلها بإعجاب، كان مقدر جداً طموحها ده، وما ترددش لحظة.
رحيم بصلها بجدية وقال: "بصي يا زينب، انا موافق  جداً على طلبك. التعليم ده هو السلاح اللي هيحميكي من أي حد، والجامعة هي اللي هتفتحلك أبواب تانية خالص. سيبي موضوع الورق والتقديم ده عليا، أنا هخلص لك كل حاجة، ولا تشيلي هم أي ورق أو إجراءات، اعتبريه خلصان."
وفعلاً، زي ما وعدها، رحيم ماضيعش وقت. كلم رجاله وخلص لها كل أوراق التقديم، وجهز لها كل المستندات المطلوبة، لدرجة إن زينب كانت مذهولة من سرعته واهتمامه.
مع مرور الوقت، علاقة زينب بـ "ياسين" ابن رحيم بقت أقوى، وبقت هي اللي بتذاكر له وبتاخد بالها منه. وفي يوم، وهما في الجنينة، ياسين كان بيجري وهي بتجري وراه عشان تذاكر له، وزينب من كتر الحماس وهي بتلف حوالين حمام السباحة، الأرض كانت مبلولة، رجليها اتزحلقت ووقعت جوه المية!
ياسين صرخ بجدية: "زينب! زينب! بابا! الحقونا!"
رحيم، اللي كان بيتابعهم من بعيد بابتسامة، سمع صرخة ياسين، وفي ثانية كان ناطط في حمام السباحه 
ـ تفتكروا علاقه رحيم وزينب هتبدأ امته 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
المية كانت تلج، وزينب من الصدمة مكنتش عارفة تاخد نفسها. المية دخلت في مناخيرها وبلعت شوية، وبدأت تغطس وتطلع وهي بتخبط بإيديها زي المجنونة، الخوف كان واكلها، وكانت حاسة إن روحها بتطلع. ومالك واقف هايف وحاسس بالذعر 
رحيم أول ما شافها بتغرق، رمى الموبايل في الأرض  ونط في المية بجسمه كله، ماخدش ثانية عشان يوصلها.
شدها من وسطها بقوة، وزينب في لحظة رعبها، مكنتش شايفة قدامها غير ان ده هو طوق نجاتها ، لفت إيديها الاتنين حوالين رقبته وضمته ليها بكل  قوتها، وكأنها بتستخبى من الموت في حضنه. كانت بتترعش جامد، وراسها مالت على كتفه، 
رحيم وهو ماسكها، حس بجسمها الضعيف المرتعش وهو لازق في صدره، وضربات قلبها اللي كانت زي الطبول، حس بوجع غريب في قلبه. عضلات صدره وكتفه اتشدت من غير ما يحس، وضمها ليه أكتر بإيده التانية عشان يأمنها، صوته كان طالع مبحوح من الخضة:
ـ خلاص يا زينب.. اهدي، أنا ماسكك، مفيش حاجة هتحصلك طول ما أنا موجود.. افتحي عينك يا زينب، بصيلي!
زينب مكنتش سامعة، كانت لسه حاضناه كأنها بتمسك في آخر حتة أمان في الدنيا. رحيم حس إنها بدأت تهدى شوية، فضل باصص لها والمايه بتنزل من شعره على وشها. اللحظة دي كانت أطول من أي وقت فات، رحيم لأول مرة يحس بضعفه هو قدام خوفها ده.
طلع بيها على السلم بتاع حمام السباحة، وخرجوا بره. الدنيا كانت هادية، مفيش غير صوت أنفاسهم العالية وصوت عياط مالك . فضل واقف بيها، وهي لسه حاضناه ودموعها مختلطة بالمية على وشها.
بعد لحظات، زينب بدأت تفوق وتدرك الموقف، فتحت عينيها ببطء، لقت نفسها لازقة فيه، وإيديها محاوطة رقبته بالطريقة دي، ووش رحيم قريب منها جداً، لدرجة إنها حست بنفَسه اللي كان مخلوط بنفسها  
وشها بقى أحمر زي الجمرة، وبدأت تحاول تبعد إيديها بكسوف، بس رحيم -اللي كان لسه تحت تأثير الحضن ده- ما سبهاش تنزل بسرعة. بص في عينيها بنظرة غريبة، نظرة أول مرة تشوفها منه، مفيهاش "رحيم بيه" القوي، كان فيها راجل تاه في لحظة.
زينب بصوت واطي ومكسور من الخجل:
ـ رحيم بيه.. نزلني، أنا.. أنا آسفة، مكنتش حاسة بنفسي.
رحيم بصلها بتركيز، كأنه بيحاول يقرأ اللي في عينيها، وبعدين نزلها على الأرض براحة، بس لسه إيده كانت ماسكة دراعها عشان يثبتها:
ـ ما تعتذريش.. حصل خير 
مكنش عارف يقول ايه بيحاول يتكلم بس مش عارف هو عايز يفضل باصصلها من جواه احساس انه عايز ينزل هو وهى حمام السباحة مره تانيه ويحضنها حضن اكبر ويحس برعشتها فى حضنه مره تانيه 
بقى واقف بيحاول يفتح معاها كلام 
 ـ قوليلي، إنتي كويسة؟ عارفه تتنفسى ؟
زينب هزت راسها بالنفي وهي باصة في الأرض، مش قادرة تبص في عينيه، وقلبها كان بيدق من الإحراج والخوف اللي لسه ما راحش. رحيم اتنهد تنهيدة طويلة، وبدأ يلملم شتات نفسه، ورجع تاني لوقفته الرسمية، بس عينيه كانت لسه بتلمع باللي حصل من شوية.
ـ ادخلي جوه بسرعة، غيري هدومك المبلولة دي وخديلك دش سخن عشان ما يجيلكيش برد.. مش عايز تعب، فاهمة؟
زينب هزت راسها وطلعت تجري على الملحق، ورجليها لسه بتترعش، مش بس من المية، لكن من نظرة رحيم اللي علمت في قلبها.
رحيم وقف مكانه، بيبص على الملحق، ولسه حاسس بضغطة إيديها على رقبته، وحاسس إن "الأخطبوط" بدأ يضعف، بس المرة دي.. قدامها هي بس
دخلت زينب الملحق وقفلت الباب وراها بسرعة، قلبها لسه بيدق بسرعة جنونية، وكأن كل دقة بتعيد المشهد اللي حصل. دخلت الحمام، وفتحت الدش المية السخنة، ووقفت تحت المية وهي مغمضة عينيها، بتحاول تهدي رعشة جسمها اللي مش من البرد، لأ، الرعشة دي كانت من "نظرة" رحيم ليهـا.
وهي واقفة، المية الدافية بدأت تسيح التوتر، بس ذكرياتها بدأت ترجع شريط تاني. افتكرت نفسها وهي بترفص جوه المية، وفجأة، إيدين رحيم القوية اللي اتشدت حوالين وسطها، الطريقة اللي انتشلها بيها من الموت في ثانية حست فى حضنه بقوله وامان بتحلم بيها من وهى كفله كانها شايفه فيلم رومانسي بس هى البطله بتاعته لاول مره تحس بضربات قلبها بتعلى كده 
غمضت عينيها أكتر، وشافت صورة واضحة في خيالها: وهي متعلقة في رقبته، حاسة بعضلات إيديه وهي شداها لصدره بكل قوة، حاسة بنَفَسه اللي كان قريب منها، وبنظرة عينيه اللي شافت فيها حنية أول مرة تلمسها في حياتها.
"يا رب.. أنا عملت إيه؟" قالتها زينب بصوت واطي ومبحوح وهي بتمسح المية من على وشها بإيديها.
افتكرت إزاي كانت حاضناه بكل ضعفها، كأنها بتستخبى فيه من  كل الدنيا. افتكرت ريحة البرفان بتاعه اللي اختلطت بريحة المية، صوته وهو بيهديها بكلمة "أنا ماسكك"، وإحساسها بالدفا وهي في حضنه رغم إنهم كانوا غرقانين.
فتحت عينيها وبصت في المراية، لقت وشها محمر، إيديها لسه بتترعش وهي بتفتكر لمسة إيديه على دراعها لما نزلها على الأرض.
ـ "أنا ليه قلبي بيدق كدة؟ وليه كل ما أفتكر نظراته جسمي بيقشعر؟"
زينب سكتت للحظة، وحطت إيديها على صدرها مكان قلبها اللي كان لسه "مجنون". بدأت تدرك إن اللي حصل النهاردة كسر حاجز كبير أوي بينها وبينه. مابقاش مجرد "رحيم بيه" اللي أنقذها من محمد، مابقاش مجرد "الباشا" اللي هي شغالة عنده.. لا، الموضوع كبر، وبدأ يتحول لشيء هي مش قادرة تسميه، حاجة تخوف، بس في نفس الوقت.. حاجة بتخليها تحس إنها "عايشة" لأول مرة.
سندت جبينها على سيراميك الحمام، واتنهدت تنهيدة طويلة:
ـ "يا زينب، فوقي.. ده راجل ملوش في الحب، ده أخطبوط بيحرك العالم بكلمة، إنتي مجرد واحدة كان بيعمل معاها واجب.. بس ليه.. ليه نظراته كانت بتقولي غير كدة؟"
بطلى تخيلات بقى انتى اللى حضنتيه وانتى اللى لجأتيله هو انتى بتشوفيه بيعامل غيرك ازاى مايمكن فى حد تانى فى قلبه 
فضلت تحت المية فترة طويلة، مش عايزة تخرج، خايفة تخرج وتواجه حقيقة إنها بدأت "تتعلق" بالراجل اللي حماها، بدأت تحس بالأمان اللي كان ناقصها، وبدأت تتمنى لو كانت اللحظة دي.. لحظة وجودها في حضنه.. طولت أكتر
زينب طلعت من الحمام وهي بتلف الفوطة حوالين جسمها، ولسه بتنشف شعرها اللي بينقط مية، فجأة سمعت خبطات سريعة وقوية على باب الملحق، ومعاها صوت شهقات مكتومة وصوت مالك بيعيط بهستيريا:
ـ "زينب.. زينب افتحي.. أرجوكي افتحي!"
قلب زينب وقع في رجليها، الرعشة اللي في إيديها زادت، وفتحت الباب بسرعة. لقت مالك واقف قدامها، وشه مورم من العياط، وعيونه حمرا، وجسمه بيتنفض من كتر الشهيق. أول ما شافها، رمى نفسه في حضنها وهو بيصرخ:
ـ "كنت فاكرك هتروحي مني! كنتي غرقانة .. بابا قعد ينادي عليكي وأنتي مكنتيش بتردي كنتى حضناه وساكته انا افتكرتك موتى .. أنا كنت هموت من الخوف عليكي يا زينب!"
زينب اتجمدت مكانها، حضنته بقوة وهي حاسة بدموعه السخنة بتغرق كتفها، ودموعها هي كمان بدأت تنزل، مش بس من الموقف، لكن من تأثرها بخوف الطفل ده عليها، اللي حسسها إنها بقيت جزء من العيلة دي فعلاً. قعدت على ركبها قدامه ومسكت وشه بين إيديها:
ـ "يا حبيبي يا مالك.. بصلي، أنا أهو قدامك، أنا كويسة والله. ده مجرد حادثة صغيرة، بابا أنقذني، أنا قوية ومش همشي وأسيبك يا بطل."
مالك فضل يعيط وهو ماسك في هدومها:
ـ "لا، بابا قالي أدخل أتطمن عليكي، بس كنت خايف.. كنت خايف أفتح الباب ألاقيكي مش موجودة.. متعمليش كدة تاني يا زينب، بلاش تلعبي جنب المية تاني."
زينب حست بوجع في قلبها، مسحت دموعه بطرف أصابعها وبصت في عينيه بحنان:
ـ "خلاص يا ملوكي، وعد مني، مش هقرب من المية تاني. بس اهدى بقى، مش عايزة أشوف الدموع دي، أنا محتاجة أخلص لبس وأسرح شعري عشان نبتدي المذاكرة بتاعتنا، إيه رأيك؟"
مالك مسح مناخيره بإيده، وبدأ ياخد نفسه بصعوبة، وهز راسه بالإيجاب وهو لسه بيشهق:
ـ "يعني مش هتمشي؟"
ابتسمت زينب ابتسامة مطمئنة:
ـ "مش همشي أبداً. قوم استناني بره في الجنينة، عشر دقايق بالظبط وهتلاقيني عندك، هلبس هدومي ونقعد نذاكر ونحل الواجب بتاعك كله.. ماشي يا بطل؟"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
مالك بص لها بنظرة أخيرة كلها حب وخوف، وبعدين أخد نفسه وهز راسه:
ـ "ماشي، هستناكي.. بس ما تتأخريش، أنا مش هسيبك لوحدك تاني."
خرج مالك وهو بيمسح عينيه، وزينب قفلت الباب وسندت عليه، وخدت نَفَس طويل وهي حاسة إن حياتها في الفيلا دي بقت مرتبطة بيهم أكتر بكتير مما كانت متخيلة. طلعت لبسها بسرعهة عشان تبعد عن راسها تفكيرها برحيم  في نظراته ليها، وفي اللحظة اللي كانت حاضناه فيها.. لقت نفسها بتبتسم لنفسها في المراية، وبدأت تلبس بسرعة عشان متخلفش وعدها لمالك. 
   ***** &&&&****&&&&**&&&***
فى الجهه التانيه فى الملجأ كانت عزه قاعده مع الأولاد وتليفونها رن وظهر اسم عمار على الشاشة 
قامت من وسط الاطفال ووقفت فى مكان هادى وردت عليه 
ـ السلام عليكم  عمار  بيه أهلا بحضرتك
ـ ازيك يا انسه عزه عامله ايه 
ـ الحمد لله بخير 
ـ بخصوص الموضوع اللى كلمتينى عليع قبل كده بخصوص الشغل لسه عايزه تشتغلى 
ـ أه طبعاً انا قاعده بعد الايام 
ـ طيب بإذن الله من بعد بكره هنبدا نعمل مقابلات عشان الناس اللى عايزه تشتغل سواء دكاتره بيطاريين محاسبين مزارعين عمال 
من كله 
وهبقى محتاج معايا سكرتيره تسجل اسماء اللى هيتقبلوا هل وقتك يسمح 
ـ أه طبعاً حضرتك عرفنى بس الساعه كام وانا هبقى موجوده 
ـ جهزى نفسك الساعه ٩ فى عربيه هتعدى عليكى تاخدك 
ـ خلاص اتفقنا 
قفلت عزه مع عمار وخرجت جرى لمكتب حنان وحكتلها وحنان فرحت ووافقت 
وفعلاً عدى يومين 
وكانت وصلت قسيمه الطلاق للملجا واستلمتها حنان واتصلت بزينب ورحيم وعرفتهم 
تانى يوم عند عزه وصلت العربية اللى عمار بعتها ونقل عزه للمزرعه استقبلها عمار بنفسه 
وبدأ كلام معاها فى الشغل وشغلها هيكون ايه وانها هتكون من المؤسسين معاهم 
عمار كمل كلامه وهو بيبتسم لعزة، بيحاول يطمنها ويشيل التوتر اللي في عينيها:
ـ "بصي يا عزة، دي مش مجرد مزرعة، ده مشروع كبير ومحتاج ناس قلبها عليه، وأنا لما اخترتك كنت حاسس إنك الشخص المناسب للمكان ده."
أشار بإيده للمساحات الخضراء والبيوت المحمية اللي ممتدة قدامهم:
ـ "المكان ده محتاج تنظيم، ومحتاج حد أمين.. دورك معايا مش مجرد سكرتيرة بتسجل أسماء، لا.. إنتي هتكوني إيدي اليمين، عينك على كل حركة هنا."
عزة كانت بتبص على المزرعة بذهول وإعجاب، حاسة إن دي بداية حياة تانية خالص بعيد عن وجع اللي فات. عمار سابها تتأمل المكان لحظات، وبعدين شاور لها تدخل معاه مكتب إداري كبير وإطلالته على المزرعة تاخد العقل.
دخلوا المكتب، وعمار فتح اللاب توب وحطه قدامها، وقرب الكرسي بتاعها:
ـ "بصي يا ستي، ده سلاحك في الشغل.. لابتوب مفيش أسهل منه، هعلمك إزاي تفتحي ملف لكل واحد بيقدم، وإزاي تدخلي البيانات بتاعته.. الموضوع بسيط خالص، جربي كده."
عزة بدأت تلمس الكيبورد بتردد، بس عمار كان صبور جداً، بيشرح لها كل حاجة ببساطة. بعد ساعة، بدأت العربيات تيجي والبوابة اتفتحت للناس اللي جاية تقدم. المكتب قلب "خلية نحل"، ناس كتير مقدمين، دكاترة، محاسبين، وعمال.
عمار بص لعزة لقاها مركزة جداً وبتنظم الأوراق وبتكتب البيانات بتركيز، ابتسم وقال:
ـ "إيه يا بطلة.. جاهزة للمواجهة؟"
عزة بصتله بثقة وقالت:
ـ "جاهزة يا عمار بيه.. توكلنا على الله."
وبدأ الشغل فعلياً، كل ما عمار يخلص مقابلة، يبص لعزة ويلاقيها خلصت تسجيل بيانات  ، بدأ يحس إن قراره كان صح، وبدأ يحس براحة غريبة وهو شايفها بتتحرك في المزرعة .
في الناحية التانية، عند فيلا رحيم، الوضع كان مختلف تماماً.
زينب خلصت لبسها وطلعت لمالك اللي كان مستنيها في الجنينة بلهفة. وهي ماشية، عينيها جت غصب عنها على شرفة الدور التاني، لقت "رحيم" واقف هناك، ساند على السور وبيدخن سيجارته بهدوء، وعينه عليها هي وبس.
رحيم كان مراقب كل حركاتها، من ساعة ما خرجت من الملحق وهي بتمشي بخطوات مرتبكة. كان شايف فيها حاجة مش عارف يفسرها؛ الضعف اللي كان فيها من شوية، والقوة اللي بتحاول تداري بيها خجلها. طفى السيجارة في الطفاية بعنف، وهمس لنفسه بنبرة كلها حيرة:
ـ "إيه اللي بيحصل يا رحيم؟ الأخطبوط اللي مفيش حاجة تكسره، بقى واقف مستني خيالها عشان يشوفها ؟"
زينب رفعت عينيها بالصدفة للسياج، ولما التقت عينيها بعينه، قلبها وقع في رجليها. فضلت واقفة مكانها، مش عارفة تتحرك، ورحيم كمان فضل باصص بعينه عليها، نظراته كانت تقيلة ومكشوفة، لدرجة إن زينب حست إن الهوا حواليها بيخلص.
مالك شد إيدها بقوة وهو مش واخد باله من النظرات اللي بينهم:
ـ "يا زينب! الكتاب في إيدك.. يلا بينا نذاكر بقى، مش قولتيلي إنك مش هتتأخري؟"
زينب فاقت من شرودها، وبصت لمالك بابتسامة مهزوزة وهي بتحاول تبعد عينيها عن رحيم، بس هي جوه منها عارفة إن اللي حصل النهاردة غير كل حاجة، وإنها خلاص بقت مربوطة بالفيلا دي وبالراجل اللي واقف فوق ده.. برباط مش عارفة تتقله إيه، بس حاسة إنه خيط رفيع وقوي، زي خيوط الأخطبوط اللي صعب حد يفلت منها.
نزل رحيم ووقف قدامها وهى بتزاكر لمالك 
ـ مدام حنان كلممتنى وقالتلى إن ورقت طلاقك وصلت هناك عندها وانهارده هبعت عربيه تاخد حاجتك توديها الملجأ وهدومك هتجيلك هنا 
هزت زينب راسها بدون ما تتكلم 
كمل رحيم كلامه ببيرود وهو عايز يعرف رد فعلها ايه
ـ المزرعه بدأت تشتغل وعزه نزلت شغل فيها تحبى ترجعى تانى ؟؟
تفتكروا زينب هيكون ردها ايه ؟؟
هترجع وتفتكر إن رحيم مش عايزها بعد اللى حصل فى حمام السباحة ؟؟
 ولا هتقوله انها عايزه تكمل ؟؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
زينب نزلت عينيها في الأرض بسرعة، وحاولت تداري ارتباكها ورعشة صوتها. مسحت كفوف إيديها في هدومها وهي بتحاول تلملم شتات نفسها، وردت عليه بصوت هادي ومحترم، زي "زينب" اللي الكل عارفها، اللي ما بتخرجش عن حدودها:
ـ "يا رحيم بيه.. أنا مقدرة جداً اهتمام حضرتك، ومقدرة إنك عايز توفر لي مكان أستقر فيه بعد ما أموري الشخصية اتغيرت. بس.. بخصوص المزرعة، أنا شاكرة جداً لعرضك، بس أنا مرتاحة هنا مع مالك، ولو حضرتك مش شايف في وجودي أي تعارض مع نظام الفيلا، فأنا أفضل إني أكمل شغلي هنا."
سكتت لحظة، وأخدت نفس عميق عشان تاخد شجاعتها وتكمل:
ـ "أما بخصوص اللي حصل النهاردة.. فدي كانت لحظة ضعف مني، وأنا بعتذر عليها. مش عايزة حضرتك تفتكر إني ممكن أستغل الموقف ده في أي حاجة تانية، أو إني.. إني فاهمة الأمور غلط. أنا هنا شغلي وبس، ومالك هو المسؤولية اللي عليا."
رحيم فضل واقف مكانه، عينه متعلقة بملامح وشها اللي كانت بتحاول تظهر بالثبات، بس إيديها اللي كانت بتلعب في طرف طرحتها كانت فاضحاها. رحيم بصلها بتركيز، كأنه بيوزن كلامها، وبيحاول يقرأ إذا كانت بتقول اللي جواها فعلاً ولا بتحاول تهرب من الموقف.
اتنهد رحيم تنهيدة مسموعة، وبص بعيد عنها للحظة، وبعدين رجع بص في عينيها بنظرة غامضة:
ـ "أنا ماقلتش إنك عاملة مشكلة يا زينب. أنا كنت بعرض عليكي أوبشن جديد، فكرت إنك ممكن تكوني عايزة عايزه ترجعى تانى 
زينب هزت راسها بالنفي بسرعة:
ـ "لأ يا رحيم بيه، أنا هنا كويسة. والفيلا دي.. ومبسوطه بشغلى مع مالك وبإذن الله فى اقرب وقت هوفر مكان ليه وهمشى من هنا ووقتها هرتب مواعيد لزياره مالك ، ومالك.. مالك ما بقاش مجرد طفل بذاكرله، أنا متعلقة بيه جداً."
