رواية حيلة اسمها الحب من الفصل الاول للاخير بقلم سلمي جاد
رواية حيلة اسمها الحب من الفصل الاول للاخير هي رواية من كتابة سلمي جاد رواية حيلة اسمها الحب من الفصل الاول للاخير لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية حيلة اسمها الحب من الفصل الاول للاخير حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية حيلة اسمها الحب من الفصل الاول للاخير
رواية حيلة اسمها الحب من الفصل الاول للاخير
_ "إنت أكيد اتجننت يا جدع إنت! معقولة واحد زي أدهم السويسي، بالذكاء والجبروت اللي بيتقال عليه، أدخل عليه بكل بسهولة وأقوله إني أخته اللي تاهت من عشرين سنة؟ مستحيل.. أنا مش هرمي نفسي في النار، ومش هشارك في النصباية دي"
كانت بتتكلم وهي باصه للراجل اللي ملامحه مليانه شر، وقال بصوت واثق:
"قولتلك ميت مرة أنا مخطط لكل فتفوتة في الحكاية دي، متقلقيش.. كل اللي مطلوب منك دور تمثيل مش أكتر. هتمثلي إنك ياسمين أخته، اللي أدهم السويسي مبيغمضلوش جفن وهو بيدور عليها بقالوا سنين. هتدخلي الفيلا، تعيشي هانم، وأول ما يطمنلك ويصدق إنك دمه ولحمه، هيبدأ إجراءات الورث. هتمضي بصفتك ياسمين السويسي إنك استلمتي نصيبك، وأول ما ده يحصل هتختفي من حياته كأنك سراب، وهسفرك بره مصر لأي بلد تحلمي بيها، وده غير شيك محترم يخليكي تعيشي ملكة.. فكري يا جميلة، الفرصة دي بتيجي مرة واحدة في العمر."
جميلة وقفت مكانها، التردد بياكل في عقلها، وقالت بصوت مهزوز:
"ولو كشفني؟ ده أدهم السويسي يا إبراهيم بيه! ده أنا لما بعدي بالصدفة من قصاد شركته نظرى ميجيبش أخرها من ضخامتها .. ده ممكن يقتلني في لحظة لو عرف إني بلعب بيه."
ضحك إبراهيم بـ سخرية وهو بيحاول يطمنها:
"هيعرف منين؟ هو شافك أصلًا؟ ده ولا يعرف شكلك حتى ،أخر مره شاف أخته كانت حتة لحمة حمره متمتش كام شهر، لما ناس جت واتبنتها من الملجأ .. ميعرفش ملامحك . هتدخلي له باسمك الحقيقي جميلة، وهنقول إن ده الاسم اللي الناس اللي ربوكي سموكي بيه، عشان ميفكرش ينبش ورا أوراقك الشخصية، وعشان كمان لو اتلغبطتي في اسمك قصاده يبقى ليكى حجه،حتى الشقة اللي هتظهري فيها جهزتها؛ حارة قديمة، وجيران أنا مشتريهم بفلوسي، هيحلفوا إنك ساكنة وسطهم من عشرين سنة وأهلك ماتوا وسابوكي وحيدة."
جميلة خدت نفس طويل، بتحاول تقنع نفسها إنها مجرد مصلحه وهتعدي..
هي كمان يتيمة، بس الدنيا كانت قاسية معاها بزيادة. جميلة مكنتش بنت شوارع من يومها، دي كانت بتروح مدرستها لحد ثانوي، عايشة مع أهل قد حالهم بس كانوا ماليين عليها الدنيا.. لكن فجأة كل ده انهار بموتهم.
بعد ما أهلها فارقوا الحياة، لقت نفسها لوحدها تماماً،وصاحب البيت مرحمش يتمها ورماها في الشارع. ومن هنا، حياتها اتقلب حالها 180 درجة؛ البنت اللي كانت بتشيل كتبها، لقت نفسها بتشيل هم اللقمة، واتعلمت إزاي تسرق وتتسول وتناهد في الشوارع عشان تعيش، لحد ما حظها وقعها في طريق إبراهيم.
إبراهيم من اللحظة الأولى اللي شافها فيها وهي بتتمسك في قضية سرقة كانت هترميها ورا القضبان سنين، قرر إنه ينتشلها.. مش رحمة بيها، لا، ده عشان يستخدمها للعبته الخبيثة اللي كان بيخطط لها، وكان عارف إن جميلة هي الوحيدة اللي تقدر تقوم بالدور ده ببراعة.
بصت له باستغراب وقالت:
"طيب وإنت مصلحتك إيه في الفيلم ده كله؟ ده إنت عمه! يعني المفروض تخاف عليه مش تسرقه."
وش إبراهيم اتقلب، وملامحه بقيت قاسية جداً وهو بيزعق:
"ملكيش دعوة ..وحسك عينك لو الخطة نجحت تجيبي سيرتي قدامه. أنا بعمل كده عشان أدهم دماغه ناشفة، ومش راضي يفك الوديعة اللي في البنك باسم أخته ياسمين.. ده الورث اللي محمود أخويا سابه ليهم قبل ما يموت، الوديعة دي لازم تخرج، وهتبقى من نصيبي أنا. ومفيش حل غير إن ياسمين تظهر وتمضي على الورث، وعشان كده أنا جبتك ."
جميلة بشك واستغراب :
"أنا مش فاهمة حاجه.. منين إنت عمه، ومنين أدهم بيه كان في دار أيتام هو وأخته؟"
إبراهيم اتوتر للحظة، وبلع ريقه وهو بيحاول يداري ارتباكه، ورد بحدة:
"قولتلك مية مرة متدخليش في اللي ميخصكيش! ركزي في دورك وبس.. ها، قولتي إيه؟ موافقة؟"
جميلة بصت للفراغ، حست إنها قدام مفترق طرق، يا ترجع للشارع والجوع والخوف من إنها تتمسك وتتحبس فى أي لحظه، يا تدخل قصر السويسي وتلعب لعبة الموت وتطلع منها هانم. اتنفست بعمق وقررت قرار هيغير حياتها للأبد .. وهي بتطمن نفسها ان الموضوع مش هياخد كام شهر وبعدها حياتها هتتغير للأبد
__ موافقه
__________________________________
في منطقه راقيه في أحد أحياء منطقه الشيخ زايد .. هناك حيث ناطحات السحاب اللي بتنافس السحاب نفسه، كان واقف مبنى ضخم، واجهته من الزجاج الأزرق بتعكس ضوء الشمس بهيبة، ومكتوب عليه ببنط عريض يخطف العين: (شركة السويسي للاستيراد والتصدير).
في الدور الخمستاشر، الدور اللي بيتحكم في مصير صفقات بملايين، كانت الأجواء هادية جداً ومنظمة لدرجة تخوف. قاعده السكرتيرة اللي اللباقة والتحضر باينين في كل تفصيلة في لبسها وطريقتها، قفلت المكالمة وقامت بتوتر مكتوم.. خبطت على باب مكتب المدير التنفيذي خبطتين، واستنت لحد ما جالها الرد بصوت رخيم، حاد، ومسيطر:
- "ادخلي."
فتحت رزان الباب ودخلت المكتب اللي كان أشبه بجناح ملكي مودرن، ألوانه هادية وديكوراته بسيطة بس تنطق بالفخامة. وفي نص الأوضة، قدام شباك زجاجي واخد مساحة الحيطة كلها، كان واقف بطلنا "أدهم السويسي".
كان مدي ضهره للباب، بس هيبته كانت كفيلة تخلي أي حد يبلع ريقه.. جسم رياضي مرسوم بالمسطرة نتيجة تمارين شاقة ورياضه عنيفه ؛لإنه بيقضي معظم يومه فى الجيم، لابس بدلة كحلي متفصلة عليه بالملي، وتحتها قميص أبيض ناصع. إيده في جيبه، باين منها ساعة روليكس، اللي تمنها كليتين وقلب، والإيد التانية ماسك فيها فنجان قهوة إسبريسو مُره، بيشربه بهدوء وكأنه بيفكر في غزو العالم.
رزان بصوت واطي:
- "مستر أدهم.."
لف أدهم ببطء، وهنا بانت ملامحه اللي تجمع بين الجاذبية الأوروبية وخشونة العرب.. بشرة برونزية، عينين بلون الفحم حادة زي الصقر، وفك متحدد بيبرز أكتر لما بيضغط عليه في وقت الغضب.
- "فيه إيه يا رزان؟"
- "الإيميل بتاع شركة فرنسا وصل يا فندم."
اتحرك بهدوء وقعد ورا مكتبه، لبس نظارة القراءة اللي بتزيده وقار، وراجع الإيميل لثواني قبل ما يهز راسه بجدية:
- "تمام.. ردي عليهم بالموافقة، وبلغيهم إننا في انتظارهم في مصر لإتمام التعاقد."
- "تمام يا مستر أدهم."
خرجت رزان وقفلت الباب وراها، وهنا أدهم ساب القناع الجاد ورفع راسه بتعب.. حياته عبارة عن تروس بتلف في ماكينة شغل مبيخلصش، روتين قاتل ومجتمعات. عينه وقعت على برواز قديم على مكتبه، ابتسامته الوحيدة الصادقة ظهرت لما شافه.
في البرواز صورة لولد عنده عشر سنين، ملامحه هي هي ملامح أدهم بس براءة الطفولة لسه فيها، وكان شايل طفلة رضيعة مكملتش شهور، بتضحك ببرائه. لمس أدهم الصورة من ورا الزجاج بحنين وهمس:
- "وحشتيني أوي يا ياسمين.. وحشتيني يا قلب أخوكي."
أدهم قفل عينيه للحظة، وكأن شاشة اللابتوب اللي قصاده اتحولت لمرايا بتعرض أحداث من ٢٠ سنة فاتوا.. مشهد لسه محفور في ذاكرته بكل تفاصيله المؤلمة.
كان عنده عشر سنين، طفل واعي كفاية إنه يفهم إن العالم ده قاسي، بس مش قوي كفاية إنه يحمي حتة من قلبه. ياسمين أخته كانت لسه يدوب شهور، حتة لحمة حمراء في لفة بيضاء، كانت هي الحاجة الوحيدة اللي بتهون عليه جدران الملجأ الباردة.
اليوم ده مش هينساه؛ لما جت عيلة وشاورت عليها هي بس. صرخ بكل قوته، اتشبث بطرف هدوم الست اللي شايلاها، بس المديرة شدته بعيد وهي بتقول بقسوة:
"هما عايزين طفلة رضيعه يربوها على إيدهم.. أنت كبير يا أدهم، افهم بقى!"
وقف يتفرج عليهم وهم بياخدوا ياسمين وبيمشوا، عياطها كان بيقطع في قلبه، وهو واقف مشلول، مفيش في إيده غير صورة صغيرة بتجمعهم لسه محتفظ بيها ، فضل حاططها في جيبه زي التميمة.
______________________________
بعد مرور أسبوع، كانت جميلة قاعدة في شقتها الجديدة في الحارة، شقة متوسطة الحال لكن بالنسبة لجميلة اللي عاشت مشردة كانت شايفة إنها فخمة جداً .
كانت قاعدة قصاد التسريحة، ولابسة بجامة باللون النبيتي مبرزة جمالها الهادي اللي يخطف العين.. هي فعلاً كانت "جميلة" اسم على مسمى. بشرتها خمرية صافيه، ملامحها بريئة لدرجة تخلي اللي يشوفها يحلف إنها متعرفش عن غدر الدنيا حاجة، لكن اللي يدقق في عينيها الواسعة اللي زي عيون الغزلان، يحس بسحر غريب يشد ويأسر أي حد يبصلهم.ونظرة عينيها كانت مزيج غريب بين البراءة، وبين الذكاء اللي اتعلمته عشان تنجو من مخالب الدنيا.
كانت ماسكة المشط وبتسرح شعرها الأسود الناعم اللي نازل على ضهرها زي الحرير، وعقلها سرحان لبعيد.. غرقانة في تفاصيل اللعبة اللي داخلة عليها.
حسب كلام إبراهيم، اللقاء الأول بينها وبين أدهم السويسي ممكن يحصل في أي لحظة، بمجرد ما إبراهيم يرمي طعمه ويخلي أدهم يعرف بطريقته إنه لقى خيط يوصله لأخته اللي غايبة بقالها عشرين سنة.
سابت المشط من إيدها بملل وقامت فردت جسمها على السرير، عينيها كانت متعلقة بالسقف وهي بتكلم نفسها بقلق وتساؤل:
- "يا ترى يا أدهم يا سويسي هتصدق؟ معقول هتدخل عليك اللعبة وأبقى في نظرك أختك ياسمين؟ يا ترى هدخل حياتك فعلاً وأعيش في بيتك؟ دي حياتك هتتشقلب رأساً على عقب يا بت ياجميلة
.. بس يا ترى إنت شكلك عامل إزاي يا ابن السويسي؟ هل إنت فعلاً مرعب وزي ما بيقولوا قلبك حجر، ولا الشوق لأختك هو اللي هيحركك ويخليك حنين معايا؟"
جميلة كانت بتحاول تطمن نفسها، لكن ضربات قلبها كانت بتعلى كل ما تتخيل إن الباب ممكن يخبط في أي ثانية، وتلاقي نفسها وجهاً لوجه قدامه ، قدام أدهم السويسي.
________________________________
في شركة السويسي، الجو كان مشحون كالعادة بالهيبة والتركيز. أدهم كان قاعد ورا مكتبه الضخم، غرقان وسط ملفات الصفقات الجديدة، بيقرا بتركيز وعينيه مابتفوتش الهفوة، والهدوء في المكتب مبيقطعهوش غير صوت ورق بيتقلب.
وفجأة، الباب اتفتح بقوة ومن غير استئذان، دخل "علي" الحارس الشخصي لأدهم وضلّه اللي مبيفارقهوش، وبيساعده في البحث عن ياسمين .
علي كان بينهج ونفسه مقطوع كأنه كان في سباق، وملامح وشه كانت بتقول إن فيه خبر هيهز كيان المكان.
أدهم رفع عينه بحدة وضيق من الدخلة دي، ولسه هيتكلم ويوبخه، لقى علي بيقول بصوت مهزوز من الفرحة والنهجان:
- "أدهم بيه.. لقيناها! لقينا ياسمين هانم أخت حضرتك.. وعرفنا طريقها ومكانها بالظبط!"
— "إنت بتقول إيه يا علي؟ ياسمين؟ إنت متأكد؟"
علي بحماس:
— "والله يا فندم، كل المعلومات اللي وصلت لنا بتأكد إنها هي. وقدرنا نوصل لمكانها. هي عايشة في منطقة شعبية، واسمها جميلة، الاسم اللي العيلة اللي اتبنتها سموهولها قبل ما يتوفوا ويسيبوها لوحدها."
أدهم مسمعش باقي الكلام، كان قلبه بيدق بعنف. مسح وشه بإيده وهو بيحاول يستوعب إن حلم عشرين سنة بقى حقيقة.
— "جهز العربية فوراً يا علي.. أنا لازم أروح لها دلوقتي."
_______________________________
الحارة الهادية اللي مبيقطعش سكونها غير صوت خناقات الجيران، فجأة اتزلزلت.. صوت محركات قوية وزئير عربيات فخمة اقتحم المدخل الضيق. أسطول من العربيات السوداء المصفحة، كأنها موكب ملكي، سدّت المخارج والمداخل.. والكل وقف يتفرج بذهول، اللي باصص من الشبابيك واللي ساب اللي في إيده ووقف بقه مفتوح.
في مقدمة الأسطول، وقفت عربية BMW سوداء بتلمع، نزل منها علي الحارس الشخصي بهيبته المعتادة وجسمه الضخم بسبب طبيعة عمله ك بادي جارد، وبسرعة البرق لف وفتح الباب الخلفي.
نزل أدهم السويسي.. نزل وهو بيعدل جاكت بدلته الكحلي، ونظارته السوداء مخبية نظراته اللي كانت بتفحص الحارة بوجع وقرف في نفس الوقت. سكت لثواني، سحب نفس طويل من هوا الحارة المكتوم، وسرح.. "معقولة؟! معقولة أخت أدهم السويسي عايشه فى حاره زي دي !
فاق من شروده على صوت علي وهو بيشاور بجدية على عمارة قديمة، طلائها مقشر وبان عليها غدر الزمن:
- "هي دي الشقة يا أدهم باشا.. الدور التالت."
هز أدهم راسه بشرود، ملامحه كانت مزيج غريب بين القوة والتردد. اتحرك بخطوات ثابتة، خلت الأسفلت تحت جزمته يشتكي من قوتها، وخلفه جيش من الحراس الشخصيين اللي مأمنين المكان.
طلعوا السلم الخشبي اللي كان بيزيق تحت ضغط خطواتهم. وقفوا قدام الباب، "علي" اتقدم وخبط خبطات منظمة.. ثواني، والباب اتفتح.
- "حضرتك الآنسة جميلة؟"
جميلة وقفت ورا الباب، ملامحها باين عليها الخوف الممزوج بالبراءة المصطنعة، بلعت ريقها بصعوبة وهي بتبص لـ علي الطويل العريض اللي سادد قدامها النور:
- "أ.. أيوه، أنا."
في سرها كانت بتقول بصياعة: "أوبا! بقا هو ده أدهم السويسي ، اممم شكله مش بطال وكمان وسيم، وواضح إنه طيب.." لكنها سرعان ما لبست قناع التمثيل، ورقت صوتها بخوف:
- "حضرتك مين؟ وعايز إيه؟"
علي مردش، لكنه رجع خطوة لورا بمنتهى الهدوء، وفجأة سمعت جميلة صوت تكة جزمة فخمة بتقرب.. وفجأة ظهر هو!
أدهم قلع النظارة ببطء، وعينيه اللي بلون الفحم بدأت تمسح ملامحها بدقة مرعبة.. فضل ساكت لثواني كانت تقيلة كأنها سنين، ملامحه اللي كانت زي الحديد بدأت تتهز، ونظرة الصقر اللي في عينيه اتحولت لنظرة حنين مداريه.
جميلة حست إن الأرض بتهز تحتها، وبلعت ريقها بصعوبة بالغة وتوتر حقيقي المرة دي.. عقلها كان بيصرخ بصدمة: "يلللهوي! مستحيل.. ده أدهم السويسي؟ ده جماله يرعب، وهيبته تخلي الواحد ينسى اسمه! ده لو عرف إني بكدب عليه مش هيطلع عليا نهار !"
أدهم أخد خطوة واحدة قربها، ريحة برفانه الفخم غطت على ريحة الشقة القديمة، ومد إيده ببطء شديد كأنه خايف يلمسها فتختفي، وقال بصوت رجولي عميق، هادي بس فيه رشة وجع هزت كيانها:
— "مفيش داعي للخوف.. أنا جيت عشان آخدك يا ياسمين.. جيت عشان أرجعك لمكانك اللي كان لازم تكوني فيه من زمان."
جميلة بتمثيل متقن، دموعها نزلت في التوقيت الصح، ورجعت خطوة لورا وهي بتترعش:
— "ياسمين مين؟ أنا اسمي جميلة.. إنت مين يا بيه؟ وعايز مني إيه؟"
أدهم ابتسم بمرارة وقال بلهفة :
— "أنا أخوكي يا ياسمين .. أنا أدهم ...."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
— "ياسمين مين؟ أنا اسمي جميلة.. إنت مين يا بيه؟ وعايز مني إيه؟"
أدهم ابتسم ،وقال بلهفة:
— "أنا أخوكي يا ياسمين.. أنا أدهم."
— قولتلك أنا اسمى جميله ومليش اخوات انا ابويا وامي ماتوا من زمان ومسابوليش اخوات
على بجديه:"طيب ممكن يا انسه جميله ندخل وهتفهمى كل حاجه ."
جميله بصتلهم بتمثيل التردد لكنها هزت راسها بموافقه.
بعد شويه ..
أدهم كان قاعد قدامها على الكرسي الخشبي المتهالك اللي في الصالة، وعينيه مش مفارقة وشها.. حاسس ببركان مشاعر جواه، الفرحة بإنها قدامه، والوجع على الحالة اللي هي فيها.
جميلة رفعت راسها ببطء من بين إيديها، وعينيها كانت حمراء من كتر العياط المزيف، وبصت له بنظرة تايهة وقالت بصوت مبحوح:
— "يعني إيه؟ يعني السنين دي كلها كنت عايشة في كذبة؟ الناس اللي شلت اسمهم وحبيتهم ودفنتهم بإيدي مطلعوش أهلي؟ وأنت.. أنت جاي دلوقتي تقول لي إنك أخويا؟ أنت كنت فين يا أدهم بيه وأنا بترمى في الشارع عشان مش لاقية أدفع إيجار الشقة دي؟ كنت فين وأنا بجوع بالأيام ومحدش بيسمي عليا؟"
أدهم غمض عينيه بوجع حقيقي، كلامها نزل على قلبه زي السكاكين.. مكنش يعرف إنها شافت كل ده، كان فاكر إن العيلة اللي خدوها حافظوا عليها. قام وقف وقرب منها وقال بنبره خشنه متلقش أبدًا على كلامه الحنين
— "والله ما بطلت أدور عليكي.. كنت بقلب مصر حتة حتة،دورت في كل السجلات.. حقك عليا، أنا عارف إن مفيش كلام يعوضك، بس أوعدك إن من اللحظة دي مفيش دمعة واحدة هتنزل من عينيكي تاني."
جميلة في سرها: "يا حلاوة! ده طلع حنين أوي، والتمثيلية ماشية زي السكينة في الحلاوة.. بس لازم أتقل عليه شوية عشان ميشكش."
مسحت دموعها بظهر إيدها زي الأطفال ،وقالت بتمرد:
— "أنا مش عايزة وعود.. أنا مش عارفاك، ومش متعودة أخد حاجة من حد.. سيبني في حالي يا بيه، أنا خلاص اتعودت على عيشتي كده."
أدهم بص في عينيها بتصميم ونظرة مش مفهومة، مزيج بين الحنية وبين السيطرة اللي متعود عليها:
— "مش بمزاجك يا ياسمين.. أنا ملقيتكيش عشان أسيبك تاني. أنتِ هتيجي معايا دلوقتي، هتعيشي معايا في القصر اللي كان لازم تكبري فيه."
وقبل ما جميلة تنطق، كمل أدهم ببرود وثبات وهو بيحط النقط على الحروف:
— "طبعاً لازم إجراءاتنا تكون رسمية، وعشان قلبي يطمن وعقلي يرتاح، أول ما نوصل هنعمل تحليل DNA.. ولحد ما النتيجة تظهر، مش هسمحلك تغيبي عن عيني ثانية واحدة، ولا هقبل إنك تقعدي في مكان زي ده يوم كمان."
نادى بصوته الجوهري اللي هز جدران الشقة: "علي!"
علي دخل فوراً: "تمام يا فندم؟"
أدهم بلهجة آمرة: "الآنسة ياسمين هتيجي معانا، شنطة هدومها وكل حاجتها تتحط في العربية فوراً."
جميلة وقفت بذهول مصطنع، وبدأت تمثل دور البنت العزيزة النفس اللي مش فارق معاها الفلوس:
— "أنت بتؤمرني؟ أنت فاكر عشان غني هتمشي كلامك عليا؟ وبعدين تحليل إيه؟ أنت شاكك فيا ولا إيه يا بيه؟"
أدهم بص لها بابتسامة خفيفة، أول ابتسامة تشوفها جميلة، كانت ساحرة لدرجة خلت قلبها يدق بعنف حقيقي المرة دي مش تمثيل، وقال بوقار:
— "أنا مش بؤمرك.. أنا برجع حق أختي الصغيرة اللي اتسرقت مني زمان، والتحليل ده مجرد روتين عشان أقطع لسان أي حد ممكن يتكلم.. يلا يا ياسمين، اجهزي، مفيش وقت نضيعه هنا."
جميلة لفت وشها وهي بتمثل الضيق، بس في سرها كانت بتقول: "ده طلع مش سهل خالص.. بس ماشي يا أدهم يا سويسي، لما نشوف هتودينا لفين!"
وافتكرت إن إبراهيم طمنها، وإنه مظبط كل حاجه تخص التحليل لو أدهم أصر يعمله .
مرت ساعه تقيلة على أدهم وهو قاعد في عربيته الفارهة، مستني جميلة وهي بتلم حاجتها. . بعد دقايق ركبت جنبه في العربية، وكانت منبهره من فخامة الكراسي الجلد وريحة العربية اللي تخطف النفس، أما هو فكان بيبص لها بنظرات كلها ذنب، وكأنه بيعتذر لها عن كل ليلة قضتها بعيد عن حضنه وحمايته.
أدهم أمر السائق يتحرك، وطول الطريق عينه مكنتش بتنزل من عليها، كأنه خايف تغيب عن نظره ثانية واحدة فتطلع سراب ويصحى من الحلم الجميل ده.
وصلت العربية قدام بوابة حديد ضخمة اتفتحت إلكترونياً، عشان يظهر وراها جنينة واسعة وفي نصها قصر يخطف الأنفاس.. قصر السويسي.
جميلة بذهول حقيقي المرة دي:
— "هو.. هو إحنا هنعيش هنا؟"
أدهم بابتسامة حنونة:
— "ده بيتك يا ياسمين.. القصر ده ملكك زي ما هو ملكي بالظبط. ومن بكرة، كل شيء في حياتك هيتغير."
نزل أدهم وفتح لها الباب بنفسه، ودخلوا من الباب الرخامي الكبير.. الشغالات كانوا واقفين في استقبال أدهم. لكن فجأة، قطع السكون ده صوت خطوات صغيرة وسريعة جاية من الدور اللي فوق، وصوت طفل بينادي بأعلى صوته:
— "بابا أدهم! بابا أدهم!"
جميلة اتسمرت مكانها، وبصت لأدهم بصدمة وهي شايفة طفل عنده حوالي 10 سنين بيرمي نفسه في حضن أدهم، وأدهم بيبادله الحضن بحب وحنيه..
جميلة (بهمس وارتباك):
— "بابا؟! هو أنت متجوز يا أدهم بيه؟"
أدهم شال يزن وباسه، وبص لجميلة بملامح هادية ومرتاحة وقالها:
— "لا يا ياسمين.. يزن يبقى أخونا الصغير
قطع حبل أفكارها يزن اللي ساب حضن أدهم وجري عليها، وقف قدامها وبص لها بعيون واسعة مليانة براءة وفرحة وقال بصوت طفولي خطف قلبها:
— "إيه ده.. هو أنتي أختي؟ أنتي ياسمين اللي بابا أدهم كان بيحكي لي عنها؟"
جميلة اتسرعت دقات قلبها وسكتت، مكنتش عارفة ترد تقول إيه، حست بوزن الكذبة بدأ يتقل على كتافها قدام براءة الطفل ده. بصت لأدهم بتوهان، فأدهم بابتسامة حنونة ركع على ركبته قصاد يزن،وقال:
— "أيوة يا حبيبي.. جميلة تبقى أختك الكبيرة، ومن النهاردة كلنا هنبقى عيلة واحدة وما فيش حد فينا هيبعد عن التاني أبداً."
أدهم رفع عينه لجميلة اللي كانت بتبص له بتوهان وعدم فهم، هز لها راسه بطمأنينة وكأنه قرا اللي في دماغها، وهمس لها:
— "هفهمك كل حاجة بعدين.. المهم دلوقتي يزن."
يزن قفز من الفرحة وهو بيصقف بإيده:
— "هيييه.. يعني هتعيشي معانا في القصر وتلعبي معايا؟ بابا أدهم بيبقى مشغول دايما في الشركة ومش بيلعب معايا كتير، أنا كنت زهقان لوحدي أوي!"
جميلة حست بغصة في حلقها، رقت ملامحها غصب عنها ورسمت ابتسامة هادية على وشها، وطبطبت على شعر يزن:
— "إن شاء الله يا حبيبي.. هنلعب كتير سوا."
في اللحظة دي، قربت واحدة من الخادمات وقالت باحترام:
— "أدهم بيه.. الغدا جاهز في السفرة."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أدهم قام وقف وشال يزن على كتفه بحفة، وبص لجميلة بنظرة جادة ورجعت له هيبته وتفكيره العملي وقال:
— "يلا يا جميلة عشان نتغدا.. وبعد الغدا عايزك في موضوع مهم جداً، الدكتور زمانه على وصول عشان إجراءات التحليل اللي اتفقنا عليها."
جميلة بلعت ريقها، حست إن وقت الجد جه، وموضوع التحليل ده هو اللي هيحدد يا إما تعيش هانم في القصر ده، يا إما ترجع في الشوارع تاني .. وده هيبقى أهون بكتير من اللي أدهم ممكن يعمله فيها لو كشف كذبتها .مشيت وراه وهي بتدعي في سرها إن خطة إبراهيم تكون محبوكة صح.
بعد الغدا، الجو في القصر كان مشحون بهدوء يسبق العاصفة. فريق من المعمل جيه وسحب عينات دم من أدهم وجميلة وسط نظرات أدهم الثابتة اللي مابتتهزش، ونظرات جميلة اللي كانت بتحاول تداري ارتباكها ورا قناع من الثبات المزيف.
بعد ما الفريق مشي، جميلة لقت نفسها بتتوجه لمكتب أدهم بناءً على طلبه. دخلت وقعدت على كنبة جلد كبيرة باللون البني، كانت بتتلفت حواليها بذهول من ضخامة المكتب والكتب اللي واصلة للسقف، وبدأت تفرك إيديها بتوتر وهي مستنياه.
فجأة باب المكتب اتفتح، ودخل أدهم.. جميلة بلعت ريقها بصعوبة أول ما شافته. أدهم كان غير هدومه الرسمية، ولابس هدوم بيتي عبارة عن تيشرت رصاصي أبرز عضلات جسمه الرياضي وتقسيمة صدره، وبنطلون أسود مريح.
جميلة أول ما شافته بالهيئة دي، غمضت عينيها بسرعة وهي بتهمس لنفسها بصوت واطي جداً:
— "يا مري.. إحنا متفقناش على كدة! هو في بني آدم بيبقى حِلو كدة وهو ببيجامة؟ على رأي ياسمين عز كتاف الراجل بالدنيا !"
ارتباكها زاد لما لقت ريحة برفانه، اللي بقت أهدى وأجمل، بدأت تخترق أنفاسها وهو بيقرب منها وقعد جنبها على الكنبة بمسافة تسمح لها تحس بحرارة جسمه، وقال بهدوء:
— "إن شاء الله نتيجة التحاليل هتظهر بعد يومين."
جميلة اكتفت إنها تهز راسها "أيوة" وهي لسه باصة في الأرض، مش قادرة تنطق كلمة ولا ترفع عينها فيه. أدهم لاحظ سكوتها، فنداها بصوته الرجولي الخشن اللي فيه نبرة حنين:
— "جميلة.."
جميلة رفعت عينيها في عينه فجأة، وحست إن قلبها هينفجر من دقاته لما سمعت اسمها خارج منه بالنبرة دي، كأنه بيغنيه مش بينطق اسم عادي.
أدهم ابتسم وقال بوقار:
— "أنا عارف إنك لسه متعودتيش على اسمك الحقيقي، وعشان كدة هناديكي جميلة لحد ما تاخدي على المكان وتتعودي.. وبعدين، أنا كنت عايز أحكيلك عن يزن، عارف إن فيه حاجات كتير بتدور في دماغك ومش فاهماها."
أدهم اتنهد تنهيدة طويلة كأنه بيطلع وجع سنين، وبدأ يحكي:
— "بعد ما عيلتك جت اتبنتك من الميتم وبعدتك عني، قعدت شهور مش بتكلم مع حد، كنت طفل وحيد مكسور.. لحد ما في يوم، جت أسرة غنية، راجل وست طيبين جداً، أول ما شافوني حبوني وقرروا يتبنوني، خصوصاً إنهم مكنوش بيخلفوا."
أكمل وهو باصص للفراغ وكأنه شايف الأحداث قدامه:
— "عشت معاهم أجمل سنين حياتي، حبوني كأني ابنهم بجد، بس عمري ما نسيتك. عدى 8 سنين، بقى عندي وقتها 18 سنة، وفجأة حصلت المعجزة.. الأم اللي اتبنتني ومكنتش بتخلف حملت! كلنا فرحنا، بس الفرحة متملتش.. وهي بتولد يزن، توفت لأن قلبها مكنش مستحمل، وسابت لي يزن حتة من روحها. وبعدها بسنة لحقها بابا، ومبقاش ليا حد غير يزن.. اعتبرته ابني مش أخويا، أنا اللي ربيته وشلت همه لوحدي لحد ما اتخرجت وكبرت ثروة أهلي وبدأت أكبر في شغلي."
سكت شوية وبص لجميلة وكمل بصدق:
— "وقتها بدأت أدور عليكي.. كنت عارف إن والدي ووالدتي الحقيقيين ماتوا في حادثة، بس عرفت إن عندي عم اسمه إبراهيم وقدرت أوصله، وفرحت جداً إن ليا عيلة. فضلنا ندور عليكي سنين، والحمد لله ربنا عوضني ولقيتك. أنا مش عايزك تزعلي من حكاية التحليل دي، ده مجرد إجراء شكلي عشان الورث والشركات، لكن أنا قلبي متأكد إنك أختي."
جميلة في اللحظة دي مسحت دموعها اللي نزلت غصب عنها.. المرة دي الدموع كانت حقيقية، تأثرت بكلامه وبحياته اللي كانت شبه حياتها في اليتم والوجع. بصت له بتأنيب ضمير بياكل في قلبها.. هي بتخدعه، وهو بيحكي لها أسرار حياته
أدهم لاحظ إن ملامح جميلة بدأت ترهق من كتر التفكير والتمثيل، فقام وقف وقال بهدوء:
— "أنا عارف إن اليوم كان طويل وصعب عليكي.. اطلعي دلوقتي عشان أوريكي جناحك، لازم ترتاحي وتنامي كويس."
جميلة فتحت عينيها بذهول وقالت بعفوية:
— "جناح؟! هو أنا هنام في جناح لوحدي؟"
أدهم ابتسم على براءتها اللي لسه بيستكشفها وقال:
— "تعالي ورايا وانتي تشوفي."
خرجوا من المكتب وطلعوا السلالم الرخامية العريضة اللي بتوصل للدور العلوي، وجميلة كانت ماشية وراه وهي بتنهج من كتر الانبهار.. مع كل درجة بتطلعها، فخامة القصر كانت بتزيد. الدور الفوقاني كان عبارة عن ممرات طويلة، وكل ممر فيه عشرات الغرف، فعلاً كأنه فندق سبع نجوم مش مجرد بيت.
أدهم وقف قدام باب خشب أبنوس ضخم، فتحه وشاور لها تدخل. جميلة دخلت وشهقت من الجمال؛ الجناح كان عبارة عن قطعة من الجنة. السرير مفروش بستان ناعم لونه لؤلؤي، والسجاد يدوي بيغوص فيه الرجل، والحيطة كلها عبارة عن شباك زجاجي بيبص على حمام السباحة والجنينة اللي منورة بالليل. وفيه ركن ليفينج صغير بكنب مريح، وحمام خاص كله من الرخام الإيطالي.
أدهم ابتسم لما شافها بتلف حوالين نفسها زي الطفلة التايهة، وقال بصوت دافي:
— "هسيبك بقى تنامي، ولو احتجتي أي حاجة، التليفون ده بضغطة واحدة تقدري تنادي على الخدم تحت وهيكونوا عندك في ثانية."
جميلة هزت راسها وهي لسه مش مستوعبة إن ده بقى مكانها،
لكن فجأة اتصنمت مكانها وحبست أنفاسها لما لقت أدهم قرب منها فجأة. المسافة بينهم بقت معدومة، لدرجة إنها حست بحرارة جسمه بتخترق لبسها، وأنفاسه السخنة ضربت في خدها.
فتحت عينيها على آخرهم وخرجت منها شهقة مكتومة لما أدهم ميل راسه ناحية خدها، وطبع بوسة رقيقة وهادية جداً.. بسببها رعشة قوية سرت في جسم جميلة خلت أطرافها تتلج وقلبها يقع في رجليها.
أدهم بعد بهدوء، وبص في عينيها بنظرة غامضة مليانة حنان وقال بصوت واطي وهامس:
— "تصبحي على خير يا جميلة."
خرج أدهم وقفل الباب وراه بكل هدوء، وساب المسكينة واقفة مكانها زي الصنم، حاطة إيدها على خدها، وعينها متعلقة بالباب.. مكنتش قادرة تفوق من الصدمة ولا من إحساس الرعشة اللي هز كيانها.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
في صباح يوم جديد، جميلة فتحت عينيها على صوت خبط على الباب. غطت وشها بالمخدة، لسه مش متعودة على نومة السرير الناعم ده ولا على الهدوء اللي بيقطع النفس. لما الخبط زاد، قامت دعكت عينيها وقالت بصوت كله نوم:
- "مين؟"
جالها صوت يزن الطفولي من ورا الباب وهو بيقول برقة:
- "أنا يزن يا جميلة.. ممكن أدخل لو سمحتي؟"
ابتسمت غصب عنها من طريقته المؤدبة وقالت: "ادخل يا يزن."
يزن دخل وجري على سريرها وقعد على الطرف بحماس: "صباح الخير"
جميلة ردت بكسل وهي بتمط جسمها: "صباح النور يا حبيبي.. أنت صاحي بدري كدة ليه؟"
يزن رد باستغراب: "بدري إيه؟ احنا هنا بنصحي من الساعة سبعة!"
جميلة برقت بذهول وفقدت أعصابها للحظة: "إيه البيت ده! أنت في معسكر؟ بتصحوا من الساعة سبعة تعملوا إيه؟"
يزن ضحك على منظرها ورد ببراءة: "بابا أدهم بيقوم يتمرن الأول، ويخلي الخدم يفطروني، وبعدين بيجي ياخد شاور ويقعد في مكتبه يشتغل شوية، وبعدين بيفطر.. والساعة دلوقتي عشرة، وانتي لازم تقومي عشان أدهم ميزعقلكيش، لأنه مبيحبش الناس الكسلانة اللي بيصحوا متأخر."
أول ما جميلة سمعت اسم "أدهم"، قلبها دق بسرعة غريبة، وافتكرت ملامحه وهو قريب منها امبارح واللي عمله بعدها، جسمها كله يتنفض. خدودها سخنت فجأة وبقت حمراء زي الدم من الخجل
ويزن لاحظ ده وسألها بلهفة:
- "انتي وشك أحمر كدة ليه؟ انتي تعبانة؟ أنادي بابا أدهم يشوفك؟"
جميلة قامت بفزع من على السرير ونطت واقفة:
- "لا لا! أنا تمام، أنا زي الفل أهو..هغير هدومي وأنزل فوراً!"
دخلت جميلة الحمام وخدت شاور سريع يفوّقها من أفكارها، وبعد ما خرجت فتحت دولابها ووقفت تتأمله بضيق وحزن.. هدومها معظمها فيها قطع ومترقعة، ولو فيه طقم سليم بيبقى لونه باهت وباين عليه القدم من تكرار الغسيل. وقفت شوية بتردد لحد ما استقرت على بلوزة صيفية باللون الأصفر، لبستها ومعاها بنطلون جينز بالي من كتر الغسيل، ورفعت شعرها كحكة عشوائية لفوق ونزلت شوية خصلات على خدها زادتها رقة وجمال.
نزلت السلالم وهي بتحاول ترسم الثبات على وشها، وأول ما وصلت الجنينة شافت أدهم قاعد بهيبته المعتادة، بيشرب قهوته وبيشتغل على اللابتوب، وكان لابس قميص أبيض نص كم أبرز عضلات دراعه وقوته بشكل يخطف العين.
أدهم رفع عينه من اللابتوب وبص لها نظرة طويلة، خلت الأكسجين يهرب من المكان، وقال بصوته الرجولي الهادي:
- "صباح الخير يا جميلة.. نمتي كويس؟"
جميلة نزلت الجنينة وهي مكسوفة وبتحاول تداري ارتباكها:
- "صباح النور.. أيوة، الحمد لله نمت كويس جداً."
أدهم عينه وقعت على هدومها القديمة والبنطلون الباهت، وجميلة لاحظت نظرته ففركت إيديها بتوتر وخجل، وحست بفقرها وسط القصر ده. أدهم ابتسم عشان يطمنها وقال:
- "صحيح.. إحنا كمان شوية هنخرج أنا وأنتي ويزن نعمل شوبينج. يزن مدرسته هتبدأ ومحتاج أجيبله يونيفورم، وأنا كمان محتاج أجيب شوية قمصان وهدوم، وبالمرة أجيبلك هدوم تليق بيكي."
جميلة حاوطت نفسها بدراعاتها بخجل وقالت بنبرة فيها حزن مكتوم:
- "ملوش لازمة يا أدهم بيه.. أنا مش عايزة حاجة، هدومي كويسة."
أدهم بلمسة حانية، مد إيده ولمس كف إيدها المحطوط على الطاولة، اللمسة دي سببت رعشة في جسم جميلة وخلت أنفاسها تضيق، وقال بنبرة هادية جداً:
- "جميلة.. أولاً أنا اسمي أدهم وبس، مش أدهم بيه. ثانياً أنتي أختي، يعني كل فلوسي هي فلوسك، أنا مش بعطف عليكي ولا حاجة. وبعدين أنا فعلاً محتاجك تيجي معايا تنقي لبسي، أنا عايز أجيب كام طقم كاجوال وأنا ماليش فيه خالص، كل لبسي كلاسيك وبدل، فمحتاج ذوقك يساعدني."
جميلة هزت راسها بفرحة حقيقية المرة دي وقالت: "أكيد!".. أدهم شال إيده من على كفها وكمل شرب قهوته بهدوء، لكن فجأة جالهم صوت خلى جميلة تفتح عينيها بتوتر وقلق، وقلبها كاد يتوقف من الرعب.
- "يا محاسن الصدف! العيلة كلها متجمعة في الجنينة من غيري؟"
التفتوا لمصدر الصوت، وكان إبراهيم، عم أدهم.. واقف بابتسامته الصفراء وعينيه اللي بتلمع بالمكر وهو بيبص لجميلة كأنه بيحذرها من أي غلطة
أدهم بص لإبراهيم وقال بوقار:
- "تعالى يا عمي اتفضل.. القصر نور."
وبعدين بص لجميلة اللي كانت واقفة متصنمة، ملامحها مخطوفة وعينيها مش قادرة تثبت في مكان واحد من كتر التوتر، وكمل:
- "ده عمك إبراهيم يا جميلة.. اللي حكيتلك إنه فضل يدور عليكي معايا السنين دي كلها."
إبراهيم ملامحه اتغيرت في ثانية لتمثيل متقن، وعينيه دمعت بتأثر غريب وقال بصوت مهزوز:
- "أنا مصدقتش لما أدهم حكالي.. تعالي في حضني يا ياسمين، تعالي يا بنت الغالي."
جميلة اتحركت ببطء وهي بتقدم رجل وتأخر رجل، مدت إيدها تسلم بس إبراهيم سحبها بقوة وحبسها جوه حضنه.. من بعيد، عم وبنت أخوه بيحضنوا بعض بعد سنين، لكن الحقيقة كانت مرعبة. إبراهيم كان عاصر جسمها بقوة مريبة، كأنه بيخنقها أو بيفكرها بمكانه تحت إيده، وهمس في ودنها بصوت واطي مليان شر هز كيانها:
- "وحشتيني يا ياسمين.. وحشتيني يا قلب عمك.. افتكري إنتي هنا ليه، وإياكي عينيكي تلمع قدام الواد ده، وإلا هحفر قبرك بإيدي."
جميلة بعدت عنه بسرعة وهي بتنهج، وبصت ناحية أدهم اللي كان متابع المشهد بصمت ونظرات صقر مبيفوتش تفصيلة. فجأة أدهم قام وقطع الجو ده وقال بلهجة حازمة:
- "بعد إذنك يا عمي.. محتاجك في المكتب شوية بخصوص الشغل."
إبراهيم بتمثيل مبالغ فيه: "شغل إيه بس دلوقتي يا أدهم؟ سيبني أقعد مع بنت أخويا، ده أنا مشوفتهاش من وقت ما كانت شهور.. قلبي كان هيوقف من الفرحة!"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أدهم ملامحه ثابته، ورد ببرود:
- "معلش يا عمي، بس ده موضوع ضروري ومستعجل ومينفعش يتأجل."
إبراهيم : "ماشي يا ابني..." ولف لجميلة وباس إيدها بتمثيل مقزز: "مش هتأخر عليكي يا حبيبتي."
جميلة وقفت مكانها متابعه دخولها للمكتب وهي مش مصدقة، إزاي البني آدم ده عنده القدرة دي على التمثيل؟ إزاي باين قدام أدهم إنه بيحبها وخايف عليها وهو من ثانية كان بيهددها بالقتل؟ حست بقرف وتقزز منه، وفي نفس الوقت حست براحة غريبة إن أدهم خلصها منه، حتى لو كانت عارفة إنها صدفة وإنه مجرد محتاجه في شغل.
_____________________________________
في مكان تاني خالص، بعيد عن فخامة قصر السويسي، وفي قلب أحد الأحياء الشعبية اللي البيوت فيها مرصوصة فوق بعضها
مكان ضيق، ريحة الرطوبة مالية الحيطان، والأرضية متكسرة لدرجة إنها بتهتز تحت رجليها. بنت في منتهى الجمال رغم فقرها، ملامحها رقيقة بس باهتة من قلة الأكل والتعب، لابسة جلابية قديمة، ورابطة شعرها بطرحة بتهرب منها خصلات متمردة.
كانت بتنهج وهي بتمسح الأرض بمية وصابون، وبتحاول تتجاهل النظرات اللي كانت حاسة بيها بتخترق جسمها النحيل. على كنبة قديمة ومتهالكة، كان قاعد راجل في منتصف الخمسين، لابس فانلة حمالات ، فاتح التليفزيون وبيمثل إنه متابع ماتش كورة، لكن عينيه كانت مركزة في حتة تانية خالص.. كانت بتتحرك على جسم البنت بنظرات مقززة كلها شهوة .
منصور بصوت خشن :
- "بت يا ياسمين.. سيبي اللي في إيدك ده وروحي اعمليلي كوباية شاي تعدل دماغي."
ياسمين اتنهدت بتعب، ووقفت وهي بتسند ضهرها اللي وجعها من كتر الشغل، بصت للأرض بخوف وهي بتحاول متبصش في عينيه اللي بتفترسها وقالت:
- "حاضر يا بابا.. ثواني والشاي يكون عندك."
منصور بضحكة صفراء كشفت عن سنانه المسوسة:
- "ماشي يا ست البنات.. تسلم إيدك مقدماً."
ياسمين دخلت المطبخ اللي هو عبارة عن ركن صغير فيه بوتاجاز بعين واحدة، ودموعها بدأت تلمع في عينيها. هي مش عارفة ليه الراجل ده بيعاملها بالأسلوب ده، وليه دايماً بتحس إنها غريبة عنه، مش قادرة تقتنع إن ده أبوها اللي المفروض يحميها، مش يخليها تخاف من قعدتها معاه في بيت واحد.
__________________________________
في أحد المولات الفاخرة اللي مبيدخلهاش غير الطبقة المخملية، كان أدهم قاعد في ركن مخصص للانتظار داخل محل ملابس نسائية عالمي.
قاعد بوقاره المعتاد، بيشرب قهوته ،مستني جميلة تخرج من غرفة تغيير الملابس (البروفا). وأثناء احتسائه لآخر بق في فنجان القهوة، الباب اتفتح.. ولمحها وهي خارجة باستحياء وخطوات بسيطة ومرتبكة.
جسمه اتصنم في مكانه، والفنجان كاد يقع من إيده.. فتح عينه بانبهار من جمالها غير العادي اللي الفستان أبرزه بشكل خيالي. مشى عينه عليها ببطء وبتركيز؛ من أول رجليها لحد وسطها اللي مكنش نحيف بشكل مبالغ فيه، بل كان مرسوم بفضل قصة الفستان اللي باللون السماوي، والكشكشة اللي عند الوسط حددت تفاصيل جسمها بأنوثة طاغية. شعرها المنساب اللي جابته على جنب كتفها العاري برقة، كان بيلعب على بشرتها البيضاء زي الحرير.
جميلة كانت بتفرك إيديها بتوتر، حاسة بنظراته اللي بتخترقها، وسألته بصوت منخفض ومبحوح من الكسوف:
- "شكلي حلو؟"
أدهم هز راسه بتوهان للحظة، وكأن الكلمة تاهت منه، لكن سرعان ما رجع لوعيه ورسم البرود المزيف وهو بيمشي كف إيده على شعره الفحمي الغزير عشان يداري ارتباكه، وقال بنبرة حاول يخليها عادية:
- "آه.. مش بطال. ادخلي اقلعيه عشان نشتريه.. محتاجة حاجة تاني؟"
جميلة ردت بفرحة طفولية مقدرتش تداريها، وضحكتها نورت وشها:
- "لا هحتاج إيه تاني؟ ده أنت جبت لي لبس يناسب كل الأوقات، بجد شكراً يا أدهم."
أدهم هز راسه وهو بيمثل إنه انشغل فجأة بموبايله عشان ميبصش في عينيها أكتر من كدة ويضعف قدام سحرها، وقال بصوت أجش:
- "طيب يلا.. ادخلي غيري بسرعة عشان منتأخرش على يزن، زمانه خلص كل لعب الألعاب اللي في الكيدز أيريا وهيقلب الدنيا علينا لو استنى أكتر من كدة."
جميلة قالت بحماس: "تمام!"، ورجعت للبروفا وهي طايرة من الفرحة
أما أدهم، فأول ما قفلت الباب، خد نفس طويل وطلعه ببطء، وهمس لنفسه بذهول:
- "جرى لك إيه يا أدهم؟ .. فوق لنفسك، انت اتجننت ولا ايه
بعد ساعات من اللف والتعب، انتهى بيهم المطاف في واحد من أشهر محلات الأيس كريم في المول. الجو كان مليان ضحك وبهجة، وجميلة كانت قاعدة بتستمتع بكل لحظة وكأنها طفلة خرجت للدنيا لأول مرة.
جميلة كانت ماسكة بولة"أيس كريم الشوكولاتة وبتاكل بتلذذ غريب، ملامحها كانت منورة والابتسامة مش مفارقة وشها. وجنبها كان يزن، اللي وشه كله بقى لون المانجا من كتر حماسه وهو بياكل الكونو بتاعه وبيرجله بتخبط في الكرسي من الفرحة.
أما أدهم، فكان قاعد بوقاره المعتاد، بياكل أيس كريم الفانيليا ببطء وهدوء، بس عينيه مكنتش على الأيس كريم بتاعه.. كانت متثبتة على جميلة. كان بيراقب حركاتها العفوية، طريقتها وهي بتغمض عينيها مع كل معلقة، واللمعة اللي في عينيها اللي كانت حقيقية جداً وصادقة.
بعد شويه ..
العربية كانت ماشية في هدوء الليل، أدهم ماسك الدريكسيون بثبات وعينه على الطريق، وجنبه جميلة اللي كانت سارحة في أنوار الشوارع اللي بتجري، وفي الكنبة اللي ورا كان يزن غرقان في نوم عميق
.
فجأة العربية وقفت في إشارة، وظهر من بين العربيات طفل صغير، هدومه مقطعة ووشه أسمر من شمس الشارع، قرب من شباك أدهم ومد إيده بكسرة. جميلة عينها اتعلقت بالطفل ده بنظرة غريبة، نظرة مليانة وجع وكأنها شايفة نفسها فيه من كام سنة.
أدهم لمح نظرتها، ومن غير ولا كلمة، طلع مبلغ كبير من محفظته واداه للطفل. الطفل عينيه لمعت بذهول ودعا لأدهم بصوت عالي:
- "ربنا يباركلك يا بيه، ويرزقك ويخليلك الست الحلوة اللي جنبك دي ويجعلها من نصيبك!"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أدهم معلقش، بس ملامحه اتصلبت وضغط على الدريكسيون بقوة، والسكوت ساد المكان لحد ما الإشارة فتحت وكمل سواقة. جميلة كانت لسه متأثرة، حست إنها لازم تتكلم، لازم تطلع الحمولة اللي في قلبها.
بصت لأدهم وقالت بصوت مهزوز:
- "تعرف يا أدهم.. فيه أطفال كتير زي الطفل ده، الشارع بياكل فيهم كل يوم.. الشارع قاسي أوي، مبيسميش على حد."
أدهم بص لها بطرف عينه وسكت، فكملت جميلة وهي بتفتكر حياتها الحقيقية، بس المرة دي كانت بتحكي بصدق وكأنها ياسمين فعلاً:
- "أنا بعد ما العيلة دي اتبنتني.. مكنتش عايشة في جنة زي ما كنت فاكر، أنا اتمرمطت وكنت ببات في الشوارع.
بدأت تحكي له عن ليالي البرد وهي نايمة على الأرض، وعن الجوع اللي كان بيعصر بطنها، وعن نظرات الناس اللي كانت بتبصلها بقرف.. حكت له كل حاجة عن حياتها الحقيقية باستثناء السرقة .
صوتها بدأ يتهدج ودموعها نزلت غصب عنها:
- "كنت كل يوم بالليل أبص للسما وأقول يا رب.. هو أنا مليش حد؟
أدهم ركن العربية فجأة على جنب الطريق، ولف جسمه كله ليها. بص في عينيها اللي غرقانة دموع، وحس إن قلبه بيتمزق.. كل كلمة كانت بتقولها كانت بتغرس سكين في ضميره لأنه سابها السنين دي كلها.
مد إيده ومسح دموعها بصباعه بإحساس عالي، وقال بصوت خشن من كتر التأثر:
- "أوعدك يا جميلة.. وحق كل دمعة نزلت من عينيكي، وحق كل ليلة نمتي فيها خايفة، إني هعوضك... مفيش حد في الدنيا يقدر يلمس شعرة منك وأنا عايش."
جميلة بصتله بحب حقيقي ونقي لأول مرة، حست إنها عايزة تصرخ وتقوله "أنا مش أختك"، بس الخوف منعها.. الخوف من إنها تخسر النظرة دي.
دخل أدهم من بوابة القصر بهدوء، ركن العربية ونزل بكل رقي، فتح الباب اللي ورا وشال يزن اللي كان غرقان في نومه بعمق وكأنه ملاك صغير. نادى أدهم على البواب عشان يطلع الشنط الكتيرة من شنطة العربية، وطلع هو وجميلة لغرفة يزن.
جميلة كانت واقفة متابعة أدهم وهو بينيم يزن على سريره، بيغطيه بحنان وبيقلعه الكوتشي بكل هدوء.. فضلت مبتسمة وهي مبهورة؛ إزاي الشخص اللي عنده الهيبة والكاريزما المرعبة دي يكون جواه كل الحنين ده؟ عرفت في اللحظة دي إن ورا القناع الجامد ده حنية تكفي العالم، بس هو مبيبينش.
خرجوا من الأوضة وأدهم ودعها بجملة: "تصبحي على خير يا جميلة"، ودخل جناحه فوراً.
جميلة وقفت مكانها لثواني، حست بضيق طفيف إنه مغلّفش الوداع بنفس الطريقة بتاعة المرة اللي فاتت، بس سرعان ما هزت راسها تضرب أفكارها: "فوقي يا جميلة، إنتي شكل أفكارك بدأت تنحرف !"
دخلت أوضتها، لقت الشنط مرصوصة على السرير. بدأت تفتحها وتتفرج بذهول.. أدهم مجابش لبس بس، ده جاب شنط، وجزم، وميكب، وحتى الملابس الخاصة مغفلش عنها ... افتكرت لما البنت في المحل نادتها وعرضت عليها النوع ده من الملابس ، وأدهم وقتها عمل نفسه باصص في الموبايل ومش مهتم، بس الحقيقة إنه كان متابع كل حاجة.
وفي وسط ما هى بتتفرج على الحاجه ، موبايلها رن برقم غريب ،ردت.. قلبها انقبض لما سمعت الصوت اللي بيكرهها في حياتها.
إبراهيم بنبرة ساخرة ومنفرة:
- " إيه يا حلوة، الفسحة بتاعة النهاردة عجبتك؟ اتبسطتي بالهدمتين الجداد؟ أوعي تنسي نفسك، أنا عارف كل نفس بيخرج وبيدخل منك في القصر ده."
جميلة صوتها اترعش: "عايز إيه يا إبراهيم بيه؟"
إبراهيم كمل بتهديد: "عايزك تركزي في اللي جاي.. نتيجة التحليل هتظهر بكرة، وطبعاً أنا مخلص كل حاجة مع المعمل والنتيجة طالعة 'إيجابية' غصب عن عين أي حد. إوعي تنسي نفسك يا بت انتي ، ده أنا جايبك من الشارع. افتكري إنك بالنسبة لي مجرد كارت هكسب بيه، ولو الكارت اتحرق.. هحرقك معاه."
جميلة لسه هترد لكنها اتصنمت مكانها، والدم هرب من عروقها لما لقت باب الأوضة بيتفتح فجأة!
أدهم كان واقف على الباب، وشه ميتفسرش، مليان برود مخيف وعينيه بتلمع بنظرة صقر، وسألها بصوت واطي ومرعب:
- "بتكلمي مين
جميلة بصتله بفرع، لسانها اتعقد، وبدأت تتهته برعب:
- "أنا.. أنا..
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
جميلة اتصنمت مكانها، والدم هرب من عروقها لما لقت باب الأوضة بيتفتح فجأة!
أدهم كان واقف على الباب، وشه ميتفسرش، مليان برود مخيف وعينيه بتلمع بنظرة صقر، وسألها بصوت مرعب:
— "بتكلمي مين
جميلة بصتله بفزع، لسانها اتعقد، وبدأت تتهته برعب:
— "أنا.. أنا..
أدهم كان واقف ساند ضهره على الباب، وعينه مركزة على ملامحها اللي اتخطفت فجأة. قرب منها خطوة وبصوت هادي بس فيه نبرة شك مش مفهومة، سألها:
— "بتكلمي مين في الوقت ده يا جميلة؟"
جميلة حست إن لسانها اتعقد، وبسرعة البرق داست على زرار القفل وفصلت المكالمة، وإيدها كانت بتترعش وهي بتحط الموبايل ورا ضهرها. ردت بصوت مهزوز ومقطوع:
— "دي.. دي واحدة صاحبتي.. كانت بتطمن عليا بس عشان بقالنا كتير مكلمناش بعض."
أدهم فضل باصص في عيونها ثواني كأنه بيقرا اللي جواها، وبعدين هز راسه ببرود وقال:
— "تمام.. طيب يلا نامي عشان الوقت اتأخر، السهر مش كويس عشانك."
جميلة بدأت تاخد نفسها بصعوبة لما حست إن الموضوع عدى، وبتحاول تداري توترها سألته باستغراب:
— "أنت.. أنت رجعت تاني ليه؟ نسيت حاجة؟"
أدهم رفع إيده اللي كانت مخبيها ورا ضهره، وظهرت كوباية لبن، وقال بهدوء:
— "نسيت أديلك كوباية اللبن دي.. خدي اشربيها عشان تهديكي وتنامي بسرعة."