ـ "تمام.. بما إنك اخترتي تكملي هنا، يبقى خلاص. هدومك وحاجتك هتتنقل هنا انا قبل ما اخد قرار كان لازم ارجعلك وده كان سبب سؤالى 
وقرب منها وبص فى عنيها بتركيز 
ـ عشان دماغك ماتخدكيش فى حته تانيه 
أومأت زينب براسها ورجعت تكمل تانى مع مالك وهو سابهم ومشى 
بعد ما خلصت زينب المذاكرة مع مالك، ومالك دخل أوضته، كان قلبها لسه مكركب. كلام رحيم لسه بيرن في ودنها: "عشان دماغك ما تاخدكيش في حتة تانية". حست بوجع خفيف؛ هو ليه مهتم يقطع أي فرصة لخيالاتها؟ كأنها مجرد موظفة بيطمن إنها ما بتسرحش ببعيد.
استجمعت شجاعتها وقررت إنها لازم تبدأ تدور على طريقها لبر الأمان، . خرجت بره الفيلا بخطوات مترددة لحد ما وصلت عند بوابة الفيلا الخارجية، لقت الحارس واقف مكانه.
بصوت واطي ومتردد، بدأت تفتح معاه الكلام:
ـ "لو سمحت يا استاذ إبراهيم.. كنت عايزه أسألك على حاجة."
الحارس بصلها باحترام:
ـ "اتفضلي يا انسه، تحت أمرك."
زينب بلعت ريقها:
ـ "هو.. حضرتك تعرف حد في المنطقة هنا عايز ياجر شقة صغيرة؟ يعني تكون في مكان هادي ومناسب، ومصاريفها.. يعني على قدي؟ كنت بدور على مكان أستقر فيه لما أخلص شغلي هنا."
الحارس بصلها باستغراب شوية:
ـ "شقة؟ لا معرفش بس ممكن أسألك 
زينب قاطعته بسرعة وبابتسامة باهتة:
ـ "متشكره جدا ..  لو تعرف حد، يا ريت تقولي."
في اللحظة دي، كانت  رحيم راكب عربيته وخارج من البوابه وشافها . رحيم نزل من العربية، وبنظرة حادة، بص للحارس وبعدين نقل نظره لزينب اللي اتسمرت مكانها زي اللي اتمسكت في جريمة.
رحيم ببرود وقسوة في صوته:
ـ خير يا انسه زينب محتاجه حاجه 
زينب حست إن الأرض بتدور بيها، اتوترت وبدأت تفرك إيديها بتوتر:
ـ "أنا.. أنا كنت بس بساله لو يعرف شقه قريبه 
قبل ما تكمل، رحيم قطعها بخطوة قربت المسافة بينهم جداً، لدرجة إنها حست بهيبة حضوره اللي بتخنق:
ـ "كنتي بتسألي ليه؟ مش لسه قايلة إنك مرتاحة هنا؟ ولا هو كلام الصبح حاجة وكلام الليل حاجة تانية؟"
زينب حاولت تداري ارتباكها وبصت في الأرض:
ـ "أنا.. أنا كنت بحسب حساب بكره يا رحيم بيه. مش عايزة أكون عبء على حد.. خصوصاً بعد ما اطلقت وبقيت مسؤولة عن نفسي."
رحيم ضحك ضحكة قصيرة ، وقرب أكتر لدرجة إن زينب رجعت لورا خطوة لغاية ما خبطت في سور الفيلا:
. بص للحارس بصه سريعة خلت الحارس يبعد نظره فورا، ورجع ركز نظره على زينب اللي كانت حاسة إنها عايزة الأرض تنشق وتبلعها من نظراته المركزة.
ـ "شقة؟ يعني بدل ما تيجي تطلبي مني أنا أو تقوليلي إنك محتاجة حاجة، تروحي تسألي الحارس؟ يا زينب، إنتي لسه مش عارفة أنتِ بتتعاملي مع مين؟"
زينب رفعت عينيها في عينه وقالت بنبرة خجولة ومترددة:
ـ "يا رحيم بيه، حضرتك عملت معايا أكتر من الواجب بكتير، وأنا.. أنا مش عايزة أتقل عليك أكتر من كدة. كفاية وجودي هنا ومساعدتك ليا في موضوع طلاقي، مش عايزة أكون عبء زيادة بطلبات تانية."
رحيم سكت، وبص في عينيها جامد، نظرة عميقة ومطولة، كأنه بيحاول يغرس جواها معنى كلامه. ملامح وشه كانت جادة جداً، وصوته نزل لدرجة الهمس وهو بيقول:
ـ "أنتِ مش عبء يا زينب.. ولا عمرك هتكوني. وموضوع الشقة ده انسيه خالص، أنا اللي مسؤول عنك وعن راحتك طالما أنتِ في بيتي."
خد نَفَس عميق وبص للحارس اللي كان واقف بيحاول يداري وجوده، وقال بنبرة آمرة وقاطعة:
ـ " إبراهيم.. الموضوع اللي انسه زينب كلمتك فيه ده، كأنه ما حصلش، ولا عايز أسمع كلمة عنه من أي حد، مفهوم؟"
الحارس هز راسه بسرعة وبخوف:
ـ "حاضر يا باشا، علم وينفذ."
رحيم رجع بص لزينب، عينه كانت بتلمع بنظرة صعب تفسيرها، نظرة تملك ممزوجة بحنية مستخبية ورا قناع القوة. قالها بصوت هادي:
ـ "ادخلي جوه، وماتتكلميش مع حد في المواضيع دي تاني.. مفهوم؟"
سكتت زينب وما قدرتش ترد، اكتفت إنها تهز راسها بإيجاب وهي حاسة بضربات قلبها اللي بتعاندها. سابها رحيم من غير ما يستنى رد، ومشي بخطوات واثقة ومتباعدة، وتركها واقفة مكانها .
تاني يوم، الشمس كانت طالعة صافية والمزرعة بتبان في نور النهار كأنها لوحة فنية خضراء. وصلت عزة وهي متحمسة جداً، ولابسة لبس عملي، بس يمكن الجزمه اللي كانت لابساه كانت "ناعمة" بزيادة على أرضية المزرعة المبلولة شوية من الرش الصباحي.
عمار كان مستنيها بابتسامة ترحيب، وبدأوا جولتهم:
ـ "انهارده يا عزة، مش بس هنقعد في المكتب، انهارده لازم تحفظي كل شبر في المزرعة. دي أصول المهنة، السكرتيرة الشاطرة هي اللي بتبقى عارفة كل حركة بتحصل فين."
عزة كانت ماشية جنبه، عيونها بتلف في كل حتة بذهول، بتسمع شرحه عن نظام الري، وعن أنواع المحاصيل، وعن الخطط اللي حاططها للمستقبل. كانت بتحاول تسجل كل كلمة في ذاكرتها، ومن كتر تركيزها في كلامه، ما خدتش بالها من حتة أرض كانت مبلولة ومملسة أكتر من باقي الطريق.
فجأة، وبدون سابق إنذار، رجليها "زحلقت" على الأرض، وصرخة خفيفة طلعت منها وهي بتفقد توازنها. عمار، اللي كان حركته سريعة جداً، رمى الملفات اللي في إيده ولحقها قبل ما تلمس الأرض، بس في نفس اللحظة اللي مسكها فيها، عزة حاولت تسند نفسها، رجليها التوت بشكل مؤلم تحتها.
ـ "آآآه!" صرخت عزة بوجع، ووشها انكمش من شدة الألم.
عمار اتخض عليها، ملامح القلق بانت على وشه فوراً:
ـ "عزة! إيه اللي حصل؟ أنتي كويسة؟"
حاولت تدوس على رجلها، بس الألم كان أقوى، فاتعلقت في دراعه وهي بتتنفس بصعوبة:
ـ "مش قادرة.. رجلي.. حاسة إنها اتلوت جامد."
عمار ما فكرش مرتين. بصلها بصه سريعة، وبعدين من غير كلام، شالها بين إيديه بحرص شديد، كأنها شيء ثمين وخايف عليه من الكسر. عزة اتفاجأت، وشها احمر جداً من القرب ده، وإيديها اتلقائياً اتمسكت في قميصه وهي حاسة بضربات قلبه القريبة منها.
عزة كانت حاسة بحرج شديد، وشها بقى زي الجمرة من القرب ده، لدرجة إنها حست بضيق في تنفسها من الخجل أكتر من الألم، حاولت تتحرك في إيديه وقالت بصوت متقطع:
ـ "عمار بيه.. نزلني، أرجوك.. أنا كويسة، هقدر أمشي لو سندت عليك.. ما يصحش كدة، الناس هتشوفنا."
عمار، اللي كان باصص قدامه ومركز في خطواته وهو بيتحرك بيها بسرعة ناحية المكتب، رد عليها بصوت حازم ورافض تماماً:
ـ "انزلك إيه يا عزة؟ إنتي شايفة رجلك عامله ازاي؟ لو فيها كسر أو تمزق شديد وحاولتي تدوسي عليها، الإصابة هتتضاعف، وانا مش هغامر وانزلك 
عزة صممت وهي بتحاول تفلت منه بكسوف:
ـ "يا فندم ما يصحش، حضرتك مدير شغلي.. والعمال هيبصولنا، نزلني أرجوك مش هينفع كدة!"
عمار وقف فجأة وبصلها بنظرة مفاجئة، ملامحه اللي كانت مليانة قلق اتحولت لابتسامة خفيفة ومشاكسة، وهو بيعدل شيلته ليها عشان يثبتها أكتر:
ـ "انتي خايفة من كلام الناس ولا خايفة مني؟ وبعدين.. إيه اللي ما يصحش؟ دي مش أول مرة أشيلك فيها يا عزة.. ولا نسيتي؟"
عزة اتجمدت في مكانها، وعينيها اتسعت بدهشة ووشها جاب ألوان من شدة الخجل:
ـ "أول مرة؟! قصدك إيه؟ أنا ما افتكرش إننا.. إننا.."
عمار ضحك بصوت خافت وهو بيكمل مشيه ناحية المكتب بنظرة فيها لمعة غموض وتحدي:
ـ "ما افتكرتيش؟ خلاص، ركزي في وجع رجلك دلوقتي، ولما نطمن عليها.. نبقى نتكلم في الذكريات دي!"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
دخل عمار المكتب، وحط عزة على الكرسي ببطء شديد، وكأنه خايف عليها من نسمة الهوا. ركع قدامها على ركبته عشان يفحص رجلها، ولما لمس كاحلها بلطف، لقى الورم بدأ يظهر، وشاف "رعشة" بسيطة في جسمها من لمسته.
رفع عينه وبص لها، لقى عيونها مليانة دموع من الوجع والخجل، اتنهد بعمق، وبدأ يدلك مكان الورم 
ـ "يا عزة.. رجلك ورمت جامد لازم نروح المستشفى 
عزة حست بقلبها بيدق بجنون من لمسه ايده على جلها  ومقدرتش تنطق من تأثير نظراته اللي كانت محاصراها بالحنية. عمار وقف، وقرب منها أكتر، لدرجة إنها حست بأنفاسه قريبة من وشها، وقال بصوت خافت ودافئ:
ـ "سيبيني أشيلك.. أنا المسؤول عن سلامتك هنا، 
شالها تاني، بس المرة دي كان بطيء جداً، وهي تلقائياً لفت إيديها حوالين رقبته عشان تثبت نفسها، والمسافة بينهم بقت معدومة. عزة همست بصوت مسموع بالعافية:
ـ "عمار.. كل الناس بتشوفنا.. ما يصحش.
عمار بصلها بابتسامة هادية وهو بيخرج بيها من المكتب، متجاهل تماماً أي حد حواليهم:
ـ "سيبك من الناس.. المهم إنتي 
والناس شافتك وانتى بتقعى 
وصل للعربية، ركبها في المقعد اللي جنبه بحرص، ومال بجسمه عشان يربط لها حزام الأمان، وفضل قريب منها ثواني أطول من اللازم، عينه متعلقة بعينها. اتوترت عزة من قربه، وحاولت تتنفس بانتظام، وهو اتأمل ملامحها بتركيز، كأنه بيحفظ تفاصيل وشها في اللحظة دي.
ـ "عزة.." همس باسمها وكأنه بيجرب طعمه، "مش عايزك تخافي من حاجة.. طول ما أنا جنبك، كل حاجة هتبقى بخير."
شغل العربية، وبدأ يتحرك بيها في طريق المستشفى، بس كانت عينيه كل شوية تبص عليها، وهى كانت مركزه فى وجع رجلها 
وصلت العربية قدام طوارئ المستشفى، عمار ركن بسرعة ونزل، وفتح باب العربية ناحية عزة، ومد إيده عشان يشيلها زي ما عمل في المزرعة.
عزة بمجرد ما شافته بيقرب منها عشان يحاوطها بإيديه، حطت إيدها على صدره عشان تمنعه، وقالت بصوت مسموع وواثق رغم وجعها:
ـ "عمار.. لأ، أرجوك. كفاية اللي حصل في المزرعة والناس اللي شافتني وأنا في إيديك، هنا مستشفى وفيها ناس كتير.. مش هينفع تدخلني بين إيديك قدامهم."
عمار بصلها بجدية ورفض:
ـ "عزة، رجلك وارمة جداً، الحركة هتزود الألم وهتتعبك، خليني أشيلك ونخلص بسرعة."
عزة بصت في عينه بإصرار وهي بتمسك في باب العربية عشان تقف على رجلها التانية وتثبت نفسها:
ـ "قلت لأ.. لو سمحت، احترم رغبتي. أنا مش عايزة أتحط في موقف محرج أكتر من كدة، ممكن تجيبلي كرسي متحرك؟ هبقى مرتاحة أكتر."
عمار اتنهد بضيق، كان عايز يفضل شايلها عشان يطمن إنها في أمان بين إيديه، بس لما شاف نظرة الإصرار في عينيها والكسوف الواضح على ملامحها، عرف إنه لو ضغط أكتر هيزيد حرجها. ابتسم ابتسامة هادية وهو بيشيل إيده من حواليها ببطء:
ـ "حاضر يا عزة.. اللي يريحك. بس خليكي مكانك، ثانية واحدة وهكون عندك بالكرسي."
راح عمار بسرعة ناحية الاستقبال، ورجع ومعاه كرسي متحرك. قرب من العربية وساعدها بحذر شديد وهي بتتنقل من العربية للكرسي. عزة اتنفست الصعداء لما قعدت، وعمار وقف ورا الكرسي، ومسك المقابض بتاعته وبدأ يزقها بهدوء ناحية مكتب الدخول.
وهما ماشيين في الممرات، كان عمار بيميل بوشه ناحيتها بين كل خطوة والتانية، بيطمن عليها بصوته الدافي:
ـ "أنا آسف.. كان قصدي أسهل عليكي، مكنش قصدي أحرجك."
عزة رفعت عينيها وبصتله بابتسامة ممتنة، وبدأت تحس إن تعاملها معاه بدأ يلين ويدوب فيه الحواجز اللي كانت حطاها:
ـ "أنا اللي آسفة.. شكراً إنك سمعت كلامي."
عمار وقف الكرسي لحظة قدام باب الكشف، ومال بجسمه عليها وقرب منها جداً لدرجة إنها حست بحرارة أنفاسه، وقال بنبرة مليانة مشاعر:
ـ "أنا أسمع كلامك في أي حاجة.. طالما ده اللي هيخليكي مرتاحة ومطمنة، أنا معاكي."
عزة سكتت، وقلبها كان بيدق بعنف، وبدأت تدرك إن عمار مش بس مديرها في الشغل، ده شخص بجد بدأ يهتم بكل تفصيلة صغيرة في حياتها، وهي بدأت تتقبل وجوده في عالمها بكل ترحاب.
دخلوا غرفة الكشف، وبعد فحص دقيق وأشعة سريعة، الدكتور بصلهم وقال بجدية:
ـ "للأسف في تمزق في الأربطة، الإصابة محتاجة راحة تامة لمدة أسبوعين، ممنوع الحركة تماماً، ورجلك لازم تترفع على مخدة وتستخدمي دهانات ومسكنات."
عزة كانت بتسمع وهي حاسة إن العالم بيضيق، وعمار كان باصص للدكتور بتركيز، بيسأل عن كل التفاصيل عشان يضمن راحتها. خرجوا من المستشفى، وعمار ساعدها تركب العربية، وبمجرد ما قفل الباب وبدأ يتحرك، لاحظ إن عزة ساكتة، ولما بص ناحيتها لقاها بتعيط بصمت.
عمار اتخض وركن العربية على جنب بسرعة:
ـ "عزة! في إيه؟ الوجع زاد للدرجة دي؟ أنا هكلم الدكتور دلوقتي يكتبلك حاجة أقوى، اهدي يا عزة."
عزة مسحت دموعها بسرعة وبصتله بصوت متهدج:
ـ "لا.. لا مش الوجع، مش بتعيط من الوجع يا عمار بيه."
عمار استغرب وسألها بقلق:
ـ "أومال في إيه؟ إيه اللي مضايقك؟"
عزة كملت بكسرة:
ـ "أنا كنت فرحانة أوي بالشغل.. كنت حاسة أخيراً إن حياتي بدأت تترتب وإني لقيت مكان أثبت فيه نفسي، ودلوقتي.. أسبوعين في السرير يعني مش هعرف أشتغل، وكل اللي اتعلمته في المكتب هنساه، و.. وخايفة المزرعة تقع بسبب غيابي."
عمار اتنهد براحة لما عرف السبب، وبدأ يبتسم بهدوء وهو بيبصلها بنظرة كلها ثقة:
ـ "هو ده اللي معيطك؟ يا ستي المزرعة لسه في مرحلة التجهيز، وما اشتغلناش بشكل كامل عشان تقع في غيابك، ومكانك محفوظ ومحدش هياخده."
بص في عينيها وكمل بحنية:
ـ "وبعدين مين قال إنك هتقعدي من غير شغل؟ اللاب توب بتاعك هيكون معاكي في البيت، أنا كل يوم هبعتلك ملفات وشغل محتاج يتسجل، وزي ما علمتك هتدخلي البيانات وتتابعي كل حاجة وأنتِ في مكانك، وهنكون على تواصل دايماً."
عزة بصتله بذهول، ودموعها بدأت تجف تدريجياً:
ـ "بجد؟ يعني مش هتحس إن شغلي اتعطل؟"
عمار ضحك بصوت دافي:
ـ "بجد، وهتكوني أحسن سكرتيرة في الدنيا من البيت كمان.. وبعدين، ده فرصة عشان ترتاحي وتخفي بسرعة، وأنا هكون مطمن عليكي وأنتِ بتباشري الشغل من البيت. فبطلي عياط بقى، لأن شكلك وأنتِ بتعيطي بيخلي قلبي يوجعني أكتر من رجلك."
عزة ابتسمت بخجل، وحست براحة كبيرة، وبدأت تدرك إن عمار مش بس مهتم بمصلحة الشغل، ده مهتم إنها تحس بقيمتها، وإن وجودها في حياته -حتى لو عن بعد- هو شيء أساسي بالنسبة له.
وصلها عمار الدار وشالها لحد غرفتها ورفض انها تمشى وحكى لحنان حالتها وقالها إنه كل يوم هيعيدى عليها يديها الحاجه اللى محتاجة تتسجل على اللاب لحد ما ترجع شغلها تانى 
وحنان هتشكره على مواقفه معاهم بس هتقرر انها تتكلم معاه لان نظراته مع عزه ونظرات عزه ليه بدأت تخليها متوغوشه 
فى الحاره عند عايده كانت قاعده مع نبويه 
ـ شوفتى البت طلعت مش سهله 
ـ وانتى ليه سكتلها 
ـ معرفش ابنى الخايب وافق على كل حاجه واتنازل بمنتهى السهولة اه يا نارى والله لعرفها مقامها بنت ال******
ـ طيب اهدى وقوليلى هتعملى ايه وانا معاكى 
ياترى ناويين على ايه 
في قصر رحيم، الجو كان هادي، زينب قاعدة بتشرح لمالك درس جديد في المذاكرة، ومالك مركز معاها وبدا التوتر اللي كان فيه يقل تدريجياً. فجأة، صوت كعب عالي بيخبط بقوة على رخام القصر قطع هدوء المكان.
دخلت "نرمين"، طليقة رحيم، بكامل أناقتها وكبرياؤها المعهود. عيونها مسحت المكان بلامبالاة قبل ما تستقر على مالك، وقربت منهم بخطوات واثقة.
ـ "مالك حبيبي! وحشتني يا بطل، قولت أعدي أطمن عليك 
مالك اتوتر، وشد على إيد زينب اللي كانت ماسكة القلم، ونزل عينه للأرض. نرمين بصت لزينب بنظرة متعالية من فوق لتحت، نظرة فيها كمية "تعالي" واضحة، وقالت بصوت مسموع ومستفز:
ـ "أنتِ يا شاطرة.. قومي هاتيلي مية، وبلاش تروحي بعيد، أنا جاية أطمن على ابني، مش عشان أشوف خدم في البيت."
زينب اتجمدت في مكانها، دمها غلي من الإهانة، بس حاولت تحافظ على هدوئها وكرامتها. مالك بص لنرمين بغضب 
ـ "زينب مش خدامة يا ماما، دي الميس بتاعتي.. ومحدش يكلمها كدة."
نرمين ضحكت ضحكة ساخرة، وبصت لزينب ببرود:
ـ "ميس؟ هه.. واضح إنها واخدة دور أكبر من حجمها بكتير. عموماً، قومي يا شاطرة،هاتى  المية، وبلاش أسمع صوتك."
ياترى نرمين رجعت تانى ليه ؟؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
وقفت زينب مكانها، الكلمة جرحت كرامتها بس عزة نفسها منعتها إنها تنزل لمستوى نرمين في الكلام وخافت تدخل معاها فى جدال وهى ماتعرفش علاقتها برحيم ايه مايمكن لسه بيحبها ويمكن هيرجعوا تانى خصوصاً ان بينهم مالك .
لمت أوراق مالك بهدوء، وضغطت على إيد الطفل اللي كان جسمه بيتنفض من الغضب والدفاع عنها. بصت لنرمين بثبات وقالت بصوت هادي ومرفوع الرأس:
ـ أنا هنا مربيه لمالك  مالك يا فندم، وطلبات حضرتك مكانها المطبخ مش معايا عن إذنك.
نرمين وشها اتغير، والبرود اللي على ملامحها اتقلب لغل. قربت من  زينب  وقالت بنبرة غل .
ـ أنتى بتعدلي عليا يا بت أنتِ؟ أنتِ عارفة أنا مين؟ أنا نرمين الهواري يعني بكلمة مني أرميكي بره القصر ده ومخليكيش تشوفي الشمس ومالك ده ابنى يعنى لو قولت مش عايزاكى جمبه وقتها هتترمى فى الشارع عشان كده لما تكلمينى تحطى عينك فى الارض لو عايزه تحافظى على لقمه عيشك هنا 
دخل رحيم وسمع كلام نرمين ومدهاش فرصه تكمل كلامها 
ـ الكلمه هنا تخصنى انا يا نرمين  أنا مش تخصك انتى وابنى انا ادرى بمصلحه .... مش صحيح المفروض دلوقتي تكونى اتجوزتى وسافرتى ايه اللى جابك هنا تانى 
الصوت رن في الصالة زي الرعد. الصوت ده خلى نرمين تتجمد مكانها وزينب تاخد نَفَس طويل كانت حبساه. رحيم كان واقف عند مدخل الصالة، إيديه في جيوبه، وملامحه حادة وقاسية على طبيعته اللى زينب مكنتش شافتها قبل كده . عينيه كانت مركزة على نرمين مستنى يسمع تبريراتها او كذبها 
نرمين حاولت بسرعة تلبس قناع الدلع والسيطرة، لفت وبصتله:
ـ "رحيم! كدة تخضني؟ أنا جيت أطمن على ابننا مالك، وبصراحة كدة الشغالة دي أسلوبها مش مظبوط ومحتاجة تتربى من أول وجديد . 
رحيم مشي بخطوات بطيئة ومرعبة، تجاوز نرمين تماماً وكأنه مش شايفها، ووقف قدام زينب ومالك. بص لزينب اللي كانت عينيها بتلمع بدموع مكتومة، وقالها بصوت هادي بس مسموع:
ـ زينب خدي مالك وطلعيه الاوضه بتاعته دلوقتي 
زينب هزت راسها وأخدت مالك اللي ما صدق وجري معاها لفوق. أول ما الباب اتقفل، رحيم لف لنرمين، والهدوء اللي كان فيه اختفى، وحل مكانه غضب 
ـ "أنتِ إيه اللي جابك هنا يا نرمين؟ مش قفلنا الصفحة دي وكل اللى عايزاه اخدتيه وعملتلك كل اللى طلبتيه واخرها لما رمتيلى ابنك هنا عشان تشوفى حالك 
نرمين قربت منه بدلال مصطنع:
ـ "وحشتني يا رحيم.. ووحشني ابني، وبعدين القصر ده أنا ليا فيه ذكريات، مش هسيبه لواحدة جربوعة جايبها من الشارع عشان تتدلع وتعمل فيها ست البيت . وغير كده مقدرتش اسافر واسيب ابنى بعيد عنى انا عايزه مالك معايا زى الاوص 
رحيم قرب منها، وبقى وشه في وشها، وصوته نزل لطبقة مرعبة:
ـ الزمي حدودك.. زينب هنا ليها وضعها ومالكيش دعوه بيها لو حيتى جمبها ولا قولتى كلمه كانك بتوجهيها ليه انا ، والي يغلط فيها يبقى بيغلط في رحيم الهواري. رجوعك هنا وراه مصيبة أنا عارفها بس من الاخر كده هعمل نفسى عبيط لانى مايهمنيش أى حاجة تخصك من ساعه ما البيه خلع وسابك فى المطار بعد ما خلاكى تدفعيله تمن تذكره الطياره من فلوسى اللى كنت ببعتها لمالك ، وقدامك دقيقة واحدة تكوني بره البوابة، وإلا هرميكي بره بنفسي ولحد ما مالك يكبر عايزك تبعدى عنه 
نرمين بصتله بغل وحقد، وعرفت إن رحيم مش هيلين 
ـ "ماشي يا رحيم أنا ماشيه بس انت كده بتمنع ام عن ابنها 
في الحارة 
في نفس الوقت، في بيت عايدة، كانت القعدة حامية ونبوية بتشرب الشاي وبتبخ سمها
ـ عارفه يا عايده انا لو منك أعمل ايه عشان اكسرها اروح قدام الملجأ واشردلها وقتها هيخافوا من الفضيحه ويرجعولك كل حاجه اخدوها منك 
في اليوم التالي فجأة على صوت صراخ وردح 
قدام البوابة الخارجية، وقفت عايدة وجنبها نبوية، وفضلوا يزعقوا بصوت عالي جداً لفت نظر كل اللي في الشارع. الناس بدأت تتلم من كل حتة، والمارة وقفوا يتفرجوا ويشوفوا في إيه.
عايدة أول ما لقت الناس اتجمعت حوليهم، بدأت تتكلم وتصرخ بكلام بالباطل في حق زينب، وقالت بصوت جهوري وهي بتبخ سمها وتصقف بإيدها:
ـ هي دي تربية الملجأ؟! إحنا اللي غلطنا لما فكرنا نيجي نسترها! أنتوا كل بناتكم معيوبة.. ابني اتجوزها ودفع دم قلبه، وفي الآخر طلعت معيوبة، وأخدتوا شقى عمره ونهبتوا فلوسنا
نبوية بدأت تسخنها أكتر وتزعق هي كمان:
ـ "آه يا ناس يا عالم.. اكلوا حقنا ورموا ابني الغلبان، والهانم صايعة ودايرة على حل شعرها 
الناس بدأت تهمس ببعضها، والصوت وصل لجوة الدار. خرج أفراد الأمن بسرعة عشان يسيطروا على الموقف، وواحد منهم زعق بعصبية:
ـ "جرى إيه يا ست أنتِ وهي؟ لموا لسانكم واطلعوا برة، دي مؤسسة محترمة مش حارة للردح!"
لكن عايدة زقته وقالت بغل:
ـ "مش هانمشي! والبلد دي ليها حكومة، لازم الكل يعرف حقيقة الملجأ ده وبناته اللي بيسرحوهم .
أمام لمت الناس والتصوير بالموبايلات، اتصل حارس الامن  برحيم عشان يبلغه باللي بيحصل.
في الوقت ده، في القصر، كان رحيم قاعد في مكتبه وعينيه لسه بتطق شرار من مواجهة نرمين بالأمس. قاطع تفكيره رنين تليفونه، وبص للشاشة لقى المتصل "أمن دار الرعاية".
رد بسرعة وصوت حاد وقاسي:
ـ أيوة.. في حاجة تخص زينب؟"
جاءه صوت مدير الأمن متوتر وبيترعش:
ـ "أهلاً يا رحيم بيه.. أنا آسف جداً للإزعاج، بس عندنا مصيبة قدام بوابة الملجأ. الست عايدة والست نبوية واقفين في الشارع ولمين الناس حواليهم، وعمالين يشهروا بزينب ويقولوا كلام بالباطل في حقها وفي حق الدار، والناس بدأت تتجمع وتصور. إحنا مش عارفين نسيطر عليهم ومصممين يفضلو واقفين لحد ما الفضيحة تكبر."
تصلبت عروق رحيم، وضغط على التليفون بقوة ، وصوته نزل لطبقة مرعبة تخوف أي حد يسمعه:
ـ "خمس دقائق.. خمس دقائق والموضوع هيتلك 
قفل رحيم الخط مع حارس أمن الملجأ، وعينيه كانت بتطق شرار والغضب عمى شوافعه. مكدبش خبر، وضغط على رقم عمار ، وأول ما رد عليه قال له بنبرة حاسمة زي حد السيف:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ـ "عمار.. تاخد رجالة وتطير فوراً على الملجأ اللي كانت فيه  زينب. عايدة ونبوية هناك ولمين الناس وبيشهروا بـ زينب وبيجيبوا سيره بنات الملجأ بالباطل. تلمهم من قفاهم من وسط الشارع، وتدخلهم جوة مكتب الأمن وتطلب لهم النجدة وتعملهم محضر سب وقذف وتشهير وتعدي على منشأة.. مش عايزهم يلمحوا الشارع برة لحد ما أقولك."
عمار رد بسرعة وجدية:
ـ "اعتبره حصل يا رحيم ، مسافة السكة والرجالة هيكونوا هناك والمحضر هيتعمل."
في نفس الدقائق دي، رحيم مكنش قاعد ساكت؛ كان مجهز ضربة تقطم ضهر عايدة وتنهي حكاية  ابنها . فتح درج مكتبه وطلع صور التقارير الطبية والفحوصات الرسمية اللي تخص "محمد" ابن عايدة، والتي تثبت بالدليل القاطع والمستندات الطبية إنه "غير قادر على الجواز" وعنده عجز كامل.
بإشارة واحدة من رحيم لرجاله بتوع السوشيال ميديا والإعلام في مجموعته، الإشاعة والخبر اتحولوا لـ حقيقة مدعمة بالورق. في أقل من نص ساعة، كانت صور التقارير الطبية مغرقة كل صفحات ومجموعات الفيس بوك الخاصة بالمنطقة والحارة بتاعتهم، والبوستات مالت الدنيا وكل شارع في منطقتهم بقى بيتكلم ويسخر من محمد وعجز والورق الرسمي نزل فضيحة بجلاجل.
قدام بوابة الملجأ، كانت عايدة لسه بتصرخ وتصقف بإيدها:
ـ "ابني اتجوزها ودفع دم قلبه، وفي الآخر طلعت معيوبة، وأخدتوا شقى عمره!"
وفجأة، فرملت تلات عربيات دفع رباعي سودا ونزل منها عمار ومعاه مجموعة من الرجالة الضخمة اللي هيبتهم تخوف. عمار اتقدم بخطوات ثابتة، وبإشارة منه، رجالة الأمن بتوع رحيم حاصروا عايدة ونبوية.
عايدة صوته هدي شوية وخافت:
ـ " جرى إيه يا جدع أنت وهو؟ أنتوا مين؟"
عامر ببرود مرعب:
ـ "إحنا اللي هعلمكم إزاي تتبلوا على أسيادكم.. اتفضلي أنتِ وهي قدامي على جوة من سكات بدل ما تتدفنوا هنا."
الرجالة سحبوهم برعب من وسط ذهول الناس، ودخلوهم مكتب الأمن، وفي ثواني كانت عربية الشرطة وصلت بطلب من عامر وبدأوا يحرروا المحضر رسمي بالبلطجة والتشهير.
في الوقت ده، كان محمد قاعد في شغله وسط زمايله، فجأة لاحظ إن الجو اتغير. زمايله بيبصوا له ويهمسوا لبعض، وفيه اللي بيضحك بخبث ومستخبي ورا شاشة الموبايل.
ثواني وتليفون محمد بدأ يرن ورا بعضه بإشعارات رسائل على الواتساب. بيفتح التليفون لقى زمايله في الشغل باعتين له بوستات منشورة على الفيس بوك، بيفتح البوست لقى صورته متصدرة الشاشة، وتحتها كلام عن حكايته مع زينب، والمصيبة الأكبر... صور تقاريره الطبية اللي بتفضح عجزه بالتفصيل ومكتوب عليها "عشان تداروا على خيبتكم تتبلوا على بنات الناس؟!".
محمد وشه جاب ألوان، الدم هرب من عروقه وحس إن الأرض بتلف بيه. بص حواليه لقى عيون زمايله كلها نظرات سخرية وشفقة. مقدرش ينطق، ساب الشغل وطلع يجري برة زي المجنون، وهو بيبكي من القهر والكسرة. شرفه وسيرته بقوا لبانة في بق كل الناس.
بإيدين بتترعش ودموع مغرقة وشه، ضغط على رقم أمه.
في مكتب الأمن في الملجأ، تليفون عايدة رن، والعسكري سمح لها ترد. فتحت الخط وجاءها صوت محمد وهو بيعيط وينهج زي الأطفال من كتر الفضيحة، وزعق فيها بانهيار وصوت مقهور:
ـ "عملتي إيه يا أمه؟! عملتي إيه يخرب بيتك وبيت اللي طاوعتيه! شردتيني وفضحتيني وسط زمايلي في الشغل وفي الحارة كلها! الناس كلها بتبعتلي صوري وفحوصاتي الطبية والدنيا مقلوبة على الفيس بوك! الكل بيضحك عليا وعارف إني مش راجل! أنتِ فين وعملتي فيا إيه؟!"
التليفون وقع من إيد عايدة، وبصت لنبوية بذهول ورعب، عينيها جاحظة ومش قادرة تنطق ولا كلمة،
سحبت الشرطة عايدة ونبوية  لعربية النجدة وسط نظرات الشماتة من الناس اللي كانت واقفة، وعايدة كانت زي المغيبة، رجليها مش شايلاها وصوت ابنها محمد وهو بيصرخ في التليفون لسه بيرن في ودنها وزلزل كيانها.
أما محمد، فمفكرش لحظة واحدة إنه يروحلها الملجأ أو ينجدها؛ الفضيحة كانت أكبر من قدرته على المواجهة. ساب شغله وجري في الشوارع وعينيه في الأرض، حاسس إن كل الناس بتبص عليه وبتشاور على عيبه. وصل البيت ودموعه مغرقة وشه، دخل وقفل الباب وراه بالترابيس، ودخل أوضته وقفل على نفسه وهو بيترعش من الكسرة والقهر، ومش عايز يشوف ضوء الشمس ولا يقابل مخلوق بعد ما سيرته بقت على كل لسان.
في نفس الوقت، قدام مكتب الأمن في الملجأ، كان عامر واقف بيقفل المحضر مع الضابط وبيدي التوجيهات الأخيرة لرجاله عشان يضمن إن اللى حصل ده مايتكررش تانى وياخدوا جزائهم .
في الزاوية، كانت حنان  واقفة ومتابعة كل اللي بيحصل وسايبه عمار هو اللر يتصرق . حنان استنت لما  عامر يخلص وقررت ،  إن دي الفرصة اللي مش هتعوض عشان تستغل وجوده وتتكلم معاه بخصوص "عزة" 
اتقدمت حنان بخطوات سريعة قبل ما عمار يمشي، وقالت بصوت واطي ومحرج :
ـ "يا  عمار.. لو سمحت دقيقة من وقتك .
عمار لف ليها، ملامحه كانت جامدة وحادة، بس لما شافها ملامحه لانت  
ـ  اتفضلي يا ست حنان انا فضيت 
حنان اتلفتت حواليها تضمن إن محدش سامعها وقربت خطوة:
ـ عمار انا عايزه اتكلم معاك فى حاجة مهمه فى المكتب 
ـ تمام اتفضلى
دخلوا المكتب وبدات حنان تفتح مقدمات للموضوع وعمار بقى متلغبط من كلامها وهى حست بده وقررت انها تتكلم بدون لف ودوران 
ـ بصراحه كده يا عمار علاقتك بعزه انت شايفها ازاى 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
دخل عمار المكتب مع حنان، وكان حاسس بنظراتها اللي بتخترقه. قعدت حنان ورا المكتب، وفضل هو واقف للحظات قبل ما يقعد قصادها، ملامحه الجادة بدأت تتحول لهدوء واحترام شديد للست اللي قدامه.
لما رمت حنان سؤالها الصادم والمباشر
ـ بصراحه كده يا عمار علاقتك بعزه انت شايفها ازاى ؟ 
عمار سكت لثواني، أخد نَفَس عميق، وبص في عيون حنان بثبات، ومن غير أي لف أو دوران رد بصوت رجولي وواثق:
ـ أنا بحب عزة يا ست حنان.. ومش شايفها مجرد سكرتيرة في المزرعة، أنا شايفها شريكة حياتي.
حنان اتململت في قعدتها، ملامحها اتقسمت بين الراحة من صراحته، وبين القلق والوجع القديم اللي عايش جواها على بنات الدار. اتنهدت وقالتله بنبرة هادية بس محملة بخوف الأم:
ـ يا عمار بيه، أنت راجل صاحب فضل، واللي عملته النهاردة مع زينب يثبت إنك أصيل. بس عزة بنت ملجأ.. ملهاش ضهر غيرنا، والدنيا مش بتسيب حد في حاله، وأنت مقامك ونفوذك وعيلتك يا ابن الناس.. هل أهلك هيقبلوا؟
هل أنت مستعد تقف قصاد الدنيا عشانها، ولا دي مجرد مشاعر إعجاب ووقت وهيمر؟ وومكن اهلك يرفضوا 
عمار قرب بجسمه لقدام، وحط إيديه على المكتب وقال بنبرة صادقة جداً لدرجة هزت حنان:
ـ أنا مش مراهق يا ست حنان عشان أتسلى بمشاعري. أنا متأكد من كل حرف بقوله. عزة دخلت حياتي وغيرتها، نقائها وبساطتها وعزة نفسها هما اللي شدوني ليها. وبخصوص عيلتي.
أنا راجل مستقل ومسؤول عن قراراتي، ورحيم أخويا ضهري وسندي ومستحيل يقف في طريق سعادتي، بالعكس. أنا مش عايزك تخافي على عزة مني، أنا عايزك تكوني ضهري وتساعديني."
حنان بصتله بذهول:
ـ "أساعدك؟ أساعدك في إيه يا عمار؟"
عمار ابتسم ابتسامة هادية وفيها رجاء:
ـ تساعديني أقرب منها من غير ما تحس بخوف أو حرج. عزة حاطة بيني وبينها حواجز وحدود من حديد، الحادثة بتاعة النهاردة والوجع اللي في رجلها خلاها تلين شوية، بس أنا مش عايز أضغط عليها ولا أخوفها. أنا هبعت لها الشغل للبيت زي ما قولت، وعايزك أنتِ تراقبيها.. وتطمنيها من ناحيتي. أنا بطلبها منك بشرع الله، بس عايزها هي كمان تفتح لي قلبها وتطمن لي.
حنان لقت نفسها بتبتسم غصب عنها، صراحة عمار ورجولته في المواجهة خطفوا احترامها. هزت راسها وقالت.
ـ "طالما دخلت البيوت من أبوابها يا ابن الناس، وأنا شايفة الصدق في عينك، يبقى أنا معاك. بس لو حسيت في يوم إنك هتكسر بخاطر بنتي، هكون أنا أول حد يقف في وشك.
عمار قام وقف وباس على راس حنان باحترام:
ـ لو كسر خاطرها يبقى بموتي يا ست حنان. سيبيني بقا أروح أطمن على الباقي وأتابع المحضر.
في نفس الوقت، في قصر رحيم.
كانت زينب قاعدة في أوضة مالك بعد ما هدي ونام. كانت بتفكر في كل اللي حصل.. في نرمين وإهانتها ليها، وفي دخلة رحيم وصوته اللي زلزل المكان عشان يدافع عنها. كلمته اللي يغلط فيها يبقى بيغلط في رحيم الهواري كانت بترن في ودنها وتعمل زلزال في قلبها.
تليفونها رن، لقت المتصل حنان. ردت بلهفة وقلق:
ـ أيوة يا ماما حنان! خير، عزة كويسة؟"
حنان صوتها كان مليان راحة وطمأنينة:
ـ "عزة كويسة والحمد لله في أوضتها بتطمن.. بس مش عزة اللي كانت في مشكلة يا زينب. طليقك وأمه جوم لحد باب الملجأ وكانوا عايزين يعملوا فضيحة."
زينب قلبتها سقطت، ودموعها نزلت فجأة:
ـ "يا مصيبتي! جم يعملوا إيه؟ وشوهوا سمعتي؟ أنا ذنبي إيه بس يا رب.."
حنان قاطعتها بسرعة وحزم:
ـ "اهدي يا بنتي واسمعيني! الموضوع خلص في دقايق. رحيم بيه وعمار بيه قلبوا الدنيا. عمار جه بنفسه ورجالته ولموهم من وسط الشارع وعملوا لهم محضر بلطجة وتشهير، ودلوقتي عايدة ونبوية محبوسين في القسم.. ومش بس كده، رحيم بيه نشر الورق الطبي بتاع ابنها وفضح عيبه في المنطقة كلها، وبقى هو اللي فضيحته بجلاجل ومش قادر يخرج من بيته!
زينب حطت إيدها على بوقها بذهول، الدموع بقت تنزل من الصدمة مش من الخوف. رحيم عمل كل ده؟ عشانها؟ انتقم لها ورد لها كرامتها اللي اتداست في ثواني؟
قاطعت المكالمة مع حنان بعد ما اطمنت، وفضلت قاعدة مش مصدقة. خرجت من أوضة مالك بخطوات ميتة، ونزلت السلم وهي بتدور عليه. لقت القصر هادي جداً، وصوت نابع من مكتبه.
مشيت لحد الباب، ولقت الباب موارب. رحيم كان قاعد ورا مكتبه، قالع جاكيت البدلة، وفاتح أول زرارين من قميصه، وملامحه فيها إرهاق وغضب لسه ماختفتش تماماً.
دقت الباب بخفة، رحيم رفع عينه وبصلها، ونظرة الحمار والحدة اللي كانت في عينه اتمحت أول ما شافها.
ـ "زينب؟ مالك نام؟" صوته كان هادي ودافي، عكس الإعصار اللي كان شغال بره.
زينب دخلت خطوتين، إيديها كانت بتترعش، وبصت له وعيونها مليانة دموع وقالت بصوت مخنوق .
ـ رحيم بيه.. أنا عرفت باللي حصل في الملجأ.
رحيم قام من ورا مكتبه وقرب منها، وفضل واقف على مسافة قريبة، وعينه في عينها:
ـ بتعيطى ليه مش حقك جالك ؟ 
زينب رفعت عينيها اللي مليانة دموع، وبصت لرحيم بنظرة مكسورة بس فيها كمية امتنان وتقدير هزت كيانها. بلعت ريقها وصوتها طلع مخنوق ومتحشرج من كتر المشاعر اللي حبساها في قلبها:
ـ "أنا مش بعيط من الزعل يا رحيم بيه.. أنا بعيط لأن لأول مرة في حياتي أحس إن ليا ضهر، أول مرة أحس إن في حد ممكن يهد الدنيا عشان يرجعلي حقي ويحفظلي كرامتي."
نزلت دموعها أكتر، فقربت خطوة وكمّلت بنبرة طالعة من أعماق قلبها:
ـ "أنا مش عارفة أشكرك إزاي.. شكراً على كل حاجة عملتها معايا، وعلى كل اللي بتعمله دلوقتي، وعلى أي حاجة لسه هتعملها عشان تحميني. أنا عمري ما هنسالك اللي عملته النهاردة.. أنت.. أنت في نظري دلوقتي أعظم راجل في العالم كله.
الكلمة طلعت منها عفوية وصادقة، ووقعت على ودن رحيم زي السحر. رحيم اتسمر مكانه، ونظرته الحادة المعتادة اتمحت تماماً، وحل مكانها لمعة دافية وغموض مليان تملك. قرب منها أكتر، لدرجة إن المسافة بينهم بقت خطوة واحدة، وبص في عينيها بتركيز رهيب وهو بيقول بصوت منخفض، هادي وحازم في نفس الوقت:
ـ أنا ما بعملش كل ده عشان اسمع كلمة شكر يا زينب.. أنا بعمل ده لأن ده مكاني، وده طبعي مع اللي يخصني. وأنتِ من يوم ما دخلتي البيت ده وبقيتي مسؤولة عن مالك.. بقيتي مسؤولة مني أنا كمان.
سكت لحظة، وعينيه اتعلقت بملامح وشها المرتبكة، وكمل بنبرة فيها وعد قاطع
ـ "كلمة 'أعظم راجل في العالم' دي مكانها مش هنا وأنتِ بتعيطي.. مكانها لما تشوفي اللي جاي، ولما تتأكدي إن طول ما رحيم الهواري على وش الأرض، مفيش مخلوق هيقدر يخلّي عينك تنزل في الأرض تاني. ادخلي أوضتك دلوقتي، وارتاحي، وعايزك تصحي الصبح ناسية كل اللي حصل برة البوابة.. مفهوم؟
زينب هزت راسها بإيجاب وهي مش قادرة تنطق، لفت وخرجت من المكتب بقلب بيدق بعنف، حاسة إن الإعصار اللي جوة رحيم بدأ يتسرب لروحها ويغير كل حساباتها.