جميلة أول ما شافت الكوباية، معالم وشها اتمعضت ووشها كرمش بطفولة وقالت بضيق:
— "يععععع.. أنا مبحبش أشرب اللبن خالص يا أدهم، بلاش بالله عليك."
أدهم اتنهد وقرب منها أكتر، ورفع الكوباية لمستوى وشها وهو بيقول بحزم حنين:
— "لا لازم تشربيه.. اللبن مفيد وهيريح أعصابك، مش عايز نقاش."
جميلة رجعت لورا خطوة وقالت بحدة وهي بترفض:
— "والله مبحبوش! وممكن أستفرغ فعلاً لو شميت ريحته.. بلاش تضغط عليا."
أدهم مسمعش كلامها، ومسك إيدها براحة وقعدها على طرف السرير، وقعد قدامها وقرب الكوباية من بقها وهو بيبتسم نص ابتسامة:
— "شكلي هتعامل معاكي زي ما بتعامل مع يزن.. رغم إن يزن مبيتعبنيش كدة وبيشرب كوبايته علطول عشان يكبر."
جميلة لفت وشها الناحية التانية وهي مغمضة عينيها بشدة
أدهم فجأة، ومن غير مقدمات، حط إيده على خدها وبصباعه الكبير ضم شفايفها براحة عشان تفتح بقها، ورفع الكوباية وهو بيبص في عينيها بنظرة ساحرة وقال بهمس:
— "عشان خاطري.. اشربيها عشان خاطري يا جميلة."
جميلة اتثبتت مكانها.. لقت وشه قريب من وشها جداً، لدرجة إنها حست بأنفاسه على بشرتها، وعنيه مركزه فى عيونها ، من كتر التوتر والارتباك اللي سيطر عليها، هربت من نظراته بأنها تشرب، وفعلاً سحبت الكوباية وشربتها كلها بوق واحد وهي مغمضة عينها.
أدهم ابتسم بانتصار، وحط الكوباية الفاضية على الكومود اللي جنب السرير، وسحب منديل ورق وبدأ يمسح جنب بقها براحة من أثر اللبن، وقالها بنبرة هادية:
— "شطورة يا جميلة."
جميلة كانت لسه في حالة ذهول، وتفاجأت بيه وهو بيرفع رجليها براحة على السرير وبيشد الغطا عليها لحد رقبتها وهو بيقول:
— "يلا.. غمضي عينك ونامي."
جميلة ضمت شفايفها بحيرة وقالت بصوت واطي:
— "بس أنا مش جايلي نوم.. حاسة إني فايقة أوي."
أدهم ضحك ضحكة خفيفة سحرتها، وقال بمشاكسة وخبث:
— "تحبي أنام جنبك عشان تروحي في النوم بسرعة؟"
جميلة عيونها برقت بصدمة واستخبت تحت الغطا بسرعة وهي بتقول بلجلجة:
— "لا لا! أنا هنام أهو.. خلاص أنا نمت أصلًا.. تصبح على خير!"
أدهم ضحك بصوت عالي وهز راسه على هبلها وطريقتها العفوية، وقال وهو بيقوم:
— "وأنتي من أهله ".
ولكنه افتكر حاجة ورجع تاني.. انحنى وباس راسها من فوق البطانية وسكت ثواني، كأنه بيستنشق ريحتها، وبعدين خرج وقفل الباب وراه بهدوء.
أما جميلة، فأول ما سمعت صوت الباب بيتقفل، شالت الغطا من على وشها وهي بتنهج ونفسها سريع جداً.. فضلت حاطة إيدها على قلبها اللي كان بيدق زي الطبل، وهي مش عارفة ده من أثر كتمة نفسها تحت الغطا.. ولا من قرب أدهم اللي بدأ يزلزل كل حصونها.
قامت وسندت ضهرها على السرير، وهمست لنفسها بذهول:
— "أنا لازم أمشي من هنا في أسرع وقت.. أدهم ده خطر، خطر على قلبي وعلى الخطة كلها!"
_____________________________
تاني يوم
أدهم كان لسه خارج من جناحه، لابس قميص أبيض فاتح، وسايب أول زرارين منه مفتوحين، وشعره لسه مبلول من أثر الشاور.. فجأة وقف مكانه وهو بيسمع صوت مزيكا غريب وعالي جداً مالي أركان القصر.
استغرب جداً، لأن القصر ده مبيشتغلش فيه غير الموسيقى الكلاسيكية الهادية، أو سنفونيات عالمية راقية.. نزل درجات السلم ببطء وهو عاقد حاجبه، بس الصدمة خليته يتسمر في نص السلم وهو شايف المنظر اللي قدامه.
الصالة الكبيرة اتقلبت لـ ساحة فرح شعبي.. أغنية شغاله بأعلى صوت، وفي وسط الصالة كانت جميلة واقفة، رابطة طرحة ستان حوالين وسطها، وبترقص بهبل وعفوية وبتدبدب برجليها في الأرض، وقصادها يزن واقف وبيرقص بطريقة مضحكة جداً وهو باصصلها بتركيز وبيحاول يقلد حركاتها بالظبط.
"إيه يا ستو أنا
ستو أنا، أنا
إيه يا ستو أنا (الله)
ستو أنا، أنا
جميلة وهي بتنهج من كتر التنطيط، شاورت ليزن بإيدها:
— "اديله ادي يا زوزو.. هو ده "
يزن رد عليها بضحكة مالية وشه وهو بيحاول يهز كتافه:
— " أيوه بقى ..اديله ادي يا جوجو..!"
أدهم فضل واقف مبهوت، عينه بتتحرك بينهم ومش مصدق إن ده يزن الهادي الرزين اللي مربيه على ايديه.. نزل باقي السلم ببطء شديد وهو بيدقق في كل حركة، والمزيكا مكملة:
"قلبي برتقان بصرة ملكك وأنتي حرة تعصريه عصير (الله)
قلبي كمتراية ناشفة بس فيها بذرة بتحب بضمير
قلبك بطيخة صيفي قرعة بختي وجاي في قرعة والبطيخ كتير (الله)
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
قلبي أناناس شرايح دايخ جاي رايح من كتر التفكير
يزن فجأة قعد على ركبته في الأرض، وعمل بإيده حركة كأنه بينقط فلوس على جميلة وهي مندمجة في الرقص وبترقص باحترافية وتلف حوالين نفسها.
فاتح شباكي فاتح شيشي (الله)، الوقت في بعدك ما مشيشي
بتقولي هتيجي ما بتجيشي وما يدوقش النوم
آه، يا نسمة صيف جايبة طراوة (الله)، قلبي إتعور منك واوا
محتاج يتعالج يتداوى بالمكروكروم
قلبي حرنكش فيه مزازة وأنتي في اللذاذة ما بتهزريش (الله)
قلبك coconut ثمرة أنتي حلوة قمرة ما بتتكرريش
قلبك قرع يمد لبره الجنازة حارة والميت مفيش
قلبك مشمش مش هسيبه هجري وراه وأجيبه لو كان في العريش
أدهم كان خلاص قرب منهم جداً، بس هما كانوا في عالم تاني.. جميلة بتلف وتلوح بإيدها ويزن بيسقف بجد وحماس رهيب، لحد ما الأغنية خلصت وجميلة وقفت وهي بتنهج جامد وبتمسح عرقها.
فكت الطرحة من حوالين وسطها وبصت ليزن وهي بتضحك:
— "أنا كل يوم لازم أديك درس في الأغاني دي، ده إنت فاتك كتير أوي يا زوزو.. لازم الواحد يفك عن نفسه شوية، سيبك من العملاق الكئيب اللي فوق ده اللي مش فالح غير في.."
ولسه مكملتش جملتها، لفت وشها، لقت أدهم واقف وراها مباشرة، حاطط إيده في جيبه، وباصصلها بنظرة غامضة جداً ممزوجة بذهول.
جميلة شهقت بخضة لدرجة إنها نطت من مكانها، ووشها جاب ألوان الطيف، وقالت بلجلجة:
— "أ.. أ.. أدهم! أنت.. أنت هنا من إمتى؟"
أدهم رفع حاجبه وبص للطرحة اللي في إيدها وبعدين بص ليزن اللي جري استخبى ورا جميلة، وقال بصوت رخيم وهادي:
— "كنت بتقولي إيه بقى؟ سيبك من العملاق الكئيب؟"
جميلة بلعت ريقها وحاولت تخبي الطرحة ورا ضهرها:
— "أنا.. أنا كنت.. أنا كنت بقول العملاق الطيب.. أيوه، أصل أنت طويل ما شاء الله.. فكنت بشكر فيك ليزن."
أدهم كتم ابتسامة بالعافية وهو شايف منظرها المرتبك، وقرب منها خطوة وقال:
— "والبرتقان البصرة والكمتراية الناشفة دول يبقوا مين؟"
جميلة بصت للأرض بكسوف وقالت بصوت واطي وارتباك:
— "ده ..ده .. تعليم حديث يا أدهم ، بنعلم الولد أنواع الفاكهة بس بطريقة مبتكرة.".
أدهم بص ليزن اللي كان بيضحك من وراها، وبعدين رجع نظره لجميلة وقال بحزم مصطنع:
— "خمس دقايق والاقيكم على السفرة.. وحسابي معاكي بعدين ياااا ..
قرب من ودنها وقال بهمس : " ياستو أنا."
جميلة جريت من قدامه وهي بتبرطم بصوت واطي، وأدهم فضل واقف مكانه وبص لأثرها وهو بيبتسم لأول مرة من قلبه، وحس إن روح القصر اتغيرت تماماً بوجودها.
أدهم كان قاعد في مقدمة السفرة، بهيبته اللي بتخلي المكان كله يسكت، وجميلة قاعدة جنبه بتحاول تتجنب نظراته وهي بتقطع الأكل ببطء، ويزن الناحية التانية بياكل وهو لسه بيفتكر رقصة الصبح وبيبتسم لجميلة من تحت لتحت.
وأثناء ما هما بياكلوا ،دخلت الخادمة وقطعت الصمت ده وهي بتقدم ظرف مقفول :
— "أدهم بيه، الظرف ده لسه واصل حالا، حد سلمه على البوابة ومشي."
أدهم خد الظرف ببرود،، وقال :
— "تمام.. اتفضلي إنتي ".
أدهم فحص الظرف في إيده وقال بنبرة خالية من أي مشاعر:
"ده جاي من المعمل"
جميلة كانت بتشرب عصير، وفجأة شرقت بعنف لدرجة إن وشها بقى أحمر . أدهم مد إيده وبدأ يخبط على ضهرها براحة وهدوء مريب وهو بيقول:
— "براحة يا جميلة.. إنتي كويسة؟"
جميلة هزت راسها وهي بتكح وبتحاول تداري الرعب اللي في عينيها، ونفست بصعوبة:
— "ك.. كويسة، الحمد لله، زورت بس."
أدهم سحب إيده وبدأ يفتح الظرف ببطء شديد.. صوت قطع الورق كان بالنسبة لجميلة زي صوت طلقات الرصاص. طلع الورقة وفردها قدامه، وبدأ يقرا الكلام اللي فيها بعينه، وهو ساكت تماماً.. مفيش شعرة منه اتحركت.
الثواني كانت بتمر على جميلة كأنها سنين، ريقها نشف وبقت حاسة إن الدنيا كلها بيلف بيها.. "خلاص يا جميلة، النهاية جت، أدهم هيعرف إنك نصابة وهيرميكي في الحبس."
أدهم حط الورقة على الترابيزة بهدوء مبالغ فيه، وسكت لثواني وهو باصص قدامه كأنه بيفكر في حاجة كبيرة، وفجأة.. نقل نظره لجميلة. عينيه كانت حادة ومركزة عليها زي الصقر اللي حدد فريسته.
أدهم ببرود قاتل:
— "دي نتيجة تحليل الـ DNA.. التحليل اللي هيقطع الشك باليقين يا جميلة."
سكت تاني، وجميلة كانت خلاص هتيأس وتتكلم من كتر الخوف، لحد ما نطق وقال:
— "للأسف.. النتيجة طلعت.."
جميلة غمضت عينها بشدة وهي مستنية الحكم، بس أدهم كمل جملته بابتسامة هادية:
— "النتيجة طلعت إيجابية.. إنتي فعلاً ياسمين السويسي، أختي اللي كنت بدور عليها."
يزن بفرحة طفولية وه مش فاهم ايه الي بيحصل :"هييييه يعنى جميله تبقى أختي".
جميلة فتحت عينها بصدمة حقيقية.. كانت متوقعة عكس كده، لكن النتيجة طلعت مطابقة؟! إبراهيم عملها إزاي؟ وازاي المعمل طلع النتيجة كدة؟
أدهم قام من مكانه وقرب منها، ومسك إيدها اللي كانت بتترعش، وقال بصوت واطي فيه حنان مشوب بالغموض:
— "مبروك يا ياسمين.. القصر ده وأملاك كتير غيره هيبقوا ملكك رسمياً.. بس غريبة، ليه ملامحك مفيش عليها أي فرحة؟"
جميلة بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت مهزوز:
— "أنا.. أنا بس مش مصدقة.. من كتر الفرحة مش عارفة أقول إيه."
أدهم ضغط على إيدها وقال:
— " عموماً النهاردة بليل فيه حفلة صغيرة، هعلن فيها لكل الناس إن ياسمين السويسي رجعت لمكانها.. جهزي نفسك."
_________________________________
أوضة حيطانها مشققة كأنها بتحكي سنين من التعب، والدهان بيقع منها
وقفت قدام مراية مكسورة في نص الأوضة، اتأملت شكلها بهدوء؛ كانت لابسة بلوزة باللون الزيتي وبنطلون أسود بسيط، ورافعة شعرها لورا في ديل حصان بملامحها الرقيقة اللي الفقر مقدرش يطفي جمالها. نزلت عينيها للكوتشي الأبيض اللي لابساه، كان مهتري ومقطوع من قدام، زيه زي كل حاجة في حياتها اللي ماشية بالعافية.
اتنهدت تنهيدة طويلة مليانة حمول، وسحبت شنطتها الجلد المقشرة وخرجت للصالة. لقت منصور قاعد كالعادة، حاطط رجل على رجل قدام التلفزيون الموشوش وهو بيتابع الماتش بتركيز، وسيجارته في إيده.
ياسمين بصوت هادي وخفيض:
— "بابا.. أنا نازلة شغلي."
منصور محركش عينه من على الشاشة، ورد بتهكم وسخرية:
— "أنا مش عارف شغل إيه اللي رايحاه ده! قال محل لبس قال.. واقفالي فيه طول النهار والليل وبترجعي بملاليم."
ياسمين غمضت عينيها، وحاولت تحافظ على هدوئها وهي بترد نفس الرد اللي بتقوله كل يوم بقالها سنين:
— "معلش يا بابا.. ربنا يرزقني بشغل أحسن، أهو ده اللي موجود دلوقتي ومشي حالنا."
منصور نفخ دخان سيجارته وقال بلا مبالاة:
— "ماشي يا ختي.. وعلي الله تيجي متأخر، أنا مش ناقص وجع دماغ وكلام ناس."
ياسمين مردتش عليه، مشيت من قدامه بقلب مقبوض، وخرجت من باب الشقة اللي بيزيق، ونزلت السلم المكسر بسرعة. وقفت على أول الحارة وشاورت لتوكتوك:
— "على المحل يا أسطى بسرعة الله يباركلك."
ركبت التوكتوك وهي بتسند راسها على الحديد بتاعه، وعيونها بتراقب المحلات والناس، ومكنتش تعرف إن في الوقت ده بالظبط، في قصر فخم على الناحية التانية من المدينة، في واحدة تانية عايشة حياتها، وبتاخد مكانها في حضن أخوها اللي متعرفش عنه حاجة! ....
________________________________
جميلة كانت لسه خارجة من الحمام بعد شاور طويل استعداداً للحفلة اللي أدهم أصر يعملها. فكت الفوطة وبدأت تنشف شعرها، وفجأة سمعت دقات هادية على الباب، قالت بصوت هادي:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
— "ادخل."
دخلت الخادمة وهي شايلة في إيدها حاجة متغطية بقماشة طويلة، وقالت باحترام:
— "جميلة هانم، ده الفستان بتاعك، أدهم بيه أمرني أوصلهولك لحد هنا."
جميلة استغربت وقالت بتساؤل:
— "فستان إيه؟"
خدت منها الفستان، والخدامة خرجت من الجناح بهدوء. جميلة حطته على السرير وبدأت تفتح سوستة القماش المخبية اللي جواه، وأول ما ظهر، شهقت بانبهار من اللي شافته.
كان فستان سهرة بلون فيروزي ساحر، طويل لحد الكاحل، ومن فوق مفتوح من عند الكتف أوفف شولدر ونازل بانسيابية رقيقة جداً. جميلة قالت بانبهار وهي بتلمس القماش:
— "إيه الجمال ده! ده ذوق أدهم؟"
خدته بسرعة وقاسته، وبدأت تعمل شعرها تسريحة بسيطة وناعمة عشان تليق مع استايل الفستان، واكتفت بتوكة رقيقة من ورا على شكل فراشة زجاجية غاية في الرقة، وحطت ميكب بسيط جداً أبرز نعومة ملامحها اللي بتجمع بين الأنوثة والبراءة، مع جزمة كعب عالي.
وقفت تتأمل نفسها في المراية الكبيرة اللي في نص الجناح.. الفستان كان كأنه متفصل عليها مخصوص، واللون الفيروزي كان عامل تباين يجنن مع لون بشرتها الخمرية.
فاقت من سرحانها لما الباب خبط للمرة التانية، وكانت نفس الخادمة وهي بتقول بلهفة:
— "أدهم بيه والبيه الصغير مستنيين حضرتك تحت، الحفلة بدأت يا هانم."
جميلة ردت بتوتر:
— "تمام.. قولي لهم أنا جاية."
ألقت نظرة أخيرة على شكلها في المراية، خدت نفس طويل عشان تهدي دقات قلبها اللي كانت بتسمعها في ودنها، وفتحت الباب وخرجت.
في الصالة الرئيسية
أدهم كان واقف في نص القاعة، لابس بدلة سودة تكسيدو مرسومة عليه رسم، وجنبه يزن اللي كان لابس بدلة صغيرة وشكله قمر. أدهم كان بيتكلم مع واحد من الضيوف، لكن عينيه كانت كل شوية تبص على السلم.
وفجأة.. ظهرت جميلة في أول السلم.
أدهم سكت تماماً، ونظراته اتسمرت عليها. يزن أول ما شافها سقف بإيده وصاح بفرحة:
— "بص يا بابا! جميلة بقت شبه الأميرات اللي فى الكارتون!"
أدهم مكنش سامع يزن، كان مركز مع اللي نازلة السلم بكل رقة، وحس للحظة إن قلبه بيدق بسرعة مش مفهومة..
جميلة نزلت آخر درجة، ووقفت قدامه وهي وشها أحمر من الكسوف وقالت بصوت واطي:
— "شكراً على الفستان.. ذوقك حلو أوي."
أدهم قرب منها، وعينه في عينها، وهمس بصوت رجولي دافي:
— "الفستان هو اللي بقى له قيمة لما لبستيه يا جميلة.. أنتي النهاردة مفيش حد هيقدر يشيل عينه من عليكي ...وأولهم أنا."
الوقت بيمر ، جميلة واقفه مع يزن وهما بيشربوا العصير، كانت بتضحك معاه وبتحاول تنسى توترها، لكن يزن فجأة شاف واحد من أصحاب وراح يلعب معاه
وساب جميلة واقفة لوحدها بتتأمل زحمة الحفلة بملل.
كانت حاسة إنها مخنوقة من الأجواء الرسمية، والأصعب من ده كله كان الكعب العالي اللي أول مرة تلبسه في حياتها وحاسة إنه بيغرس في رجليها. بصت يمين وشمال، ولما لقت الكل مشغول، قررت بتهور وعفوية إنها تقلع الجزمة وتفضل حافية، وبما إن الفستان كان طويل ومنفوش من تحت، مكنش باين خالص إنها حافية على الأرضية.
من بعيد، كان فيه شاب مركز مع كل حركاتها، بتابع عفويتها بابتسامة إعجاب، وقرر يقرب منها. فجأة، جميلة لقت شاب وسيم جداً واقف قدامها، لابس بدلة جملي شيك، ملامحه أروبية ببشرة بيضا وعيون خضرا وشعر بني متسرح لورا بانتظام.
الشاب بابتسامة جذابة:
— "أحلى حاجة عملتيها إنك قلعتي الشوز.. أهم حاجة الواحد يبقى مرتاح بعيد عن المنظرة وراي الناس."
جميلة اتفاجئت وبصتله بذهول، وبعدين ضحكت بكسوف:
— "هو أنت خدت بالك؟ بجد رجلي كانت هتتكسر."
الشاب مد إيده بكل رقي وقال:
— "هاي.. أنا هشام، رجل أعمال، واتشرفت جداً بمعرفتك."
جميلة سلمت عليه بابتسامة مجاملة:
— "أهلاً وسهلاً.. أنا جميلة."
هشام همس باسمها وكأنه بيستطعمه:
— "جميلة.. اسم على مسمى .. قوليلي بقى، أنتي تبع مين هنا؟ ولا أوعي تقوليلي إنك صاحبة شركة كبيرة وأنا اللي مش عارف؟"
جميلة هزت راسها بنفي وضحكت بعفوية:
— "لا طبعاً شركة إيه! أنا مقدرش أدير محل صغير، هتدير شركة!"
هشام ضحك بصوت عالي على صراحتها:
— "دمك خفيف أوي يا أنسة جميلة.. بجد مش لاقي فيكي غلطة، رقة وجمال وخفة دم."
وفجأة، طلع صوت من وراه زي الرعد، قطع كلامه بحدة:
— "وفيها مميزات كتير يا هشام.. تحب أعرفهالك؟"
هشام لف واتفاجئ بأدهم واقف والشر بيتطاير من عينيه، ملامحه الرجولية القوية كانت مسيطرة على المكان بهيبة مرعبة خلت وسامة هشام الأروبية تبهت قدامه. أدهم وقف جنب جميلة وحاوط كتفها بإيده بملكية واضحة، وقال ببرود قاتل:
— "إيه يا حبيبتي.. معرفتيهوش أهم ميزة فيكي؟ إنك حبيبتي."
أدهم لقى نفسه بيكدب على هشام لسبب مجهول، بس اللي متأكد منه إنه مش عايز يعرفه إنها أخته وإن ممكن يبقى له فرصه يتقرب منها
هشام برق بعينه بصدمة:
— "حبيبتك هو انت ارتبطت امتى .. أقصد يعنى إنى مكنتش أعرف إنها تخصك؟"
أدهم رد بسماجة وهو بيضغط على كتف جميلة:
— "آه.. عندك اعتراض ولا حاجة؟ وبعدين الحفلة دي أصلاً معمولة عشان أرحب بوجودها في حياتي."
هشام حاول يلم الموضوع بارتباك:
— "لا أبداً.. أنا بس استغربت مش أكتر، ومكنتش أعرف إنها حفلة هتعلن فيه ارتباطك، افتكرتها بخصوص الشغل زي العادة."
أدهم سحب جميلة من إيدها فجأة وقال وهو بيمشي بيها بعيد:
— "طيب هسيبك في استغرابك ده، وآخد حبيبتي أرقص معاها."
جميلة لقت نفسها فجأة مع أدهم في وسط ساحة الرقص، والعيون كلها اتوجهت عليهم. همست بتوتر وخوف:
— "أدهم.. أرجوك، أنا مش بعرف أرقص."
أدهم بص لها بسخرية وهو بيقربها منه:
— "ليه؟ ده أنتي كويسة خالص الصبح.. أنا شوفت المواهب بنفسي."
جميلة وشها احمر:
— "ده كان هبل وقصاد يزن بس.. لكن ده رقص سلو والناس كلها شيفانا، أرجوك بلاش."
أدهم فجأة حاوط وسطها بإيده التانية وشدها عليه بقوة خلت أنفاسها تهرب، وهمس بصوت واطي وساحر:
— "ملكيش دعوة بالناس.. خليكي معايا أنا وبس."
شاور أدهم بدماغه للراجل المسؤول عن الموسيقى، وفجأة الأنوار الكبيرة انطفت، وساد صمت للحظات، قبل ما يرجع نور خافت جداً باللون الموف الهادي، عطى أجواء رومانسية خيالية.
أدهم قرب جميلة منه أكتر، لدرجة إنها بقت سامعة دقات قلبه القوية، وهي اتشبثت في صدره بتوتر. بدأت ألحان أغنية "ومالو" تشتغل بصوت عمرو دياب، وأدهم بدأ يتحرك ببطء وثبات، وهو بيقود حركتها وكأنه بيحتويها تماماً..
" وماله لو ليلة توهنا بعيد وسيبنا كل الناس
أنا يا حبيبي حاسس بحب جديد
ماليني ده الإحساس
وأنا هنا جنبي أغلى الناس
أنا جنبي أحلى الناس
جميلة سألته باستغراب وتوهان: ليه قولت كده لهشام ..ليه مقولتش إني أختك
أدهم بصلها بنظرات ثابته بتخترق قلبها قبل عنيها ،وفجأة مد إيده على راسها وشدها على كتفه، فبقت راسها على كتفه وحرف صدره، وبتكمل الأغنية بصوت الهضبة الدافي اللي ملى المكان:
"حبيبى ليلة، تعالى ننسى فيها اللي راح
تعالى جوا حضني وارتاح
دي ليلة تسوى كل الحياة
وما لي غيرك ولولا حبك هعيش لمين؟
حبيبي جاية أجمل سنين
وكل مادى تحلى الحياة
الناس في القاعة بدأوا يتهامسوا بذهول على الثنائي ده؛ الكل بيسأل: "مين البنت اللي خطفت قلب أدهم السويسي بالشكل ده؟ ومين اللي قدرت تخليه بالهيام والرقص ده وهو المعروف عنه الجمود؟"
أما عند أدهم وجميلة، فكانوا في عالم تاني خالص.. أدهم كان باصصلها في عيونها اللي شبه عيون الغزلان وغرقان فيهم، وجميلة دقات قلبها كانت عالية وسريعة جداً، لدرجة إنها شكت إنه ممكن يكون سامع دقات قلبها بوضوح من كتر قربهم.
بسبب الشعور ده والتوتر اللي سيطر عليها، مسكت إيده بقوة وضغطت عليها، لأنها حست إن توازنها ممكن يختل في أي لحظة ورجليها مش شايلاها.. والأغنية بتكمل في الخلفية:
" حبيبي المس إيديا عشان أصدق اللي أنا فيه
ياما كان نفسي أقابلك بقالي زمان
خلاص وهحلم ليه؟
ما أنا هنا جنبي أغلى الناس
جنبي أحلى الناس
أدهم مال على ودنها وهمس بصوت أجش خلى جسمها كله يتنفض:
— "خايفة من إيه يا جميلة؟ إيدك بتترعش ليه؟"
جميلة رفعت عينها وبصتله بتوهان، ومكنتش قادرة تنطق بكلمة واحدة، كانت حاسة إن ياسمين اللي بتمثل دورها اختفت، ومفضلش غير جميلة اللي بدأت تقع في عشقه.
أدهم شدد من قبضته على وسطها وكأنه بيطمنها، وهمس تاني وهو باصص في عيونها:
— "لو كان ده حلم، فأنا مش عايز أصحى منه أبداً يا جميلة ."
جميلة في اللحظة دي نسيت إنها حافية، ونسيت الحفلة، ونسيت حتى تهديد إبراهيم.. مكنتش شايفة غير نظرة أدهم اللي كانت بتقول كلام كتير أوي مبيتحكيش.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بعد الحفلة، كانت جميلة قاعدة في غرفتها قدام التسريحة، بتفك التوكة الفراشة وبتسرح شعرها ببطء، وعقلها لسه محبوس في القاعة تحت.. كانت بتفتكر اللحظات اللي عاشتها مع أدهم، ونظراته ليها اللي كانت بتخترق روحها. حست إنها كانت منفصلة عن العالم وهي في حضنه، وافتكرت همساته المليانة سيطرة وعشق..
سألت نفسها بحيرة: "إزاي تكون دي نظرات أخ لأخته؟ دي نظرات راجل دايب!"
اتنهدت بضيق وهي بتدعي في سرها إن أدهم يفتح معاها موضوع الورث في أسرع وقت عشان تخلص المهمة دي وتهرب، لأنها بدأت تعترف بتأثيره المرعب عليها، وبنبضات قلبها اللي بتتمرد وتزيد في قربه.
قطع حبل أفكارها رنة موبايلها. بصت على الشاشة ونفسها ضاق أول ما عرفت هوية المتصل، وردت بضيق مكتوم:
— "أيوة يا إبراهيم بيه؟"
جاء لها الرد من الناحية التانية بصوت فيه مكر:
— "إيه يا سنيورة؟ إيه آخر الأخبار عندك في القصر؟ السمكة بلعت الطُعم؟"
ضمت شفايفها بتأفف وهي مجبرة ترد:
— "عادي.. كان فيه حفلة أدهم عملها بمناسبة إن أخته اللي هي أنا رجعت."
إبراهيم سكت ثواني، وبعدين ضيق حواجبه باستغراب وريب:
— "حفلة؟ حفلة إيه؟ أنا مش فاهم حاجة!"
جميلة كملت :
— "بعد ما نتيجة الـ DNA اللي إنت طبعاً ضربتها طلعت، قالي إنه هيعمل حفلة وهيعرّف الناس إني رجعت، وده اللي حصل بليل."
إبراهيم صوته اتغير وبقى فيه توتر واضح:
— "أنا معرفش حاجة عن الحفلة دي، وأدهم مقاليش أي حاجة بخصوصها.. ده غير إن لو فعلاً كان فيه حفلة وأعلن فيها إن أخته رجعت، كان زمان مصر كلها اتكلمت والصحافة مقلوبة! أدهم السويسي مش شخص عادي يا جميلة عشان يعمل خبر زي ده في السر."
جميلة بدأت بالحيره :
— "مش عارفة.. بس ده اللي حصل، وكان فيه ناس كتير ورجال أعمال."
إبراهيم رد بسرعة وهو بيقفل:
— "طيب اقفلي.. اقفلي دلوقتي وأنا هشوف إيه اللي بيحصل بالظبط.. الموضوع فيه إن!"
جميلة قفلت الموبايل وبصت قدامها بشرود وهي بتسترجع ذكريات الحفلة بعقل واعي المرة دي.. هي فعلاً حست إن محدش من المعازيم كان عارف إنها أخته! افتكرت نظرات الستات ليهم وهم بيرقصوا، وإزاي كانوا بيتهامسوا بفضول "مين دي اللي مع أدهم السويسي؟". وافتكرت رد أدهم على هشام لما قاله إنها حبيبته، الطريقة كانت غريبة.. كأنه بيقولها عشان يبعده عنها .
________________________________
في صباح يوم جديد، الشمس كانت بدأت تتسلل من الشبابيك العالية بتاعة القصر، وترسم خيوط دهبية على الأرضية الرخام. جميلة نزلت من على السلم وهي لابسة فستان قطن رقيق لونه بينك، هادي وفيه ورود بسيطة، ورافعة شعرها كحكة فوضوية نزلت منها كام خصلة على خدها، خلت ملامحها أرق وأجمل.
أدهم كان قاعد على راس السفرة، بهيبته المعتادة اللي تملا المكان، وبمجرد ما سمع صوت خطواتها الرقيقة على السلم
رفع نظره ببطء.. وفجأة، الزمن وقف عنده لثواني. اتأسر من هيئتها ورقتها، وقلبه دق دقة غريبة وهو بيفتكر إنه هو اللي منقى الفستان ده بنفسه، وكان متأكد إنه هيكون قطعة من السما عليها.
جميلة أول ما شافته، ابتسمت بصفاء وقالت بصوت هادي وناعم:
"صباح الخير."
أدهم حمحم بخشنونة، وحاول يداري ارتباكه وهو بيلف وشه الناحية التانية.. مش عايز يضعف قدام نظراتها، خصوصاً بعد اللي حصل إمبارح في الرقصة، والمشاعر اللي فضحته وخلته مش عارف يسيطر على نفسه. رد بصوت واطي ومتحفظ:
"صباح النور."
جميلة لاحظت إنه لابس بدلة كاملة وجاهز للخروج، فسألت باستغراب وقلق مداري:
"إنت.. إنت رايح الشركة؟"
أدهم رد بإيجاز وهو بيبص في ساعته:
"أيوة."
جميلة هزت راسها بحزن مفاجئ سكن قلبها.. استغربت نفسها، هي ليه مضايقة؟ وليه عايزاه يفضل جنبها طول الوقت؟ بس سكتت وحاولت تسيطر على أفكارها اللي بدأت تروح لسكة خطر.
قطع الصمت ده "يزن" اللي دخل وهو لابس يونيفورم المدرسة، جرى باس جميلة من خدها بحب وبعدها أدهم، وقعد في كرسيه وهو كله حماس. أدهم سأله بهدوء:
"جهزت يا بطل؟ عشان هاخدك المدرسة في طريقي."
جميلة اتفاجئت وبصت ليزن:
"إيه ده، هو إنت وراك مدرسة النهاردة؟"
يزن رد بحماس:
"آه، الدراسة بدأت والنهاردة أول يوم مدرسة."
وفجأة ملامحه اتغيرت وبص لجميلة بزعل:
"بس كده جميلة هتقعد لوحدها طول اليوم!"
جميلة ابتسمت له بوجع خفي، هي فعلاً حست إن القصر هيضيق عليها من غيرهم:
"لا يا يزن مش هكون لوحدي، فيه خدم في القصر وأنا اتصاحبت عليهم.. متقلقش عليا."
أدهم كان متابع الحوار بتركيز، وفجأة سألها بجدية قطعت تفكيرها:
"احم.. أنا عرفت من ورقك إنك خرجتي من المدرسة وإنتي في تالتة ثانوي، صح؟"
جميلة اتصدمت من السؤال، ووطت راسها في الأرض بإحراج وحزن حقيقي:
"صح.."
أدهم كمل بصوت فيه نبرة آمرة بس حنينة:
"طيب، أنا قررت أقدملك ورقك في الجامعة عشان تكملي تعليمك.. مينفعش ياسمين السويسي تبقى معاها ثانوية."
جميلة رفعت عينيها وبصت له بصمت.. كلامه لمس حتة جواها كانت ميتة. هي عارفة إن كل ده كدب، وإنها فترة وهتمشي، وإن "ياسمين" اللي بيكلمها دي مش موجودة أصلاً.. بس غصب عنها عينيها دمعت بامتنان. حست إن فيه حد لأول مرة بيفكر في مصلحتها، وبيخاف على تعليمها، حتى لو كان فاكرها أخته.. الحنية اللي في صوته خلت قلبها يوجعها أكتر على اللعبة اللي هي فيها.
هزت راسها من غير ولا كلمة، وهي بتدعي في سرها إن اللحظة دي متبوظش، وإنها تقدر تفضل في الجنة دي لأطول وقت ممكن قبل ما الحقيقة المُره تصحيها.
__________________________________
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
في مكتبه الفخم بشركة السويسي، كان أدهم ساند ضهره لورا، وماسك قلم بيلفه باحترافية وسرعة حوالين صباعه؛ الحركة دي مبيعملهاش إلا لما يكون عقله شغال في مية اتجاه. عينيه كانت مركزة على نقطة وهمية في الفراغ، وملامحه جامدة مابتبيّنش أي انفعال، لكن هدوءه ده دايماً بيكون الهدوء اللي قبل العاصفة.
قطع حبل أفكاره دخول "علي" اللي قفل الباب وراه، ووقف قدام المكتب بملامح مشدودة وجادة جداً.
أدهم من غير ما يرفع عينه، وبنبرة صوت هادية بزيادة تخوف:
"ها يا علي.. وصلت لإيه؟"
علي حمحم بجدية:
"كله تمام يا أدهم باشا.. الطرف التاني بيتحرك زي ما حضرتك توقعت بالظبط، فاكر إن الخيوط كلها في إيده ومطمن عالأخر. حتى بعد المكالمةاللي تمت بينهم إمبارح ،هو قلق شوية لكن مازال مطمن ، ومستحيل يتخيل إننا ممكن نكون عارفين حاجه."
أدهم بطل يلف القلم فجأة، ورزعه على المكتب بقوة، وسند إيده وظهرت على شفايفه ابتسامة باردة مبيظهرش منها غير طرفها:
"تمام.. خليه مطمن. أنا بحب أوي اللي بيلعب وهو فاكر إنه غالب، بتبقى وقعته دويها عالي. سيبه يعيش الوهم شوية، ويفرش أحلامه على رمله ناعمة.. وأنا هتفرج عليه من بعيد وأنا مستمتع بالسيناريو اللي أنا كاتبهوله بنفسي، بس النهاية هتكون من تأليفي أنا."
علي بص له بتردد، وحاول يفهم اللي بيدور في دماغ أدهم، وسأله:
"حضرتك ناوي على إيه يا باشا؟ القصر بقا فيه غريب، وإحنا مش ضامنين رد فعلها لو حست إننا كاشفينها."
قاطعه أدهم بصوت حاد وواثق وهو بيلف بالكرسي ناحية الشباك الزجاجي اللي كاشف القاهرة كلها تحت رجليه:
"أنا عارف كل حاجة يا علي.. عارف إنها داخلة بيتي عشان تنصب عليا، وسايبها بمزاجي. وعارف إن القصر داخل عليه أيام مش هتهدى بالساهل. اللعب المرادي مش على فلوس وبس، اللعب بقى على المكشوف.. هي جاية تتاجر باسم أختي، وده ذنب عقابه عندي غالي أوي."
سكت أدهم لحظة، وعينيه لمعت بنظرة غامضة وكمل:
"المهم دلوقتي، العين تفضل مفتوحة على كل حركة بيعملوها، وكل نفس بياخدوه. عايز تقرير عن كل نفس بيطلع منهم .. فاهم؟"
علي هز راسه بجدية:
"تمام يا فندم، كل شيء تحت السيطرة."
أدهم رجع قعد تاني ببرود، وسحب ملف من قدامه:
"ابعتلي رزان.. عايز أخلص صفقات النهاردة بسرعة، عشان ورايا حاجات تانية أهم محتاجة تركيز في القصر.
علي خرج وقفل الباب، وأدهم فضل باصص للسراب بجمود، ورجع مسك القلم ولفه لفة أخيرة وهو بيهميس لنفسه :
"يا ترى اللي باعتك ليا ورماكي في النار دي كنتي عارفة نهايتها.. ولا إنتي مجرد طُعم في صنارة ،مسيرنا نعرف يا.. جميلتي.
__________________________________
كانت جميلة قاعدة في جنينة القصر، سرحانة في الخضرة والهدوء اللي حواليها، ومزاجها كان رايق لأول مرة من ساعة ما دخلت السكة دي.. بس فجأة، شافت خيال شخص داخل عليها، وبمجرد ما ميزت ملامحه، قلبها اتنفض وضيق عينيها بقرف.
همست لنفسها بضيق: "يا فتاح يا عليم.. إيه اللي جابه ده دلوقتي؟ ما أنا كان مزاجي حلو ورايق!"
إبراهيم دخل بخطواته الثقيلة وقعد قدامها ببرود، وبص لها بنظرة فاحصة وقال:
"إزيك يا حلوة؟ واكلة الجو هنا وشكلك نسيتبنا خالص."
ردت عليه باقتضاب وهي بتبص حواليها بتوتر:
"إيه اللي جابك هنا يا إبراهيم بيه؟ كده أدهم ممكن يشك فينا.. مش إحنا اتفقنا إن التحركات تكون بحساب؟"
إبراهيم رد عليها باستخفاف:
"يشك في إيه يا هبلة؟ أنا عمك.. ومن حقي آجي أزور بنت أخويا اللي كانت غايبة بقالها عشرين سنة وأشبع منها.. المهم سيبك من الكلام ده، أنا نبشت ورا الواد أدهم ولقيت إنه موصلش لحاجة، بس اللي جنني وعايز أعرفه.. ليه معرفنيش بحفلة إمبارح؟ وليه مقاليش إن فيه مناسبة كبيرة زي دي؟"
جميلة ردت ببساطة وبرود وهي بتهز رجلها:
"طيب وما تسأله هو.. أنا مالي؟"
إبراهيم ملامحه اتقلبت بغضب ووطى صوته:
"أسأله إزاي يا غبية؟ كده هيشك أكتر.. هو عارف إن العلاقة ما بيني وبينك لسه جديدة ومش قوية لدرجة إنك تعزميني أو تعرفيني بتفاصيل الحفلة.. كنت مستني هو اللي يكلمني."
جميلة لوت بوزها وقالت بتفكير:
"طيب ما يمكن يكون يزن هو اللي قاله إنه عرفني.. أو أي حد من الخدم."
هز راسه بنفي وقرف:
"لا.. الواد يزن ده مبيطقنيش، وعمره ما هيفتح بقه معايا بكلمة."
جميلة همست بينها وبين نفسها بسخرية: "عنده حق بصراحة، ده إنت تسد النفس."
وفجأة، اتصنمت مكانها، والدم هرب من عروقها لما سمعت الصوت اللي دب الرعب في قلبها، صوت رجولي حاد ومن وراهم:
"إيه يا عمي.. جيت من إمتى؟"
إبراهيم اتنفض من مكانه وبدأ يفرك في إيده بتوتر واضح، ورد بصوت مهزوز وهو بيحاول يرسم ابتسامة:
"إزيك يا حبيبي؟ حمد لله على سلامتك.. أنا جيت من شوية صغيرة، قلت أقعد مع بنت أخويا وأملي عيني منها، وأعوض نفسي عن السنين اللي مكنتش في حضني فيها."
أدهم هز راسه ببطء وهو مربع إيده، وعينيه كانت مركزة على جميلة وملاحظ توترها اللي مش عارفة تداريه، سألها بهدوء غريب:
"مالك يا جميلة؟ وشك جاب ألوان ليه؟ هو عمي ضايقك ولا حاجة؟"
إبراهيم اتدخل بسرعة عشان يلحق الموقف:
"وأنا هضايقها في إيه بس يا أدهم؟ ده إحنا كنا بنتعرف على بعض أكتر، وكانت بتحكي لي عن حياتها طول العشرين سنة اللي كانت بعيدة عني وعن حضن العيلة فيهم."
أدهم رفع حاجبه وبص لعمه بنظرة غامضة، نظرة كأنه بيخترق بيها عقله، وسأله بصوت هادي ومرعب في نفس الوقت:
"آه.. تمام.. وقالتلك إيه بقى يا عمي؟ شوقتني أعرف إيه اللي ممكن تحكيهولك ومحكتهوش ليا."
إبراهيم زاد توتره وبلع ريقه بصعوبة:
"ها.. لا.. كلام عادي يعني.. ذكريات قديمة وكده."
أدهم قام وقف بهيبته اللي غطت على المكان، وبص لعمه ببرود وقال:
"طيب يا عمي.. أنا هقوم أغير هدومي، خليك قاعد عشان تتغدى معانا، الأكل زمانه جهز."
إبراهيم حس إنه محتاج يهرب من تحت نظرات أدهم في أسرع وقت، فقام بسرعة وهو بيعدل جاكته:
"لا يا حبيبي.. تسلم، أنا هقوم أمشي بقى ورايا مشاوير تانية، المهم إني اطمنت على ياسمين..
أدهم فضل واقف مكانه لثواني، عينيه كانت مثبتة على جميلة بنظرة باردة وصعبة تتفهم، كأنه بيقرا اللي بيدور في عقلها من غير ما ينطق ولا كلمة. السكوت كان تقيل لدرجة إن جميلة حست إنها عايزة تقوم تجري من قدامه.
وفجأة، كسر الصمت ده ووجه كلامه ليها بنبرة هادية بس فيها حزم، وهو بيتحرك ناحية باب القصر:
"أنا طالع أغير هدومي.. ياريت تطلبي من الشغالة تجهز السفرة، عشان عندي كلام كتير عايز أحكيه معاكي وإحنا بنتغدى."
جميلة بصت لضهره وهو ماشي بخطواته الواثقة، وحست بقلبها بيدق بعنف. "كلام كتير؟ يا ترى قصده إيه؟ وهل سمع حاجة من اللي اتقالت؟"
أول ما أدهم اختفى من قدام عينيها، جميلة اتنفست بعمق وسندت ضهرها على الكرسي وهي بتمسح عرق خفيف ظهر على جبينها.
"يخرب بيتك يا إبراهيم يا سويسي.. كنت هتوديني في داهية! أدهم ده مش سهل، ده عينه بتخرم الوش.. يا رب تسترها وميكونش حس بحاجة
جميلة كانت واقفة في المطبخ مع الخدم اللي فعلًا بدأت تكسر معاهم حاجز الغربة وتصاحبهم، وبمجرد ما الغدا جهز، قررت تقوم بدور الأخت وتطلع تنادي أدهم بنفسها. طلعت السلم الرخامي وهي بتبص للطرقة الطويلة اللي فيها غرف كتير بحيرة.. "يا ربي، هي أوضته كانت أنهي واحدة فيهم؟".
افتكرت مرة لمحته وهو خارج من باب في آخر الطرقة، فخمنت إنها دي. راحت خبطت مرة، واتنين، وتلاتة.. مفيش رد. السكون اللي ورا الباب خلاها تشك إنها أوضة فاضية أو إنها غلطت في العنوان، ففضولها حركها وقررت تفتح الباب وتتأكد.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بمجرد ما فتحت الباب ودخلت، رجلها اتسمرت مكانها.. "إيه ده؟ ده مش مجرد جناح، ده عالم تاني!". مشيت بدون وعي وهي بتتأمل تفاصيل جناح أدهم السويسي اللي كان بيعكس شخصيته بالملي.
الديكور كان بيطغى عليه اللون الرمادي الفحمي مع الأسود الملكي، والحيطة الرئيسية كانت من الحجر الطبيعي الخشن اللي بيدي إحساس بالقوة والجمود. الأثاث كان مودرن بحدود حادة وواضحة، مفيش فيه أي تفاصيل زايدة، والسرير الضخم كان متغطي بمفروشات حرير سوداء بتلمع تحت إضاءة خافتة .
في ركن بعيد، كان فيه مكتب فخم من الخشب الأبنوس عليه أوراق منظمة بالمسطرة، وجنبه مكتبة ضخمة واخدة الحيطة كلها، مليانة كتب في الاقتصاد والسياسة، وفي النص شاشة عرض عملاقة. ريحة الجناح كانت خليط بين بخور العود وريحة برفانه اللي بيخطف الأنفاس.. المكان كان بينطق بالفخامة والجديّة
جميلة كانت ماشية بتلمس طرف المكتب بإيدها وهي منبهرة بالذوق الرفيع ده، وفجأة استوعبت إنها كدة بتقتحم خصوصيته ولازم تخرج بسرعة قبل ما حد يشوفها.
لسه بتلف عشان تخرج وتلحق نفسها، سمعت صوت تكة باب الحمام الداخلي وهو بيتفتح.. لفت بسرعة وهي مخضوضة، وهنا فتحت عينيها بصدمة وخجل ووشها جاب ألوان.
أدهم كان خارج، شعره مبلول وبينقط مية على جبهته، ولابس بنطلون قطني مريح بس، وعضلات صدره وجسمه الرياضي كانت باينة بوضوح مرعب.. وقف مكانه وبص لها بحواجب مرفوعة ونظرة حادة اخترقت خجلها، وقال بصوت رخيم فيه نبرة استغراب:
"جميلة؟ بتعملي إيه في أوضتي؟"
_____________________________
سايق عربيته في شوارع القاهرة الزحمة، عينه على الطريق بس عقله كان في مكان تاني خالص. داخل على التلاتين، وحياته عبارة عن دايرة روتينية مبيخرجش منها؛ شغل، جيم، ونوم. أهله ماتوا من سنين، ولقى نفسه وحيد في الدنيا ملوش أخوات، ملوش في الدنيا غير خالته الوحيدة ،وصداقته لأدهم السويسي وشغله معاه هما كل حياته.
وهو سرحان، فجأة ظهرت قدامه بنت زي الطيف.. داس فرامل بكل قوته، والكاوتش صرخ على الأسفلت، بس للأسف العربية خبطتها خبطة بسيطة وقعتها الأرض.
علي نزل من العربية بسرعة، لقى البنت واقعة على الأرض وماسكة رجلها وبتتألم بوجع يقطع القلب:
"آآآه.. رجلي.. مش قادرة!"
علي نزل لمستواها بقلق حقيقي:
"أنا أسف.. إنتي كويسة يا آنسة؟ حصلك حاجة؟"
البنت كانت بتبكي ووشها أحمر من الألم:
"رجلي.. رجلي بتوجعني أوي.. مش عارفة أحركها."
علي بص يمين وشمال لقى الناس بدأت تتجمع، فقال بلهفة:
"طيب تعالي، مفيش وقت، هوديكي المستشفى فوراً نطمن عليكي."
جت تحاول تقوم، صرخت ورجعت قعدت تاني:
"مش قادرة.. مش قادرة أقف على رجلي خالص."
علي ملقاش قدامه حل غير إنه يتصرف بسرعة.. وبدون تردد، مد إيده وشالها من على الأرض. وبسبب بنيته الضخمة وعضلاته، جسم البنت الضعيف كان بين إيديه كأنه ريشة.
البنت اتخضت ووشها بقى زي الدم من الخجل، وبدأت تتحرك وتحاول تفلت منه:
"إنت بتعمل إيه يا جدع إنت؟! نزلني.. عيب كدة!"
علي بصلها بجدية وصرامة :
"يا آنسة حضرتك رجلك متصابة، ومينفعش تتحركي.. لو دوستي عليها ممكن تتأذي أكتر، اهدي لو سمحتي."
البنت مكنتش بتسمع وبدأت تعترض بصوت عالي:
"بقولك نزلني! إنت مفكر نفسك مين؟"
علي وقف فجأة، وعيونه اسودت وبقت نبرة صوته أغلط، واتكلم بغضب مكتوم:
"قولتلك متتحركيش!"
البنت سكنت فجأة من هيبة صوته، وفي اللحظة دي.. عين علي جت في عينيها لأول مرة. خد باله من ملامحها اللي تخطف؛ بشرتها بيضا زي الحليب، وشعرها بني ناعم واصل لحد كتفها، وخصلات منه نازلة بتمرد على عينيها العسلي الفاتح.
وبسبب وقوفها تحت الشمس، لون عينيها كان بيلمع بطريقة تأسر القلب. ملامحها كانت بريئة جداً، وخوفها منه ومن ضخامة جسمه خلاها تبان زي الطفلة بين إيديه.
البنت ضمت نفسها بخوف وسكتت خالص، كأنها استسلمت لقدرها بين إيدين العملاق ده.
علي ركبها في الكرسي الأمامي بهدوء، ولف ركب مكانه وشغل العربية. الصمت كان سيد الموقف لدقايق، لحد ما علي قطعه بصوت هادي وهو باصص للطريق:
"أنا أسف يا آنسة.. أنا فعلاً مكنش قصدي أخبطك، كنت سرحان شوية."
البنت هزت راسها بصمت وهي لسه بتبص من الشباك بخوف وتوتر، كأنها بتدعي الموقف ده يخلص بسرعة.
علي بصلها بطرف عينه وسألها بنبرة بيحاول يلطفها:
"إنتي اسمك إيه؟"
ردت بصوت واطي ومبحوح من أثر العياط:
"ياسمين.. اسمي ياسمين."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
كان واقف مكانه، ملامحه تبان هادية بس عينيه فيها نظرة خلت جميلة تنكمش على نفسها بخجل. سألها وهو بيرفع حاجبه:
"جميلة؟ بتعملي إيه في أوضتي؟"
جميلة كانت بتحاول تتلاشى النظر لهيئته اللي تخطف الأنفاس، ووشها بقى زي الطماطم وهي بتهته في الكلام:
"أنا.. أنا كنت.. كنت بناديك بس عشان الغدا جهز، وخبطت كتير ومردتش ."
هز راسه بهدوء وقالها بنبرة رخيمة:
"تمام.. هلبس وأنزل وراكي."
جميلة هزت راسها بسرعة وقررت تخرج عشان تهرب من الموقف ده، لسه هتمشي لقت أدهم بيقرب خطوات ناحيتها.. جميلة بدأت ترجع لورا بتوتر وارتباك، وكل ما هي ترجع خطوة، هو يقدم خطوة، لحد ما حست إن الهوا بيخلص من حواليها.
"في.. فيه إيه يا أدهم؟"
أدهم مردش، وفضل يقرب بجمود وبوجه جامد، لحد ما جميلة لقت ضهرها خبط في حاجة صلبة، وبقت محاصرة بينه وبين الدولاب. وفجأة، رفع إيده الاتنين وحاصرها بيهم، ونزل بمستواه لحد ما بقوا في نفس الطول. جميلة غمضت عينيها برعب وارتباك، ودموعها بدأت تلمع في عينيها من كتر الخجل والتوتر، وقلبها كان بيدق لدرجة إنها خافت يسمع دقاته.
حست بأنفاسه قريبة من وشها، فاستسلمت تماماً، لكنها فاقت على صوته الهادي وهو بيقول ببرود مستفز :
"جميلة.. عايز ألبس، أنا كدة هاخد برد من التكييف."
فتحت عينيها وبصتله ببلاهة وعدم استيعاب:
"ما.. ما تلبس!"
رد عليها ببساطة وهو بيشاور براسه على الحتة اللي هي واقفة فيها:
"ألبس إزاي وإنتي واقفة سادة قدام الدولاب؟"
جميلة لفت وشها وراها واتفاجئت إنها فعلاً واقفة سادة باب الدولاب تماماً. استوعبت في لحظة إنه كان بيقرب عشان يفتح الدولاب وياخد هدومه مش عشانها هي، فاتحركت بسرعة وهي بتستعيد أنفاسها المقطوعة وبتقول بإحراج لا يحسد عليه:
"آآه.. الدولاب! أنا.. أنا آسفة جداً، مخدتش بالي.. أنا هسبقك وأنزل استناك تحت."
لسه هتجري من جنبه، لقت إيده الدافية اتمدت ولمست خدها برقة غريبة، خلت جسمها كله يتنفض. ثبتت مكانها وهي حاسة بصباعه بيمشي على بشرة خدها بنعومة، وسمعته بيقول بصوت واطي فيه بحة حنينة:
"خدودك حمرا كدة ليه؟"
جميلة رفعت عينيها وبصت له.. وفي اللحظة دي، تلاقت عيونهم في نظرة طويلة. أدهم كان باصص لعيونها وكأنه بيدور على الحقيقة فيهم ، وجميلة كانت تايهة في سواد عينيه اللي كان فيه مزيج من الحنان والقسوة والغموض.. حست إنها بتغرق، وإن التمثيلية دي بدأت تسحبها لمكان ملوش رجوع.
مكانتش جميلة عارفة ترد بأي كلمة، لسانها كان عاجز تماماً قدام لمسة إيده ونظرته اللي كانت بتخترقها، لكن فجأة انقذها من الموقف ده دقات خفيفة على الباب اللي كان مفتوح أصلاً، ودخول يزن وهو بيجري بهدوم المدرسة وشنطته اللي لسه على ضهره.
يزن دخل وهو بينهج وفرحان:
"انتي هنا يا جميلة؟ ده أنا قلبت عليكي القصر كله وبدور عليكي في كل حتة!"
جميلة استغلت وجود يزن كأنه طوق نجاة اترمي لها من السما، بعدت عن أدهم بسرعة وهي بتحاول تلم شتات نفسها وتاخد نفسها اللي كان مكتوم، وراحت ناحية يزن وخدته في حضنها وقالت بلخبطة:
"يا روحي.. حمد لله على السلامة! كنت لسه بنادي أدهم عشان ننزل نتغدى كلنا سوا.. يلا بينا ننزل حالاً، وبالمرة تحكيلي عملت إيه في أول يوم مدرسة."
أدهم فضل واقف مكانه، ساند إيده على طرف الدولاب، وعينه مراقبة حركاتها المرتبكة وهروبها الواضح. ابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة غامضة مش باين هي حب ولا انتصار من تأثيره عليها، وهو بيبص لضهرها وهي واخدة يزن ونازلة بسرعة كأنها بتهرب من حريق.
__________________________________
وعلى الجانب الآخر، في المستشفى..
كان علي واقف قدام أوضة الكشف، مربع إيده وضخمته كانت لافتة أنظار كل اللي في الطرقات. كان باين عليه القلق رغم هدوءه المعتاد، وعينه مابتفارقش باب الأوضة لحد ما الدكتور خرج وهو بيقلع الجوانتي.
علي قرب منه بلهفة:
"ها يا دكتور.. طمني، الإصابة كبيرة؟"
الدكتور ابتسم بهدوء عشان يطمنه:
"لا مفيش داعي للقلق خالص. هي مجرد حاجة بسيطة، التواء بسيط في الكاحل نتيجة الوقعة. مفيش كسور ولا حتى شرخ، الحمد لله."
علي أخد نفس طويل وطلعه براحة:
"الحمد لله.. طيب محتاجة أي حاجة؟ جبيرة أو كدة؟"
الدكتور رد وهو بيكتب الروشتة:
"لا، هي محتاجة بس راحة تامة لمدة يومين، وكمادات مية ساقعة، والدهان ده مرتين في اليوم. وتقدر تمشي عليها عادي بس بحساب في الأول."
خبط على الباب بهدوء لحد ما سمع صوتها الرقيق بيأذن بالدخول. دخل الأوضة لقاها قاعدة على السرير، وشها كان لسه مخطوف والدموع منشفة على خدودها. أول ما شافته داخل اتوترت وخفضت نظرها على الأرض.
علي بص لها بنبرة هادية:
"الحمد لله طلعت بسيطة.. التواء بسيط وهتخفي في يومين."
ياسمين هزت راسها بكسوف وبصت في الأرض:
"شكراً يا أستاذ.. أنا بجد أسفة إني تعبتك معايا."
علي استغرب رقتها وخجلها اللي مكنش متعود عليه في شغله، ورد بجدية:
"تعب إيه بس؟ أنا اللي خبطتك، وده واجبي. المهم دلوقتي، هقدر أوصلك فين؟ أهلك زمانهم قلقانين عليكي."
ياسمين ملامحها اتغيرت وظهرت عليها مسحة حزن، وقالت بصوت واطي:
"أنا ساكنة مع والدي في..."
علي حس بحاجة غريبة تجاهها، ميكس بين الشفقة والإعجاب ببراءتها، فقال بحزم:
"طيب يلا بينا.. العربية بره، وأنا هوصلك لحد باب البيت."