في دار الرعاية، كانت عزة قاعدة في سريرها، ورجلها مرفوعة على مخدة زي ما الدكتور قال، واللاب توب مفتوح قدامها. كانت بتحاول تركز في الملفات اللي باعتها عمار، بس عقلها كان شارد في ملامحه وهو شايلها، وفي كلمته الغامضة: "دي مش أول مرة أشيلك فيها يا عزة".
قطع تفكيرها دخول حنان وهي شايلة صينية عليها كوباية عصير دافي. حنان قعدت على طرف السرير وبصت لعزة بنظرة طويلة مليانة حنان وقلق أمومة.
عزة عدلت قعدتها وقالت بابتسامة:
ـ تسلم إيدك يا ماما حنان.. تعباكي معايا.
حنان حطت الصينية واتنهدت تنهيدة غويطة 
ـ تعبك راحة يا قلب ماما.. قوليلي، الشغل ماشي إزاي وأنتِ في السرير؟"
عزة عينيها لمعت:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ـ عمار بيه بعتلي كل ملفات الحسابات والمشتريات الجديدة على الإيميل، وبصراحة مسهل عليا كل حاجة، وكل شوية يبعت رسالة يطمن لو محتاجة وقت زيادة.
حنان سكتت لحظة، وبعدين قررت تفتح معاها الموضوع اللي اتفقت فيه مع عمار. طبطبت على إيد عزة وقالت بنبرة هادية وممهدة:
ـ عمار بيه ده راجل أصيل ومحترم يا عزة.. اللي عمله النهاردة مع زينب، واهتمامه بيكي وتوصيلك لحد هنا ورفضه إنك تتعبي، كل دي حاجات بتقول إنه راجل بجد، وبيفهم الأصول.
عزة وشها احمر فجأة وبصت في اللاب توب بتوتر:
ـ فعلاً يا ماما.. هو مدير طيب جداً وبيراعي ربنا في الشغالين معاه.
حنان ابتسمت بخبث أمومي وقربت منها:
ـ مدير وطيب بس يا عزة؟ ولا في حاجة تانية؟ بصي في عيني يا بنتي.. نظرات عمار ليكي مش نظرات مدير لسكرتيرة، ولا اهتمامه ده اهتمام شغل. الراجل ده شريكي فيكي وطلبك مني بشرع الله والنهاردة فتح معايا الموضوع في المكتب."
عزة اتصدمت، وعينيها اتسعت بذهول، واللاب توب كان هيقع من إيديها:
ـ "إيه؟! طلبني منك؟ عمار بيه يا ماما؟!"
حنان هزت راسها بالراحة:
ـ "أيوا يا عزة، وقالي إنه بيحبك وعايزك شريكة حياته، وأنه مستعد يقف قصاد الدنيا كلها عشانك. أنا قولتله إنك بنت الدار ومالكيش ضهر، قالي أنا ضهرها وأمانها. أنا شايفة الصدق في عينه يا بنتي، بس كان لازم أرجعلك.. قوليلي، قلبك بيقولك إيه من ناحيته؟"
عزة حست إن الدنيا بتلف بيها، ضربات قلبها بقت مسموعة، والأسئلة بدأت تتصارع في دماغها.. عمار بيحبها؟ وعايز يتجوزها؟ وفي نفس الوقت، الكلمة القديمة رجعت ترن في ودنها وتخلق علامات استفهام تانية.
توقعات وقفل للبارت الجاي:
رد فعل عزة: يا ترى عزة هتعترف لحنان بمشاعرها، ولا خوفها من الفروق الاجتماعية وبأنها "بنت ملجأ" هيخليها تتردد وتطلب وقت تفكر؟ وياترى الماضى لسه ملاحق وجوازتها السابقه هتأثر فى قرارها
عزة اتسمرت في مكانها، وعينيها كانت بتلف في الأوضة بتوتر وقلق واضح. حطت اللاب توب على جنب بإيدين بترتعش، وحست إن في جبل نزل على كتافها فجأة. كلام حنان كان صدمة ومفاجأة مكنتش مستعدة ليها أبداً.
نزلت عينيها في الأرض، والذكريات بدأت تهاجمها زي السيل.. افتكرت الماضي، وافتكرت طليقها اللي كانت خدامه ليه ولأهله ولاخواتخ ورماها فى الاهر فى المستشفى بين الحياه والموت ، ورجعت الدار مكسورة الجناح. افتكرت الحواجز اللي بنتها حوالين نفسها عشان تحمي قلبها من الوجع تاني.
بصت لحنان ودموعها لمعت في عينيها وقالت بنبرة خايفة ومترددة:
ـ "بس يا ماما حنان.. أنا خايفة. أنا جربت قبل كده والنتيجة كانت كسر نفس وخاطر. الماضي لسه معلم عليا، وكل ما افتكر اللي حصل بخاف أفتح الباب لأي حد.. وعمار بيه راجل نفوذ ومقامه عالي، وأنا.. أنا بخاف من بكرة."
حنان قربت منها أكتر، وأخدت إيديها المرتعشة بين كفوفها، وبصت في عينيها بنظرة كلها حنان وأمومة وثقة، وقالتلها بصوت دافي يطمن:
ـ "يا عزة يا بنتي.. لو كل الرجالة زي طليقك، مكنتش ولا واحدة عمرت في جوازة يا قلب أمك! الدنيا مش كلها سواد، وأصابعك مش زي بعضها."
طبطبت على إيدها وكمّلت بكلام يوزن بلد:
ـ "شوفي بنات الملجأ اللي اتجوزوا قبلك.. ما شاء الله عليهم، كلهم عايشين سعداء ومتهنيين في بيوتهم، لأنهم اختاروا رجالة بتصون وتصان. أهم حاجة في الدنيا دي كلها هي 'الراجل' ومعدنه.. وعمار راجل ابن أصول، وأنا بعد اللي شفته منه، وتصرفه معاكي ومع زينب، أضمن لك عمار برقبتي يا عزة."
كلام حنان نزل على قلب عزة زي البلسم، وخلى الرعب اللي جواها يهدأ شوية. عزة سكتت ووشها جاب ألوان من الكسوف، وحست إن الحواجز اللي حطاها قدام عمار بدأت تدوب وتنهار قدام صدقه وضمان حنان ليه.
نزلت عزة عينيها الأرض، وابتسامة كسوف حقيقية اترسمت على شفايفها لأول مرة من سنين، ووشها اتصبغ باللون الأحمر. كلام حنان طمن الخوف اللي عشّش في قلبها، وحست إن الأمان اللي كانت بتدور عليه مش بعيد.
هزت راسها بنبرة صوت خافتة ومكسوفة:
ـ "سيبيني أفكر يا ماما.. بس كلامك خلاني أشوف حاجات كتير مكنتش واخدة بالي منها."
حنان ابتسمت بفرحة وبستها من راسها:
ـ "فكري براحتك يا قلب ماما، الراجل شاري، وأنا معاكي في أي قرار."
في أوضة مالك. زينب كانت قاعدة جنبه على السرير، بتملس على شعره بحنان وهو باصص ليها بعيون واسعة ومليانة شغف، بعد ما تخلصت تماماً من خوفها وبقت حاسة بإنها وسط عيلتها وحمايتها.
مالك سألها بصوته الطفولي:
ـ "زينب.. هو أنتِ كنتِ فين قبل ما تيجي تعيشي معايا هنا؟ يعني إيه 'الملجأ' اللي بابا راحلك فيه؟"
زينب ابتسمت بحنان، وقربت منه أكتر وقالت بصوت دافي مليان مشاعر:
ـ "الملجأ ده يا لوكا.. مكان واسع وجميل أوي، فيه جنينة كبيرة، وبيت كبير فيها أطفال زي العصافير. الأطفال دول معندهمش بابا وماما زي بقية الولاد، بس ربنا جعل الدار دي هي بيتهم الكبير، وماما حنان هي أمهم اللي بتخاف عليهم وتحميهم."
مالك اتعدل في قعدته واهتمامه زاد:
ـ "يعني هما عايشين كلهم مع بعض؟ وبيلعبوا سوا؟"
زينب هزت راسها ودموع اللمعة في عينيها دافية:
ـ "آه يا حبيبي، بيلعبوا، وبيذاكروا، وبيحبوا بعض جداً. بس ساعات بيحسوا إنهم محتاجين حد يزورهم، حد يلعب معاهم ويحسسهم إن الدنيا مليانة ناس بتحبهم. أنا كنت هناك معاهم، وبقضي معاهم أحلى الأوقات."
مالك لمعت عيونه ببريق طفولي خالص، وقال بلهفة:
ـ "أنا نفسي أروح هناك يا زينب! نفسي أشوف الأطفال دول وأخد معايا كل اللعب بتاعتي العب معاهم وأديهالهم.. هما ينفع يبقوا أصحابي؟"
في اللحظة دي، الباب اتفتح بهدوء، ودخل رحيم بعد ما غير هدومه لبنطلون مريح وتيشرت أسود برزت فيه هيبته وعضلاته. ملامحه كانت هادية تماماً، وعينيه اتعلقت بزينب اللي ارتبكت أول ما شافته وافتكرت كلامه معاها في المكتب.
رحيم قرب من السرير وسأل بصوته الرخيم:
ـ "سامع كلام عن سفر وخروج.. مين اللي عايز يروح فين؟"
مالك اتنطط على السرير وجري على حضن أبوه:
ـ "بابا! زينب كانت بتكيلي عن الملجأ والأطفال اللي هناك.. أنا عايز أروح ألعب معاهم يا بابا، أرجوك خلينا نسافر ونروح نشوفهم، أنا عايز أديهم لعب من بتاعتي!
رحيم رفع عينه وبص لزينب نظرة طويلة، غامقة ومليانة معاني، كأنه بيقرأ اللي جواها ويشوف تأثير كلامه عليها. زينب نزلت عينيها بتوتر ودقات قلبها زادت.
رحيم رجع بص لمالك وطبطب على ضهره بحنان حازم:
ـ "عايز تسافر وتزورهم يا مالك؟"
مالك هز راسه بحماس:
ـ "أيوة يا بابا.. أرجوك!"
رحيم ابتسم ابتسامة خفيفة، وبص لزينب تاني وقال بنبرة صوت واثقة وفيها أمر غير مباشر:
ـ "خلاص يا بطل، جهز نفسك، هناخد زينب معانا وهنسافر كلنا زيارة للدار.. والزيارة دي هتبقى باسمك أنت وزينب."
زينب رفعت عينيها لرحيم بذهول وفرحة مكنتش قادرة تخبيها، والراجل ده كل ثانية بيثبتلها فعلاً إنه مش بس ضهر.. ده بيعرف يداوي القلوب بالطريقة اللي تليق برحيم الهواري.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
في صباح اليوم التالي، الشمس طلعت ونورت أوض الملجأ، وعزة كانت صاحية من بدري، باصة للسقف وكلمات ماما حنان بتلف في دماغها زي السواقي. لأول مرة من سنين، تحس إن الحصار اللي فرضته على قلبها بدأ يتشقق، وإن فيه أمل حقيقي جاي في السكة، بس الخوف لسه قابع في زاوية مستخبية جواها.
قطع تفكيرها خبط هادي على الباب، ودخول حنان وعلى وشها ابتسامة صافية:
ـ "صباح الخير يا قلب أمك.. رجلنا النهاردة أحسن؟"
عزة ابتسمت وحركت رجلها بالراحة:
ـ "الحمد لله يا ماما، الوجع قل كتير.. تسلمي لي يا رب."
حنان قعدت جنبها وقالت بنبرة ذات مغزى:
ـ "طب يالا شدي حيلك، عشان عمار بيه اتصل ومأكد عليا إنه جاي بنفسه على العثر كده، قالي معاه ملفات حسابات مهمة للمزرعة لازم تراجعيها معاه بنفسك، 
عزة وشها اتخطف وجاب ألوان، وبدأت تفرك في غطا السرير بتوتر المره دى وجود عنار مختلف عن كل مره بسبب كلامها مع حنان المره اللى فاتت وبسبب انها عرفت نيته تجاهها 
ـ حاضر هقوم اجهز واخرج انا حاسه انى اقدر اتحرك وممكن انزل المزرعه تانى 
عصر نفس اليوم، عربية عمار وقفت قدام الدار. نزل بهيبته الطاغية، لابس قميص كحلي مبرز طوله وعرضه، وفي إيده ملفات الشغل. دخل الدار بخطوات ثابتة، واستقبلته حنان بترحيب حار، ودخلته مكتبها  وكانت  عزه منظراع عشان تقابله وتبدا شغل 
عمار دخل المكتب، وأول ما عينه جت على عزة، ملامحه الحادة لانت تماماً واتحولت لنظرة دافية مليانة لهفة. قرب منها وقعد في الكرسي المقابل ليها، وحط الملفات على المكتب .
ـ ألف سلامة عليكي يا عزة.. إن شاء الله تكوني أحسن النهاردة؟
عزة نزلت عينيها الأرض والدموية هربت لخدودها اللي بقت زي الطماطم:
ـ الله يسلمك يا عمار بيه.. الحمد لله، وبقيت أحسن كتير بفضل الله وممكن كمان ارجع الشغل بقيت اقظر اتحرك بسيط 
عمار سكت لحظة، وبص للملفات وبعدين رجع بص لعزة بثبات وقرر إنه مش هيضيع وقت في الكلام الرسمي. قرب بجسمه شوية وقال بنبرة صادقة هزت كيانها:
ـ عزة.. أنا مش جاي عشان الحسابات والملفات دي، أنا جيت عشان ست حنان أكيد كلمتك في اللي دار بيني وبينها امبارح.
عزة اتسمرت مكانها، وأنفاسها بدأت تتسارع، ومقدرتش ترفع عينها تبص له. عمار كمل وكلامه طالع من أعماق قلبه:
ـ أنا عارف إنك خايفة، وعارف إن الماضي ساب فيكي جرح مش سهل يلم، ومقدر حواجز الحديد اللي حطاها بينك وبين الدنيا. بس أنا عايزك تعرفي حاجة واحدة.. أنا عمار ، لما بختار، بختار بقلبي وعقلي مع بعض. وأنا اخترتك أنتى، وشايفك ست بيتي والضهر اللي هسند عليه. مش عايزك تفكري في فروق اجتماعية ولا في كلمة 'بنت ملجأ'، لأنك عندي غالية وتوزني بلد.. كل اللي محتاجه منك، تديني فرصة، وتفتحي الباب لأمانك اللي جاي .. عزه انتى لو طلبتى اى ضمان يضمن كلامى انا موافق ومستعد لانى عارف انى هقدر اصونك واسعدك 
كلام عمار نزل على قلب عزة زي المطر في أرض ناشفة، دموعها لمعت في عينيها من كتر التأثر، ولأول مرة تحس ، وإن الراجل اللي قدامها ده فعلاً يقدر يمحو كل الوجع القديم. رفعت عينيها وبصت له بنظرة هادية ومكسوفة، وهزت راسها ببطء من غير ما تنطق، والابتسامة الخفيفة اللي ظهرت على شفايفها كانت كافية لعمار عشان يفهم إن الحواجز بدأت تنهار.
قرر عمار انه يسبها ويتكلم معاها مره تانيه ويعرفها عن نفسه وعيلته وعلاقته برحيم 
فى القصر، ومالك صاحي من بدري جداً، عمال يتنطط من الفرحة ومستني اللحظة اللي هيخرجوا فيها. زينب نزلت وراه وهي لابس طقم رقيق وهادي، والابتسامة مش مفارقة وشها .
خرج رحيم من جناح الخصوصي بتاعه، بكامل هيبته وأناقته المعتادة، لابس بنطلون جينز غامق وقميص كاجوال كاشف عن وسامته وطوله. بص لمالك اللي جِري عليه ومسك في إيده:
ـ "بابا! يلا بينا بقا، أنا جاهز واللعب مستنيانا في المول!"
رحيم ابتسم ابتسامة خفيفة وطبطب على راسه:
ـ "يلا يا بطل، العربيات جاهزة برة."
بص لزينب اللي كانت واقفة ومكسوفة، ونظراته الدافية ثبتت عليها لثواني هزت كيانها، وقال بنبرة هادية:
ـ "جاهزة يا زينب؟"
زينب هزت راسها بخجل:
ـ "جاهزة يا رحيم بيه.. 
اتحركوا ورا بعض وركبوا العربية، ورحيم ساج بنفسه والبودي جاردز وراهم في عربيات تانية عشان الخصوصية. مالك طول الطريق كان عمال يتكلم بحماس عن اللعب اللي عايز يشتريها لأصحابه في الدار، وزينب بتشاركه الفرحة وبتبص لرحيم من وقت للتاني في مراية العربية، وتلاقيه عينه عليها بلمعة تملك غريبة بتخطف دقات قلبها.
وصلوا واحد من أكبر المولات، وأول ما دخلوا، رحيم أخد مالك في إيده، ومشى وزينب جنبه كأنهم عيلة حقيقية، والناس كلها بتبص عليهم بإعجاب للهيبة والجمال اللي هما فيه. دخلوا محل ألعاب أطفال كبير جداً، ومالك أول ما شاف اللعب عينيه لمعت وبدأ يجري هنا وهنا.
مالك كان بيختار اللعب بشغف كبير، يمسك الكورة ويقول:  ويمسك العروسة وعربيه كل ما يشوف حاجه تعجبه يجبعا زينب كانت ماشية وراه، بتساعده يختار الحاجات الصح وتوجهه بحنان، ورحيم واقف على بعد خطوات، حاطط إيديه في جيوبه ومتابعهم، وملامحه القاسية اللي الكل بيخاف منها، دابت تماماً وحل مكانها راحة وسعادة مكنش حس بيها من سنين.
بعد ما خلصوا قسم الألعاب والخدم بتوع المحل جمعوا كل الشنط، رحيم أخد مالك ودخلوا محل ملابس براند كبير للأطفال. مالك بدأ يختار هدوم ولعب لنفسه كمان وهو فرحان ومبسوط، وزينب بتنقيله الألوان اللي تليق عليه وتظبط المقاسات.
وفجأة، رحيم ساب مالك مع الحرس وجيه وقف جمب زينب اللي كانت بتطبق جاكيت لمالك. بص لها بنظرة عميقة وقال بصوته الرخيم الهادي:
ـ "زينب.. أدخلي اتفرجي على لبس ليكي، ونقي كل اللي يعجبك."
زينب اتفاجأت وبصت له بسرعة بذهول:
ـ "أنا؟ لأ طبعاً يا رحيم بيه  أنا مش محتاجة حاجة، واللبس اللي عندي كتير والحمد لله."
رحيم قرب منها خطوة، ونبرة صوته بقت حازمة بس فيها حنان مش طبيعي:
ـ "أنا مباخدش رأيك يا زينب، أنا بقولك نقي لبس ليكي.  يلا، اتفضلي نقي اللي يعجبك ومن غير نقاش.
زينب بلعت ريقها، وقلبها عمل زلزال عنيف من كلمته  لقت نفسها بتسلم لأمره ومش قادرة ترفض الطلب، مش عشان الهدوم، بس لأن اهتمامه وتدليله ليها بيخليها تحس إنها ملكت الدنيا كلها. مشيت بخطوات مرتبكة وبدأت تنقي فساتين وأطقم رقيقة على ذوقها، ورحيم عينه مسبتهاش لحظة، والابتسامة مرسومة على شفايفه بنصر.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بينما هما عايشين في قمة السعادة والانبساط في المول، والشنط بتتملي فرحة وهدايا..
رجعوا القصر والشنط مالية العربيات، ومالك مش قادر يستنى من كتر الحماس. رحيم ماضيعش وقت، وأمر الرجالة يجهزوا العربيات الكبيرة عشان السفر للملجأ، وكل الهدايا واللبس واللعب اللي اشتراها مالك بنفسه اتصفت بالترتيب.
زينب طلعت أوضتها تغير هدومها وتجهز نفسها، فتحت الدولاب وبصت للأطقم الجديدة اللي رحيم صمم يشتريها لها. اختارت فستان رقيق ومحتشم جداً، لونه هادي ويليق بملامحها الصافية. أول ما بصت في المراية، حست إنها مش مصدقة التغيير اللي حصل في حياتها؛ من بنت مكسورة وجرحها لسه بينزف، لـ إنسانة حاسة بقيمتها وكرامتها مرفوعة في السما بفضل ربنا ثم الراجل اللي مستنيها تحت.
نزلت السلم، وكان رحيم واقف لابس نظارته الشمسية وجاكيت كاجوال أنيق، ومالك ماسك في إيده. أول ما رحيم رفع عينه وشافها نازلة بالفستان الجديد، عينيه لمعت ببريق تملك وإعجاب واضح، وملامحه القاسية لانت تماماً. قرب منها وقال بصوته الرخيم الدافي:
ـ "الفستان لايق عليكي جداً يا زينب يالّا بينا، العربيات جاهزة والكل مستنينا هناك.
ركبوا العربية، ومالك في النص مش بيبطل كلام وضحك، ورحيم سايق ومركّز في الطريق، بس من وقت للتاني كان بيبص لزينب ونظراته بتطمن قلبها وتأكد لها إن الخوف ملوش مكان في حياتها تاني طول ما هو موجود.
بعد مسافة السكة، وصلت القافلة قدام بوابة الملجأ. العربيات السودا الفخمة وقفت، والحرس نزلوا بسرعة يفتحوا الأبواب ويجهزوا الشنط والهدايا.
الدار كلها كانت مقلوبة ومنورة؛ الأطفال واقفين في الجنينة ومستنيين بلهفة، وست حنان وعزة واقفين على الباب والابتسامة مالية وشوشهم. مالك أول ما الباب اتفتح، ، جري على الأطفال وهو شايل أول شنطة ألعاب وعالي صوته بفرحة:
ـ "أنا جيت! وجايب لكم معايا لعب كتير أوي نقسمها سوا!"
زينب نزلت وعينيها مليانة دموع الفرحة، جريت على ماما حنان وأخدتها في حضنها الغالي، وحنان بتطبطب عليها وبتقول بنبرة كله فخر:
ـ "نورتي بيتك يا قلب أمك.
عزة قربت منهم وهي بتعرج بسيط ورجلها أحسن كتير، وسلمت على زينب بفرحة، وعينيها جت في عين عمار اللي كان واقف ورا رحيم، ووشها احمر كالعادة من الكسوف الحقيقي.
رحيم اتقدم بخطواته الثابتة اللي ليها هيبة تهز المكان، وبص للأطفال ومالك وهو بيوزع اللعب بنفسه والضحكة مالية وشه 
رحيم وقف يراقب المشهد وعينيه فيها لمعة رضا غريبة مكنتش بتظهر عليه أبداً، وفجأة مالك شد إيده:
ـ "بابا.. تعالى العب معانا كورة! أرجوك يا بابا عشان نكسبهم!"
زينب بصت لرحيم بابتسامة ومكنتش تتوقع إنه يوافق، بس رحيم قلع نظارته الشمسية واداها لعمار، وبكل هيبة ورشاقة دخل وسط الأطفال وبدأ يلعب معاهم الكورة. ضحكته الرخيمة الرجولية طلعت لأول مرة من قلبه وهو بيجاري مالك والأطفال في اللعب. عمار مكدبش خبر، شمر كمام قميصه ودخل هو كمان الفريق المنافس، وبقت الجنينة عبارة عن ساحة من الفرحة والضحك اللي طالع من القلب، وزينب وماما حنان واقفين على جنب وعيونهم مليانة دموع من كتر الدفء اللي مالي المكان.
وسط اللعب والهيصة، رحيم  وقف الكورة بإيده وصفر بصوته عشان يلم الأطفال حواليه، وقال بصوت عالي ومليان حماس:
ـ "اسمعوا يا أبطال! بمناسبة اليوم الجميل ده، أنا وعمار  مجهزين لكم مفاجأة.. بعد بكره كلكم طالعين رحلة كبيرة ، هنروح الملاهي الكبيرة وهنقضي يوم كامل لعب وتنطيط، ومحدش هيرجع إلا وهو مبسوط .
الأطفال أول ما سمعوا كلمة "رحلة وملاهي"، صرخوا من الفرحة وفضلوا يتنططوا ويسقفوا، وعزة كانت واقفة ساندة على باب المكتب وبتبص لعمار بنظرة كلها إعجاب وتقدير حقيقي لقلبه الطيب اللي بيعرف يفرحهم إزاي، وعمار لم المحها وبادلها نظرة دافية طمنتها أكتر.
على المغربية، الجو هدي شوية، والأطفال دخلوا يتعشوا ويستعدوا للنوم. زينب قربت من رحيم وقالت بنبرة مكسوفة وخافتة
ـ "رحيم بيه.. أنا.. أنا كنت عايزة أطلب من حضرتك طلب لو ينفع.. أنا حابة أبات النهاردة هنا في الملجأ مع ماما حنان وعزة والأطفال، وحشتني قعدتهم أوي، ولو حضرتك وافقت هصحي الصبح بدري وأرجع القصر فوراً."
رحيم بص لها نظرة طويلة، غامقة وفيها تملك، لسه هيتكلم لقى مالك شبط في فستان زينب وصوته طالع بطفولة وعناد:
ـ "لأ يا زينب! مش هتمشي وتسيبينا! أنا عايز أبات معاكي هنا.. بابا، أرجوك خلينا نُقعد مع زينب النهاردة هنا في الملجأ، أنا حبيت الأطفال وعايز أنام جمبهم!"
زينب ارتبكت وبصت لرحيم بتوتر، ورحيم طبطب على راس مالك وقال بحنان حازم:
ـ "مالك.. زينب هتبات هنا النهاردة عشان وحشوها، وأنا وأنت هنروح المزرعة مع عمك عمار عشان ورانا شغل مهم الصبح بدري، والصبح هنيجي ناخدها ونرجع كلنا.. مفهوم يا بطل؟"
مالك برطم شوية بس لما شاف نظرة أبوه الحاسمة وافق وهز راسه:
ـ "ماشي يا بابا.. بس نيجي بدري أوي."
رحيم لف وبص لزينب، وقرب منها خطوة وبقى صوته منخفض ومرعب في دفيء تملكه:
ـ "باتي النهاردة يا زينب وارتاحي وسط أهلك.. 
اتحرك رحيم وعمار وأخدوا مالك معاهم وركبوا العربية واتجهوا للمزرعة القريبة من الملجأ.
أول ما وصلوا المزرعة، رحيم نزل بملامحه الجادة اللي رجعت لطبيعتها، ودخل المكتب الكبير وبدأ يراجع مع عمار أوراق الشغل والحسابات الأخيرة، وعمار فتح اللاب توب وبدأ يوريه آخر التطورات في خطوط الإنتاج الجديدة ومشتريات الأجهزة.
رحيم كان بيسمع بتركيز وعينيه بتفحص كل صغيرة وكبيرة، وقال بصوته الحاد:
ـ "الشغل ماشي مظبوط يا عمار.. المزرعة هنا هي أساس شغلنا الجديد، وعايز التقارير دي تتبعت أول بأول.. وبخصوص عزة، واضح إنها مخلصة في شغلها ومنظمة جداً في الحسابات اللي بعتتهالي."
عمار ابتسم بفخر وقال:
ـ "عزة مفيش منها يا رحيم.. وهي اللي شايلة حسابات المزرعة كلها على كتافها."
قضوا الليلة في مكتب المزرعة بيتابعوا الشغل لحد الفجر، ورحيم وعمار عينهم على بكرة، وكل واحد فيهم جواه إعصار من المشاعر والأفكار تجاه البنت اللي خطفت قلبه وغيرت حساباته تماماً. 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
في صباح اليوم التالي، الدار كانت مليانة بحركة ونشاط غير عادي. الأطفال صاحيين من بدري، لابسين أحسن هدوم عندهم، وصوت ضحكهم مالي المكان استعداداً لرحلة الملاهي اللي رحيم وعمار وعدوهم بيها.
زينب نزلت السلم وهي لابس فستان رقيق بلون الكشمير الهادي، مبرز صفاء ملامحها، وأول ما شافتها  حنان اتنهدت بابتسامة وفخر:
ـ "بسم الله ما شاء الله يا بنتي.. ربنا يحميكي ويسعد أيامك."
زينب ابتسمت بكسوف:
ـ "تسلمي لي يا ماما.. أنا حاسة إن بقالي كتير ما فرحتش من قلبي كدة."
في نفس اللحظة، كانت عزة خارجة من أوضتها، لابس دريس رقيق جداً باللون الكحلي، ورجلها بقت أحسن كتير بفضل الله، الكسوف كان باين في مشيتها وهي بتفتكر كلام عمار ليها امبارح في المكتب وعهده ليها إنه هيكون أمانها وضهرها.
برة الدار، صوت كلاكس  العربيات أعلن عن وصول العربيات اللي هتنقلهم الملاهى 
وقفت عربية رحيم وعربية عمار، والحرس نزلوا يفتحوا الأبواب بهيبة تليق بيهم. رحيم نزل بكامل وسامته وأناقته الكاجوال، نظارته الشمسية على عينه، ولمح زينب واقفة على الباب.. قلع النظارة ببطء، ونظرة عينه الغامقة والثابتة اتعلقت بوشها، نظرة مفيهاش كلام بس فيها كمية "تملك وأمان" خلت قلب زينب يدق بعنف، وابتسمت له بخجل حقيقي.
مالك جِري من العربية على زينب وأخدها في حضنه:
ـ "زينب! وحشتيني أوي.. يلا بينا الملاهي جاهزة!"
أما عمار.. فنزل من عربيته وعينه بتدور على "حاجة واحدة بس". أول ما لقط عزة واقفة، ملامحه الحادة والجدية اتمحت تماماً وحلت مكانها ابتسامة دافية ولهفة رجولية واضحة. قرب بخطواته الثابتة لحد ما وقف قصادها مباشرة، بص لعينيها المكسوفة وقال بصوته الصادق والواثق:
ـ "صباح الخير يا عزة.. رجلك عاملة إيه النهاردة؟ إن شاء الله مفيش وجع؟"
عزة وشها اتصبغ باللون الأحمر، ونزلت عينيها الأرض وهي بتفرك في إيدها بتوتر .
ـ "صباح النور يا عمار بيه.. الحمد لله، بقيت أحسن كتير ومبقتش أوجعني خالص."
عمار قرب خطوة، وبصوت منخفض مسمعتوش غيرها قال بنبرة دافية تذوب الحديد:
ـ "ياريت نشيل 'بيه' دي وإحنا برة الشغل.. قولي عمار بس. وبعدين، أنا قولتلك امبارح ايه  والنهاردة أنا جاي عشان أشوف الضحكة دي منورة وشك.
عزة حست إن ضربات قلبها بقت مسموعة، ورفعت عينها لثواني التقت بعينه اللي مليانة صدق وأمان، وهزت راسها بكسوف وخجل حرك كل مشاعر عمار تجاهها.
في مدينة الملاهي الكبيرة
المنظر كان أشبه بلوحة سينمائية مبهجة. الأجواء غرقانة في ضحك الأطفال ولعبهم، ورحيم وعمار حاجزين منطقة الألعاب بالكامل عشان الخصوصية والأمان.
رحيم كان ماشي وجنبه زينب، ومالك ماسك في إيديهم هما الاثنين كأنهم عيلة حقيقية متكاملة. رحيم من وقت للتاني كان بيميل على مالك يضحك معاه، وعينه تروح لزينب.. يلمح نظرة الامتنان والفرحة الصافية في عيونها، يقرب منها خطوة ويقول بصوته الرخيم:
ـ "مبسوطة يا زينب؟"
زينب رفعت عيونها وبصت له بنظرة مليانة تقدير حقيقي وقالت:
ـ "فوق ما تتصور يا رحيم بيه.. أنا عمري ما شوفت الأطفال ومالك بالفرحة دي.. ربنا يخليك ليهم ويجازيك خير."
رحيم بص لعيونها بتركيز وقال بحسم دافي:
ـ "ويخليكي لينا يا زينب.. الفرحة دي مكانها الطبيعي في عيونك إنتي كمان.
وعلى الجانب الآخر.. كان عمار وعزة واقفين جنب لعبة من لعب الأطفال. عزة كانت بتضحك وهي متأثرة ببهجة المكان، وفجأة رجلها خانتها شوية من الوقفة، فجت تقع..
في ثانية، عمار كان الأسرع، مد إيده القوية وحاوط وسطها وثبتها بحنان وقوة، وبقت المسافة بينهم مفيش.. عزة اتسمرت في مكانها، وإيدها جت على صدره العريض عفوياً، وأنفاسهم اتلاقت.
عمار بص في عيونها اللي مليانة رعب وكسوف، وقال بنبرة مليانة حب وتملك هادي:
ـ  مش تحاسبى يا عزة.. المكان هنا زحمه ولو شيلتك الملاهى كلها هتتفرج علينا 
عزة حست إن الحواجز الحديدية اللي بنتها سنين انهارت بالكامل في اللحظة دي قدام رجولته وحمايته ليها.. بلعت ريقها ووشها أحمر جداً، وقالت بصوت خافت ورقيق:
ـ "شكراً يا عمار.."
الكلمة طلعت منها لأول مرة من غير "بيه"، وعمار ابتسم ابتسامة نصر وسعادة حقيقية، وسابها بالراحة وهو مالي عينه من ملامحها المكسوفة.
وسط كل الفرحة والدفء ده، والكل متبادل النظرات اللي بتعلن عن ولادة حب وأمان جديد.. رحيم لمح من بعيد منصور (رئيس الحرس) واقف ورا الشجر، ووشه مقلوب وبيديله إشارة مستعجلة، كأن فيه مصيبة حصلت برة أسوار الملاهي!
رحيم لمح إشارة منصور ، في ثانية ملامحه الدافية اللي كانت ظاهرة وهو بيضحك مع مالك وزينب اختفت، ورجعت الحِدة والقسوة لوشه كأنه قناع واتشال . بص لزينب نظرة سريعة يطمنها من غير ولا كلمة، وقال لمالك بصوت هادي:
ـ "خليك مع زينب يا بطل، هشوف حاجة في الشغل وجايلك علطول."
تحرك رحيم بخطوات واسعة وسريعة ليها هيبة تخوف، وندى بصوته الرخيم الحاد على عمار. عمار لمح حركة رحيم، فانسحب بالراحة من جنب عزة وهو بيطمنها بنظرة عين دافية، ومشي ورا رحيم علطول.
وقف رحيم وعمار في حتة متدارية ورا الشجر، وكان منصور  رئيس الحرس واقف. رحيم بص له بعيون زي الصقر وقال بنبرة واضحة ومخيفة:
ـ "في إيه يا منصور ؟ وإيه اللي يخليك تقلب وشك وتجيلي هنا وسط لعب العيال؟ انطق."
منصور بلع ريقه وبص في الأرض:
ـ "يا رحيم بيه خالد اتصل من شويه وبيبلغك من رجالتنا اللي بيراقبوا السوق ومينا الإسكندرية. شركة 'الصافي' رجعت تظهر في الصورة تاني!"
عمار عقد حواجبه بغضب وعصبية:
ـ "الصافي؟  وإحنا قاطعين خبرهم والاستحواذ مخلص على كل شركاتهم ومخازنهم ؟ هما لحقوا يقوموا تاني منين؟"
منصور كمل وخوفه بيزيد من نظرات رحيم اللي بتتحول لكتلة نار:
ـ "المرة دي مش نازلين يضربوا الأسعار في المحافظات زي زمان يا عمار بيه.. المرة دي اللعبة تقيلة ومستوردة. الصافي داخل السوق ، وواخدين موافقات وتسهيلات غريبة عشان يستوردوا شحنات ألبان ضخمة جداً من برة مصر، بأسعار رخيصة وبكميات تغرق السوق وتضرب إنتاج مزرعتنا ومصنعنا في مقتل!"
رحيم فضل ساكت لثواني، وسكونه ده كان أرعب من زعيقه. عينيه اسودت تماماً وبدأ يلعب بخاتمه الفضة ببرود قاتل، والنفس اتقطع بين عمار وخالد وهم مستنيين زلزال الهواري. رحيم رفع عينه وبص لعمار وقال بصوت منخفض ومخيف:
ـ "الصافي ملوش رجلين تقف في المينا لوحده يا عمار.. ولا ليه نفوذ يخليه يستورد بالكميات دي في الوقت ده بالذات. 
عمار جز على سنانه وعروق إيده برزت:
ـ يعني الشحنات دي نازلة مخصوص عشان تكسر اسم رحيم عشان يضرب شغلك في السوق؟"
رحيم ابتسم ابتسامة باردة، مفيهاش أي نوع من الرحمة، الابتسامة اللي السوق كله بيترعب منها، وقال وهو بيلبس نظارته الشمسية تاني:
ـ "اللي هيدخل شحنة واحدة المينا ط هخليه يشربها تراب. عمار.. اقلبلي الدنيا وعايز ورق الشحنات دي والمستندات والجهة الأجنبية اللي بتورد لهم على مكتبي في المزرعة قبل ما نرجع من هنا. عمار.. مش عايز البنات يحسوا بأي حاجة، اليوم هيكمل والكل هيفرح، والحرب دي مكانها برة البوابة دي."
لف رحيم ورجع بخطواته الواثقة الثابتة لزينب ومالك، وأول ما قرب منهم ملامحه لانت ورجعت الضحكة الخفيفة لوشه عشان يداري الإعصار اللي جواه، وزينب بصت له بحيرة بس لقت في عينه أمان كفاية يخليها تسكت وماتسألش عن حاجة.
أما عمار، فرجع لعزة وهو بيحاول يهدي أنفاسه، ووقف جنبها وبص لها بحنان وقال:
ـ "كنا بنقول إيه بقى يا عزة؟ سيبك من الشغل وكله، المهم عندي إنك تكوني مبسوطة والضحكة دي ما تفارقش وشك."
عزة ابتسمت بكسوف داب معاه كل توتر، بس عيونها لقطت نظرة القلق المستخبية ورا عيون عمار الدافية.
عزة لاحظت  ملامح عمار اللى بتتغير كل شويه وحست إن فى حاجه او خبر ضايقهم ، فبصت له بنظرة هادية ودافية وقالت بنبرة فيها اهتمام حقيقي:
ـ "عمار.. هو في حاجة حصلت؟ أنا حاسة إنك أول ما رجعت من واقفتك مع عنار والراجل التانى ده وشكلك متغير ، هو الشغل فيه مشكلة؟"
عمار بص في عيونها، وحس إن صدقها وخوفها عليه بيخليه مش عايز يخبي عنها حاجة، بس في نفس الوقت مش عايز يقلقها. ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
ـ "مفيش حاجة تقلقك يا عزة.. شوية حسابات وترتيبات في المينا بخصوص شحنات جديدة، ورحيم بيحب كل حاجة تمشي بالمسطرة، مفيش حاجة تانية."
عزة سكتت لحظة، وبصت لرحيم من بعيد وهو واقف مع مالك وزينب، ورجعت بصت لعمار وقالت بتردد وكسوف:
ـ "طب هو.. هو أنا ينفع أسألك سؤال؟ أنا من أول ما اشتغلت في المزرعة وشوفت علاقتك برحيم بيه، حاسة إنكم مش مجرد شركاء في الشغل.. علاقتكم فيها حاجة تانية، إيه علاقتك برحيم بالظبط؟"
عمار اتنهد واخد نفس عميق، وملامحه رجعت لأيام زمان، بصلها وعيونه مليانة امتنان وتقدير لرحيم، وقرب خطوة وقال بنبرة طالعة من قلبه:
ـ "حكايتي مع رحيم حكاية طويلة يا عزة.. زمان، وأنا لسه شاب صغير في ثانوية عامة، بابا ومامته اتوفوا في حادثة كبيرة، والدنيا اسودت في عيني فجأة. لقيت نفسي لوحدي، ومحدش من أعمامي ولا خيلاني قبلوني في بيتهم، كل واحد كان بيبص لي على إني حمل تقيل ومش عايزين يشيلوا مسؤوليتي."
عزة حطت إيدها على بوقها بتأثر، وعيونها لمعت بالدموع وهي بتسمع وجعه القديم، وعمار كمل:
ـ وقتها هما حبوا يخلصوا مني، فاقترحوا عليا أروح لابن عمهم اللي هو والد رحيم، قالولي روحله وهو ممكن يساعدك.. وأنا مكنتش فاهم حاجة أخدت نفسي وروحت، وللأسف لما وصلت هناك، لقيت إن أبو رحيم لسه متوفي هو كمان من كام يوم! الدنيا لفت بيا ومكنتش عارف أروح فين ولا أعمل إيه.. ووسط كسرتي دي، قابلني رحيم.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
سكت عمار لحظة وبص لرحيم بفخر وكمل:
ـ "رحيم وقتها كان لسه مستلم الشغل ومسؤولية وكان لسه بيدرس فى الكليه  بس أول ما شافني وعرف حكايتي، قرر انه مايسبنيش قاعدت معاه واشتغلت معاه  وعشت معاه فترة طويلة، كان ليا الأخ والأب والضهر اللي الدنيا كلها حرمتني منه. رحيم هو اللي عمل عمار اللي واقف قدامك دلوقتي يا عزة.. وعشان كده، رحيم عندي مش مجرد أخ، ده حتة من روحي، والراجل اللي مستعد أفديه بعمري."
عزة دموعها نزلت غصب عنها من كتر التأثر بكلامه، وحست إن احترامها وإعجابها بعمار ورحيم زاد أضعاف، وعرفت إن معدن الراجل اللي اختارها ده أنقى بكتير مما كانت تتخيل.
عزة مسحت دموعها بسرعة وهي بتبص لعمار بنظرة كلها حنان وفخر، وقالت بصوت مأثر ودافي:
ـ "ربنا يديمكم لبعض يا عمار.. رحيم بيه بجد راجل عظيم، وأنت تستاهل كل خير لأنك أصيل ومبتنساش الفضل."
عمار ابتسم لها ابتسامة دافية طمنتها، وحس إن كلامه معاها قرّب المسافات بينهم أكتر من الأول.
على مغرب اليوم، الخروجة بدأت تخلص، والأطفال ركبوا الأتوبيسات مع ماما حنان وهما في قمة فرحتهم، بس الجو بين رحيم وعمار كان مشحون وجاد جداً. رحيم وقف جنب عربيته وقلع نظارته، وبص لعمار وقال بصوت حازم ومنخفض:
ـ "عمار.. إحنا مش هنبات في المزرعة. خالد جهز كل حاجة، وإحنا هنطلع على القاهرة حالا.. موضوع الصافي ده لازم يتلم من جشوره قبل ما البضاعة تتحرك من المينا."
عمار هز راسه بقوة:
ـ "معاك يا رحيم، أنا جهزت اللاب توب والملفات في العربية، ويلا بينا."
رحيم لف وبص لزينب اللي كانت واقفة مع مالك، قرب منهم وقال بنبرة هادية بس سريعة:
ـ "زينب، يلا عشان نرجع القصر.. عمار وأنا ورانا شغل مهم في القاهرة ولازم نتحرك."
زينب لقطت النبرة المشغولة في صوته وهزت راسها من غير نقاش: "حاضر يا رحيم بيه.
عدى كام يوم ورا بعض، والوضع في القصر كان غريب ومقلق.. رحيم وعمار مبيفارقوش مكتب القصر أو بيخرجوا من النجمة ومبيرجعوش إلا بعد نص الليل. رحيم بالذات كان متحول لكتلة من الصمت والغموض، مبيتكلمش مع حد تماماً، حتى ملامحه الجافة رجعت تاني، وبقى يدخل ويخرج وعينه مركزة في ورق وشاشات، لدرجة إنه مبيكلمش زينب ولا حتى بيبص ناحيتها، كأنه شايل جبل على كتافه.
زينب كانت قاعدة في المطبخ، حاطة إيدها على خدها وقلبها واكلها عليه.. هي مش متعودة منه على الجفاء ده بعد الدفء اللي شافته في الملاهي والملجأ. كانت نفسها تواسيه.. نفسها تقوله إنها حاسة  بالتعب اللي جواه، بس الخوف والحدود اللي بينهم مخلياها مش عارفة تبتدئ منين.
وفجأة قامت وقالت في سرها: لأ.. أنا مش هسيبه كدة، الراجل ده وقف جنبي ورد لي كرامتي، وأقل حاجة أعملها إني أقف جنبه في تعبه."
سألت طباخه القصر  بحذر:
ـ تعرفى هو رحيم بيه إيه أكتر أكلة بيحبها وممكن تفتح نفسه لما يكون زعلان أو مضغوط؟
عايدة ابتسمت لها وقالت:
ـ "يا بنتي، رحيم بيه بيموت في 'طاجن العكاوي بالبصل' ويكون مشوح في السمن البلدي وداخل الفرن.. بس بقاله كتير مأكلوش من كتر المشغل.
شمرت زينب كمامها وبدأت تشتغل بحب وشغف.. قشرت البصل الصغير، وظبطت البهارات، وحطت حتت اللحمة في الطاجن وقفلت عليه في الفرن لغاية ما ريحته قلبت القصر كله وصارت تفتح النفس.
على الساعة 11 بالليل، سمعت صوت رنة خطواته المعلنة عن وصوله. دخل رحيم القصر، قالع الجاكيت والكرافت مفكوكه ، وعيونه فيها كمية إرهاق غريبة. مشي ناحية المكتب من غير ما يبص حواليه.
زينب بلعت ريقها، وقلبها كان بيدق بعنف.. أخدت صينية رقيقة عليها طاجن العكاوي السخن، ورغيفين عيش بلدي سخنين، وقربت من باب المكتب.. الباب كان موارب، وشافته قاعد ورا المكتب حاطط إيده على راسه ومغمض عينه بتعب.