ياسمين حاولت تقوم، بس أول ما رجلت لمست الأرض اتأوهت. علي من غير تفكير قرب منها وسندها، والمرة دي هي ممانعتش، بالعكس، حست بأمان غريب وهي مسنودة على دراعه القوي.
في العربية، الصمت قطعته نبرة صوت علي الهادية وهو بيبص لياسمين بطرف عينه:
"بقولك إيه يا آنسة ياسمين.. أنا بصراحة واقع من الجوع، ولو تسمحي لي، نعدي ناكل في أي مطعم في طريقنا.. اعتبريها محاولة مني أكفر بيها عن غلطتي، وكمان الدكتور قال إنك محتاجة تغذية كويسة عشان الالتواء ده يخف بسرعة."
طبعاً علي كان بيتحجج وبيكدب، هو بس حس إنه مش عايز يوصلها بسرعة، وعايز يعرف أكتر عن البنت الرقيقة اللي دخلت حياته فجأة دي. ياسمين بصت له بتردد، فركت إيدها في بعض، وبعدين هزت راسها بموافقة مكسوفة.
علي فرح جداً إنها وافقت، وقال بابتسامة وسعة:
"تمام جداً.. تحبي تتغدي إيه؟ اختاري أي حاجة تحبيها."
ياسمين سكتت شوية بتفكر، وبعدين قالت بصوت واطي:
"كشري.. نفسي في كشري."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
علي استغرب جداً؛ كان متوقع تطلب بيتزا أو برجر أو حاجة شيك، لكن طلبها البسيط ده لمس قلبه. هز راسه بموافقة:
"تمام.. أحلى طبق كشري لأحلى آنسة ياسمين."
انطلق علي بالعربية لحد ما وصل لمطعم كشري مشهور، ورغم إنه مطعم كشري بس كان مكانه راقي جداً. علي نزل وساعد ياسمين تنزل، وسندها لحد ما دخلوا وقعدوا على ترابيزة هادية في ركن بعيد.
طلبوا الأكل، الجرسون جه وسألهم بابتسامة:
"تحبوا تطلبوا ديزيرت أو تشربوا حاجة بعد الأكل؟"
علي بص لياسمين ولقاها ساكتة ومنزلة راسها بخجل، فسألها بلطف:
"تحبي تحلي بإيه يا ياسمين؟"
ردت بخجل: "عادي.. أي حاجة."
علي فكر ثانية وقال: "إيه رأيك في سلطة فواكه؟ بتبقى خفيفة ومنعشة."
وافقت ياسمين بهزة راس، فعلي بص للجرسون وقال: "تمام.. هاتلنا اتنين سلطة فواكه."
أول ما الجرسون مشي، علي سحب كرسيه شوية وقرب بفضول:
"قوليلي بقى يا ياسمين.. إنتي عندك كام سنة؟"
ردت بصوت ناعم: "عشرين سنة."
علي رفع حواجبه بإعجاب: "اممم.. إنتي لسه صغيرة خالص، يا دوب في بداية حياتك."
ياسمين بصت له بفضول طفولي وسألته: "وإنت عندك كام سنة؟"
علي ضحك وقال لها بلهجة تحدي: "خمني كدة تفتكري عندي كام؟"
ياسمين بصت لملامحه شوية وقالت بتردد: "اممم.. أربعة وعشرين مثلا ؟"
هنا علي ضحك من قلبه، ضحكة صافية مخرجتش منه من زمان:
"ياااه! أنا شكلي صغير للدرجة دي؟"
ياسمين وشها احمر وقالت بكسوف: "أصل ملامحك.. يعني.. إنت أيوة شكلك ضخم، بس وشك مش باين عليه إنه كبير."
علي بصلها بابتسامة حنونة وقال: "أنا هتم التلاتين كمان شهرين بالظبط."
وكمل عشان يوضح لها سبب ضخامته: "والضخامة دي بحكم شغلي مش أكتر.. أنا بشتغل بادي جارد لواحد من أكبر رجال الأعمال في مصر، ومحتاج دايماً أكون في الفورمة دي."
ياسمين سكتت وهي بتبص له بذهول.. "بادي جارد؟" خافت شوية في الأول، بس رجعت بصت لعينيه اللي كانت مليانة طيبة مابتتفقش مع ضخامة جسمه.
_______________________________
وعلى سفرة الغدا، كان الجو هادي بس مشحون بتفاصيل كتير. أدهم قاعد في كرسيه المعتاد في مقدمة السفرة بهيبته اللي بتفرض الصمت، وعلى يمينه جميلة اللي كانت بتاكل بحذر وتوتر، وعلى شماله يزن اللي كان بيلعب بالشوكه أكتر ما بياكل.
يزن فجأة ساب الشوكة وقال: "الحمد لله.. أنا شبعت."
ولسه هيقوم بس صوت أدهم الحاد وقفه مكانه: "يزن.. اقعد كمل طبقك."
يزن رد بسرعة وتذمر طفولي: "بس يا بابا أنا فعلاً شبعت مش قادر."
جميلة كانت متابعة الحوار ومبتسمة من جواها؛ الطريقة اللي أدهم بيتعامل بيها مع يزن مكنتش طريقة أخ، دي كانت طريقة أب بيحاول يربي ابنه بجدية وحب في نفس الوقت.
أدهم بصله بنظرة تهديد هادية: "قدامك خمس دقايق، لو مقعدتش وخلصت طبقك.. مفيش سفر يوم الجمعة، وهنلغي كل حاجة."
يزن سمع كلمة السفر من هنا، وقعد مكانه بسرعة البرق وبدأ ياكل بنشاط وهو بيقول: "خلاص خلاص.. هاكله كله أهو."
جميلة بصت لأدهم باستغراب وسألت: "سفرية إيه؟"
أدهم رد عليها بدون ما يرفع راسه: "إحنا متعودين آخر جمعة في كل شهر إننا نسافر يومين في أي حته نغير جو، كمكافأة ليزن على مجهوده في الدراسة، بس بيكونوا يومين بس عشان شغلي وعشان دراسته."
يزن اتدخل بحماس وعيونه بتلمع: "بس سفرية المرة دي هتكون أجمل سفرية في الدنيا، عشان جميلة هتكون معانا.. صح يا بابا؟"
أدهم سكت لثانية، رفع عينه بص لجميلة نظرة طويلة نش مفهومة خلت قلبها يدق، وبعدين هز راسه ورجع بص لطبقه وقال بكلمة واحدة: "صح."
يزن خلص أكله وقام وهو بيضحك: "أنا خلصت طبقي كله أهو.. هقوم أغسل إيدي وأحضر شنطتي من دلوقتي."
بمجرد ما يزن خرج من الغرفة، خيّم السكون على المكان. أدهم ساب الشوكة من إيده وبص لجميلة بجدية مرعبة، وبدأ يراقب رد فعلها بدقة وهو بيقول:
"إن شاء الله أول ما نرجع من السفرية دي، هنبدأ فوراً في إجراءات الورث بتاعك. بابا الله يرحمه كان كاتب وديعة كبيرة باسمي وباسمك، وحقك محفوظ من سنين.. ولازم تستلمي نصيبك بنفسك.
جميلة حست كأن حد دلق عليها مية ساقعة. الكلمة وقعت عليها زي الصدمة؛ ده معناه إن وقت اللعبة قرب يخلص، وإنها بمجرد ما تستلم الفلوس لازم تختفي زي ما إبراهيم خطط.. يعني هتسيب القصر، وهتسيب يزن، والأصعب إنهاةنش هتشوف أدهم تاني.
الحزن ظهر على ملامحها بوضوح، وردت بصوت واطي ومبحوح وهي بتبص في طبقها:
"أنا.. أنا مش عايزة حاجة يا أدهم.. مش عايزة فلوس ولا عايزة ورث."
أدهم هنا مقدرش يتحكم في نبرة صوته اللي عليت فجأة وهو بيقوم من مكانه بعصبية مكتومة:
"مش بمزاجك! ده حقك .. ومحدش بيتنازل عن حقه بالسهولة دي، جهزي نفسك عشان الموضوع ده يخلص."
سابها وقام من على السفرة بخطوات واسعة وسابها غرقانة في دوامة من الذنب والحزن.. هي خايفة من اليوم اللي هيعرف فيه إن أخته اللي بيحارب عشان يديها حقها، طلعت مجرد محتالة بتسرق مشاعره قبل فلوسه.
_____________________________
دخل إبراهيم بيته وهو شايل في قلبه سواد سنين، بيت كبير وفخم بس بارد، مفيهوش روح زيه بالظبط. أول ما دخل، الخادمة قربت منه بأدب:
"أجهزلك الغدا يا إبراهيم بيه؟"
رد عليها بكلمة واحدة قاطعة وهو بيمشي من غير ما يبصلها:
"لا."
طلع غرفته وقفل الباب وراه، الغرفة كانت ضلمة ومقبضة. راح ناحية الطاولة اللي في الركن، ومسك برواز قديم. صورة بتجمعه بأخوه محمود وأبوهم وهم شباب.
مسك البرواز بإيد بتترعش من الغل، وبدأ يمسح بإيده على صورة أخوه، وعينيه بتطلع شرار ونبرة صوته اتحولت لفحيح مرعب وهو بيكلم الصورة:
"طول عمرك أبوك بيفضلك عني.. محمود الكبير، محمود الذكي، محمود اللي يورث الإمبراطورية.. وأنا؟ أنا كنت دايماً الهامش، اللي بياخد الفتفات اللي بتفيض منك."
ضغط على البرواز بقوة لحد ما ضوافره علمت في الخشب، وكمل بضحكة مكتومة وسادية:
"لحد ما خلصت منك.. قتلتك وريحت نفسي من نظرة الفخر اللي كانت في عين أبوك ليك. ومكتفتش بكده، رميت عيالك في دار أيتام عشان يدوقوا الذل اللي شفته طول عمري وأنا عايش في ضلك.. كان نفسي يتوهوا ويموتوا من الجوع."
رمى البرواز على السرير بغل وقعد ينهج:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"بس ابنك طلع سويسي بجد، وقدر يبني نفسه ويرجع ياخد اللي كان بتاعك.. لكن المرة دي مش هسيبه. الوديعة دي بتاعتي أنا، وتمن السنين اللي ضاعت من عمري وأنا تحت رجلك. وجميلة هي السكينة اللي هدبحكم بيها كلكم، وبعدها هقفل صفحة عيلة محمود السويسي للأبد."
بص للمراية وابتسم ابتسامة صفرا، وهو بيفكر إن خلاص، الحلم اللي خطط له من عشرين سنة بقاله خطوة واحدة ويتحقق، ومش فارق معاه مين هيدوس عليه في طريقه، حتى لو كانت بنت أخوه الحقيقية أو اللي بتمثل .
_______________________________
ياسمين شاورت بإيدها وقالت بتوتر: "أيوة.. بس هنا."
علي وقف العربية وبص لها باستغراب: "هتنزلي هنا؟ أعتقد بيتك لسه بعيد."
ياسمين ردت بسرعة: "أيوة، أنا هتمشى شوية لآخر الحارة.. بس معلش، مينفعش توصلني لجوه، الناس هنا مش بتسكت وكلامهم كتير، مش عايزة مشاكل."
علي عقد حواجبه بضيق: "وايه المشكلة؟ أنا خبطتك وبوصلك لبيتك، ده حقك وده واجبي."
ياسمين بصت له بنظرة رجاء: "أرجوك.. أنا عارفة طريقة تفكيرهم، لو سمحت سيبني على راحتي."
علي استسلم لرغبتها لما شاف الخوف في عينيها، وقال بنبرة حنينة: "طيب، بس على الأقل هفضل ماشي وراكي بالعربية براحه لحد ما أتطمن إنك دخلتي البيت.. ولو سمحتي، امشي براحة عشان رجلك متتعبكيش أكتر."
هزت راسها بابتسامة رقيقة خلت قلبه يدق: "حاضر.. شكراً يا أستاذ علي."
علي تاه في عينيها اللي شداه بطريقة غريبة وقال بصوت واطي: "أنا معملتش حاجة، أي حد مكاني كان هيعمل نفس اللي عملته."
ياسمين ضحكت ضحكة خفيفة وقالت: "لا طبعاً، مش أي حد كان هيروح يغديني كشري في مطعم شيك زي ده."
علي مسح على شعره بارتباك من المشاعر الجديدة اللي مسيطرة عليه، وقال: "أنا اللي عايز أشكرك إنك وافقتي تتغدي معايا، وقضيت معاكي أجمل وقت عدي عليا من سنين."
ياسمين وشها قلب أحمر وابتسمت بخجل وقالت: "أنا لازم أنزل بقى.. سلام."
علي رد بحزن مداري لإنها خلاص هتسيبه: "سلام.. خدي بالك من نفسك."
ردت برقة: "حاضر."
ياسمين فتحت باب العربية ونزلت وهي بتعرج بسيط، وعلي وفى بوعده ومشي وراها بالعربية خطوة بخطوة لحد ما وصلت لعتبة بيتها. قبل ما تدخل، لفت وشها وبصت له وابتسمت بخجل وهزت راسها بوداع، وبعدين اختفت ورا الباب.
علي فضل واقف بالعربية مكانه لثواني، اتنهد تنهيدة طويلة كلها حيرة، ودور العربية ومشي وهو بيكلم نفسه بسخرية: "جرى إيه يا عم علي؟ إنت وقعت ولا إيه؟"
وفجأة ضرب بإيده على الدركسيون بغضب وندم وقال بصوت عالي: "غبي! يا غبي.. ليه مطلبتش رقمها؟ كنت اطلبه حتى بحجة إنك عايز تطمن على رجلها.. ضاعت منك يا فلحوس!"
_________________________________
طلعت ياسمين السلالم بصعوبة، كل درجة كانت بتحس فيها بنغزة في رجلها، لحد ما وصلت لشقتها اللي من حسن حظها كانت في الدور الأول. فتحت الباب بالراحة، لقت الشقة هادية وضلمة، اتنفست براحة وهي بتقول في سرها: "الحمد لله.. باين عليه مش هنا".
دخلت أوضتها، غيرت هدومها ورمت نفسها على السرير بتعب، بس عقلها مكنش تعبان خالص.. كان بيعرض أحداث اليوم بالعرض البطيء. كل ما صورة علي وهيبته وضخامته وتفاصيل نظراته تيجي في بالها، تلاقي ضحكة مرسومة على وشها بشكل لا إرادي.
طلعت موبايلها، ووصلت السماعات، وشغلت أغنية نانسي عجرم "شيخ الشباب" وقعدت تدندن معاها وهي مغمضة عينيها وبتتخيل ملامح علي:
"شو واثق بحاله شو قلبه قوي
وقلبي من جماله دايب مستوي
"كانت قصة اعجاب صارت حب وعذاب
تارى شيخ الشباب حبه بيكوى كوى
اتنهدت وهي بتسترجع نبرة صوته اللي على رغم خشونتها ،إلا إنها حنينه
"كأنه بيعرفنى وحس بقلبى شو عندى حنين
وأنا اسأل حالى شو خصه؟
عم يسألنى بصفته مين؟
مفكرته مجنون ماتوقعته يكون
حبيبى ونصى التانى اللى راح حبه بجنون
كانت غرقانة في كلمات الأغنية ومشاعرها الجديدة اللي بدأت تتولد، وفجأة.. حست بإيد تقيلة بتمسح على ظهرها بحركة غريبة. اتفزعت ياسمين ونفضت السماعات من ودانها ولفّت بسرعة.. قلبها كان هيقف من الرعب لما لقت منصور أبوها واقف وراها.
منصور كان في حالة يرثى لها، هدومه مبهدلة وعينيه حمرا وريحة الخمرة فايحة منه وبتملا الأوضة، كان باصص لها بنظرة غريبة مش نظرة أب لبنته أبداً، نظرة كلها غدر وشر.
ياسمين رجعت لورا وهي بتترعش من الخوف:
"فيه.. فيه حاجة يا بابا؟ إيه اللي دخلك كدة؟"
منصور بضحكة سكرانة وهو بيقرب منها أكتر، ومد إيده حطها على كتفها وضغط عليه بقوة:
"تعالي هنا.. إنتي كبرتي وبقيتي زي القشطة يا بت يا ياسمين.. إنتي كنز وأنا كنت غافل عنه."
ياسمين صرخت بفزع وهي بتحاول تبعد إيده عنها:
"بابا! إنت بتعمل إيييييه؟ إبعد عني ...
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ياسمين حاولت تبعده بكل قوتها رغم بنيتها الضعيفة، بس منصور كان زي الوحش ومسيطر على حركتها. عينيها كانت بتدور في الأوضة يمين وشمال وهي بتنهج من الرعب، لحد ما لفت إنتبها أباجورة تقيلة كانت محطوطة على الكومودينو جنب سريرها.
مدت إيدها بوجع وحاولت توصل لها بصعوبة، وأول ما صوابعها لمستها، مسكتها بكل قوتها ومحستش بنفسها غير وهي بتلف وبترزعها على دماغه بكل غل وخوف سنين.
ياسمين اتصنمت مكانها و أنفاسها محبوسة في صدرها.. شافت منصور وهو بيقع على الأرض زي الشوال، والدم بدأ يسيل من دماغه بغزارة ويغرق السجادة. ياسمين حطت إيديها على بوقها وعينيها بتدمع برعب وهي شايفة منصور ساكن تماماً كأنه جثة هامدة.
"أأ.. أعمل إيه؟ يلهوي أنا قتلته! يلهوي يلهوي.. أنا ضعت!"
كانت بتترعش زي الورقة في مهب الريح، بصت حواليها بجنون، وفتحت دولابها وبسرعة البرق جابت شنطة هدوم، لمّت فيها اللي طالته إيدها، ولبست طقم بسرعة وهي مش قادرة ترفع عينها في اللي مرمي على الأرض. شالت الشنطة والموبايل وجريت بأقصى سرعة عندها، خرجت من الشقة وقفلت الباب وراها ومبصتش وراها ولا لثانية واحدة.
نزلت الشارع، كانت الدنيا بدأت تضلم والجو يبرد. وقفت توكتوك وقالتله بصوت بيرتعش وخافت يادوب مسموع:
"طلعني على الطريق الرئيسي لو سمحت.. بسرعة"
وهي في التوكتوك، فتحت البوك بتاعها عشان تشوف معاها كام، واتصدمت لما لقته فاضي.. يادوب بعض الفكة اللي تحاسب بيهم السواق. نزلت على الطريق الرئيسي، والناس رايحة جاية، وهي حاسة إنها عريانة وسطهم، الكل بيبص لشنطتها ووشها المخطوف.
قعدت على الرصيف في ركن ضلمة، وحاوطت جسمها بإيديها وهي بتترعش من الرعب والبرد، والليل بدأ يليل بجد وسواد الدنيا كله بقا في عينيها.
"هروح فين؟ ومعيش مليم.. والشرطة زمانها هتدور عليا.. يا رب مليش غيرك."
في اللحظة دي، موبايلها اللي في إيدها نور.. شاشة الموبايل كانت بتعلن عن مكالمة من رقم مش مسجل. ياسمين بصت للموبايل بتردد، كانت خايفة يكون حد عرف باللي حصل.. وقلبها دق بسرعة من الرعب.
عند علي ...
كان علي سايق وعقله لسه مع اللي سحرت قلبه، وفجأة وهو بيبص جنبه، لمح حاجة سودة واقعة عند الدواسة.. داس فرامل وبص لقاها شنطة إيد ياسمين.
وقف العربية، مسك الشنطة وبص لها بابتسامة:
"طيب والله جت من عند ربنا عشان أشوفك تاني"
قرر يرجع لها فوراً. بعد دقايق كان واصل الحارة، ركن ونزل قصاد البيت اللي نزلت عنده وسأل ست قاعدة قدام بيتها، دلته وقالتله إنها ساكنة في الدور الأول. طلع علي السلم، ووقف قدام الباب وخبط مرة واتنين وتلاتة.. بس مفيش أي رد، والسكوت اللي جوه كان غريب ومقلق.
وهو لسه واقف مستغرب، ست تانية من سكان البيت كانت نازلة على السلم، بصت له بفضول وحشرية وهي بتفحص بدلته وجسمه الضخم:
"عايز حاجة يا بيه؟ بتخبط على مين؟"
علي رد بجدية وهيبة:
"لو سمحتي، مش الآنسة ياسمين ساكنة هنا؟"
الست لوت بوزها وقالت: "آه يا بيه ساكنة مع أبوها منصور، خبط تلاقيهم جوه، أصل منصور ده نومه تقيل وشربه كتير."
علي رد بضيق: "أنا بقالي خمس دقايق بخبط ومحدش بيرد."
الست استغربت وقالت: "يمكن خرجوا يا بيه، مع إن ياسمين لسه داخلة مفيش ساعة."
علي سكت شوية بيفكر، كان ممكن يسيب الشنطة مع الست دي، بس عقله قاله إن دي فرصته الذهبية عشان ياخد رقمها ويكلمها ويقابلها مره تانية.
بص للست وقال بهدوء: "طيب حضرتك معاكي رقمها؟ أنا زميلها في الشغل ومحتاجها في حاجة ضروري وتليفونها مقفول."
الست مكدبتش خبر، طلعت موبايلها الزراير من جيب جلابيتها، وقلبت فيه شوية وهي بتبرق، وبعدين ملته الرقم. علي سجله فوراً وشكرها ونزل بخطوات سريعة.
أول ما ركب العربية، اتنهد براحة وبص للموبايل: "جبتك يا ياسمين.. المرة دي مش هتهربي مني."
دور العربية اتصل علي بالرقم وهو قلبه بيدق بسرعة، وفي الناحية التانية كانت ياسمين قاعدة على الرصيف، منكمشة على نفسها وسط ضلمة الليل، والموبايل في إيدها بيرن برقم غريب. مسحت دموعها بإيد بتترعش وقررت ترد بصوت مبحوح:
"ألو.. مين؟"
علي أول ما سمع صوتها ابتسم بفرحة وراحة مكنش عارف سببها:
"ألو.. أيوة يا ياسمين، أنا علي.. اللي خبطك، فاكراني؟"
ياسمين رددت الاسم بصدمة وعدم تصديق، كأن صوته ده كان طوق نجاة اترمي لها وهي بتغرق:
"أستاذ علي؟"
علي كمل بابتسامة لسه سايق:
"أيوة يا ستي.. معلش بكلمك في وقت متأخر بس لقيت شنطتك واقعة في العربية، فرجعت الحارة عشان أديهالك وخبطت على الباب كتير بس مفيش حد رد، فجبت رقمك من جارة ليكم وقُلت أكلمك أطمن عليكي وعلى رجلك."
ياسمين أول ما سمعت سيرة البيت، جسمها كله اتنفض وافتكرت منظر أبوها والدم اللي مغرق الدنيا، والشهقات بدأت تطلع منها غصب عنها:
"أنا.. أنا مش في البيت يا أستاذ علي.. أنا مش هناك."
علي نبرة صوته اتغيرت تماماً للقلق، ووقف العربية على جنب:
"مش في البيت؟ أمال إنتي فين؟ وصوتك ماله يا ياسمين؟ إنتي بتعيطي؟"
ياسمين بصت حواليها في الشارع، الدنيا كانت بتضلم أكتر والناس بدأت تقل، ومسحت دموعها وهي بتاخد قرار مصيري.. هي معندهاش حد، ومنصور لو مات هتبقى قاتلة، ولو صحي هيقتلها هو.. ملقيتش قدامها غير اللي لسه مقابلاه من كام ساعة بس حست معاه بأمان غريب:
"أنا في الشارع.. أنا قاعدة على الرصيف في الطريق الرئيسي.. ممكن.. ممكن يا أستاذ علي تجيلي؟ أنا محتاجة مساعدة أرجوك."
علي مكنش محتاج يسمع كلمة تانية، دور العربية بأقصى سرعة وقال بصوت حازم يطمن:
"خمس دقايق بكتيره وهكون عندك.. متتحركيش من مكانك، أنا معاكي."
قفل علي السكة وهو بيدوس بنزين بجنون، وياسمين فضلت ماسكة الموبايل وضامّاه لصدرها وهي بتدعي إنه يجي بسرعة.
_________________________________
أدهم كان واقف ورا العربية، بيقفل الشنطة الكبيرة بعد ما رص فيها شنط السفر كلها. يزن كان بيتنطط جنبه بحماس: "يلا يا بابا.. يلا يا جميلة"
أدهم لف وبصله بابتسامة هادية: "اركب يا بطل، الطريق طويل."
ركب يزن وراه، وجميلة كانت لسه هتركب جنبه، بس أدهم بصلها بنظرة فيها غيرة مش مفهومة وقال بحزم: "جميلة.. تعالي اقعدي قدام."
جميلة استغربت وبصت ليزن: "ليه؟ أنا عايزة أقعد مع يزن ورا عشان نلعب سوا."
أدهم رفع حاجبه وهو بيفتح الباب: "بس أنا مش السواق بتاعكم عشان تسيبوني لوحدي قدام.. اركبي يا جميلة لو سمحتي."
جميلة اتنهدت باستسلام، وركبت قدام جنب أدهم. دور العربية وخرج من بوابة القصر، والهدوء بدأ يسيطر على الطريق السريع.
بعد حوالي ساعة، يزن غلبه النوم ورا وهو حاضن مخدته الصغيرة. جميلة بصت ورا اطمنت عليه، وبعدين رجعت بصت للطريق وقالت بصوت واطي وناعم:
"هو الطريق هياخد قد إيه يا أدهم؟"
أدهم رد وهو عينه على الأسفلت: "يعني ساعتين وكسر.. يزن نام والجو بقى هادي أوي."
جميلة سندت راسها على الشباك: "فعلاً.. السكون ده مريح للأعصاب."
أدهم بصلها بطرف عينه، ولأول مرة ملامحه تلين وتفك من الجمود اللي هو فيه:
"طيب تحبي أشغلك أغنية؟"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
جميلة ابتسمت بصفاء وقالت: "ماشي.. يا ريت."
أدهم فتح موبايله ووصله بوصلة الكاست، وقلب في الأغاني شوية وهو بيدور على حاجة تليق بالمود، لحد ما اختار أغنية هادية بدأت تملأ العربية بصوت شجي. جميلة بصت من الشباك الطريق اللي بدأ يبقى هادي، وأنوار العربيات التانية بتعدي زي الخيالات، ونسمات الهوا الباردة بتدخل من فتحة الشباك الصغيرة وتطير خصلات شعرها بنعومة على وشها.
غمضت عينيها باستمتاع وهي بتسمع الكلمات، وحست إنها لأول مرة من ساعة ما دخلت القصر حاسة بسلام داخلي، وكأن صوت الأغنية والليل بيغسلوها من توتر اللعبة اللي هي فيها.
"ولا أي كلمة حب اتقالت في يوم ما بين اتنين
تسوى حلاوة كلمة منك قولتهالي
عيد قولت إيه كده تاني وتالت، أنا قلبي كله حنين
ولا يطفي ناره حبيبي غير لو عدتهالي
عارف بتعمل فيا إيه كلمة حبيبي؟
زي اللي أول مرة بيحس بأمان
خليك معايا
خليك معايا يا حبيبي مهما كان
خليك معايا
يا حلم عمري اللي في خيالي من زمان
أدهم فضل باصص لجميلة وهي نايمة، وملامحها الهادية بتتحرك مع نور أعمدة الإنارة اللي بيخطف وشها، وقلبه بيدق بعنف. "يا ترى هتكملي في تمثيلك لحد امتى يا جميلة؟" سأل نفسه السؤال ده وهو بيفتكر اللحظة اللي اكتشف فيها حقيقتها.
"فلاش باك"
أدهم كان قاعد في مكتبه، لابس نضارته ومنهمك في الورق، ملامحه كانت حادة وصارمة كالعادة. علي دخل عليه بخطوات سريعة وقال بهدوء:
"فيه أخبار جديدة يا أدهم بيه تخص عم حضرتك."
أدهم قلع نضارته ببطء، وحط راسه بين إيديه بإرهاق .. هو عارف بكرهه وحقده عليه من وقت ما رجع،وعشان كده دايما بيراقبه عشان يفهم دماغه فيها ايه ناحيته قال وهو بيغمض عينه:
"قول يا علي.. سامعك."
علي اتكلم بجدية وعملية:
"إبراهيم بيه مؤخراً بيقابل بنت بشكل متكرر، بقاله أسبوعين. البنت دي اتعرف عليها في خناقة في الشارع، كانت سرقت محفظة من راجل وكان مصمم يحبسها، وإبراهيم بيه اتدخل ودفع لها الفلوس، ومن يومها وهو بيقابلها."
أدهم عقد حواجبه باستغراب:
"طيب.. متعرفش بيقولوا إيه؟ وايه اللي يخلي عمي يهتم بوحدة من الشارع؟"
علي هز راسه بنفي:
"للأسف مقدرناش نعرف الحوار بالظبط، لكن قدرنا ناخد صور ليهم خلال مقابلاتهم، ولما راقبنا البنت عرفنا إن اسمها جميلة أهلها ماتوا وهي في ثانوي، واتطردت من شقتها، ومن ساعتها وهي في الشارع بتسرق. واللي عرفناه كمان إن إبراهيم من أسبوع أجرلها شقة في حارة شعبية وهي نقلت تعيش فيها.. هبعتلك الصور اللي خدناها ليهم."
أدهم مسك موبايله، فتح أول صورة، كانت لعمه إبراهيم وهو بيتكلم مع بنت بظهرها، ملامحها مش باينة. قلب للصورة التانية، وفجأة سكت.. ملامحها ظهرت بوضوح. قلبه دق دقة غريبة مكنش فاهمها لما شاف عيونها اللي شبه عيون الغزلان وبراءتها اللي متتوصفش. بلع ريقه وهو بيعمل زوم على ملامحها، واستغرب نفسه؛ هو مش من النوع اللي بيعجب بحد من أول نظرة، ولا بيؤمن بالكلام ده أصلاً.
عدى أسبوع، وأدهم كل يوم يفتح صورتها ويتأملها بابتسامة غصب عنه، لحد ما جه اليوم اللي علي بلغه فيه إنهم وصلوا لأخته. في البداية أدهم كان فرحان، لكن لما علي قاله العنوان، الصدمة كانت كبيرة؛ دي نفس الحارة ونفس الشقة اللي إبراهيم أجرها للبنت اللي كان بيقابلها!
ساعتها أدهم فهم اللعبة كلها، وفهم إن عمه باعت له جميلة عشان تنصب عليه وتاخد ورث ياسمين. واتفق مع علي وقرر يروح الحارة ويكمل اللعبة لكن بطريقته.
أول لما عينه جت في عنيها أول مرة وشاف ملامحها اللي بسببها سهران بقالو أسبوع. مكنش عايز يقتلها ولا يواجهها بكذبها.. كان نفسه ياخدها في حضنه ويخبيها عن الدنيا كلها.لكنه سيطر على المشاعر الغريبة اللي سيطرت عليه بصعوبة بالغه.
لما راحت معاه على القصر، كان بيمثل الجمود بس من جواه كان فرحان إنها قدام عينه، ولما جه يودعها عند أوضتها أول ليلة، مشاعره خانته ومقدرش ميغلفش وداعه بقرب يطفي ناره.
أول ما دخل جناحه ليلتها، فضل يلوم نفسه بعنف: "إنت بتعمل إيه يا أدهم؟ دي نصابة.. دي جاية تسرقك وتسرق حق أختك الحقيقية بمساعدة عمك! فوق لنفسك!" ومن اللحظة دي قرر يلبس قناع القسوة ويوريها الويل عشان يدفعها تمن كدبها، بس كل ما بيشوف عيونها، القناع ده بيبدأ يتشقق.
(أيوة طبعا كلنا شاهدين إنك كنت قاسي خالص🙈)
"رجوع من الفلاش باك"
أدهم فاق من ذكرياته على صوت نفس جميلة الهادي وهي غرقانة في النوم. مد إيده ببطء شديد ولمس خصلة من شعرها كانت نازلة على وشها ورجعها ورا ودنها.
اتنهد تنهيدة قوية وشدد قبضته على الدركسيون، وبص للطريق وهمس بصوت واطي وموجوع:
"ليا عندك حق يا جميلة..ذنبك إنك دخلتي عرين الأسد وانتي متعرفيش إني كاشف كدبك من أول يوم."
_______________________________
هدّي سرعة العربية وهو عينيه بتدور في كل ركن على الطريق، لحد ما لمحها.. كانت قاعدة على الرصيف، منكمشة على نفسها وضامة شنطتها لصدرها، وجسمها كله بيترعش من البرد والرعب.
نزل علي من العربية بسرعة وجري عليها، وبصوت مليان قلق همس باسمها:
"ياسمين"
رفعت عينيها اللي كانت غرقانة دموع، وأول ما شافته، شهقت شهقة مكتومة وكأن روحها ردت فيها. علي لاحظ ارتعاشة جسمها، ومن غير تردد قلع الجاكيت بتاعه وحاوطه على كتافها، وهز راسه ليها باطمئنان وهو بيمسك إيدها يطمنها، وقومها براحه، وشال شنطتها وركبوا لعربية.
مشي بالعربية لدقايق، وبعدين وقف في مكان هادي بعيد عن زحمة العربيات والدوشة. ساد السكوت جوه العربية، وعلي محبش يضغط عليها، فضل مستنيها لحد ما هي اللي تتكلم. وأخيراً، ياسمين نطقت بصوت مخنوق ومتقطع:
"أنا.. أنا قتلت أبويا."
علي فتح عينيه بصدمة وجمّدت الكلمات في حلقه، مكنش متوقع إن الموضوع يوصل لكدة.
ياسمين حاوطت جسمها بدراعاتها بخوف وهي بتهمس بكلمات مش مترابطة، بس المعنى وصل لعلي بكل قسوته:
"هو.. هو حاول يلمسني.. هو علطول بيبص لي بطريقة وحشة.. أنا بخاف منه أوي."
ياسمين مقدرتش تتحكم في نفسها أكتر، وانفجرت في بكاء مرير وصوت شهقاتها كان بيقطع القلب. علي سحب مناديل من العربية وداها لها، وتردد للحظة وهو شايفها بالحالة دي، بس مد إيده وطبطب على كتافها من فوق الجاكيت وهو بيقول بحنان:
"ممكن تهدي؟ اهدي عشان نقدر نتصرف.. أنا معاكي."
بدأت ياسمين تهدا شوية، وعلي بصلها بجدية:
"احكي لي إيه اللي حصل بالظبط؟"
ياسمين هزت راسها وبدأت تحكي له كل حاجة، من أول نظراته المقرفة ليها طول عمرها لحد اللي حصل النهاردة واللحظة اللي خبطته فيها بالفازة وهربت.
علي اتكى على فكه بغضب وعروق إيده ظهرت وقال بصوت غليظ:
"إزاي فيه أب كدة؟ ده مستحيل يكون بني آدم، ولا مستحيل يبقى أبوكي!"
ياسمين ردت ببكاء وشهقات تقطع القلب:
"أنا مليش حد.. وبعد اللي حصل ده خسرت الشخص الوحيد اللي كان ليا في الدنيا.. أنا ضعت خلاص."
علي رد عليها بغضب حقيقي بس مش منها، غضب على اللي حصل لها:
"ده ميتزعلش عليه، واللي عملتيه كان دفاع عن النفس.. إنتي معملتيش حاجة غلط."
ياسمين بصت له بلهفة وخوف:
"يعني.. يعني أنا ممكن متسجنش؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"
علي اتنهد وقال : محتاج أعرف الأول هو مات ولا لسه عايش، ود بطريقته الخاصة، بس المهم دلوقتي إنها ما ينفعش ترجع البيت خالص.
ياسمين سألت بحيرة ودموعها لسه نازلة:
"أمال أروح فين؟ أنا مليش حد أروح له."
علي سكت لثواني بيفكر في العواقب، وبعدين أخد قرار حاسم وقال:
"إنتي هتيجي تعيشي معايا في البيت."
ياسمين برقت من الصدمة والذهول، وبلعت ريقها وهي بتبصله من فوق لتحت بغضب لطيف .
على كمل كلامه بسرعة لما لاحظ ردفعلها:
"أنا مش عايش لوحدي.. خالتي مقيمة معايا في بيتي.. ، وأنا أغلب وقتي بكون في الشغل وساعات ببات بره.. يعني هتكوني في أمان، ومحدش هيعرف طريقك هنا."
ياسمين فضلت ساكتة وبتبص له بذهول، وبعد محاولات منه لإقناعها، وافقت بضعف لأنها فعلاً معندهاش بديل. دور العربية واتحرك بيها لبيته.
بعد ساعه
علي ركن العربية قدام عمارة في حي راقي وهادي، وبص لياسمين اللي كانت بتفرك إيديها بتوتر وقلق واضح على وشها، وقال بابتسامة هادية:
"وصلنا يا ياسمين..."
ياسمين بصت له وهي بتهته بضعف:
"هو.. هو أنا ممكن أطلب منك طلب؟"
علي رد بسرعة: "أكيد، اطلبي اللي إنتي عايزاه."
ياسمين عضت طرف شفتها اللي تحت بتوتر وقالت: "هو إنت ممكن تسّمعني صوت خالتك قبل ما نطلع فوق؟"
علي سكت لثواني بذهول، وبعدين انفجر في الضحك، وياسمين انكمشت في نفسها ومالت برقبتها بكسوف. علي هز راسه بابتسامة وهو مستعجب طيبتها وفطرتها، رغم كل اللي مرت بيه لسه عايزة تتأكد إنه مش بيضحك عليها وإنه فعلاً عايش مع خالته.
"حاضر يا ستي، هتصل بيها قدامك عشان تتأكدي إنها موجودة ومش بضحك عليكي."
علي طلع موبايله واتصل بخالته، ولحظات وجاله الرد بصوت ست واضحة ملامح طيبتها وحنيتها من نبرة صوتها:
"أيوة يا علي يا حبيبي، اتأخرت كدة ليه يا ضنايا؟ أنا مش عارفة أنام غير لما تيجي وأحطلك لقمة تأكلها."
علي كان بيراقب رد فعل ياسمين اللي ملامحها ارتخت تماماً وحست بارتياح كبير، ورد على خالته:
"حاضر يا خالتو، أنا جاي في الطريق بس متصل أعرفك إني معايا ضيوف."
خالته ردت بترحيب: "ماشي يا حبيبي، ضيوفك ينوروا ويشرفوا."
قفل علي الموبايل وبص لياسمين: "تمام كدة؟"
ياسمين هزت راسها بخجل وقالت بصوت رقيق: "تمام."
نزلوا من العربية، وياسمين كانت بتتلفت حواليها بتوجس، أول ما دخلوا البوابة البواب شافهم وقال بابتسامة:
"حمد الله على السلامة يا علي بيه..
ولما لاحظ وجود ياسمين قال بنبرة فضولية : "مين دي يا بيه، دي خطيبتك ولا ايه."؟"
علي بص لياسمين اللي اتصدمت ووشها بقى زي الطماطم، ورد بحدة مدارية:
"وحد الله يا عم محمد.. ودخلني العمارة انت مش هتبطل الفضول اللي فيك ده."
دخلوا الأسانسير، وياسمين سألت بتردد: " فكرت هتقول لخالتك أنا مين؟"
علي سكت شوية بيفكر، وبعدين قال: "أنا هقولها الحقيقة بس مش كلها.. هقولها إني خبطتك بالعربية ووديتك المستشفى وعرفت إنك عايشة لوحدك وملكيش حد، والدكتور قال إنك محتاجة راحة تامة وحد يهتم برجلك وعلاجك، فجبتك هنا عشان تكوني تحت عيني وهي تاخد بالها منك لحد ما نشوف هنعمل إيه."
ياسمين وافقت بهدوء، وخرجوا من الأسانسير وعلي فتح باب الشقة ودخل وهو شايل شنطة الهدوم اللي جابها لها.
وفجأة ظهرت ست في بداية الخمسينات، ملامحها بتفيض طيبة، جريت على علي وحضنته:
"حمد الله على سلامتك يا قلب خالتك، كل ده تأخير يا علي؟"
علي باس إيدها وقال: "معلش يا خالتي، حصلت ظروف."
خالته "منى" بصت للشنطة اللي في إيده باستغراب: "ظروف إيه؟ وإيه الشنطة دي؟ وإنت مش قولت جاي ضيوف، هما فين؟"
وفجأة عينيها جت على ياسمين اللي كانت واقفة عند الباب في منتهى الخجل والارتباك. منى سكتت وبصت لعلي باستغراب وسألت:
"مين دي يا علي؟"
بص علي لياسمين اللي كانت واقفة عند الباب وشها أحمر من الخجل، ورجع بص لخالته واللي اسمها منى وقال بنبرة هادية عشان يمهد للموضوع:
"دي الآنسة ياسمين يا خالتي، هي دي الضيفة اللي قولتلك عليها..."
منى سابت علي وقربت من ياسمين، وبصت لملامحها الرقيقة بإعجاب وطيبة وقالت:
"يا عيني يا بنتي، إنتي شكلك تعبانة أوي ليه كدة؟ تعالي يا حبيبتي ادخلي."
ياسمين دخلت بخطوات بطيئة وهي بتعرج، ومنى لاحظت فوراً وقالت بلهفة:
"يا خبر! رجلك مالها يا بنتي؟ إيه اللي حصل؟"
علي اتدخل بسرعة وقال بالسيناريو اللي اتفقوا عليه:
"ما هو ده اللي أخرني يا خالتي.. وأنا سايق خبطتها بالعربية غصب عني، وديتها المستشفى والدكتور طمني إنها كدمات شديدة بس لازم راحة تامة ومتمشيش عليها كتير. ولما عرفت إنها عايشة لوحدها وملهاش حد يراعيها في ظروفها دي، مقدرتش أسيبها، وجبتها هنا عشان تكون تحت رعاية إيدك الحنينة يا ست الكل لحد ما تخف."
منى لوت بوزها بحزن وقالت:
"يا حبيبتي يا بنتي! ملهاش حد؟ ولا يهمك يا علي، اعتبرني أمها من النهاردة. تعالي يا ياسمين يا حبيبتي ارتاحي على الكنبة دي عقبال ما أحضرلك لقمة ترم عضمك."
ياسمين بصت لعلي بنظرة شكر، وعلي غمز لها بعينه كأنه بيطمنها إن الخطة ماشية تمام.
علي حط الشنطة في الأوضة وخرج وقال:
"أنا هسيبكم بقى تتعرفوا على بعض، وهدخل أغير هدومي وأعمل كذا تليفون بخصوص الشغل.. خدي بالك منها يا خالتي."
ياسمين قعدت وهي حاسة لأول مرة من سنين بدفء البيت والعيله ،إحساس اتحرمت منه طول عمرها، بس قلبها لسه مقبوض من فكرة منصور اللي سابته غرقان في دمه، يا تري عايش ولا مات ...؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
فتحت جميلة عينيها ببطء على صوت مواء لقطة. قامت فجأة بخوف وهي بتدور بعنيها عن مصدر الصوت، قلبها كان بيدق بسرعة لأنها مش متعودة على أجواء الشاليه لسه.
قامت من السرير ولبست الروب فوق فستان النوم اللي كانت لابساه، وخرجت من أوضتها وهي ماسكة عصاية خشبية كانت مركونة في الركن، بتدور بحذر وخوف وتهمس:
"بسبس.. فيه قطة هنا؟ يلهوي، هو أدهم مقفلش باب الشاليه امبارح ولا إيه؟"
فضلت تدور لحد ما ملقتش حاجة، رمت العصاية بتنهيدة ارتياح وسندت بضهرها على باب خشبي لغرفة كانت مقفولة. بصت قدامها بذهول وانبهار؛ لأول مرة تشوف منظر البحر مباشرة .. امبارح وصلوا الشاليه بالليل والدنيا كانت ضلمة، لكن دلوقتي الشمس كانت بتعكس نورها على المية الزرقاء في مشهد يسحر.
شمت ريحة الهوا المحمل باليود بابتسامة وهي مغمضة عينيها، وفجأة، محستش بنفسها غير وهي بتقع لورا لما الباب اللي كانت ساندة عليه اتفتح فجأة!
قبل ما تلمس الأرض، كانت فيه إيد صلبة وقوية محاوطاها من خصرها ومنعاها من الوقوع. رفعت عينيها بخوف ولقت نفسها شبه محبوسة في حضنه.. كان أدهم.
هيئته كانت مختلفة تماماً عن اللي بتشوفه كل يوم بالبدلة الرسمية. كان لسه صاحي من النوم، شعره الفحمي الناعم متمرد ونازل على جبهته بطريقة جذابة جداً، ولابس فنلة سودا كت كانت بارزة جسمه الرياضي وقوته.
جميلة تاهت في ملامحه القريبة منها أوي دي، وقالت بتوتر وتلعثم وهي مش عارفة تبعد عينيها عنه:
"القطة.. مشوفتش القطة؟"
أدهم ضيق حواجبه باستغراب، ونبرة صوته كانت محشرجة ومنخفضة من أثر النوم:
"قطة إيه؟"
جميلة بلعت ريقها بصعوبة، وحست بحرارة في وشها، فجأة استوعبت الوضع وبعدت عنه خطوة وهي بتعدل الروب:
"أصل.. أصل صحيت على صوت نونوة قطة جوه، فكنت بدور عليها.. افتكرت الباب كان مفتوح."
أدهم بص للباب المفتوح وبعدين رجع بص لها:
"تقريباً باب الشاليه اتفتح بليل من الهوا.. هبقى أجيب له ترباس النهاردة عشان مفيش حاجة تدخل."
وفجأة، نظرات أدهم اتغيرت.. عينيه نزلت على لبسها، واستوعب إن الروب كان شبه مفتوح وفستان النوم اللي تحته باين. بلع ريقه وحس بتوتر مفاجئ، وجميلة أول ما لاحظت نظراته اللي اتثبتت عليها، شهقت بخجل وقفلت رباط الروب بإيد بتترعش ووشها بقى أحمر زي الدم.
أدهم حمحم بجدية وهو بيحاول يستعيد قناعه الصارم ويهرب من الموقف:
"طيب.. يلا عشان نفطر، أنا جعان جداً ومأكلتش حاجة من امبارح. هلبس بسرعة وأروح أجيب أكل للفطار من برا."
جميلة ردت وهي بتبص للأرض من كسوفها:
"تمام.. وأنا هروح أصحي يزن."
أدهم هز راسه بالموافقة وهو لسه بيحاول يشتت نظراته عنها، ودخل أوضته يقفل الباب وراه بسرعة وهو حاسس إن نبضات قلبه بقت مسموعه.
غيرت هدومها بسرعة ولبست حاجة مريحة، وراحت لأوضة يزن. بدأت تصحيه بهدوء وهي بتمسح على شعره: "يزن.. حبيبي.. يلا قوم عشان نفطر على البحر."
يزن فتح عينه بكسل وابتسم أول ما شافها: "جميلة.. إحنا بجد وصلنا؟ أنا عايز أنزل المية دلوقتي!"
جميلة ضحكت: "نفطر الأول وبعدين ننزل، بابا راح يجيب الفطار."
خرجت جميلة مع يزن للصالة، لقت أدهم خرج وكان لابس تيشيرت أبيض وبنطلون جينز بسيط، وشعره لسه متمرد على جبينه بس شكله كان يجنن. بص ليزن وقال: "صباح الفل يا بطل، نص ساعة وهكون هنا بالفطار، مش عايز شقاوة."
أدهم خرج، وجميلة فضلت واقفة بتبص لأثره، حاسة إن السفرية دي هتكون أصعب مما تخيلت، مش بس بسبب كدبتها، لكن بسبب مشاعرها اللي بدأت تخرج عن السيطرة.
__________________________________
ياسمين كانت واقفة في المطبخ مع منى، الجو كان هادي ومليان بريحة الفطار اللي بيتحضر. منى بصت لياسمين بحنان وقالت:
"يا حبيبتي روحي اقعدي ارتاحي بقا عشان رجلك متتعبش أكتر."
ياسمين ردت برقة وهي بتبتسم:
"يا طنط والله أنا كويسة، وحابة أساعدك بجد."
منى لوت بوزها بإعجاب:
"يلهوي على جمالك ورقتك يا بنتي! علي عنده حق يخاف تقعدي لوحدك عشان يجيبك هنا."
ياسمين وشها احمر وخفضت عينيها بخجل وقالت:
"طيب أنا بعمل فول بطماطم تحفة، إيه رأيك أجهزه أنا للفطار؟"
منى استسلمت وضحكت:
"هقول إيه؟ اعملي اللي إنتي عايزاه، الكلام مش نافع معاكي.. هسيبك تعملي الفول عقبال ما أجيب باقي الحاجات من برا."
خرجت منى، وياسمين بدأت تجهز الفول بحماس. كانت مندمجة جداً، خصلة من شعرها نزلت على عينيها فرفعت راسها بضيق وهي بتبعدها بإيدها اللي فيها آثار تقطيع الطماطم. كانت بتقطع الطماطم والفلفل الأخضر وبتحضر التوابل وهي بتدندن بصوت واطي.
في اللحظة دي، علي كان لسه صاحي، خرج من أوضته وهو بيفرك عينيه بنوم وشعره نازل على عينيه بتمرد. دخل المطبخ وهو مش واخد باله إن فيه حد جوه، كان عايز يشرب مية.
فتح الثلاجة وبدأ يشرب بعطش وهو لسه بنص عين، مكنش لابس تيشرت، وجسمه الضخم المليان عضلات من أثر التمارين العنيفه كان باين بوضوح، ولابس شورت بيتي فوق الركبة.
ياسمين خلصت تقطيع ولفت عشان تدور على التوابل، وفجأة اتصنمت مكانها! شهقت بصدمة لما شافت العملاق اللي واقف قدامها بالمنظر ده. علي أول ما سمع الشهقة، نزل الإزازة فوراً وبص ناحية الصوت.
اتقابلت عينيهم؛ ياسمين حطت إيديها على بوقها بصدمة، وعينيها كانت مبرقة بخجل وارتباك مش طبيعي، وعلي اتسمر مكانه لما استوعب إنه نسي تماماً إنها في البيت.
علي بارتباك وهو بيبص حواليه بتوتر، ومش عارف يداري جسمه بإيه:
"أنا.. أنا آسف والله! أنا نسيت خالص إنك هنا.. بجد حقك عليا."
ياسمين لفت وشها بسرعة وحطت إيديها على عينيها، وعلي جرى بأقصى سرعة على أوضته وهو وشه قايد نار من الكسوف. في اللحظة دي دخلت منى المطبخ وهي شايلة حاجات، وشافت علي وهو بيجري ناحية أوضته:
"مالك يا ابني بتجري كدة ليه؟ هو فيه عفريت وراك؟"
بصت لياسمين اللي كانت لسه واقفة مخبية وشها، وفهمت اللي حصل فوراً. منى ضحكت وهزت راسها:
"معلش يا حبيبتي، تلاقيه نسي إنك معانا في البيت وخرج من أوضته بلبس النوم..
وكملت كلامها :"كذا مرة أقوله مينامش عريان كدة عشان ميبردش، بس هو راسه ناشفة."
(حضرتك بتقولي إيه يا طنط انتي جيتي تكحليها عمتيها)
ياسمين غمضت عينيها بخجل أكتر وعملت نفسها مشغولة في الأكل وهي مش عارفة تودي وشها فين من الإحراج.
بعد شوية، كانوا قاعدين على السفرة. علي خرج بعد ما لبس تيشرت كحلي نص كم وبنطلون أسود، قعد على الكرسي وهو منزل عينه في الأرض. رفع نظره لياسمين بإحراج، وعينيهم جت في عين بعض لجزء من الثانية، ياسمين نزلت عينيها بسرعة في طبقها.
منى كانت متابعة النظرات بابتسامة خبيثة وسعيدة، ودعت في سرها .
علي بدأ ياكل وهو بيحاول يلطف الجو:
"امممم.. الفول ده تحفة! تسلم إيدك يا خالتو."
منى غمزت له بخبث:
"بالهنا يا حبيبي.. بس ده مش عمايل إيدي، دي ياسمين اللي عملته، اشكرها هي."
علي بص لياسمين بتوتر وإعجاب مداري:
"تسلم إيدك يا ياسمين.. بجد طعمه يجنن."
ياسمين هزت راسها بخجل وردت بصوت رقيق ومنخفض: "بالهنا والشفا."
قامت منى وقالت: "أنا هقوم بقا أعملنا شاي بلبن ."وسابتهم لوحدهم والجو كان مشحون بالتوتر.
__________________________________
على الشاطئ
أدهم كان قاعد على الرمل، بيعمل هو ويزن قلعة من الرمل بتركيز . الجو كان هادي، وصوت تلاطم الموج بيعمل موسيقى مريحة للأعصاب.
أدهم حس بضل شخص وقف وراهم، لف بجذعه ببطء عشان يشوف مين، وفي اللحظة دي عينيه اتفتحت على آخرهم وبلع ريقه بصعوبة. جميلة كانت واقفة وراه، لابسة مايوه لونه تركواز ساحر، قطعة واحدة بكتف واحد عليه خطين متضادين مكملين لغاية آخر ظهرها اللي كان باين منه جزء بسيط ومغري، المايوه كان مرسوم على جسمها وكأنه قطعة منها. كانت رابطة كاش مايوه عبارة عن طرحة باللون الأزرق الفاتح الشفاف حول وسطها لغاية ركبتها، الهوا كان بيطير أطرافها فبتبين جمال رجليها.
أدهم فضل متنح لثواني، مبهور بالهيئة دي اللي كانت خاطفة للأنفاس ومزيج بين الرقة والجاذبية، قبل ما يستوعب نفسه ويعدل قعدته.
جميلة قعدت جنبهم على الرمل بهدوء وقالت بابتسامة:
"واو.. إيه المبنى الجميل ده؟"
يزن صرخ بفرحة وهو بيشاور على الكومة الرملية:
"شوفتي يا جميلة؟ أنا اللي عملت القلعة دي!"
أدهم رفع حاجبه بغضب مصطنع :
"والله؟ وأنا مكنتش بعمل حاجة يعني؟"
يزن رد وهو مشغول بيحط آخر لمسات الرمل:
"ماشي يا بابا.. إنت ساعدتني شوية، بس أنا المهندس!"
أدهم اتنهد وبص قدامه للبحر.. المنظر كان يجنن؛ المية الزرقاء الصافية مع الرغاوي البيضاء الهادية، والشمس كانت دافية لدرجة إنها خلت المية تلمع كأنها مرصعة بالألماظ.
فجأة يزن سقف بإيديه الصغيرتين بمرح:
"هيييه.. أنا خلصت القلعة، وكتبت أسامينا كمان!"
أدهم وجميلة لفوا براسهم للرمل عشان يشوفوا يزن عمل إيه.. يزن كان حافر تحت القلعة تلات أشكال لأشخاص، الأطول فيهم مكتوب فوقه "أدهم"، وفي النص شخص قصير مكتوب فوقه "يزن"، وجنبهم من الناحية التانية مكتوب "جميلة".
جميلة بصت للرمل وعينيها لمعت بدموع خفيفة من لمسة يزن البريئة، وبصت لأدهم لقت نظراته مثبتة عليها.. نظرة كانت تايهة بين كونه عارف إنها نصابة وبين قلبه اللي كان عايز يصدق إن اللوحة اللي يزن رسمها دي هي الحقيقة الوحيدة في حياته.
أدهم مد إيده وبدأ يمسح الرمل عن إيد يزن وقال بصوت هادي ومختلف:
"عاشت إيدك يا بطل.. دي أهم قلعة بنيناها في حياتنا."
ضحك بفرحة وبص لجميلة: "شفتي يا جميلة؟ بابا عجبته!"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
جميلة مالت على يزن وباست خده: "طبعاً هتعجبه، دي أجمل قلعة شفتها في حياتي، وإنت مهندس جامد يا يزونة."
أدهم كان بيراقب المشهد ده بصمت، الهوا طير خصلة من شعر جميلة ولمست وشه غصب عنه، شمة ريحتها اللي كانت شبه الورد البلدي.
_______________________________
في مكان تاني
كان واقف قدام شباك قزاز كبير في فيلا هادية في أمريكا، الضلمة برا كانت بتعكس صورته على القزاز.. ملامحه اللي غزاها الشيب، وعينيه اللي باين فيها حزن سنين طويلة. كان ماسك الموبايل في إيده، وباصص لصورة أدهم وهو لابس بدلة رسمية في واحدة من المجلات الاقتصادية، وصورة تانية قديمة أوي لـ طفلة رضيعه .
كان بيتأمل ملامحه بفخر ممزوج بوجع، وفجأة حس بإيد حنينة بتتحط على كتفه. كانت نادية، مراته التانية اللي عاشت معاه سنين الغربة. نادية اتنهدت لما شافت الصورة وقالت بنبرة هادية:
"طالما واحشك أوي كدة يا محمود.. ليه مش راضي ننزل مصر؟ بقالك سنين بنهرب من السؤال ده."
محمود نزل الموبايل وحطه على المكتب، ولف لها وهو بيهز راسه بأسى:
"قولتلك مية مرة يا نادية، مينفعش. رجوعي دلوقتي هيبوظ كل اللي أدهم بيعمله. أنا عارف ابني، هو دلوقتي بيبني إمبراطورية وبيحاول يكبر اسم السويسي بطريقته.. لو رجعت، الخطر عليه هيكون أكبر بكثير، وإبراهيم مش هيسكت."
نادية قربت منه وبصت في عينيه:
"بس أنت أبوه.. وأنت الوحيد اللي هتعرف تحميه من غدر عمه. أدهم شايل شيلة تقيلة لوحده.. مش كفاية وجع لحد كدة؟"
محمود غمض عينيه بقوة وكأنه بيطرد ذكريات مؤلمة، ورد بصوت مخنوق:
"لازم أستنى شوية.. إبراهيم لو شم خبر إني لسه عايش، هيحرق الأخضر واليابس وهيحاول يقتلني تاني. أنا مأمن أدهم من بعيد، ومعين ناس بتوصلي الأخبار أول بأول.. بس اللحظة اللي هظهر فيها، لازم تكون هي اللحظة اللي هكسر فيها إبراهيم للأبد."
_____________________________
ياسمين كانت شايلة فنجان القهوة بحذر، وخرجت للبلكونة بخطوات هادية وهي بتحاول متضغطش على رجلها المصابة. علي كان ساند ضهره على السور وباصص للسما بسرحان، ملامحه كانت هادية بس فيها تقل وتفكير كتير.
قربت منه ومدت إيدها بالفنجان:
"اتفضل.. القهوة."
علي لف وشه لها ومد إيده عشان ياخد الفنجان، وفي اللحظة دي إيديهم لمست بعض. وبسبب سخونة الفنجان، إيد علي ضغطت على إيد ياسمين بتلقائية عشان ميتدلقش
(ماتحطي ياختي الفنجان في طبق ولا هو أي محن وخلاص)
فضلوا متثبتين لثواني. ياسمين جسمها اتنفض وشرارة غريبة سرت في كيانها كله، رفعت عينها ولقيت علي باصص في عيونها بنظرة كانت بتحكي مشاعر هي مش فاهمة معناها بس هزتها من جوه.