دقت الباب بخفة، فرؤوف رحيم عينه وبص لها بملامح حادة وإرهاق:
ـ "زينب؟ في حاجة؟ مالك جراله حاجة؟"
زينب دخلت بخطوات بطيئة وحطت الصينية على طرف المكتب، وبصت في عيونه بنظرة دافية ومليانة رقة ومواساة، وقالت بصوت مخنوق من التوتر:
ـ "لأ.. مالك نايم وزي الفل يا رحيم بيه.. بس.. بس أنا شوفت حضرتك بقالك كام يوم مبتأكلش وراجع تعبان، فعملتلك الأكلة اللي بتحبها.. طاجن عكاوي. أنا.. أنا نفسي بس ترتاح وتآكل لقمة دافية انا عارفه انك تعبان فى الشغل وانا مش هعرف اساعدك ولا ختى اقولك نصيحه وفى نفس الوقت متضايقه وانا شيفاك كده حاسه أن فى حاجة ومش قادره اساعدك زى ماكنت بتساعدنى وده مخلينى حاسه بالذنب جوايا . 
رحيم اتسمر في مكانه، وبص للطاجن السخن وبعدين رفع عينه وبص لوش زينب الصافي اللي باين فيه الخوف عليه والرغبة الصادقة في إنها تشيل عنه.. النظرة دي لمست حتة جوة قلب رحيم الهواري مفيش مخلوق عرف يوصل لها قبل كده!
رحيم اتسمر في مكانه لثواني، عينه راحت على طاجن العكاوي السخن اللي ريحته مالت الأوضة، ورجع بص لوش زينب المتردد. وفجأة.. الملامح الصخرية والقسوة اللي كانت مغطية وشه دابت، واتسمت على شفايفه ابتسامة هادية ودافية، ابتسامة حقيقية طالعة من قلبه لأول مرة من سنين.
رحيم الهواري الراجل اللي بيملك السوق، وعنده النفوذ والفلوس وكل حاجة يتمنّاها أي حد في الدنيا، كان عنده نقص في حاجة واحدة بس.. "الحنية". الحنية الصافية اللي من غير مقابل، واللي زينب بتقدمهاله هي ومالك من يوم ما دخلت القصر. الجفا  اللي عاش فيهم طول عمره، وسط صراعات السوق والناس اللي بتقرب منه عشان مصلحة أو خوف، خلوه يفرّق  بين الحنية الحقيقية اللي بجد زي بتاعت زينب، وبين المشاعر المصطنعة والتمثيل اللي شبع منه.
رحيم سحب نَفَس عميق وقام من ورا مكتبه، وقرب من التربيزة الصغيرة اللي حطت عليها الصينية. بص لزينب ونبرة صوته الرخيمة رجعت هادية ودافية جداً:
ـ "طاجن عكاوي وعملتيه بنفسك يا زينب؟ ده أنتِ كدة بتثبتي إنك عايزة تتعبي نفسك بجد عشان تفتحي نفسي.
زينب وشها احمر وضربات قلبها زادت لما شافته ابتسم وقرب منها، فركت إيدها بكسوف وقالت بصوت واطي:
ـ تعبك راحة يا رحيم بيه.. أنا بس شوفت الوجع والإرهاق في عينك بقالك كام يوم، ومكنتش عارفة أعمل إيه يريحك.. يارب بس يعجبك."
رحيم قعد على الكرسي وقرب الصينية، وبص لها بلمعة تملك وحب حقيقي كانت مستخبية ورا تعبه:
ـ "هيعجبني طالما طالع من إيدك.. اقعدي يا زينب، مش هآكل لوحدي."
زينب اتفاجأت وبصت له بذهول:
ـ "أنا؟ لأ طبعاً يا رحيم بيه.. أنا أكلت مع مالك والحمد لله، اتفضل أنت بألف هنا."
رحيم مسك رغيف العيش السخن وقطع منه حتة، وبص لها بنظرة حازمة بس كلها دِفء:
ـ "أنا مباخدش رأيك برضه يا زينب.. قولي بسم الله واقعدي، اللقمة مش هتنزل في زوري وأنتِ واقفة بتتفرجي عليا."
زينب لقت نفسها بتسلم لأمره للمرة التانية بابتسامة مكسوفة، وسحبت الكرسي وقعدت قصاده. وبدأ رحيم يأكل بشهية مظهرتش عليه من يوم ما بدأت أزمة الصافي، وكان كل شوية يبص لها ويطمنها بعينه، كأنه بيقولها إن كل الحمل اللي على كتافه بدأ يخف بمجرد وجودها جنبه وحنيتها اللي داوت روحه.
وسط اللحظة الدافية دي، موبايل رحيم رن على المكتب.. وكان المتصل عمار رحيم ساب اللقمة من إيده، وملامحه رجعت جادة في ثانية وهو بيسحب الموبايل ويرد:
ـ "إيه يا عمار؟ وصلتوا لإيه في المينا؟"
صوت عمار جه من الناحية التانية وهو بينهج وفيه نبرة قلق:
ـ "رحيم.. الشحنة الأولى بتاعة الصافي نزلت فعلاً، والرجالة بتوعنا بيقولوا انهم  مأمنين المخازن هناك بشكل مش طبيعي بس الخبر الحلو أنى قدرت اوصل للموردين دول 
رحيم أول ما سمع الكلمة دي، عينه لمعت بنظرة الصقر اللي لقط فريسته، وقام وقف من على الكرسي بكامل هيبته، وصوته الرخيم رجع فيه الحسم المرعب:
ـ "الله ينور عليك يا عمار.. هو ده الشغل. اسمعني، مش عايز الموردين دول يغيبوا عن عينك ثانية واحدة. تواصل معاهم فوراً وافتح معاهم خط كلام، الموردين دول انا عايز أتواصل معاهم بنفسى 
عمار رد بحماس: "حاضر يا رحيم، هحدد معاد معاهم واكلمك تانى 
قفل رحيم السكة وحط الموبايل على المكتب وهو بياخد نَفَس عميق، وعروق إيده برزت وهو مستني مكالمة الموردين عشان يقطع ان الصافى يقومله اومه تانيه .
كل ده وزينب قاعدة مكانها، عينيها عمالة تروح وتيجي عليه بذهول وقلق. الكلام اللي سمعته خطف دقات قلبها؛ شحنات، ومينا، وموردين، واسم "الصافي" اللي اتكرر كذا مرة في المكالمة وصوت رحيم اللي كان يرعب.
أخدت نَفَس طويل، ولأول مرة يغلبها الفضول وتبلغ من الشجاعة إنها تتخطى حدود الصمت معاه. بصت لرحيم وهي مفركة إيديها بتوتر وقالت بصوت خافت وناعم:
ـ "رحيم بيه.. أنا.. أنا أسفة لو بتدخل في اللي ماليش فيه.. بس أنا من كتر خوفي عليك وقلقي من الأيام اللي فاتت دي، نفسي أفهم.. مين 'الصافي' ده؟ وإيه اللي بيحصل بالظبط ومخليك أنت وعمار بيه مضغوطين للدرجة دي؟"
رحيم لف ببطء وبص لزينب، وعينه الثابتة الغامقة اتعلقت بملامح وشها ... النظرة القاسية اللي كانت في عينه من ثواني هديت تماماً لما شاف نظرة الفضول والخوف الصادق في عيونها. قرب خطوة وقعد قصادها تاني، وسكت لحظة كأنه بيرتب كلامه؛ لأنه مكنش متعود يحكي شغله لحد، بس مع زينب.. حنيتها وخوفها عليه خلوه يحس إن من حقها تطمن وتعرف مين اللي بيهدد أمان البيت اللي هي فيه.
ياترى مين الصافى ده ؟؟؟؟ وليه رحيم بيكر...هه اوى كده
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
رحيم فضل باصص لزينب لحظات طويلة، لدرجة إنها حست إن قلبه بيتحرى صدق مشاعرها. اتنهد تنهيدة طويلة، وبدأ يتكلم بصوت خافت، نبرته فيها مزيج من القسوة والوجع:
ـ "الصافي ده مش مجرد منافس يا زينب.. الصافي ده كان واحد من أقرب الناس لأبويا، واحد كان بياكل من نفس الطبق اللي بناكل منه. سنين طويلة، والدي كان بيعتبره أخوه وشريكه في كل قرش بيدخل البيت. بس الطمع.. الطمع أعماه. الصافي غدر بأبويا في صفقة العمر، وسرقه في وضح النهار، وكان السبب المباشر في الإفلاس اللي جه على أبويا في آخر أيامه، والضغط النفسي اللي أدى لوفاته."
رحيم سكت، وعروق إيده برزت من الغضب المكتوم وهو بيكمل:
ـ "لما مسكت الشركة، كان أول عهدي على نفسي إني أسترد كل مليم اتسرق، وأخلي الصافي يدوق نفس الكاس اللي دوقه لأبويا. وفعلًا، عملت شركه تانيه باسم جديد وخط انتاج باسم منتج جديد وده ساعدنى استحوذ على السوق و قدرت أوقع شركاتهم وأستحوذ على كل أصولهم، وكنت فاكر إني خلصت منه للأبد.. بس الظاهر إنه كان مستخبي، وجمع كل اللي فاضل له عشان يرجع يضربني كل مره ببقى جاهزله وشغله الشمال بيساعده إنه يرجع تانى 
ـ "أنت عملت اللي عليك يا رحيم بيه.. وأبوك أكيد حاسس بيك وفخور بيك في مكانه. الغدر ده ذنب صاحبه، بس أنت.. أنت عديت كل ده وبقيت رحيم الهواري اللي الكل بيعمله ألف حساب."
رحيم بص لها بذهول، كان مستني منها ردود فعل تانية، خوف، صدمة، أو حتى انسحاب، بس لقى فيها "دعم" غير مشروط. مد إيده وببطء شديد، لمس أطراف صوابعها اللي كانت ساندة على المكتب، في لمسة كانت بمثابة إعلان رسمي إنها دخلت "دائرته الخاصة".
ـ "عمر ما حد وقف جنبي في وجعي ده يا زينب.. الكل كان بيخاف، أو بيطمع."
قاطعه رنين الموبايل تاني، وكانت مكالمة عمار. رحيم رد فوراً، وعمار صوته كان مليان حماس:
ـ "لقيتهم يا رحيم! الموردين في الفندق، ومعاهم المستندات اللي بتثبت إن الصافي هو اللي موّل الصفقة، ومستنيين إشارة منك عشان يفتحوا الكلام!"
رحيم قام وقف، الابتسامة اختفت ورجعت له ملامح الصياد:
ـ "أنا جاي لك فوراً يا عمار.. جهز كل حاجة، الليلة دي نهاية الصافي في السوق."
بص لزينب اللي كانت قايمة بتلم الصينية، وقال لها بصوت فيه حنان مفاجئ:
ـ "تصبحي على خير يا زينب.. وما تقلقيش، كل شيء هيبقى تمام."
خرج رحيم من المكتب، والحرس كانوا مستنيينه برة. القصر سكن، وزينب طلعت أوضتها، بس عقلها مكنش سيباها.. هي حست إن رحيم بيحارب معارك تقيلة، وإنها بقيت جزء من حياته، ومن اللحظة دي، هي قررت إنها هتكون "الأمان" اللي محتاجه في وسط الحرب دي
رحيم نزل لعمار في الفندق، ودخل قاعة الاجتماعات بخطوات واثقة وهيبة خلت الموردين الأجانب يتسمروا في أماكنهم. مكنش محتاج يزعق ولا يهدد، نظراته بس كانت كفيلة إنها توصلهم إنهم قدام "الأخطبوط" الحقيقي اللي بيحرك السوق.
**في الاجتماع:**
رحيم قعد على رأس الطاولة، وبدأ يتكلم بإنجليزية بطلاقة وثبات، عرض عليهم صفقة ما تترفضش. رحيم عرض عليهم إنه يشتري "كل" كميات الألبان اللي كانوا ناويين يورّدوها للصافي، بس بشرط:  مفيش جرام واحد يروح للصافي، وكل الشحنات تتصدر لمصانع رحيم الهواري ومزارعه عشان يتم إعادة تعبئتها وتصديرها لدول تانية بربع الثمن وبجودة أعلى، وده هيضمن للموردين سوق أوسع وأرباح أضعاف اللي كانوا هياخدوها من الصافي.
الموردين، بعد ما شافوا قوة رحيم في السوق وفهموا إنه هو اللي ماسك خيوط اللعبة، وافقوا فوراً وبدون أي تردد. رحيم سحب البساط من تحت رجول "الصافي" في دقايق، وخلّاه واقف قدام المينا من غير بضاعة، ومن غير موردين!
**في نفس اللحظة.. داخل القصر:*
زينب كانت واقفة في جنينة القصر بتتمشى، وفجأة لمحت خيال حد بيتحرك ورا سور القصر من ناحية الجنينة الخلفية. قلبها دق بسرعة، وفكرت في كلام رحيم عن أعداءه. حاولت تطمن نفسها وتقول إن ده أكيد حد من الحرس، بس الخيال كان غريب ومريب.
فجأة، لمحت موبايل 
 مرمي على الأرض قريب منها، كأنه وقع منه وهو بيتحرك. زينب قربت منه بفضول وقلق، ولقت الموبايل بينور برسالة.. الرسالة كانت واضحة جداً، ومكتوب فيها 
"الهدف في القصر حالياً.. رحيم غايب، والمكان متأمن غلط من الناحية الغربية.. ابدأ التنفيذ دلوقتي!
زينب دمها جمد في عروقها.. "الهدف"؟ يعني  مالك؟
الرسالة كانت صاعقة. جريت بسرعة ناحية القصر، وهي بتدور على أي حد من الحرس، بس لقيت إن المنطقة فعلاً شبه فاضية معنى كده ان فى حد فعلاً جوه القصر وبيحاول يخطف مالك 
رحيم كان بيوقع العقود مع الموردين وعمار جنبه، وفجأة الموبايل رن.. كان رقم "زينب".
رحيم رد بلهفة وقلق لأول مرة:
ـ "زينب؟ في حاجة حصلت؟"
صوت زينب كان بيترعش، وبصوت خافت جداً وكله رعب:
ـ "رحيم.. أنا.. أنا لقيت رسالة.. فيه حد.. فيه حد عايز يدخل القصر، مكتوب فيها إن 'الهدف' موجود، وإنه لازم يبدأ دلوقتي.. أنا خايفة يا رحيم، خايفة على مالك!"
رحيم، في اللحظة دي، بركان غضبه انفجر، عيونه اسودت تماماً وبص لعمار بنظرة عرف فيها إنها "حرب".
ـ "اسمعيني يا زينب.. خدي مالك، وأي حد معاكي، وأدخلي الاوضه بتاعتك دلوقتي واقفلي الباب وماتفتحيش لأي حد مهما كان.. سامعاني؟ أنا دقايق وهكون عندك!
رحيم قفل السكة،  وخرج يجري ناحية العربية وكأنه صاروخ، وعمار وراه، والبوادي جاردز كلهم في حالة استنفار قصوى.
زينب قلبها  كان بيدق طبول في صدرها من الخوف، مالك كان بيسأل بطفولة: "في إيه يا زينب؟ ليه بنستخبى؟" وهي بتحاول تكتم شهقاتها وتغطي بقه بإيدها، وتهمس له: "اششش.. خليك ساكت يا حبيبي، إحنا بنلعب استغماية مع بابا، لازم نفضل ساكتين خالص".
في اللحظة دي، صوت تكسير زجاج في الدور الأرضي خلى جسمها يترعش، وخطوات تقيلة وبنادق بتتحرك في الممرات.. رجال رحيم كانوا دخلوا القصر بمهارة فائقة، وبدأوا في تفتيش البيت وتأمين كل ركن، في الوقت اللي كانت فيه المجموعة المتسللة بتحاول توصل للجناح الغربي.
زينب، بحركة سريعة ومجنونة من شدة الرعب، سحبت مالك ودخلوا الاتنين جوه الدولاب الضخم في أوضتها، وشدت الهدوم عليها عشان تتوارى تماماً، وغمضت عينيها وهي بتدعي ربنا إن رحيم يوصل قبل ما حد يوصل لهم.
دقائق زي الدهر عدت.. وفجأة، باب الأوضة اتفتح بعنف. رحيم دخل زي الإعصار، عيونه بتمسح المكان بتركيز قاتل، سلاحه في إيده، ومجرد ما شاف الأوضة هادية، ملامحه زادت حدة وقلق. بدأ يدور في كل حتة، تحت السرير، ورا الستائر، لحد ما وقف قدام الدولاب..
بص له لحظة، وقرب ببطء وحذر.. فتح درفة الدولاب بضربة واحدة، واتجمد في مكانه!
قدامه كانت زينب، وشها أبيض من الخوف ، عيونها مليانة دموع ورعب، حاضنة مالك بكل قوتها ومخبياه جوه حضنها، والهدوم اللي كانت بتداري بيها نفسها وقعت على كتافها بشكل عشوائي، 
رحيم، في لحظة واحدة، سلاحه نزل، وكمية الرعب اللي كان حاسس بيها على حياتهم تحولت لنظرة "ضعف وحماية" مفيش زيها. ركع قدام الدولاب، رمى سلاحه جنبه، ومد إيده يمسك وش زينب برقة غير معهودة:
ـ "خلاص.. أنا جيت. مفيش حد هيلمسكم، أنا هنا يا زينب.. أنا هنا.
زينب بمجرد ما سمعت صوته، سابت نفسها للانهيار في حضنه، ومالك خرج من حضنها عشان ينط في حضن أبوه، ورحيم ضمهم الاتنين بقوة وكأنه بيحاول يدخلهم جواه  عشان يحميهم من العالم كله.
رحيم كان لسه حاضن زينب ومالك جوه الدولاب، أنفاسه بدأت تهدى تدريجياً وهو حاسس برعشة جسم زينب اللي بدأت تقل في حضنه. أخد نَفَس عميق، وبص في عيونها اللي لسه غرقانة دموع، وقال بصوت منخفض بس مليان حسم دافي:
ـ "خلاص يا زينب.. أنا جيت  اطلعي مع مالك، عمار برة مع الحرس وهيأمنكم في الجناح التاني لحد ما افهم الناس دى دخلت ازاى 
زينب هزت راسها بقلة حيلة، وخرجت من الدولاب وهي ماسكة في إيد مالك اللي كان لسه مخضوض. رحيم قام وقف بكامل طوله وهيبته، الملامح الدافية اتمحت في ثانية، ورجع وش الصخر اللي السوق كله بيترعب منه. سحب سلاحه، وعمرّه بخطوات ثابتة ونزل السلم.
في الصالون الكبير تحت..
المنظر كان مرعب. الجرحى من رجالة المتسللين مرميين على الأرض، ورجالة رحيم محاوطين المكان بالأسلحة. وفي النص، كان واقف "منصور" رئيس الحرس، وشه جايب ألوان وجسمه كله بيترعش، وعمار واقف قصاده وعيونه بتطلع نار.
أول ما خطوات رحيم الرخيمة رنت على السلم، الصمت حل في المكان، والكل حبس أنفاسه. رحيم نزل، حط إيده في جيبه، وبص لمنصور بنظرة باردة ومميتة. قرب منه خطوة، وقام ماسك منصور من ياقته
كنت فين يا منصور وطول ما انا بره مأمنتش القصر ليه 
ـ منصور بلع ريقه بصعوبة، وعينيه كانت بتتحرك برعب بين نظرات رحيم المميتة وقبضة إيده اللي زي الحديد على ياقته. وصوته طلع مخنوق وبيتفصّد عرق:
ـ "يا رحيم بيه.. والله العظيم أنا ما قصرت ولا سبت مكاني! أنا كنت قاعد في غرفة المراقبة، وفجأة لمحت في الكاميرات حركة غريبة.. ناس بتتسحب وبتحاول تقطع السلك وتدخل من السور الخلفي للمظلة. في ثانية سحبت الرجالة وجرينا كلنا على هناك عشان نلحقهم قبل ما يخطوا خطوة واحدة جوه الجنينة.. مكنتش أعرف إنها ملعوبة! مكنتش أعرف إن دي مجرد حرك تشتيت، وإن المجموعة الأساسية والتقيلة كانت مستنية أول ما نسيب السور الغربي فاضي عشان يقتحموا من هنا!
رحيم فضل باصص في عين منصور لثواني، وعينيه الصقرية كانت بتقرأ كل ملامح في وشه عشان يتأكد لو كان خاين ولا مغفل وتم استغلاله. ساب ياقته بنفضة قوية رمته لورا خطوتين، وطلع منديل من جيبه يمسح إيده ببرود قاتل وهو بيتكلم بصوت هادي مرعب:
ـ "يعني اتلعب بيك  يا منصور.. يعني الصافى بعتلك شوية عيال يشتتوك في السور الخلفي، وأنت زي المغفل أخدت قوتك كلها وسبتلي زينب ومالك في وش المدفع؟
ـ "سامحني يا رحيم بيه.. الغلطة دي برقبتي، أنا عمري ما خنتك ولا عمري أبيع لقمة العيش اللي أكلتها في بيتك.. الصافي والكلاب اللي معاه هما اللي خططوا لده، وكانوا عارفين إن دمي حامي ومستحيل أشوف حد بيقرب من السور وأسكت."
عمار قرب من رحيم وجز على سنانه بعصبية:
ـ "كلامه مظبوط يا رحيم.. الرجالة اللي برة مسكوا المجموعتين، المجموعة اللي عند السور الخلفي مكنش معاهم غير أسلحة خفيفة للتمويه، أما اللي دخلوا القصر هنا دول اللي كانوا جايين للتنفيذ.. اللعبة متخططة على مستوى عالي والهدف كان كسر ضهرك بمالك."
رحيم لف ضهره ليهم، وبص من الشباك الإزاز الكبير للجنينة، ملامحه كانت خالية من أي رحمة، الابتسامة الباردة ظهرت على وشه وهو بيلعب بخاتمه الفضة:
ـ "الصافي بيلعب بآخر كارت في إيده يا عمار.. لما لقى الموردين طاروا من إيده وشحنته بقت تراب، حب يحرق قلبي. منصور.. هتقوم تقف على رجلك، وتاخد الرجالة وتلفلي القصر ده شبر شبر، وتزود الحراسة تلات أضعاف، ولو نملة هزت السلك برة، هحاسبك برقبتك."
منصور قام بسرعة وهو بيمسح وشه وعينيه لمعت بامتنان:
ـ "رقبتي سدادة يا رحيم بيه.. مش هنام لحد ما القصر يبقى حصن."
رحيم التفت لعمار وقال بنبرة حاسمة:
ـ "خدهم على المخازن يا عمار.. الكلاب اللي اتمسكت جوه القصر دي، مش عايزهم يشوفوا الشمس لحد ما ينطقوا بكل اسم وكل خيط واصل للصافي وللأخطبوط.. الحرب خلاص بقت عيني عينك، واللي هيقرب من عيلتي هنهيه من على وش الأرض."
عمار هز راسه بقوة وسحب الرجالة وبدأوا ينقلوا المصابين برة القصر .
رحيم أخد نَفَس عميق، وعدل قميصه، وطلع السلم تاني بخطوات هادية.. أزمة الصافي بدأت تتوغل في بيته، ولازم من هنا ورايح يأمن كل خطوة. 
دخل رحيم اوضه مالك 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
و قفل الباب وراه بالراحة، كأنه بيقفل على العالم كله برة. خطواته الثابتة الهادية لحد ما وقف قدام السرير. عيونه الغامقة، اللي كانت من دقائق بتطلع نار وتحكم بالموت، لانت تماماً واتملت بنظرة دافية وصافية وهو بيبص لزينب.
زينب كانت ساندة ضهرها على السرير، ومالك الصغير نايم في حضنها، راسه على رجليها ونفسه هادي ومنتظم بعد الرعب اللي عاشه. أول ما رحيم قرب، زينب رفعت عيونها الواسعة اللي لسه فيها أثر الدموع، وبصت له بنظرة ممتزجة بالخوف والراحة الحقيقية.. الراحة اللي مابتشعرش بيها إلا وهو موجود.
رحيم مقالش ولا كلمة في الأول. قعد على طرف السرير بالراحة عشان مالك مايصحاش، ومد إيده الطويلة، وبأطراف صوابعه مسح دمعة هربت من عين زينب على خدها. اللمسة دي كانت دافية لدرجة خلت زينب تغمض عينيها وتستسلم لأمانه.
رحيم اتكلم بصوته الرخيم، بس النبرة المرة دي كانت واطية وحنونة جداً:
ـ "لسه بتترعشي يا زينب؟ أنا مش قولتلك طول ما أنا فوق الأرض محدش يقدر يمس شعرة منك؟"
زينب فتحت عينيها وبصت له، وصوتها طلع ناعم وخافت:
ـ "مبقتش خايفة يا رحيم بيه.. طول ما أنت هنا، أنا حاسة إن الدنيا كلها متأمنة. أنا بس.. خفت على مالك.. وخفت عليك أنت كمان لما عرفت إن الصافي بيحاربك في كل حتة."
كلمة "وخفت عليك أنت كمان" نزلت على قلب رحيم زي البلسم. الراجل الصخر، الأخطبوط اللي الكل بيخاف من جبروته، لقى البنت الرقيقة دي بتخاف عليه هو!
رحيم قرب منها أكتر، لدرجة إن أنفاسهم حست ببعضها، وبص في عيونها بلمعة تملك وعشق حقيقي مابقاش قادر يداريه:
ـ "أنا مفيش حاجة تكسرني في الدنيا دي يا زينب.. إلا إن حاجة تمسك أنتِ والواد ده. من النهاردة، مفيش 'رحيم بيه' وإحنا لوحدنا.. أنا رحيم بس، الأمان اللي هتعيشي فيه طول عمرك."
زينب وشها اتصبغ باللون الأحمر والدموية رجعت لخدودها بالكامل، نزلت عينيها بكسوف وهي بتفرك في غطا السرير، فلقيت إيد رحيم القوية والمحملة بالدفء بتغطي إيدها الصغيرة وتشدد عليها كأنه بيثبت ملكيته ليها ولأيامها الجاية.
رحيم عدل قعدته، ونام على السرير جنبهم بكامل أناقته، وسحب مالك بالراحة لصدوره، وفي نفس الوقت مد دراعه التاني وطوق بيه كتف زينب، وقربها منه لحد ما راسها بقت ساندة على كتفه العريض.
زينب في الأول اتسمرت من الكسوف، بس أول ما شمت ريحة عِطره النفاذ وحست بدقات قلبه القوية والمنتظمة تحت راسها، سابت نفسها تماماً وحطت إيدها على صدره، وكأنها لقت الملاذ والأمان اللي كانت بتدور عليه طول حياتها.
رحيم دفن وشه في حجابها، وأخد نَفَس عميق وهو بيقفل عينيه، ولأول مرة من سنين طويلة، يحس إن جبل الهموم اللي على كتافه اتمحى، وإن الإعصار اللي جواه هدي تماماً.. نام رحيم الهواري وهو حاضن دنيته كلها، ومستعد يهد العالم عشان الضحكة والهدوء ده يفضلوا في بيته.
زينب فتحت عينيها ببطء مع أول خيوط شمس الصبح وهي بتتحرك على سرير الجناح. في أول ثواني، كانت لسه مشحونة ببقايا كابوس امبارح، بس أول ما استوعبت هي فين ومع مين، قلبها دق بعنف والدموية هربت لوشها بالكامل.
لقت نفسها لسه ساندة راسها على صدر رحيم، وإيده القوية محاوطاها بحنان وتملك، ومالك نايم في النص بسلام كأنهم عيلة حقيقية. حست بإحراج رهيب، وحاولت تتحرك بالراحة جداً وتسحب نفسها وتعدل قعدتها عشان تقوم من غير ما تصحيه، وقلبها عمال يدق من الكسوف لخوفها من إنه يصحى ويلمح الحرج في عيونها.
بس حركتها الخفيفة دي كانت كفيلة تصحي صقر الهواري اللي نومه خفيف بطبعه. رحيم فتح عينيه الغامقة ببطء، وبص لوشها المحمر وعيونها المربكة اللي مش عارفة تروح فين من الخوف والكسوف.
رحيم ابتسم ابتسامة هادية ودافية جداً، الابتسامة الصافية اللي مبيطلعهاش إلا ليها، وعدل قعدته ونزل إيده بالراحة وهو بيبص لها بنظرة كلها احتواء، وقال بصوته الرخيم الدافي:
ـ "صباح الخير يا زينب.. شكلك لسه صاحيه  ؟ أنا ماحبتش أسيبكم بالليل لوحدكم.. خفت حد فيكم يصحى مفزوع من اللي حصل امبارح.
زينب بلعت ريقها ونزلت عينيها الأرض، بس كلامه لمس قلبها وداوى كل الإحراج اللي كانت حاسة بيه، وحلت مكانه موجة دفا وطمأنينة خلتها ترفع عينيها وتبص له بامتنان حقيقي.
زينب رفعت عينيها وبصت له بنظرة مليانة رقة وقالت بصوت هادي:
ـ "صباح النور يا رحيم.. تسلم وتعيش، وجودك بجد كان أكبر أمان لينا، لولاك مكنتش عارفة كان إيه اللي ممكن يحصل."
رحيم ابتسم وطبطب على كتفها بحنان، وقام وقف بكل هيبته وهو بيستعد ليومه الجديد. نزل السلم ودخل مكتبه، ومقعدش كتير لحد ما وصل عمار ومعاه أخبار قلبت الموازين بالكامل.
عمار دخل والضحكة مالية وشه، وحط اللاب توب والملفات قدام رحيم وقال بحماس:
ـ "يا رحيم، اللعبة انتهت خلاص! الضربة اللي عملتها مع الموردين في المينا خلت شركة الصافي تنهار بالكامل وتعلن إفلاسها في كام ساعة! السوق كله قفل في وشه، وبسبب الشحنات اللي وقفت دي، البنوك حركت قضايا القروض اللي عليه، وبقى مديون بأرقام خيالية هيصعب عليه دفعها أبداً."
رحيم سحب نَفَس عميق وظهرت الابتسامة الباردة على وشه وهو بيلعب بخاتمه الفضة:
ـ "والأهم من القروض يا عمار؟"
عمار ضحك وقال:
ـ "الأهم إن البوليس دلوقتي بيطارده في كل حتة بتهمة النصب والتهرب من الديون والشغل الشمال، يعني الصافي خلاص انتهى وما بقاش ليه رجل في السوق ولا برة السوق، وهيقضي بقية عمره هربان  من السجن!"
رحيم اتنهد بارتياح حقيقي، وحس إن تار أبوه رجع كامل والشر اللي كان بيهدد بيته اتمحى للأبد. بص لعمار وقال بامتنان:
ـ "تسلم إيدك يا صاحبي.. لولا وقفتك جنبي مكنتش الصفقة دي كملت."
عمار ملامحه اتغيرت وبقت هادية، وظهرت في عينه لمعة فرحة مستقرة، وقال بنبرة صادقة:
ـ "بما إن المعركة خلصت يا رحيم، وكلاب الصافي بقوا في إيد الشرطة.. أنا جه الوقت اللي أفكر فيه في نفسي وفي الأمان اللي بدور عليه."
رحيم ابتسم بفهم:
ـ "قصدك عزة؟"
عمار هز راسه بقوة:
ـ "أيوة.. أنا راجع المزرعة حالا، وهطلب عزة للجواز رسمي من ست حنان.. مش عايز أضيع وقت تاني."
رحيم طبطب على كتفه بفخر:
ـ "توكل على الله يا عمار، وأنا معاك وضهرك كالعادة."
في مساء اليوم التالي، استقبلت ماما حنان عمار في مكتب الدار بترحاب حار، وعمار مأكّدش وقت ودخل في الموضوع علطول، وطلب إيد عزة رسمي بكلمات طالعة من أعماق قلبه، ووعدها إنه هيكون ضهرها وأمانها ويعوضها عن كل اللي شافته.
ماما حنان نادت على عزة، اللي دخلت ووشها زي الطماطم من الكسوف، باصة في الأرض وبتفرك في إيدها. عمار بص لها بنظرة دافية ومطمئنة وقال بصوته الصادق:
ـ "أنا شاري ومستني كلمتك يا عزة.. وعايزك معايا في المزرعة نبني حياتنا سوا."
عزة رفعت عينيها لثواني، لقت في عيون عمار كل الأمان والصدق اللي حرمتها منه الأيام، هزت راسها ببطء بابتسامة خجولة أعلنت فيها موافقتها، والزغاريد ملأت أرجاء الدار وفرحة الأطفال هزت المكان.
ومرت الأيام بسرعة، وتمت كتب الكتاب والزفاف في حفل دافي وجميل حضره رحيم وزينب ومالك، وانتقلت عزة عشان تعيش مع عمار في بيته الجميل جوه المزرعة، وبقت هي اللي مسؤولة عن حسابات المزرعة وحياته وقلبه، وعاشوا في دفا وأمان حقيقي بعد كل العواصف اللي مرت بيهم.
يوم فرحهم 
عربيتهم وقفت قدام فيلا المزرعة، . عمار نزل من العربية بهيبته المعتادة، لابس بدلته السوداء الأنيقة اللي مبرزة طوله وعرضه، ولف بسرعة فتح الباب لعزة.
عزة كانت قاعدة جوه والكسوف والتوتر عمالين ياكلوا فيها، فستانها الأبيض الرقيق مطرز ببساطة ونعومة ومبرز ملامحها الخجولة الصافية. عمار مد إيده القوية لها بابتسامة دافية طيرت نص التوتر اللي جواها، عزة حطت إيدها الصغيرة في إيده ونزلت بالراحة وهي لسه بتعرج بسيط ومكسوفة من مشيتها، بس عمار مكدبش خبر.. في ثانية شالها بين إيديه بحنان وقوة داب معاهم كل توتر الحضور والناس.
عزة شهقت بخضة وهمست وهي دافنة وشها في صدره:
ـ "عمار.. ينفع كده؟ نزلني بالراحة أرجوك المزرعة كلها بتتفرج!"
عمار ضحك بصوته الرجولي القوي وهو داخل بيها البوابة الكبيرة:
ـ "المزرعة مزرعتي، واللي واقفة في حضني دي مراتي وست بيتي خلاص.. من النهاردة مفيش خوف ولا فيه حواجز يا عزة."
دخل عمار الفيلا ونزلها بالراحة في الصالون الواسع المليان بالهدوء والروائح الدافية. عزة وقفت وهي بتعدل فستانها ووعينيها بتدور في المكان بذهول وإعجاب من شياكة البيت ونظامه، عمار قرب منها من وراها، قلع جاكيت البدلة ورماه على الكرسي، وفك أول زرارين من قميصه ووقف قصادها بالظبط، وعينيه الحادة والجدية اتمحت تماماً وحلت مكانها نظرة عشق حقيقي طالعة من أعماق قلبه.
مد إيده بالراحة ورفع وشها المكسوف لحد ما عيونها التقت بعيونه، وقال بنبرة صادقة هزت كيانها:
ـ "مبروك عليا أنتِ يا عزة.. مبروك عودة الروح لبيت عمار. زمان لما جيت لرحيم وأنا مكسور ووحيد، كنت فاكر إن الدنيا مش هتصالحني أبداً، بس ربنا كان شايل لي الفرحة الكبيرة في عيونك أنتِ. من النهاردة، الحسابات القديمة كلها اتقفلت.. المزرعة دي، والبيت ده، وروحي دي.. كلهم ملكك."
عزة دموع الفرحة لمعت في عينيها غصب عنها، ولأول مرة تحس إن حواجز الحديد اللي بنتها سنين طوال انهارت بالكامل قدام رجولته وحمايته الصادقة. بلعت ريقها، ورفعت إيدها عفوياً حطتها على صدره العريض وقالت بصوت خافت ورقيق ماليان حب:
ـ "الله يبارك فيك يا عمار.. أنا اللي عمري ما كنت أتخيل إن ربنا هيعوضني براجل زيك، يصونني ويخليني أحس بقيمتي وكرامتي. ربنا يخليك ليا ويديمك ضهري وأماني."
عمار ابتسم ابتسامة نصر وسعادة حقيقية مالي عينه من ملامحها، وطبع بوسة دافية على جبينها، وأخدها في حضنه بقوة وكأنه بيقفل عليها من العالم كله .
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
***الخاتمه ***
مر شهر كامل على جواز عمار وعزة، شهر المزرعة فيه حست بدفا مكنتش تعرفه من سنين، والفيلا اللي كانت دايماً ضلمة وهادية، بقت بتنطق حيوية بلمسات عزة وضحتكها الرقيقة اللي مابتفارقش وشها وهي بتدير حسابات المزرعة 
وفي ليلة هادية، داخل قصر رحيم الهواري..
رحيم كان قاعد في مكتبه، لابس قميص أسود مريح وفاتح أول زرارين، وباصص من الشباك الكبير للجنينة وهو بيشرب قهوته وعقله شغال تفكير وتخطيط. الباب خبط ودخل عمار بهيبته المعتادة، ماسك في إيده ملف الحسابات الشهري للمزرعة.
رحيم التفت له وابتسامته الدافية ظهرت على وشه:
ـ "يا مرحب بالعريس اللي مبقاش يبان.. عاش من شافك يا عمار."
عمار ضحك وصوته الرجولي رن في المكتب وهو بيحط الملف على الترابيزة:
ـ  المزرعة وشغلها واخدين وقتي، بس جيت أسلّمك حسابات الشهر بنفسي وأطمن عليك ."
رحيم ساب فنجان القهوة وقرب من عمار، حط إيده على كتف صاحبه وعينه فيها لمعة تفكير وخبث ذكي:
ـ "سيبك من الحسابات والورق دلوقتي يا صاحبي.. أنا طالبك في مأمورية تانية خالص، مأمورية سريعة وماتستحملش التأخير."
عمار عقد حواجبه باستغراب وبص لرحيم بتركيز:
ـ "خير يا رحيم؟ في حاجة جديدة ظهرت تخص الصافي؟ ولا فيه شغل برة؟"
رحيم هز راسه بالرفض والابتسامة وسعت على وشه:
ـ "لأ، الصافي انتهى وربنا ريحنا من شره للأبد.. الموضوع المرة دي يخص المزرعة عندك. أنا عايزك تجهز لي المزرعة كلها، من أول البوابة لحد الجنينة الكبيرة، وتعمل لي فيها فرح.. بس مش أي فرح، فرح ملكي كبير يتعمل عليه ألف حساب، زينة وأنوار دافية، وممر طويل مفروش ورد، وأفخم بوفيه وأحسن تنظيم."
عمار بلمح البصر بلم ومبقاش فاهم حاجة، هرش في راسه وبص لرحيم بذهول:
ـ "فرح؟ فرح لمين يا رحيم في المزرعة؟ أنت ناوي تجوز حد من رجالتك ولا إيه؟ وليه في المزرعة بالذات؟"
رحيم لف ضهره ولعب بخاتمه الفضة وهو بيتكلم بنبرة صوت مليانة تملك وعشق حقيقي، نبرة عمر عمار ما سمعها من رحيم إلا لما السيرة تخص واحدة بس:
ـ "عايز أعمل مفاجأة لزينب يا عمار.. زينب دخلت حياتي في وسط الحرب والعواصف، استحملت الرعب وشالت مالك في حضنها ، ودخلت دنيتي من غير ما تاخد حقها والنهاردة بعد ما الساحة فضيت والكلاب اختفوا، جه الوقت اللي أخليها فيه ملكة قدام الدنيا كلها."
عمار عينيه لمعت بفرحة حقيقية لصاحب عمره وطبطب على ظهره بقوة:
ـ "يا ابن اللعيبة يا رحيم! والله وطلعت رومانسي وبتعرف تخطط يا أخطبوط. بس استنى.. زينب عارفة؟"
رحيم التفت له وعينه رجعت فيها حدة الصقر بس ممزوجة بضحكة:
ـ "لو عرفت مش هتبقى مفاجأة يا غبي! أنا مش عايزها تشم خبر، ولا هي ولا عزة ولا ماما حنان.. الحريم لسانهم بيخونهم في الفرحة. أنت هتقلب المزرعة خلية نحل من وراهم، وتنسق مع أكبر بتوع ديكور، ولما كل حاجة تجهز، أنا هعرف أجيبها لحد عندك إزاي بالفستان الأبيض."
عمار جز على سنانه بحماس وهو بيضحك:
ـ "اعتبره حصل يا صاحبي. من النجمة المزرعة هتقلب ثكنة عسكرية لتجهيز ليلة العمر لست البنات، وعزة بنفسها هتشرف على الديكور من غير ما تفهم الفرح ده لمين.. هقول لها ده فرح يخص عميل كبير لرحيم بيه ومحرجين نرفض."
رحيم ابتسم وحط إيده في جيبه:
ـ "تمام.. قدامك أسبوع واحد يا عمار، مش عايز غلطة، الليلة دي لازم تكون الليلة اللي زينب عمرها ما تنساها في حياتها."
وبالفعل، مرت الأيام وعمار شغال في المزرعة زي اللودر، بيوجه العمال، والأنوار والزينة بدأت تترص في الجنينة الواسعة، والكراسي الملكية البيضا بدأت تتوزع، وعزة كانت بتتحرك معاه بفضول هيموتها وهي شايفة الفخامة دي كلها وبتسأل نفسها: "يا ترى مين المحظوظة اللي رحيم بيه بيعمل لها كل ده في مزرعتنا؟".
وفي الصباح الجديد، قصر رحيم الهواري اتقلب لخلية نحل تانية، بس المرة دي جوه البيت نفسه.
زينب صحيت على صوت حركة وخطوات غريبة في الممرات برة أوضتها، لمت شعرها بسرعة وخرجت تبص، ولقت عمال ومهندسين ديكور بيتحركوا بمعاينات، وماسكين في إيديهم لوحات لتصميمات هندسية، وبيسجلوا مقاسات الصالون والممرات، ونازلين على الدور الأرضي والمكتب.
نزلت السلم ببطء والفضول بياكلها، لقت رحيم واقف في وسط الصالون الكبير، لابس قميص أبيض ورافع كُمامه، وبيتكلم بجِدية وصوت رخيم حاسم مع مهندس ديكور كبير:
ـ "الصالون ده كله يتشال، والألوان الغامقة دي تتغير تماماً.. عايز ألوان هادية وفيها روح دافية. وغرف النوم فوق، بالذات الأجنحة الرئيسية، تتهد الديكورات القديمة بتاعتها وتتفرش بأحدث طراز وبأفخم أثاث.. مش عايز تفصيلة واحدة تفوتكم."
زينب دخلت من باب القص و، دقات قلبها بدأت تزيد بنبرة قلق مقبوضة. قربت منه بخطوات هادية ولما رحيم لمحها، شاور للمهندس يكمل شغله والتفت ليها وعينه فيها لمعة هادية:
ـ "صحيتي يا زينب؟ صباح الخير.. معلش الدوشة دي هتضايقكم كام يوم."
زينب بلعت ريقها وبصت حواليها للعمال واللوحات، وقالت بصوت هادي ومتردد ماليان فضول:
ـ "صباح النور يا رحيم بيه.. لأ مفيش ضيق ولا حاجة، بس.. أنا شايفة حركة غريبة وتجديدات شاملة في كل ركن في القصر، حتى غرف النوم الرئيسية فوق! هو.. هو فيه إيه؟ وليه بتغير نظام البيت كله فجأة كده بعد السنين دي؟"
رحيم حط إيده في جيبه، وحب يلعب بأعصابها ويشوف غلاوته في عينها، فملامحه بقيت جاده بزيادة وحط النبرة الباردة بتاعة العمل، وقال بخبث مستخبي:
ـ "أصل خلاص يا زينب.. جه الوقت اللي القصر ده يدخله روح جديدة ونظام جديد.. أنا قررت أتجوز. واجيب لمالك ام 
الكلمة نزلت على ودن زينب زي الصاعقة.. "أنا قررت أتجوز"!
في ثانية واحدة، الهوا اتمسح من حواليها، والدنيا اسودت في عينها وكأن جبل اتهد فوق راسها. الكلمة هزت كيانها كله، وحست بوجع  في قلبها مكنتش تتخيل إنها ممكن تحس بيها في يوم من الأيام.
دموعها اتجمعت في عيونها الواسعة في لمح البصر، وبقت بتلمع تحت الإضاءة، وشها اتقلب أبيض وعروق إيدها اتشدت وهي ماسكة في طرف العباية عشان تسند طولها وماتقعش قدامه. حاولت بكل قوتها وبكبرياء الأنثى اللي جواها إنها تداري الدموع دي، فنزلت عينها الأرض بسرعة ولفّت وشها الناحية التانية وهي بتبلع غصّة مرار في حلقها.
صوتها طلع مخنوق، مكسور، وبيرتعش وهي بتحاول تبان طبيعية:
ـ "ألف.. مبروك يا رحيم بيه.. ربنا.. ربنا يتمم لك على خير.. أنت حقك تعيش حياتك وتختار اللي تسعدك."
رحيم كان متابع كل حركات وشها، وشاف الدموع اللي حست بحرارتها على رموشها، وقلبه دق بعنف لما لقى غلاوته وحبه واصلين للدرجة دي في قلبها، بس فضل ساكت ومثبت ملامحه عشان اللعبة تكمل .
زينب، والدموع خلاص هتنزل من عينها، حست إن أنفاسها بتتقطع، وأفكار سودا بدأت تهاجم عقلها.. "يعني خلاص؟ أيامي بقيت معدودة هنا؟ رحيم هيجيب ست جديدة للقصر، وأنا مكاني هيبقى فين؟ هبقى مجرد ضيفة ولا هرجع الدار تاني؟ أنا خلاص مابقاش ليا مكان جمبه ولا في حياته".