ياسمين اتكسفت جداً وسحبت إيدها بسرعة ورجعت خطوة لورا وهي وشها أحمر:
"أنا.. أنا أسفة، الفنجان سخن بس."
علي حمحم بجدية وهو بيحاول يداري ارتباكه، وخد رشفة من القهوة:
"احم.. شكراً، تسلم إيدك."
ياسمين ردت بابتسامة رقيقة وخجل: "بالهنا والشفا."
علي سكت شوية وهو بيحاول يرجع لهدوءه، وقرر يفتح الموضوع المهم اللي كان شاغل باله:
"ياسمين.."
رفعت عينيها بتوتر: "نعم؟"
"أنا وصلت للي حصل لأبوكي."
ياسمين بلعت ريقها بخوف، وكأن الذكريات المرعبة هجمت عليها تاني: "عرفت إيه؟ هو.. هو مات؟"
علي كمل بنبرة هادية عشان يطمنها:
"حد من جيرانكم خبط ومحدش فتح، ولما كسروا الباب لقوه واقع على الأرض والدم حواليه، نقلوه المستشفى بس لسه مفاقش ودخل في غيبوبة."
ياسمين رمشت بعينيها بحزن غريب؛ كانت خايفة بس مكسورة وموجوعة، قالت بصوت مخنوق:
"أنا لسه مش حاسة إني زعلانة.. رغم إني هروح في داهية لو مات، بس كنت عايزاه يموت عشان أرتاح من كابوسه."
علي بصلها بقوة وثبات:
"أنا قولتلك الأب اللي زي ده ميتزعلش عليه.. وبعدين متقلقيش، طالما مماتش يبقى كويس، وهو مستحيل يقول كلمة عنك لأن ساعتها هو اللي هيروح في داهية باللي حاول يعمله. متخافيش يا ياسمين.. أنا معاكي ومش هسيبك."
ياسمين بصتله بابتسامة امتنان، وحست لأول مرة إن فيه ضهر وسند بجد في حياتها:
"أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا أستاذ علي.. إنت مش مضطر ولا مجبور تعمل معايا كل ده."
علي ابتسم، وبانت غمازته بوضوح رغم دقنه الخفيفة المغطية عليها، ملامحه كانت جذابة أوي في اللحظة دي:
"أنا فعلاً مش مجبور.. أنا عايز أساعدك، مش عارف ليه بس.. خليها للوقت يمكن أعرف."
ياسمين اتنهدت وقالت بمحاولة لتغيير الموضوع:
"هو إنت مش المفروض وراك شغل صح؟"
علي رد ببرود وهو باصص للفراغ:
"أيوة، بس مديري في الشغل مسافر يتفسح يومين، يعني يعتبر أنا في إجازة."
في اللحظة دي علي افتكر أدهم.. افتكر إنه كل ما أدهم كان بيسافر، علي بيبقى هو اللي مأمنه وماشي وراه في كل خطوة. بس المرة دي، علي اختار إنه يكذب على أدهم، ويدعي إن وراه مأمورية تانية مهمة عشان ميسيبش ياسمين لوحدها.
__________________________________
أدهم كان واقف على رمال الشط، عينه متثبتة على سواد البحر اللي ملوش آخر، وصوت الموج العالي كان هو الوحيد اللي قادر يغطي على صراع الأفكار اللي جوه دماغه. كان لابس قميص أبيض فاتح أول زرارين منه، والهواء الشديد كان بيلعب بشعره وبيطير أطراف القميص.
كان حاسس بتقل غريب في صدره، صراع بينه وبين نفسه.. صراع بين عقله اللي عارف إن البنت دي نصابة وجاية بتمثيلية من عمه عشان تسرق ورث أخته، وبين قلبه اللي لمس في عينيها براءة ووجع حقيقي خلاه مش قادر يكرهها زي ما كان ناوي.
غمض عينه وهو بيستنشق هواء البحر، وفجأة.. شم ريحة ورد رقيقة جداً، ريحة هادية وساحرة خطفت أنفاسه وسط ريحة اليود. فتح عينه ببطء ولف بجسمه يشوف مصدر الريحه، واتسمر مكانه.
جميلة كانت جاية ناحيته. كانت لابسة فستان أبيض رقيق جداً، قماشته خفيفة بتتطاير مع كل نسمة هواء وواصل لحد ركبتها. الفستان كان له حزام تريكو رقيق حدد خصرها المنحوت، وسايبة شعرها الفحمي مفرود على كتافها بيتحرك بحرية.
ملامحها الملائكية كانت ظاهرة بوضوح تحت ضوء القمر؛ كحل خفيف برز وسع وعمق عينيها العسلي، وروج أحمر جرئ كسر براءة الأبيض اللي لابساه واداها أنوثة طاغية.
قربت منه وهي بترجع خصلة متمردة ورا ودنها، وقالت بصوت رقيق يدوب الحجر:
"واقف لوحدك ليه؟"
أدهم بلع ريقه بصعوبة، وحس إن نبضه بدأ يتسارع بشكل مش طبيعي. حاول يخشن صوته اللي راح تماماً من أثر الصدمة والجمال اللي قدامه، ورد بجمود مصطنع:
"بحب أقف قدام البحر بالليل.. بيفكرني بحاجات كتير."
جميلة وقفت جنبه، وسرحت في الموج وهي بتقول بتنهيدة طويلة:
"تعرف.. دي أول مرة في حياتي أشوف فيها البحر بجد؟"
أدهم عقد حواجبه وبصلها باستغراب:
"أول مرة؟ يعني منزلتيش البحر قبل كدة خالص؟"
هزت راسها بنفي وهي لسه باصة للموج:
"لأ.. كان حلم بعيد أوي، والنهاردة بس حسيت إني قادرة ألمسه."
أدهم في لحظة جنون مفاجئة، وبدون أي مقدمات، قرب منها ونبرة صوته اتغيرت تماماً وبقت عميقة وداكنة:
"خلاص.. يبقى دي تكون أول مرة."
جميلة ملحقتش تستوعب الكلمة، وفجأة صرخت صرخة مكتومة لما لقت نفسها طايرة بين إيدين أدهم. شالها بخفة وكأنها ريشه، واتوجه بيها ناحية البحر.
جميلة بدأت تهز رجليها بخوف وهي متبتة في قميصه:
"أدهم! لأ وحياتي.. أدهم نزلني أنا بخاف!"
أدهم بصلها وعينه كانت مأسورة في عيونها، ونطق بكلمة واحدة هزت كيانها:
"أنا معاكي.. متخافيش."
جميلة استسلمت تماماً، وحاوطت رقبته بإيديها وهي بتدفن راسها في كتفه من الخوف. أدهم غمض عينه لثانية وهو حاسس بقربها، وكمل مشي في المية لحد ما الموج غطى رجله كلها، ونزلها براحة وسط المية الهادية.
أول ما رجليها لمست المية، ضحكت بطفولة وفرحة، وبدأت تحرك رجليها وهي بتقول:
"الله! الإحساس ده حلو أوووي!"
وطت ولمست المية بإيدها، وفجأة.. رشت المية في وش أدهم بضحكة شقية. أدهم اتفاجئ وضحك هو كمان، وبدأ يمرر كف إيده على المية ويرشها عليها.
الضحك زاد، وهدوم أدهم اتبلت والقميص لزق على عضلات جسمه، وجميلة كانت بتجري منه في المية وهي بتطلع لسانها بتحدي:
"مش هتمسكني يا أدهم! مش هتمسكني!"
في ثانية، أدهم كان لف إيده وحاوط وسطها، والايد التانية كتف إيديها ورا ظهرها وهو بيقربها منه أوي عشان يثبت حركتها. جميلة لقت نفسها محبوسة في حضنه، ووشه قريب منها لدرجة إن أنفاسه الحارة كانت بتخبط في وشها.
سكتت الضحكات، ومفضلش غير صوت الموج وأنفاسهم العالية. بصت في عينه الحادة الفحمية بتوهان، وأدهم في اللحظة دي فقد سيطرته على كل حصونه.. مشاعره اللي كان كابتها انفجرت، وبدون وعي، قرب منها ونسي العالم ونسي كدبها، ونسي كل حاجة إلا إنها بين إيديه.
بعد شويه، أدهم بعد عنها ببطء وهو بيتنفس بصعوبة. جميلة ووشها كان أحمر فتحت عينيها بصدمة لما فاقت من مشاعرها، مكنتش مستوعبة اللي حصل ولا هي عملت كدة إزاي. والأهم أدهم عمل كده ازاي وهي المفروض أخته ...
من غير ولا كلمة، لفت وجريت بأقصى سرعة ناحية الشاليه، وسابت أدهم واقف في نص المية ....
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أدهم قفل شنطة العربية بقوة لدرجة إن يزن اتنفض مكانه. يزن كان واقف،عينيه مليانة دموع مش فاهم ليه الفسحة خلصت فجأة، وليه الجو الجميل اللي كان بينهم على البحر اتحول لكتلة تلج في ثواني.
أدهم ركب العربية ومسك الدريكسيون بإيده البي مفاصلها باينه من كتر الضغط، وبص لجميلة اللي كانت قاعدة جنبه.. كانت عاملة زي التمثال، عينيها مثبتة على الطريق قدامها، وإيديها الاتنين متبتين في حزام الأمان. الهدوء اللي كان بينهم مكنش هدوء راحة أبدًا .
أدهم دور العربية واتحرك بأقصى سرعة، وكأنه بيهرب من المكان اللي شافه فيه أضعف لحظاته. الطريق كان طويل، ومحدش فيهم نطق بكلمة واحدة. يزن نام ورا من كتر التعب والحزن، ومفضلش غير صوت الموتور وصوت أنفاسهم المكتومة.
أدهم كان بيخطف نظرات لجميلة بطرف عينه؛ كان شايف وشها الشاحب، وشفايفها اللي بتترعش كل ما تفتكر اللي حصل بينهم على البحر. كان بيلعن نفسه إنه سمح لمشاعره تقوده.
بعد ساعات من الصمت القاتل، دخلت العربية حدود القاهرة. الزحمة والضوضاء بدأت ترجعهم للواقع المر. أدهم كسر الصمت فجأة وبصوت رخيم وبارد: "أنا هروح الشركه انزلوا انتو ."
جميلة معلقتش، والتزمت الصمت ونزلت من العربيه ومعاها يزن ،ودخلوا من باب القصر ..وأدهم تابع دخولهم للقصر بعنين ثابته زي الصقر، وبعدها دور العربية وانطلق بأقصى سرعه على الشركة.
________________________________
بخطوات تقيلة ورزينة، وقف علي قدام المراية بيظبط لياقة قميصه الأبيض وبيلبس چاكت البدلة الرسمية. راجع يستكمل شغله بسبب رجوع أدهم.
علي وهو بيلم حاجته وبيستعد يخرج من باب الشقة، وقف فجأة وجسمه اتصنم في مكانه.. لما صوت رقيق نادى عليه بخفوت:
"أستاذ علي.."
بلع ريقه بصعوبة، وحس إن نبضات قلبه بدأت تدق في ودنه من مجرد سماع اسمه بلهجتها دي. لف ببطء، لقاها واقفة عند طرف الممر، ساندة بضعفها الرقيق على الحيطة وعينيها بتلمع بخجل وارتباك. كانت بتبص له بنظرة فيها خوف من اللي جاي، وفي نفس الوقت فيها أمان غريب مش لاقية غيره معاه.
قالت له بصوت ناعم ومتردد:
"في رعاية الله.."
علي عض على شفايفه وغمض عينه لثانية واحدة بياخد نفس عميق.. الكلمة هزته من جوه. دي جايه تودعه قبل ما يخرج. في اللحظة دي، علي كان هيروح يضمها لحد ما تختفي بين ضلوعه القوية، عايز يخبيها من الدنيا كلها.
تمالك نفسه بصعوبة، ورسم على وشه ابتامة هادية ومطمئنة، ورد بصوت رجولي دافي:
"لا إله إلا الله.. خلي بالك من نفسك يا ياسمين.خدي علاجك في المواعيد بتاعته، وخالتو معاكي لو عوزتي أي حاجة.. تليفوني في إيدك، رنة واحدة وهتلاقيني قدامك."
ياسمين هزت راسها بابتسامة خجولة، وعلي خرج وقفل الباب وراه وهو حاسس إن قلبه اتنسى جوه الشقة.
________________________________
أدهم كان قاعد ورا مكتبه الفخم، عينه مركزة في نقطة وهمية قدامه، وملامحه كانت خالية من أي تعبير، بس جواه كان فيه صراع شغال زي النار. دخل علي بهدوء، وقال بصوت واثق:
"حمد الله على السلامة يا فندم.."
أدهم مرفعش عينه، بس رد بصوت هادي ومكتوم:
"تعالى يا علي.. ادخل."
علي قرب ووقف قدام المكتب، وأدهم كمل كلامه من غير مقدمات:
"عايزك تجهز أوراق الورث المزورة يا علي.. في أسرع وقت."
علي استغرب جداً، وملامح الدهشة ظهرت على وشه، لإن الخطة كانت مختلفة تماماً. سأل باستغراب:
"دلوقتي يا فندم؟ بس إحنا كنا متفقين إننا هنماطل ونأجل موضوع الورث ده لحد ما نجيب آخر إبراهيم ، وفي الآخر مش هنديهم مليم.. ليه الاستعجال ده؟"
أدهم غمض عينه بقوة للحظة، وكأن مشهد البحر بيتكرر قدامه، ورد بصوت أبحّ:
"لأنها بدأت تشك فيا يا علي.. اللعبة بدأت تنكشف."
علي عقد حواجبه وسأل بفضول:
"وتشك ليه؟ إنت مقصرتش في دور الأخ معاها أبداً."
أدهم لف بالكرسي بنظرة كلها لوم لنفسه :
"لأني عملت معاها حاجة مينفعش تحصل بين الإخوات..، واللحظة دي خلتها تبص لي بنظرة خوف وعدم فهم.. هي دلوقتي عارفة إن فيه حاجة غلط."
علي حمحم بإحراج شديد ونزل عينه الأرض. فهم فوراً إن أدهم مشاعره غلبته في الساحل، وإن جميلة سحرته لدرجة إنه نسي الخطة ونسي إنها قدام الناس أخته.
سكت علي ثواني عشان يمتص الصدمة، وبعدين رجع لبروده المهني ورد:
"تمام يا فندم.. هجهز الورق في أسرع وقت وهيكون تحت إيدك، بس لازم نكون حذرين، إبراهيم عينه زي الصقر ومش هيسيب الورق يعدي من تحت إيده بسهولة."
أدهم هز راسه بجمود: "مش مهم إبراهيم.. المهم نخلص من الكدبة دي قبل ما تحرقنا كلنا."
علي كان لسه واقف، وفجأة سأل أدهم سؤال كان شاغل باله:
"طيب وجميلة يا فندم؟ ناوي تعمل فيها إيه بعد ما اللعبة تنتهي؟"
أدهم ملامحه اتحولت لقناع من القسوة، وعينيه بقت زي الجمر المشتعل. بص لعلي ونبرة صوته بقت مرعبة، أبرد من التلج وأحدّ من السكينة
"؟ هربيها على ايدي.. هعرفها إزاي تفكر تدوس برجلها في قصر السويسي وهي شايلة كدبة بالحجم ده. هخليها تتمنى الموت كل لحظة وماتطولهوش، عشان تبقى عبرة لأي حد يفكر يلعب بديله مع أدهم السويسي."
_______________________________
جميلة كانت لسه خارجة من الحمام، ريحة الصابون والورد طالعة منها، وشعرها الطويل مبلول ومنقط على الروب الأبيض اللي لافّاه حوالين جسمها. قعدت على الكرسي قدام التسريحة، وبدأت تسرح شعرها بهدوء، بس حركتها كانت آلية.. عقلها كان في مكان تاني خالص.
فجأة، وبدون وعي، المشط وقف في إيدها.. رفعت صوابعها المرتعشة ولمست شفايفها برقة، وغمضت عينيها وهي بتسترجع كل لحظة من إمبارح. شمت ريحة البحر، وحست ببرودة المية، ودفء أنفاس أدهم اللي كانت بتحرق وشها.
سألت نفسها بهمس.
"إزاي يلمسني ويقرب مني كدة وهو فاكرني أخته؟ أدهم مش بالأخلاق دي.. أدهم السويسي اللي الكل بيعمله ألف حساب، مستحيل يغلط غلطة زي دي في حق عرضه.."
فتحت عينيها فجأة، وبرقت بصدمة وهي بتبص لنفسها في المراية. فكرة مرعبة خطرت على بالها خلت جسمها يتنفض بالكامل. سابت المشط من إيدها، ووقع على الأرض وعمل صوت رن في هدوء الأوضة.
"معقولة؟ معقولة يكون كشفني؟"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بدأت تربط الخيوط ببعضها.. نظراته الحادة اللي كانت بتخترقها، وقربه المجنون اللي كان مليان رغبة ممزوجة بتحدي، وكأنه بيقولها "أنا عارف إنتي مين".
قلبها بدأ يدق بعنف، وحست إن الأوكسجين قل في الأوضة.
"لو كان كشفني فعلاً.. يبقى وجودي في القصر ده بمثابة حكم إعدام ممكن يتنفذ في أي لحظة."
سندت راسها بين إيديها بحيرة وهي بتغوص في دوامة من الأسئلة: "طيب لو كشفني فعلاً.. ليه رجعني القصر؟ كان ممكن يبلغ عني ويحبسني، أو يرميني في الشارع .. ليه لسه بيتعامل معايا على إني ياسمين؟"
رجعت بصت لصورته اللي في خيالها، وعقلها عجز يلاقي تفسير: "هل هو بيلعب بيا زي ما أنا بلعب بيه؟ ولا قربه ده كان غلطة هو نفسه مش فاهمها؟"
اتنهدت باستسلام وهي مش فاهمة إيه اللي بيدور في دماغ أدهم السويسي، وهل السكوت اللي هو فيه ده سكوت ندمه ، ولا سكوت لصياد اللي مستني اللحظة الصح عشان يطبق على فريسته؟
_____________________________
خرج من المستشفى وهو حاسس إن جبال الدنيا كلها فوق كتافه. ركب عربيته وفضل خابط إيده في الدريكسيون بغيظ؛ صورة منصور وهو مرمي على السرير بضعف كانت بتحرق دمه، كان نفسه يخلص عليه ويريح ياسمين من كابوسه للأبد، بس القانون والواقع كانوا مكتفين إيده.
بدأ يكلم نفسه بصوت واطي ومخنوق:
"لو فاق يا ياسمين.. لو فاق وطالب بيكي، هعمل إيه؟ القانون في صفه، ومنصور مش هيسكت، ده هيفضح الدنيا عشان يذلك ويرجعك تحت رجله
علي دخل الشقة، رمى مفاتيحه على الترابيزة وقعد في الصالة بتقل، ساند راسه بين إيديه وشارد في الفراغ. ملامحه كانت شايلة هموم بلد، وصورة منصور في المستشفى مش راضية تغيب عن عينه.
خالته خرجت من المطبخ، بصت لوشه المخطوف وقربت منه بحنان:
"مالك يا ضنايا؟ وشك مضايق ليه كدة؟ فيه حاجة حصلت؟"
علي اتنهد تنهيدة طويلة وطلع سيجارة ولعها:
"مشاكل في الشغل يا خالتو.. الدنيا متلخبطة فوق راسي.
خالته طبطبت على كتفه ودعت له بقلب صافي:
"ربنا يصلح حالك يا بني، ويهديلك العاصي، ويكفيك شر خلقه.. قوم اغسل وغير هدومك وشك وارتاح شوية، هروح أحضرلك لقمة ترم عضمك."
أول ما خالته دخلت المطبخ، ياسمين خرجت من أوضتها بخطوات هادية، كانت مراقبة الموقف من بعيد. قربت وقعدت على طرف الكرسي اللي قدامه، عينيها كانت بتلمع بقلق واضح:
"أستاذ علي.. حضرتك كويس."
علي رفع عينه فيها، وفضل ساكت ثواني، بس مقدرش يخبي عليها أكتر من كدة:
"أنا كنت في المستشفى يا ياسمين.. عند منصور."
ياسمين جسمها اتنفض وأنفاسها تسارعت:
"حصله حاجة؟ فاق؟"
علي هز راسه بأسى:
"فاق.. بس دخل في غيبوبة تانية. الدكتور بيقول إنها مسألة وقت، بس المشكلة مش هنا.. المشكلة إني خايف، خايف اللحظة اللي هيفوق فيها ويفتح عينه، القانون ساعتها هيكون في صفه هو.. أبوكي من حقه ياخدك، وأنا ماليش أي صفة تخليني أمنعه، وده اللي هيموتني."
ياسمين دموعها نزلت غصب عنها، وصوتها طلع مخنوق بالرعب:
"ياخدني؟ يعني هيرجع يذلني تاني.. أرجوك يا علي.. أنا أموت نفسي ولا إني أرجع تحت إيده ثانية واحدة."
علي قام وقف وقرب منها، مسك إيديها اللي كانت بترتعش بين إيديه، وقال بنبرة قوية ومليانة وعد صادق:
"اششش.. اهدي خالص. أنا مش بحكيلك عشان أخوفك، أنا بعرفك عشان نكون مستعدين. ياسمين، أنا هصرف.. هخبيكي في مكان ميخطرش على بال جن ولا إنس، هبعدك عن القاهرة كلها لو لزم الأمر. منصور ده مش هيلمس شعرة منك طول ما أنا فيا نفس، فاهمة؟"
ياسمين بصت في عينه، ولأول مرة حست إن الخوف بدأ يهدى شوية قدام الثبات اللي في صوته:
"إنت هتقدر تعمل كدة فعلاً؟"
علي ابتسم ابتسامة صادقة:
"أنا ممكن أهد الدنيا وابنيها تاني عشان خاطرك.. ثقي فيا."
_______________________________
تاني يوم في مكت أدهم
أدهم كان قاعد ورا مكتبه، الإضاءة خافتة وما فيش صوت في الأوضة غير طقطقة الساعة اللي على الحيطة وصوت أنفاسه المكتومة. كان بيحاول يركز في الملفات اللي قدامه، بس كل ما عينه تيجي على سطر، يشوف صورتها
أدهم نفخ بضيق ورمى القلم من إيده بعنف على المكتب، سند ضهره لورا وغمض عينه بقوة وهو بيحاول يطرد صورتها من خياله. افتكر لما رجع القصر إمبارح متأخر جداً، والنهاردة خرج بدري قبل ما تصحى عشان بس يتجنب إنه يشوفها أو عينه تيجي في عينها.
كان حاسس إنه بيهرب من نفسه قبل ما يهرب منها؛ مش قادر يواجهها بعد لحظة الضعف اللي هزت كيانه . طول الوقت كان بيمثل قدام نفسه إنه بيكرهها، وإنه مستحمل وجودها عشان يجاري إبراهيم في لعبته، لكن اللحظة اللي قرب فيها منها كشفت المستور، وأثبتت له إن جواه بركان مشاعر تانية خالص.. مشاعر بتنسيه هو مين، وبتهد كل الأسوار اللي بناها سنين
قطع شروده خبط هادي على الباب. أدهم عدل قعدته ورجع لبروده المعتاد:
"ادخل يا علي."
علي دخل وبان عليه الإرهاق من قلة النوم بسبب التفكير، . أدهم لاحظ ده، لكن سأله بلهجة عملية:
"عملت إيه في موضوع الورق؟"
علي حط الحقيبة بتاعته على المكتب ورد:
"كله تمام يا فندم. واحد من حبايبنا اللي ليهم يد في السجل بيظبط الدنيا، بس قالي إنه محتاج وقت شوية عشان يقدر يطلع الورق كأنه حقيقي مية في المية، ومحدش يقدر يشك فيه ولا حتى إبراهيم بيه."
أدهم هز راسه بجمود وهو باصص لورقة قدامه:
"تمام.. خليه ياخد وقته، المهم النتيجة تكون مضمونة."
سكت أدهم لحظة، وبعدين رفع عينه ولقى علي لسه واقف مكانه وسرحان في نقطة في الفراغ، حاجة مش من عوايد علي اللي دايماً حاضر الذهن. أدهم ضيق عينيه وسأله بنبرة فيها اهتمام حقيقي:
"مالك يا علي؟ مش عوايدك السرحان ده وأنا بكلمك."
علي انتبه وحاول يبتسم بتكلف: "لا مفيش حاجة يا فندم، شوية تعب بس."
أدهم قام من ورا مكتبه وقرب منه، حط إيده على كتفه وقال بصوت واطي وواثق:
"علي.. إنت عارف إنك مش مجرد البادي جارد بتاعي، ولا حتى المساعد.. إنت صاحبي ودراعي اليمين. ولو فيه حاجة شاغلة بالك أو تعباك، أنا موجود."
علي اتنهد تنهيدة طويلة، وحس إن الحمل زاد عليه، قعد على الكرسي قصاد أدهم وقال بصوت مهزوز:
"فيه موضوع محيرني يا أدهم بيه.. ولأول مرة في حياتي مش عارف أتصرف إزاي، ولا عارف الصح فين."
أدهم سحب كرسي وقعد قصاده بتركيز: "احكيلي يا علي.. يمكن أقدر أساعدك."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بدأ علي يحكي، وصوته فيه نبرة هيام ،وهو بيفتكر أول ليلة شافها فيها. عينه كانت بتلمع وهو بيرسم لأدهم تفاصيل اللحظة اللي خبطها فيها بالعربية، وإزاي جسمها الضعيف كان مرمي قدامه زي العصفور المكسور.
حكى له عن الظروف اللي عاشتها، وعن القسوة اللي شافتها من أقرب الناس ليها. كمل حكايتها لحد ما وصل للقرار اللي خده بإنه يجيبها بيته عشان يحميها من جبروت أبوها، واعترف لأدهم بخوفه الحقيقي؛ إنه مش بس خايف عليها، ده مرعوب من اللحظة اللي منصور ممكن يظهر فيها ويطالب بحقه فيها وياخدها منه غصب، ويرجعها للجحيم اللي هربت منه.
أدهم كان بيسمع وصوته ساكت تماماً، لكن عينيه كانت بتقرأ علي اللي لأول مرة يشوفه مكسور ومحمل بهمّ مش همه، وعرف إن الحكاية مقتصرتش على مجرد جدعنه، دي بقت قصة روح اتعلق بها علي ومبقاش قادر يتخيل حياته من غيرها.
أدهم ضيق اللي بين حواجبه وسأله بشك: "عايشين مع بعض لوحدكوا؟"
علي رد بسرعة ونفى بإيده: "لأ طبعاً، إنت عارفني كويس. خالتي عايشة معايا وهي اللي واخدة بالها منها وبتهتم بعلاجها."
أدهم اتنهد بتفكير وسكت شوية، وبعدين بص لعلي وقال بلهجة قاطعة:
"بص يا علي.. مفيش حل يحمي البنت دي من أبوها، ويمنع إنه يطالب بيها قانوناً أو يرجعها لذله، غير إنها تكون على عصمة راجل يحميها.. وتبقى على اسمه."
علي اتصدم من الكلمة، وبص قدامه بتفكير عميق وسكت تماماً. الفكرة كانت بتدور في دماغه بس سماعها من أدهم خلّت الموضوع حقيقة لازم يواجهها.
أدهم كمل وهو بيراقب رد فعل صاحبه:
"فكر يا علي.. الجواز ده هو اللي هيخليك تكسر عين أبوها، وهو اللي هيديك الحق تمنعه يلمس شعره واحده منها.
_________________________________
فتح باب الشقة بمفاتيحُه ودخل وهو سرحان، خطواته كانت تقيلة وعقله كان شغال مبيفصلش في كلام أدهم. قعدوا يتعشوا، وعلي كان بيقلب في الأكل من غير ما ياكل، عينه كانت بتسرح في الفراغ وتثبت على ياسمين لثواني وبعدين يهرب بنظره.
ياسمين كانت ملاحظة كل ده، قلبها كان واجعها عليه؛ هي شايفة الراجل اللي أنقذها وحماها بقاله فترة مهموم، وشايلة ذنب إنها السبب في كسر هدوء حياته.
بعد العشا، علي انسحب كعادته ووقف في البلكونة، المكان اللي بيهرب فيه عشان يوزن أموره. الهوا كان بارد شوية، بس هو مكنش حاسس غير بنار التفكير. فجأة، حس بحركة وراه، لف ولقى ياسمين داخلة بوفاء وهي ماسكة فنجان القهوة بإيد بتترعش بسيط.
علي ابتسم بضعف وخده منها:
"تسلم إيدك يا ياسمين.. تعبتي نفسك ليه."
ياسمين فضلت واقفة، مخرجتش زي كل مرة. فركت إيدها في بعضها وقالت بصوت واطي ومخلوق:
"أستاذ علي.. أنا قررت إني لازم أمشي."
الفنجان كاد يقع من إيد علي من الصدمة، بص لها بعيون مبرقة وسألها بلهفة:
"تمشي؟ تمشي تروحي فين؟ حد ضايقك هنا؟ خالتي قالت لك حاجة؟"
ياسمين نفت بسرعة وعينيها بدأت تلمع بالدموع:
"لأ والله.. طنط دي شالتني فوق راسها، وإنت عاملتني أحسن معاملة.. أنا حاسة إني وسط أهلي فعلاً، بس..."
سكتت لحظة ونزلت راسها في الأرض وكملت بحزن:
"بس أنا سحلتك في مشاكلي يا علي.. إنت مش مضطر تستحمل كل ده، ولا مضطر تشيل همي وهم والمشاكل اللي بتلاحقني. إنت من ساعة ما دخلت حياتك وإنت دايماً مهموم ومش بتضحك.. بسببي."
علي اتنهد تنهيدة طويلة، حط فنجان القهوة على سور البلكونة وقرب منها خطوة. بص في عينيها بصدق وقال بصوت هادي ودافي:
"مين قالك إن همي بسببك؟ بالعكس.. وجودك هو الحاجة الوحيدة اللي مصبراني على اللي بشوفه برا.
وكمل :بس فعلاً فيه حل واحد، ولو حصل.. وقتها مش هكون مهموم خالص"
ياسمين بصت له بحيرة وعدم فهم، وسألت ببراءة:
"حل إيه؟"
علي سكت ثانية، أخد نفس عميق وكأنه بيستجمع كل شجاعته، وقال بنبرة هادية بس قاطعة:
"نتجوز ....."
الكلمة نزلت على ياسمين كأنها صاعقة، سكتت تماماً وجسمها اتصلب، عينيها وسعت وهي بتبص له ومش مصدقة اللي سمعته. علي مسبش ليها فرصة للصدمة وكمل بجدية:
"ده الحل الوحيد عشان أكسر عين منصور، وعشان أبقى الراجل اللي من حقه يقفل عليكي باب ويقول مفيش مخلوق يقدر يمسك.. هتبقي حرمي وعلى اسمي، وهحميكي من الدنيا كلها ... تتجوزيني يا ياسمين ؟......
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ياسمين فضلت واقفة مكانها زي التمثال، الكلمة لسه بترن في ودنها " نتجوز؟ ".
علي كمل :
"ده الحل الوحيد يا ياسمين عشان أقدر يبقى ليا حق أحميكي من أبوكي، وأقفل عليكي الباب بصفتي جوزك.. لازم تبقي حرمي ومكتوبة على اسمي."
ياسمين ضمت شفايفها بخجل فطري، وفركت إيديها بارتباك وهي مش قادرة ترفع عينها فيه.
علي قرب منها خطوات بسيطة، وبنبرة هادية ومطمئنة قال:
"أنا عارف إنك محتارة، وإنا بقالنا يدوب يومين نعرف بعض وماتعرفيش عني كل حاجة.. بس أوعدك إني هحميكي بروحي. ولو فيه حاجة معينة عايزة تعرفيها عني عشان تبقي متطمنة، قوليلي وأنا هعرفك كل حاجة."
ياسمين هزت راسها بخجل، وقالت بصوت واطي وموتر:
"بس.. مش المفروض إنت اللي تقول الكلام ده، ولا المفروض تحسسني إنك بتتحايل عليا عشان تتجوزني
كملت وهي بصاله .. أنا اللي المفروض أكون بترجاك تنقذني وتتجوزني بعد كل اللي عملته عشاني."
علي بلع ريقه بصعوبة، وحس بدقات قلبه بقت في السما من فرط السعادة والدهشة، سألها بعدم فهم وهو بيحاول يستوعب:
"يعني.. يعني إيه؟ إنتي موافقة؟"
ياسمين دورت وشها الناحية التانية، ومالت برقبتها على كتفها بخجل يخطف القلب، وهي لسه ضامة شفايفها بكسوف فطري رقيق. علي أخيراً خرج النفس اللي كان حابسه في صدره، وقال بصدق:
"صدقيني، لو هضحي بروحي في سبيل تكوني مرتاحة ومبسوطة مش هتردد ثانية واحدة."
وبعدين حمحم بجدية وحاول يسيطر على فرحته عشان يطمنها، وبدأ يحكي لها عن نفسه:
"أعتقد من حقك تعرفي شوية معلومات عني.. أولاً أنا يتيم زي ما إنتي عارفة، وماليش في الدنيا غير خالتي منى. أنا خريج تجارة إنجلش، واشتغلت شوية في المجال بس مرتحتش، كنت بلاقي نفسي أكتر في الجيم والتمارين.. ووقتها اتعرفت على أدهم السويسي، وده أشهر رجل أعمال في القاهرة، واشتغلت البادي جارد بتاعه والمساعد الشخصي.. مرتبي كويس جداً الحمد لله، والشقة دي ملكي اشتريتها من سنتين وجبت خالتي تعيش معايا فيها."
وفجأة، علي فتح عينه بذهول وكأنه افتكر مصيبة، وضرب كف على كف:
"يا لهوي! ده أنا نسيت خالتي تماماً، المفروض أعرفها إني هتجوزك!"
وجري دخل على جوه وهو بينادي عليها "يا خالتو.. يا منمن!"،
وياسمين كانت ماشية وراه وهي بتضحك بكسوف من جنانه.
في الصالة
منى خرجت من المطبخ مفزوعة: "في إيه يا علي؟ البيت بيولع ولا إيه ؟"
علي مسك إيد خالته وهو بيضحك زي العيل الصغير:
"البيت هيولع من الفرحة يا خالة.. ياسمين وافقت! أنا هتجوز ياسمين!"
منى بصت لياسمين اللي كانت واقفة وشها زي الطماطم، وبعدين زغرطت زغروطة ملأت الشقة:
"يا ألف نهار أبيض! أخيراً يا علي هشوفك عريس؟!"
منى فتحت دراعاتها وحضنت ياسمين بقوة، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي من زمان. ياسمين ارتمت في حضنها وهي حاسة لأول مرة بالدفا والأمان اللي انحرمت منهم، ودموع الفرحة نزلت من عينيها.
منى بعدت عنها شوية ومسكت وشها بين إيديها وقالت بحنان:
"والله يا بنتي، أنا من أول ما دخلتي البيت ده وأنا حاسة إنك بنتي اللي ما خلفتهاش.. قلبي انفتح لك وكأني عارفاكي من سنين. علي ابني، وأنا عارفة نقاوة قلبه، ومش هيلاقي عروسة أحسن ولا أجمل منك تصون بيته وتملى حياته."
ياسمين بكسوف: "ربنا يخليكي ليا يا طنط، أنا اللي مكنتش أحلم بربع اللي عملتوه معايا."
علي كان واقف بيتفرج عليهم والابتسامة مش مفارقة وشه، حاسس إن جبل انزاح من فوق صدره.
_________________________________
أدهم رجع القصر كعادته من وقت اللي حصل، متأخر عشان يضمن إنه ميشوفهاش، دخل بخطوات رتيبة، صدى جزمته على الرخام كان بيدي إنذار لجميلة اللي كانت واقفة ورا باب جناحها، مستنياه بلهفة وخوف. حاولت تشوفه من خرم الباب، وضربات قلبها زادت لما لمحته ماشي في الطرقة تجاه جناحه.
و فجأة.. بلعت ريقها بخوف لما شافته بيلف ونظره موجه لباب جناحها، وشهقت برعب لما لقته متوجه ناحية جناحها، جريت بسرعة ناحية سريرها وفي ثواني كانت متغطية ومغمضة عينيها.
خبط خبطتين ولما موصلوش الرد فتح الباب.. اتنهد وهو بيتأملها، هو جه بس عشان يتطمن عليها وقرر يخرج، لكنه لاحظ حركة البطانية على صدرها بتترفع وتنزل بسبب أنفاسها السريعة. ابتسم ابتسامة من زاوية فمه وقرب من سريرها بخطوات بطيئة.
غمضت عينيها بقوة وهي حاسة بقلبها هيخرج من قفصها الصدري لما حست بظله قريب منها.. وأدهم قرب لدرجة إن أنفاسه الساخنة كانت بتخبط في وشها. ضمت شفايفها بارتباك لما حست بملمس صوابعه الخشنة على خدها الناعم وهو بيحرك إبهامه بشكل دائري على خدها.
زاد توترها لما قرب أكتر لدرجة إن مبقاش يفصل بينهم غير بعض السنتيمترات، وفجأة نفخ في وشها بخفة!
فتحت عينيها بخضة من أثر الحركة، واتفاجأت بيه بيبصلها بنظرات فيها مزيج من الخبث والشوق.
أدهم بنبرة هادية:
"بتمثلي ليه إنك نايمة؟"
قالت بتوتر وهي بتحاول تقوم تقعد:
"أنا.. أنا فعلاً كنت نايمة بس قلقت لما دخلت."
منعها تقوم وفضل مثبت جسمه قريب منها وما زال وشه قريب من وشها:
"اممم.. بأمارة إنك كنتي بتراقبيني من ورا الباب؟"
فتحت عينيها بخجل لما كشفها، وهو كمل:
"صوت خطوات رجلك وأنتِ بتجري فضحتك."
معرفتش ترد، مش بس لأنها مش لاقية إجابة، لكن بسبب قربه اللي وترها وأنفاسه اللي بتخبط في بشرتها كأنها سهام نار بتحرق كيانها. أدهم فضل مثبت عينيه في عينيها، وما زال بيرسم دوائر وهمية بإبهامه على خدها وزاوية فمها، جميلة همهمت بهمس مسموع،
لكن أدهم قطع اللحظة دي وهو بيقول بصوت أجش:
"جميلة ..انسي اللي حصل في الساحل ."
جميلة اتصدمت من الجملة، وحست كأن مية ساقعة اتدلقت عليها. أدهم كمل وهو بيقوم من مكانه ببرود مصطنع عشان يداري ضعفه:
"اللي حصل هناك كان لحظة جنون مش هتتكرر.. إنتي أختي.. وأنا أخوكي. وأي حاجة تانية غير كدة هي طريق لجهنم ليّا وليكي."
قام واداها ضهره، وهي فضلت قاعدة على السرير بتبص لـ طيفه بوجع وحيرة، مش عارفة هل هو فعلاً مصدق إنها أخته ولا بيعاقب نفسه وعايز يقتلع المشاعر دي من جذورها؟
_______________________________
في صباح يوم جديد، صحي علي بنشاط غريب وحماس مكنش حاسس بيه من سنين. أخد شاور في حمام غرفته، ووقف قدام المراية يختار هدومه؛ ولأول مرة يقرر يبعد عن البدلة والقميص واللوك الكلاسيك اللي فرضه عليه شغله.
اختار هودي رصاصي، وعليه جاكيت جينز غامق، وبنطلون أسود.. خلاه يبان أصغر وفي قمة جاذبيته. سرح شعره البني الغزير وساب خصلات شعره الي فيها تجعيده خفيفه( ويڤي) تنزل على جبينه، ورش من البرفيوم الفخم بتاعه اللي ريحته كانت مالية الأوضة.
اتأمل نفسه في المراية بحيرة، وابتسامة خفيفة ارتسمت على وشه وهو بيقول لنفسه:
"يا ترى شكلي هيعجبها؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
خرج من أوضته اللي بتفتح مباشرة على الصالة، وبص حواليه باستغراب لما ملقاش حد، لكنه سمع صوت حركة في المطبخ. اتوجه لهناك بخطوات هادية، وابتسم لما لقاها واقفة مدياله ظهرها ومركزة في تقطيع الخضار. قرب منها ووقف وراها مباشرة، لدرجة إنها حست بظله غطاها.
ياسمين اتصنمت في مكانها، وقلبها بدأ يدق بسرعة قبل ما تسمع صوته الرخيم وهو بيقول بهمس جنب ودنها:
"صباح الخير يا خطيبتي."
لفت ياسمين بسرعة وبصتله بذهول واستغراب:
"خطيبتك؟"
علي رد بعفوية ممزوجة بسعادة مقدرش يداريها:
"آه.. مش كتب كتابنا النهاردة بالليل؟ يبقى إحنا دلوقتي في حكم المخطوبين."
ياسمين ضمت شفايفها بخجل ونزلت عينيها في الأرض وهي بتقول بصوت واطي:
"ماشي.."
علي حاول يغير الموضوع لما شاف خجلها اللي بيأثر فيه جداً، وبص حواليه وسألها:
"أمال خالتي فين؟"
ردت باستغراب وهي بتبص لمكان ما كانت منى واقفة:
"مش عارفة.. دي كانت واقفة معايا دلوقتي، مش عارفة راحت فين."
علي فجأة فتح عينه وابتسم بمكر، وهو بيحرك لسانه في خده من جوه بمكر
(أيوه هي نظرة حمدي الوزير )
، وقال بنبرة غزل:
"إيه ده؟ ممكن تكون نزلت تشتري حاجة.. يعني إحنا دلوقتي لوحدنا؟"
ياسمين بلعت ريقها بارتباك وهي شايفة نظراته اللي اتغيرت، ومكتفاش بالنظرات، ده بدأ يقرب منها خطوات وهي بدأت ترجع لورا بخوفد لحد ما ظهرها خبط في رخامة المطبخ. سألته بصوت مهزوز:
"علي.. إنت بتقرب كدة ليه؟"
علي همس بصوت رخيم وهو محاصرها بين إيديه والرخامة:
"تفتكري بقرب ليه؟ يعني أنا وإنتي.. والبيت فاضي."
ياسمين انكمشت في نفسها بتوتر وقالت بهمس:
"علي.."
علي حط كفه برقة على فمها وقال بحنان:
"ياسمين.. أنا بهزر، إنتي بجد خوفتي؟"
هزت راسها بارتباك واضح، وعلي لسه حاطط كفه على فمها وكمل وهو باصص في عينيها باطمئنان:
"أنا مستحيل أذيكي..
وبعدين كمل بمكر .. وبعدين أنا لو عايز أعمل حاجة، الأحسن أستنى لبليل.. بعد كتب الكتاب."
ياسمين اتصدمت من جراءته وتفكيره المنحرف، وبدأت تستكشف نسخة جديدة منه ماكنتش عارفاها. ولسه هترد، جه صوت منى فجأة وهي واقفة على باب المطبخ وبتبصلهم بطرف عينها:
"إنت كاتم نفس البت كدة ليه يلا؟ هتفطس في إيدك! دي بسكوتاية مش قدك."
علي بعد بسرعة البرق وحرك إيده على شعره بإحراج شديد وقال بلجلجة:
"احم.. خالتي! إنتي جيتي؟ إنتي كنتي فين؟"
منى ردت وهي شايلة سبت الغسيل:
"أنا مخرجتش أصلاً يا فالح.. أنا كنت بلم الغسيل من البلكونة ."
علي هز راسه وهو بيمشي بسرعة عشان يهرب:
" مخرجتيش ليه طيب.."
مشي وسابهم، فضلت منى واقفة تبص لياسمين اللي كانت لسه ساندة على الرخامة وبتحاول تنظم أنفاسها المخطوفة.ومنى هزت راسها وضحكت :
"الواد ده حاله اتشقلب خالص .. صحيح الحب ولّع في الدره!"
طلع موبايله وهو لسه بيضحك على المنظر اللي حصل في المطبخ، وطلب رقم أدهم. أول ما أدهم رد، علي قال بنبرة فيها حماس مش متعود عليه:
"صباح الخير يا أدهم بيه.. بقولك إيه، أنا النهاردة مش جاي المكتب، وماليش دعوة بأي شغل يخص السويسي جروب النهاردة خالص."
أدهم رد باستغراب ممزوج بسخرية:
"وده من إيه إن شاء الله؟ واخد إجازة وضع ولا إيه يا علي؟"
علي ضحك من قلبه وقال:
"يا عم إجازة إيه، أنا النهاردة كتب كتابي .. بليل المأذون هيكون عندي. وطبعاً مش محتاج أعزمك، إنت صاحب بيت بس بقولك عشان تعمل حسابك وما تلبسنيش في اجتماع مفاجئ."
أدهم سكت لحظة، ونبرة صوته اتغيرت وبقت أهدى وألطف، وكأنه فرح لصاحبه بجد:
"ألف مبروك يا علي.. ربنا يتملك على خير ،أكيد هاجي طبعا. "
________________________________
أدهم دخل القصر بخطوات واثقة . أول ما دخل الصالة الكبيرة، لقى جميلة قاعدة مع يزن على السجاد، فارشين كراسات الرسم والألوان، وصوت ضحكهم مالي المكان.
أدهم وقف بعيد شوية، اتسحبت على وشه ابتسامة وهو شايف يزن ميت من الضحك وجميلة بتشخبط له على ورقة وبتهزر معاه.
يزن لمح أدهم فجأة، صرخ بفرحة: "بابا!" وجري عليه بكل قوته، حضن رجله لأنه مش طايله، أدهم ضحك وشاله رفعه لفوق وحضنه بحب أبوي صافي، كأنه ابنه مش أخوه الصغير.
جميلة فضلت قاعدة مكانها، بتراقب المشهد ده بتنهيدة حزن مكتومة. كانت حاسة إن أيامها في القصر ده معدودة، ونفسها تسيب ذكرى حلوة عند يزن، كانت بتقعد معاه كتير عشان لما تمشي يفتكرها بالخير، حتى لو أدهم حاول يشوه صورتها قدامه بعدين.
فاقت من أفكارها على صوت أدهم الرخيم وهو بيسألها:
"جميلة.. سرحانة في إيه؟"
هزت راسها بسرعة ونفت: "ها؟ لا مفيش حاجة.. كنت بكمل الرسمة مع يزن."
يزن نزل من حضن أدهم وجري جاب الكراسة بفخر: "بص يا بابا أنا وجميلة رسمنا كل الرسومات دي." أدهم بص للرسومات وقال: "حلوين أوي يا حبيبي." وفجأة، نبرة صوته اتغيرت وبقت جادة، وبص لجميلة وقال بلهجة آمرة:
"جميلة.. عايزك فوق."
جميلة جسمها اتنفض، وحست بقلبها وقع في رجليها من التغير المفاجئ ده. سألت بتوتر: "في إيه يا أدهم؟"
أدهم رد بزهق وهو بيفك زرار قميصه: "مسمعتيش؟ بقولك عايزك فوق في الجناح.. حالاً."
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
جميلة بلعت ريقها بخوف، وبدأت الأفكار السودا تهاجمها "يا ترى عرف حاجة؟ يا ترى هيواجهني؟". سألت تاني بضعف: "أيوه عايزني في إيه طيب؟"
أدهم قرب منها ومسك إيديها بقبضة قوية ومسيطرة، وشدها وراه وهو طالع السلالم، وقال ليزن وهو ماشي: "كمل رسمك يا بطل."
جميلة كانت ماشية وراه بخطوات مهزوزة، وعينيها في ضهره وهي بتتخيل سيناريوهات مختلفة وكل سيناريو أسوء من اللي قبله. اتفاجئت إنه دخل بيها جناحها هي وقفل الباب، رجعت بخطوات مرتعشة لورا وأدهم بيقرب بخطوات بطيئة.
جميلة لقت نفسها خبطت في الحيطة وأدهم حاصرها، بصت له بصمت وعينيها بتلمع من الدموع، ظناً منها إنه كشفها، لكنه نطق جملة صدمتها، كانت كأنها دلو ماء ساقع اتدلق عليها:
"أنا رايح كتب كتاب واحد صاحبي، وعايزك تيجي معايا."
جميلة بصت له ببلاهة وما زالت مش مصدقة إن بعد كل ده، ده اللي عايز يقوله.
بعدت عنه بغيظ وقالت: "مش عايزة أروح."
أدهم رد بجمود: "مش بمزاجك، أنا قولت هتيجي معايا والكلام خلص. نص ساعة والاقيكي جهزتي."
مشى خطوتين ولكن رجع تاني وقال بابتسامة خفيفة ونبرة حنينة اللي يسمعها ميقولش ده اللي كان بالجدية دي:
"في فستان أسود كنتي جايباه يوم لما عملنا شوبينج.. ياريت ده اللي تلبسيه."
وسابها واقفة مبهوتة وباصة له ببلاهة من شخصيته اللي بتتغير كل دقيقة وخرج.
جميلة هزت راسها بذهول وهي بتقول:
"شيزوفرينيا.. عليا النعمة عنده شيزوفرينيا وف مراحله الأخيرة كمان!"
__________________________________
في المساء داخل غرفة علي
كانت منى واقفة قدامه بتعدل له جاكيت البدلة بلمسات مرتعشة، والدموع بتلمع في عينيها ببريق الفرحة. قالت بصوت مخنوق من التأثر:
"أنا مش مصدقة إن ربنا طوّل في عمري لحد ما أحضر يوم جوازك يا علي.. أنا خلاص، أموت وأنا مرتاحة."
علي مسك إيدها اللي كانت بتعدل له الكرافتة وباسها بحنان كبير وقال:
"بعد الشر عليكي يا حبيبتي، ربنا يطولي في عمرك.. إنتي أمي مش خالتي."
منى ردت وهي بتمسح دموعها بطرف طرحتها:
"أنا أول ست تبقى فرحانة إن ربنا حرمها من الجواز والخلفة، عشان يعوضني في الآخر بابن زيك يا علي."
علي حضنها بقوة وتأثر، هو فعلاً مبيحسش إنها خالته، هي كل أهله. خرجت من حضنه وهي بتبدل الحزن بزغروطة قوية هزت الأوضة:
"خلاص مفيش دموع تاني! يلا يا حبيبي عشان المأذون زمانه جاي، وكمان شوف عروستك جهزت ولا لسه."
وقف علي بتردد قصاد غرفتها، قلبه كان بيدق كأنه طبلة. خبط خبطتين، وجاه صوتها الرقيق يسمح له بالدخول. فتح الباب واتصنم مكانه، مبهور باللي شافه.
ياسمين كانت واقفة في نص الأوضة، لابسة فستان أبيض حريري طويل لحد الكاحل وتلت كم، بحزام لؤلؤي رقيق من عند الوسط، ومطرز من عند الصدر بفراشة من غرز بيضاء ناعمة. وسابت شعرها مفرود لحد كتفها، ولامة بعض الخصل ببنسة رقيقة على شكل فراشة، كأنها بتكمل لوحة الفراشات اللي على الفستان.
والميكب الخفيف اللي حطته أبرز ملامحها الرقيقة جداً.
بلع ريقه وهو بيقرب منها بخطوات بطيئة، كأنه مسحور. سألته هي بتردد:
"حلوة؟"
هز راسه بنفي وهو لسه تحت تأثير سحرها، ياسمين ضمت شفايفها بحزن وقالت:
"أنا قولتلك مش هعرف في كام ساعة أشتري فستان حلو، بس أنت اللي أصريت أطلبه أونلاين.. أكيد مبهدل عليا، وكمان أنا مش قد كدة في الميكب وووو...."
قطع كلامها لما رفع كفه وحطه على فمها برقة، فـ سكتت وبصتله بذهول، وكمل هو بنظرات هيام:
"أنا قصدي إنك مش بس حلوة.. كلمة حلوة دي بتظلم جمالك.. إنتي فاتنة يا ياسمين."
ابتسمت بخجل ومالت برقبتها على كتفها بكسوف فطري، رفع كف إيده عن فمها وهو بيرجع لورا خطوة بيستعرض بدلته اللي أصر يشتريها بعد الفطار:
"طيب.. وأنا؟ شكلي عريس؟"
ضحكت برقة وهي بتهز راسها بتأكيد؛ البدلة كانت مرسومة عليه بسبب جسمه الرياضي، واعترفت لنفسها إن اللبس الكلاسيك بيبرز هيبته أكتر بكتير من الكاجوال.
قطع اللحظة دي زغاريط منى وهي بتناديهم من برا: "المأذون وصل يا ولاد!"
بلع ريقه بتوتر وسألها: "جاهزة؟"
هزت راسها بتوتر غلبه الأمان: "جاهزة."
خرجوا للصالة، كان قاعد المأذون واتنين من قرايب علي من بعيد، وفجأة الباب اتفتح ودخل أدهم ووراه جميلة. أدهم بصوت واثق:
"أنا جيت."
علي قام وسلم عليه وحضنه أدهم بحب: "مبروك يا علي."
جميلة كانت واقفة متفاجئة، مكنتش تعرف إن ده كتب كتاب علي اللي قابلته أول مرة في الحارة وكانت فاكراه هو أدهم ،
علي هز لها علي راسه بترحيب: "أهلاً يا آنسة جميلة، نورتوا."
علي بابتسامة: "طبعاً يا خالتو إنتي عارفة أدهم بيه مديري وصاحبي، ودي جميلة أخته."
منى رحبت بيهم بحرارة: "أهلاً نورتي."
علي استكمل التقديم: "ياسمين.. ده أدهم بيه اللي حكيتلك عنه."
ياسمين ابتسمت بخجل وهزت راسها، رغم إن هيبة أدهم خضتها شوية،
وأدهم لقى نفسه بيسرح في ملامحها لثواني، وحس بإحساس غريب أول ما عينه جت في عينها، بس ابتسم لها بهدوء. وجميلة قربت باركت لها بكسوف: "ألف مبروك يا ياسمين."
ياسمين برقه :" الله يبارك فيكي ."
المأذون بدأ المقدمة بتاعته، وأخد البطايق الشخصية، وبص لياسمين وقال:
"هتوكلي حد يا بنتي؟"
ياسمين بصت لعلي بحزن والدموع لمعت في عينيها لأنها وحيدة وملهاش حد يوقف جنبها في لحظة زي دي. علي اتنهد بضيق لأنه حس بوجعها، ولسه هيتكلم، اتفاجئوا بصوت أدهم القاطع:
"أنا هبقى وكيلها."
الكل بصله باستغرب، وياسمين رفعت عينها ليه بذهول والدموع لسه فيها، مش مصدقة إن الراجل اللي لسه شايفاه من دقايق قرر يشيل مسؤوليتها قدام المأذون ......
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أدهم كرر جملته وهو بيبص لياسمين نظرة غريبه :
"أنا هبقى وكيل آنسة ياسمين.. لو هي موافقة طبعاً."
الكل بصله باستغراب، وعلي سأله بدهشة حقيقية:
"حضرتك يا أدهم بيه؟"
أدهم ماردش على علي، فضل مثبت نظره على ياسمين اللي كانت بتبص له بذهول ودموعها نازلة على خدها زي الشلال. قرب منها خطوات هادية وموزونة لحد ما وقف قصادها مباشرة، وقال بنبرة واطية بس مسموعة:
"لو آنسة ياسمين موافقة.. أنا يشرفني أكون في مقام والدها النهاردة."
ياسمين بصت لعلي وهي مش عارفة تقول إيه، لسانها اتلجم من المفاجأة. علي قرب منها وميل لمستواها وهمس لها:
"ياسمين.. موافقة أدهم بيه يكون وكيلك؟ لو مش موافقة عادي، إنتي ممكن تبقي وكيلة نفسك."
رفعت عينيها لأدهم اللي كان واقف مستني ردها، عيونهم اتلاقت لثواني معدودة، لكنها كانت كفاية تخلي ياسمين تحس برعشة غريبة في قلبها.
شافت في عينيه نظرة مريبة، كأنه بيترجاها توافق، وكأن الموقف ده يهمه هو شخصياً أكتر منها. هزت رأسها بموافقة وهي مش عارفة ليه عيونه أثرت فيها بالشكل ده، وليه مشدودة ليهم بالدرجة دي رغم إنها أول مرة تقابله.
أدهم قعد جنب المأذون من ناحية، والناحية التانية قعد علي. المأذون طلب منهم يحطوا إيديهم في إيدين بعض، وحط المنديل الأبيض عليهم وبدأ مراسم العقد. وفي دقايق، كان المأذون بيقول جملته الشهيرة اللي هزت كيان ياسمين:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.. بالرفاء والبنين."
زغروطة منى انطلقت في الشقة كلها
أدهم قام بهيبته المعتادة، ملامحه كانت هادية. مد إيده لعلي وسلم عليه بقوة وهو بيبتسم ابتسامة صافية نادراً ما بتظهر منه وقال:
"مبروك يا علي..."
علي رد بامتنان وهو بيضغط على إيد أدهم:
"الله يبارك فيك يا أدهم بيه، وقفتك دي دين في رقبتي ليوم الدين."
لف علي وبص لياسمين، وعينيه كانت بتلمع بهيام وفرحة مكنتش قادرة توصفها الكلمات. مسك إيدها بتملك كإنه بيثبت للعالم كله إنها ملكه. ياسمين وشها بقى جمرة نار من الكسوف ونزلت عينيها في الأرض، بس كانت حاسة لأول مرة في حياتها بأمان ملمستوش قبل كدة.
منى وشها نور بفرحة مش طبيعية، وقفت في نص الصالة وقالت بصوت عالي وهي بتمسح دموع الفرح:
"لا ده أنا مش هسيبكم كدة.. أنا هشغلكم الأغنية اللي كنت بغنيهالك يا علي يا حبيبي وأنت صغير ."
منى راحت شغلت الكاسيت، وطلعت أغنية "يامّا حمامي سرح" بصوتها الشعبي المبهج. منى مأكتفتش بكدة، راحت زقت علي ناحية ياسمين وهي بتضحك: "قوم يا عريس ارقص مع عروستك"
ياسمين كانت بتضحك بكسوف، علي مسك إيديها بحنان وبدأ يرقص معاها بهدوء، يرفع إيدها وهي في ايديه ويحركها في الهوا، وهو بيبصلها بنظرات كلها هيام:
"يامة حمامى سرح..
ويّا حمام الواد على
وطلعت له بمقشِّة.. ونزلت له بمقشِّة
ولقيت حمامة بتتمَّشى.. مع حمام الواد على"
علي قرب من ياسمين بمرح وهز كتافه ناحيتها وهو بيضحك، وياسمين ضحكتها طلعت من قلبها لأول مرة، وكأن الأغنية دي فكت كل التوتر اللي كان جواها:
"يامة حمامى اتخلط..
ويّا حمام الواد على
وطلعت له بالتوللي.. ونزلت له بالتوللي
واتلخبط وردي على فُلي.. ويا حمام الواد على"
ياسمين بتغني مع كلمات الأغنيه ،وهي بتشاور على علي بكسوف .وبتهز كتافها برقه ودلع:
: يامة حمامى اتخلط ، ويّا حمام الواد على
وطلعت له بتفاحة
ونزلت له بتفاحة
ولقيت حمامة فلاّحة
مع حمامة الواد على
وطلعت له بالكوسة
ونزلت له بالكوسة
ولقيت حمامة مدسوسة
مع حمام الواد على
- يامة حمامى اتخلط ، ويّا حمام الواد على.
الكل كان بيسقف وعلي مندمج في الرقص مع ياسمين، والأجواء كانت قمة في السعادة والدفا..
أدهم كان متابعهم بعنيه.. وجواه مشاعر مش عارف يفسرها..هو مبسوط وهو شافها مبسوطه ..لكن مش لاقي تفسير لمشاعره ناحيتها ؛ لأنها مش مشاعر راجل لواحدة ست عاجباه ..هو مش غيران مثلا انها بترقص مع علي.
وفي عز اللحظة دي، موبايل علي اللي كان محطوط على الترابيزة جنب أدهم بدأ يرن بحدة وورا بعضه. علي مكنش سامع ولا حاسس بأي حاجة غير ياسمين والأغنية، فأدهم مد إيده وأخد الموبايل. خرج للبلكونة بسرعة، ورجع وعينه بتدور على علي.
أدهم قرب من علي وهو لسه ماسك إيد ياسمين وبيرقص، وميل على ودنه وهمس بصوت واطي وواضح:
"علي.. المستشفى كلمتك .. منصور فاق."
ياسمين أول ما سمعت اسم منصور مسكت في دراع علي بخوف ووشها بقى لونه أصفر. علي ضمها ليه وقال لأدهم بتحدي وقوة:
"ياسمين بقت مراتي يا أدهم بيه، ومحدش له حق عندها.. أنا هروحله المستشفى دلوقتي."
علي طبطب على كتف ياسمين وباس راسها ، وهو بيطمنها بصوته الرخيم:
"ماتخافيش يا ياسمين..راجعلك، هروح بس أحط النقط على الحروف وأنهي الكابوس ده للأبد عشان نعيش حياتنا صح."
أدهم وعلي ومعاهم جميلة خرجوا من الشقة. أدهم طلب من السواق يرجّع جميلة القصر فوراً، وركب هو مع علي في عربيته واتوجهوا بأقصى سرعة للمستشفى..
بمجرد ما قفلوا الباب والضيوف والمأذون مشيوا، الشقة هديت فجأة، وبان الخوف والارتجاف على ياسمين اللي كانت لسه بفستان فرحها الأبيض بس قلبها كان بيتعصر من الرعب. قعدت على الكنبة وضمت نفسها، منى قربت منها بحنان وقعدت جنبها وأخدت إيدها بين إيديها:
"مالك يا بنتي؟ في إيه؟ أنا حاسة إن وراكي حمل جبال."
ياسمين بكت بانهيار، وبدأت تحكي لمنى كل حاجة؛ حكت عن قسوة منصور، وعن الليلة اللي هربت فيها وقابلت علي، وعن خوفها إن منصور يرجع يسيطر عليها تاني.
منى حضنتها بقوة ومسحت دموعها وهي بتواسيها:
"استهدي بالله يا بنتي.. علي راجل وسيد الرجالة، وعمره ما هيسيبك. ولا هيسمح لأبوكي إنه يلمس شعره منك، واعتبري اللي فات ده مات..، والخير كله جاي."
__________________________________
أدهم وعلي دخلوا الغرفة بخطوات ثابتة، صوت وقع أحذيتهم على الأرضية السيراميك كان هو الصوت الوحيد اللي كسر هدوء الممر. قفلوا الباب وراهم بالمفتاح، وحاصروا السرير اللي نايم عليه منصور، وراسه ملفوفة بالشاش الأبيض وعينيه بتتحرك بصعوبة من أثر الخبطة.
منصور بصلهم باستغراب وخوف وهو مش قادر يحدد ملامحهم بوضوح، وسأل بصوت مبحوح:
"انتوا مين؟ وعايزين مني إيه؟"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
علي قرب منه وعينيه بتطلع شرار، الغضب كان مسيطر عليه لدرجة إنه كان بيتنفس بصعوبة، وقال بصوت حازم:
"أنا علي.. جوز ياسمين."
منصور اتنفض وحاول يقعد رغم الوجع اللي في راسه، وبص لعلي بذهول:
"ياسمين؟ ياسمين مين يا جدع أنت؟ أنت اتجننت؟"
هنا اتقدم أدهم السويسي بخطواته المرعبة ووقف في مواجهة منصور مباشرة، وقال بنبرة مليانة احتقار:
"ياسمين بنتك.. ولا بلاش أقول بنتك، لأنك لو هي بنتك فعلاً مكنتش حاولت تعمل وساختك دي معاها.
هيبة أدهم ونبرة صوته خلته يتهته في الكلام ويحس بضعفه وهو مرمي على السرير:
"أنا.. أنا مش فاهم أنت بتتكلم عن إيه! وفين ياسمين بنتي؟ رجعوها لي!"
علي ضغط على فكه بقوة، وقرب من وش منصور لدرجة إن أنفاسه الغاضبة كانت بتحرق وش منصور، وقال بوعيد:
"أنت تنسى إن كان ليك في يوم بنت.. ياسمين خلاص اتمحت من حياتك، ومش هتشوف ظلها حتى. ولو فكرت مجرد تفكير إنك توصل لها، أنا هموتك بإيدي.. أنا حايش نفسي عنك بالعافية ومراعي إنك كنت في يوم أبوها، بس من اللحظة دي أنت ولا حاجة."
علي كمل وهو بيشاور على نفسه بتحدي:
"ياسمين دلوقتي بقت مراتي، ولو حاولت مجرد محاولة إنك تقرب من طرفها، هشرب من دمك يا منصور."
أدهم بص لمنصور بنظرة قرف وكأنه بيتعامل مع حشرة، وطلع محفظته ورمى مبلغ مالي على الطرابيزة اللي جنب السرير وقال ببرود قاتل:
"أنا هدفعلك فلوس المستشفى عشان ماتترميش في الشارع زي الكلب.. رغم إن ده مقامك، بس بنتك أنضف منك بكتير ومش عايزة تشيل ذنبك."
أدهم وعلي لفوا ضهرهم وخرجوا من الأوضة بكل كبرياء، وسابوا منصور وراهم مصدوم، باصص في الفراغ برعب وجسمه بيترعش.
_________________________________
علي دخل الشقة والهدوء كان سيد الموقف، بص في ساعته لقاها عدت 11 بالليل؛ اتنهد وهو بيظن إن خالتو منى وياسمين استسلموا للنوم بعد اليوم الطويل ده.
بدأ يقلع جاكيت البدلة بيطء، وفك زراير قميصه الأبيض بإرهاق وهو بيتحرك ناحية أوضته عشان ينام.
فتح الباب ودخل، لكنه اتصنّم مكانه والأنفاس انقطعت للحظة.. ياسمين كانت قاعدة على سريره، مستنياه.
ياسمين كانت غيرت فستان الفرح، ولابسة بيجامة ستان باللون الأزرق الملكي، ربع كم، ومزينة بالدانتيل الرقيق عند الصدر، مخلية بشرتها البيضاء تنور. أول ما شافته، قامت وقفت بارتباك، وعينيها غصب عنها جت على صدره وعضلاته البارزة بسبب زراير القميص المفتوحة، بلعت ريقها وسألته بصوت مهزوز:
"علي.. اتأخرت كدة ليه؟ "
علي فضل ساكت لثواني، عينه كانت بتتمشى على تفاصيلها بذهول، كأنه بيشوفها لأول مرة. ياسمين استغربت صمته وقربت خطوة وهي بتنادي عليه بصوت أعلى ظنا إنه مسمعش سؤالها : "علي؟"
هز راسه بسرعة وكأنه بيفوق من سحرها، وحاول يخشن صوته عشان يداري ارتباكه:
"احم.. ااا.. أنا روحت واتكلمت معاه، وخليته ينسى إن كان ليه بنت اسمها ياسمين تماماً."
قرب منها خطوات هادية، وعينيه مثبتة عليها بجرأة ومكر مبيظهروش غير معاها، وكمل بنبرة رجولية حاسمة:
"عشان إنتي دلوقتي بقيتي مراتي.. ملكي أنا بس."
سكت لحظة وهو بيبص حواليه في الأوضة وسألها بخبث: "بس إيه اللي مقعدك في أوضتي في وقت متأخر زي ده ؟"
ياسمين حاوطت نفسها بدراعاتها بتوتر، وقالت وهي بتبص في الأرض:
"أنا.. أنا كنت نايمة في أوضتي عادي، بس قولت أستناك هنا عشان اتأخرت أوي، وكنت عايزة أعرف عملت إيه ."
علي رسم ابتسامة نصر صغيرة على وشه، وقرب أكتر لحد ما بقى بيفصله عنها سنتيمترات، وهمس بمكر: "امممم.. ودلوقتي؟ عرفتي اللي حصل.. إيه اللي هيحصل بعد كدة؟"
ياسمين حست بقلبها هيخرج من مكانها، ومبقتش عارفة تودي عينيها فين من قربه، قالت بلجلجة:
"أنا.. أنا هخرج أروح أوضتي بقا.. تصبح على خير."
اتحركت بسرعة ناحية الباب اللي كان موارب، لكنها اتخضت لما لقت علي في ثانية بقى قدامها وحاصرها على الباب اللي قفله بإيده، وأنفاسه العالية كانت مسموعة في هدوء الأوضة.
"ياسمين.."
همهمت بصوت مكتوم وهي باصة للأرض: "نعم.."
علي رفع دقنها بإبهامه برقة، وأجبرها تبص في عينيه اللي كانت مليانة هيام وشوق، وقال بصوت رخيم:
"إنتي مش هتخرجي من أوضتي يا ياسمين."
ياسمين ضمت شفايفها بخجل وارتباك قاتل وسألته بضعف: "ليه؟"
علي قرب أكتر لدرجة إن جبهته لمست جبهتها، ومشاعره غلبته في اللحظة دي، وكأن كل تعبه وخوفه عليها طلع في كلمة واحدة: "عشان ده اللي المفروض يحصل.. وعشان أنا مش قادر أبعد أكتر من كدة."
وقبل ما ياسمين ترد، مشاعره جرفته وقرب منها بجنون، لكن ياسمين بشهقة مكتومة وانفاس متسارعة همست: "علي.. أرجوك.."
علي فجأة اتصلب مكان، وغمض عينيه بقوة، وبعد عنها واداها ضهره وهو بيحاول يتمالك أعصابه وأنفاسه اللي بقت زي النار
ونسي في لحظة إنها ممكن تكون لسه خايفة من اللي عاشته مع أبوها. قال بصوت مكسور ومليان أسف:
"أنا أسف.. أنا عارف إنك لسه مش متعودة عليا، وغصب عني.. تقدري تروحي أوضتك.. تصبحي على خير."
ثواني عدت والصمت بقى تقيل وموجع في الأوضة. علي كان لسه مديها ضهره ومستني يسمع صوت الباب بيتفتح ويتقفل وراها، لكنه اتصنم مكانه لما حس بجسمها الرقيق بيحاوط ضهره، وإيديها الصغيرة لفت حوالين وسطه، ودفنت راسها في قميصه من ورا بخجل، وأنفاسها السريعة كانت بتخترق القماش. وقالت بصوت واطي بس واثق:
"بس أنا مش خايفة يا علي.."
علي فتح عينيه بصدمة، ولف ليها بسرعة وهو مش مصدق، لقاها باصة له بخجل فطري بيسحر، لكن ملامحها مكنش فيها أي أثر للخوف.. كان فيها حب واستسلام كامل ليه.
هنا علي مقدرش يصبر ثانية كمان، وقرب منها بجنون وهو بيشيلها بين إيديه، وكأن العالم كله اختفى ومبقاش فيه غيرهم .
__________________________________
بزغ فجر يوم جديد، والشمس بدأت تتسلل بهدوء من بين ستائر الغرفة، وكأنها بتعلن عن بداية جديدة لحياة كل أبطالنا. فتح عينه بكسل وهو بيتمطع، والابتسامة مالية وشه، إحساس غريب وجميل بالراحة كان مالي قلبه لأول مرة من سنين.
بص جنبه وشاف ياسمين نايمة بعمق، ملامحها كانت هادية جداً وشعرها مبعثر على المخدة، كأنها طفلة لقت أمانها أخيراً. قرب منها وباس راسها بحب، ومشى إيده على خدها برقة، لكن فجأة موبايله رن وكسر اللحظة دي.
أخده بسرعة من على الكومودينو قبل ما صوت رنة الموبايل تزعجها وتصحى، وبص في الشاشة ورد بعد ما عرف هوية المتصل
رد بصوت واطي وهامس:
"أيوة.. ها إيه الأخبار؟"
جاله الصوت من الناحية التانية بلهجة عملية:
"كله تمام يا علي بيه.. الورق خلص ، تقدر تيجي تستلمه النهاردة."
علي اتنفس بعمق وقال:
"تمام.. أنا جايلك حالاً."
قفل المكالمة ونفخ بضيق، مكنش عايز يسيب ياسمين في أول صباح ليهم مع بعض، لكن ما باليد حيله ده شغله.
قام بسرعة، أخد شاور سريع ولبس هدومه، وقبل ما يخرج، وقف ثواني يتأمل ياسمين وهي لسه غرقانة في النوم. ابتسم لنفسه وقرر إنه هيخلص مشواره في أسرع وقت ويرجع لها.
__________________________________
في مكان بعيد تماماً، وتحديداً في ولاية كاليفورنيا بـ أمريكا، كانت الأجواء مختلفة. نادية كانت بتتحرك في أوضة النوم زي الفراشة، بتقفل الشنط وحركات إيدها فيها حماس وسعادة مكنتش قادرة تخبيها. أخيراً، بعد سنين طويلة من الغربة والبعد، جوزها وافق إنهم يرجعوا مصر.
فجأة، دخل محمود الأوضة، وقف وراها وحط إيده على كتفها بحنية وهو بيراقب فرحتها اللي ظاهرة في كل تفصيلة:
"شكلك متحمسة أوي لرجوعنا يا نادية.. مش قادرة تستني كام ساعة لحد الطيارة؟"
نادية لفت ليه وشها منور وفرحتها واصلة لعينيها:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"أيوة طبعاً يا محمود! أنا بقالي سنين مستنية اللحظة دي.. مشتاقة لكل حاجة في مصر، لهواها، وشوارعها، والناس اللي وحشونا."
محمود ملامحه اتغيرت فجأة، واتنهد بقلق واضح، وكأن فيه حمل تقيل شايله على قلبه طول السنين دي:
"بس أنا خايف يا نادية.. تفتكري هيكرهني لما يعرف الحقيقة؟ تفتكري هيسامحني إني سبته السنين دي كلها وهو فاكر إني ميت؟"
نادية قربت منه، مسكت إيديه بحنان وطمنته بصوتها الهادي:
"هيكرهك ليه؟ عشان كنت بتحميه؟ يا محمود أنت عملت كدة عشان تنقذ حياته .. أنا متأكدة إنه لما يشوفك ويسمع منك الحقيقة، هيفهم أنت ليه زيفت موتك واختفيت.. هو محتاجلك يا محمود، وأنا واثقة إنه هيسامحك وهترجعوا عيلة زي زمان وأحسن."
رد بنبرة حزينه : " تعرفي ..كان نفسي أوصل لمكان ياسمين بنتي بس .. كإنها اختفت من وقت ما خرجت من الملجأ ."
نادية:" انشاء الله تلاقيها وربنا هيام شملكم كلكم ."
أمن محمود على كلامها وهو بيبص من الشباك للسما، وكأنه بيبعت سلام لـ أدهم اللي سابه طفل صغير وبيرجعله وهو راجل، بس السؤال اللي كان شاغل باله: "أدهم السويسي هيقبل وجود أبوه اللي فاكره مات .. ولا الحقيقة هتكون صدمة تكسر كل حاجة؟"
__________________________________
أدهم كان قاعد في مكتبه، الجو هادي والستائر شبه مقفولة. ماسك موبايله وعينه منزلتش من على صورة لقطها خلسة امبارح في كتب الكتاب. الصورة كانت لياسمين وهي بتضحك من قلبها وهي بترقص مع علي، ملامحها كانت صافية ورقيقة لدرجة خطفت أنفاسه.
أدهم مكنش لاقي مبرر للي عمله، ولا ليه صوّرها أصلاً من غير ما حد يحس، بس لقى نفسه بيمسح بإبهامه على ملامحها في الصورة وكأنه بيلمس وشها بجد، والابتسامة اترسمت تلقائي على وشه وهو بيتأمل رقتها.
وفجأة، أول ما سمع خبط على الباب، قفل الموبايل بسرعة وحطه على المكتب بجمود كأنه مكنش بيعمل حاجة
.
دخل علي بابتسامة عريضة وروح معنوية عالية، وميعرفش طبعاً إن مديره وصاحبه من ثواني كان بيتأمل صورة مراته.
علي: "صباح الخير يا أدهم بيه."
أدهم حاول يرجع لبروده المعتاد ورسم ابتسامة هادية: "صباح النور يا عريس.. خير؟ جيت ليه؟ مش كنت قايلي إنك مش هتيجي النهاردة وعايز إجازة؟"
علي رد بحماس: "أنا فعلاً مكنتش جاي، بس الواد اللي مكلفينه يخلص ورق الورث كلمني النهاردة الصبح وقالي إن الورق كله جاهز."
أدهم انتبه لكلامه، وعينه لمعت بتركيز: "يعني الورق دلوقتي معاك؟"
علي مد إيده جوه جيب الجاكيت وطلع ظرف كبير وعطاه لأدهم: "أيوة، اتفضل."
أدهم مسك الورق وبدأ يقرأه بتمعن شديد، وملامحه بدأت تتغير لنظرة غامضة مش مفهومة. هز راسه ببطء وقال: "تمام يا علي، تقدر تمشي أنت دلوقتي."
علي لسه بيلف ضهره عشان يخرج، أدهم ناداه فجأة بصوت متردد:
"علي.. هي ياسمين عاملة إيه؟"
علي وقف مكانه، ووشه اتغير تماماً. ضيق حواجبه باستغراب، ونبرة صوته قلبت لغيرة واضحة مقدرش يتحكم فيها:
"وأنت بتسأل عنها ليه ؟"
أدهم حس إنه اتحط في موقف بايخ، وقلبه دق بسرعة من التوتر. كان نفسه يقوله إنه مش قادر يشيل صورتها من خياله، بس استجمع ثباته ورد بجدية عشان يداري ارتباكه:
"أنا قصدي.. أكيد هي متضايقة من اللي حصل لأبوها في المستشفى، مهما كان ده أبوها، وكنت عايز أتطمن إنها بخير مش أكتر."
علي بص له لثواني بنظرة فاحصة، وكأنه بيحاول يقرأ اللي ورا كلامه، وبعدين هز راسه وقال باختصار:
"الحمد لله هي كويسة ومبسوطة.. عن إذنك."
خرج علي وساب أدهم غرقان في أفكاره، بيبص للموبايل اللي على المكتب وعقله بيقوله إنه بدأ يدخل في منطقة خطر..".
__________________________________
جميلة كانت قاعدة في جنينة القصر لوحدها، باصة للسما الصافية وعقلها كأنه دايرة مفرغة من الأفكار اللي مابتخلصش. كانت بتفكر في حياتها اللي اتشقلبت في مده قصيرة، وإزاي البنت اللي كانت داخلة القصر ده وهي مابتقكرش غير في مصلحتها وبس، وإزاي تنجو وتعيش حتى لو بالسرقة، اتغيرت ١٨٠ درجة.
اعترفت لنفسها أخيراً وهي بتغمض عينيها بوجع: "أنا حبيته.. أنا بجد حبيت أدهم."
الحب ده هو اللي خلى نار الغيرة تاكل في قلبها امبارح وهي بتراقب نظراته لياسمين، مرات علي. حست إنها مهما عملت هتفضل في نظره المحتالة اللي جت تسرقه وقلبها بيوجعها كل ما تفتكر إنها هتبعد عنه وهو هيكرها.
هي عارفة إن حياتها كانت صعبة ومريرة، بس دلوقتي فهمت إن ده مش مبرر أبداً للي عملته، خصوصاً بعد ما أدهم حكى لها عن حياته الصعبة، وإزاي شال شيلة يزن لوحده وبنى إمبراطورية السويسي من تحت الصفر بعد ما كانت هتنهار.
مبقتش قادرة تكون أنانية، وقلبها بقى يميل للطيب، حتى يزن.. بقت بتحبه كأنه حتة منها، ساعات تحسه أخوها وساعات تانية تحس بكيان الأمومة ناحيته.
فاقت من سرحانها على صوت خطوات ثابتة ورزينة وراها. لفت بسرعة ولقت أدهم جاي ناحيتها بملامح غامضة مش مفهومة، وقبل ما ترسم على وشها ابتسامة، اتفاجئت بـ إبراهيم طالع من وراه والضحكة والانتصار ماليين وشه.
أدهم وقف قصادها مباشرة، ملامحه كانت مشدودة وجادة جداً، وقال بصوت بارد قطع كل حبال الأمل جواها:
"أنا خلاص خلصت أوراق الورث يا جميلة.. تقدري تمضي دلوقتي وتاخدي نصيبك ."
جميلة اتسمرت مكانها، الدنيا اسودت في عينيها وحست إن الأرض بتهتز تحت رجليها.
بصت لأدهم بزهول ووجع ..
يعني إيه؟ كدة كل حاجة خلصت؟ .....
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"أنا خلاص خلصت أوراق الورث يا جميلة.. تقدري تمضي دلوقتي وتاخدي نصيبك ."
جميلة اتسمرت مكانها، الدنيا اسودت في عينيها وحست إن الأرض بتهتز تحت رجليها. بصت لأدهم بذهول ووجع، كان نفسها تصرخ وتقوله "أنا مش عايزة ورث، أنا عايزة أفضل هنا"، بس لسانها اتلجم ... يعني إيه؟ كدة كل حاجة خلصت؟
قعدوا في المكتب، وأدهم حط الورق والقلم قدامها. جميلة مسكت القلم وإيديها بتترعش رعشة هستيرية، بصت لأدهم اللي كان قاعد حاطط رجل على رجل وملامحه جامدة، لكن عينيه كانت مراقباها بدقة، كان نفسه تعترف له بكل حاجة، كان مستني منها كلمة واحدة تقول فيها إنها مجبورة، كان ممكن يسامحها لو لقت فيها الشجاعة إنها تطلب حمايته.. لكن جميلة خيبت أمله، وبحركة يائسة مضت أخيراً ودموعها نزلت غرقت الورق.
إبراهيم وقف ونط من مكانه وهو بيضحك بصوت عالٍ ومتحمس:
"ألف مبروك يا ولاد!"
بص لجميلة نظرة لئيمة فهمتها كويس، نظرة بتقول إنها هتسلمه الورق بعدين.
إبراهيم مشي، وأوضةالمكتب فضيت على أدهم وجميلة. جميلة رفعت عينيها بصعوبة لأدهم اللي مازال قاعد باصص لها بنظرة غامضة، بس حست في وسط الغموض ده بخيبة أمل وكسرة مفهمتش سببها لكن وجعت قلبها.
أدهم قام فجأة وهو حاطط إيده في جيبه، ومن غير ما يبص لها قال بصوت خالي من أي مشاعر:
"أنا راجع الشركة.."
جميلة غمضت عينيها ودموعها نزلت زي الشلال، أدهم شاف دموعها وهو خارج، بلع ريقه بصعوبة وحس بوجع في صدره، كان نفسه يمد إيده ويمسح دموعها دي رغم كل اللي عملته، بس كرامته وجرحه كانوا أقوى، فخرج بسرعة وقفل الباب وراه بقوة
جميلة انكمشت على نفسها في الكرسي وأطلقت العنان لشهقاتها المكتومة اللي كانت بتزلزل كيانها. خلاص، الحكاية خلصت، ودي كانت النهاية اللي كانت بتهرب منها طول الوقت.
هي عارفة إبراهيم كويس؛ بمجرد ما ياخد الورق اللي هي مضت عليه ده، هيسلمها شوية فلوس وورق سفرها لبره مصر تمن تمثيليتها..
_________________________________
دخل علي الشقة وهو حاسس بحالة من النشاط والحماس، فتح الباب ودخل لقى خالتو منى واقفة في الصالة وبترص الأطباق على السفرة والريحة كانت تجوع.
علي بابتسامة: "صباح الفل يا خالتو، الله على الريحة اللي تفتح النفس دي."
منى ردت بضحكة: "يسعد صباحك يا حبيبي، حمد لله على سلامتك"
علي وهو بيقلع الجاكيت وبيحطه على طرف الكرسي: "اله يسلمك ياخالتو.. صحيح هي ياسمين فين؟"
منى لوت بوزها بخبث وقالت: "دخلت بصيت عليها في أوضتها ملقتهاش قلبت عليها البيت كله
رمقته بخبث وكملت .. وفي الأخر لقيتها نايمة في أوضتك غرقانة في النوم، قلت أسيبها ترتاح.. شكلها كان شايل كتير واليومين اللي فاتوا هدو حيلها."
علي مسح على شعره بإحراج، لكن ضيق ما بين حواجبه باستغراب وقلق: "لحد دلوقتي؟ طيب أنا هدخل أشوفها."
دخل أوضته بهدوء، لقاها نايمة زي ما سابها بالظبط، ملامحها هادية وخصلات شعرها نازلة على وشها. قعد على طرف السرير جنبها، وبدأ يلمس خدها برقة وبصوت واطي وهمس: "ياسمين.. ياسمين."
همهمت ياسمين بصوت نايم وهي بتتقلب: "ممم.."
علي بابتسامة وسعت على وشه: "ياسمين.. اصحي يالا، كفاية نوم."
فتحت عينيها ببطء، فضلت ثواني باصة للسقف وهي مش مستوعبة هي فين، ولما لمحت علي قاعد جنبها، استوعبت فجأة وضمت شفايفها بخجل ووشها أحمر.
علي ضحك بخفة: "صح النوم يا كسلانة، إيه كل ده؟"
ياسمين بصوت مبحوح من النوم سألته: "هي الساعة كام؟"
علي: "إحنا العصر يا ستي.. أنا خرجت وروحت الشركة وخلصت وجيت، وأنتي لسه نايمة."
ياسمين اتخضت وقعدت بسرعة: "يا خبر! العصر؟ أنا آسفة والله ما حسيت بنفسي."
علي مسك إيدها يطمنها: "آسفة على إيه يا هبلة؟ أنتي كنتي محتاجة الراحة دي.. يالا قومي فوقي كدة عشان خالتو مستنيانا على الأكل.
__________________________________
خرج محمود ونادية من بوابة المطار، نادية كانت بتلتفت حواليها في كل اتجاه، عينيها بتلمع وهي بتستنشق هوا القاهرة وكأنها بتملى صدرها بيه لأول مرة من سنين. محمود كان ماشي جنبها بخطوات واثقة، نضارته السوداء مخبية عينيه، وهدوءه كان ملفت للانتباه.
نادية قربت منه وهمست بصوت واطي ومنفعل:
"مش مصدقة يا محمود.. أخيراً! رجلينا لمست الأرض بجد.. يالا، هنطلع على القصر علطول؟"
محمود وقف فجأة، عدل الجاكيت بتاعه ببطء :
"لا يا نادية.. القصر ملوش لازمة دلوقتي."
نادية استغربت ووقفت هي كمان:
"يعني إيه؟ إحنا بقالنا كام ساعة في الطيارة بنرتب هنقوله إيه وهنقابله إزاي!"
محمود كمل مشي وهو بيتكلم بنبرة رصينة:
"أدهم مش طفل يا نادية.. أدهم اللي سيبته وهو يادوب عشر سنين ، غير اللي موجود دلوقتي. لو دخلت عليه بصفتي أبوه اللي رجع من الموت، أول رد فعل ليه هيكون الصد.. ويمكن يطردنا ومايسمعش كلمة واحدة."
نادية مشيت جنبه بسرعة وهي بتحاول تستوعب:
"أمال هنعمل إيه؟ هنفضل نتفرج عليه من بعيد؟"
محمود بص لها من فوق النضارة بابتسامة غامضة:
"لا.. هندخل، بس من الباب اللي هو بيفتحه بمزاجه. باب الشغل. ، متنسيش إني من وقت ما سبت مصر من عشرين سنه وأنا مغير اسمي من محمود السويسي لمحمود الشافعي
فأنا هرجع بصفتي المستثمر اللي راجع بخبرة سنين من أمريكا.. وقرر ينقل شغله مصر وفعلا أنا هعمل كده وهنقل كل ثروتي اللي في امريكا هنا..
و هبقى قدامه في الاجتماعات، وفي الصفقات، وفي كل حركة بيعملها.هبقى قدام عينيه كل يوم، هقرب منه، هفهمه، هخليه يحبني ويثق فيا كشريك وصديق..
ولما أحس إن الوقت مناسب هعرفه الحقيقة.
(توضيح بسيط : طبعا زي ما كلكم عرفتوا ان محمود ده يبقى أبو أدهم وياسمين، والكل كان فاكر إنه مات من ٢٠ سنة في الحادثة اللي دبرها له إبراهيم. بس الحقيقة إن محمود لسه عايش، وزيف موته وقتها لسبب لسه هنعرفه قدام ..
نادية: دي تبقى مرات محمود التانية، يعني مش أم أدهم ولا ياسمين ؛لان أم أدهم وياسمين ماتت في الحادثة. وحكاية نادية ودورها مع محمود هنعرفه في توالي الأحداث بردو
بس كده أتمني كل حاجة تكون وضحت)
_______________________________
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
جميلة كانت قاعدة في أوضة يزن، محاوطة بكتبه وكراساته، وبتحاول بكل قوتها تداري وجع قلبها ورا ابتسامة هادية وهي بتساعده في واجباته. يزن كان بيبص لها ببراءة وهو بيمسح بالاستيكة غلطة عملها، وفجأة قال بصوت طفولي حنون:
"أنا بحبك أوي يا ياسمين.."
جميلة قلبها اتعصر، وباست راسه بحب:
"وأنا كمان بحبك يا حبيب قلبي.. يالا وريني الشطارة عشان نخلص ونلعب شوية."
وفي وسط اللحظة اللطيفة دي، قطع هادم اللذات صفو قعدتهم؛ الموبايل اللي في جيب بنطلونها رن باهتزاز متواصل. جميلة اتخضت وطلعت الموبايل، وبمجرد ما شافت هوية المتصل، وشها جاب ألوان.
قامت وقالت ليزن وهي بتحاول تبان طبيعية:
"حبيبي، هرد على المكالمة دي في الطرقة وجاية لك تاني."
خرجت ووقفت في الطرقة البعيدة عن عيون الحرس، وردت بصوت واطي ومخنووق:
"أيوة يا إبراهيم بيه. خير ايه تاني؟"
إبراهيم رد بصوت فيه فحيح وجشع:
"اسمعي يا بت إنتي، الحركات دي ما تمشيش عليا. أنا لازم آخد الورق اللي مضيتيه النهاردة.. ."
جميلة ردت بذهول:
"وأنا أجبهولك ازاي؟ زمان أدهم خده الشركة."
إبراهيم ضحك بسخرية:
"غلطانه يا حلوة.. أدهم مخدش الورق في المكتب. الورق لسه في القصر، وأكيد أدهم عاينه. اسمعي.. الورق ده لازم يجيلي في أسرع وقت، دوري عليه كويس، ممكن تلاقيه في جناحه الخاص أو في مكتبه اللي في القصر.. هو أكيد ما خدوش معاه الشركة."
ومعطاهاش فرصة ترد،وقفل السكة في وشها، وجميلة فضلت واقفة سانده ضهرها على الحيطة، أنفاسها سريعة وعينيها بتلف في الطرقة برعب. هي دلوقتي بين نارين: نار أدهم اللي بدأ يحبسها بمشاعره وقسوته، ونار إبراهيم اللي ماسك رقبتها بورق سفرها وحريته
بصت يمين وشمال، الطرقة كانت هادية، وأدهم لسه مرجعش من الشركة. استغلت الفرصة واتسحبت بهدوء ناحية جناح أدهم. كانت دي أول مرة تتجرأ وتدخل منطقته الخاصة وهي عارفة إنها ممنوعة.
فتحت الباب ببطء، ريحة عطره القوية كانت مالية المكان، ريحة بتفكرها بكل لحظة خوف وكل لحظة حب عاشتها معاه. بدأت تدور بإيد بتترعش في أدراج المكتب الصغير اللي في ركن الجناح، وهي بتهلف:
"يارب ألاقيه وأخلص.. يارب ما يرجعش دلوقتي."
وفجأة، وهي بتقلب في وسط الأوراق، سمعت صوت عربية أدهم بتفرمل في حوش القصر تحت الشباك!
أول ما سمعت صوت فرملة عربية أدهم تحت، جسمها اتنفض والورق اللي في إيدها كان هيقع.
بدأت ترجع كل حاجة مكانها بسرعة وهي بتنهج، وخرجت من الجناح وهي بتتسحب قبل ما هو يطلع السلم. استخبت ورا عمود في الطرقة، وشافته وهو طالع، كان وشه باين عليه الإرهاق والضيق، وماسك جاكيت البدلة في إيده.
أدهم ودخل غرفة يزن يطمن عليه .
وجميلة فضلت واقفة مكانها بتتنفس بصعوبة، وقالت في سرها:
"ما لقيتش حاجة.. الورق مش في الجناح! يبقى أكيد عاينه في مكتبه اللي تحت."
_________________________________
علي كان قاعد بيقلب في موبايله بملل، مستني ياسمين تخلص لبس عشان يخرجوا ؛لان خالته طلبت منهم يخرجوا يحتفلوا بجوازهم ..
وأثناء ما بيقلب في الموبايل ..سمع صوت دقات كعبها الهادية بتقرب، رفع عينه ببطء.. وفي اللحظة دي الوقت وقف بالنسبة له.
بلع ريقه بصعوبة وهو بيحاول يستوعب الجمال اللي قدامه، وفضل يرمش بكذا مرة كأنه بيتأكد إن دي ياسمين مش حلم. كانت لابسة فستان أسود بكتف واحد، القماش فيه لمعة خفيفة بتخطف العين مع كل حركة، والفستان كان مرسوم على جسمها برقة مذهلة.
ياسمين اكتفت بمكياج أبرز ملامحها بقوة؛ كحل أسود تقيل حدد عينيها الواسعة، وروج أحمر جرئ كان متناغم جداً مع بشرتها الصافية، وشعرها كان متسرح بطريقة زادتها أنوثة، ومع الكعب العالي كانت طالعة في غاية الرقه والأنوثة.
علي قام وقف بتلقائية، ونسي الموبايل تماماً، وفضل باصص لها بنظرة مليانة إعجاب وحب، وقال بصوت مهزوز:
"إيه ده؟ هو أنا اتجوزت ملكة جمال وأنا مش عارف؟"
ياسمين وشها احمر بخجل، وبصت في الأرض وهي بتلعب في شنطتها الصغيرة:
"شكلي وحش؟ لو مش عاجبك ممكن أدخل أغيره وألبس حاجة تانية."
علي قرب منها بسرعة، ومسك إيدها بحنان:
"تغيري إيه؟ ده أنا خايف أخرج بيكي الناس تحسدني عليكي. ياسمين، أنتي النهاردة بجد تسحري."
ياسمين ابتسمت برقة، وعلي كمل وهو بيعدل ياقة قميصه الزيتي بزهو: ها تحبي نخرج نتعشى فين ؟"
بترد بحماس:" ايه رايك نروح المطعم اللي أكلنا فيه أول مرة اتقابلتا؟"
علي ضحك من قلبه وهو باصص لها بذهول، ورفع حواجبه باستغراب:
"كشري يا ياسمين؟ ده أنتي لابسة فستان وسواريه وقالبة الدنيا، وعايزة أول خروجة لينا بعد الجواز ناكل كشري!؟"
ياسمين ضمت شفايفها بحزن طفولي ووطت عينيها الأرض:
"حسيت إنها هتكون حاجة مميزة.. إننا نروح نفس المكان بس المرة دي وإحنا متجوزين .. لو مش عايز أو المكان مش مناسب للبسنا، ممكن نروح أي مطعم تاني إنت تختاره."
علي أول ما شاف لمعة الزعل في عينيها، قلبه رقّ فوراً. قرب منها ورفع وشها بإيده ولمس دقنها برقة عشان يخليها تبص له، وابتسم ابتسامة حنونة:
"يا ستي اللي تأمري بيه يتنفذ، هو أنا عندي أغلى منك؟ بس بشرط.. بعد الكشري ده، هنروح مكان تاني على ذوقي أنا، نحلى فيه ونكمل سهرتنا، موافقة؟"
ياسمين هزت راسها بحماس وفرحة خلت عينيها تلمع، وعلي مد لها كتفه بشياكة وقال:
"طيب يالا بينا ؟"
ياسمين حطت إيدها في دراعه بخجل وفرحة، وخرجوا من الشقة .
_________________________________
في نص الليل
القصر كان ساكن ، مفيش غير صوت دقات الساعة . جميلة خرجت من أوضتها وهي بتتسحب، رجليها الحافية مابتطلعش صوت على الرخام البارد. كانت بتتلفت حواليها ، ونبضات قلبها واصلة لودانها، حاسة إن الحيطان ليها عيون بتراقبها.
نزلت درجات السلم ببطء وهي كاتمة نفسها، ومشت في الطرقة الطويلة اللي في آخرها مكتب أدهم. وقفت قصاد الباب، حطت إيدها المرتعشة على المقبض وفتحته وهي ضامة شفايفها بتوتر . المكتب كان ضلمة كحل، شغلت فلاش الموبايل ووقفت قصاد مكتبه، وقعدت على الكرسي الجلد الكبير بتاعه وهي حاسة إنها بتغرق فيه.
فتحت الأدراج براحة، وبدأت تدور بين الملفات المكدسة بلهفة، لحد ما لقت ضالتها؛ الملف اللي فيه أوراق الورث. خدته بسرعة وحطته تحت التيشرت بتاعها وهي حاسة ببرودة الورق على جلدها، ورجعت كل حاجة مكانها بدقة.
ولسه هتقوم عشان تخرج، سمعت صوت خطوات جايه ناحية المكتب. الدنيا دارت بيها، والارتباك شل حركتها .... وفجأاااااااة أدهم دخل وهو بيبص على باب المكتب المفتوح باستغراب، ولف بعينه في الأوضة لحد ما ضيق ما بين حواجبه لما شافها..
جميلة واقفة في الضلمة، ساكنة زي التمثال، مابتتحركش ولا بتنطق.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أدهم قرب منها بخطوات بطيئة، ووقف قصادها مباشرة، لقاها مغمضة عينيها وأنفاسها هادية جداً وكأنها تمثال .
نادى بصوت واطي: "جميلة؟"
مفيش رد.
مسك كتفها وهزها برقة: "جميلة؟"
برضه مفيش رد. ولما هز كتفها بقوة أكبر وهو مستغرب سكونها المريب، فجأة جميلة وقعت بتُقل جسمها كله على جنب.
وهو جري ومسكها بسرعة قبل ما تقع، ورفع دقنها بإبهامه وهو باصص لوشها اللي مفهوش أي تعبير.
قرب ودنه من فمها، سمع صوت نفسها الهادي، ومخدش باله من شفايفها اللي انضمت بارتباك لما حسّت بأنفاسه قريبة منها أوي كدة. أدهم همس باستغراب:
"إنتي نايمة؟ إنتي بتمشي وأنتي نايمة يا جميلة؟"
لما ملقتش منه رد، نزل لمستواها وشالها بحرص وحنان مبالغ فيه وخرج بيها من المكتب. جميلة كانت حاسة بضربات قلبها بتدق زي الطبول جوه صدرها، وبتحاول بكل قوتها تتحكم في ريتم نفسها وعينيها مقفولة.
أدهم ضمها لحضنه بقوة، وكأن خوفه عليها غلب شكه فيها، وطلع بيها السلم لحد ما وصل لباب جناحها، زقه برجله ودخل حطها على السرير بكل رقة. قعد جنبها وهو باصص لملامحها ، مسح بكف إيده على خدها بحنية، وقرب باسها من جبينها وفضل مثبت فمه ثواني... وبعدين سند بجبينه على جبينها
نادى بهمس: "جميلة.."
خبط بكف إيده على خدها براحة: "جميلة.."
همهمت بتمثيل متقن، وفتحت عينيها ببطء لقت ساند جبينه على جبينها وبيتنفس بهدوء. جميلة سألت بارتباك حقيقي المرة دي من قربه:
"أدهم.. فيه إيه؟"
أدهم بص في عيونها، كان بيدور على ذرة صدق أو خيط يوصله للي بيحصل، بس لقاها ثابتة، فاتنهد بتعب وقال:
"إنتي مش فاكرة حاجة؟"
هزت راسها بنفي وهي بتمثل عدم الفهم: "مش فاكرة إيه؟ وإنت إيه اللي جايبك هنا في وقت زي ده؟"
أدهم قام وهو بيقول: "ولا حاجة.. تصبحي على خير."
خرج أول ما قفل الباب، جميلة حطت إيدها على قلبها اللي كان هيقف: "الحمد لله.. الحمد لله إنها عدت." ووقعت بجسمها على السرير بتعب وهي لسه حاسة بلمسته على خدها.
_________________________________
المكان كان ساحر، كافيه مفتوح للسما ملوش سقف، كأنك قاعد فوق سحابة بتلمس النجوم بإيدك. الهوا كان محمل بريحة البحر اللي قصادهم، وصوت الموج كان بيعزف سيمفونية هادية مع جو المكان المتصمم بذكاء يخليك تحس إنك في حتة تانية بره العالم ودوشته.
وعلى أنغام الموسيقى، كان علي واقف وضامم ياسمين برقة بين إيديه، وهي سانده راسها على كتفه، بيتحركوا ببطء ونعومة كأنهم منفصلين عن الواقع. وصوت محمد محسن كان مالي الأركان بإحساس يوجع من كتر جماله:
"في قلبي مكان.. مكانش بيوصل له إنسان
لإنه أمان.. مكانش بيدي حد أمان
فتحته أنا ليك.. دخلته إنت وقفلت عليك
بقى ملكك.. ولا قبلك ولا بعديك
علي رفع وشها بطرف صوابعه، وبص في عيونها بهيام، وبدأ يهمس مع كلمات الأغنية وهو مركز في كل تفصيلة في ملامحها:
"خليني معاك.. ده أنا راحة قلبي معاك
هو اللي يحس هواك في إيه بعده يكفيه؟
من بين الناس أنا عشت معاك إحساس،
بعد ما جربته خلاص ما اقدرش أعيش غير بيه.
ياسمين في اللحظة دي حست إن الدنيا لفت بيها، وبدأت تهمس هي كمان مع الأغنية وهي شابة على أطراف رجلها، وبرغم الكعب العالي اللي لابساه، كانت لسه يا دوب واصلة لبداية كتفه، مالت على ودنه وقالت بصوت طالع من روحها مع الأغنية:
"بحس معاك حاجات مش حلوة إلا معاك..
بطعم هواك جميلة وطالعة من جواك.. ترد الروح.
شاورت بصباعها الصغير على قلبها وهمست بكسوف:
"تنسي قلبي أي جروح..
أنا ملكك، وآديني قلتها بوضوح."
علي مكنش قادر يتحمل اعترافها المبطن ده ولا نظرة عينيها اللي بتعلن الاستسلام لحبه، شدها لحضنه بقوة خلتها تدفن وشها في رقبته ..وقرب من ودنها وهمس بصوت دافي هز كيانها:
"معرفش إزاي ولا امتى ولا فين ... عارف إنه مش منطقي ده يحصل في الوقت القصير اللي عرفتك فيه .. وعارف بردو ان مفيش مواقف كتير جمعتنا سوا عشان يبقى ده اللي جوايا بس أنا .. أنا بحبك يا ياسمين....
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
_"أدهم بيه ،فيه شخص بره مُصّر إنه يقابلك ضروري ."
أدهم ضيق بين حواجبه بضيق وسألها: "مين ده ؟"
ردت بتوتر: "مش راضي يقول اسمه يا فندم".
أدهم هز راسه وقال: "دخليه".
دخل بخطوات رصينة وهيبة تملا المكان. أدهم وقف وبادره بالسلام، ومخدش باله من نظرة الحنين والشوق اللي كانت بتلمع في عينيه .
أدهم سأله بجدية: "أهلاً بحضرتك.. خير؟ ومين حضرتك؟".
محمود رد بصوت هادي ورزين: "أنا محمود الشافعي، رجل أعمال.. كنت شغال في أمريكا طول السنين اللي فاتت، ومؤخراً قررت أنقل كل استثماراتي هنا لمصر. ولما سألت عن أكفأ شركات الاستيراد والتصدير، اسم أدهم السويسي كان الأول، وعشان كده جيت أعرض عليك صفقة .. طبعاً بعد ما تطلع على كل أوراقي وتتأكد من مصداقيتي".
أدهم هز راسه بعملية، وفي ثواني كان اللابتوب قدامه شغال بيعمل سرش عن الاسم. ملامح أدهم اتغيرت لما ظهرت صورته ومعلومات عنه كواحد من أكبر رجال الأعمال في كاليفورنيا.
محمود ابتسم بوقار وقال: "أتأكدت بنفسك؟".
أدهم رفع حاجبه بإعجاب من ذكاء الراجل وقال: "تمام يا محمود بيه، هدرس مضمون الصفقة وأرد عليك".
محمود كان نفسه يفضل قاعد يشبع عينه منه. وهو بيسلم، شد على إيد أدهم وطبطب على ضهره بحنية غريبة، خلت أدهم يستغرب ويحس برعشة مجهولة في جسمه.
بعد ما محمود خرج، أدهم فضل باصص لمكانه وقال لنفسه: "إيه الراجل الغريب ده؟"
_________________________________
في مكان مقطوع
بعيد عن دوشة المدينة، في طريق مهجور، كانت جميلة واقفة بتتلفت حواليها برعب، لحد ما شافت عربية إبراهيم بتقرب. نزل إبراهيم بابتسامة صفرا وقال: "ها.. جبتي الورق؟".
جميلة ردت بجمود: "جبت الباسبور ؟"
. إبراهيم ضحك: " والفلوس كمان يا حلوة ،إنتي مستغنية عنهم يعني؟".
طلعت جميلة الملف من شنطتها، إبراهيم خطفه وفتحه، وبدأ يلمس الورق بابتسامة مجنونة وهو مش مصدق إنه أخيراً بقى معاه مفتاح الثروة.
جميلة مدت إيدها بحدة: "الباسبور!".
إبراهيم طلع الدفتر الأزرق من جيبه ومعاه شيك. وقال :" معاد طيارتك بعد بكرة ."
فتحت عينها بصدمة وهمست بحزن:"بعد بكرة .. ده قريب اووي"
فتحت الباسبور واتأكدت من كل حاجة ولما شافت رقم الشيك، ابتسمت بحزن وقهر.. تمن غدرها وحبها كان مجرد ورق.
إبراهيم بصلها بقرف وقال: "مش عايز أشوف وشك تاني".
جميلة لفت ضهرها وقالت بسخرية لاذعة: " ونبي !.. علي أساس أنا اللي هموت وأشوفك! مبروك عليك الورق يا إبراهيم، ومبروك عليا الخلاص".
سابته وهو بيمني نفسه بالفلوس، ومشت بخطوات تقيلة وهي مش عارفة .. هل فعلاً قدرت تبيع أدهم بالبساطة دي؟
__________________________________
بعد ساعات ..
في ردهة القصر. أدهم كان قاعد على الكنبة الجلد، بيخلص إميلات على اللابتوب ، ويزن كان قاعد جنبه بيلعب بالتابلت بتاعه.
جميلة دخلت عليهم، كانت ملامحها هادية بس عينيها فيها نظرة وداع . وقفت قدامهم، بصت لأدهم وبعدين ليزن، وقالت بصوت ناعم ومتردد:
"أدهم.. كنت لسه بقلب في الصور عندي، واكتشفت حاجة غريبة أوي."
أدهم رفع عينه من على شاشة اللابتوب، وبصلها باهتمام:
" حاجة ايه يا جميلة؟"
جميلة ابتسمت ابتسامة باهتة:
"إحنا ملناش ولا صورة واحدة مع بعض.. إحنا التلاتة. يزن ليه صور معاك، ولي صور معايا، بس مفيش صورة بتجمعنا إحنا التلاتة كعيلة."
أدهم اتجمد مكانه للحظة، وكأن الكلمة لمست وتر حساس جواه. ساب التليفون من إيده وهز راسه ببطء واستغراب، وكأنه لسه واخد باله دلوقتي:
"فعلاً! إزاي فاتتنا دي؟ إزاي متصورناش كلنا مع بعض قبل كده؟"
يزن رمى التابلت بحماس ونط من مكانه:
"أيوة يا بابا! أنا عايز صورة تجمعني بيكم إنتو الاتنين عشان أعلقها في أوضتي."
أدهم قام وقف، وعدل قميصه، وبص لجميلة بنظرة كانت مليانة عتاب مختلط بحب، وقال بصوت رزين:
"عندك حق.. لازم الصورة دي تتاخد دلوقتي."
جميلة طلعت موبايلها، وإيدها كانت بتترعش وهي بتظبط التايمر. وقفت في النص بين أدهم ويزن. أدهم حط إيده على كتف يزن، وبالإيد التانية حوط وسط جميلة بملكية وقوة وكأنه خايف تهرب منه، وجميلة مالت براسها ناحيته وسندت على كتفه، ويزن وقف قدامهم بضحكة من القلب.
العد التنازلي بدأ.. 3.. 2.. 1..
.. الفلاش نور المكان، وخلد اللحظة دي. صورة كانت بتبان فيها كأنها عيلة مثالية، محدش يعرف حقيقتها المُرة.
_________________________________
تاني يوم في الشركه
أدهم ومحمود كانوا قاعدين في جو ساد فيه الصمت فجأة، أدهم قفل الملفات اللي قدامه بابتسامة وقال: "إن شاء الله يكون تعاون ناجح يا شافعي بيه، والصفقة دي تعود بنفعها على الكل."
محمود رد عليه بنظرة كلها فخر وحنان غلب ثباته الانفعالي: "إن شاء الله يا ابني."
أدهم سكت لحظة، والكلمة رنت في ودانه بغرابة، ضيق عينه وبصله باستغراب من الكلفة اللي محمود شالها فجأة
محمود استدرك الموقف بسرعة وبابتسامة حزينة قال: "أنا آسف.. يمكن الحماس خدني وكسرت الحدود اللي بينا."
أدهم هز راسه بتفهم وهو بيحاول يطرد الشعور الغريب ده: "لا محصلش حاجة، حصل خير."
في اللحظة دي دخل علي المكتب بسرعة وهو بيعدل كرافتته: "أدهم بيه، الوفد التاني وصل والقاعة جاهزة، لازم نتحرك دلوقتي."
علي حط موبايله على طرف المكتب وهو بيوري أدهم أوراق الصفقة الجديدة، واستأذن أدهم من محمود، إنه هيغيب دقايق ويرجع له تاني.
خرجوا سوا، وفضل محمود لوحده في المكتب. فجأة، موبايل علي رن بهزة قوية على الخشب. محمود بص للفون لقى الاسم متسجل بإسم "ياسمين"..
الاسم ده ليه معزة خاصة جداً في قلبه، ابتسم وقرر يرد عشان يعرفها إن صاحب الموبايل نسيه وميقلقهاش.
فتح الخط، وجاله الصوت الرقيق الهادي: "علي.. هترجع البيت إمتى عشان ألحق أجهز الغدا؟"
محمود حس برعشة غريبة في قلبه لما سمع صوتها، رد بهدوء: "أنا مش علي يا بنتي.. أنا مستثمر في الشركة اللي بيشتغل فيها، وهو نسي موبايله وخرج."
ياسمين اتحرجت جداً وقالت بتوتر: "أه.. تمام، شكراً جداً لحضرتك، أسفة على الإزعاج."
قفلت السكة، ومحمود فضل باصص للموبايل وهو حاسس بانقباضة في صدره مش فاهم سببها، حط الموبايل مكانه وهو بيقول في نفسه:" شكلها مراته ربنا يخليهم لبعض."
كان الاجتماع شغال والكل مركز، وفجأة وبدون قصد، كوباية العصير اللي قدام علي مالت وغرقت قميصه الأبيض تماماً. علي اتفاجئ وبص لقميصه بضيق، فأدهم طبطب على كتفه وقاله بصوت واطي:
"ولا يهمك يا علي.. قوم روح البيت، و غيّر قميصك وتعالى، إحنا لسه مطولين."
علي استأذن وخرج، وأول ما وصل للطرقة حط إيده في جيبه تلقائياً عشان يكلم ياسمين ويقولها إنه جاي
بس اتصدم إن جيبه فاضي! ضرب كف على كف وافتكر إنه ساب الموبايل على التربيزة في قاعة الاجتماعات وهو بيوري أدهم أوراق الصفقة.
رجع علي وفتح الباب براحة، لقى محمود الشافعي لسه قاعد في مكانه بكل هيبة، والموبايل كان محطوط قدامه على التربيزة. أول ما محمود لمحه، ابتسم له ابتسامة صافية وقال:
"إنت نسيت موبايلك ."
علي ضحك بإحراج وقرب ياخده: "معلش يا محمود بيه."
محمود مسك الموبايل ومدهوله وقال بنبرة فيها اهتمام غريب:
"على فكرة.. فيه بنت اسمها ياسمين اتصلت، وأنا اضطريت أرد عشان ماتقلقش، وعرّفتها إنك نسيت الموبايل في قاعة الاجتماعات وهتكلمها أول ما تخلص."
علي أول ما بص للشاشة وشاف اسم ياسمين، مقدرش يخبي ابتسامته اللي نورت وشه، وعينيه لمعت بحب حقيقي مكنش قادر يداريه قدام محمود، وقال بفخر:
"آه.. دي ياسمين مراتي."
محمود سكت لثانية، وكأن الاسم لمس حتة جوه روحه، وبص لعلي وقال:
"ربنا يخليهالك يا علي.. ويبعد عنكم أي شر."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
علي حس براحة غريبة لكلام الراجل ده، وهز راسه بامتنان:
"آمين يا رب.. تسلم يا محمود بيه، عن إذنك عشان ألحق أغير وأرجعلكم."
_______________________________
ريحة براءة يزن كانت بتواسي وجع جميلة اللي حاسة إن روحها بتتسحب منها مع كل ثانية بتقرب من ميعاد سفرها. يزن كان بيحكي عن يومه في المدرسة، وصوته الطفولي كان بيملى المكان، وهي كانت بتمسح على شعره بحنان، وعينيها بتشرب ملامحه عشان تحفظها.
وفجأة، خانتها دمعة ونزلت على خدها .
الولد سكت فجأة، ورفع راسه وبصلها بعيون واسعة مليانة قلق:
"جميلة.. إنتي بتعيطي؟"
جميلة حاولت ترسم ابتسامة باهتة وصوتها كان بيتحشر في حلقها:
"لا يا حبيبي.. دي حاجة دخلت في عيني بس."
خدته في حضنها تاني وضمت عليه بقوة، وكأنها بتستمد منه القوة عشان ماتنهارش، وهمست في ودنه بصوت مخنوق:
"إنت بتحبني صح يا يزن؟"
رد يزن ببراءة تامة: "أيوة طبعاً بحبك.. إنتي وبابا أغلى حاجة عندي في الدنيا."
جميلة غرزت صوابعها في ظهره وهي بتكتم شهقة بكا مريرة، وقالت وهي بتضغط على شفايفها:
"واللي بيحب حد.. مبيزعلش منه أبداً، مش كدة؟"
هز يزن راسه وهو لسه دافن وشه في كتفها: "بس إنتي مش بتزعليني خالص يا جميلة، إنتي دايماً طيبة معايا."
جميلة هنا مكنتش قادرة تمسك نفسها أكتر، دموعها نزلت زي الشلال وقالت بنبرة اعتذار بتوجع:
"أنا فعلاً مقدرش أزعلك.. بس لو حصل في يوم وزعلت مني، اتأكد إنه غصب عني ...والله يا حبيبي غصب عني."
يزن رفع راسه وبدأ يدمع هو كمان لما شاف حالتها دي، مكنش فاهم فيه إيه بس وجعها وصل لقلبه الصغير:
"إنتي بتعيطي بجد يا جميلة.. أنا كمان هعيط."
جميلة استسلمت تماماً، وخدته في حضنها تاني وصوت بكاهم هما الاتنين علي في ردهة القصر، في مشهد وداع يقطع النفس.. هي بتودع ابنها اللي مخلفتهوش، وهو بيبكي على الأمان اللي حاسس إنه هيضيع منه.
_________________________________
بعد فتره
جميلة دخلت أوضتها، فتحت الدولاب ووقفت قدامه لثواني طويلة.. كانت بتبص على الفساتين والهدوم اللي أدهم اختارها لها قطعة قطعة بذوقه العالي، وكأن كل فستان فيهم بيحكي حكاية يوم حلو عاشته هنا.
بصت على التسريحة، وشافت براندات الميكب والعطور الغالية ، بس في اللحظة دي حست إن الحاجات دي تقيلة على روحها، وكأنها بتقول لها: "إنتي مش من هنا".
بصت لنفسها في المراية وقالت بكسرة: "خلاص يا جميلة.. كل ده مابقاش بتاعك ولا من حقك، لازم ترجعي لجميلة القديمة."
دخلت خدت شاور سريع، وطلعت وفتحت شنطة الهدوم القديمة.. طلعت منها طقم مكون من بلوزه وبنطلون؛ الطقم اللي دخلت بيه القصر لأول مرة، كان بهتان وقديم، بس كان هو ده اللي بيمثل حقيقتها دلوقتي. لبسته وبصت لنفسها.. الفرق كان يوجع القلب.
اتسحبت بهدوء ودخلت أوضة يزن، لقته غرقان في نومه زي الملاك. قعدت جنبه على طرف السرير، وبدأت تمشي إيدها على شعره ببطء وكأنها بتودع كل خصلة فيه. قربت وباسته من جبينه بوسة طويلة، وفجأة خرجت منها شهقة مكتومة غصب عنها، كتمت بقها بإيدها وهي بتبكي بصمت، خايفة يصحى ويشوف دموعها.. كان صعب عليها تسيب الطفل اللي عوضها عن حرمان السنين.
قامت وراحت ناحية جناح أدهم. فتحت الباب بهدوء، ودخلت تتأمل كل ركن فيه بابتسامة باهتة مليانة وجع. راحت قعدت على طرف السرير بتاعه، ومالت بجسمها ودفنت وشها في الملاية، غمضت عينيها وهي بتستنشق ريحته اللي كانت لسه مالية المكان.. ريحته اللي كانت بتمثل لها الأمان والخوف في نفس الوقت.
عيطت بصمت وهي حاسة إن روحها بتتقطع، وبعدين قامت وهي بتفتكر إن الوقت بيجري. طلعت من جيبها جواب كانت كاتباه ، وحطت تحته الشيك اللي إبراهيم كتبهولها.. الشيك اللي كان تمن غدرها، بس هي قررت تسيبه لأدهم كدليل إنها مبعتوش عشان الفلوس.
وقفت على باب الجناح، بصت وراها نظرة أخيرة، وبعدين خرجت وقفلت الباب وراها وهي بتقفل صفحة من عمرها، ومشيت في الطرقة وهي شايلة شنطتها القديمة وباسبورها، متجهة للمجهول
__________________________________
علي كان واقف قدام المراية بيزرر قميصه ، وكل شوية يلتفت يبص لياسمين اللي كانت قاعدة على طرف السرير بتراقبه بابتسامة. ملامحه كانت متضايقة زي طفل مش عايز يروح المدرسة أول يوم.
علي بضيق: "والله يا ياسمين ما هاين عليا أسيب البيت وأنزل.. أنا بقول أزوغ باقي اليوم ،بما إني رجعت البيت عشان أغير هدومي ونقضي اليوم سوا."
ياسمين ضحكت بمرح وقامت وقفت قدامه تعدل له الياقة: "تزوغ فين يا أستاذ؟ إحنا لسه بنقول يا هادي.. وبعدين لو زوغت النهاردة وبكرة، أومال هنأكل منين؟ ولا عايزنا نعيش على عيش وملح؟"
علي مسك إيديها وباسهم بحب: "يا ستي آكل عيش وملح بس أفضل جنبك."
ياسمين طردته بضحكة خفيفة وهي بتزقه ناحية الباب: "يالا يا علي بلاش كسل.. الشغل مستني، وأنا وخالتو منى هنجهزلك غدوة تحلف بيها لما ترجع."
علي استسلم وودع خالتو منى اللي كانت بتدعيلهم من قلبها في الصالة.
وقف على الباب وبص لياسمين نظرة أخيرة، قرب منها وباس جبينها برقة، وفجأة خطف بوسة من خدها وهو بيغمزلها: "مش هتأخر عليكي يا ست البنات."
نزل علي ، وياسمين فضلت واقفة ورا الباب وهي حاطة إيدها على خدها ومبتسمة بكسوف.
دخلت المطبخ تساعد خالتو، بس بعد عشر دقايق بالظبط، سمعت خبط قوي ومتتالي على الباب.
ياسمين باستغراب: "هو علي نسي حاجة ولا إيه؟ ده مالحقش يوصل لأول الشارع!"
جريت على الباب وهي بتعدل شعرها بضحكة: "نسيت قلبك ولا إيه يا علـ..."
الكلمة وقفت في حلقها، والضحكة اتمحت من على وشها في ثانية. ملامحها اتحولت لرعب حقيقي، وجسمها كله بدأ يترعش وهي شايفة الشخص اللي واقف قدامها وبصاته كلها غل وانتقام.
ياسمين بهمس مرعوب وصوت طالع بالعافية: "بـ.. بابا؟!"
إبراهيم كان واقف، عينه حمرا وشكله مبهدل وكأنه كان بايت في الشارع، وبص لها بابتسامة مرعبة وقال:
"أهلاً يا ست ياسمين.. كنتي فاكرة إنك استخبيتي خلاص؟ فاكرة إن الواد ده هيحميكي مني؟"
__________________________________
كان المطار في حالة هدوء ،بيقطعه صوت نداء مواعيد اقلاع الطيارات
جميلة قاعدة في صالة الانتظار، حاطة شنطتها القديمة جنبها، وماسكة موبايلها بإيد بتترعش.
فتحت الصور وعينها ثبتت على صورتهم التلاتة.. أدهم بضحكته الواثقة، ويزن ببراءته، وهي بينهم كأنها كانت في حلم وصحيت منه على كابوس.
مسحت بإبهامها على وش أدهم في الصورة، ودموعها نزلت غرقت الشاشة:
"سامحني يا أدهم.. كان لازم أمشي ..."
فجأة، نادى موظف المطار على ميعاد الرحلة. قامت جميلة بخطوات تقيلة، سلمت الباسبور والورق، وبدأت تتحرك ناحية البوابة الأخيرة اللي بتفصلها عن الطيارة.. وعن حياتها القديمة في نفسالوقت.
وقفت عند البوابة وبصت وراها نظرة أخيرة لمصر، وللقصر، وليزن ، ...ولأدهم.. ولسه هتحط رجلها جوه، فجأة صوت زلزل كيان المطار كله.. صوت جهوري، مليان غضب، ووجع، :
"جميلةاااااااا!"
جميلة اتصنمت مكانها، قلبها وقع في رجليها، ولفت ببطء وهي مش مصدقة. كان أدهم واقف على بعد أمتار، صدره بيعلا ويهبط بعنف، وكأنه كان في معركة، وعيونه حادة والشر بيتطاير منها ...
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
قبل اللحظة دي بكام ساعة ..وبعد ما علي وأدهم خرجوا من إجتماعهم مع محمود
علي اتكلم بتردد:
"أدهم بيه.. أنا لازم أقولك حاجة، جميلة قابلت إبراهيم وسلمته الملف، وهو سلمها ورق السفر."
أدهم في اللحظة دي افتكر لما شافها في مكتبه، وضحك ضحكة سخرية مريرة.. واكتشف فوراً إن التمثيلية اللي عملتها في المكتب كانت مجرد غطاء لسرقة الملف، وإنها كالعادة كدبت عليه
بص لعلي بجمود وقال: "روح إنت يا علي، وأنا راجع القصر."
وصل أدهم القصر، دخل جناحه وهو بيدور عليها بعد ما دور عليها في القصر كله، بس ملقاش غير ريحتها اللي لسه في المكان. عينيه وقعت على السرير.. لقى الشيك اللي إبراهيم كتبهولها.
وجنبه جواب، فتحه وإيده بتترعش، وبدأ يقرأ بوجع:
"أنا عارفة إنك في الوقت اللي هتقرأ فيه الجواب ده هكون سافرت.. وعشان كده هعترفلك بكل حاجة، بس قبل كل ده أنا عايزاك تعرف حاجة.. أنا بحبك يا أدهم ..
للأسف حبيتك ،أنا عارفة إن مفيش مبرر للي عملته، بس أنا بجد أسفة، سامحني يا حبيبي.. طول عمري أنانية مابفكرش غير في نفسي، وعشان كده لما عمك إبراهيم عرض عليا أنصب عليك وأمثل إني أختك، وافقت.. وافقت وأنا مش عارفة إني هحبك كدة، وإن الفراق هيكون صعب بالشكل ده.
صدقني، كل لحظة وكل إحساس حسيته معاك ومع يزن كان حقيقي ومكانش من ضمن الخطة.. أنا مش عايزة فلوس وسيبتلك الشيك، وهبعد ومش هتشوفني تاني في حياتك.. بس طلب واحد، بلاش تخلي يزن يكرهني، خليه فاكر صورتي كويسة.. سامحني يا أدهم.. جميلة."
أدهم طبق الجواب في إيده بقوة لدرجة إن عروقه برزت، وعيونه اتحولت لجمر نار. رمى الجواب وخرج زي المجنون، ركب عربيته وطار للمطار، كان سايق بأقصى سرعة، لدرجة إنه كان هيعمل حادثة أكتر من مرة، بس مكنش شايف قدامه غير صورتها وهي بتهرب بقلبه.
دخل المطار ينهج، بيدور في الصالة زي الأسد المجروح، لحد ما لمحها.. واقفة عند البوابة النهائية، بتسلم ورقها وخلاص هتمشي. صرخ بكل قوته:
"جميلةاااااااا!"
جميلة اتصنمت مكانها، الصوت اخترق روحها، مكنتش مصدقة.. كانت بتدعي ودنها تكون بتكدب عليها. خدت خطوة لقدام وهي بتغمض عينيها، بس صوته رجع هز المكان تاني:
"جميلةاااااااا!"
بلعت ريقها برعب حقيقي، ولفت ببطء وهي بتترعش زي ورقة شجر في ريح عاصفة. شافته واقف بعيد، هدومه مبهدلة من أثر الجري، وعيونه فيها نظرة خوف وغضب وحب.. كان خليط مرعب من المشاعر.
أدهم بدأ يقرب منها بخطوات بطيئة ورزينة، خطوات كانت بتدب الرعب في أوصالها أكتر من الجري، لحد ما وصل قدامها. بص في عينيها طويلاً وهو بينهج، وبدون أي كلمة، قبض على معصم إيدها بقوة خلتها تحس إن عضمها هيتكسر، وسحبها وراه بعنف وسط ذهول المطار كله... ركبها ولف ،ودور العربية وساق بأقصى سرعة .
بصت له بدموع وهمست: "أدهم.. أرجوك رد عليا، زعق.. اصرخ.. اعمل أي حاجة بس متبقاش ساكت كدة.. أنا آسفة والله."أدهم ماردش ولا حتى بصلها، كأنه مش شايفها.
__________________________________
ياسمين رجعت بضهرها لورا، وصوتها طلع مخنوق بالخوف: "بابا!"
منصور اتقدم منها بخطوات تقيلة، وعينه بيتطاير منها الشر والغل، وقال بفحيح مرعب:
"أيوة يا ياسمين... إيه، فاكرة الواد اللي متجوزاه ده هيفضل مخبيكي عني كتير؟ اديني وصلتلك وانتي في بيته وهو ولا على باله."
ياسمين هزت راسها برعب ورعشة رهيبة سكنت جسمها وهي شايفة ملامحه اللي مفيهاش ذرة رحمة. في اللحظة دي، خرجت منى من أوضتها على صوت الصريخ، واتصدمت لما لقيت راجل غريب بيمسك ياسمين بعنف من كتفها وهي بتبكي بانهيار.
منى جريت عليهم وهي بتزعق:
"إنت مين يا راجل إنت؟ وإزاي تدخل البيت كدة؟ سيب البنت!"
ياسمين كانت كاتمة صرختها من الرعب والصدمة، ومنى حاولت بكل قوتها تبعده عنها، بدأت تشده من هدومه وتضرب في صدره عشان يسيب ياسمين.
منصور غضب وبص لمنى بنظرة وحشية، وقام زاققها بعنف جبار وهو بيصرخ فيها..منى صرخت ووقعت على الأرض بتقل جسمها، وللأسف راسها اتخبطت بقوة في حرف التربيزة الرخام.
ياسمين في اللحظة دي فاقت من صدمتها، شافت منى واقعه على الأرض والدم بدأ ينزل من راسها بغزارة ويسيل على السجاد. صرخت بجنون وجريت على المطبخ، ومنصور وراها زي الظل الأسود. سحبت سكينة من على الرخامة ووجهتها ناحيته وهي بتترعش:
"لو قربت مني هقتلك! والله هقتلك ومش هتفرق معايا!"
منصور وقف وقرب منها بسخرية وهو بيضحك ضحكة شيطانية:
"إيه؟ عايزة تموتيني؟ ده جزاتي بعد ما ربيتك طول السنين اللي فاتت دي؟ وأنا بربي واحدة مش بنتي!"
الكلمة نزلت على ياسمين زي الصاعقة. السكينة وقعت من إيدها وصوتها اختفى، عينيها وسعت بذهول وهي بتردد بهمس: "مش.. مش بنتك؟"
منصور استغل لحظة توهانها وفقدانها للتوازن، سحبها من إيدها ووقعها على الأرض، ونزل لمستواها وهو بيقول بصوت فحيح:
"دلوقتي هشفي غليلي منك وهذلك.. وهاخد حقي من كل لحظة صرفت فيها عليكي وأنا كاره وشك."
ياسمين بدأت تبعده عنها بضعف وهي بتعيط وتشهق، فاقدة الأمل في أي نجاة..
في نفس الوقت علي كان طالع السلم بابتساب وشنطة حلويات في إيده، دخل وهو بينادي بمرح:
"خالتو! ياسمينا! أنا جيت.. جبتلكم حاجات حلوة."
علي ضيق بين حواجبه لما لقى هدوء رهيب وصمت يقطع القلب، دخل الصالة لقاها فاضية، ولسه هيتحرك، عينه وقعت على الأرض.. صرخ صرخة هزت الشقة لما لقى خالته منى واقعه غرقانة في دمها.
"خالتو! خالتو رد عليا! إيه اللي حصل؟"
قعد جنبها وحاول يفوقها وهو مصدوم، بس سمع صوت أنفاس مكتومة وصوت شهقات جاية من المطبخ. قام زي المجنون ودخل، وشاف المنظر اللي خلاه يفقد أعصابه.. ياسمين على الأرض ومنصور بيحاول يقرب منها وهي متصنمة تماماً.
علي محسِش بنفسه، مكنش شايف قدامه غير دم خالته وكسرة مراته. هجم على منصور وجابه من هدومه زي العروسة اللعبة، ونزل فيه ضرب بـ لكمات غاشمة وعنيفة، لدرجة إن سنان منصور اتكسرت وطارت على الأرض.
علي كان بيضرب بمنطق الموت، وياسمين زحفت وهي على الأرض وبتشهق بعنف، مش عارفة تبكي على منى، ولا على نفسها، ولا على الحقيقة اللي عرفتها.. إنها عاشت عمرها كله مع وحش مش أبوها.
__________________________________
محمود كان قاعد مع نادية، والجو كان هادي، بس فجأة ملامحه اتخطفت ولون وشه هرب، حط إيده على قلبه وهو بيتنفس بصعوبة. نادية اتفزعت وقامت وقفت جنبه بخوف: "مالك يا محمود؟ حاسس بإيه؟ أجيبلك دكتور؟"
محمود هز راسه بنفي وهو بيحاول يجمع أنفاسه: "مش عارف يا نادية.. حاسس بقبضة غريبة في قلبي، نغزة مش مطمناني.. حاسس إن أدهم فيه حاجة، أو كأن فيه مصيبة بتحصل دلوقت." مسك موبايله بإيد بتترعش، وطلع رقم أدهم اللي كان مسجله بصفته شريكه الجديد، وضغط اتصال وهو بيدعي جواه إن ابنه يكون بخير.
في العربية
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
جميلة كانت بتبصله بذهول، حاسة إن الأرض بتتهز تحت رجليها، وصوت شهقتها كان مسموع في هدوء الطريق.
"إيه.. إنت كنت عارف؟" نطقتها بصوت مرعوب ومش مصدق.
أدهم ضحك ضحكة باردة خالية من أي مشاعر، وقال:
"عارف؟ أنا كنت سابقكم بخطوات يا جميلة. فاكرة إن حتة بنت زيك مع إبراهيم يقدروا يضحكوا على أدهم السويسي؟ أنا عارف اتفاقك معاه من أول لحظة، وعارف إنك داخلة القصر عشان تاخدي ورث ياسمين."
جميلة تراجعت لورا، لسانها عجز عن النطق، بس أدهم كمل ببرود وهو سايق:
"وأقولك الصدمة الأكبر.. أنا عارف شكلك من قبل ما رجلك تخطي باب القصر. كنت مراقبكم لحظة بلحظة، وعارف كل حركة بتعمليها وكل همسة بينك وبين إبراهيم. كنت بضحك وأنا شايفك بتمثلي دور الغلبانة اللي مش عارفة حاجة، وكنت بسايرك عشان أعرف إبراهيم ناوي يوصل لإيه."
جميلة صرخت بانهيار:
"ولما إنت عارف.. ليه سيبتني؟ ليه خلتني أحبك؟ ليه خلتني أتعلق بيزن وبالبيت ده وإنت عارف إني مش ياسمين؟"
أدهم قبض على دراعها بقوة وعيونه بتطلع شرار:
"لإني كنت عايز أكسركم بإيدي! كنت عايز أشوف اللحظة اللي هتقعي فيها في شري واكتشف حقيقتك.
في الوقت ده، كان أدهم سايق عربيته زي الإعصار، إيده ضاغطة على الدريكسيون لدرجة إن عروقه برزت وعضمه كان هيتكسر من الغضب المكبوت. وجميلة جنبه زي العصفورة المبلولة، مرعوبة من منظره .
وفجأة موبايله نور برقم محمود الشافعي، بص للشاشة باستغراب وضاقت عينيه، بس كنسل المكالمة بحدة؛ لأن ده آخر وقت ممكن يرد فيه على شغل أو صفقات.
فجأة، أدهم كسر الدريكسيون ودخل في شارع جانبي وفرمل العربية بعنف لدرجة إن جميلة اتنطرت لقدام. جميلة بصت حواليها وهي بتنهج، كانت فاكرة إنه رجع بيها القصر عشان يحبسها أو يخلص عليها، بس لما رفعت عينيها وبصت على المبنى اللي واقفين قدامه، اتصعقت.
فتحت عينيها بذهول وصدمة، وهي بتقرأ اليافطة الكبيرة المتعلقة، وهمست بصوت مبيطلعش: "مكتب جواز؟!"
لفت وشها لأدهم اللي كان بيفك حزام الأمان ببرود قاتل، وعينيه مثبتة عليها بنظرة خلت روحها تترعش. أدهم نطق أخيراً بصوت زي فحيح الأفاعي:
"انزلي.. مش إنتي كنتي عايزة تهربي وتختفي؟ أنا بقى هربطك بيا برباط لا فيه سفر ولا فيه هروب ولا فيه خروج من باب بيتي غير على قبرك."
جميلة هزت راسها برعب: "أدهم إنت بتقول إيه؟ إنت كدة بتنتقم مني؟ هتتجوزني وإنت عارف إني كدبت عليك؟"
أدهم قبض على دراعها وسحبها ناحيته بقوة:
"هتجوزك عشان أكسر عينك كل يوم بالحقيقة.. هتجوزك عشان أدفعك تمن كل لحظة شك عيشتيها لقلبي. النهاردة هتبقي مدام أدهم السويسي.. بس في جحيمي
أدهم كان بيسحب جميلة وراه كأنها طفلة،وهي كانت بتشبث في ترابزين السلم بكل قوتها، ضوافرها كانت بتخربش في الخشب وهي بتبكي:
"أدهم أرجوك.. بلاش الطريقة دي، متعملش فينا كدة!"
أدهم صبره نفد، وفي ثانية كان شالها بين إيديه وهي بتتحرك بعنف وبتحاول تفلت منه، بس قبضته كانت زي الحديد. طلع بيها لحد مكتب المأذون، نزلها قدام الباب وعدل قميصه ببرود، ودخل وهو بيقول:
"عايزين نكتب الكتاب يا شيخنا."
جميلة كانت بتبصله برعب، كانت فاكرة إن كل ده تمثيلية عشان يقرص ودنها أو يرهبها، بس لما لقت المأذون فتح الدفتر وبدأ يجهز القلم، حست إن الدنيا بتلف بيها. أدهم همس لها بصوت واطي ومرعب:
"معاكي بطاقتك الأصلية؟"
جميلة بصت له ببلاهة ومنطقتش، فسحب شنطتها القديمة من على كتفها وفتحها، طلع محفظتها وخرج منه البطاقة. فحصها بعينيه بتركيز، اتأكد إن الاسم هو اسمها الحقيقي، وعطاها للمأذون اللي بدأ ينقل البيانات في هدوء قاتل.
المأذون رفع راسه وقال: "كدة ناقص الشهود يا أستاذ أدهم."
أدهم هز راسه، وقرب من ودن جميلة وهمس لها بتحذير أخير:
"خمس دقايق وأكون هنا بالشهود.. لو حاولتِ تهربي، صدقيني هطلع عينك وهجيبك من تحت الأرض."
خرج أدهم، وجميلة حست إن دي فرصتها الأخيرة. استنت دقيقة، وقامت وقفت وهي بتمسح دموعها، وقالت للمأذون بصوت مهزوز: "أنا.. أنا رايحة الحمام ثواني وجاية."
أدهم رجع المكتب ومعاه الراجلين اللي اتفق معاهم يشهدوا، وعينه بتدور في المكان زي الصقر، لكن الصدمة كانت لما لقى الكرسي اللي كانت قاعدة عليه فاضي. المأذون رفع عينه من الورق وقال بهدوء: "العروسة استأذنت تروح الحمام يا أستاذ أدهم."
_______________________________________________
في المستشفى
كان السكون اللي في الطرقة يقطّع القلب. علي كان قاعد حاطط راسه بين إيديه. ياسمين قربت منه بضعف، مدت إيدها المرتعشة ولمست كتفه وهمست بصوت مكسور:
"أنا أسفة يا علي.. كل ده بسببي أنا، لو مكنتش دخلت حياتكم مكنش ده حصل."
علي غمض عينه بقوة، لدرجة إن عروق إيده برزت، لكنه ماردش ولا حتى بصلها. ياسمين حست بوجع في قلبها يفوق وجع الخوف اللي عاشته، سحبت إيدها ببطء وصمتت، وكأن سكوته ده كان أقوى حكم بالإعدام على علاقتهم.
بعد دقايق، باب العمليات اتفتح وخرج الدكتور وهو بيقلع الكمامة. علي قام بلهفة:
"خالتي عاملة إيه يا دكتور؟ طمني أرجوك."
الدكتور رد بهدوء: "الحمد لله، هي جالها ارتجاج خفيف بسبب الوقعة، بس قدرنا نسيطر على النزيف. هتقعد معانا يوم بالكتير لحد ما حالتها تستقر تماماً وتقدر تروح البيت على بكره."
علي اتنفس الصعداء وسأل: "طيب هي صاحية؟ ممكن أشوفها؟"
الدكتور: "لأ هي نامت دلوقتي، عطيناها منوم وهتصحي بكرة الصبح. وجودكم دلوقتي ملوش لزمة، الأفضل تروحوا ترتاحوا وتيجوا الصبح."
الدكتور مشي، وعلي لف ضهره لياسمين وقال بنبرة هادية بس غريبة، خالية من أي حنية زي ما اتعودت منه:
"يلا عشان نروح."
اتحرك علي قدامها بخطوات سريعة، وياسمين مشيت وراه بقلب مقبوض، التجاهل اللي في صوته كان بيقتلها. وصلوا البيت، علي فتح باب الشقة ودخل مباشرة على غرفته وقفل الباب وراه من غير ولا كلمة.
ياسمين وقفت في الصالة، بصت لمكان الدم اللي لسه على الأرض، ودموعها نزلت بشلالات. فهمت إن علي بيلومها، وإن حياتهم الهادية ادمرت بسبب ماضيها اللي طاردها لحد هنا.
قالت لنفسها بمرارة: "عندك حق يا علي تعاملني كده .. أنا نحس، أنا اللي جبتلكم الوجع."
دخلت أوضتها وهي مقررة قرار أخيرًا. سحبت شنطتها الكبيرة من فوق الدولاب، وبدأت تلم هدومها وهي بتشهق بالبكاء. كانت بتطبق الهدوم بإيد بتترعش، وكل قطعة بتفكرها بذكرى حلوة مع علي.. بس خلاص، هي شايفة إن وجودها بقى خطر وعبء، ولازم تمشي قبل ما تخسر اللي فاضل من كرامتها.
(انتو اتحسدتوا وربنا😭 )
___________________________________
أدهم ملامحه اتغيرت تماماً، وعرف فوراً إنها بتهرب. ساب الشهود واقفين ونزل السلالم بجري، درجات السلم مكنتش مكفية خطواته الواسعة. خرج للشارع وصدره بيعلا ويهبط بعنف، وبدأ يلف راسه يمين وشمال بجنون وهو بيمسح الشارع بعينه.
وفجأة.. لمحها!
كانت واقفة على بعد أمتار، ضهرها ليه، وواقفة مع ست كبيرة بتسألها عن الطريق.
مشي ناحيتها بخطوات سريعة ومنتظمة، ومسكها من كتفها بهدوء .
جميلة اتنفضت من مكانها وصرخت صرخة مكتومة وهي بتلف وشها، وشافت أدهم واقف قدامها وعروق رقبته بارزة من كتر الغضب. الست الكبيرة بصت لهم باستغراب، فأدهم رسم ابتسامة باردة ومصطنعة وهز راسه للست:
"معلش يا حاجة، أصلنا عرسان جداد واتخانقنا خناقة صغيرة، وهي حبت تدلع عليا وتهرب عشان أصالحها."
الست ضحكت بطيبة وقالت: "ربنا يهدي سركم يا ابني، بالراحة عليها دي باين عليها رقيقة خالص."
أدهم قبض على دراع جميلة بقوة خلتها تتأوه من الوجع، وسحبها وراه ناحية مدخل العمارة تاني وهو بيهمس في ودنها بفحيح الأفاعي:
"لو فكرتي تكرريها تاني، وقسماً بالله يا جميلة لهدفعك تمن الحركة دي غالي أوي.. اطلعي قدامي!"
سحبها وراه وهي بتتعثر في خطواتها وبتبكي بصمت، لحد ما دخلوا المكتب تاني. الشهود كانوا مستنيين، والمأذون بدأ يكتب الكتاب وهو بيبص لحالة جميلة المنهارة، بس نظرة أدهم الحادة كانت كفيلة تخليه يكمل من غير ولا كلمة.
أدهم كان قاعد وعينه مثبتة على جميلة بنظرة باردة وقاسية، والمنديل الأبيض مغطي إيديهم هما الاتنين. المأذون عدل نضارته وبص لجميلة وقال بوقار:
"قولي ورايا يا بنتي.. زوجتك نفسي على كتاب الله وسنة رسوله.."
جميلة سكتت، لسانها كان مربوط. أدهم ضغط على كف إيدها من تحت المنديل ضغطة خلتها تشهق بوجع، وبص لها نظرة تحذيرية .
بدأت تردد وراه بصوت مبحوح ومكسور، لحد ما المأذون قال جملته الشهيرة:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.. بالرفاء والبنين."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
جميلة حست إن الكلمة دي هي القفل اللي اتقفل على حياتها للأبد. أدهم قام وقف، سحب بطاقته وبطاقتها، وبص لها بانتصار وهمس بنبرة باردة:
"مبروك يا مدام أدهم السويسي.. نورتي جحيمي."
_______________________________________
في شقة علي وياسمين
في نفس اللحظة ، ياسمين كانت بتقفل سوستة الشنطة بدموع منهارة. بصت للأوضة نظرة وداع، وشالت الشنطة وخرجت للصالة، بس وهي بتعدي من قدام أوضة علي، الباب اتفتح فجأة!
علي كان واقف، ملامحه كانت متغيرة تماماً، بص للشنطة اللي في إيدها وسألها بجمود:
"رايحة فين ؟"
ياسمين غطت وشها بإيدها، وصوت بكاها كان بيقطع في قلب علي، قالت وسط شهقاتها: " أنا ماشية عشان أريّحك."
علي بصلها بجمود ثواني، وبعدين نطق بصوت خشن: "ماشية فين؟ لبيت أبوكي اللي كان هيقتلك النهاردة؟؟"
ياسمين سابت الشنطة من إيدها كأنها فقدت كل طاقتها، وقعدت على الأرض بانهيار، حطت وشها بين إيديها وبقت تبكي بعنف. علي مقدرش يشوفها كدة أكتر من ثانية واحدة، وقعد جنبها على الأرض وحاوطها بين إيديه بقوة، كأنه بيحبسها جوه أمانه.
ياسمين فضلت تعيط في حضنه لحد ما أنفاسها بدأت تهدى وبقت مجرد شهقات بسيطة من وقت للتاني. علي رفع دقنها بإيده، وبص في عينيها الحمرا من كتر البكاء وقال بهمس وعتاب:
"عايزة تبعدي عني يا ياسمين؟ عايزة تسيبيني بجد؟"
ردت بوجع وصوت مبحوح: "غصب عني والله غصب عني.. من وقت ما بقيت في حياتك والمشاكل مش سايباك، والنهاردة خالتو كانت هتموت بسببي .. هبعد عشان بحبك."
علي اتجمد مكانه، الكلمة رنت في ودنه زي اللحن ، بلع ريقه بصعوبة وقال بذهول: "ياسمين.. إنتي.. قولي كدة تاني؟"
ياسمين عضت على شفايفها بخجل، ووشها احمرّ تماماً، وحاولت تدير وشها بعيد، وقالت برقة: "ماقولتش حاجة."
علي مسك وشها بإيديه الاتنين وقال بلهفة: "ياسمين أرجوكي.. عيدي اللي قولتيه، ريّحي قلبي."
ياسمين ضمت شفايفها بخجل وهمست وهي بتبص في الأرض: "بحبك."
علي شدها لحضنه بقوة لدرجة إنها حست بضلوعه بتضغط عليها، كان بيتنفس بسرعة وقال: "أخيراً يا حبيبتي قولتيها! من يوم ما اعترفتلك وإنتي بتقوليلي إنك هتقوليها لما تبقى متأكدة منها، وأنا كنت هموت وأسمعها."
ياسمين كملت وهي دافنة وشها في صدره: "أنا عارفة إنك زعلت لما ماردتش عليك يوم ما قولتها، بس كنت عايزة لما أقولها أبقى حساها بجد، مش لمجرد إنك طلبتها مني.. وأنا دلوقتي متأكدة إني مقدرش أعيش من غيرك يا علي."
علي بص لها بعتاب عاشق:"وعشان كده عايزة تمشي وتسيبيني يا ياسمين ،لوبتحبيني فعلا عمر الفكره دي مكانت هتختر على بالك ؟"
ياسمين نزلت راسها بحزن: "كنت فاكرة إن ده الأحسن ليك."
علي مسك وشها بين إيديه وسند جبينه على جبينها، وأنفاسهم اختلطت ببعض، وقال بصوت مليان عشق: "الأحسن ليا إنك دايماً تبقي قدامي وتملي عيني بيكي.. أنا بحبك يا ياسمين، بحبك أوي."
ياسمين حركت راسها ببطء وهي لسه بين إيديه، وهمست من قلبها: "وأنا والله بحبك أوي."
____________________________________
أدهم مكنش بس محاوط وسطها، ده كان كأنه بيعلن للعالم إن الست دي بقت ملكه، . جميلة كانت ماشية جنبه زي الآلة، الصدمات اللي أخدتها في يوم واحد كانت كفيلة تخلي عقلها يتوقف عن أي مقاومة.
فتح لها باب العربية، قعدت وسندت راسها على الشباك وهي بتبص للطريق اللي بدأ يضلم، وأنفاس أدهم الهادية والمخيفة في نفس الوقت كانت هي الصوت الوحيد اللي مالي المكان. لما العربية وقفت قدام الفندق، جميلة حست إن ضربات قلبها زادت.. ليه فندق؟
نزل أدهم وفتح لها الباب، وبنفس القبضة القوية سحبها وراه ودخلوا الفندق. كان الفندق فخم جداً، والأضواء فيه بتخطف العين، بس جميلة كانت حاسة إنها داخلة سجن من دهب. وقف أدهم قدام موظفة الاستقبال، وبنبرة واثقة قال: "عايز جناح ملكي ليلة لشخصين."
الموظفة بصت لجميلة، وبعدين بصت لأدهم وقالت بأسف: "بعتذر يا فندم، القوانين تمنع حجز جناح لشخصين بدون إثبات زواج.. حضرتك معاك القسيمة؟"
أدهم رسم ابتسامة باردة على وشه، وطلع من جيبه الموبايل - وقال: "إحنا لسه كاتبين الكتاب حالاً، والقسيمة لسه مخلصتش، بس دي بتثبت الجواز وعليها ختم المأذون."
الموظفة شافت الصورة وابتسمت باعتذار: "ألف مبروك يا فندم، بعتذر على الإزعاج." وأخدت البيانات وعطت لأدهم الكارت الممغنط بتاع الجناح.
أدهم أخد الكارت، ولف لجميلة اللي كانت لسه متصنمة، وهمس في ودنها بصوت خلى جسمها كله يقشعر:
"مش قولتلك مفيش هروب؟ الليلة دي إحنا لوحدنا.. عشان أعرفك مين هو أدهم السويسي اللي فكرتي تلعبي بيه."
سحبها ناحية الأسانسير، وأول ما الباب اتقفل عليهم، جميلة نطقت أخيراً بصوت مهزوز:
"أدهم.. إنت ليه بتعمل كدة؟ ليه مجيبتنيش القصر؟"
أدهم بص لانعكاس صورتها في مراية الأسانسير وقال بجمود:
"عشان يزن مش لازم يشوفك بالمنظر ده.. ولا لازم يحس إن فيه حاجة اتغيرت. الفندق ده عشان نصفي حساباتنا القديمة يا جميلة.. عشان لما نرجع القصر، ترجعي وانتي عارفة مقامك كويس."
وصلوا الجناح،أدهم فتح الباب بتلكارت وهو لسه محاوط خصر جميلة بقوة، سحبها لجوة وقفل الباب بالمفتاح بحدة، والجو كان مشحون بتوتر رهيب. جميلة كانت بتبص له برعب وهي شايفة ملامحه اللي مفيهاش أي ذرة رحمة، وكأنها في انتظار حكم الإعدام.
أدهم مابصلهاش في الأول، طلع موبايله من جيب البنطلون ببرود واتصل بالخادمة في القصر، وأول ما ردت قال بصوت آمر وقاطع:
"عشي يزن ونيميه، وقوليله إن جميلة هانم معايا وهنبات برة القصر النهاردة.. مش هنرجع غير بكرة."
قفل الموبايل ورمى الكارت على التربيزة، وبدأ يقلع جاكيت البدلة ويرميه بإهمال، وبعدها بدأ يفك زراير قميصه وهو بيقرب من جميلة بخطوات بطيئة وموزونة، وعينيه زي الصقر الجارح بتمسح ملامحها المرتعشة..
جميلة كانت بترجع لورا بخوف وندم، لحد ما السرير خبط في رجليها ومبقاش قدامها أي مفر، قعدت بضعف وهي بتبص له بدموع، وأدهم وقف قدامها مباشرة وحنى نفسه لمستواها وهو بيقول بصوت واطي ومخيف:الليلة دي ليللتنا أنا ونتي وبس يا حرمي المصون ، عشان أعلمك إزاي تفكري تهربي من جحيمي."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
انحنى أدهم لمستواها، وريحة برفانه تسللت لأنفها بقوة، وهمس بصوت عميق دبّ الرعب في أوصالها: "مستعدة يا جميلتي؟"
جميلة بلعت ريقها بخوف، وهمست برعب: "مـ.. مستعدة لـ إيه؟"
ابتسم من زاوية فمه بمكر، وفي ثوانٍ كان شايلها بخفة كإنها فراشة، واتجه نحو السرير وهو بيقول بمكر: "هتعرفي حالاً."
جميلة لقت نفسها فجأة على السرير، وأدهم قريب منها لدرجة أنفاسه الساخنة بتخبط في بشرتها.. رفعت عيونها لقته باصص لها بنظرات مش مفهومة.. مزيج بين الحب، الوجع، العتاب والخذلان. إيديه ساندة على السرير جنب دماغها، والإيد التانية مازالت محاوطاها بخشونة، وبملكية شديدة وسيطرة.
همست جميلة بتخدر من قربه: "فيه إيه يا أدهم؟"
مردش.. ومازال مركز بعيونه السوداء زي الفحم، لدرجة إنها حست بنفسها بتغرق في عمقهم.. كان بيعاتبها بنظراته قبل كلامه، مستني يلاقي إشارة منها إنها ندمت. رغم الكلام اللي قرأه في الجواب بخط إيديها، إلا إنها دلوقتي بين إيديه ونظراتها فضحاها، ورغم حبها لكنه في اللحظة دي ملقاش في عينيها غير الخوف والارتباك.
فجأة لقته قام بسرعة كإن لسعته عقربة، ضيقت بين حواجبها بحيرة من تغيره المفاجئ. عدل قميصه، وعطاها ظهره، واتجه لحمام الجناح وقفل الباب بقوة لدرجة إنها انتفضت من صوت الخبطة. معداش ثواني وسمعت صوت المية، وفهمت إنه بيستحمى.
غمضت عيونها بإرهاق من أحداث اليوم الكتيرة، كانت متخيلة إنها في الوقت ده هتكون في الطيارة، ولكن يشاء القدر إنها تكون في جناح فندق مع أدهم اللي أصبح زوجها.
بعد عشر دقائق، أدهم خرج وهو لابس برنس أبيض وبينشف شعره. أول ما شافته اتعدلت في مكانها وقالت بتوتر: "أدهم.."
وقف يسرح شعره بدون ما يبصلها وقال ببرود: "نعم؟"
قالت بارتباك: "أنا عايزة أغير هدومي، وإنت مخلتنيش أجيب شنطتي من المطار."
بصلها ومردش، مسك موبايله وعمل مكالمة سريعة، وبعدين قال: "شوية وشنطتك هتيجي."
فتح المبرد (الميني بار) وخرج تفاحة حمراء وبدأ يأكلها.
سألته بخوف: "طيب إحنا هننام إزاي وإنت معكش لبس؟"
رد بلامبالاة: "ملكيش دعوة، هنام بالبرنس."
قالت بعفوية: "بس كدة هتبرد، الجو سقعة."
بصلها لثواني ومردش، فقامت بتوتر وفتحت المبرد وخدت علبة عصير أناناس وبدأت تشربها بعطش.
أدهم كان مراقب كل حركة منها، ولما غمضت عيونها وهي بتشرب والابتسامة اللي ارتسمت على شفايفها، بلع ريقه وحمحم بيحاول يداري مشاعره.
قام وخد ملاية ومخدة وفرشهم على الأرض. جميلة استغربت وقالت: "مش معقول هتنام بالبرنس وعلى الأرض كمان انت كده جسمك هيوجع...!"
لكنها اتفاجئت لما لقته فرد جسمه على السرير وقال ببرود وهو مغمض عينه: "ده ليكي إنتي."
ضمت شفايفها بغيظ ودبدبت في الأرض وهي بتبرطم بضيق، وهو لسه مغمض عينه قال: "متبرطميش."
قعدت على الأرض وفردت جسمها، وبعد دقائق لما حست إنه نام، فكت أزرار الشميز بتاعها وبقت بالتوب الأبيض الكت، وفكت شعرها عشان تعرف تنام.
عدى الوقت، وأول ما راحت في النوم، أدهم فتح عينيه وبص عليها بحزن وحب دفين، واتنهد بتعب ونام هو كمان.
________________________________
في صباح يوم جديد، الشمس كانت لسه بتفرش خيوطها على جدران القصر، عربية أدهم وقفت قدام الباب. أول ما دخلوا، يزن كان مستني ورا الباب بلهفة طفل، وبمجرد ما شاف جميلة، صرخ بفرحة هزت المكان: "جميلة!" وجري عليها بأقصى سرعة عنده.
جميلة في اللحظة دي نسيت كل الوجع، نسيت تهديدات أدهم، ونسيت إنها في جحيمه زي ما قال.. كان كل اللي شاغل عقلها وقلبها هو الطفل ده. نزلت لمستواه بسرعة وفتحت دراعاتها وضمته لقلبها بقوة، وكأنها كانت غايبة عنه سنين مش مجرد ليلة.
غمضت عيونها وهي دافنة وشها في كتفه الصغير، واستنشقت ريحته اللي بتطمنها، وهمست بشوق:
"يزن حبيبي.. وحشتني أوي يا روحي، وحشتني فوق ما تتخيل."
أدهم كان واقف بعيد شوية، ساند ضهره على الباب وحاطط إيده في جيبه، وعينيه مثبتة عليهم بجمود. رغم القسوة اللي بيحاول يظهرها، إلا إنه من جواه كان متأكد إن مشاعر جميلة تجاه يزن صادقة 100%.. يزن هو نقطة ضعفها، وهي كمان بقت نقطة أمان يزن.
يزن بعد عنها شوية وبص لوشها بزعل طفولي، وربع إيديه وقال:
"ليه نمتوا برة وسيبتوني؟ أنا فضلت مستنيكم كتير ونمت لوحدي."
قلب جميلة وجعها من نبرة صوته، مسكت وشه بين إيديها وبسته في جبهته بحنان :
"أنا آسفة يا حبيبي، حقك عليا.. كانت ظروف غصب عننا، بس أوعدك يا يزن، أوعدك قدام ربنا إني مش هكررها تاني، ولا هبعد عنك مرة تانية أبداً مهما حصل."
نظراتها وهي بتقول الجملة دي كانت قوية، وكأنها بتبعت رسالة مبطنة لأدهم إن يزن هو الحبل اللي رابطها بالمكان ده، وإنها مستعدة تستحمل أي حاجة عشان خاطره هو وبس.
أدهم قطع اللحظة دي بصوته الرخيم والجامد:
"أنا هطلع أغير هدومي وأروح الشركة."
قال جملته وتحرك ناحية السلم ببرود، من غير ما يبص لجميلة، لكن جميلة مكنش هاممها تجاهله ولا نظرته القاسية.. كانت مشغولة بضحكة يزن اللي رجعت تنور وشه تاني وهو بيحكيلها عمل إيه في غيابها.
_______________________________
في الشركة..
دخل أدهم بهيبته المعتادة، وابتسم لرزان (السكرتيرة) وقال: "صباح الخير."
رزان اتصدمت مكانها وقالت في سرها: "هو قالي صباح الخير بجد؟ أكيد عايز يرفدني وبيريح ضميره!"
أما أدهم فدخل مكتبه ووقف قدام الشباك الزجاجي الكبير، والابتسامة مش مفارقة وجهه كل ما يفتكر إنها بقت مكتوبه على اسمه، رغم إنه لسه ناوي يعاقبها على كدبها وخداعها.
قطع تفكيره دخول علي اللي بصله باستغراب: "أدهم! إنت بتضحك؟ رزان كان عندها حق، إنت أكيد ناوي تطردنا!"
أدهم ضحك: "خلاص اعتبرني من النهاردة هبتسم على طول."
علي سأله بشك: "هو فيه إيه بالظبط؟"
أدهم مسح على شعره وقال بهدوء: "أنا اتجوزت جميلة."
علي صرخ بصدمة: "مييين؟ أختك؟"
أدهم: "أختي إيه يا عبيط، ما أنت عارف اللي فيها."
على باستغراب :طيب احكيلي حصل إزاي ."
وحكاله كل اللي حصل من وقت ما لحقها في المطار لحد ما كتبوا الكتاب."
علي هز رأسه بابتسامة مكر وهو فاهم أدهم: "وطبعاً اتجوزتها عشان تربيها على إيدك."
أدهم كابر وقال وهو بيبص في اللابتوب: "أكيد طبعاً."
علي اتكلم بجدية: "طيب اسمع، أنا كمان عايز حاجة مهمة."
أدهم بانتباه : "فيه إيه؟"
على بدأ يحكيله كل اللي حصل إمبارح ،من أول ما منصور اتهجم على ياسمين، وإنه إعتراف إنه مش أبوها .
أدهم بغضب: "كنت متأكد! ده مستحيل يكون أب.. وعملت معاه إيه؟"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
علي: "وديتوا القسم وعملت محضر عدم تعرض، بس بعد ما عدمته العافية في البيت."
أدهم هز رأسه بتفهم،
وسأله علي: "هتعمل إيه مع إبراهيم؟ أكيد هيتجنن لما يكتشف اللعبة."
أدهم ابتسم بمكر: "اتقل.. وهتشوف هيحصل فيه إيه."
أثناء ما كان علي وأدهم بيتكلموا، فجأة الباب اتفتح بعنف لدرجة إنه خبط في الحيطة، وظهر إبراهيم وعينيه حمرا من الغضب، ووراه رزان بتحاول تمنعه وهي متوترة:
"أدهم بيه.. هو مٌصر يدخل وأنا مش عارفة أمنعه!"
أدهم بص لها بهدوء وثبات استفز إبراهيم أكتر، وهز رأسه ببرود وقال:
"خلاص يا رزان.. اخرجي إنتي واقفي الباب."
إبراهيم وقف قدام المكتب وهو بينهج من الغضب، وأدهم لف بالكرسي ببرود قاتل، وسند ضهره وقال:
"نورت يا عمي.. إيه، بقالك فترة مبتجيش الشركة ليه؟ ولا فاكر إنك عملت خميرة كويسة ومش هتشتغل تاني؟ لا خد بالك، مفيش حاجة مضمونة في الزمن ده."
إبراهيم كان الشر بينطلق من عينيه، وقرب من المكتب وهو بيزعق:
"أنا عايز فلوسي يا أدهم!"
أدهم ضحك باستهزاء، ضحكة رنت في أركان المكتب، وبعدين اتعدل في وقفته وبصله بحدة:
"طالما جيت البجاجة دي، يبقى خلاص نلعب على المكشوف.. بص يا إبراهيم انت ملكش فلوس عندي. إنت أكتر واحد عارف أنا تعبت إزاي عشان أجمع الثروة دي، وإنت مالكش أي حق فيها."
إبراهيم صرخ بصوت عالي:
"لا! الثروة دي كلها بتاعتي، ده حقي بعد ما أبوك مات! ولولا إنك قدرت ترجع للعيلة، كان كل ده هيبقى بتاعي!"
أدهم في لحظة فقد بروده وقام وقف، وبقت نظراته زي السكاكين:
"إيه بقى اللي كان هيبقى بتاعك؟ إنت ناسي إني لما رجعت كنت مبوظ كل حاجة في الشركة؟ أنا اللي قومت الشركة دي على رجليها بمجهودي، ونحت في الصخر عشان تقف تاني وتكبر بالشكل ده!"
أدهم كمل وهو بيقرب من إبراهيم بخطوات واثقة:
"مالكش حاجة عندي يا إبراهيم، وأنا هفضل كويس معاك للأخر عشان صلة الدم، ومش هحبسك، إنك بعتلي واحدة تمثل إنها أختي عشان تاخد فلوسي.. وهكتفي بـ إني مش عايز أشوف وشك تاني في حياتي."
أدهم ملامحه اتصلبت وبقت زي الصخر، وبص لعمه بنظرة خلت إبراهيم يرتعش مكانه رغم غله، وقال بصوت فحيح هادي بس يقطع القلب من قوته:
"اسمع يا إبراهيم.. الكلمتين اللي هقولهم لك دول يتحطوا حلقة في ودنك. أنا هفضل حاططك تحت عيني، وكل نَفَس بتتنفسه هبقى عارفه. ولو عقلك وزّك بس وفكرت تأذيني أو تقرب من أهلي، أو من حد يخصني، وقتها هنسى خالص إن فيه بيني وبينك صلة قرابة، وهسجنك وأرميك ورا القضبان بقية عمرك في قضايا اختلاس وفساد أنا شايل ملفاتها للوقت المناسب.. فـ لم الدور واخرج بكرامتك أحسن لك."
إبراهيم وشه بقى أزرق من الغل، وبص لأدهم بنظرة أخيرة مليانة حقد وقال:
"ماشي يا أدهم.. افتكر إنك إنت اللي بدأت، وعمرك ما هتتهنى باللي إنت فيه ده، وهنتقم منك في أغلى ما عندك."
إبراهيم ملقاش رد يقوله قدام قوة أدهم، فلف وخرج وهو بيبرطم بكلام مش مفهوم ووشه غرقان في السواد.
علي اتنفس الصعداء وقال لأدهم:
"أيوة كده يا أدهم، كان لازم يعرف إن الله حق، والراجل ده مبيجيش غير بالعين الحمرا ."
أدهم قعد على مكتبه بتعب وقال:
"أنا مش عايز وجع دماغ يا علي، بس هو اللي بيحدف نفسه في النار.. المهم دلوقتي، عايزك تكثف الحراسة على القصر ،إبراهيم لما بيتزنق بيلعب بطريقة قذرة."
علي هز راسه بجدية:
"اعتبره حصل.. هقوم أنا دلوقتي أعدي على المستشفى أطمن على خالتي، وهرجعلك تاني."
__________________________________
بعد ما علي وياسمين عاشوا ليلة من أصعب ليالي حياتهم، الباب اتفتح ودخل علي وهو ساند منى اللي كانت ماشية بخطوات بطيئة، ودماغها ملفوفة بشاش أبيض .
ياسمين أول ما شافتهم، جريت بلهفة كان نفسها تترمي في حضن منى، بس فجأة فرملت مكانها.. افتكرت إنها كانت السبب في الوجع ده كله، وافتكرت إنها "
غريبة عنهم زي ما منصور قال. حطت إيدها ورا ظهرها ونزلت راسها في الأرض بخجل وكسرة، ودموعها بدأت تنزل في صمت.
منى بقلبها الكبير اللي ميعرفش غير الحب، قربت منها ببطء، ومدت إيدها المرتعشة رفعت راس ياسمين لفوق وقالت بحنان:
"إيه يا ياسمين.. مش هتقوليلي حمد الله على السلامة يا خالتو؟ "
ياسمين أول ما سمعت نبرة الحنية دي، مكنتش قادرة تمسك نفسها أكتر، شهقت شهقة مكتومة وانفجرت في العياط، وارتمت في حضن منى بكل قوتها وكأنها بتستخبى من الدنيا كلها فيها، وبقت تردد بصوت مبحوح:
"أنا أسفة.. أنا السبب في كل ده، أنا اللي جبتلك الوجع يا خالتو.. سامحيني، أنا أسفة."
منى طبطبت على ظهرها بحنان وقالت بصوت هادي: "بس يا عبيطة.. إنتي مالكيش ذنب في أي حاجة، ده قدر ومكتوب، وإنتي بنتي اللي مخلفتهاش، فاهمة؟"
علي كان واقف بيراقب المشهد ده، وقلبه اللي كان مشحون غضب وتعب بدأ يهدى. ابتسم وقرب منهم، وفتح دراعاته وحاوطهم هما الاتنين في حضن واحد دافي وقال بمرحه المعتاد عشان يفك التوتر:
"إيه يا جماعة؟ هو أنا ماليش في الحب جانب ولا إيه؟ وبعدين إيه الحنفية اللي اتفتحت دي؟ لو مسكتوش دلوقتي أنا كمان هعيط وأغرقكم، وأنا دمعتي قريبة أوي زي ما أنتوا عارفين!"
منى ضحكت وسط دموعها وضربته بخفة على كتفه: "بس يا واد.. بطل غلبة، خلي البت تفضي اللي في قلبها."
علي شدد من ضمتهم وقال: "خلاص بقى يا ست الكل، المهم إنك نورتي بيتك، وياسمين أهي زي القردة قدامك، ومن النهاردة مفيش لا منصور ولا زفت يقدر يقرب من شبر من البيت ده."
ياسمين رفعت راسها وبصت لعلي بامتنان، وحست لأول مرة إنها فعلاً وسط أهلها، حتى لو مفيش دم يربطهم، فيه حب أقوى من أي ورق.
_________________________________
جميلة خرجت من حمام جناحها وهي حاسة إن روحها ردت فيها بعد الشاور العميق ده، وكأن المية غسلت تعب الأيام اللي فاتت وتوترها من أدهم.
كانت بتنشف شعرها بالفوطة وبتدندن بصوت واطي، وهزت كتفها بدلع عفوي وهي ماشية ناحية التسريحة.
مسكت السشوار وبدأت تجفف شعرها وهي باصة في المراية ومنسجمة مع نفسها، لكن فجأة السشوار وقع من إيدها وشهقت بخضة لما لمحت في المراية خيال حد قاعد وراها على السرير.
لفت بسرعة وهي حاطة إيدها على قلبها، ولقت أدهم فارد جسمه ببرود وأريحية تامة على سريرها، وحاطط إيد ورا راسه وبيراقب حركاتها بعيون زي الصقر.
جميلة بتوتر ونهجان من الخضة: "أ.. أدهم! إنت إيه اللي جايبك هنا؟ ونايم على سريري كدة ليه؟"
أدهم ملمحش بوشه أي تعبير، وفضل على نفس حالة البرود ورد بهدوء: "أبداً.. لقيت السرير بتاعي مش مريح، وتقريباً المرتبة محتاجة تتنجد، فقولت أشوف سرير تاني.. وبما إنك مبقالكيش كتير في القصر، فالسرير ده يعتبر لسه جديد وأكيد هيكون مريح."
جميلة برقت عينيها بذهول وهزت راسها وهي مستنياه يكمل، وقالت بحيرة: "وبعدين؟"
أدهم عدل جسمه في وضعية أكتر راحة وربع إيديه ورا راسه وقال باستفزاز: "ولا قبلين.. هنام هنا."
جميلة ضمت شفايفها بغضب وغيظ، وقالت بصوت عالي شوية: "نعم؟! وتنام هنا بتاع إيه إن شاء الله؟ ما إنت عندك بدل الأوضة عشرة، وكلهم فيهم سراير.. إشمعنى أوضتي أنا يعني؟"
أدهم بصلها لثواني، وبعدين رفع عينه للسقف وبدأ يصفر ببرود وكأنه مش سامعها أصلاً، ولا كأن فيه واحدة واقفة بتتحرق قدامه.
أدهم كان متابعها بنظرات هادية ومستفزة في نفس الوقت، وصوت السشوار كان مالي الأوضة، بس عينه كانت مركزة على حركاتها المتوترة وشعرها اللي بدأ يتطاير حوالين وشها وهي بتجففه.
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
جميلة كانت بتحاول تتجاهل وجوده، بس مكنتش قادرة، فجأة فصلت السشوار ولفّت له وهي حاطة إيدها في وسطها وقالت بغيظ:
"وبعدين يا أدهم؟ إنت بجد ناوي تنام هنا؟ ده جناحي.. اتفضل لو سمحت على جناحك."
أدهم ملمحش بوشه أي تعبير، بس رفع حاجبه وقال ببرود يفرس:
"والله يا مدام أدهم، القصر كله ملكي، والجناح ده جزء من القصر، وإنتي شخصياً.. بقيتي رسمياً جزء من ممتلكاتي، فـ أنام في أي مكان يعجبني."
جميلة وشها احمرّ من الكسوف والغضب ، نفخت بضيق وبصت للكنبة اللي في ركن الأوضة وبعدين بصت له:
" على فكرة يا أدهم، انت متكبر ومغرور، وحقيقي بقيت شخص لا يطاق!"
أدهم ابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة نصر، وقال:
"عارف.. قولي حاجة جديدة. ويلا خلصي شعرك ده عشان عايز أنام في هدوء."
جميلة رجعت شغلت السشوار تاني وهي بتبرطم بكلام مش مفهوم، وأدهم غمض عينه وهو بيسمع صوت السشوار، بس الحقيقة إنه مكنش عايز ينام، هو كان عايز يفضل قريب منها، يحس بوجودها جنبه عشان يتأكد إنها مش هتهرب تاني، وفي نفس الوقت كان بيعاقبها بوجوده اللي بيوترها....
بعد شوية، جميلة خلصت، ولمت شعرها كحكة عشوائية، وراحت ناحية الكنبة وهي بتسحب غطا تقيل ووسادة، واترمت عليها بضيق وهي بتنفخ. أدهم فتح عين واحدة وبص عليها وهي بتحاول تظبط نفسها على الكنبة الضيقة، وحس بغصة في قلبه، بس كابر وفضل مكانه.
عدى وقت والصمت ساد المكان، وفجأة سمع صوت شهقة خفيفة.. بص ناحية الكنبة لقى جميلة بتعيط في صمت وهي مغطية وشها.
أدهم نفخ بضيق، مكنش قادر يكمل تمثيلية البرود وهو سامع صوت شهقاتها المكتومة اللي بتقطع في قلبه. قام من على السرير وقرب من الكنبة، وندى عليها بصوت واطي: "جميلة.. جميلة."
مردتش عليه، وفضلت منكمشة على نفسها، والبطانية بتتحرك بعنف بسبب انتفاض جسمها من العياط. أدهم مد إيده وشد الغطا، وهي حاولت تقاوم وتتمسك بيه، لكنه شده بقوة ورمى البطانية بعيد، واتصدم لما شاف حالتها؛ وشها كان أحمر زي الدم، ودموعها نازلة زي الشلال ومغرقة وشها.
من غير ولا كلمة، وطى وشالها بين إيديه بخفة. جميلة بدأت تقاومه وتخبط على صدره بإيدها وبترفص برجلها في الهوا وهي بتقول من بين شهقاتها:
"نزلني يا أدهم.. لو سمحت نزلني، مش عايزة منك حاجة."
أدهم ماردش عليها غير لما نزلها على السرير براحة، وحاوطها بإيديه وهو لسه قريب منها، وبص في عينيها وسألها بهدوء:
"بتعيطي ليه دلوقتي؟"
جميلة بصتله بوجع وقهر وقالت: "عشان إنت بتعاملني وحش.. بتقصد تذلني وتوجع قلبي كل شوية وتفكرني بغلطتي. أنا عارفة إني غلطت، وغلطت غلطة كبيرة أوي كمان، بس على الأقل كنت سيبني أمشي وأبعد، لكن بلاش تعاملني كأن ماليش كرامة وتدوس عليا بالشكل ده."
أدهم غمض عينه واتنهد تنهيدة طويلة ومحملة بالتعب، وكأنه كان بيصارع نفسه عشان ينطق الكلمة دي، وبعدين فتح عينه وبصلها بنظرة لانت لأول مرة وقال:
"جميلة.. أنا هديكي فرصة تانية، فرصة نبدأ فيها من جديد بجد."
جميلة برقت عينيها بصدمة، ودموعها وقفت فجأة، وسألته بعدم تصديق: "بجد يا أدهم؟ إنت بتقول كدة بجد؟"
أدهم هز راسه وكمل بجدية: "أيوة.. وأنا هوفي بوعدي القديم ليكي. هتكملي تعليمك وتدخلي الجامعة، وبعد ما تخلصي هتيجي تشتغلي معايا في الشركة تحت عيني.. ولحد ما الوقت ده ييجي، هحاول بجد إني أسامحك وننسى اللي فات."
جميلة مكنتش مصدقة ودنها، الابتسامة بدأت تترسم على شفايفها وسط الدموع اللي لسه منشفتش، وحست إن فيه جبل انزاح من على صدرها. بصتله بامتنان وقالت بصوت رقيق: "شكراً يا أدهم.. شكراً إنك اديتني الفرصة دي، وأوعدك إني هثبتلك إني أستاهلها."
أدهم ماردش عليها بالكلمة، لكنه سحبها لـ حضنه بقوة وتملك، ودفن راسه في تجويف رقبتها وهو بيغمض عينه بتعب. جميلة جسمها اتنفض وبقت بتترعش من قربه المفاجئ، وهمست بتوتر وصوت مهزوز:
"أدهم.. هو إنت مش قولت إنك خلاص هتسامحني وهتديني فرصة؟"
أدهم فتح عينه نص فتحة، وبص لها بنظرة غامضة وهمس بصوت رجولي واطي:
" أولا أنا مقولتش إني سامحتك يا جميلة.. أنا قولت هحاول، ولحد ما ده يحصل إنتي لسه تحت العقاب، وعقابك إنك هتفضلي قدام عيني وفي حضني كدة."
جميلة حاولت تفك إيديه من حوالين وسطها وهي بتقول بارتباك:
"طيب خلاص.. سيبني أنام على الكنبة أحسن، السرير ضيق وإنت.."
أدهم قاطعها بنبرة حازمة ومفيهاش نقاش، وشدد من ضمته ليها أكتر:
"جميلة.. نامي."
الكلمة كانت كفيلة تخليها تسكت تماماً وتستسلم لقدرها. جميلة غمضت عينيها وهي سامعة دقات قلبه القوية والمنتظمة، ورغم خوفها منه، إلا إنها حست بأمان غريب مكنتش بتلاقيه غير وهو قريب منها كدة. أدهم اتنفس ريحة شعرها بعمق، ولأول مرة من فترة طويلة، نام وهو مرتاح، وكأنه كان محتاج يطمن إن "جميلته" بقت ملكه وبقت في أمان جوه حصنه المنيع .
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
فتحت عينيها ببطء، حاسة بتقل غريب في راسها وجسمها مكسر كأنها كانت في معركة، والمخدة اللي نايمة عليها كانت صلبة بشكل مش مريح أبداً. أول ما رفعت راسها عشان تشوف إيه اللي مضايقها، الشهقة محبوسة في زورها لما استوعبت إنها نايمة على دراعه، وهو غرقان في نوم عميق جنبها.
ملامحه وهو نايم كانت جذابة؛ شعره الفحمي متمرد على جبينه، ونفسه الهادي المنتظم . لقت إيديها، من غير ما تفكر، بتترفع لوحدها وتمشي ببطء على حواجبه الكثيفة المرسومة بدقة، ونزلت لغاية مناخيره المستقيمة ودقنه المنبتة اللي بتدي لوشه هيبة حتى وهو مغمض.
لسه صوابعها بتلمس تفاحة آدم البارزة في رقبته بفضول، فجأة فتح عينيه!
النظرة كانت مباشرة وصارمة، وصوته طلع محشرج وناعم من أثر النوم وهو بيقول بخبث:
"مستغلية نومي وبتتحمرشي بيا؟ إنتي معندكيش أخوات ولاد يا بنتي؟"
اتنفضت من مكانها وحاولت تقوم بسرعة من الخضة، بس إيده القوية كانت أسرع، لفت وسطها ومنعتها تتحرك. ضمت شفايفها بكسوف ووشها بقى زي الطماطم، وبدأت تتلجلج:" أنا .. أنا بس كنت .."
ضحك ضحكة رجولية واطية وهو بيقرص خدها بخفة:
"متبرريش.. أنا عارف إني لا أقاوم."
بص في ساعته واستغرب إن الوقت دخل في 8 الصبح، وهو في العادة بيصحى قبل كدة بساعتين، بس الظاهر إن النوم جنبها خلاه ينسى الدنيا. قام بكسل وهو بيمدد جسمه، وبصلها نظرة أخيرة قبل ما يخرج وقال :"أنا هروح جناحي أخد شاور وأجهز عشان أروح الشركة. "
أول ما قفل الباب وراه، حدفت نفسها على السرير وغطت وشها بإيديها وهي بتشتم قلبها اللي بيدق زي الطبول:
"يا غبية.. فضحتي نفسك بنفسك."
__________________________________
ياسمين كانت واقفة في المطبخ بتجهز الفطار بتركيز، وفجأة حست بإيدين بتحاوطها من وسطها، شهقت بخضة ولفّت بسرعة:
"علي! خضتني يا علي."
علي ضحك وهو بيقرب منها أكتر: "سلامتك من الخضة يا قلبي.. بتعملي إيه؟"
ردت وهي بترجع تقطع الخيار بمهارة: "هعملكم طبق جبنة بالطماطم والخيار، إنما إيه.. هتاكل صوابعك وراه."
علي قال بتمثيل الانهيار: "آه ياني.. عضلاتي اللي تعبت فيها في الجيم السنين دي كلها هتختفي بسبب أكلك ده، وهيبقى مكانها كرش الرجالة المتجوزة!"
ضحكت بمرح وهي بتبص له: "مش مشكلة، أهو حبة عضلات يروحوا عشان متبقاش ضخم وشكل هالك كده."
علي كشر بضيق طفولي وسألها بجدية مفاجئة: "ياسمين.. إنتي فعلاً بتضايقي من جسمي الضخم ده؟ قولي الحقيقة."
ياسمين ضيقت حواجبها باستغراب من لهجته اللي قلبت حادة، ولمحت في عينيه نظرة حزن مكتومة وكأنه مستني إجابة تحدد مصيره. لفت بجسمها كله ولمست وشه بخفة:
"علي.. إنت بتتكلم بجد؟"
علي بجمود: "أيوة، ولو سمحتي عايز إجابة."
ياسمين هزت راسها بعدم تصديق: "إنت بتسأل يا علي؟!.. وبعدين إنت مكسوف إنك مهتم بجسمك ومخليه رياضي؟ ده غيرك شباب في سنك ولا على بالهم، يا إما رفيعين زي عقب السيجارة وعندهم نحافة، يا إما تخان وكرشهم قدامهم مترين.. وإنت ما شاء الله جسمك رياضي وقوي."
علي بحيرة وعيونه بتلمع: "يعني عاجبك بجد؟"
ابتسمت بحب وهي بتقرب منه: "امممم عاجبني جداً جداً يا هالك قلبي."
استغرب وقال: "هالك قلبك؟"
ردت بدلال: "أيوة.. إنت زي هالك الشخصية اللي بتتحول وتبقى ضخمة جداً، بس إنت مش أخضر زيه، إنت هالك قلبي."
علي رفع حاجبه بغيرة: "يعني إنتي بتشبهيني براجل تاني؟"
ياسمين ضحكت بصفاء: "علي! إنت بتغير من شخصية كرتونية يا حبيبي؟"
حاوطها بغيرة وهو بيشدها ليه: "أنا أغير عليكي من أي ذكر، حتى لو كان كرتون"
فجأة دخلت منى المطبخ وحمحمت بحرج، علي بعد بسرعة وهو بيعدل قميصه بتوتر: "طيب يا ياسمين.. هشوف أنا الموضوع ده وأرد عليكي.. إيه ضاااااا ! خالتي إنتي هنا؟ طيب بما إننا كلنا متجمعين، هستأذن أنا بقى عشان اتأخرت جداً."
ياسمين بلهفة: "مش هتفطر؟"
علي وهو خارج: "اعمليلي ساندوتش أكله في العربية."
ياسمين: "ماشي، هجهزه حالاً عبال ما تخلص لبس."
بعد شوية
علي كان خارج من باب الشقة، ووقف لما سمع صوتها الرقيق بتناديه: "علي!"
لف لقاها جاية بتجري وماسكة لانش بوكس صغير: "أنا عملت شوية ساندوتشات، متنساش تفطر والنبي."
اتنهد بعشق وهو بيبص لها: "يا لهوووي.. هي دي أخرتها؟ أمشي بلانش بوكس؟ هاتي يا ستي."
خد منها العلبة ومشي والابتسامة مش مفارقة وشه،
وبعد ربع ساعة وهي في الأوضة بتنضف، برقت عينيها بصدمة: "ايه ده ؟ علي نسي موبايله!"
________________________________
في الشركة
أدهم كان قاعد مع محمود الشافعي وبيخلصوا كلام عن صفقة جديدة. بعد ما خلصوا، محمود قال بابتسامة:
"بمناسبة الصفقة دي، أنا عازمك إنت وعيلتك عندي في القصر بكرةبإذن الله."
أدهم حاول يعتذر: "يا محمود بيه ملوش لزوم التعب ده.."
محمود صمم: "مفيش أعذار، هستناكم."
محمود خرج من المكتب ووقف يستنى الأسانسير، وأول ما الباب فتح، اتفاجئ ببنت رقيقة وجميلة جداً واقفة جواه. ياسمين أول ما شافته، توترت من هيبته وخرجت بسرعة،
ومحمود دخل الأسانسير وفضل باصص لها بتركيز وهي بتتلفت حواليها بتوتر وخوف.. كان حاسس بإن البنت دي فيها حاجة بتشده، حاجة ميعرفش يفسرها.
أدهم كان خارج من مكتبه، وباله مشغول بتفاصيل الصفقة اللي كان بيناقشها مع محمود الشافعي، لكن بمجرد ما وقعت عينه على البنت اللي واقفة قدام السكرتارية، حركته وقفت تماماً.
أدهم حس بضربات قلبه بتتسارع بشكل مفاجئ وغير مفهوم، وكأن فيه تيار كهربائي لمس روحه. هو شافها قبل كدة يوم كتب الكتاب، بس النهاردة، وفي وسط زحمة الشغل وهيبته كمدير، شاف فيها سحر خلاه يتنفس بصعوبة.
حمحم أدهم عشان يداري ارتباكه ، وقرب منها وقال بصوت حاول يخليه ثابت:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"مدام ياسمين؟!"
ياسمين اتخضت ولفّت له، وأول ما شافت عيونه السوداء الحادة، توترت جداً وافتكرت ملامحه فوراً؛ ده الشخص اللي كان وكيلها وشاهد على أهم لحظة في حياتها. ردت بتوتر وهي بتفرك إيدها:
"أهلاً يا أدهم بيه.. أنا أسفة إني جيت الشركة فجأة، بس علي نسي موبايله في البيت، وأنا خوفت يكون محتاجه ضروري لأن شغله كله عليه، فـ عرفت العنوان من خالتو وجيت فوراً."
أدهم كان بيسمعها وهو مركز في كل تفصيلة في وشها، ونبرة صوتها الرقيقة . ابتسم بجهد عشان يطمنها وقال:
"ولا يهمك يا مدام ياسمين.. ده كتر خيرك، علي فعلاً كان قالب الدنيا عليه جوه. اتفضلي، هو في المكتب معايا، ادخليله."
ياسمين هزت راسها بشكر وهي لسه حاسة بقلبها بيدق بسرعة،دخلت المكتب، وعلي أول ما شافها قام من على الكرسي كأنه شاف ملاك:
"ياسمين !! انتى كويسه؟؟ إيه اللي جابك ؟؟"
ياسمين مدت إيدها بالموبايل وهي بتنهج:
"نسيته يا علي.. خوفت تعطل في الشغل، وأنا عارفة إن الموبايل ده هو روحك في المكتب."
علي أخد الموبايل وباس إيدها قدام أدهم اللي كان داخل وراها: "تسلميلي.. إنتي اللي روحي والله، مش الموبايل."
أدهم ضحك وقال بمرح:
"خلاص يا علي، كفاية نحنحة في المكتب."
ياسمين أول ما شافت أدهم، بعدت عن علي بكسوف وحطت وشها في الأرض، ومدت إيدها بالموبايل لعلي وهي بتفرك في إيدها التانية بتوتر.
علي أخد منها الموبايل وبص لأدهم بإحراج وقال:
"معلش يا أدهم بيه .. أنا هروح ياسمين البيت بسرعة وأرجع فوراً عشان نكمل شغلنا ."
أدهم، اللي كان لسه بيحاول يسيطر على سرعة ضربات قلبه اللي اتلخبطت من وقت ما شاف ياسمين، هز راسه بجمود مصطنع عشان يداري تأثره، وقال بصوت عميق ورجولي:
"ولا يهمك يا علي .. وصل مدام ياسمين."
علي مسك إيد ياسمين وخرجوا من الشركة وأدهم اتنهد بهدوء ودخل مكتبه .
__________________________________
أدهم قفل باب القصر وراه، ولأول مرة من سنين يحس إن البيت مابقاش مجرد حيطان وسلالم رخام باردة. القصر كان هادي، بس هدوء يطمن، هدوء فيه حياة.
خلع جاكيت بدلته ورماه على الكنبة في الصالون، وفك أول زرارين من قميصه وهو بيتنهد بتعب، ورجليه خدته لوحدها ناحية أوضة يزن.
طلع السلم بهدوء، وكأنه خايف يكسر حالة السكون دي. فتح الباب ببطء شديد، وبالفعل المشهد اللي شافه خلى ضربات قلبه تدق بنغمة مختلفة تماماً. يزن كان نايم في نص السرير، وجنبه جميلة نايمة بوضعية غريبة، حاطة إيدها تحت دماغ يزن بحماية ، وشعرها كان مفرود بغزارة ومغطي جزء من وشها ووش يزن.
أدهم وقف مكانه، ملامحه اللي كانت صارمة طول اليوم في الشركة لانت تماماً. مكنش قادر يمنع نفسه إنه يبتسم، إحساس غريب اجتاحه، إحساس الراجل اللي بيرجع من وسط المعارك والصفقات والدياب اللي برا، عشان يلاقي مأواه الحقيقي في المنظر ده. طلع موبايله من جيبه بحذر، وكتم الصوت، ولقط صورة للمشهد ده..
صورة كان عايز يحتفظ بيها عشان يفكر نفسه دايماً إن عنده عيلة.
اتقدم خطوات ناحية السرير، الأرضية الخشبية كانت بتطلع صوت خفيف خلاه يتجمد مكانه لثواني، ولما اتأكد إنها لسه غرقانة في النوم، وطى عليها. ريحة شعرها المخلوطة بريحة الورد كانت بتسكر روحه.
مد إيده بحذر شديد وسحب إيدها من تحت راس يزن، وبعدين لف دراعه حوالين ضهرها والتاني تحت ركبها، وشالها بخفة.
جميلة مالت براسها على صدره بتلقائية وهي نايمة، وأنفاسها الدافية كانت بتخبط في رقبته، وده خلى أدهم يغمض عينه لثواني ويضغط عليها بتمسك أكتر. خرج من الأوضة ورجليه خدته لجناحها، دخل وحطها على السرير بهدوء وكأنها قطعة من الكريستال..
نزل لمستواها، وفضل باصص لملامحها الهادية تحت ضوء الأباجورة الخافت. قرب وباس جبينها بوسة طويلة ودافية، وكأنه بيعتذر لها عن كل لحظة قسوة عاشتها بسببه. لاحظ إن الجاكت اللي كانت لابساه تقيل، ومش هيخليها تنام مرتاحة.
بلمسة حذرة، فك توكة شعرها اللي كانت لامة خصلاتها ديل حصان، وشعرها انطلق على المخدة زي الشلال الأسود. حط التوكة في معصم إيده، وبعدين فتح سحاب الجاكت بتاعها براحة جداً، ورفعه من عليها وهو بيسند جسمها بإيده التانية، لحد ما اتخلص منه تماماً وبقت بالتيشرت الرصاصي المريح.
أدهم مكنش قادر يخرج من الجناح، سحب الهدوم بتاعته ودخل الحمام، غاب دقايق تحت المية السخنة وهو بيفكر في كل اللي حصل، وخرج وهو بينشف شعره الفحمي، ورجعه لورا بإيده. اتمدد جنبها على السرير، وسحبها لـ حضنه براحة، رفع راسها وحطها على كتفه، ودفن وشه في خصلات شعرها المعطرة.
جميلة حست بدفاه وهي نايمة، فـ قربت منه أكتر وحطت إيدها على صدره بعفوية، وهو ضمها بقوة أكبر وسند براسه على راسها، وأخيراً.. غمض عينه واستسلم لنوم عميق وهو حاسس إن الدنيا كلها بين إيديه.
__________________________________
في صباح اليوم التالي بمقر الشركة، كانت الحركة دؤوبة والموظفين في حالة نشاط غير عادي بسبب نجاح الصفقة الأخيرة.
خرج محمود من غرفة الاجتماعات الكبرى وعلى وجهه علامات الارتياح والوقار، وبالصدفة قابل علي اللي كان شايل ملفات وماشي في الطرقة.
محمود أول ما شافه ابتسم بصدق وقرب منه وسلم عليه بحرارة وبحب أبوي ظاهر:
"أهلاً يا علي.. منور يا بطل، مجهودك في الاجتماع النهاردة كان عظيم."
علي بادله السلام بابتسامة واسعة واحترام شديد، هو فعلاً بيحب الراجل ده وبيحترمه جداً وبيشوف فيه القدوة والهيبة:
"ده من ذوقك يا محمود بيه، المهم إننا قدرنا نوصل للي إحنا عايزينه والشركة كسبت في النهاية."
محمود حط إيده على كتف علي بمودة وسأله:
"أحوالك إيه يا علي؟ "
علي رد بامتنان:
"الحمد لله يا فندم، كله بخير تسلم."
محمود هز راسه، وكمل كلامه بتأكيد:
"طيب يا علي، أنا كنت لسه قايل لأدهم وبأكد عليك تاني.. أنا هستناكم النهاردة في بيتي، إحنا لازم نحتفل بالصفقة دي وسط العيلة، وعايزك تيجي إنت ومدام ياسمين وتنورونا، مش هقبل أي أعذار."
علي بابتسامة خجولة رد فوراً:
"ده شرف لينا يا محمود بيه، وبإذن الله هنكون موجودين في الميعاد، ياسمين كمان هتفرح جداً بالدعوة دي."
محمود ضغط على كتفه بابتسامة وقال:
"هستناكم.. مع السلامة يا علي."
ساب محمود علي ومشي، وعلي فضل واقف مكانه وهو حاسس براحة غريبة تجاه الراجل ده
مر الوقت وبعد ما خلصوا كلام عن الشغل .. أدهم قعد على مكتبه وشبك صوابعه ببعض وبص لعلي بجدية وسأله:
"طيب قولي يا علي، وصلت لحاجة في موضوع عيلة مدام ياسمين؟ قدرت تمسك أي طرف خيط يوصلك لمين أهلها؟"
علي هز راسه بإحباط وسند ضهره لورا وهو بيتنهد بضيق:
"للأسف يا أدهم، الموضوع صعب جداً.. إحنا بنتكلم عن واقعة بقالها أكتر من عشرين سنة، والملفات ضايعة أو مدفونة.
كل اللي قدرت أوصله هو اسم الملجأ اللي منصور الكلب ده اتبناها منه، بس لما روحت هناك، لقيت إن الملجأ ده اتهد من سنين طويلة واتبنى مكانه مستشفى استثماري، وكل السجلات القديمة اختفت مع الهدم."
أدهم ميل بجسمه لقدام وسأله بفضول واهتمام:
"والملجأ ده كان اسمه إيه ؟"
علي لسه هيفتح بقه ويقول الاسم، الباب خبط ودخلت رزان ومعاها مجموعة ملفات مستعجلة:
"أدهم بيه، الورق ده محتاج إمضاء حضرتك حالاً عشان مندوب البنك مستني بره."
أدهم اتنفخ بضيق بسبب المقاطعة، بس سحب الملفات وبدأ يراجعها ويمضي بسرعة وهو منشغل، وعلي استغل اللحظة وقام وقف وهو بيعدل قميصه:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"خلاص يا أدهم بيه، مش هعطلك عن الشغل.. أنا هروح دلوقتي أخلص شوية حاجات ورايا، ونتقابل بليل إن شاء الله عند محمود بيه."
أدهم هز راسه وهو لسه عينه في الورق:
"تمام يا علي.. نتقابل هناك."
_________________________________
جميلة كانت قاعدة في جناحها، والملل واكلها. مسكت الموبايل بتقلب فيه يمين وشمال، تفتح إنستجرام وتقفله، وبعدين تدخل على الفيس بوك.. حست إن الوقت مبيعديش. اكتشفت إن حياتها في القصر بقت متمحورة حول شخصين بس؛ يزن اللي لما بينام أو يروح المدرسة بيبقى القصر كأنه مهجور، وأدهم اللي دايماً مشغول في صراعاته وصفقاته.
فجأة، صوت فرملة عربية أدهم المميزة قطع الصمت ده. جميلة قلبها دق، وجريت بسرعة ناحية الشباك ووقفت ورا الستارة تراقب. شافت العربية السوداء الفخمة وهي بتقف،
وثواني ونزل منها أدهم بهيبته اللي بتخطف الأنفاس. كان خالع الجاكيت وماسكه بإيد واحدة ورميه على كتفه، وماشي بخطوات واثقة وكأنه ملك بيمشي في مملكته.
جميلة اتنهدت بهيام وهي بتبص عليه من بعيد ووشها ملامس إزاز الشباك، وهمست لنفسها:
"يا خراااشي.. هو في حد في الدنيا بالكاريزما دي؟ إزاي بيقدر يجمع بين القوة والهدوء ده كله؟"
سرحت في ملامحه الحادة وشعره الفحمي اللي كان مترتب بعناية رغم تعب اليوم، وفضلت واقفة مكانها وكأنها في غيبوبة حب، ومفاقتش غير على صوت خبط قوي ومرتب على باب جناحها.
اتنفضت من مكانها بخضة، وجريت بسرعة البرق رميت نفسها على السرير، وحاولت تظبط هدومها وشعرها عشان ميبانش إنها كانت بتراقبه، وأخدت نفس عميق عشان تهدي دقات قلبها اللي كانت مسموعة، وقالت بصوت حاولت تخليه طبيعي:
"ادخل.."
الباب اتفتح ببطء، ودخل أدهم وهو لسه ماسك الجاكيت على كتفه، وعيونه الحادة جت في عيونها فوراً. ساد صمت لثواني، أدهم كان بيراقب وشها المحمرّ ونهجانها الخفيف، وابتسم ابتسامة جانبية خفيفة وكأنه حاسس إنها كانت بتعمل حاجة، وقال بصوته الرخيم:
"إيه.. كنتِ نايمة؟"
جميلة اتوترت ولعبت في صوابعها:
"لأ.. لا أبداً، كنت بس.. بقلب في الموبايل . إنت رجعت بدري النهاردة يعني؟"
أدهم قرب خطوتين، ورمى الجاكيت على طرف السرير وقعد قدامها، وبص لها بتركيز وقال:
"رجعت عشان نلحق نجهز.. النهاردة عندنا عزومة مهمة جداً عند محمود بيه الشافعي، وعايزك تظهري بأجمل صورة لمدام أدهم السويسي."
جميلة بصتله بحيرة، وعقدت حواجبها وهي بتحاول تداري ارتباكها من نظراته وقالت بصوت مهزوز شوية:
"بس يا أدهم.. ليه لازم أروح معاك؟ وبصفتي إيه أصلاً؟"
أدهم مقبلش إنها تكمل الجملة، وقرب منها بخطوات هادية وواثقة لحد ما بقى قدامها مباشرة، والمسافة بينهم مابقتش تتعدى السنتيمترات. مد إيديه وحاوط وسطها بتملك، وعينه كانت مثبتة في عينها بقوة خلتها تحبس أنفاسها، وهمس بصوت رجولي واطي ورخيم:
"بصفتك مراتي.. مدام أدهم السويسي، وده لوحده كفاية جداً عشان تكوني معايا في أي مكان أروحه، مفهوم؟"
جميلة اتسمرت مكانها، وحست بكهربا في جسمها من لمسته ونبرة صوته اللي مكنتش تقبل النقاش، ومقدرتش تنطق بحرف غير إنها هزت راسها بموافقة صامتة.
أدهم سابها ببطء، وكأنه بيستمتع بتأثيره عليها، وقال وهو بيتحرك ناحية الباب:
"تمام.. جهزي نفسك، وقدامك ساعة واحدة بالظبط. أنا هروح جناحي آخد شاور وأجهز، ومش عايز تأخير."
خرج أدهم وساب جميلة واقفة في نص الأوضة، حاطة إيدها على قلبها اللي كان بيدق بعنف من قربه.
__________________________________
الساعة دقت تسعة، والبيت اللي كان عبارة عن فيلا كبيرة كان في أبهى صوره، الأنوار والنجفات الكريستال بتعكس فخامة المكان اللي يليق بمقام محمود. نادية كانت بتتحرك في غرفة السفرة بنشاط وحماس غريب، بتظبط الشوك والسكاكين وتتأكد إن كل صنف محطوط في مكانه بدقة.
محمود دخل عليها ووقف وراها، وبص للسفرة بذهول وهو شايف كمية أصناف مبهجة، من المشويات للمقبلات والحلويات اللي تفتح النفس، سألها باستغراب:
"إيه كل ده يا نادية؟ إحنا عازمين كتيبة ولا إيه؟ ده إحنا يدوب أدهم وعلي وعائلاتهم!"
نادية لفت له وهي بتمسح إيدها في المريلة وبتقول بحماس:
"إيه يا محمود؟ قليل صح؟ أبعت أطلب تلات أصناف كمان من المطعم يلحقوا السفرة؟"
محمود ضحك من قلبه وهز راسه بيأس من كرمها الزايد:
"قليل إيه يا حبيبتي! ده السفرة هتتكسر من كتر الأكل، ده كتير أوي بجد."
نادية ردت عليه وهي بتعدل طبق السلطة:
"يا محمود أنا مش عارفة أدهم بيحب ياكل إيه، ولا علي، ولا حتى البنات اللي جايين معاهم.. قولت أعمل من كل صنف لون ، ده أول مرة يدخلوا بيتنا يا محمود."
محمود بصلها بنظرة مليانة تقدير وحب، قرب منها ومسك إيدها وباسها برقة وهو بيقول بصوت دافي:
"ربنا يخليكي ليا يا نادية.. ويشكر فضلك إنك في حياتي. إنتي بجد أحلى حاجة حصلتلي، وقلبك ده هو اللي مجمعنا ومخلي للبيت ده طعم."
نادية اتكسفت، رغم كبر سنها، إلا إنها مازالت بتتأثر من كلامه، وابتسمت:
"ويخليك ليا يا حبيبي.. يلا روح غير هدومك، زمانهم على وصول."
بعد دقايق، دخلت عربية أدهم محيط الفيلا، واللي كان عبارة عن جنينة واسعة وطويلة متزينة بإضاءة خافتة بتعكس فخامة المكان. أدهم وقف العربية وبص لجميلة اللي كانت قاعدة جنبه، وسرح لثواني في جمالها؛ كانت لابسة فستان أحمر رقيق وطويل، رقبته عالية ونازل بفتحة بسيطة وأنيقة عند الساق، ورفعت شعرها كحكة فوضوية منسقة بعناية لايقة جداً على ستايل الفستان، مع لمسات ميكب هادي برزت ملامحها.
أدهم نزل من العربية ولف فتح لها الباب، وتأملها بإعجاب واضح كان باين في عينيه، ومد لها إيده وهي حطت إيدها في إيده بخجل ونزلت. عطى لها كتفه وهي مسكته بتوتر لذيذ، ولسه هيتحركوا سمعوا صوت عربية علي وهي بتقف وراهم.
نزل علي بابتسامته الحيوية، ولف فتح الباب لياسمين اللي كانت طالعة زي الملاك بفستان بيبي بلو واصل لحد بعد الركبة، كتافه طويلة ومنسدلة، وسابت شعرها وراها نازل بنعومة مع خصلات بسيطة عملتها على هيئة ضفيرة رقيقة، وميكب بسيط جداً أبرز ملامحها الملائكية.
علي قرب منهم وهو ماسك إيد ياسمين، وسلم على أدهم بحرارة، وبعدها سلم على جميلة. أدهم بص لجميلة وقال بنبرة هادية:
"جميلة، ده علي المساعد بتاعي وذراعي اليمين، ودي مدام ياسمين مراته، انتي شوفتيهم قبل كده في كتب كتابهم ."
جميلة هزت راسها بترحيب رقيق، وسلمت على ياسمين بحب وود واضح من أول لحظة، وكأن فيه كيمياء غريبة ربطت بينهم. ياسمين بطلتها الهادية خلت جميلة تبتسم بتلقائية، ودخلوا كلهم مع بعض لباب الفيلا.
أول ما دخلوا، استقبلهم محمود ونادية بترحيب حار. محمود قدم نادية ليهم، وسلمت عليهم بحفاوة، لكن أول ما عين محمود وقعت على ياسمين، ملامحه اتغيرت وتفاجأ جداً وقال بذهول:
"إنتي؟!"
علي استغرب وبص لمحمود وبعدين لياسمين وسأل: "هو حضرتك تعرف ياسمين يا محمود بيه؟"
محمود هز راسه وهو لسه مركز في ملامحها: "شفتها في الشركة، شكلها ،واضح إنها كانت جيالك.. بس مكنتش أعرف إنها مدام ياسمين مراتك."
أدهم مسك إيد جميلة وقدمها بثقة: "ودي جميلة.. مراتي."
محمود رفع حاجبه باستغراب واضح، وبص لأدهم بدهشة: "مراتك؟! إنت اتجوزت يا أدهم؟"
أدهم رد بهدوء: "أيوة."
ياسمين في اللحظة دي استغربت جداً، لأن اللي فاكراه من يوم كتب كتابها إن جميلة هي أخت أدهم مش مراته، بس فضلت ساكتة ومفضلتش تعلق، واكتفت بابتسامة رقيقة لجميلة.
قعدوا كلهم على السفرة، وأصناف نادية الشهية. محمود مكنش قادر يشيل عينه من على ياسمين، وكان بيراقب كل حركة بتعملها، في حين إن علي كان بيتعامل مع ياسمين بمنتهى الحب والاهتمام، بيقطع لها الأكل وبيهتم بكل تفصيلة، وده خلى محمود يبتسم بود.
فجأة، محمود سأل سؤال كسر هدوء السفرة:
"إنتي منين يا ياسمين ؟ يعني أهلك من القاهرة؟"
الصمت ساد للحظات، وياسمين اتوترت جداً وبصت في طبقها، علي لاحظ ارتباكها فـ رد بسرعة عشان ينقذ الموقف:
"أيوة يا محمود بيه، هي من القاهرة."
محمود هز راسه بتفهم وسكت، بس نظراته كانت بتقول إن وراه أسئلة تانية كتير.
بعد العشا، اتنقلوا كلهم للصالون اللي كان تصميمه مفتوح بشكل عبقري على الجنينة، والورد كان مالي المكان، ونسمات هوا الليل كانت مخلية الجو شاعري وجميل. نادية فجأة قامت وبحماس شغلت موسيقى هادية وراقية، وبصت لهم وقالت بابتسامة:
"يا ولاد الأجواء دي ناقصها رقصة.. قوموا يلا استمتعوا بالهوا ده."
جميلة وياسمين اتكسفوا جداً ورفضوا في الأول، لكن محمود صمم.
اول واحد قام كان أدهم ،اللي قام ومسك إيد جميلة اللي كانت مكسوفة وشدها ليه برفق وبدأوا يرقصوا، وعلي قام وحاوط خصر ياسمين بحب وبدأوا يتمايلوا مع الموسيقى. محمود مسبش نادية، ومسك إيدها وانضموا ليهم في مشهد كان مليان دفء وحب،
عند أدهم وجميلة ...
أدهم مكنش بيرقص مجرد رقصة عادية، كان بيحاوط خصر جميلة بإيد واحدة قوية، وكأنه بيعلن للعالم كله إنها ملكه. جميلة كانت حاطة إيدها على كتفه برعشة خفيفة، وعينيها تايهة في أزرار قميصه، مكسوفة ترفع عينها وتواجه نظراته اللي كانت حرفياً بتاكلها.
أدهم وطى راسه شوية وهمس لجميلة بصوت رخيم مسموع ليها هي بس، وده خلاها تغمض عينيها بتوتر وتدفن وشها في صدره للحظة. الفستان الأحمر مع سواد بذلته كان عامل لوحة فنية، وحركة رجليهم كانت موزونة بشكل غريب رغم إن دي مش أول مرة يرقصوا فيها سوا. أدهم كان بيشدها ليه أكتر كل ما الموسيقى تعلى، وكأنه بيستغل الفرصة عشان يكسر أي حاجز لسه موجود بينهم، وجميلة كانت مستسلمة تماماً لقوته وهيبته اللي مسيطرة على المكان.
عند علي وياسمين ...
أما علي وياسمين، فكانوا حرفياً طايرين. علي كان ماسك إيد ياسمين بحنية مفرطة، وإيده التانية سانده ضهرها برقة وكأنه خايف عليها تنجرح. ياسمين كانت بتبص لعلي بابتسامة صافية، وعيونها كانت بتلمع بحب صادق خلى كل اللي موجودين يحسوا بدفء علاقتهم.
ياسمين كانت بتتمايل بخفة زي الفراشة بفستانها ، وعلي كان بيلفها بحركات رشيقة، وكل شوية يقرب يهمس لها بكلمة تضحكها، فـ تخبي ضحكتها في كتفه. الرقصة بينهم مكنتش استعراض، كانت لغة حوار صامتة بتقول إنهم لبعض ومهما حصل هيفضلوا سند لبعض. علي كان بيبص لها وكأنها أغلى ما يملك في الدنيا، وياسمين كانت حاسة إنها في أمان تام وهي في حضنه وسط الأجواء الملكية دي.
عند محمود ونادية ...
وفي زاوية تانية، كان محمود ونادية بيرقصوا رقصة هادية جداً، رقصة فيها ريحة السنين. محمود كان ضامم نادية بحب ووقار، ونادية كانت ساندة راسها على كتفه وغمضة عينيها براحة
لكن وسط الرقص، كانت العيون بتقول كلام كتير؛ أدهم كان بيبص لجميلة بتملك، ومحمود كان عينه بتروح لياسمين اللي كانت بترقص في حضن علي بجمال يخطف القلب.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بعد العزومة ... أدهم أخد جميلة ومشيوا ،ومعاهم علي ياسمين، وكل واحد روح بيته مع مراته .. في بيت محمود الهادي، كانت نادية قاعدة والفضول بياكلها بعد ما اليوم خلص، والهدوء رجع يسيطر على المكان، قطعت الصمت وهي بتبص لمحمود وقالت:
"بس ما شاء الله، أنا مكنتش أعرف إن أدهم متجوز، فاجئني بصراحة لما قدم لنا جميلة."
محمود رد عليها بهدوء وهو بيسند ضهره:
"أنا كنت عارف يا نادية، الخبر كان عندي من الأول."
نادية عقدت حواجبها باستغراب:
"عارف؟ أومال ليه استغربت وبان عليك الذهول لما قال إنها مراته؟"
محمود ابتسم بذكاء، ورد:
"عشان أدهم أصلا مأعلنش إنه اتجوزها ، أنا مازالت براقب حياة أدهم حتى بعد ما رجعت من أمريكا ،وعرفت إنه فجأة كتب كتابه على جميلة بعد ما كانت بتحاول تسافر بره وتتخلص من الورطة اللي هي فيها."
نادية مالت بوشها بحيرة وقالت:
"وليه أدهم يعمل كدة؟ ليه يتجوزها بالسرعة دي وبدون مقدمات؟"
هنا ملامح محمود اتغيرت، وعينه لمعت بغضب دفين :
"لأنها كانت داخلة القصر بتمثل إنها ياسمين.. بنتي أنا!"
نادية اتنفضت من مكانها بصدمة:
"إيه؟! إزاي؟ أنا مش فاهمة حاجة.. بنتك إنت؟ وإيه اللي جابها لأدهم؟"
محمود اتنهد تنهيدة طويلة، وبدأ يحكي لها:
"وأنا في أمريكا، عرفت إن جميلة دخلت قصر أدهم بهدف واحد، إنها تمثل دور ياسمين، وده كان باتفاق مع إبراهيم.. كان تخطيط شيطاني عشان يسيطروا على كل حاجة. أنا كنت هتدخل بطريقتي وأندمها، بس حسيت إن أدهم بدأ يتعلق بيها، وقلت أسيبه يتعامل هو بطريقته، والظاهر كدة إنه حبها وسامحها على اللي عملته، وقلب اللعبة لجواز حقيقي."
سكت لحظة وكمل بصوت أهدى:
"بصراحة، أنا كنت كاره البنت دي جداً من بعيد وبقول إزاي تعمل كدة، بس لما شوفتها النهاردة وقعدت معاها، حسيت إنها بنت طيبة، والظاهر إن ظروفها هي اللي رمتها في طريق إبراهيم وخليتها تسمع كلامه."
نادية هزت راسها بأسى وقالت:
"إبراهيم ده شيطان في صورة بني آدم، مكفهوش اللي عمله زمان وحرمكم من بعض وسرق سنينكم؟ ده كمان عايز يسرق ثروة أدهم ويستغله؟"
رد محمود وعينه فيها توعد قوي:
"إبراهيم طول عمره الحقد مالي قلبه، والغل بياكل فيه.. بس نهايته هتبقى شنيعة، وعلى قد أعماله وتخطيطه، هتقع الإمبراطورية اللي بناها بالكره والحقد فوق راسه."
_________________________________
دخلت العربية السودة الفخمة من بوابة القصر بهدوء، وكأنها بتعلن استراحة محارب بعد يوم طويل مليان مشاعر متلخبطة. أنوار الكشافات بدأت تطفي تدريجيًا مع وقوف العربية، وساد الصمت في المكان إلا من صوت الموتور وهو بيفصل.
أدهم لف وشه وبص لجميلة اللي كانت قاعدة جنبه، رقيقة وهادية، والجاكيت بتاعه لسه محاوط كتافها.. افتكر لما حس ببرودة الجو وهي طالعة من بيت محمود، ومن غير تفكير قلع جاكيته وحطه عليها، وهي وقتها أخدته منه بابتسامة خجولة لسه مطبوعة على خيال أدهم.
جميلة قطعت الصمت بابتسامةهادية :
"أنا اتبسطت أوي النهاردة يا أدهم.. محمود بيه وطنط نادية ناس لطاف أوي."
أدهم هز راسه بهدوء وهو بيبص للطريق قدامه:
"فعلاً.. هما ناس طيبين."
جميلة نزلت عينيها في الأرض، وبصوت واطي يكاد يكون همس قالت:
"شكراً يا أدهم.. شكراً إنك أخدتني معاك، وإنك اعتبرتني جزء من حياتك وعيلتك قدامهم."
أدهم اتنهد تنهيدة طويلة، بصلها بصه فيها تأمل، فيها كلام كتير ملوش مخارج.. فتح باب العربية ونزل، ولف لحد عندها وفتح لها الباب ببرستيجه المعتاد. مد إيده ليها عشان تسند عليه وهي نازلة من العربية الـ BMW العالية، حركة بقت معتادة عليها، بس كل مرة بتخلي قلبها يدق كأنه أول مرة.
دخلوا القصر، وكان السكون هو سيد المكان. الأنوار خافتة، ويزن نام من بدري، وحتى الخدم ملهومش أثر بسبب تأخر الوقت.
بدأ أدهم يطلع السلم بخطوات رزينة وواثقة، هيبته كانت طاغية حتى وهو مديها ضهره. جميلة كانت ماشية وراه، عينيها مش قادرة تنزل من عليه، بتتأمل كتافه العريضة اللي مفسرها القميص الأبيض بعد ما قلع الجاكيت، وطريقة طلوعه للسلم اللي بتعكس شخصيته القوية والمسيطرة.
وصلوا لنهاية السلم عند الممر اللي فيه الأوض، وقفت جميلة قدام باب أوضتها وهي مترددة، قلبها بيسأل وعينيها بتدور في عين أدهم عن إجابة.. هل هيدخل ينام في جناحه زى زمان؟ ولا هيكمل عادته اللي بدأت في الأيام الأخيرة، إنه ينام جنبها ويحسسها بالأمان اللي محرومة منه؟
وفي وسط حيرتها والتساؤلات اللي جوا دماغها .. فجأة جالها الجواب ،لما أدهم فتح باب غرفتها، ودخل ووقف منتظرها تدخل .ابتسمت بصفاء وخجل ودخلت
أدهم مكنش قادر يشيل عينه عنها من أول ما شافها بالفستان الأحمر ده قبل ما يخرجوا، اللون كان بياكل من ملامحها حتة، مبرز بياض بشرتها وسحر عيونها اللي شبه عيون الغزلان، والكحل اللي مرسوم بدقة زود من فتنتهم وخلاه مأسور جوه نظرتها.
جميلة وقفت قدامه ببراءة، وبدأت تفك خصلات شعرها المرفوعة بأناقة، فنزلت الخصلات المتمردة اللي متعودة تداعب وشها وتخضن خدودها بنعومة. مدت إيدها بالجاكيت وهي بتقول برقة وخجل:
"شكراً يا أدهم على الجاكت.."
في اللحظة دي، أدهم محسش بنفسه، الحواجز اللي كان بانيها حوالين قلبه انهارت تماماً. شد إيدها الممدودة ناحيته بقوة مفاجئة، خلتها تشهق بخضة وترتمي في حضنه. الخضة دي مكملتش ثواني وتحولت لمشاعر تانية خالص لما لقت عيون أدهم بتحاصرها بنظرة مليانة شغف وتملك، وكأنه كان مستني اللحظة دي بفارغ الصبر.
قرب منها أكتر، وغرقوا سوا في عالمهم الخاص، عالم مفيش فيه مؤامرات ولا كذب ولا ماضي، فيه بس أدهم وجميلة. المرة دي كانت مختلفة ... كانت ساحرة بكل تفاصيلها، وكأن كل واحد فيهم بيطلع الوجع والوحدة اللي عاشها في حضن التاني..
بعد دقايق، أدهم بعد عنها ببطء شديد، بس فضل قريب جداً، ساند جبينه على جبينها وهو بينهج بقوة، وأنفاسه العالية مسموعة. جميلة كانت في حالة مش أحسن منه، دقات قلبها كانت بتتسابق، وعينيها متثبتة في عينه بذهول ممزوج بحب واضح.
همس أدهم بصوت مبحوح وهو لسه ساند راسه عليها:
"جميلة.. أنتي عملتي فيا إيه؟"
جميلة غمضت عينيها وهي بتستنشق ريحته اللي بتدوبها، ومقدرتش تنطق بحرف، كفاية عليها حضنه اللي بقى هو بيتها وملاذها الوحيد من كل الدنيا.
أدهم كان باصص في عيونها اللي بتلمع تحت ضوء الأباجورة الخافت، وصوته طالع مهزوز لأول مرة في حياته، همس بوجع مكتوم:
"ليه مش قادر أكرهك يا جميلة؟ ليه رغم كل اللي حصل، ورغم اللعبة اللي دخلتي بيها حياتي، مش قادر أقسى عليكي ولا حتى أفكر أأذيكي؟"
قرب أكتر وهو بيتنفس ريحتها اللي بتسكن خلاياه، وكمل بهمس عاشق ضايع:
"ليه مستسلملك للدرجة دي؟ مش قادر أعمل أي حاجة غير إني أحـ..."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الكلمة وقفت في حلقه، وكأنها جمرة نار مش قادرة تخرج. جميلة كانت معلقة عيونها بشفايفه، مستنية الكلمة اللي هتداوي جروح قلبها وتطفي نار خوفها، كانت محتاجة تسمعها ،عشان تحس إنها أخيراً وصلت لبر الأمان.
لكن أدهم فجأة حس ببرودة قاسية غزت جسمه، افتكر كذبتها، افتكر إبراهيم، وافتكر إنه لسه مش قادر يثق تماماً. حاجز الخوف والكرامة رجع اتبنى في ثانية واحدة. اتنهد بضيق وبعد عنها بسرعة البرق، وكأنه كان بيحاول يهرب من سحرها قبل ما يضعف أكتر.
ثواني وكان فاتح باب غرفتها، وقف على الباب وضهره ليها، وقال بجمود مصطنع:
"تصبحي على خير."
خرج وقفل الباب وراه، وسابها واقفة في نص الجناح زي التمثال. بصت في الأرض لقت جاكتته اللي وقعت منها في وسط زحمة مشاعرهم، نزلت لمست الجاكت بإيد بتترعش ودموعها بدأت تنزل بصمت وتحرق خدودها.
كانت فاكرة إن الليلة دي هي النهاية لكل المسافات، إن النهاردة أدهم هيفتح قلبه ويرمي الماضي ورا ضهره.. بس الحقيقة المُرة إن أدهم لسه مش قادر يسامح، ولسه الجرح اللي جواه بينزف، وكل خطوة قرب بياخدوها، بيرجعوا قصادها عشرة لورا.
_________________________________
بمرور شهر كامل..
كانت جدران القصر شاهدة على حالة فريدة من نوعها بين أدهم وجميلة؛ حالة السهل الممتنع. شد وجذب، نظرات طويلة بتنتهي بابتسامة خجولة، وقسوة أدهم اللي بدأت تنهار قدام محاولات جميلة المستمرة إنها تثبت له إنها اتغيرت وبقت إنسانة تانية تستحق ثقته. أدهم وفى بوعده، وقدم لها ورقة استكمال دراستها،
وبقت جميلة في سباق مع الزمن عشان تلم منهج الثانوية العامة في شهور قليلة.
جميلة كانت قاعدة في ركنها المفضل في الأوضة، متربعة على الأرض والكتب والملازم محاوطاها من كل جهة كأنها في معركة. كانت رافعة شعرها ديل حصان، وماسكة كوباية القهوة في إيد والآلة الحاسبة في الإيد التانية، وعينها مركزة في مسألة فيزياء كهربية ..
فجأة، برقت عينيها بفرحة لما الرقم اللي طلع على شاشة الآلة طابق لواحد من الاختيارات، صرخت وهي بتقوم تقف وترقص بحركات هبلة وعفوية:
"أوعى.. أوعى! الله عليكي يا بت يا جيمي.. إيه العبقرية دي؟ ده إينشتاين لو عايش كان اعتزل النهاردة"
في اللحظة دي، سمعت خبطات هادية ورزينة على الباب، وبعدها دخل أدهم وهو شايل في إيده طبق فيه ساندوتشات. رفع حاجبه بذهول وهو شايفها بترقص لوحدها وقال بابتسامة جانبية:
"إيه الهبل اللي بيحصل ده؟"
جميلة وقفت بسرعة وهي بتنهج من الفرحة:
"الحمد لله يا أدهم! لسه حالة مسألة مستويات عليا في الكهربية وطلعت صح.. أنا بجد مش مصدقة نفسي!"
أدهم قرب منها ببطء، وعينيه فيها نظرة فخر وقال:
"برافو عليكي.. كنت عارف إنك قدها."
حط الطبق قدامها على المكتب وقال بنبرة دافية:
"طلبت من الخدم يعملولك ساندوتشات جبنة رومي سايحة زي ما بتحبي، قولت أكيد القهوة لوحدها مش كفاية للتركيز ده كله."
جميلة عينيها لمعت وأخدت ساندوتش وبدأت تاكله بتلذذ وكأنها مشافتش أكل قبل كدة:
"شكراً يا أدهم.. بجد كنت محتاجة له جداً، الجوع كان هيبدأ يلحس دماغي."
أدهم قرب أكتر، ومد إيده وحرك صوابعه برقة على خصلات شعرها المرفوعة، في حركة خلت جميلة تتجمد مكانها وتنسى الساندوتش اللي في إيدها. همس بهدوء:
"ذاكري كويس يا جميلة.. امتحاناتك خلاص قربت، ومش عايزك تضيعي الفرصة دي."
جميلة هزت راسها ببطء وهي تايهة في عيونه:
"حاضر.. بوعدك إني هرفع راسك."
أدهم سحب إيده ببطء وقال وهو بيتحرك ناحية الباب:
"لو وقفت قدامك أي حاجة في الفيزياء أو الكيمياء، قوليلي.. أنا ممكن أذاكرلك، أظن إني لسه فاكر شوية حاجات ."
جميلة ابتسمت بفرحة وقالت فوراً:
"موافقة جداً! ده أنا عندي فصل كامل في الكيمياء العضوية محتاج حد يفك شفراته معايا."
أدهم ضحك بخفة وقال: "تمام.. خلصي أكلك وحصليلي على المكتب تحت، هنبدأ أول حصة النهاردة."
خرج أدهم، وجميلة فضلت واقفة مكانها والابتسامة مش مفارقة وشها، حست إن المذاكرة بقالها طعم تاني خالص لما يكون المدرس هو أدهم السويسي.
_________________________________
في المكتب
أدهم اللي معروف ببروده وجفافه مع الكل، لقى نفسه مع محمود بينفك ببطء. بقى يستنى ميعاد اجتماعهم، مش عشان الشغل، عشان يحس بالراحة اللي بتشع من وجود الراجل ده جنبه. تعاونوا في أكتر من صفقة، وكانوا بيشتغلوا بروح واحدة، كأنهم بيكملوا بعض، لدرجة إن موظفين الشركة بدؤوا يلاحظوا الكيميا الغريبة اللي بينهم، وكأن فيه رابط خفي بيربطه بالرجل اللي خبرته وسنينه باينة في كل تجعيدة في وشه.
جدران المكتب الفخمة والهدوء اللي كان بيسيطر على المكان فجأة اتبدل بحالة من القلق، محمود قاعد بيراجع بنود الصفقة الأخيرة، وفجأة سكنت حركته، ملامحه انكمشت بألم ورفع إيده ببطء ساند بيها راسه وكأن الدنيا دارت بيه في لحظة.
أدهم، اللي كان عينه دايمًا بتراقب أدق التفاصيل، قام من مكانه بلهفة غريبة عليه، لهفة مكنتش مجرد خوف شريك على مصلحته، دي كانت خضة ابن بجد. قرب منه بخطوات سريعة وقال بصوت فيه بحة قلق واضحة:
"حضرتك كويس يا محمود بيه؟ مالك.. حاسس بإيه؟"
محمود غمض عينه بتعب، وصوته طلع واهن وهو بيحاول يطمنه:
"أيوه يا ابني.. متقلقش، دي مجرد دوخة خفيفة، يمكن من ضغط الشغل زاد شوية."
أدهم مد إيده وحطها على كتف محمود بحنان وسند حقيقي، وقال بلهجة آمرة بس ناعمة:
"لا، كفاية شغل لحد كدة النهاردة. حضرتك لازم تروح ترتاح فوراً، والبيت أولى بيك دلوقتي."
هز محمود راسه بموافقة، وكأنه استسلم لاهتمام أدهم اللي لمس قلبه. قام أدهم وسنده، كان ماشي جنبه خطوة بخطوة لحد باب المكتب. عند الباب، أدهم وقف وقفة حزم وقال:
"أنا هأمر سواق من الشركة يجهز العربية حالاً ويوصلك لحد باب البيت، مش هينفع تسوق وأنت في الحالة دي."
محمود بصله بنظرة طويلة، نظرة فيها امتنان غريب، ورفع إيده ببطء ومسح على شعر أدهم بحنان أبوي، حركة عفوية بس هزت كيان أدهم من جوه. محمود ابتسم بتعب وقال:
"تسلم يا ابني.. كتر خيرك."
خرج محمود، وفضل أدهم واقف مكانه زي الصنم. إيده طلعت لوحدها تتحسس خصلات شعره اللي محمود لمسها. في اللحظة دي، الدنيا حواليه اختفت، والمكتب الفخم مابقاش موجود.
بدأت صور مشوشة تظهر قدام عينه، ذكرى قديمة لطفل صغير بيركض لآبوه بشهادة تقدير، وأب بيضحك بوش بشوش وبيمسح على شعره بنفس الطريقة بالظبط، وبنفس الملمس الدافي. أدهم غمض عينه بقوة، أنفاسه بقت متسارعة، وصوت دقات قلبه بقى مسموع.
هز راسه بعنف وهو بيحاول يطرد الخيالات دي، ووشوش لنفسه بذهول:
"مستحيل.. إيه اللي أنا بفكر فيه ده؟ هما حتى مش نفس الملامح، ولا فيه أي شبه يجمعهم.. ليه الوجع ده رجع يصحى تاني دلوقتي؟"
________________________________
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بليل ..
كان قاعد في مكتبه اللي في القصر، المكتب اللي بيشهد على أهم قراراته وصفقاته، . مكنش فيه صوت غير خبطات الكيبورد وصوت أنفاسه الهادية وهو مركز في شاشة اللاب توب.
سمع دقات خفيفة ورقيقة على الباب، عرفها على طول، صوته طلع برزانة وهو بيقول:
"ادخل."
فتحت جميلة الباب، كانت حضنة كتبها وملازمها بقوة، وعلى وشها ابتسامة فيها حماس طفولي، وقالت بنبرة فرحانة:
"أنا جيت عشان تذاكرلي زي ما وعدتني.. ولا نسيت الوعد؟"
أدهم رفع عينه من على الشاشة، وبمجرد ما شاف لمعة عينيها، ملامحه الجامدة لانت وابتسم بحب حقيقي وقال:
"حاضر يا جميلة، أنا عند وعدي.. اقعدي على الكنبة ولما أخلص الإيميل ده هجيلك فوراً، ابدأي افتحي الكتب لحد ما أخلص."
راحت جميلة قعدت على الكنبة الجلد الكبيرة اللي في وسط المكتب، بدأت تفتح الملازم وتحدد بالقلم الأجزاء اللي مش فاهماها في الكيمياء.
عدت دقايق، وأدهم خلص شغله، قام بتعب ومدد جسمه، وجميلة كانت بتراقبه من تحت لتحت.
المنظر كان مأثر عليها جداً؛ أدهم كان لابس تيشرت بيتي رصاصي مفسر تفاصيل جسمه الرياضي، وبنطلون أسود مريح، والنظارة الطبية اللي كان لابسها كانت بتزيده وسامة وهيبة فوق هيبته. خصلات شعره كانت نازلة على جبينه بتمرد، ومع قعدته الطويلة في المكتب، بدأت تاخد شكل مموج بسيط خلاه يبان جذاب بشكل مش طبيعي.
جميلة أول ما لقت خطواته الهادية بتقرب منها، نزلت راسها بسرعة في الكتاب، وغمضت عينيها وهي بتدعي إن الوقت يعدي بسلام من غير ما دقات قلبها تفضحها، خصوصاً وهي حاسة بوجوده الطاغي اللي بدأ يملى المكان حواليها.
أدهم قعد جنبها، المسافة كانت قريبة لدرجة إن ريحة عطره بدأت تسيطر على حواسها، قلع نظارته ببطء وحطها على التربيزة، وقال بصوته الدافي:
"ها يا ستي.. نبدأ بإيه؟ فين الأجزاء اللي واقفة معاكي ؟"
أدهم شرح لها بذكاء وصبر، وجميلة كانت في قمة تركيزها، ومع كل معلومة كانت بتحس إنها بتفهم أكتر بكتير من مذاكرتها لوحدها. أول ما خلصوا، قامت وقفت بفرحة طفولية وهي بتقفل كتبها وقالت بحماس: "أنا كدة فهمت كل حاجة بجد! شكراً يا أدهم، أنت شرحك أحسن من كل المدرسين الي بسمعهم."
في اللحظة دي، تليفون أدهم اللي كان محطوط على المكتب رن رنة واحدة وفصل. جميلة كانت هي الأقرب للمكتب، فقالت بعفوية: " استنى هجيبلك الموبايل ."
لسه بتمسك الموبايل، عينها جت بالصدفة على الشاشة، ووقفت مكانها فجأة وكأن الزمن وقف بيها. شافت صورتها هي ويزن وهما نايمين، أدهم كان واخد لقطة ليهم وهما في قمة براءتهم، الصورة كانت دافية جداً لدرجة إنها حست بقلبها بيدق بعنف.
استغربت جداً هي اتصورت إمتى وإزاي؟ لفت الموبايل ناحيته وقالت بذهول ممزوج بضحكة خجل: "أنت بتصورنا وإحنا نايمين يا أدهم؟ ومش بس كدة، ده أنت حاططها خلفية لموبايلك!"
أدهم اتوتر جداً، ملامحه اللي كانت رزينة اتهزت، وحاول ياخد منها الموبايل بسرعة وهو بيقول: "هاتي يا جميلة الموبايل، دي مجرد صورة عجبتني وخلاص."
جميلة جريت في المكتب وهي بتضحك بدلال وتطلع له لسانها، وأدهم وراها بيحاول يمسكها لحد ما حاصرها عند ركن المكتب. شهقت بضحك وقالت: "مش هتاخده غير لما توريني باقي الصور اللي عندك!"
أدهم اتنهد باستسلام قدام شقاوتها وفتح لها المعرض، وبدأت تقلب وهي بتضحك بفرحة وهي شايفة صور كتير ليها وليزن من كذا زاوية، صور واضحة إنها متصورة بحب واهتمام كبير.
لكن فجأة، الضحكة اختفت، والدموع بدأت تلمع في عينيها ووشها اصفرّ تماماً. صباعها وقف عند تلات صور ورا بعض لياسمين ،لما كانوا في كتب الكتاب. الغريب والمؤلم إن الصور كانت موجهة على ياسمين لوحدها، وكأن الكاميرا بتراقبها هي بس في وسط الزحمة.
رفعت نظرها لأدهم بصدمة وجسمها بدأ يترعش، بصت للموبايل وبعدين بصت له وقالت بصوت مهزوز ومخنوق: "إيه ده يا أدهم؟ صور ياسمين بتعمل إيه عندك؟ وليه عامل زوم عليها هي بس؟"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أدهم ملامحه اتصلبت تماماً، واللين اللي كان في عينيه اتحول لبرود قاسي وكأنه بيحاول يرمي قناع عشان يداري ارتباكه، رد بنبرة خالية من أي مشاعر:
"دي مجرد صور يا جميلة، مفيش داعي للدراما دي كلها."
جميلة دموعها خانتها ونزلت على خدها، وصوتها طلع مخنوق بالوجع وهي بتبص في عينيه:
"ليه يا أدهم؟ ليه بتقول عادي؟ الصور دي متصورة بتركيز غريب.. أنت كنت باصص لها هي بس وسط الكل! يعني كل اللي فات ده كان تمثيل؟"
أدهم غمض عينه لثواني وكأنه بيستجمع جبروته، وفتحهم وهو بيبص لها بحدة تقطع القلب:
" دي حاجه تخصني أنا يا جميلة.. ومظنش إنها تخصك في شيء، ولا من حقك تسألي فيها."
الكلمة كانت زي خنجر اتغرس في قلبها. "ما تخصكيش؟" بعد كل اللي عاشوه ؟ بعد ما بدأت تصدق إن ليها مكان في حياته؟
جميلة مسكت كف إيده بقوة وهي بتترعش، وحطت الموبايل في كفه بعنف، وسحبت واحد من كتبها اللي كان على المكتب من غير ما تنطق ولا كلمة تانية.
جريت من المكتب وهي مش شايفة قدامها من كتر الدموع، سابت وراها فراغ كبير ووجع ملوش آخر. أما أدهم، ففضل واقف مكانه زي التمثال، عينه مثبتة على الباب اللي اتقفل وراها بقوة، وإيده اللي ماسكة الموبايل كانت بتترعش بخفة.
بص لصور ياسمين اللي في الموبايل، ونفخ بضيق وهو بيمسح على شعره بعنف.. هو مكنش عارف يفسر لنفسه أصلاً سر اهتمامه بياسمين، ولا عارف يقول لجميلة إن اللي بيحسه تجاه البنت دي حنين غريب .. مش حب، بس كبريائه منعه يبرر، وساب سوء التفاهم يحرق كل اللي بنوه في شهر.
__________________________________
كان علي واقف في البلكونة، ساند بإيديه على السور وباصص للسما اللي كانت مليانة سحب بيضاء بتجري ورا بعضها، والقمر كان بدر ومنور الدنيا بنور هادي مريح للأعصاب. مكنش فيه صوت غير نسمات الهوا الخفيفة وصوت نبضات قلبه اللي كانت هادية وراضية لأول مرة من سنين..
فجأة، حس بحركة رقيقة وراه، ريحة النعناع الهادية سبقت صاحبتها. لفت ياسمين ودخلت البلكونة وهي شايلة كوبايتين شاي بالنعناع، البخار طالع منهم.
علي لف وابتسم لها ابتسامة دافية، أخد منها المج وهو بيلمس صوابعها برقة وقال بصوت واطي:
"شكراً يا حبيبتي.. تسلم إيدك."
ياسمين وقفت جنبه، رفعت المج وشربت منه رشفة هادية، وعلي ساب المج من إيده ووقف وراها، حط إيديه الاتنين على السور وهي بقت محاصرة بين دراعاته، وضعية حسستها بأمان غريب. ياسمين رفعت راسها للسما وقالت وهي مسحورة بالمنظر:
"بتحب تبص للسما يا علي؟"
علي هز راسه بحب، ودفن وشه في خصلات شعرها لثواني قبل ما يرد:
"أيوة.. بحب أقف هنا وأبص للنجوم، وبالذات لما يكون القمر بدر زي دلوقتي.. بحس إن السما واسعة كفاية إنها تشيل أي فكرة جوايا."
ياسمين لفت له وبقت في مواجهته، المسافة كانت قريبة جداً، وعينيها لمعت بفضول وهي بتسأل:
"ودلوقتي.. بتفكر في إيه؟"
علي عينه لمعت وهو باصص في عينيها مباشرة، وسكت لثواني وكأنه بيستوعب النعمة اللي هو فيها، وبعدين قال:
"بفكر في حياتي اللي اتغيرت يا ياسمين.. لو كان حد جيه من كام شهر بس وقال لي إني هحب، وأتجوز، وأستقر، واهتماماتي كلها هتتغير بدل ما كانت حياتي مقتصرة على الشغل والجيم وخالتي منى.. مكنتش هصدقه أبداً."
ياسمين ابتسمت برقة وسألته بمداعبة:
"طيب.. مشتاقتش للروتين القديم ده؟"
علي ضحك بخفة وهز راسه بالرفض:
"على الرغم من إن دي كانت حياتي، إلا إنها كانت روتينية ومملة جداً.. أوقات كنت بتخنق وأقول لنفسي ..معقول هفضل كدة طول حياتي؟"
سكت شوية وبصلها بعمق خلى قلبها يدق:
"تعرفي إن أول يوم اتقابلنا فيه، كنت بفكر في كدة.. بفكر في حياتي المملة.. لحد ما شوفتك. ومن أول لحظة عيني جت في عينيكي وأنا شايلك بين إيديا، كنت عارف إنك آسرتيني. ورغم إني محبتش قبل كدة ولا كان ليا تجارب، بس كنت متيقن إن هو ده الحب اللي كنت مستنيه."
ياسمين حست بمشاعرها بتفيض، سندت بجبينها على صدره وحركت راسها بلطف وهي مسحورة بكلامه اللي بيلمس روحها، وهمست بصوت يكاد يُسمع:
"بحبك يا علي.. بحبك أوي."
علي ضمها ليه بقوة، وحس إن الدنيا كلها ملكه في اللحظة دي.
غمض عينيه واستسلم للحظة دي بكل كيانه، ضمها ليه أكتر وكأنه بيحاول يداريها من الدنيا كلها جوه ضلوعه، وباس راسها بحنان وهو بيقول بصوت هامس طالع من أعماق قلبه:
"وأنا بعشقك يا ياسمين.. بعشقك لدرجة إني بقيت بخاف من الهوا اللي بيعدي جنبك. وجودك في حياتي مكنش مجرد صدفة، ده كان نجاة لروحي اللي كانت تايهة."
ياسمين رفعت راسها وبصت في عينيه اللامعة تحت ضوء القمر، وقالت بصدق:
"تعرف يا علي، أنا طول عمري كنت بحس إني لوحدي، حتى وسط الناس. كنت دايماً خايفة من بكرة، بس من يوم ما بقيت معاك، الخوف ده اختفى. بقيت حاسة إن ليا سند، وبيت، وأهل.. بقيت حاسة إني فعلاً ملكة في مملكتك."
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
علي ابتسم بوقار وسحب خصلة شعر متمردة من على وشها ورا ودنها وقال:
"إنتي فعلاً ملكة، ومش بس في مملكتي، إنتي المملكة نفسها. وعشان كدة بوعدك يا ياسمين، إني مش ههدا غير لما أعرف كل حاجة عن ماضيكي، وأرجعلِك كل حق ضاع منك.. حتى لو كان الخصم مين، مش هسيب حقك أبداً."
ياسمين اتنهدت براحة، بس فجأة افتكرت حاجة وقالت بتردد:
"علي.. بخصوص الورقة اللي لقيتها في الملفات القديمة، اللي كان مكتوب فيها اسم إبراهيم السويسي.. تفتكر أدهم بيه يعرف حاجة عن الموضوع ده؟ وليه اسمه مكتوب في سجلات الملجأ؟"
ملامح علي اتغيرت للجدية، وبص للسما بتفكير وقال:
"ده اللي محيرني يا ياسمين. إبراهيم السويسي هو عم أدهم، .. كونه كان بيزور اوراق الملجأ ده و ليه علاقة بمنصور اللي اتبناكي، وكان بينهم مقابلات من عشرين سنه ، ده بيأكد إن فيه سر كبير مخبيه، ويمكن يكون السر ده هو الخيط اللي هيوصلنا لأهلك الحقيقيين."
ياسمين مسكت إيده بقلق: "أنا خايفة يا علي.. خايفة الحقيقة دي توجعنا أو تفرقنا."
علي ضغط على إيدها بقوة وطمنها بنظرة واثقة:
"مفيش حاجة في الدنيا تقدر تفرقنا يا ياسمين. الحقيقة مهما كانت صعبة، هي اللي هتحررنا من الحيرة دي. بكرة هحاول أتكلم مع أدهم بيه بطريقة غير مباشرة، يمكن أقدر أفهم منه إيه علاقة عمه بالملجأ ده من غير ما أسبب حساسية بينه وبين عمه.. رغم إني عارف إن أدهم أصلاً مش طايقه."
__________________________________
إبراهيم كان قاعد في مكتبه الفخم، الضوء خافت ومفيش غير نور شاشة الموبايل اللي عاكس على ملامحه الحادة والمليانة غل. كان بيقلب في صور "أدهم" مع شريكه الجديد "محمود الشافعي" في آخر حفلة وتصريحات الجرايد عن نجاح صفقاتهم.
زم شفايفه بشر وهو بيكبّر صورة محمود الشافعي، وبدأ يتكلم مع نفسه بصوت فحيح زي التعابين:
"ليه الراجل ده بالذات يا أدهم؟ ليه الشراكة دي اللي خلتك تفتح له قلبك ومكتبك بالمنظر ده؟ ده أنا عمك، والدم اللي بيجري في عروقك من دمي، ومكنتش بتسمحلي أتدخل في صفقة واحدة ولا أدخل مكتبك من غير ميعاد!"
بدأ يدقق في ملامح محمود اللي في الصورة، وحس ببرودة غريبة بتسري في جسمه. النظرة دي.. الشموخ ده.. الكيمياء اللي ظاهرة بين أدهم ومحمود في الصور مش مجرد كيمياء شغل، دي كأنها رابطة دم. إبراهيم حرك صباعه على ملامح محمود في الصورة، وعينه برقت بصدمة ممزوجة بخوف:
"نفس النظرة.. نفس الوقفة.. مش ممكن! إنت مت من عشرين سنة يا محمود.. أنا حرقت العربية بنفسي وشوفت النار وهي بتاكل كل حاجة! مستحيل تكون رجعت من الموت."
قام وقف وبدأ يروح وييجي في المكتب بتوتر، والشر بدأ يلمع في عينه من تاني:
"لو كنت إنت، أو حتى حد شبهك.. فأنا مش هسمحلك اتخد مكاني تاني. أدهم طردني من الشركة وكسر هيبتي، ولازم يندم على اللحظة اللي فكر فيها يتحداني.. هخلص منكم إنتوا الاتنين في خبطة واحدة، والمرة دي مش هسيب للنار فرصة تغلط وتطلّع حد عايش."
مسك موبايله وطلب رقم شخص مجهول، ورد بصوت واطي زي فحيح الأفاعي:
" عايز مراقبة ٢٤ ساعة لمحمود الشافعي، وعايز أعرف كل ثغرة في تحركاته هو وأدهم.. المرة دي مفيش مجال للغلط ."
__________________________________
أدهم وعلي كانوا قاعدين في المكتب، الملفات مفتوحة قدامهم والجو هادي، بس علي مكنش مركز تماماً. كان بيمسك القلم ويخبط بيه على المكتب بانتظام وهو باصص للاشيء، وسرحان في دوامة من الأسئلة.
أدهم لاحظ شروده، ساب الورق اللي في إيده وسند ضهره لورا وهو بيسأله بتركيز:
"مالك يا علي؟ بقالك ساعة بتبص في الورقة دي ومش معايا خالص..
علي اتنهد ورفع عينه لأدهم، وبدأ يتكلم بصوت فيه حيرة وقلق:
" أنا عايز اقولك على حاجة غريبة اكتشفتها لما دورت عن الملجأ دوأهل ياسمين الحقيقين."
ادهم باستغراب:" اكتشفت ايه؟"
كمل علي ... وأنا بدور ورا سجلات الملجأ القديمة، وصلت لحاجة غريبة أوي ومش فاهماها. عرفت إن عمك إبراهيم السويسي كان بيتردد على الملجأ ده كتير جداً من عشرين سنة."
أدهم عقد حواجبه باستغراب: "عمي إبراهيم؟ وإيه اللي يخلي واحد زيه يروح ملجأ أيتام؟"
علي كمل وهو بيبلع ريقه:
"المشكلة مش بس في الزيارات.. المشكلة إنه كان بيقابل منصور بانتظام، منصور اللي هو أبو ياسمين بالتبني، والكلام ده كان في نفس الفترة اللي ياسمين خرجت فيها من الملجأ وراحت لبيت منصور."
أدهم قام وقف من ورا مكتبه بعصبية، وعقله بدأ يربط الخيوط ببعضها:
"إيه علاقة عمي بمنصور؟ وليه يتدخل في حياة بنت يتيمة؟ كأن إبراهيم هو اللي كان بيحرك منصور عشان ياخد ياسمين من الملجأ.. بس ليه؟"
(هتشل من الغباء بجد. يعني نفس ظروف أختك اللي بتدور عليها ونفس الاسم
ده ملقتش نظرك لحاجة؟؟🙂🙂)
لسه علي هيرد، فجأة موبايل أدهم اللي كان محطوط على المكتب رن. أدهم بص للشاشة واستغرب جداً لما لقى المتصل "جميلة". قلبه انقبض، لأنها من وقت اللي حصل في المكتب ،وهي حابسة نفسها في أوضتها ومش بتكلمه خالص.
أدهم فتح الخط بسرعة، وقبل ما ينطق بكلمة، جاله صوت جميلة وهو مهزوز ومخنوق بالعياط:
"الحقني يا أدهم.. أرجوك تعالى بسرعة، يزن سخن أوي وجسمه بيتنفض، أنا مش عارفة أعمل إيه!"
أدهم ملامحه اتخطفت تماماً، ورجعت له صورة يزن وهو تعبان، الخوف على ابنه سيطر عليه ونفض أي فكرة تانية من دماغه. زعق في الموبايل وهو بيتحرك ناحية الباب:
"جميلة اهدي.. أنا جاي حالاً، حطي له كمادات مية فاترة وما تسيبيهوش لوحده، مسافة الطريق وهكون عندك."
علي قام وقف بخضة: "فيه إيه يا أدهم؟"
أدهم وهو بيجري: "يزن تعبان يا علي، لازم أمشي حالاً.. كمل انت الشغل هنا، وأي حاجة تحصل بلغني بيها فوراً."
__________________________________
أدهم دخل القصر كأن إعصار اقتحمه، مكنش شايف قدامه ، يزن مش مجرد أخوه الصغير، ده ابنه اللي شال مسؤوليته وهو لسه بيخطو خطواته الأولى في الدنيا.
طلع السلالم بضيق نَفَس وفتح باب الجناح بلهفة، وشاف المنظر اللي خلى قلبه يتنفض؛ يزن كان نايم على السرير، وشه شاحب وملامحه دبلانة من التعب، وجميلة قاعدة جنبه، ماسكة فوطة مبلولة وبتعمله كمادات، وعينيها كانت حمرا من القلق والعياط.
جميلة رفعت عينيها وبصت لأدهم أول ما دخل، نظرة كان فيها عتاب ممزوج بلهفة أدهم قرب بتوتر وقعد على طرف السرير، وحط إيده على جبين يزن اللي كان قايد نار، وسأل بصوت مرعوب:
"إيه اللي حصل يا جميلة؟ الصبح كان كويس!"
جميلة ردت وهي بتمسح دموعها بطرف إيدها:
"كنت داخله أشوفه عادي، لقيته مش قادر يفتح عينه وجسمه مولع نار.. قلقت جداً ومكنتش عارفة أتصرف غير إني أكلمك."
أدهم طلع موبايله فوراً واتصل بدكتور ، ومفيش وقت طويل وكان الدكتور وصل. بعد فحص دقيق ليزن، الدكتور طمنهم وهو بيقفل شنطته:
"متقلقوش يا أدهم بيه، ده مجرد دور سخونية شديد بسبب تغيير الجو والتقلبات
.. يلتزم بس بالأدوية دي والكمادات متقفش، وإن شاء الله الصبح هيكون أحسن."
أدهم شكر الدكتور ومشي معاه لحد الباب، ورجع بسرعة قعد جنب يزن تاني. مسك كف إيد يزن الصغير اللي كان بيترعش خفيف، وباسه بحنية مفرطة وهمس:
"سلامتك يا حبيبي.. ألف سلامة عليك، أنا جنبك مفيش حاجة هتوجعك تاني."
يزن فتح عينيه بتعب وصوته طلع ضعيف:
"بابي. جميلة.. خليكم جنبي، عايزكم تناموا جنبي النهاردة."
جميلة بصت لأدهم بتوتر وارتباك، خصوصاً والجو مشحون بينهم بسبب اللي حصل في المكتب، بس أدهم بصلها بنظرة فيها رجاء إنها توافق عشان خاطر يزن، وقال برقة:
"حاضر يا حبيبي، مش هنقوم من جنبك خالص."
جميلة نامت من ناحية، وأدهم نام من الناحية التانية، ويزن كان في النص بينهم. يزن بطفولته وعفويته، مسك إيد أدهم وإيد جميلة، وحطهم فوق بعض بين إيديه الصغيرين وربطهم ببعض وضغط عليهم، وكأنه بيحاول يجمعهم في حضنه ويصلح اللي انكسر بينهم من غير ما يقصد.
أدهم حس بلمسة إيد جميلة تحت إيده، والكهربا سرت في جسمه من تاني. بص لجميلة ولقاها مغمضة عينيها بتوتر، بس مسحبتش إيدها. الصمت كان سيد الموقف، بس كان صمت مليان كلام ومشاعر..
______________________________
في الشركة، كان محمود داخل بخطوات سريعة ووشه فيه ملامح قلق واضحة. دخل المكتب ولقى علي قاعد غرقان وسط ورق وملفات، فاستغرب جداً وبص في الساعة وقال بتعجب:
"علي؟ أومال فين أدهم؟ غريبة إنه مش موجود في مكتبه في وقت زي ده، إحنا ورانا شغل كتير النهاردة."
علي قام وقف بوقار واحترام لمحمود وقال بنبرة هادية عشان يطمنه:
"أهلاً يا محمود بيه.. أدهم اضطر يمشي فجأة من حوالي ساعة، يزن أخوه الصغير تعب فجأة وسخونيته رفعت، وجميلة هانم كلمته فـ لحق يروح القصر يكون جنبهم."
محمود بحزن على الطفل الصغير، رغم علمه إنه مش ابنه :
"ربنا يشفيه ،ويعافيه يارب"
_______________________________
أدهم كان غارق في نوم عميق، كان يزن في النص، نايم ببراءة طفولية، وماسك إيد أدهم وإيد جميلة بإيديه الصغيرة، كأنه خايف لو سابهم حد فيهم يختفي.
أدهم بدأ يفتح عينه ببطء مع تسلل خيوط الغروب البرتقالية من الشباك. أول حاجة وقعت عينه عليها كانت جميلة؛ كانت نايمة جنبه، ملامحها هادية جداً وبعيدة عن التوتر اللي كان بينهم. خصلات شعرها كانت نازلة على وشها ومخبية جزء من ملامحها الرقيقة.
أدهم فضل يتأملها لثواني، وقلبه بيدق بدقة غريبة.. مد إيده ببطء وحذر شديد، ورفع خصلات شعرها من على وشها بلمسة ناعمة زي النسمة، وهو بيتنهد بحيرة.. "إزاي قادرة تكوني قريبة مني كدة، وفي نفس الوقت بعيدة أوي؟".
فجأة، قطع اللحظة دي صوت خبط هادي على الباب. أدهم سحب إيده بسرعة واتعدل في قعدته بالراحة عشان ميصحيش يزن.
"ادخل.." قالها بصوت واطي ورخيم.
دخلت واحدة من الخادمات، ووقفت بأدب وقالت:
"أدهم بيه، في ضيوف تحت في الصالون وطالبين يقابلوا حضرتك."
أدهم استغرب، هو مش منتظر حد في وقت زي ده:
"ضيوف مين يا سعاد؟"
"محمود بيه الشافعي، ومعاه مدام نادية زوجته."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أدهم رفع حاجبه بدهشة، بس هز راسه وقال لها تبلغهم إنه نازل حالاً. في الوقت ده، جميلة بدأت تفوق من نومها على صوت الكلام، فركت عينيها بكسل وبصت لأدهم:
"في إيه ؟ مين اللي جيه؟"
أدهم بصلها وحاول يداري ملامحه الجامدة تجاهها:
"محمود بيه ونادية هانم تحت.. أكيد علي بلغه إن يزن تعبان فجيه يطمن عليه. أنا نازل استقبلهم، البسي وانزلي ورايا."
جميلة هزت راسها ببرود:
"تمام.. هغير هدومي وأنزل."
أدهم نزل الصالون، وأول ما شافه محمود، قام وسلم عليه بلهفة وقلق حقيقي:
"ألف سلامة على يزن يا أدهم.. ، علي قالي في الشركة إنه تعبان ومقدرتش استنى للصبح."
أدهم ابتسم : "الله يسلمك يا محمود بيه، تعبت نفسك والله.. هو دلوقت أحسن والحرارة نزلت."
نادية كملت بحنان: "تعب إيه يا أدهم؟ إنتوا دلوقت عيلتنا، ومحمود من ساعة ما عرف وهو مش على بعضه."
بعد دقايق، نزلت جميلة وهي لابسة لبس بيت أنيق ومحتشم، وسلمت عليهم بذوق وقعدت جنب نادية. محمود وأدهم استأذنوا ودخلوا المكتب عشان يتكلموا في شغل، وسابوا نادية وجميلة لوحدهم.
جميلة بدأت تبص لنادية بإعجاب، وقالت بابتسامة:
"واضح إن حضرتك ومحمود بيه بتحبوا بعض أوي .. نظراته ليكي فيها احترام وحب غريب."
نادية ضحكت برقة وردت بحب:
"أيوه يا جميلة.. محمود هو حياتي كلها. إحنا مرينا بكتير أوي عشان نكون مع بعض."
جميلة سألتها بفضول: "ممكن أعرف عرفتوا بعض إزاي؟"
نادية سكتت لحظة، وبصت للفراغ بحنين وبدأت تحكي:
"أنا عشت عمري كله في أمريكا.. أهلي مصريين بس بحكم شغلهم كنا بنقضي معظم السنة هناك. دخلت كلية الطب واتخرجت، وفجأة لقيت نفسي وحيدة بعد وفاة والدي ووالدتي.. ركزت في شغلي ونسيت موضوع الجواز ده خالص، لحد ما بقيت في أواخر التلاتينات."
اتنهدت وكملت: "في يوم، جت للمستشفى حالة بين الحياة والموت.. راجل في منتصف الأربعين، محروق تماماً، نص جسمه ووشه مشوهين من نار حادثة. كان هو المريض ده كان محمود.. قعد سنة كاملة في المستشفى بين عمليات تجميل وزراعة جلد عشان نغير ملامحه اللي النار أكلتها. في السنة دي، حبينا بعض من غير كلام.. هو كان هربان من ماضي أليم في مصر، وأنا كنت الدكتورة اللي داوت جروحه. اتجوزنا هناك وبدأنا من الصفر، وغيرنا كل حاجة.. حتى ملامحه وشكله بقوا مختلفين تماماً عن اللي كان عليه قبل الحادثة."
جميلة شهقت بتأثر ودموعها لمعت:
"واو.. بجد حكايتكم جميلة ولا في الروايات! محمود بيه ده بطل حقيقي."
نادية بابتسامة غامضة: "محمود بطل.. بس لسه قلبه محبوس في الماضي اللي هرب منه يا جميلة."
__________________________________
داخل المكتب
بدأ الكلام بينهم في الشغل، وأدهم شكره بامتنان حقيقي:
"نورتني يا محمود بيه.. بجد تعبت نفسك إنك تيجي في وقت زي ده عشان يزن"
محمود ابتسم وهز راسه بود:
"مفيش تعب يا أدهم، قولتلك يزن ده غالي عندي أوي رغم إني مشوفتوش.. وبعدين الشغل مبيخلصش، قولت بالمرة نراجع ملف الصفقة الأخيرة."
وهما بيتكلموا، أدهم لاحظ إن ملامح محمود بدأت تتغير، وبدأ ينهج نهجان خفيف ووشه شحب شوية، فسأله بقلق:
"محمود بيه.. إنت كويس؟ حاسس بتعب؟"
محمود سنده بإيده على المكتب وقال بصوت هادي:
"متقلقش يا ابني.. أنا عندي السكر بس، والظاهر إني دوخت شوية لأني خرجت النهاردة من غير ما أفطر كويس."
أدهم جسمه قشعر.. الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة. "السكر؟". هو فاكر ذكريات والده كان عنده السكر وكان دايماً يدوخ لو مأكلش كويس. أدهم سكت تماماً، وسرح لثواني في ذكرى قديمة.. "مش معقول الصدف دي كلها!".
فجأة، افتكر العلامة اللي مكنتش بتفارق خياله. شامة كبيرة ومميزة كانت في رقبة أبوه من ورا، كان وهو طفل بيقعد وراه ويلمسها بصوابعه الصغيرة. أدهم قرر يقطع الشك باليقين.
مسك ملف من على المكتب، وبدأ يتحرك بخطوات هادية حوالين محمود وكأنه بيشرح حاجة في الورق، لحد ما بقى واقف وراه تماماً. وبحركة مقصودة، ساب الملف يقع من إيده على الأرض ورا كرسي محمود.
"أوه.. أنا أسف جداً، الملف وقع مني."
محمود بتلقائية وبسرعة نزل يميل بجسمه عشان يجيب الملف من على الأرض، وفي اللحظة دي، أدهم انتهز الفرصة وقرب عينه جداً من رقبة محمود وهو بيحبس أنفاسه.. كان مستني يشوف الشامة .
لكن الصدمة كانت أقوى.. أدهم ملقاش أي أثر للشامة. شاف بس جلد مشدود جداً،
أدهم رجع خطوة لورا وهو بيتنفس بصعوبة، وحس بخيبة أمل ووجع في قلبه كأن حد طعنه. تنهد بحزن عميق ووشه انطفأ تماماً، وقال بصوت مخنوق وهو بياخد الملف من ايده:
"شكرا يا محمود بيه.. تسلم إيدك."
أدهم مكنش يعرف في اللحظة دي إن النار اللي حرقت جسم أبوه، أخدت معاها كل العلامات اللي كان بيعرفه بيها، وإن نادية وفريق الأطباء في أمريكا اضطروا يشيلوا طبقات كاملة من الجلد المحروق ويستبدلوها بجلد جديد، والعملية دي محت الشامة تماماً .
_________________________________
في مكان مهجور، بعيداً عن أضواء المدينة، كانت الرياح بتصفر بين المباني القديمة. وقف إبراهيم السويسي وجنبه راجل ملامحه غبرة، وعينيه فيها نظرة غدر مابتتغيرش..
ودار بينهم الحوار التالي :
المجهول:" أنا مش فاهم احنا مستتين ايه ؟هنتحرك امتى ؟"
ابراهيم وهو بينفخ سجارته :"اتقل عشان لما نتحرك نضمن القاضية لهم يا .. يا منصور"
منصور سكت بشر وهو بيفكر، وعينيه لمعت بذكاء شيطاني وهو بيبص لإبراهيم السويسي اللي ملامحه كانت مليانة الغل:
"عارف يا إبراهيم بيه.. أنا المرة دي مش هكتفي بالفلوس. أنا عايز أشوف أدهم السويسي وهو مكسور قدامي، زي ما كسرني وهددني في المستشفى. بكل جبروت عشان يدافع عن ياسمين، وميعرفش إن اللي بيحميها ويدافع عنها دي تبقى ... أخته ."
إبراهيم رمى السيجارة وداس عليها بعنف:
"أدهم طول عمره عامل فيها بطل، بس المرة دي السجادة هتتسحب من تحت رجليه."
إبراهيم بصل لمنصور بنظرة تقيم، ورجع بذاكرته لليوم اللي اللعبة فيه اتغيرت تماماً..
(فلاش باك)
بعد ما منصور خرج من الحبس، نار الانتقام كانت واكلة قلبه من علي وياسمين اللي كانوا السبب في دخوله السجن. بدأ يراقب علي زي ضله، وفي يوم كان واقف مستني قدام الشركة اللي على بيشتغل فيها، شاف إبراهيم السويسي خارج وملامحه مرعبة من الغضب بعد ما أدهم طرده.
منصور اتسمر مكانه، الوش ده مش غريب عليه، ده نفس الراجل اللي جاله من عشرين سنة بشنطة فلوس واتفق معاه ياخد البنت اليتيمة (ياسمين) من الملجأ ويختفي بيها، ويزور ورقها عشان يضمن إن أدهم وياسمين كل واحد يتربى في عيلة وبيئة مختلفة تماماً.. والهدف كان واحد: الثروة كلها تبقى لإبراهيم لوحده وما يظهرش وريث يشاركه.
منصور مشي ورا إبراهيم لحد ما قدر يوصل لمكانه ويواجهه، وهناك كانت الصدمة متبادلة!
إبراهيم اتصدم لما عرف إن علي الحارس الشخصي لأدهم يبقى جوز ياسمين بنت أخوه، ومنصور اتصدم لما عرف إن الشاب اللي كان مع علي في المستشفى وهدده بكل جبروت .. ده كان أدهم السويسي، أخوها الحقيقي اللي الدم حنّ ليه من غير ما يعرفوا!
من وقتها، الشيطانين اتحالفوا.. إبراهيم عايز يخلص من أدهم ومن أخته اللي ظهرت، ومنصور عايز يكسر أدهم اللي هدد كرامته، ويحرق قلب علي في مراته.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
جميلة انسحبت بهدوء ودخلت جناحها، كانت محتاجة تفصل من كل الأحداث والمشاعر المتلخبطة دي. فتحت المية السخنة واستسلمت لدوامة أفكارها تحت الشاور.
في الوقت ده، أدهم كان واقف قدام باب جناحها، متردد.. إيده اترفعت عشان تخبط بس نزلها تاني، وبعدين خد نفس عميق وخبط بهدوء. مكنش فيه رد، والظاهر إن صوت المية كان أعلى من خبطاته. فتح الباب ببطء ودخل، لقى الجناح فاضي، بس ريحة الورد والياسمين مالية المكان مع بخار المية اللي طالع من الحمام.
أدهم قعد على طرف السرير، ساند كوعه على ركبته وشابك إيديه، كان مستنيها وعنده إصرار إنه ميمشيش غير لما ينهي الخلاف ده. بعد شوية، باب الحمام اتفتح وخرجت جميلة وهي بتجفف شعرها بفوطة صغيرة، كانت لابسة برنص زيتي قصير لحد الركبة، وشعرها المبلول مديها شكل رقيق جداً ووشها كان مورد من سخونية المية.
جميلة كانت ماشية بتلقائية ومشغولة بتنشيف شعرها، وفجأة اتسمرت مكانها والشهقة انحبست في حلقها.. الفوطة وقعت من إيدها لما شافت أدهم قاعد على السرير وبيتأملها بعمق.
همست بتوتر وصوت مرعوش: "أدهم! إنت.. إنت هنا من امتى؟"
أدهم قام من مكانه ببطء، ملامحه كانت هادية بس عينيه كان فيها بريق غريب. بدأ يقرب منها وهي بتتحرك لورا بتوتر، وكل ما تاخد خطوة لورا يقرب هو خطوتين، لحد ما لقت ضهرها في الدولاب وهو محاصرها بدراعاته.
جميلة بدأت تنهج بصعوبة وقالت بصوت مهزوز: "ف..فيه إيه يا أدهم؟"
أدهم باصلها لثواني في صمت، وبعدين وبدون أي مقدمات، سحبها لحضنه بقوة ودفن وشه في كتفها. جميلة اتجمدت من الصدمة، قلبها كان بيدق لدرجة إنها حست إنه هيخرج من ضلوعه، بس بعد لحظات حست بجسمها بيسترخي في حضنه.
أدهم همس بنبرة هادية ودافية: "أنا آسف يا جميلة.."
جميلة رفعت راسها وهي لسه بين دراعاته، عينيها كانت بتلمع بالحيرة. أدهم لمس خدها اللي كان أحمر بلمسة حنونة وقال:
"أنا أول مرة أعتذر لحد في حياتي.. بس أنا عارف إني غلطت. وعارف إن ملوش مبرر إني أكون محتفظ بالصور دي، بس صدقيني يا جميلة، أنا مش بحبها حب راجل لست.. أنا نفسي مش فاهم مشاعري ناحيتها، بس بحس إنها مسؤوليتي، إني لازم أحميها.. إحساس مختلف تماماً عن اللي بحسه وأنا معاكي."
اتنهد وكمل وهو بيقرب من وشها أكتر: "أوعدك مش هخبي عليكي حاجة تاني، ومش هسمح للي حصل ده يتكرر.. مسمحاني؟"
جميلة بصت له بتوهان، كلامه لمس قلبها وقربه منها كان بيفقدها القدرة على التركيز. أدهم ضغط على خصرها بخفة وقال بإلحاح:
"قولي.. قولي أنا سمحتك يا أدهم."
جميلة بصوت يكاد يُسمع: "أنا.. أنا.."
أدهم همس بصوت أجش: "أنتي إيه؟"
جميلة استسلمت لمشاعرها وهمست: "سمحتك يا أدهم."
أدهم ابتسم بانتصار، وبدأ يقرب أكتر وكأنه عايز يعوض كل لحظة جفاء مرت بينهم، وفجأة.. الباب اتفتح ...
أدهم وجميلة اتنفضوا بعيد عن بعض، ولقوا يزن واقف بيفرك في عينيه بنوم وشعره منكوش، وبص لهم ببراءة وقال:
"أنتو روحتوا فين؟ صحيت ملقتش حد جنبي وخفت"
أدهم حاول يلم الموقف بسرعة ووشه بقى أحمر من الإحراج، وجميلة لفت وشها الناحية التانية وهي بتعدل البرنص بكسوف مش طبيعي.
أدهم حاول يتماسك بسرعة ورسم ابتسامة هادية وهو بيقرب من يزن اللي واقف ببراءة وسط الأوضة.
أدهم نزل لمستوى يزن وشاله بحنان:
"إحنا هنا يا بطل، أنا بس كنت بطمن على جميلة.. إنت صحيت ليه؟ لسه السخونية تعباك؟"
يزن حط راسه على كتف أدهم واتمسح فيه بطفولة، وهمس بنعاس:
"صحيت ملقتكوش جنبي، خوفت تكونوا سبتوني لوحدي."
أدهم باس راسه وطمنه:
"أنا أقدر أسيبك برضه؟ يلا يا حبيبي نرجع ننام عشان ترتاح وتخف بسرعة."
جميلة كانت واقفة متابعة الموقف بقلب بيدق بعنف، مش عارفة تفرح بـ "آسف" اللي قالها أدهم ولا تتوتر من القرب اللي حصل بينهم، بس نظرة أدهم ليها وهو خارج من الأوضة بيجر يزن وراه كانت كفيلة تخليها تنسى الدنيا..
(عن الثبات عالمبدأ أتحدث 😀)
_________________________________
كانت ياسمين واقفة في المطبخ، ضوء خافت مسلط على الرخامة وهي بتصب المشروب الدافي في المج الخاص بيها. إيدها كانت بتترعش خفيف وهي بتقلب بالمعلقة الصغيرة، وصوت رنين المعلقة في المج كان هو الصوت الوحيد اللي كاسر سكون الليل.
كانت حاسة بتعب غريب نهش جسمها فجأة، ودوخة خلتها تسند بإيدها التانية على الحوض عشان متقعش، خصوصاً بعد ما رجعت كل اللي في بطنها وحست إن طاقتها انتهت.
أخدت المج وخرجت من المطبخ بخطوات بطيئة وهي بتقول لنفسها:
"أشربه في الصالة أحسن.. لو دخلت الأوضة دلوقت علي ممكن يحس بيا ويقلق، وأنا مش عايزة أشغل باله."
ما لحقتش تقعد على الكنبة .. إلا واتفاجئت بـ "علي" خارج من الطرقة وملامحه باين عليها القلق، كان لابس فنلة قطن سوداء مبيّنة عضلات جسمه المشدودة من التوتر. أول ما شافها، جرى عليها وقعد جنبها ومسك إيدها بخوف حقيقي:
"حبيبتي.. قمتي من جنبي ليه؟ وبتشربي إيه في وقت زي ده؟"
ياسمين بصت له وهي بتحاول ترسم ابتسامة باهتة عشان تداري تعبها، كانت لسه هتقوله على اللي حصل وإنها تعبانة، بس لما شافت نظرة الرعب في عينيه قررت تخبي وقالت بصوت هادي:
"مفيش يا حبيبي.. حاسة بس بشوية وجع بسيط في معدتي، قولت أعمل حاجة سخنة تريحني شوية."
علي اتنهد بضيق وقلق، وأخد المج من إيدها وحطه على التربيزة اللي قدامهم، وبعدين سحبها لحضنه وحاوطها بدراعاته القوية، وحط راسها على صدره بحنان مفرط. بدأ يبوس راسها وهو بيطمنها:
"سلامتك يا روح قلبي.. ألف سلامة عليكي."
مد إيده مسك المج وبدأ يبرد لها المشروب بنفخات هادية ومنتظمة عشان تعرف تشربه وهي مرتاحة. ياسمين رفعت عينها وبصت له بحب وشغف، وحست إن حضنه هو الدوا الحقيقي لأي وجع، وهمست بصوت رقيق:
"ربنا يخليك ليا يا حبيبي.. بجد مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه."
علي طبع بوسة طويلة على شعرها وهو بيشم ريحتها اللي بيعشقها، وقال بنبرة مليانة صدق:
"ويخليكي ليا يا أغلى ما ليا في الدنيا دي كلها."
ياسمين استسلمت لحضن علي الدافئ، وبدأت تحس إن التقلصات اللي في معدتها بدأت تهدأ تدريجياً مع دقات قلبه المنتظمة. كانت بتفكر في التعب اللي جالها فجأة ده، وياترى سببه إيه؟ بس خوف علي عليها كان كفيل يخليها تنسى أي وجع.
__________________________________
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
نزلت جميلة درجات السلم بخطوات هادية، وشعرها منسدل على ضهرها برقة ولابسة فستان بيتي بسيط، لكن ملامحها اتجمدت من الدهشة لما وصلت لآخر درجة. شافت منظر مكنتش تتخيله أبداً؛ أدهم السويسي، اللي دايماً لابس البدلة والرسمية هي عنوانه، كان قاعد على الأرض بكل بساطة، لابس هدوم بيتي مريحة وأنيقة في نفس الوقت، وماسك دراع البلايستيشن وبيلعب بحماس مع يزن.
رفعت حواجبها بذهول وقالت بصوت ناعم ممزوج بالاستغراب:
"أدهم! إنت مروحتش الشركة النهاردة؟ ده أنا افتكرت إني صحيت متأخر والبيت فاضي!"
أدهم رفع عينه ليها وابتسم ابتسامة صافية، ورجع ركز في الشاشة وهو بيحرك صوابعه بسرعة:
"لأ يا جميلة.. النهاردة قررت إن اليوم ده مش بتاع الشغل خالص، ده بتاع يزن وبتاعك. والظاهر كدة إن برستيجي في خطر لأن يزن غلبني في أول دور"
يزن ضحك بفرحة وهو بيتنطط جنب أدهم:
"بابا أدهم مش عارف يلعب يا جميلة، تعالي إنتي ساعديني وخليه يخسر تاني"
أدهم بصلها بتحدي ومرح وهو بيمد إيده بالدراع التاني:
"وريني شطارتك يا جميلة.. تعالي العبي معانا، ولا خايفة تخسري من أول دقيقة؟"
جميلة ضحكت وقربت قعدت جنبهم على الأرض بحماس:
"أنا أخسر؟ ده أنا اللي هعلمك اللعب على أصوله يا أدهم!"
بدأ الجو يتملي حماس ومرح، وجميلة بدأت تلعب بتركيز كبير، وأدهم كان بيراقب ملامحها وهي مندمجة وبتبتسم بكل عفوية. أدهم رغم خبرته في اللعبة، كان بيحاول يماطل عشان يطول اللحظة دي، ولأول مرة خسر نفسه بقصد عشان يفرحها.
جميلة أول ما شافت كلمة Winner على الشاشة باسمها، مسكت دراع البلايستيشن بصدمة وعدم تصديق، وفجأة صرخت بفرحة طفولية وقامت تتنطط مكانها:
"كسبت! كسبت أدهم السويسي ، اوعى اوعى أنا اللي غلبته "
أدهم وقف ببطء وهو بيتأمل شكلها ومنظرها وهي طايرة من الفرحة، الضحكة اللي نورت وشها نستُه كل همومه. ومن غير تفكير ومن كتر فرحتها، جميلة رمت نفسها في حضنه وهي بتضحك، وأدهم استقبلها بلهفة وشالها ولف بيها في وسط الصالة، ويزن واقف جنبهم بيسقف ويضحك بفرحة..
أدهم نزلها ببطء وهو لسه محاوط خصرها، وعينيه في عينيها وهمس بصوت دافي:
"مبروك يا جميلة.. بس خلي بالك، دي المرة الوحيدة اللي هسمحلك تغلبي أدهم السويسي فيها."
جميلة وشها احمر جداً لما استوعبت إنها في حضنه، وحاولت تبعد بكسوف وهي بتصلح شعرها، بس لمعة السعادة في عينيها كانت بتقول إن اليوم ده هو أجمل بداية لصفحة جديدة بينهم.
وبدأت تصلح شعرها بكسوف، وفجأة حطت إيدها على معدتها وضحكت بخفة وهي بتغير الموضوع :
"شكل كده الفرحة والمجهود اللي عملته عشان أكسبك ده خلوني أحس إني جعانة جداً.. أنا مكلتش حاجة من الصبح"
أدهم ابتسم وسحبها من إيدها برفق وقال بنبرة مليانة حماس:
"إحنا النهاردة مش هنفطر فطار عادي.. إحنا هنعمل حفلة باربيكيو ونشوي في الجنينة ونقضي اليوم كله في الشمس والهوا ... ايه رأيكم؟؟"
جميلة عينيها لمعت بحماس وقالت:
"بجد يا أدهم؟ الفكرة تجنن أنا بحب الشوي أوي في الجو ده."
أدهم ضحك وبص ليزن اللي كان بيتنطط حواليهم وقال:
"يلا بينا بقى يا بطل إنت وجميلة، مش عايزين نضيع وقت. قوموا معايا نجهز الحاجة، نطلع الحاجة اللي هنشويها، ونتبل كل حاجة ونجهز الأسياخ قبل ما الشمس تحمى."
جميلة وافقت بحماس كبير وقالت وهي بتشمر كمامها:
"أنا جاهزة جداً ،هسبقكم على المطبخ أطلع البهارات والخضار اللي هنحتاجه، وإنت يا أدهم هات اللحمة وحصلني عشان نبدأ فوراً."
وبالفعل، اتحركوا كلهم ناحية المطبخ في حالة من البهجة والنشاط، وبدأت جميلة تجهز التتبيلة وتفرك اللحمة بالبهارات بمهارة، وأدهم واقف جنبها بيساعدها ويوزع المهام على يزن الصغير، والضحكة مش مفارقة وشوشهم وكأن القصر أخيراً بدأ يتنفس سعادة حقيقية.
__________________________________
أثناء ما كانوا قاعدين على السفرة بيفطروا في جو هادي، كانت ياسمين بتقلب في طبقها بشرود، ونفسها مسدودة تماماً عن الأكل. علي لاحظ هدوئها وتعبها، فقطع شريحة خيار وحطها قدام بقها وهو بيتبسم بحنان:
"عشان خاطري يا ياسمين، كلي دي بس عشان تسندك طول اليوم، وشك دبلان خالص يا حبيبتي."
ياسمين هزت راسها بابتسامة باهتة، وأخدتها منه وكلتها بالعافية وهي بتحاول تمنع إحساس الغثيان اللي بيطاردها من الصبح. أول ما خلصوا، علي قام عشان يطلع أوضته يجهز نفسه للخروج، وساب ياسمين مع منى على السفرة.
جميلة مالت عليها بفضول وقلق وسألتها:
"مالك يا ياسمين؟ شكلك مش عاجبني خالص النهاردة. "
ياسمين اتنهدت وسندت راسها على إيدها:
"مش عارفة يا خالتو، ماليش نفس لأي أكل، وبالليل تعبت أوي ورجعت كل اللي في بطني، وحاسة جسمي همدان بطريقة غريبة."
جميلة سكتت شوية، وقربت من ودن ياسمين وهمست لها بكلمات خلت ياسمين تتنفض في مكانها. ياسمين عضت على شفايفها بخجل وتوتر وقالت بصوت واطي:
"مش عارفة.. أنا بقالي فترة مش مركزة خالص في الموضوع ده، ومش متابعة مواعيدي من كتر الدوشة اللي إحنا فيها."
جميلة ضحكت بخفة وطبطبت على كتفها:
"يا حبيبتي لازم تحسبي وتاخدي بالك، أنتي دلوقتي متجوزة وده احتمال كبير جداً. بصي، أول ما علي ينزل، أنا هطلب من الصيدلية اللي تحتنا كذا اختبار حمل عشان نتأكد ونقطع الشك باليقين."
ياسمين هزت راسها وهي في حالة ذهول، وعينيها لمعت بدموع الفرحة والخوف في نفس الوقت، وهمست لنفسها:
"معقولة؟ معقولة أكون حامل ؟!
ياسمين فضلت قاعدة مكانها والابتسامة مش مفارقة وشها، بس قلبها كان بيدق بسرعة من مجرد الفكرة. "حامل؟" الكلمة كانت بترن في ودنها زي الموسيقى.فكرة إن يكون فيه طفل منها هي وعلي هيتوج الحب ده خلت دموع الفرحة تلمع في عينيها.
__________________________________
في ذلك الوكر المهجور، حيث تتراقص الظلال على الجدران المتشققة بفعل ضوء خافت، كان إبراهيم السويسي يقف كتمثال من غل، ينفث دخان سيجارته التي لم تنطفئ منذ ساعات. وبجانبه منصور، الذي بدا وجهه أكثر غبرة وقسوة تحت هذا الضوء، وعيناه تلمعان بذكاء شيطاني لا يهدأ.
ساد صمت طويل لم يقطعه سوى صفير الرياح، قبل أن يقطعه منصور بصوته المتحشرج:
"إحنا طولنا أوي يا إبراهيم بيه.. أدهم السويسي دلوقت عايش حياته في القصر ولا كأنه عمل حاجة، والبت ياسمين اللي كانت تحت إيدي زمان، دلوقت بقت محمية في حتة حارس اللي كان السبب في حبسي.. الصبر له حدود بردو."
إبراهيم التفت له ببطء، وعيناه تشتعلان بنار باردة:
"الصبر هو اللي هيخلينا ناكلهم وهم صاحيين يا منصور. أدهم فاكر إنه ملك الدنيا، .. والنهاردة، الضربة مش هتكون في ماله ولا في شركته، الضربة هتكون في النخاع."
منصور قرب منه بفضول: "قصدك إيه؟"
إبراهيم كمل وهو بيطفي السيجارة ببرود في جدار متهالك:
"أدهم عنده نقطة ضعف واحدة، طفل ملوش ذنب بس هو اللي هيحرق قلبه.. "يزن". الولد ده هو روح أدهم، ولو يزن اختفى، أدهم السويسي هيتحول لجثة ماشية على الأرض، هيفقد عقله، وده اللي أنا عايزه.. عايزه يدور حول نفسه زي المجنون."
منصور ضحك ضحكة مكتومة مرعبة:
"ياااه.. دي هتبقى ضربة معلم. . بس أنا مش عايز بس الولد، أنا ليا حق عند ياسمين وعلي متنسااش."
إبراهيم حط إيده على كتف منصور وضغط بقوة، وعينيه فيها وعد شيطاني:
"اسمع يا منصور.. الولد مجرد البداية. أنا بوعدك، والمرة دي وعد السويسي اللي ميرجعش فيه، بعد ما نخطف يزن ونربك حساباتهم، ياسمين هتكون ليك. هخطفهالك من وسط بيتها في نفس الوقت ... ياسمين هترجع تحت طوعك تاني، والمرة دي محدش هيقدر ينجدها، لا علي ولا غيره."
منصور عينه لمعت بجنون: "يعني ياسمين هتبقى في إيدي بجد؟"
إبراهيم بابتسامة غدر:
"أيوة.. هتاخدها وتختفي بيها في المكان اللي يعجبك، وتكسر بيها عين علي اللي اتحدى أسياده. إحنا هنخطف يزن عشان نكسرهم، وبعدين هنخطف ياسمين عشان ننهيهم. عايز أدهم يفضل عايش بس ميت من جوه، يشوف عيلته بتتدمر قدام عينيه وهو مش عارف يلحق مين ولا مين."
منصور بدأ يجهز سلاحه وهو بيلهث من الحماس:
"كدة الكلام دخل في الجد. أنا مجهز العربية والرجالة على أول طريق القصر. هندخل من السور الخلفي ."
إبراهيم بصرامة مرعبة:
"مش عايز غلطة يا منصور.. عايز يزن مجرد وسيلة ضغط، وياسمين هي الجايزة بتاعتك.
منصور بتحية عسكرية ساخرة:
"اعتبر القصر بقى تحت رجلك يا باشا.. والليل مش هيطلع غير والصرخة مالية المكان."
__________________________________
منى طلعت بسرعة لياسمين وهي مخبية الاختبارات في إيدها، دخلت الغرفة وقفلت الباب وراها بحذر، وقربت من ياسمين اللي كانت قاعدة على طرف السرير وإيدها بتترعش.
منى مدت إيدها بالاختبارات وقالت بصوت واطي ومشجع:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"يلا يا ياسمين.. خدي دول وادخلي الحمام، اعمليهم وأنا هستناكي هنا بره مش هتحرك. اهدي خالص وسمي الله."
ياسمين هزت راسها بتوتر شديد، وأخدت الاختبارات ودخلت الحمام. قعدت دقايق كانت بتمر عليها كأنها سنين، قلبها كان بيدق لدرجة إنها حاسة إنه هيخرج من مكانه. وبعد لحظات، خرجت ياسمين والدموع مغرقة وشها ومكنتش قادرة تنطق بكلمة واحدة، بس مدت إيدها لمنى بالاختبار.
منى أخدت منها الاختبار بسرعة وقالت بلهفة:
"اهدي يا حبيبتي، هو لسه مبانش.. ثواني وهتظهر النتيجة، ادعي يا ياسمين."
عدت ثواني معدودة وياسمين واقفة على أعصابها، بتفرك في إيدها وعينيها مش مفارقة الاختبار اللي في إيد منى. وفجأة، منى شهقت بصوت عالي وعينيها برقت وهي بتبص للجهاز:
"ياسمين! بصي.. ظهر شرطتين! شرطتين واضحين زي الشمس!"
ياسمين سألت بجهل وعدم استيعاب وهي لسه بتعيط:
"يعني إيه يا خالتو؟ الشرطتين دول معناهم إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.."
منى مكنتش قادرة تمسك نفسها من الفرحة، صرخت صرخة مكتومة وضحكت بدموع:
"يعني حامل يا ياسمين! حامل يا روح قلبي، الشرطتين يعني فيه بيبي جاي في الطريق!"
وفي لحظة، منى زغردت زغرودة قصيرة من فرحتها وحضنت ياسمين بكل قوتها، وياسمين انفجرت في العياط بس المرة دي كانت دموع فرحة وراحة، ودفنت راسها في كتف منى وهي بتقول بشهقات:
"الحمد لله يا رب.. الحمد لله. أنا مش مصدقة يا خالتو .. معقولة هجيب بيبي لعلي؟ معقولة هبقى أم؟"
منى بعدت عنها شوية وهي بتمسح دموعها وقالت بابتسامة واسعة:
"ألف مبروك يا أغلى ياسمين في الدنيا.. علي هيطير من الفرحة، والبيت كله هيتغير بالخبر ده. لازم تصلي ركعتين شكر لله يا حبيبتي على الهدية العظيمة دي."
ياسمين هزت راسها وهي بتمسح وشها وبتحاول تستوعب الخبر، وقالت بصوت مرعوش من السعادة:
"حاضر.. هقوم أصلي حالاً."
__________________________________
فجأة، قطع صوت رنين تليفون أدهم هدوء اللحظة الجميلة اللي كان عايشها. أدهم بص للشاشة ولقى المتصل "علي"، ملامحه اتغيرت فوراً وبعد بعيد عن جميلة ويزن عشان ميتوتروش، ورد بجدية:
"أيوة يا علي.. فيه إيه؟"
صوت علي كان طالع منهج ومرتبك:
"أدهم، لازم تيجي الشركة حالاً! فيه كارثة.. ورق الصفقة الجديدة والمستندات المهمة اللي كنا شغالين عليها اتسرقت من الخزنة!"
أدهم غمض عينه بضيق واتنهد بعمق وهو بيحاول يتمالك أعصابه، ورد عليه بنبرة حادة:
"إنت بتقول إيه يا علي؟ إزاي ده حصل؟ وإزاي الورق يتسحب من غير ما حد يحس؟ إنت ناسي أنا قاعد في البيت النهاردة ليه؟"
علي رد بصوت واطي: "عارف يا أدهم، بس الموضوع ضروري. لازم تيجي بنفسك نشوف الكاميرات ونتصرف."
أدهم بصرامة: "أنا جاي.. بس اسمعني كويس، ابعت فرقة حرس إضافية حالاً للقصر، مش عايز نملة تدخل ولا تخرج، فاهم؟"
فلاش باك (ليلة أمس)
بعد ما محمود الشافعي ونادية مشيوا من القصر، أدهم جاله اتصال من "علي" بلغه فيه إن أمن الشركة رصد اتنين مراقبين القصر والشركة بشكل مريب. لما جابوهم وهددوهم بالحبس اعترفوا إنهم رجالة إبراهيم وهو اللي باعتهم .
أدهم وقتها اتأكد إن إبراهيم بدأ يلعب في المكشوف، وعشان كدة قرر إنه ميخرجش للشركة تاني يوم ويفضل جنب جميلة وياسمين ويزن ويشدد الحرس، وكان بيحاول يداري قلقه ده بجو اللعب عشان ميخوفهمش.
العودة للواقع ..
أدهم قفل التليفون ولف لجميلة ويزن، ملامحه كانت اتحولت تماماً للجمود والقوة، وبص لجميلة وقال بنبرة مفيش فيها نقاش:
"جميلة، خدي يزن وادخلوا القصر فوراً.. ومحدش فيكم يخرج للجنينة أو يقرب من الشبابيك مهما حصل، فاهمة؟"
جميلة استغربت جداً من التحول المفاجئ ده وسألت بقلق:
"فيه إيه يا أدهم؟ إنت لسه قايل إنك إجازة وهنقعد سوا! ليه وشك اتغير كدة؟"
أدهم مسك إيدها وضغط عليها بقوة وهو بيبص في عينيها:
"جميلة، اسمعي الكلام ونفذيه من غير أسئلة دلوقت.. ادخلي جوه واقعدي مع يزن، أنا لازم أروح الشركة ضروري جداً وهرجع مش هغيب. ادخلوا وماتخرجوش أبداً لحد ما أرجع."
جميلة حست إن فيه خطر كبير بيقرب، هزت راسها بخوف وهي بتنادي على يزن وتدخل بسرعة، وأدهم فضل واقف مكانه لحد ما اطمن إنهم دخلوا، وبدأ يدي أوامر للحرس بلهجة حاسمة وهو بيجهز نفسه للمواجهة اللي عارف إنها بدأت فعلاً.
__________________________________
ياسمين كانت لسه قاعدة على سجادة الصلاة، قلبها مليان سكينة ورضا وهي بتهمس بكلمات الشكر لربنا على الهدية اللي وهبها لها. كانت حاسة إن الدنيا بدأت تضحك لها أخيراً، وإيدها بتتحرك بتلقائية وتمسح على بطنها بحنان وهي لسه مش مصدقة إن فيه روح بتكبر جواها..
فجأة، صوت خبط قوي وعنيف على الباب قطع لحظة الخشوع دي. منى قامت بسرعة وهي بتبتسم وقالت:
"ده أكيد علي يا ياسمين! تلاقيه قلبه حاسس ورجع بدري عشان يطمن عليكي.. استني هفتح له أنا."
ياسمين فركت إيدها بتوتر وخجل، وقلبها بدأ يدق بسرعة وهي بتفكر هتقوله الخبر إزاي. لكن الابتسامة دي اتحولت لصرخة رعب في ثانية واحدة.. بمجرد ما منى فتحت الباب، اقتحم المكان أربع رجالة ضخام بملامح إجرامية مرعبة.
واحد منهم زق منى بقوة لدرجة إنها خبطت في الحيطة، ولما حاولت تصرخ وتستنجد، عاجلها التاني بضربة عنيفة بعصاية غليظة على دماغها، وقعت منى مكانها غرقانة في دمها وفاقدة النطق.
ياسمين اتصنمت مكانها على سجادة الصلاة، عينيها كانت مبرقة بذهول وصدمة شلت حركتها تماماً. الرجالة انتشروا في الشقة زي الشياطين لحد ما عيونهم وقعت عليها. واحد منهم قرب منها بضحكة خبيثة وقال:
"هي دي.. تعالي ياحلوة."
ياسمين بدأت تصرخ بهستيريا وهي بتحاول تبعد وتتحامى في ركن الأوضة:
"إنتوا مين؟! عايزين مني إيه؟! يا علي ..يا علي ".
لكن مكنش فيه مجيب.. واحد منهم هجم عليها وشل حركتها بقوة، والتاني طلع منديل مبلل بمادة مخدرة ريحتها نفاذة وكتم نفسها. ياسمين حاولت تقاوم وتزق إيده وهي بتفكر في جنينها اللي لسه مشافش النور، لكن في ظرف ثواني، بدأت الرؤية تتشوش قدامها وجسمها ارتخى تماماً وفقدت الوعي.
شالها واحد منهم على كتفه ببرود وخرجوا من الشقة بسرعة البرق، وسابوا منى سايحة في دمها، والبيت اللي كان من دقايق مليان فرحة، بقى ريحة الموت والخوف مغطية كل ركن فيه.
__________________________________
أدهم خرج من القصر بقلب مقبوض، وعيونه كانت بتراقب كل ركن في الجنينة وهو بيتحرك بأسطول عربياته. كان حاسس إن فيه خيط رفيع بيتشد، بس الواجب وضغط الشغل خلاه يضغط على شكوكه.
أول ما وصل الشركة، لقى الموظفين والأمن في حالة هرج ومرج. دخل مكتبه زي الإعصار ووراه "علي" اللي كان وشه مخطوف.
"الورق فين يا علي؟ إزاي يختفي من الخزنة المصفحة؟"
بدأوا يقلبوا المكتب والشركة كلها، وعدت نص ساعة من البحث بدون نتيجة .
أدهم قعد على كرسي مكتبه بتعب وفجأة، وبالصدفة البحتة، لمح طرف ملف غريب في درج مكتبه الخاص..
سحبه بسرعة وفتحه، ولقى الورق المسروق موجود بالكامل.
أدهم نادى بصوت جهوري: "علي! لقيته.. الورق هنا!"
علي جرى عليه وفرح: "الحمد لله يا أدهم! أكيد الموظف اللي كان شايله غلط وحطه هنا.."
بس أدهم مكنش فرحان، كان فيه برود غريب سكن أطرافه. الإحساس ده مكنش منطقي.. فتح الملف بتركيز، ووقعت منه ورقة صغيرة مكتوبة بخط يد مستفز:
"تعيش وتأخد غيرها يا سويسي.. النهاردة اللعب على التقيل."
أدهم اتجمد مكانه، والورقة وقعت من إيده. في ثانية، طلع موبايله اللي رابطه بسيستم كاميرات مراقبة القصر، وبمجرد ما فتح الشاشة، الدنيا اسودت في عينه.
المنظر كان مرعب.. الحرس اللي سابهم قدام البوابة وورا السور كانوا مرميين في كل حتة زي خليه نحل مهدومة، معظمهم جثث والدم مغرق المكان. أدهم صرخته اتحبست في زوره، وإيده بدأت ترتعش بشكل جنوني وهو بيقلب الكاميرات.
ضغط على كاميرات الخاصة بداخل القصر ... الصالون.. هدوء قاتل وسكون مريب. قلبه كان بيدق لدرجة إنه حاسس بوجع في صدره. بصوابع مرتعشة، ضغط على كاميرات الدور اللي فوق.. وتحديداً الطرقة اللي قدام الأوض.
في اللحظة دي، أدهم اتصنم كأن روحه هربت من جسمه، ومويايله كاد يقع من إيده.
على شاشة الموبايل، كانت جميلة واقعة على أرضية الطرقة، نايمة على بطنها في وضع يقطع القلب، وتحتها بركة دم كبيرة بدأت مغطية الرخام الأبيض من تحتها
"جميلة!! لأ.. لأ يا جميلة!"
أدهم صرخ بكل قوته وهو بيلف ناحية الباب، وعلي كان وراه مش فاهم حاجة غير إن فيه كارثة حصلت. أدهم ركب عربيته وطار بيها ناحية القصر وهو بيسابق الزمن، وصورة جميلة وهي غرقانة في دمها مش بتفارق عينه، وعقله شغال بيسأل مليون سؤال من ضمنهم :"يزن فين؟؟؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