وقبل ما تنهار قدامه، رفعت راسها ثواني من غير ما تبص في عينه، وقالت بنبرة هربانة من وسط دموعها:
ـ "عن إذنك.. هطلع أشوف مالك عشان زمانه صحي."
وجريت على السلم بسرعة، ودموعها نزلت على خدها بغزارة أول ما دارت وشها عنه، ودخلت الحمام وقَفلت الباب وسندت ضهرها عليه وهي بتعيط بحرقة وتكتم صوت شهقاتها.. مكنتش تعرف إن الجرح بالعمق ده، ومكنتش فاهمة إن الأخطبوط مبقاش مجرد حامي ليها، ده بقى هو نفسه حياتها ودنيتها اللي خايفة تضيع منها!
وتحت في الصالون.. رحيم فضل باصص أثرها على السلم، وابتسامة عشق حقيقية وندم خفيف ظهرت على وشه وهو بيهمس لنفسه:
ـ "استحملي الوجع ده يومين بس وبكرة هتعرفي إنك أنتِ العروسة، وإن القصر ده مش هيتجدد ولا هيتفرش إلا ليكي أنتِ يا ملكة قلبي."
"بعد يومين طلب رحيم من زينب انها تروح معاه المزرعه عشان فى مشكله كبيره هناك وتخلى بالها من مالك وفعلاً زينب جهزت نفسها ومالك وراحت معاه المزرعه وطول الطريق كانت ساكته او بتتكلم مع مالك
وصلت المزرعه وكان رحيم كلم ست حنان وجهز معاها كل حاجه واتفق مع الميكب ارتيسيت وعزم اكبر ناس فى البلد"
وصلت العربية قدام بوابة المزرعة الكبيرة، وكانت الأنوار متوزعة بشكل ساحر في كل ركن، والزينة كانت في كل حتة بتلمع تحت ضوء القمر. زينب نزلت من العربية وهي ماسكة إيد مالك، ملامحها كانت لسه شايلة أثر الحزن والكآبة من موضوع الجواز اللي رحيم قالهولها، وكانت بتفكر: "يا ترى إيه المشكلة الكبيرة اللي خلت رحيم يجيبني هنا في وسط الحفلات والناس؟".
رحيم نزل من العربية بهيبته المعتادة، بدلته السوداء كانت بتلمع، وملامحه كانت في غاية الهدوء والرضا. بص لزينب اللي كانت لابسة فستان بسيط ووشها شاحب، وحس بوجع في قلبه من كتر ما هي شايلة في نفسها، قرب منها وهمس بصوت واطي:
ـ "خليكي قوية يا زينب.. كل حاجة هتتحل دلوقتي."
دخلوا من البوابة، وزينب اتفاجئت بالهدوء اللي مريب، المزرعة كانت مليانة حراس، وعزة وماما حنان كانوا واقفين عند مدخل الفيلا، عزة كانت لابسة لبس رقيق ومبتسمة ابتسامة غامضة، وماما حنان كانت عيونها بتلمع بدموع الفرح.
زينب سألت بقلق وهي بتبص حواليها:
ـ "فين المشكلة يا رحيم بيه ؟ وليه المكان مليان ورد وزينة كأن فيه فرح؟"
رحيم ماردش عليها، بس أخدها من إيدها وطلع بيها على ممر طويل مفروش بالسجاد الأحمر، ومحاط ببوكيهات ورد طبيعي من أجمل الأنواع، والأنوار كانت بتنور وتطفي على أنغام موسيقى هادية جداً بدأت تشتغل في الأرجاء.
زينب اتجمدت في مكانها، وقلبها بدأ يدق بجنون لما شافت عزة بتشاور لها بابتسامة، وفجأة، الميكب أرتيست اللي كانت مستنية في أوضة جانبية خرجت ومعاها فستان زفاف ملكي، مطرز بالكريستال اللي بيخطف العين.
رحيم وقف قدامها، مسك إيديها الاتنين وبص في عيونها اللي كانت بتتحرك في كل حتة بذهول، وقال بنبرة هادية وعميقة هزت كيانها:
ـ "المشكلة الكبيرة هي إن قلبي كان معذبني لأنه مش عارف يعبر عن اللى جواه بس انهارده كل حاجه هتتغير يا زينب .. والورد ده، والناس اللي بدأت توصل، والزينة دي.. مش لمشكلة، دي عشان أجمل ليلة في عمرنا."
زينب اتنفضت من الصدمة، عيونها وسعت ووقعت منها دمعة حقيقية، بس المرة دي كانت دمعة فرحة مش حزن. همست بصوت مخنوق من شدة المفاجأة:
ـ "أنت.. أنت قولت هتتجوز؟"
رحيم ضحك ضحكة رجولية دافية، ومسح دموعها بإبهامه:
ـ "وأنا فعلاً بتجوز.. بتجوز الست اللي حمت بيتي، وحبت ابني، واستحملت قسوتي ووجعي.. بتجوز زينب، اللي بقت هي دنيتي وأماني وكل ما ليا."
قبل ما تستوعب، عزة وماما حنان قربوا منها، وأخدوها للأوضة عشان يلبسوها الفستان الأبيض اللي بيحلموا بيه، والبيت كله بدأ يضج بالأصوات والترحيب من كبار البلد اللي كانوا موجودين، والكل كان بيتسابق عشان يبارك لرحيم الهواري على عروسه اللي خطفت قلبه.
رحيم كان واقف برة، بيلعب بخاتمه الفضة وهو بيبص للسما، وحاسس إن أخيراً، "الأخطبوط" لقى الملاذ اللي عمره ما عرفه.. ليلة واحدة، وبقت زينب مراته قدام الكل، بعهد جديد وحب مايعرفش غير الإخلاص والأمان.
وبعد أربع ساعات كاملة من التجهيزات، كان الليل جه خلاص، والمزرعة اتملت بأنوار دافية وساحرة خطفت الأنظار، والمعازيم من أكبر ناس في البلد بدأوا يملوا الجنينة الواسعة اللي اتقلبت لسرادق ملكي مفيش في فخامته.
داخل الجناح فوق.. كانت زينب جهزت بالكامل.
وقفت قدام المراية الكبيرة وهي مش مصدقة شكلها. الفستان الأبيض الملكي كان نازل عليها بنعومة ومطرز بتفاصيل رقيقة خطفت قلبها، والميكب آرتيست برزت ملامح وشها الواسعة والصافية من غير مبالغة، والطرحة البيضا الطويلة كانت نازلة وراها زي الأميرة.
زينب كانت واقفة، قلبها بيدق زي الطبول، بس المرة دي مكنش خوف، كان مزيج من الكسوف، والفرحة الطاغية، والذهول من الأخطبوط اللي خطط لكل ده من وراها عشان يرجع لها حقها كبنت ويفرح قلبها قدام الدنيا كلها.
الباب خبط بالراحة، وتوقعوا دخلة رحيم.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
اتفتح الباب ودخل رحيم الهواري بكامل هيبته ووسامته، لابس بدلته السوداء الأنيقة، وقميصه الأبيض الناصع، ولأول مرة يتخلى عن النظرة الحادة بتاعة الشغل. أول ما عينه جت على زينب، خطواته اتسمرت في مكانها.. فضل باصص لها لثواني طويلة من غير ما ينطق ولا كلمة، وعينيه الغامقة لمعت بنظرة عشق وتملك حقيقي، كأنه مش مصدق إن الحورية اللي قدامه دي بقت ملكه وبتاعته هو وبس.
قرب منها ببطء، خطواته الرخيمة كانت بتعلو مع دقات قلب زينب اللي كانت بتبص في الأرض من كتر الكسوف وخدودها اتصبغت باللون الأحمر. وقف قصادها بالظبط، ومد إيده القوية، وبأطراف صوابعه رفع وشها الرقيق لحد ما عيونها التقت بعيونه.
تنفس بصوت مسموع وقال بنبرته الرخيمة الدافية اللي بتدوب أي جمدان:
ـ "أنا قولت إنك هتكوني ملكة.. بس مكنتش أعرف إن الأرض هتنور بيكي للدرجة دي يا زينب."
زينب بلعت ريقها وصوتها طلع رقيق وخافت جداً من الكسوف:
ـ "شكراً يا رحيم.. أنا.. أنا لسه مش مصدقة اللي أنت عملته ده كله عشان خاطري."
رحيم ابتسم ابتسامة صافية، وطبع بوسة دافية وطويلة على جبينها، وشدد على إيدها الصغيرة وهو بيدخلها في دراعه:
ـ "أنتِ تستاهلي أكتر من كده بكتير يا ست البنات.. يلا بينا، الناس كلها برة مستنية تشوف عروستي."
وفي نفس اللحظة، الباب اتفتح ودخل مالك الصغير وهو لابس بدلة سمرا تفصيل صغيرة زي أبوه بالظبط، وشكله زي القمر، وجري عليهم وهو بيضحك بفرحة:
ـ "زينب.. بابا.. يلا عشان نلعب في الجنينة برة مع الناس!"
رحيم ضحك وشال مالك على دراعه، والإيد التانية طوق بيها إيد زينب، وبدأوا ينزلوا السلم سوا عشان تبدأ ليلة العمر اللي المزرعة كلها عمرها ما هتنسا
رحيم نزل السلم وبجانبه زينب اللي كانت ماشية زي الملكة، ومالك متشال على دراعه ومخطوف الأنظار ببدلته الصغيرة. أول ما رجولهم خطت برة بوابة الفيلا ودخلوا الجنينة الكبيرة، المكان كله اتهز بصوت الزغاريد اللي ضربت في السما من ماما حنان وعزة، والمعازيم كلهم وقفوا يسقفوا بحماس وفرحة حقيقية للأخطبوط وعروسته.
الأنوار الدافية كانت مسلطة عليهم، والممر الطويل كان مفروش ورد طبيعي أبيض وأحمر، والكل كان بيبص لزينب بذهول من رقتها وجمالها الفاتن بالفستان الأبيض. رحيم كان ماشي بخطوات واثقة، هيبته تملأ المكان، بس عينه مكنتش بتفارق وش زينب اللي كان عرقان من الكسوف وعيونها في الأرض.
عمار كان واقف في أول الممر جنب الكوشة الملكية، لابس بدلته وكالعادة عينه صقرية بتأمن المكان، بس أول ما شاف صاحبه وظهرت على وشه ابتسامة نصر وفرحة، قرب منه بسرعة وحضنه بقوة:
ـ "مبروك يا صاحبي.. ليلة العمر تليق بيك وبالغالية ست البنات."
رحيم طبطب على ضهره بنبرة صادقة:
ـ "عقبال ما تفرح بعيالك يا عمار.. تسلم إيدك على كل شبر في الليلة دي."
عزة قربت من زينب وعيونها مدمعة من الفرحة، واحتضنتها جامد وهي بتهرس في ودنها:
ـ "بقى كده يا زوزو؟ تخبي عليا كل ده؟ والله كنت حاسة إن الواد عمار وراه مصيبة في المزرعة بس مكنتش أتخيل إنها الفرحة الكبيرة دي! طالعة زي القمر يا حبيبتي."
زينب ضحكت من وسط كسوفها وهمست لها:
ـ "والله العظيم ما كنت أعرف حاجة يا عزة، ده جوزك وجوزي طبخوا الطبخة من ورايا وأنا كنت فاكرة إن فيه مصيبة في المزرعة!"
رحيم نزل مالك بالراحة، وأخد إيد زينب وطلعوا قعدوا في الكوشة الملكية اللي كانت متزينة بالورد الأبيض والإضاءة الخافتة الساحرة. كبار البلد والموردين ورجال الأعمال بدأوا يتقدموا واحد ورا التاني عشان يباركوا لرحيم الهواري، والكل كان بيتكلم عن هيبة العريس ورقّة العروسة اللي خطفت قلب الأخطبوط.
بعد شوية، اشتغلت أغنية هادية ورومانسية جداً.. رحيم قام وقف بكامل طوله، ومد إيده لزينب بنظرة كلها رجاء دافي وتملك:
ـ "تسمحي لي بالرقصة دي يا مدام رحيم الهواري؟"
زينب بلعت ريقها، وحطت إيدها الصغيرة المبتلة من التوتر في إيده القوية، وقامت معاه وسط تصفيق حاد من المعازيم.
رحيم لف دراعه حوالين وسطها بالراحة وقربها منه، وزينب حطت إيدها على كتفه وعينها التقت بعينه لأول مرة من بداية الليلة. رحيم بص في عيونها الواسعة اللامعة بفرحة، وقال بصوته الرخيم اللي كله عشق:
ـ "النهاردة بس يا زينب، أقدر أقول إن رحيم الهواري قفل كتاب الوجع وبدأ حياته الحقيقية.. أنتِ الأمان اللي ربنا بعتهولي بعد سنين العواصف."
زينب دموع الفرحة لمعت في عيونها، وسندت راسها بالراحة على صدره العريض وهي بتهمس بنعومة وحب:
ـ "ربنا يخليك ليا يا رحيم.. أنا عمري ما حلمت بنص الفرحة دي، وجودك معايا هو الفرحة الكبيرة اللي هعيش بيها طول عمري."
عمار وعزة وماما حنان كانوا واقفين بيبصوا عليهم بفخر، ومالك كان بيجري ويلعب حواليهم مع أطفال المزرعة، والليلة بدأت تدور في دفا وحب، وأعلن الأخطبوط قدام الدنيا كلها إن زينب بقت دنيته وحرمه المصونة، والشر اتمحى من حياتهم للأبد.
ومع الساعات الأولى من الفجر، الفرح بدأ يهدى، والمعازيم ودّعوا رحيم وعروسته بتباريك ودعوات طالعة من القلب.
ماما حنان قربت من رحيم وزينب وهي ماسكة إيد مالك الصغير اللي كان عينه بتروح وتيجي من كتر التعب واللعب مع أطفال الدار اللي كانوا حاضرين الفرح. ماما حنان ابتسمت بحنان وقالت لزينب:
ـ "مبروك يا ست البنات، ربنا يسعدكم ويهنيكم يا رب.. سيبوا لي مالك معايا الليلة دي في الدار، الواد هبطان من اللعب مع الأولاد ومش هيصحى قبل الظهر، اطلعوا أنتوا ارتاحوا."
رحيم طبطب على رأس ابنه وبص لموا حنان بامتنان:
ـ "تسلمي يا أمي، تعبناكي معانا.. خلي بالك منه."
عمار وعزة هما كمان باركوا لهم تاني واستأذنوا عشان يرجعوا فيلتهم، والمزرعة كلها سكنت ومبقاش مسموع فيها غير صوت نسمات الهواء الهادية بين الشجر.
رحيم التفت لزينب، لقى وشها جايب ألوان من الكسوف والخجل، واقفة بالفستان الأبيض ومش عارفة تبص فين. مد إيده  وطوق وسطها بحنان، وبخطوات رزينة وهادية أخدها وطلعوا الجناح الرئيسي بتاعهم في فيلا المزرعة، الجناح اللي عمار جهزه بأفخم الأثاث والأنوار الدافية الخافتة.
أول ما دخلوا، رحيم قفل الباب وراه بالراحة، كأنه بيقفل على دنيتهم الجديدة اللي مفيش فيها غيرهم.
زينب اتسمرت في وسط الأوضة، قلبها كان بيدق بعنف لدرجة إنها كانت حاسة إن رحيم سامع دقاته، فركت إيدها بتوتر وهي باصة للأرض. رحيم قلع جاكيت البدلة ورماه على الكرسي، وفك أول زرارين من قميصه الأبيض، وقرب منها بخطوات بطيئة هادية لحد ما بقى واقف وراها بالظبط.
أنفاسه الرجولية الدافية لفحت رقبتها، ومد إيده بالراحة يفك طرحة الفستان الطويلة ويشيلها من على رأسها. لفها ليه ببطء شديد، ورفع وشها بإيديه الاتنين وبص في عيونها الواسعة اللامعة بنظرة تملك وعشق حقيقي دّوب كل التوتر اللي جواها.
رحيم اتكلم بصوته الرخيم والدافي جداً:
ـ "خلاص يا زينب.. مبقاش فيه خوف، ومبقاش فيه معارك.. الليلة دي أنتِ بقيتي مراتي وحرم رحيم الهواري قدام ربنا والعالم كله.. أنا عشت عمري كله في حرب، بس حضنك هو السلام اللي كنت مستنيه."
زينب حسّت إن ركبها مش شايلاها من كتر المشاعر اللي هجمت على قلبها في اللحظة دي هى احد دلوقتي حاسه انها بتحلم وبتحاول تعيش الحلم بتفاصيله ومتصحاش منه ..كمل رحيم  كلامه، ونظرة عينه اللي ماليانة أمان، والصدق اللي طالع من نبرته، خلوا كل حواجز الخجل والكسوف تنهار. عيونها دمعت دُموع فرحة صافية، ولأول مرة تاخد خطوة جريئة؛ رفعت إيديها الصغيرة المرتعشة وحطتها على صدره العريض، وقربت منه أكتر لحد ما بقيت دافنة وشها في صدره وسامعة دقات قلبه المنتظمة والقوية.
صوتها طلع ناعم، ماليان حب وهامس:
ـ "أنا بحبك يا رحيم.. عمري ما تخيلت إن دنيتي هيبقى فيها راجل زيك، يحميني ويشيلني جوه عينه ويعوضني عن كل اللي شفته.. أنا مش عايزة من الدنيا دي حاجة تانية غير إني أفضل في حضنك ده، وأكون الأمان اللي بيريحك من تعب الدنيا."
رحيم أول ما سمع كلمة "بحبك" منها، جسمه كله اتنفض، وابتسامة سعادة ونصر حقيقية ظهرت على وشه، ضماها لصدره بكل قوته وكأنه بيحاول يدخلها بين ضلوعه، وطبع بوسة دافية وطويلة على جبينها وشفايفها، ودفن وشه في حجابها وهو بيتنفس ريحتها النفاذة اللي بقت بتجري في دمه.
وفي اللحظة دي، اتقفلت صفحة الوجع والغدر والخوف من حياتهم للأبد، وبدأت حياة جديدة للأخطبوط اللي لقى ملاذه، ولزينب اللي بقت ملكة قلبه وأيامه الجاية، في ليلة شهدت على ولادة حب حقيقي مش هتهزه أي عاصفة.
وفي الصباح الجديد، 
رحيم صحي بدري كالعادة،  بس المرة دي صحي والراحة مالية قلبه. قام من على السرير بمنتهى الهدوء والراحة عشان زينب ما تصحاش، أخد روب ستان أسود فخم لبسه فوق بنطلونه، ومشا بخطوات غير مسموعة لحد الكرسي الفوتيل الكبير اللي محطوط في زاوية الأوضة ومواجه للسرير بالظبط.
قعد رحيم، ساند ضهره، وحط رجل على رجل، وشبك صوابع إيده تحت دقنه وبدأ يبص لزينب.. فضل باصص لها لمدّة طويلة بنظرة كلها تأمل وعشق صافي. كانت نايمة بسلام كأنها طفلة، ملامحها هادية، وبقايا الفرحة والخجل لسه باينة على وشها. رحيم كان مستنيها تصحى بفارغ الصبر، كأنه طفل مستني اللعبة اللي هتفرحه، والابتسامة الهادية مش مفارقة شفايفه.
بعد شوية، زينب بدأت تتحرك بالراحة، فتحت عيونها الواسعة ببطء وهي بتتكيف مع نور الأوضة. أول ما استوعبت هي فين، لفت راسها بسرعة وتلقائية تدور عليه جنبها على السرير، بس ملقتوش.. قلبها دق بخضة خفيفة، بس أول ما رفعت عيونها، لقت صقر الهواري قاعد على الكرسي وباصص لها بالنظرة اللي بتدوبها.
وشها اتصبغ باللون الأحمر في ثانية، ولمت الغطا عليها بكسوف وهي بتقعد:
ـ "صباح الخير يا رحيم.. أنت صاحي من بدري؟"
رحيم صوته الرجولي الرخيم طلع دافي ومليان حنان وهامس:
ـ "صباح الورد يا قلب رحيم.. صاحي بقالي ساعة، ومفيش ورايا في الدنيا دي غير إني أتأمل في دنيتي وهي نايمة جمبي."
زينب بلعت ريقها بكسوف، ونزلت رجليها من على السرير، وقامت مشت بخطوات هادية وخجولة لحد ما راحت وقفت قدامه بالظبط، وعيونها في الأرض مش قادرة ترفعهم في عينه من كتر الإحراج والجمال اللي في نظرته.
رحيم مقالش ولا كلمة.. في لمح البصر، وبحركة سريعة ومحملة بالقوة والحنان، مد إيده القوية وقام شاددها من وسطها بكل تملك، وقعدها على رجله!
زينب شهقت بخضة ورقة، وإيديها عفوياً راحت على كتافه العريضة عشان تتوازن، ووشها بقى في وش رحيم بالظبط، أنفاسهم الدافية اتقابلت، وقلبها بقى بيدق زي الطبول.
رحيم طوق وسطها بدراعه، والإيد التانية رفع بيها وشها بالراحة، وبص في عيونها بلمعة عشق تزلزل الكيان، وقال بنبرة واطية وحنينة جداً:
ـ "لسه برضه بتتكسفى مني يا مدام رحيم؟ أنتِ خلاص بقيتي النفس اللي بطالعه وأدخله.. من النهاردة مش عايز أشوف الخجل ده وإحنا لوحدنا، عايز أشوف الحب اللي في عيونك وبس."
زينب حست إنها بتدوب بين إيديه، الدفا والأمان اللي طالعين من جسمه ونبرة صوته خلوا كل حواجز الكسوف تتبخر. اتنهدت تنهيدة طويلة ماليانة راحة، وسابت نفسها تماماً، ومالت براسها بالراحة لحد ما سندت جبهتها على جبهته، وهمست بصوت رقيق ونعومة تدوّب الصخر:
ـ "مبقاش كسوف يا رحيم.. ده فرحة، فرحة كبيرة أوي لدرجة إن قلبي مش مستوعبها. أنا طول عمري كنت بخاف من الأيام، بس وأنا قاعدة معاك كده.. حاسة إني ملكت الدنيا ومفيش أي حاجة في العالم تقدر تخوفني تاني."
رحيم ابتسم ابتسامة نصر وسعادة حقيقية عمره ما عاشها، وطبع بوسة دافية وطويلة على خدها وعيونها، وضمها لحضنه بقوة وهو بيهمس في ودنها:
ـ "وأنا هفضل ضهرك وسندك وأمانك لحد آخر يوم في عمري يا ست البنات.. صباحي بيبدأ بيكي، ودنيتي نورت بوجودك فيها."
وفضلوا قاعدين سوا وسط خيوط الشمس والهدوء، بيعيشوا أول صباح ليهم كعيلة حقيقية، بعد ما العواصف انتهت والأخطبوط لقى السلام الرسمي جوه حضن ملكته.
تمت بحمدلله

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا