رواية حيلة اسمها الحب من الفصل الاول للاخير بقلم سلمي جاد

رواية حيلة اسمها الحب من الفصل الاول للاخير بقلم سلمي جاد

رواية حيلة اسمها الحب من الفصل الاول للاخير هي رواية من كتابة سلمي جاد رواية حيلة اسمها الحب من الفصل الاول للاخير لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية حيلة اسمها الحب من الفصل الاول للاخير حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية حيلة اسمها الحب من الفصل الاول للاخير

رواية حيلة اسمها الحب من الفصل الاول للاخير بقلم سلمي جاد

رواية حيلة اسمها الحب من الفصل الاول للاخير

_ "إنت أكيد اتجننت يا جدع إنت! معقولة واحد زي أدهم السويسي، بالذكاء والجبروت اللي بيتقال عليه، أدخل عليه بكل بسهولة وأقوله إني أخته اللي تاهت من عشرين سنة؟ مستحيل.. أنا مش هرمي نفسي في النار، ومش هشارك في النصباية دي"
كانت بتتكلم وهي باصه للراجل اللي ملامحه مليانه شر، وقال بصوت واثق:
"قولتلك ميت مرة أنا مخطط لكل فتفوتة في الحكاية دي، متقلقيش.. كل اللي مطلوب منك دور تمثيل مش أكتر. هتمثلي إنك ياسمين أخته، اللي أدهم السويسي مبيغمضلوش جفن وهو بيدور عليها بقالوا سنين. هتدخلي الفيلا، تعيشي هانم، وأول ما يطمنلك ويصدق إنك دمه ولحمه، هيبدأ إجراءات الورث. هتمضي بصفتك ياسمين السويسي إنك استلمتي نصيبك، وأول ما ده يحصل هتختفي من حياته كأنك سراب، وهسفرك بره مصر لأي بلد تحلمي بيها، وده غير شيك محترم يخليكي تعيشي ملكة.. فكري يا جميلة، الفرصة دي بتيجي مرة واحدة في العمر."
جميلة وقفت مكانها، التردد بياكل في عقلها، وقالت بصوت مهزوز:
"ولو كشفني؟ ده أدهم السويسي يا إبراهيم بيه! ده أنا لما بعدي بالصدفة من قصاد شركته نظرى ميجيبش أخرها من ضخامتها .. ده ممكن يقتلني في لحظة لو عرف إني بلعب بيه."
ضحك إبراهيم بـ سخرية وهو بيحاول يطمنها:
"هيعرف منين؟ هو شافك أصلًا؟ ده ولا يعرف شكلك حتى ،أخر مره شاف أخته كانت حتة لحمة حمره متمتش كام شهر، لما ناس جت واتبنتها من الملجأ .. ميعرفش ملامحك . هتدخلي له باسمك الحقيقي جميلة، وهنقول إن ده الاسم اللي الناس اللي ربوكي سموكي بيه، عشان ميفكرش ينبش ورا أوراقك الشخصية، وعشان كمان لو اتلغبطتي في اسمك قصاده يبقى ليكى حجه،حتى الشقة اللي هتظهري فيها جهزتها؛ حارة قديمة، وجيران أنا مشتريهم بفلوسي، هيحلفوا إنك ساكنة وسطهم من عشرين سنة وأهلك ماتوا وسابوكي وحيدة."
جميلة خدت نفس طويل، بتحاول تقنع نفسها إنها مجرد مصلحه وهتعدي..
هي كمان يتيمة، بس الدنيا كانت قاسية معاها بزيادة. جميلة مكنتش بنت شوارع من يومها، دي كانت بتروح مدرستها لحد ثانوي، عايشة مع أهل قد حالهم بس كانوا ماليين عليها الدنيا.. لكن فجأة كل ده انهار بموتهم.
بعد ما أهلها فارقوا الحياة، لقت نفسها لوحدها تماماً،وصاحب البيت مرحمش يتمها ورماها في الشارع. ومن هنا، حياتها اتقلب حالها 180 درجة؛ البنت اللي كانت بتشيل كتبها، لقت نفسها بتشيل هم اللقمة، واتعلمت إزاي تسرق وتتسول وتناهد في الشوارع عشان تعيش، لحد ما حظها وقعها في طريق إبراهيم.
إبراهيم من اللحظة الأولى اللي شافها فيها وهي بتتمسك في قضية سرقة كانت هترميها ورا القضبان سنين، قرر إنه ينتشلها.. مش رحمة بيها، لا، ده عشان يستخدمها للعبته الخبيثة اللي كان بيخطط لها، وكان عارف إن جميلة هي الوحيدة اللي تقدر تقوم بالدور ده ببراعة.
بصت له باستغراب وقالت:
"طيب وإنت مصلحتك إيه في الفيلم ده كله؟ ده إنت عمه! يعني المفروض تخاف عليه مش تسرقه."
وش إبراهيم اتقلب، وملامحه بقيت قاسية جداً وهو بيزعق:
"ملكيش دعوة ..وحسك عينك لو الخطة نجحت تجيبي سيرتي قدامه. أنا بعمل كده عشان أدهم دماغه ناشفة، ومش راضي يفك الوديعة اللي في البنك باسم أخته ياسمين.. ده الورث اللي محمود أخويا سابه ليهم قبل ما يموت، الوديعة دي لازم تخرج، وهتبقى من نصيبي أنا. ومفيش حل غير إن ياسمين تظهر وتمضي على الورث، وعشان كده أنا جبتك ."
جميلة بشك واستغراب :
"أنا مش فاهمة حاجه.. منين إنت عمه، ومنين أدهم بيه كان في دار أيتام هو وأخته؟"
إبراهيم اتوتر للحظة، وبلع ريقه وهو بيحاول يداري ارتباكه، ورد بحدة:
"قولتلك مية مرة متدخليش في اللي ميخصكيش! ركزي في دورك وبس.. ها، قولتي إيه؟ موافقة؟"
جميلة بصت للفراغ، حست إنها قدام مفترق طرق، يا ترجع للشارع والجوع والخوف من إنها تتمسك وتتحبس فى أي لحظه، يا تدخل قصر السويسي وتلعب لعبة الموت وتطلع منها هانم. اتنفست بعمق وقررت قرار هيغير حياتها للأبد .. وهي بتطمن نفسها ان الموضوع مش هياخد كام شهر وبعدها حياتها هتتغير للأبد 
__ موافقه
__________________________________
في منطقه راقيه في أحد أحياء منطقه الشيخ زايد .. هناك حيث ناطحات السحاب اللي بتنافس السحاب نفسه، كان واقف مبنى ضخم، واجهته من الزجاج الأزرق بتعكس ضوء الشمس بهيبة، ومكتوب عليه ببنط عريض يخطف العين: (شركة السويسي للاستيراد والتصدير).
في الدور الخمستاشر، الدور اللي بيتحكم في مصير صفقات بملايين، كانت الأجواء هادية جداً ومنظمة لدرجة تخوف. قاعده السكرتيرة اللي اللباقة والتحضر باينين في كل تفصيلة في لبسها وطريقتها، قفلت المكالمة وقامت بتوتر مكتوم.. خبطت على باب مكتب المدير التنفيذي خبطتين، واستنت لحد ما جالها الرد بصوت رخيم، حاد، ومسيطر:
- "ادخلي."
فتحت رزان الباب ودخلت المكتب اللي كان أشبه بجناح ملكي مودرن، ألوانه هادية وديكوراته بسيطة بس تنطق بالفخامة. وفي نص الأوضة، قدام شباك زجاجي واخد مساحة الحيطة كلها، كان واقف بطلنا "أدهم السويسي".
كان مدي ضهره للباب، بس هيبته كانت كفيلة تخلي أي حد يبلع ريقه.. جسم رياضي مرسوم بالمسطرة نتيجة تمارين شاقة ورياضه عنيفه ؛لإنه بيقضي معظم يومه فى الجيم، لابس بدلة كحلي متفصلة عليه بالملي، وتحتها قميص أبيض ناصع. إيده في جيبه، باين منها ساعة روليكس، اللي تمنها كليتين وقلب، والإيد التانية ماسك فيها فنجان قهوة إسبريسو مُره، بيشربه بهدوء وكأنه بيفكر في غزو العالم.
رزان بصوت واطي:
- "مستر أدهم.."
لف أدهم ببطء، وهنا بانت ملامحه اللي تجمع بين الجاذبية الأوروبية وخشونة العرب.. بشرة برونزية، عينين بلون الفحم حادة زي الصقر، وفك متحدد بيبرز أكتر لما بيضغط عليه في وقت الغضب.
- "فيه إيه يا رزان؟"
- "الإيميل بتاع شركة فرنسا وصل يا فندم."
اتحرك بهدوء وقعد ورا مكتبه، لبس نظارة القراءة اللي بتزيده وقار، وراجع الإيميل لثواني قبل ما يهز راسه بجدية:
- "تمام.. ردي عليهم بالموافقة، وبلغيهم إننا في انتظارهم في مصر لإتمام التعاقد."
- "تمام يا مستر أدهم."
خرجت رزان وقفلت الباب وراها، وهنا أدهم ساب القناع الجاد ورفع راسه بتعب.. حياته عبارة عن تروس بتلف في ماكينة شغل مبيخلصش، روتين قاتل ومجتمعات. عينه وقعت على برواز قديم على مكتبه، ابتسامته الوحيدة الصادقة ظهرت لما شافه.
في البرواز صورة لولد عنده عشر سنين، ملامحه هي هي ملامح أدهم بس براءة الطفولة لسه فيها، وكان شايل طفلة رضيعة مكملتش شهور، بتضحك ببرائه. لمس أدهم الصورة من ورا الزجاج بحنين وهمس:
- "وحشتيني أوي يا ياسمين.. وحشتيني يا قلب أخوكي."
أدهم قفل عينيه للحظة، وكأن شاشة اللابتوب اللي قصاده اتحولت لمرايا بتعرض أحداث من ٢٠ سنة فاتوا.. مشهد لسه محفور في ذاكرته بكل تفاصيله المؤلمة.
كان عنده عشر سنين، طفل واعي كفاية إنه يفهم إن العالم ده قاسي، بس مش قوي كفاية إنه يحمي حتة من قلبه. ياسمين أخته كانت لسه يدوب شهور، حتة لحمة حمراء في لفة بيضاء، كانت هي الحاجة الوحيدة اللي بتهون عليه جدران الملجأ الباردة.
اليوم ده مش هينساه؛ لما جت عيلة وشاورت عليها هي بس. صرخ بكل قوته، اتشبث بطرف هدوم الست اللي شايلاها، بس المديرة شدته بعيد وهي بتقول بقسوة:
"هما عايزين طفلة رضيعه يربوها على إيدهم.. أنت كبير يا أدهم، افهم بقى!"
وقف يتفرج عليهم وهم بياخدوا ياسمين وبيمشوا، عياطها كان بيقطع في قلبه، وهو واقف مشلول، مفيش في إيده غير صورة صغيرة بتجمعهم لسه محتفظ بيها ، فضل حاططها في جيبه زي التميمة.
______________________________
بعد مرور أسبوع، كانت جميلة قاعدة في شقتها الجديدة في الحارة، شقة متوسطة الحال لكن بالنسبة لجميلة اللي عاشت مشردة كانت شايفة إنها فخمة جداً .
كانت قاعدة قصاد التسريحة، ولابسة بجامة باللون النبيتي مبرزة جمالها الهادي اللي يخطف العين.. هي فعلاً كانت "جميلة" اسم على مسمى. بشرتها خمرية صافيه، ملامحها بريئة لدرجة تخلي اللي يشوفها يحلف إنها متعرفش عن غدر الدنيا حاجة، لكن اللي يدقق في عينيها الواسعة اللي زي عيون الغزلان، يحس بسحر غريب يشد ويأسر أي حد يبصلهم.ونظرة عينيها كانت مزيج غريب بين البراءة، وبين الذكاء اللي اتعلمته عشان تنجو من مخالب الدنيا.
كانت ماسكة المشط وبتسرح شعرها الأسود الناعم اللي نازل على ضهرها زي الحرير، وعقلها سرحان لبعيد.. غرقانة في تفاصيل اللعبة اللي داخلة عليها.
حسب كلام إبراهيم، اللقاء الأول بينها وبين أدهم السويسي ممكن يحصل في أي لحظة، بمجرد ما إبراهيم يرمي طعمه ويخلي أدهم يعرف بطريقته إنه لقى خيط يوصله لأخته اللي غايبة بقالها عشرين سنة.
سابت المشط من إيدها بملل وقامت فردت جسمها على السرير، عينيها كانت متعلقة بالسقف وهي بتكلم نفسها بقلق وتساؤل:
- "يا ترى يا أدهم يا سويسي هتصدق؟ معقول هتدخل عليك اللعبة وأبقى في نظرك أختك ياسمين؟ يا ترى هدخل حياتك فعلاً وأعيش في بيتك؟ دي حياتك هتتشقلب رأساً على عقب يا بت ياجميلة
.. بس يا ترى إنت شكلك عامل إزاي يا ابن السويسي؟ هل إنت فعلاً مرعب وزي ما بيقولوا قلبك حجر، ولا الشوق لأختك هو اللي هيحركك ويخليك حنين معايا؟"
جميلة كانت بتحاول تطمن نفسها، لكن ضربات قلبها كانت بتعلى كل ما تتخيل إن الباب ممكن يخبط في أي ثانية، وتلاقي نفسها وجهاً لوجه قدامه ، قدام أدهم السويسي.
________________________________
في شركة السويسي، الجو كان مشحون كالعادة بالهيبة والتركيز. أدهم كان قاعد ورا مكتبه الضخم، غرقان وسط ملفات الصفقات الجديدة، بيقرا بتركيز وعينيه مابتفوتش الهفوة، والهدوء في المكتب مبيقطعهوش غير صوت ورق بيتقلب.
وفجأة، الباب اتفتح بقوة ومن غير استئذان، دخل "علي" الحارس الشخصي لأدهم وضلّه اللي مبيفارقهوش، وبيساعده في البحث عن ياسمين .
علي كان بينهج ونفسه مقطوع كأنه كان في سباق، وملامح وشه كانت بتقول إن فيه خبر هيهز كيان المكان.
أدهم رفع عينه بحدة وضيق من الدخلة دي، ولسه هيتكلم ويوبخه، لقى علي بيقول بصوت مهزوز من الفرحة والنهجان:
- "أدهم بيه.. لقيناها! لقينا ياسمين هانم أخت حضرتك.. وعرفنا طريقها ومكانها بالظبط!"
— "إنت بتقول إيه يا علي؟ ياسمين؟ إنت متأكد؟"
علي بحماس:
— "والله يا فندم، كل المعلومات اللي وصلت لنا بتأكد إنها هي. وقدرنا نوصل لمكانها. هي عايشة في منطقة شعبية، واسمها جميلة، الاسم اللي العيلة اللي اتبنتها سموهولها قبل ما يتوفوا ويسيبوها لوحدها."
أدهم مسمعش باقي الكلام، كان قلبه بيدق بعنف. مسح وشه بإيده وهو بيحاول يستوعب إن حلم عشرين سنة بقى حقيقة.
— "جهز العربية فوراً يا علي.. أنا لازم أروح لها دلوقتي."
_______________________________
الحارة الهادية اللي مبيقطعش سكونها غير صوت خناقات الجيران، فجأة اتزلزلت.. صوت محركات قوية وزئير عربيات فخمة اقتحم المدخل الضيق. أسطول من العربيات السوداء المصفحة، كأنها موكب ملكي، سدّت المخارج والمداخل.. والكل وقف يتفرج بذهول، اللي باصص من الشبابيك واللي ساب اللي في إيده ووقف بقه مفتوح.
في مقدمة الأسطول، وقفت عربية BMW سوداء بتلمع، نزل منها علي الحارس الشخصي بهيبته المعتادة وجسمه الضخم بسبب طبيعة عمله ك بادي جارد، وبسرعة البرق لف وفتح الباب الخلفي.
نزل أدهم السويسي.. نزل وهو بيعدل جاكت بدلته الكحلي، ونظارته السوداء مخبية نظراته اللي كانت بتفحص الحارة بوجع وقرف في نفس الوقت. سكت لثواني، سحب نفس طويل من هوا الحارة المكتوم، وسرح.. "معقولة؟! معقولة أخت أدهم السويسي عايشه فى حاره زي دي !
فاق من شروده على صوت علي وهو بيشاور بجدية على عمارة قديمة، طلائها مقشر وبان عليها غدر الزمن:
- "هي دي الشقة يا أدهم باشا.. الدور التالت."
هز أدهم راسه بشرود، ملامحه كانت مزيج غريب بين القوة والتردد. اتحرك بخطوات ثابتة، خلت الأسفلت تحت جزمته يشتكي من قوتها، وخلفه جيش من الحراس الشخصيين اللي مأمنين المكان.
طلعوا السلم الخشبي اللي كان بيزيق تحت ضغط خطواتهم. وقفوا قدام الباب، "علي" اتقدم وخبط خبطات منظمة.. ثواني، والباب اتفتح.
- "حضرتك الآنسة جميلة؟"
جميلة وقفت ورا الباب، ملامحها باين عليها الخوف الممزوج بالبراءة المصطنعة، بلعت ريقها بصعوبة وهي بتبص لـ علي الطويل العريض اللي سادد قدامها النور:
- "أ.. أيوه، أنا."
في سرها كانت بتقول بصياعة: "أوبا! بقا هو ده أدهم السويسي ، اممم شكله مش بطال وكمان وسيم، وواضح إنه طيب.." لكنها سرعان ما لبست قناع التمثيل، ورقت صوتها بخوف:
- "حضرتك مين؟ وعايز إيه؟"
علي مردش، لكنه رجع خطوة لورا بمنتهى الهدوء، وفجأة سمعت جميلة صوت تكة جزمة فخمة بتقرب.. وفجأة ظهر هو!
أدهم قلع النظارة ببطء، وعينيه اللي بلون الفحم بدأت تمسح ملامحها بدقة مرعبة.. فضل ساكت لثواني كانت تقيلة كأنها سنين، ملامحه اللي كانت زي الحديد بدأت تتهز، ونظرة الصقر اللي في عينيه اتحولت لنظرة حنين مداريه.
جميلة حست إن الأرض بتهز تحتها، وبلعت ريقها بصعوبة بالغة وتوتر حقيقي المرة دي.. عقلها كان بيصرخ بصدمة: "يلللهوي! مستحيل.. ده أدهم السويسي؟ ده جماله يرعب، وهيبته تخلي الواحد ينسى اسمه! ده لو عرف إني بكدب عليه مش هيطلع عليا نهار !"
أدهم أخد خطوة واحدة قربها، ريحة برفانه الفخم غطت على ريحة الشقة القديمة، ومد إيده ببطء شديد كأنه خايف يلمسها فتختفي، وقال بصوت رجولي عميق، هادي بس فيه رشة وجع هزت كيانها:
— "مفيش داعي للخوف.. أنا جيت عشان آخدك يا ياسمين.. جيت عشان أرجعك لمكانك اللي كان لازم تكوني فيه من زمان."
جميلة بتمثيل متقن، دموعها نزلت في التوقيت الصح، ورجعت خطوة لورا وهي بتترعش:
— "ياسمين مين؟ أنا اسمي جميلة.. إنت مين يا بيه؟ وعايز مني إيه؟"
أدهم ابتسم بمرارة وقال بلهفة :
— "أنا أخوكي يا ياسمين .. أنا أدهم ...."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
— "ياسمين مين؟ أنا اسمي جميلة.. إنت مين يا بيه؟ وعايز مني إيه؟"
أدهم ابتسم ،وقال بلهفة:
— "أنا أخوكي يا ياسمين.. أنا أدهم."
— قولتلك أنا اسمى جميله ومليش اخوات انا ابويا وامي ماتوا من زمان ومسابوليش اخوات
على بجديه:"طيب ممكن يا انسه جميله ندخل وهتفهمى كل حاجه ."
جميله بصتلهم بتمثيل التردد لكنها هزت راسها بموافقه.
بعد شويه ..
أدهم كان قاعد قدامها على الكرسي الخشبي المتهالك اللي في الصالة، وعينيه مش مفارقة وشها.. حاسس ببركان مشاعر جواه، الفرحة بإنها قدامه، والوجع على الحالة اللي هي فيها.
جميلة رفعت راسها ببطء من بين إيديها، وعينيها كانت حمراء من كتر العياط المزيف، وبصت له بنظرة تايهة وقالت بصوت مبحوح:
— "يعني إيه؟ يعني السنين دي كلها كنت عايشة في كذبة؟ الناس اللي شلت اسمهم وحبيتهم ودفنتهم بإيدي مطلعوش أهلي؟ وأنت.. أنت جاي دلوقتي تقول لي إنك أخويا؟ أنت كنت فين يا أدهم بيه وأنا بترمى في الشارع عشان مش لاقية أدفع إيجار الشقة دي؟ كنت فين وأنا بجوع بالأيام ومحدش بيسمي عليا؟"
أدهم غمض عينيه بوجع حقيقي، كلامها نزل على قلبه زي السكاكين.. مكنش يعرف إنها شافت كل ده، كان فاكر إن العيلة اللي خدوها حافظوا عليها. قام وقف وقرب منها وقال بنبره خشنه متلقش أبدًا على كلامه الحنين
— "والله ما بطلت أدور عليكي.. كنت بقلب مصر حتة حتة،دورت في كل السجلات.. حقك عليا، أنا عارف إن مفيش كلام يعوضك، بس أوعدك إن من اللحظة دي مفيش دمعة واحدة هتنزل من عينيكي تاني."
جميلة في سرها: "يا حلاوة! ده طلع حنين أوي، والتمثيلية ماشية زي السكينة في الحلاوة.. بس لازم أتقل عليه شوية عشان ميشكش."
مسحت دموعها بظهر إيدها زي الأطفال ،وقالت بتمرد:
— "أنا مش عايزة وعود.. أنا مش عارفاك، ومش متعودة أخد حاجة من حد.. سيبني في حالي يا بيه، أنا خلاص اتعودت على عيشتي كده."
أدهم بص في عينيها بتصميم ونظرة مش مفهومة، مزيج بين الحنية وبين السيطرة اللي متعود عليها:
— "مش بمزاجك يا ياسمين.. أنا ملقيتكيش عشان أسيبك تاني. أنتِ هتيجي معايا دلوقتي، هتعيشي معايا في القصر اللي كان لازم تكبري فيه."
وقبل ما جميلة تنطق، كمل أدهم ببرود وثبات وهو بيحط النقط على الحروف:
— "طبعاً لازم إجراءاتنا تكون رسمية، وعشان قلبي يطمن وعقلي يرتاح، أول ما نوصل هنعمل تحليل DNA.. ولحد ما النتيجة تظهر، مش هسمحلك تغيبي عن عيني ثانية واحدة، ولا هقبل إنك تقعدي في مكان زي ده يوم كمان."
نادى بصوته الجوهري اللي هز جدران الشقة: "علي!"
علي دخل فوراً: "تمام يا فندم؟"
أدهم بلهجة آمرة: "الآنسة ياسمين هتيجي معانا، شنطة هدومها وكل حاجتها تتحط في العربية فوراً."
جميلة وقفت بذهول مصطنع، وبدأت تمثل دور البنت العزيزة النفس اللي مش فارق معاها الفلوس:
— "أنت بتؤمرني؟ أنت فاكر عشان غني هتمشي كلامك عليا؟ وبعدين تحليل إيه؟ أنت شاكك فيا ولا إيه يا بيه؟"
أدهم بص لها بابتسامة خفيفة، أول ابتسامة تشوفها جميلة، كانت ساحرة لدرجة خلت قلبها يدق بعنف حقيقي المرة دي مش تمثيل، وقال بوقار:
— "أنا مش بؤمرك.. أنا برجع حق أختي الصغيرة اللي اتسرقت مني زمان، والتحليل ده مجرد روتين عشان أقطع لسان أي حد ممكن يتكلم.. يلا يا ياسمين، اجهزي، مفيش وقت نضيعه هنا."
جميلة لفت وشها وهي بتمثل الضيق، بس في سرها كانت بتقول: "ده طلع مش سهل خالص.. بس ماشي يا أدهم يا سويسي، لما نشوف  هتودينا لفين!"
وافتكرت إن إبراهيم طمنها، وإنه مظبط كل حاجه تخص التحليل لو أدهم أصر يعمله .
مرت ساعه تقيلة على أدهم وهو قاعد في عربيته الفارهة، مستني جميلة وهي بتلم حاجتها. . بعد دقايق ركبت جنبه في العربية، وكانت منبهره من فخامة الكراسي الجلد وريحة العربية اللي تخطف النفس، أما هو فكان بيبص لها بنظرات كلها ذنب، وكأنه بيعتذر لها عن كل ليلة قضتها بعيد عن حضنه وحمايته. 
أدهم أمر السائق يتحرك، وطول الطريق عينه مكنتش بتنزل من عليها، كأنه خايف تغيب عن نظره ثانية واحدة فتطلع سراب ويصحى من الحلم الجميل ده.
وصلت العربية قدام بوابة حديد ضخمة اتفتحت إلكترونياً، عشان يظهر وراها جنينة واسعة وفي نصها قصر يخطف الأنفاس.. قصر السويسي.
جميلة بذهول حقيقي المرة دي:
— "هو.. هو إحنا هنعيش هنا؟"
أدهم بابتسامة حنونة:
— "ده بيتك يا ياسمين.. القصر ده ملكك زي ما هو ملكي بالظبط. ومن بكرة، كل شيء في حياتك هيتغير."
نزل أدهم وفتح لها الباب بنفسه، ودخلوا من الباب الرخامي الكبير.. الشغالات كانوا واقفين في استقبال أدهم. لكن فجأة، قطع السكون ده صوت خطوات صغيرة وسريعة جاية من الدور اللي فوق، وصوت طفل بينادي بأعلى صوته:
— "بابا أدهم! بابا أدهم!"
جميلة اتسمرت مكانها، وبصت لأدهم بصدمة وهي شايفة طفل عنده حوالي 10 سنين بيرمي نفسه في حضن أدهم، وأدهم بيبادله الحضن بحب وحنيه..
جميلة (بهمس وارتباك):
— "بابا؟! هو أنت متجوز يا أدهم بيه؟"
أدهم شال يزن وباسه، وبص لجميلة بملامح هادية ومرتاحة وقالها:
— "لا يا ياسمين.. يزن يبقى أخونا الصغير
قطع حبل أفكارها يزن اللي ساب حضن أدهم وجري عليها، وقف قدامها وبص لها بعيون واسعة مليانة براءة وفرحة وقال بصوت طفولي خطف قلبها:
— "إيه ده.. هو أنتي أختي؟ أنتي ياسمين اللي بابا أدهم كان بيحكي لي عنها؟"
جميلة اتسرعت دقات قلبها وسكتت، مكنتش عارفة ترد تقول إيه، حست بوزن الكذبة بدأ يتقل على كتافها قدام براءة الطفل ده. بصت لأدهم بتوهان، فأدهم بابتسامة حنونة ركع على ركبته قصاد يزن،وقال:
— "أيوة يا حبيبي.. جميلة تبقى أختك الكبيرة، ومن النهاردة كلنا هنبقى عيلة واحدة وما فيش حد فينا هيبعد عن التاني أبداً."
أدهم رفع عينه لجميلة اللي كانت بتبص له بتوهان وعدم فهم، هز لها راسه بطمأنينة وكأنه قرا اللي في دماغها، وهمس لها:
— "هفهمك كل حاجة بعدين.. المهم دلوقتي يزن."
يزن قفز من الفرحة وهو بيصقف بإيده:
— "هيييه.. يعني هتعيشي معانا في القصر وتلعبي معايا؟ بابا أدهم بيبقى مشغول دايما في الشركة ومش بيلعب معايا كتير، أنا كنت زهقان لوحدي أوي!"
جميلة حست بغصة في حلقها، رقت ملامحها غصب عنها ورسمت ابتسامة هادية على وشها، وطبطبت على شعر يزن:
— "إن شاء الله يا حبيبي.. هنلعب كتير سوا."
في اللحظة دي، قربت واحدة من الخادمات وقالت باحترام:
— "أدهم بيه.. الغدا جاهز في السفرة."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أدهم قام وقف وشال يزن على كتفه بحفة، وبص لجميلة بنظرة جادة ورجعت له هيبته وتفكيره العملي وقال:
— "يلا يا جميلة عشان نتغدا.. وبعد الغدا عايزك في موضوع مهم جداً، الدكتور زمانه على وصول عشان إجراءات التحليل اللي اتفقنا عليها."
جميلة بلعت ريقها، حست إن وقت الجد جه، وموضوع التحليل ده هو اللي هيحدد يا إما تعيش هانم في القصر ده، يا إما ترجع في الشوارع تاني .. وده هيبقى أهون بكتير من اللي أدهم ممكن يعمله فيها لو كشف كذبتها .مشيت وراه وهي بتدعي في سرها إن خطة إبراهيم تكون محبوكة صح.
بعد الغدا، الجو في القصر كان مشحون بهدوء يسبق العاصفة. فريق من المعمل جيه وسحب عينات دم من أدهم وجميلة وسط نظرات أدهم الثابتة اللي مابتتهزش، ونظرات جميلة اللي كانت بتحاول تداري ارتباكها ورا قناع من الثبات المزيف.
بعد ما الفريق مشي، جميلة لقت نفسها بتتوجه لمكتب أدهم بناءً على طلبه. دخلت وقعدت على كنبة جلد كبيرة باللون البني، كانت بتتلفت حواليها بذهول من ضخامة المكتب والكتب اللي واصلة للسقف، وبدأت تفرك إيديها بتوتر وهي مستنياه.
فجأة باب المكتب اتفتح، ودخل أدهم.. جميلة بلعت ريقها بصعوبة أول ما شافته. أدهم كان غير هدومه الرسمية، ولابس هدوم بيتي عبارة عن تيشرت رصاصي أبرز عضلات جسمه الرياضي وتقسيمة صدره، وبنطلون أسود مريح.
جميلة أول ما شافته بالهيئة دي، غمضت عينيها بسرعة وهي بتهمس لنفسها بصوت واطي جداً:
— "يا مري.. إحنا متفقناش على كدة! هو في بني آدم بيبقى حِلو كدة وهو ببيجامة؟ على رأي ياسمين عز كتاف الراجل بالدنيا !"
ارتباكها زاد لما لقت ريحة برفانه، اللي بقت أهدى وأجمل، بدأت تخترق أنفاسها وهو بيقرب منها وقعد جنبها على الكنبة بمسافة تسمح لها تحس بحرارة جسمه، وقال بهدوء:
— "إن شاء الله نتيجة التحاليل هتظهر بعد يومين."
جميلة اكتفت إنها تهز راسها "أيوة" وهي لسه باصة في الأرض، مش قادرة تنطق كلمة ولا ترفع عينها فيه. أدهم لاحظ سكوتها، فنداها بصوته الرجولي الخشن اللي فيه نبرة حنين:
— "جميلة.."
جميلة رفعت عينيها في عينه فجأة، وحست إن قلبها هينفجر من دقاته لما سمعت اسمها خارج منه بالنبرة دي، كأنه بيغنيه مش بينطق اسم عادي.
أدهم ابتسم وقال بوقار:
— "أنا عارف إنك لسه متعودتيش على اسمك الحقيقي، وعشان كدة هناديكي جميلة لحد ما تاخدي على المكان وتتعودي.. وبعدين، أنا كنت عايز أحكيلك عن يزن، عارف إن فيه حاجات كتير بتدور في دماغك ومش فاهماها."
أدهم اتنهد تنهيدة طويلة كأنه بيطلع وجع سنين، وبدأ يحكي:
— "بعد ما عيلتك جت اتبنتك من الميتم وبعدتك عني، قعدت شهور مش بتكلم مع حد، كنت طفل وحيد مكسور.. لحد ما في يوم، جت أسرة غنية، راجل وست طيبين جداً، أول ما شافوني حبوني وقرروا يتبنوني، خصوصاً إنهم مكنوش بيخلفوا."
أكمل وهو باصص للفراغ وكأنه شايف الأحداث قدامه:
— "عشت معاهم أجمل سنين حياتي، حبوني كأني ابنهم بجد، بس عمري ما نسيتك. عدى 8 سنين، بقى عندي وقتها 18 سنة، وفجأة حصلت المعجزة.. الأم اللي اتبنتني ومكنتش بتخلف حملت! كلنا فرحنا، بس الفرحة متملتش.. وهي بتولد يزن، توفت لأن قلبها مكنش مستحمل، وسابت لي يزن حتة من روحها. وبعدها بسنة لحقها بابا، ومبقاش ليا حد غير يزن.. اعتبرته ابني مش أخويا، أنا اللي ربيته وشلت همه لوحدي لحد ما اتخرجت وكبرت ثروة أهلي وبدأت أكبر في شغلي."
سكت شوية وبص لجميلة وكمل بصدق:
— "وقتها بدأت أدور عليكي.. كنت عارف إن والدي ووالدتي الحقيقيين ماتوا في حادثة، بس عرفت إن عندي عم اسمه إبراهيم وقدرت أوصله، وفرحت جداً إن ليا عيلة. فضلنا ندور عليكي سنين، والحمد لله ربنا عوضني ولقيتك. أنا مش عايزك تزعلي من حكاية التحليل دي، ده مجرد إجراء شكلي عشان الورث والشركات، لكن أنا قلبي متأكد إنك أختي."
جميلة في اللحظة دي مسحت دموعها اللي نزلت غصب عنها.. المرة دي الدموع كانت حقيقية، تأثرت بكلامه وبحياته اللي كانت شبه حياتها في اليتم والوجع. بصت له بتأنيب ضمير بياكل في قلبها.. هي بتخدعه، وهو بيحكي لها أسرار حياته
أدهم لاحظ إن ملامح جميلة بدأت ترهق من كتر التفكير والتمثيل، فقام وقف وقال بهدوء:
— "أنا عارف إن اليوم كان طويل وصعب عليكي.. اطلعي دلوقتي عشان أوريكي جناحك، لازم ترتاحي وتنامي كويس."
جميلة فتحت عينيها بذهول وقالت بعفوية:
— "جناح؟! هو أنا هنام في جناح لوحدي؟"
أدهم ابتسم على براءتها اللي لسه بيستكشفها وقال:
— "تعالي ورايا وانتي تشوفي."
خرجوا من المكتب وطلعوا السلالم الرخامية العريضة اللي بتوصل للدور العلوي، وجميلة كانت ماشية وراه وهي بتنهج من كتر الانبهار.. مع كل درجة بتطلعها، فخامة القصر كانت بتزيد. الدور الفوقاني كان عبارة عن ممرات طويلة، وكل ممر فيه عشرات الغرف، فعلاً كأنه فندق سبع نجوم مش مجرد بيت.
أدهم وقف قدام باب خشب أبنوس ضخم، فتحه وشاور لها تدخل. جميلة دخلت وشهقت من الجمال؛ الجناح كان عبارة عن قطعة من الجنة. السرير مفروش بستان ناعم لونه لؤلؤي، والسجاد يدوي بيغوص فيه الرجل، والحيطة كلها عبارة عن شباك زجاجي بيبص على حمام السباحة والجنينة اللي منورة بالليل. وفيه ركن ليفينج صغير بكنب مريح، وحمام خاص كله من الرخام الإيطالي.
أدهم ابتسم لما شافها بتلف حوالين نفسها زي الطفلة التايهة، وقال بصوت دافي:
— "هسيبك بقى تنامي، ولو احتجتي أي حاجة، التليفون ده بضغطة واحدة تقدري تنادي على الخدم تحت وهيكونوا عندك في ثانية."
جميلة هزت راسها وهي لسه مش مستوعبة إن ده بقى مكانها، 
لكن فجأة اتصنمت مكانها وحبست أنفاسها لما لقت أدهم قرب منها فجأة. المسافة بينهم بقت معدومة، لدرجة إنها حست بحرارة جسمه بتخترق لبسها، وأنفاسه السخنة ضربت في خدها.
فتحت عينيها على آخرهم وخرجت منها شهقة مكتومة لما أدهم ميل راسه ناحية خدها، وطبع بوسة رقيقة وهادية جداً.. بسببها رعشة قوية سرت في جسم جميلة خلت أطرافها تتلج وقلبها يقع في رجليها.
أدهم بعد بهدوء، وبص في عينيها بنظرة غامضة مليانة حنان وقال بصوت واطي وهامس:
— "تصبحي على خير يا جميلة."
خرج أدهم وقفل الباب وراه بكل هدوء، وساب المسكينة واقفة مكانها زي الصنم، حاطة إيدها على خدها، وعينها متعلقة بالباب.. مكنتش قادرة تفوق من الصدمة ولا من إحساس الرعشة اللي هز كيانها.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
في صباح يوم جديد، جميلة فتحت عينيها على صوت خبط على الباب. غطت وشها بالمخدة، لسه مش متعودة على نومة السرير الناعم ده ولا على الهدوء اللي بيقطع النفس. لما الخبط زاد، قامت دعكت عينيها وقالت بصوت كله نوم:
- "مين؟"
جالها صوت يزن الطفولي من ورا الباب وهو بيقول برقة:
- "أنا يزن يا جميلة.. ممكن أدخل لو سمحتي؟"
ابتسمت غصب عنها من طريقته المؤدبة وقالت: "ادخل يا يزن."
يزن دخل وجري على سريرها وقعد على الطرف بحماس: "صباح الخير"
جميلة ردت بكسل وهي بتمط جسمها: "صباح النور يا حبيبي.. أنت صاحي بدري كدة ليه؟"
يزن رد باستغراب: "بدري إيه؟ احنا هنا بنصحي من الساعة سبعة!"
جميلة برقت بذهول وفقدت أعصابها للحظة: "إيه البيت ده! أنت في معسكر؟ بتصحوا من الساعة سبعة تعملوا إيه؟"
يزن ضحك على منظرها ورد ببراءة: "بابا أدهم بيقوم يتمرن الأول، ويخلي الخدم يفطروني، وبعدين بيجي ياخد شاور ويقعد في مكتبه يشتغل شوية، وبعدين بيفطر.. والساعة دلوقتي عشرة، وانتي لازم تقومي عشان أدهم ميزعقلكيش، لأنه مبيحبش الناس الكسلانة اللي بيصحوا متأخر."
أول ما جميلة سمعت اسم "أدهم"، قلبها دق بسرعة غريبة، وافتكرت ملامحه وهو قريب منها امبارح واللي عمله بعدها، جسمها كله يتنفض. خدودها سخنت فجأة وبقت حمراء زي الدم من الخجل
ويزن لاحظ ده وسألها بلهفة:
- "انتي وشك أحمر كدة ليه؟ انتي تعبانة؟ أنادي بابا أدهم يشوفك؟"
جميلة قامت بفزع من على السرير ونطت واقفة:
- "لا لا! أنا تمام، أنا زي الفل أهو..هغير هدومي وأنزل فوراً!"
دخلت جميلة الحمام وخدت شاور سريع يفوّقها من أفكارها، وبعد ما خرجت فتحت دولابها ووقفت تتأمله بضيق وحزن.. هدومها معظمها فيها قطع ومترقعة، ولو فيه طقم سليم بيبقى لونه باهت وباين عليه القدم من تكرار الغسيل. وقفت شوية بتردد لحد ما استقرت على بلوزة صيفية باللون الأصفر، لبستها ومعاها بنطلون جينز بالي من كتر الغسيل، ورفعت شعرها كحكة عشوائية لفوق ونزلت شوية خصلات على خدها زادتها رقة وجمال.
نزلت السلالم وهي بتحاول ترسم الثبات على وشها، وأول ما وصلت الجنينة شافت أدهم قاعد بهيبته المعتادة، بيشرب قهوته وبيشتغل على اللابتوب، وكان لابس قميص أبيض نص كم أبرز عضلات دراعه وقوته بشكل يخطف العين.
أدهم رفع عينه من اللابتوب وبص لها نظرة طويلة، خلت الأكسجين يهرب من المكان، وقال بصوته الرجولي الهادي:
- "صباح الخير يا جميلة.. نمتي كويس؟"
جميلة نزلت الجنينة وهي مكسوفة وبتحاول تداري ارتباكها:
- "صباح النور.. أيوة، الحمد لله نمت كويس جداً."
أدهم عينه وقعت على هدومها القديمة والبنطلون الباهت، وجميلة لاحظت نظرته ففركت إيديها بتوتر وخجل، وحست بفقرها وسط القصر ده. أدهم ابتسم عشان يطمنها وقال:
- "صحيح.. إحنا كمان شوية هنخرج أنا وأنتي ويزن نعمل شوبينج. يزن مدرسته هتبدأ ومحتاج أجيبله يونيفورم، وأنا كمان محتاج أجيب شوية قمصان وهدوم، وبالمرة أجيبلك هدوم تليق بيكي."
جميلة حاوطت نفسها بدراعاتها بخجل وقالت بنبرة فيها حزن مكتوم:
- "ملوش لازمة يا أدهم بيه.. أنا مش عايزة حاجة، هدومي كويسة."
أدهم بلمسة حانية، مد إيده ولمس كف إيدها المحطوط على الطاولة، اللمسة دي سببت رعشة في جسم جميلة وخلت أنفاسها تضيق، وقال بنبرة هادية جداً:
- "جميلة.. أولاً أنا اسمي أدهم وبس، مش أدهم بيه. ثانياً أنتي أختي، يعني كل فلوسي هي فلوسك، أنا مش بعطف عليكي ولا حاجة. وبعدين أنا فعلاً محتاجك تيجي معايا تنقي لبسي، أنا عايز أجيب كام طقم كاجوال وأنا ماليش فيه خالص، كل لبسي كلاسيك وبدل، فمحتاج ذوقك يساعدني."
جميلة هزت راسها بفرحة حقيقية المرة دي وقالت: "أكيد!".. أدهم شال إيده من على كفها وكمل شرب قهوته بهدوء، لكن فجأة جالهم صوت خلى جميلة تفتح عينيها بتوتر وقلق، وقلبها كاد يتوقف من الرعب.
- "يا محاسن الصدف! العيلة كلها متجمعة في الجنينة من غيري؟"
التفتوا لمصدر الصوت، وكان إبراهيم، عم أدهم.. واقف بابتسامته الصفراء وعينيه اللي بتلمع بالمكر وهو بيبص لجميلة كأنه بيحذرها من أي غلطة
أدهم بص لإبراهيم وقال بوقار:
- "تعالى يا عمي اتفضل.. القصر نور."
وبعدين بص لجميلة اللي كانت واقفة متصنمة، ملامحها مخطوفة وعينيها مش قادرة تثبت في مكان واحد من كتر التوتر، وكمل:
- "ده عمك إبراهيم يا جميلة.. اللي حكيتلك إنه فضل يدور عليكي معايا السنين دي كلها."
إبراهيم ملامحه اتغيرت في ثانية لتمثيل متقن، وعينيه دمعت بتأثر غريب وقال بصوت مهزوز:
- "أنا مصدقتش لما أدهم حكالي.. تعالي في حضني يا ياسمين، تعالي يا بنت الغالي."
جميلة اتحركت ببطء وهي بتقدم رجل وتأخر رجل، مدت إيدها تسلم بس إبراهيم سحبها بقوة وحبسها جوه حضنه.. من بعيد، عم وبنت أخوه بيحضنوا بعض بعد سنين، لكن الحقيقة كانت مرعبة. إبراهيم كان عاصر جسمها بقوة مريبة، كأنه بيخنقها أو بيفكرها بمكانه تحت إيده، وهمس في ودنها بصوت واطي مليان شر هز كيانها:
- "وحشتيني يا ياسمين.. وحشتيني يا قلب عمك.. افتكري إنتي هنا ليه، وإياكي عينيكي تلمع قدام الواد ده، وإلا هحفر قبرك بإيدي."
جميلة بعدت عنه بسرعة وهي بتنهج، وبصت ناحية أدهم اللي كان متابع المشهد بصمت ونظرات صقر مبيفوتش تفصيلة. فجأة أدهم قام وقطع الجو ده وقال بلهجة حازمة:
- "بعد إذنك يا عمي.. محتاجك في المكتب شوية بخصوص الشغل."
إبراهيم بتمثيل مبالغ فيه: "شغل إيه بس دلوقتي يا أدهم؟ سيبني أقعد مع بنت أخويا، ده أنا مشوفتهاش من وقت ما كانت شهور.. قلبي كان هيوقف من الفرحة!"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أدهم ملامحه ثابته، ورد ببرود:
- "معلش يا عمي، بس ده موضوع ضروري ومستعجل ومينفعش يتأجل."
إبراهيم : "ماشي يا ابني..." ولف لجميلة وباس إيدها بتمثيل مقزز: "مش هتأخر عليكي يا حبيبتي."
جميلة وقفت مكانها متابعه دخولها للمكتب وهي مش مصدقة، إزاي البني آدم ده عنده القدرة دي على التمثيل؟ إزاي باين قدام أدهم إنه بيحبها وخايف عليها وهو من ثانية كان بيهددها بالقتل؟ حست بقرف وتقزز منه، وفي نفس الوقت حست براحة غريبة إن أدهم خلصها منه، حتى لو كانت عارفة إنها صدفة وإنه مجرد محتاجه في شغل.
_____________________________________
في مكان تاني خالص، بعيد عن فخامة قصر السويسي، وفي قلب أحد الأحياء الشعبية اللي البيوت فيها مرصوصة فوق بعضها
مكان ضيق، ريحة الرطوبة مالية الحيطان، والأرضية متكسرة لدرجة إنها بتهتز تحت رجليها. بنت في منتهى الجمال رغم فقرها، ملامحها رقيقة بس باهتة من قلة الأكل والتعب، لابسة جلابية قديمة، ورابطة شعرها بطرحة بتهرب منها خصلات متمردة.
كانت بتنهج وهي بتمسح الأرض بمية وصابون، وبتحاول تتجاهل النظرات اللي كانت حاسة بيها بتخترق جسمها النحيل. على كنبة قديمة ومتهالكة، كان قاعد راجل في منتصف الخمسين، لابس فانلة حمالات ، فاتح التليفزيون وبيمثل إنه متابع ماتش كورة، لكن عينيه كانت مركزة في حتة تانية خالص.. كانت بتتحرك على جسم البنت بنظرات مقززة كلها شهوة .
منصور بصوت خشن :
- "بت يا ياسمين.. سيبي اللي في إيدك ده وروحي اعمليلي كوباية شاي تعدل دماغي."
ياسمين اتنهدت بتعب، ووقفت وهي بتسند ضهرها اللي وجعها من كتر الشغل، بصت للأرض بخوف وهي بتحاول متبصش في عينيه اللي بتفترسها وقالت:
- "حاضر يا بابا.. ثواني والشاي يكون عندك."
منصور بضحكة صفراء كشفت عن سنانه المسوسة:
- "ماشي يا ست البنات.. تسلم إيدك مقدماً."
ياسمين دخلت المطبخ اللي هو عبارة عن ركن صغير فيه بوتاجاز بعين واحدة، ودموعها بدأت تلمع في عينيها. هي مش عارفة ليه الراجل ده بيعاملها بالأسلوب ده، وليه دايماً بتحس إنها غريبة عنه، مش قادرة تقتنع إن ده أبوها اللي المفروض يحميها، مش يخليها تخاف من قعدتها معاه في بيت واحد.
__________________________________
في أحد المولات الفاخرة اللي مبيدخلهاش غير الطبقة المخملية، كان أدهم قاعد في ركن مخصص للانتظار داخل محل ملابس نسائية عالمي. 
قاعد بوقاره المعتاد، بيشرب قهوته ،مستني جميلة تخرج من غرفة تغيير الملابس (البروفا). وأثناء احتسائه لآخر بق في فنجان القهوة، الباب اتفتح.. ولمحها وهي خارجة باستحياء وخطوات بسيطة ومرتبكة.
جسمه اتصنم في مكانه، والفنجان كاد يقع من إيده.. فتح عينه بانبهار من جمالها غير العادي اللي الفستان أبرزه بشكل خيالي. مشى عينه عليها ببطء وبتركيز؛ من أول رجليها لحد وسطها اللي مكنش نحيف بشكل مبالغ فيه، بل كان مرسوم بفضل قصة الفستان اللي باللون السماوي، والكشكشة اللي عند الوسط حددت تفاصيل جسمها بأنوثة طاغية. شعرها المنساب اللي جابته على جنب كتفها العاري برقة، كان بيلعب على بشرتها البيضاء زي الحرير.
جميلة كانت بتفرك إيديها بتوتر، حاسة بنظراته اللي بتخترقها، وسألته بصوت منخفض ومبحوح من الكسوف:
- "شكلي حلو؟"
أدهم هز راسه بتوهان للحظة، وكأن الكلمة تاهت منه، لكن سرعان ما رجع لوعيه ورسم البرود المزيف وهو بيمشي كف إيده على شعره الفحمي الغزير عشان يداري ارتباكه، وقال بنبرة حاول يخليها عادية:
- "آه.. مش بطال. ادخلي اقلعيه عشان نشتريه.. محتاجة حاجة تاني؟"
جميلة ردت بفرحة طفولية مقدرتش تداريها، وضحكتها نورت وشها:
- "لا هحتاج إيه تاني؟ ده أنت جبت لي لبس يناسب كل الأوقات، بجد شكراً يا أدهم."
أدهم هز راسه وهو بيمثل إنه انشغل فجأة بموبايله عشان ميبصش في عينيها أكتر من كدة ويضعف قدام سحرها، وقال بصوت أجش:
- "طيب يلا.. ادخلي غيري بسرعة عشان منتأخرش على يزن، زمانه خلص كل لعب الألعاب اللي في الكيدز أيريا وهيقلب الدنيا علينا لو استنى أكتر من كدة."
جميلة قالت بحماس: "تمام!"، ورجعت للبروفا وهي طايرة من الفرحة
أما أدهم، فأول ما قفلت الباب، خد نفس طويل وطلعه ببطء، وهمس لنفسه بذهول:
- "جرى لك إيه يا أدهم؟ .. فوق لنفسك، انت اتجننت ولا ايه
بعد ساعات من اللف والتعب، انتهى بيهم المطاف في واحد من أشهر محلات الأيس كريم في المول. الجو كان مليان ضحك وبهجة، وجميلة كانت قاعدة بتستمتع بكل لحظة وكأنها طفلة خرجت للدنيا لأول مرة.
جميلة كانت ماسكة بولة"أيس كريم الشوكولاتة وبتاكل بتلذذ غريب، ملامحها كانت منورة والابتسامة مش مفارقة وشها. وجنبها كان يزن، اللي وشه كله بقى لون المانجا من كتر حماسه وهو بياكل الكونو بتاعه وبيرجله بتخبط في الكرسي من الفرحة.
أما أدهم، فكان قاعد بوقاره المعتاد، بياكل أيس كريم الفانيليا ببطء وهدوء، بس عينيه مكنتش على الأيس كريم بتاعه.. كانت متثبتة على جميلة. كان بيراقب حركاتها العفوية، طريقتها وهي بتغمض عينيها مع كل معلقة، واللمعة اللي في عينيها اللي كانت حقيقية جداً وصادقة.
بعد شويه ..
العربية كانت ماشية في هدوء الليل، أدهم ماسك الدريكسيون بثبات وعينه على الطريق، وجنبه جميلة اللي كانت سارحة في أنوار الشوارع اللي بتجري، وفي الكنبة اللي ورا كان يزن غرقان في نوم عميق
.
فجأة العربية وقفت في إشارة، وظهر من بين العربيات طفل صغير، هدومه مقطعة ووشه أسمر من شمس الشارع، قرب من شباك أدهم ومد إيده بكسرة. جميلة عينها اتعلقت بالطفل ده بنظرة غريبة، نظرة مليانة وجع وكأنها شايفة نفسها فيه من كام سنة.
أدهم لمح نظرتها، ومن غير ولا كلمة، طلع مبلغ كبير من محفظته واداه للطفل. الطفل عينيه لمعت بذهول ودعا لأدهم بصوت عالي:
- "ربنا يباركلك يا بيه، ويرزقك ويخليلك الست الحلوة اللي جنبك دي ويجعلها من نصيبك!"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أدهم معلقش، بس ملامحه اتصلبت وضغط على الدريكسيون بقوة، والسكوت ساد المكان لحد ما الإشارة فتحت وكمل سواقة. جميلة كانت لسه متأثرة، حست إنها لازم تتكلم، لازم تطلع الحمولة اللي في قلبها.
بصت لأدهم وقالت بصوت مهزوز:
- "تعرف يا أدهم.. فيه أطفال كتير زي الطفل ده، الشارع بياكل فيهم كل يوم.. الشارع قاسي أوي، مبيسميش على حد."
أدهم بص لها بطرف عينه وسكت، فكملت جميلة وهي بتفتكر حياتها الحقيقية، بس المرة دي كانت بتحكي بصدق وكأنها ياسمين فعلاً:
- "أنا بعد ما العيلة دي اتبنتني.. مكنتش عايشة في جنة زي ما كنت فاكر، أنا اتمرمطت وكنت ببات في الشوارع.
بدأت تحكي له عن ليالي البرد وهي نايمة على الأرض، وعن الجوع اللي كان بيعصر بطنها، وعن نظرات الناس اللي كانت بتبصلها بقرف.. حكت له كل حاجة عن حياتها الحقيقية باستثناء السرقة .
صوتها بدأ يتهدج ودموعها نزلت غصب عنها:
- "كنت كل يوم بالليل أبص للسما وأقول يا رب.. هو أنا مليش حد؟
أدهم ركن العربية فجأة على جنب الطريق، ولف جسمه كله ليها. بص في عينيها اللي غرقانة دموع، وحس إن قلبه بيتمزق.. كل كلمة كانت بتقولها كانت بتغرس سكين في ضميره لأنه سابها السنين دي كلها.
مد إيده ومسح دموعها بصباعه بإحساس عالي، وقال بصوت خشن من كتر التأثر:
- "أوعدك يا جميلة.. وحق كل دمعة نزلت من عينيكي، وحق كل ليلة نمتي فيها خايفة، إني هعوضك... مفيش حد في الدنيا يقدر يلمس شعرة منك وأنا عايش."
جميلة بصتله بحب حقيقي ونقي لأول مرة، حست إنها عايزة تصرخ وتقوله "أنا مش أختك"، بس الخوف منعها.. الخوف من إنها تخسر النظرة دي.
دخل أدهم من بوابة القصر بهدوء، ركن العربية ونزل بكل رقي، فتح الباب اللي ورا وشال يزن اللي كان غرقان في نومه بعمق وكأنه ملاك صغير. نادى أدهم على البواب عشان يطلع الشنط الكتيرة من شنطة العربية، وطلع هو وجميلة لغرفة يزن.
جميلة كانت واقفة متابعة أدهم وهو بينيم يزن على سريره، بيغطيه بحنان وبيقلعه الكوتشي بكل هدوء.. فضلت مبتسمة وهي مبهورة؛ إزاي الشخص اللي عنده الهيبة والكاريزما المرعبة دي يكون جواه كل الحنين ده؟ عرفت في اللحظة دي إن ورا القناع الجامد ده حنية تكفي العالم، بس هو مبيبينش.
خرجوا من الأوضة وأدهم ودعها بجملة: "تصبحي على خير يا جميلة"، ودخل جناحه فوراً.
جميلة وقفت مكانها لثواني، حست بضيق طفيف إنه مغلّفش الوداع بنفس الطريقة بتاعة المرة اللي فاتت، بس سرعان ما هزت راسها تضرب أفكارها: "فوقي يا جميلة، إنتي شكل أفكارك بدأت تنحرف !"
دخلت أوضتها، لقت الشنط مرصوصة على السرير. بدأت تفتحها وتتفرج بذهول.. أدهم مجابش لبس بس، ده جاب شنط، وجزم، وميكب، وحتى الملابس الخاصة مغفلش عنها ... افتكرت لما البنت في المحل نادتها وعرضت عليها النوع ده من الملابس ، وأدهم وقتها عمل نفسه باصص في الموبايل ومش مهتم، بس الحقيقة إنه كان متابع كل حاجة.
وفي وسط ما هى بتتفرج على الحاجه ، موبايلها رن برقم غريب ،ردت.. قلبها انقبض لما سمعت الصوت اللي بيكرهها في حياتها.
إبراهيم بنبرة ساخرة ومنفرة:
- " إيه يا حلوة، الفسحة بتاعة النهاردة عجبتك؟ اتبسطتي بالهدمتين الجداد؟ أوعي تنسي نفسك، أنا عارف كل نفس بيخرج وبيدخل منك في القصر ده."
جميلة صوتها اترعش: "عايز إيه يا إبراهيم بيه؟"
إبراهيم كمل بتهديد: "عايزك تركزي في اللي جاي.. نتيجة التحليل هتظهر بكرة، وطبعاً أنا مخلص كل حاجة مع المعمل والنتيجة طالعة 'إيجابية' غصب عن عين أي حد. إوعي تنسي نفسك يا بت انتي ، ده أنا جايبك من الشارع. افتكري إنك بالنسبة لي مجرد كارت هكسب بيه، ولو الكارت اتحرق.. هحرقك معاه."
جميلة لسه هترد لكنها اتصنمت مكانها، والدم هرب من عروقها لما لقت باب الأوضة بيتفتح فجأة!
أدهم كان واقف على الباب، وشه ميتفسرش، مليان برود مخيف وعينيه بتلمع بنظرة صقر، وسألها بصوت واطي ومرعب:
- "بتكلمي مين
جميلة بصتله بفرع، لسانها اتعقد، وبدأت تتهته برعب:
- "أنا.. أنا.. 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
جميلة اتصنمت مكانها، والدم هرب من عروقها لما لقت باب الأوضة بيتفتح فجأة!
أدهم كان واقف على الباب، وشه ميتفسرش، مليان برود مخيف وعينيه بتلمع بنظرة صقر، وسألها بصوت مرعب:
— "بتكلمي مين
جميلة بصتله بفزع، لسانها اتعقد، وبدأت تتهته برعب:
— "أنا.. أنا.. 
أدهم كان واقف ساند ضهره على الباب، وعينه مركزة على ملامحها اللي اتخطفت فجأة. قرب منها خطوة وبصوت هادي بس فيه نبرة شك مش مفهومة، سألها:
— "بتكلمي مين في الوقت ده يا جميلة؟"
جميلة حست إن لسانها اتعقد، وبسرعة البرق داست على زرار القفل وفصلت المكالمة، وإيدها كانت بتترعش وهي بتحط الموبايل ورا ضهرها. ردت بصوت مهزوز ومقطوع:
— "دي.. دي واحدة صاحبتي.. كانت بتطمن عليا بس عشان بقالنا كتير مكلمناش بعض."
أدهم فضل باصص في عيونها ثواني كأنه بيقرا اللي جواها، وبعدين هز راسه ببرود وقال:
— "تمام.. طيب يلا نامي عشان الوقت اتأخر، السهر مش كويس عشانك."
جميلة بدأت تاخد نفسها بصعوبة لما حست إن الموضوع عدى، وبتحاول تداري توترها سألته باستغراب:
— "أنت.. أنت رجعت تاني ليه؟ نسيت حاجة؟"
أدهم رفع إيده اللي كانت مخبيها ورا ضهره، وظهرت كوباية لبن، وقال بهدوء:
— "نسيت أديلك كوباية اللبن دي.. خدي اشربيها عشان تهديكي وتنامي بسرعة."
جميلة أول ما شافت الكوباية، معالم وشها اتمعضت ووشها كرمش بطفولة وقالت بضيق:
— "يععععع.. أنا مبحبش أشرب اللبن خالص يا أدهم، بلاش بالله عليك."
أدهم اتنهد وقرب منها أكتر، ورفع الكوباية لمستوى وشها وهو بيقول بحزم حنين:
— "لا لازم تشربيه.. اللبن مفيد وهيريح أعصابك، مش عايز نقاش."
جميلة رجعت لورا خطوة وقالت بحدة وهي بترفض:
— "والله مبحبوش! وممكن أستفرغ فعلاً لو شميت ريحته.. بلاش تضغط عليا."
أدهم مسمعش كلامها، ومسك إيدها براحة وقعدها على طرف السرير، وقعد قدامها وقرب الكوباية من بقها وهو بيبتسم نص ابتسامة:
— "شكلي هتعامل معاكي زي ما بتعامل مع يزن.. رغم إن يزن مبيتعبنيش كدة وبيشرب كوبايته علطول عشان يكبر."
جميلة لفت وشها الناحية التانية وهي مغمضة عينيها بشدة
أدهم فجأة، ومن غير مقدمات، حط إيده على خدها وبصباعه الكبير ضم شفايفها براحة عشان تفتح بقها، ورفع الكوباية وهو بيبص في عينيها بنظرة ساحرة وقال بهمس:
— "عشان خاطري.. اشربيها عشان خاطري يا جميلة."
جميلة اتثبتت مكانها.. لقت وشه قريب من وشها جداً، لدرجة إنها حست بأنفاسه على بشرتها، وعنيه مركزه فى عيونها ، من كتر التوتر والارتباك اللي سيطر عليها، هربت من نظراته بأنها تشرب، وفعلاً سحبت الكوباية وشربتها كلها بوق واحد وهي مغمضة عينها.
أدهم ابتسم بانتصار، وحط الكوباية الفاضية على الكومود اللي جنب السرير، وسحب منديل ورق وبدأ يمسح جنب بقها براحة من أثر اللبن، وقالها بنبرة هادية:
— "شطورة يا جميلة."
جميلة كانت لسه في حالة ذهول، وتفاجأت بيه وهو بيرفع رجليها براحة على السرير وبيشد الغطا عليها لحد رقبتها وهو بيقول:
— "يلا.. غمضي عينك ونامي."
جميلة ضمت شفايفها بحيرة وقالت بصوت واطي:
— "بس أنا مش جايلي نوم.. حاسة إني فايقة أوي."
أدهم ضحك ضحكة خفيفة سحرتها، وقال بمشاكسة وخبث:
— "تحبي أنام جنبك عشان تروحي في النوم بسرعة؟"
جميلة عيونها برقت بصدمة واستخبت تحت الغطا بسرعة وهي بتقول بلجلجة:
— "لا لا! أنا هنام أهو.. خلاص أنا نمت أصلًا.. تصبح على خير!"
أدهم ضحك بصوت عالي وهز راسه على هبلها وطريقتها العفوية، وقال وهو بيقوم:
— "وأنتي من أهله ".
ولكنه افتكر حاجة ورجع تاني.. انحنى وباس راسها من فوق البطانية وسكت ثواني، كأنه بيستنشق ريحتها، وبعدين خرج وقفل الباب وراه بهدوء.
أما جميلة، فأول ما سمعت صوت الباب بيتقفل، شالت الغطا من على وشها وهي بتنهج ونفسها سريع جداً.. فضلت حاطة إيدها على قلبها اللي كان بيدق زي الطبل، وهي مش عارفة ده من أثر كتمة نفسها تحت الغطا.. ولا من قرب أدهم اللي بدأ يزلزل كل حصونها.
قامت وسندت ضهرها على السرير، وهمست لنفسها بذهول:
— "أنا لازم أمشي من هنا في أسرع وقت.. أدهم ده خطر، خطر على قلبي وعلى الخطة كلها!"
_____________________________
تاني يوم
أدهم كان لسه خارج من جناحه، لابس قميص أبيض فاتح، وسايب أول زرارين منه مفتوحين، وشعره لسه مبلول من أثر الشاور.. فجأة وقف مكانه وهو بيسمع صوت مزيكا غريب وعالي جداً مالي أركان القصر.
استغرب جداً، لأن القصر ده مبيشتغلش فيه غير الموسيقى الكلاسيكية الهادية، أو سنفونيات عالمية راقية.. نزل درجات السلم ببطء وهو عاقد حاجبه، بس الصدمة خليته يتسمر في نص السلم وهو شايف المنظر اللي قدامه.
الصالة الكبيرة اتقلبت لـ ساحة فرح شعبي.. أغنية شغاله بأعلى صوت، وفي وسط الصالة كانت جميلة واقفة، رابطة طرحة ستان حوالين وسطها، وبترقص بهبل وعفوية وبتدبدب برجليها في الأرض، وقصادها يزن واقف وبيرقص بطريقة مضحكة جداً وهو باصصلها بتركيز وبيحاول يقلد حركاتها بالظبط.
"إيه يا ستو أنا
ستو أنا، أنا
إيه يا ستو أنا (الله)
ستو أنا، أنا
جميلة وهي بتنهج من كتر التنطيط، شاورت ليزن بإيدها:
— "اديله ادي يا زوزو.. هو ده "
يزن رد عليها بضحكة مالية وشه وهو بيحاول يهز كتافه:
— " أيوه بقى ..اديله ادي يا جوجو..!"
أدهم فضل واقف مبهوت، عينه بتتحرك بينهم ومش مصدق إن ده يزن الهادي الرزين اللي مربيه على ايديه.. نزل باقي السلم ببطء شديد وهو بيدقق في كل حركة، والمزيكا مكملة:
"قلبي برتقان بصرة ملكك وأنتي حرة تعصريه عصير (الله)
قلبي كمتراية ناشفة بس فيها بذرة بتحب بضمير
قلبك بطيخة صيفي قرعة بختي وجاي في قرعة والبطيخ كتير (الله)
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
قلبي أناناس شرايح دايخ جاي رايح من كتر التفكير
يزن فجأة قعد على ركبته في الأرض، وعمل بإيده حركة كأنه بينقط فلوس على جميلة وهي مندمجة في الرقص وبترقص باحترافية وتلف حوالين نفسها.
فاتح شباكي فاتح شيشي (الله)، الوقت في بعدك ما مشيشي
بتقولي هتيجي ما بتجيشي وما يدوقش النوم
آه، يا نسمة صيف جايبة طراوة (الله)، قلبي إتعور منك واوا
محتاج يتعالج يتداوى بالمكروكروم
قلبي حرنكش فيه مزازة وأنتي في اللذاذة ما بتهزريش (الله)
قلبك coconut ثمرة أنتي حلوة قمرة ما بتتكرريش
قلبك قرع يمد لبره الجنازة حارة والميت مفيش
قلبك مشمش مش هسيبه هجري وراه وأجيبه لو كان في العريش
أدهم كان خلاص قرب منهم جداً، بس هما كانوا في عالم تاني.. جميلة بتلف وتلوح بإيدها ويزن بيسقف بجد وحماس رهيب، لحد ما الأغنية خلصت وجميلة وقفت وهي بتنهج جامد وبتمسح عرقها.
فكت الطرحة من حوالين وسطها وبصت ليزن وهي بتضحك:
— "أنا كل يوم لازم أديك درس في الأغاني دي، ده إنت فاتك كتير أوي يا زوزو.. لازم الواحد يفك عن نفسه شوية، سيبك من العملاق الكئيب اللي فوق ده اللي مش فالح غير في.."
ولسه مكملتش جملتها، لفت وشها، لقت أدهم واقف وراها مباشرة، حاطط إيده في جيبه، وباصصلها بنظرة غامضة جداً ممزوجة بذهول.
جميلة شهقت بخضة لدرجة إنها نطت من مكانها، ووشها جاب ألوان الطيف، وقالت بلجلجة:
— "أ.. أ.. أدهم! أنت.. أنت هنا من إمتى؟"
أدهم رفع حاجبه وبص للطرحة اللي في إيدها وبعدين بص ليزن اللي جري استخبى ورا جميلة، وقال بصوت رخيم وهادي:
— "كنت بتقولي إيه بقى؟ سيبك من العملاق الكئيب؟"
جميلة بلعت ريقها وحاولت تخبي الطرحة ورا ضهرها:
— "أنا.. أنا كنت.. أنا كنت بقول العملاق الطيب.. أيوه، أصل أنت طويل ما شاء الله.. فكنت بشكر فيك ليزن."
أدهم كتم ابتسامة بالعافية وهو شايف منظرها المرتبك، وقرب منها خطوة وقال:
— "والبرتقان البصرة والكمتراية الناشفة دول يبقوا مين؟"
جميلة بصت للأرض بكسوف وقالت بصوت واطي وارتباك:
— "ده ..ده .. تعليم حديث يا أدهم ، بنعلم الولد أنواع الفاكهة بس بطريقة مبتكرة.".
أدهم بص ليزن اللي كان بيضحك من وراها، وبعدين رجع نظره لجميلة وقال بحزم مصطنع:
— "خمس دقايق والاقيكم على السفرة.. وحسابي معاكي بعدين ياااا .. 
قرب من ودنها وقال بهمس   : " ياستو أنا."
جميلة جريت من قدامه وهي بتبرطم بصوت واطي، وأدهم فضل واقف مكانه وبص لأثرها وهو بيبتسم لأول مرة من قلبه، وحس إن روح القصر اتغيرت تماماً بوجودها.
أدهم كان قاعد في مقدمة السفرة، بهيبته اللي بتخلي المكان كله يسكت، وجميلة قاعدة جنبه بتحاول تتجنب نظراته وهي بتقطع الأكل ببطء، ويزن الناحية التانية بياكل وهو لسه بيفتكر رقصة الصبح وبيبتسم لجميلة من تحت لتحت.
وأثناء ما هما بياكلوا ،دخلت الخادمة وقطعت الصمت ده وهي بتقدم ظرف مقفول :
— "أدهم بيه، الظرف ده لسه واصل حالا، حد سلمه على البوابة ومشي."
أدهم خد الظرف ببرود،، وقال :
— "تمام.. اتفضلي إنتي ".
أدهم فحص الظرف في إيده وقال بنبرة خالية من أي مشاعر:
"ده جاي من المعمل"
جميلة كانت بتشرب عصير، وفجأة شرقت بعنف لدرجة إن وشها بقى أحمر . أدهم مد إيده وبدأ يخبط على ضهرها براحة وهدوء مريب وهو بيقول:
— "براحة يا جميلة.. إنتي كويسة؟"
جميلة هزت راسها وهي بتكح وبتحاول تداري الرعب اللي في عينيها، ونفست بصعوبة:
— "ك.. كويسة، الحمد لله، زورت بس."
أدهم سحب إيده وبدأ يفتح الظرف ببطء شديد.. صوت قطع الورق كان بالنسبة لجميلة زي صوت طلقات الرصاص. طلع الورقة وفردها قدامه، وبدأ يقرا الكلام اللي فيها بعينه، وهو ساكت تماماً.. مفيش شعرة منه اتحركت.
الثواني كانت بتمر على جميلة كأنها سنين، ريقها نشف وبقت حاسة إن الدنيا كلها بيلف بيها.. "خلاص يا جميلة، النهاية جت، أدهم هيعرف إنك نصابة وهيرميكي في الحبس."
أدهم حط الورقة على الترابيزة بهدوء مبالغ فيه، وسكت لثواني وهو باصص قدامه كأنه بيفكر في حاجة كبيرة، وفجأة.. نقل نظره لجميلة. عينيه كانت حادة ومركزة عليها زي الصقر اللي حدد فريسته.
أدهم ببرود قاتل:
— "دي نتيجة تحليل الـ DNA.. التحليل اللي هيقطع الشك باليقين يا جميلة."
سكت تاني، وجميلة كانت خلاص هتيأس وتتكلم من كتر الخوف، لحد ما نطق وقال:
— "للأسف.. النتيجة طلعت.."
جميلة غمضت عينها بشدة وهي مستنية الحكم، بس أدهم كمل جملته بابتسامة هادية:
— "النتيجة طلعت إيجابية.. إنتي فعلاً ياسمين السويسي، أختي اللي كنت بدور عليها."
يزن بفرحة طفولية وه مش فاهم ايه الي بيحصل :"هييييه يعنى جميله تبقى أختي".
جميلة فتحت عينها بصدمة حقيقية.. كانت متوقعة عكس كده، لكن النتيجة طلعت مطابقة؟! إبراهيم عملها إزاي؟ وازاي المعمل طلع النتيجة كدة؟
أدهم قام من مكانه وقرب منها، ومسك إيدها اللي كانت بتترعش، وقال بصوت واطي فيه حنان مشوب بالغموض:
— "مبروك يا ياسمين.. القصر ده وأملاك كتير غيره هيبقوا ملكك رسمياً.. بس غريبة، ليه ملامحك مفيش عليها أي فرحة؟"
جميلة بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت مهزوز:
— "أنا.. أنا بس مش مصدقة.. من كتر الفرحة مش عارفة أقول إيه."
أدهم ضغط على إيدها وقال:
— " عموماً النهاردة بليل فيه حفلة صغيرة، هعلن فيها لكل الناس إن ياسمين السويسي رجعت لمكانها.. جهزي نفسك."
_________________________________
أوضة حيطانها مشققة كأنها بتحكي سنين من التعب، والدهان بيقع منها 
وقفت قدام مراية مكسورة في نص الأوضة، اتأملت شكلها بهدوء؛ كانت لابسة بلوزة باللون الزيتي وبنطلون أسود بسيط، ورافعة شعرها لورا في ديل حصان بملامحها الرقيقة اللي الفقر مقدرش يطفي جمالها. نزلت عينيها للكوتشي الأبيض اللي لابساه، كان مهتري ومقطوع من قدام، زيه زي كل حاجة في حياتها اللي ماشية بالعافية.
اتنهدت تنهيدة طويلة مليانة حمول، وسحبت شنطتها الجلد المقشرة وخرجت للصالة. لقت منصور قاعد كالعادة، حاطط رجل على رجل قدام التلفزيون الموشوش وهو بيتابع الماتش بتركيز، وسيجارته في إيده.
ياسمين بصوت هادي وخفيض:
— "بابا.. أنا نازلة شغلي."
منصور محركش عينه من على الشاشة، ورد بتهكم وسخرية:
— "أنا مش عارف شغل إيه اللي رايحاه ده! قال محل لبس قال.. واقفالي فيه طول النهار والليل وبترجعي بملاليم."
ياسمين غمضت عينيها، وحاولت تحافظ على هدوئها وهي بترد نفس الرد اللي بتقوله كل يوم بقالها سنين:
— "معلش يا بابا.. ربنا يرزقني بشغل أحسن، أهو ده اللي موجود دلوقتي ومشي حالنا."
منصور نفخ دخان سيجارته وقال بلا مبالاة:
— "ماشي يا ختي.. وعلي الله تيجي متأخر، أنا مش ناقص وجع دماغ وكلام ناس."
ياسمين مردتش عليه، مشيت من قدامه بقلب مقبوض، وخرجت من باب الشقة اللي بيزيق، ونزلت السلم المكسر بسرعة. وقفت على أول الحارة وشاورت لتوكتوك:
— "على المحل يا أسطى بسرعة الله يباركلك."
ركبت التوكتوك وهي بتسند راسها على الحديد بتاعه، وعيونها بتراقب المحلات والناس، ومكنتش تعرف إن في الوقت ده بالظبط، في قصر فخم على الناحية التانية من المدينة، في واحدة تانية عايشة حياتها، وبتاخد مكانها في حضن أخوها اللي متعرفش عنه حاجة! ....
________________________________
جميلة كانت لسه خارجة من الحمام بعد شاور طويل استعداداً للحفلة اللي أدهم أصر يعملها. فكت الفوطة وبدأت تنشف شعرها، وفجأة سمعت دقات هادية على الباب، قالت بصوت هادي:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
— "ادخل."
دخلت الخادمة وهي شايلة في إيدها حاجة متغطية بقماشة طويلة، وقالت باحترام:
— "جميلة هانم، ده الفستان بتاعك، أدهم بيه أمرني أوصلهولك لحد هنا."
جميلة استغربت وقالت بتساؤل:
— "فستان إيه؟"
خدت منها الفستان، والخدامة خرجت من الجناح بهدوء. جميلة حطته على السرير وبدأت تفتح سوستة القماش المخبية اللي جواه، وأول ما ظهر، شهقت بانبهار من اللي شافته.
كان فستان سهرة بلون فيروزي ساحر، طويل لحد الكاحل، ومن فوق مفتوح من عند الكتف أوفف شولدر ونازل بانسيابية رقيقة جداً. جميلة قالت بانبهار وهي بتلمس القماش:
— "إيه الجمال ده! ده ذوق أدهم؟"
خدته بسرعة وقاسته، وبدأت تعمل شعرها تسريحة بسيطة وناعمة عشان تليق مع استايل الفستان، واكتفت بتوكة رقيقة من ورا على شكل فراشة زجاجية غاية في الرقة، وحطت ميكب بسيط جداً أبرز نعومة ملامحها اللي بتجمع بين الأنوثة والبراءة، مع جزمة كعب عالي.
وقفت تتأمل نفسها في المراية الكبيرة اللي في نص الجناح.. الفستان كان كأنه متفصل عليها مخصوص، واللون الفيروزي كان عامل تباين يجنن مع لون بشرتها الخمرية.
فاقت من سرحانها لما الباب خبط للمرة التانية، وكانت نفس الخادمة وهي بتقول بلهفة:
— "أدهم بيه والبيه الصغير مستنيين حضرتك تحت، الحفلة بدأت يا هانم."
جميلة ردت بتوتر:
— "تمام.. قولي لهم أنا جاية."
ألقت نظرة أخيرة على شكلها في المراية، خدت نفس طويل عشان تهدي دقات قلبها اللي كانت بتسمعها في ودنها، وفتحت الباب وخرجت.
في الصالة الرئيسية
أدهم كان واقف في نص القاعة، لابس بدلة سودة تكسيدو مرسومة عليه رسم، وجنبه يزن اللي كان لابس بدلة صغيرة وشكله قمر. أدهم كان بيتكلم مع واحد من الضيوف، لكن عينيه كانت كل شوية تبص على السلم.
وفجأة.. ظهرت جميلة في أول السلم.
أدهم سكت تماماً، ونظراته اتسمرت عليها. يزن أول ما شافها سقف بإيده وصاح بفرحة:
— "بص يا بابا! جميلة بقت شبه الأميرات اللي فى الكارتون!"
أدهم مكنش سامع يزن، كان مركز مع اللي نازلة السلم بكل رقة، وحس للحظة إن قلبه بيدق بسرعة مش مفهومة..
جميلة نزلت آخر درجة، ووقفت قدامه وهي وشها أحمر من الكسوف وقالت بصوت واطي:
— "شكراً على الفستان.. ذوقك حلو أوي."
أدهم قرب منها، وعينه في عينها، وهمس بصوت رجولي دافي:
— "الفستان هو اللي بقى له قيمة لما لبستيه يا جميلة.. أنتي النهاردة مفيش حد هيقدر يشيل عينه من عليكي ...وأولهم أنا."
الوقت بيمر ، جميلة واقفه مع يزن وهما بيشربوا العصير، كانت بتضحك معاه وبتحاول تنسى توترها، لكن يزن فجأة شاف واحد من أصحاب وراح يلعب معاه 
وساب جميلة واقفة لوحدها بتتأمل زحمة الحفلة بملل.
كانت حاسة إنها مخنوقة من الأجواء الرسمية، والأصعب من ده كله كان الكعب العالي اللي أول مرة تلبسه في حياتها وحاسة إنه بيغرس في رجليها. بصت يمين وشمال، ولما لقت الكل مشغول، قررت بتهور وعفوية إنها تقلع الجزمة وتفضل حافية، وبما إن الفستان كان طويل ومنفوش من تحت، مكنش باين خالص إنها حافية على الأرضية.
من بعيد، كان فيه شاب مركز مع كل حركاتها، بتابع عفويتها بابتسامة إعجاب، وقرر يقرب منها. فجأة، جميلة لقت شاب وسيم جداً واقف قدامها، لابس بدلة جملي شيك، ملامحه أروبية ببشرة بيضا وعيون خضرا وشعر بني متسرح لورا بانتظام.
الشاب بابتسامة جذابة:
— "أحلى حاجة عملتيها إنك قلعتي الشوز.. أهم حاجة الواحد يبقى مرتاح بعيد عن المنظرة وراي الناس."
جميلة اتفاجئت وبصتله بذهول، وبعدين ضحكت بكسوف:
— "هو أنت خدت بالك؟ بجد رجلي كانت هتتكسر."
الشاب مد إيده بكل رقي وقال:
— "هاي.. أنا هشام، رجل أعمال، واتشرفت جداً بمعرفتك."
جميلة سلمت عليه بابتسامة مجاملة:
— "أهلاً وسهلاً.. أنا جميلة."
هشام همس باسمها وكأنه بيستطعمه:
— "جميلة.. اسم على مسمى .. قوليلي بقى، أنتي تبع مين هنا؟ ولا أوعي تقوليلي إنك صاحبة شركة كبيرة وأنا اللي مش عارف؟"
جميلة هزت راسها بنفي وضحكت بعفوية:
— "لا طبعاً شركة إيه! أنا مقدرش أدير محل صغير، هتدير شركة!"
هشام ضحك بصوت عالي على صراحتها:
— "دمك خفيف أوي يا أنسة جميلة.. بجد مش لاقي فيكي غلطة، رقة وجمال وخفة دم."
وفجأة، طلع صوت من وراه زي الرعد، قطع كلامه بحدة:
— "وفيها مميزات كتير يا هشام.. تحب أعرفهالك؟"
هشام لف واتفاجئ بأدهم واقف والشر بيتطاير من عينيه، ملامحه الرجولية القوية كانت مسيطرة على المكان بهيبة مرعبة خلت وسامة هشام الأروبية تبهت قدامه. أدهم وقف جنب جميلة وحاوط كتفها بإيده بملكية واضحة، وقال ببرود قاتل:
— "إيه يا حبيبتي.. معرفتيهوش أهم ميزة فيكي؟ إنك حبيبتي."
أدهم لقى نفسه بيكدب على هشام لسبب مجهول، بس اللي متأكد منه إنه مش عايز يعرفه إنها أخته وإن ممكن يبقى له فرصه يتقرب منها
هشام برق بعينه بصدمة:
— "حبيبتك هو انت ارتبطت امتى .. أقصد يعنى إنى مكنتش أعرف إنها تخصك؟"
أدهم رد بسماجة وهو بيضغط على كتف جميلة:
— "آه.. عندك اعتراض ولا حاجة؟ وبعدين الحفلة دي أصلاً معمولة عشان أرحب بوجودها في حياتي."
هشام حاول يلم الموضوع بارتباك:
— "لا أبداً.. أنا بس استغربت مش أكتر، ومكنتش أعرف إنها حفلة هتعلن فيه ارتباطك، افتكرتها بخصوص الشغل زي العادة."
أدهم سحب جميلة من إيدها فجأة وقال وهو بيمشي بيها بعيد:
— "طيب هسيبك في استغرابك ده، وآخد حبيبتي أرقص معاها."
جميلة لقت نفسها فجأة مع أدهم في وسط ساحة الرقص، والعيون كلها اتوجهت عليهم. همست بتوتر وخوف:
— "أدهم.. أرجوك، أنا مش بعرف أرقص."
أدهم بص لها بسخرية وهو بيقربها منه:
— "ليه؟ ده أنتي كويسة خالص الصبح.. أنا شوفت المواهب بنفسي."
جميلة وشها احمر:
— "ده كان هبل وقصاد يزن بس.. لكن ده رقص سلو والناس كلها شيفانا، أرجوك بلاش."
أدهم فجأة حاوط وسطها بإيده التانية وشدها عليه بقوة خلت أنفاسها تهرب، وهمس بصوت واطي وساحر:
— "ملكيش دعوة بالناس.. خليكي معايا أنا وبس."
شاور أدهم بدماغه للراجل المسؤول عن الموسيقى، وفجأة الأنوار الكبيرة انطفت، وساد صمت للحظات، قبل ما يرجع نور خافت جداً باللون الموف الهادي، عطى أجواء رومانسية خيالية.
أدهم قرب جميلة منه أكتر، لدرجة إنها بقت سامعة دقات قلبه القوية، وهي اتشبثت في صدره بتوتر. بدأت ألحان أغنية "ومالو" تشتغل بصوت عمرو دياب، وأدهم بدأ يتحرك ببطء وثبات، وهو بيقود حركتها وكأنه بيحتويها تماماً..
" وماله لو ليلة توهنا بعيد وسيبنا كل الناس
أنا يا حبيبي حاسس بحب جديد
ماليني ده الإحساس
وأنا هنا جنبي أغلى الناس
أنا جنبي أحلى الناس
جميلة سألته باستغراب وتوهان: ليه قولت كده لهشام ..ليه مقولتش إني أختك 
أدهم بصلها بنظرات ثابته بتخترق قلبها قبل عنيها ،وفجأة مد إيده على راسها وشدها على كتفه، فبقت راسها على كتفه وحرف صدره، وبتكمل الأغنية بصوت الهضبة الدافي اللي ملى المكان:
"حبيبى ليلة، تعالى ننسى فيها اللي راح
تعالى جوا حضني وارتاح
دي ليلة تسوى كل الحياة
وما لي غيرك ولولا حبك هعيش لمين؟
حبيبي جاية أجمل سنين
 وكل مادى تحلى الحياة
الناس في القاعة بدأوا يتهامسوا بذهول على الثنائي ده؛ الكل بيسأل: "مين البنت اللي خطفت قلب أدهم السويسي بالشكل ده؟ ومين اللي قدرت تخليه بالهيام والرقص ده وهو المعروف عنه الجمود؟"
أما عند أدهم وجميلة، فكانوا في عالم تاني خالص.. أدهم كان باصصلها في عيونها اللي شبه عيون الغزلان وغرقان فيهم، وجميلة دقات قلبها كانت عالية وسريعة جداً، لدرجة إنها شكت إنه ممكن يكون سامع دقات قلبها بوضوح من كتر قربهم.
بسبب الشعور ده والتوتر اللي سيطر عليها، مسكت إيده بقوة وضغطت عليها، لأنها حست إن توازنها ممكن يختل في أي لحظة ورجليها مش شايلاها.. والأغنية بتكمل في الخلفية:
" حبيبي المس إيديا عشان أصدق اللي أنا فيه
ياما كان نفسي أقابلك بقالي زمان
خلاص وهحلم ليه؟
ما أنا هنا جنبي أغلى الناس
جنبي أحلى الناس
أدهم مال على ودنها وهمس بصوت أجش خلى جسمها كله يتنفض:
— "خايفة من إيه يا جميلة؟ إيدك بتترعش ليه؟"
جميلة رفعت عينها وبصتله بتوهان، ومكنتش قادرة تنطق بكلمة واحدة، كانت حاسة إن ياسمين اللي بتمثل دورها اختفت، ومفضلش غير جميلة اللي بدأت تقع في عشقه.
أدهم شدد من قبضته على وسطها وكأنه بيطمنها، وهمس تاني وهو باصص في عيونها:
— "لو كان ده حلم، فأنا مش عايز أصحى منه أبداً يا جميلة ."
جميلة في اللحظة دي نسيت إنها حافية، ونسيت الحفلة، ونسيت حتى تهديد إبراهيم.. مكنتش شايفة غير نظرة أدهم اللي كانت بتقول كلام كتير أوي مبيتحكيش.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بعد الحفلة، كانت جميلة قاعدة في غرفتها قدام التسريحة، بتفك التوكة الفراشة وبتسرح شعرها ببطء، وعقلها لسه محبوس في القاعة تحت.. كانت بتفتكر اللحظات اللي عاشتها مع أدهم، ونظراته ليها اللي كانت بتخترق روحها. حست إنها كانت منفصلة عن العالم وهي في حضنه، وافتكرت همساته المليانة سيطرة وعشق..
سألت نفسها بحيرة: "إزاي تكون دي نظرات أخ لأخته؟ دي نظرات راجل دايب!"
اتنهدت بضيق وهي بتدعي في سرها إن أدهم يفتح معاها موضوع الورث في أسرع وقت عشان تخلص المهمة دي وتهرب، لأنها بدأت تعترف بتأثيره المرعب عليها، وبنبضات قلبها اللي بتتمرد وتزيد في قربه.
قطع حبل أفكارها رنة موبايلها. بصت على الشاشة ونفسها ضاق أول ما عرفت هوية المتصل، وردت بضيق مكتوم:
— "أيوة يا إبراهيم بيه؟"
جاء لها الرد من الناحية التانية بصوت فيه مكر:
— "إيه يا سنيورة؟ إيه آخر الأخبار عندك في القصر؟ السمكة بلعت الطُعم؟"
ضمت شفايفها بتأفف وهي مجبرة ترد:
— "عادي.. كان فيه حفلة أدهم عملها بمناسبة إن أخته اللي هي أنا رجعت."
إبراهيم سكت ثواني، وبعدين ضيق حواجبه باستغراب وريب:
— "حفلة؟ حفلة إيه؟ أنا مش فاهم حاجة!"
جميلة كملت :
— "بعد ما نتيجة الـ DNA اللي إنت طبعاً ضربتها طلعت، قالي إنه هيعمل حفلة وهيعرّف الناس إني رجعت، وده اللي حصل بليل."
إبراهيم صوته اتغير وبقى فيه توتر واضح:
— "أنا معرفش حاجة عن الحفلة دي، وأدهم مقاليش أي حاجة بخصوصها.. ده غير إن لو فعلاً كان فيه حفلة وأعلن فيها إن أخته رجعت، كان زمان مصر كلها اتكلمت والصحافة مقلوبة! أدهم السويسي مش شخص عادي يا جميلة عشان يعمل خبر زي ده في السر."
جميلة بدأت بالحيره :
— "مش عارفة.. بس ده اللي حصل، وكان فيه ناس كتير ورجال أعمال."
إبراهيم رد بسرعة وهو بيقفل:
— "طيب اقفلي.. اقفلي دلوقتي وأنا هشوف إيه اللي بيحصل بالظبط.. الموضوع فيه إن!"
جميلة قفلت الموبايل وبصت قدامها بشرود وهي بتسترجع ذكريات الحفلة بعقل واعي المرة دي.. هي فعلاً حست إن محدش من المعازيم كان عارف إنها أخته! افتكرت نظرات الستات ليهم وهم بيرقصوا، وإزاي كانوا بيتهامسوا بفضول "مين دي اللي مع أدهم السويسي؟". وافتكرت رد أدهم على هشام لما قاله إنها حبيبته، الطريقة كانت غريبة.. كأنه بيقولها عشان يبعده عنها .
________________________________
في صباح يوم جديد، الشمس كانت بدأت تتسلل من الشبابيك العالية بتاعة القصر، وترسم خيوط دهبية على الأرضية الرخام. جميلة نزلت من على السلم وهي لابسة فستان قطن رقيق لونه بينك، هادي وفيه ورود بسيطة، ورافعة شعرها كحكة فوضوية نزلت منها كام خصلة على خدها، خلت ملامحها أرق وأجمل.
أدهم كان قاعد على راس السفرة، بهيبته المعتادة اللي تملا المكان، وبمجرد ما سمع صوت خطواتها الرقيقة على السلم
رفع نظره ببطء.. وفجأة، الزمن وقف عنده لثواني. اتأسر من هيئتها ورقتها، وقلبه دق دقة غريبة وهو بيفتكر إنه هو اللي منقى الفستان ده بنفسه، وكان متأكد إنه هيكون قطعة من السما عليها.
جميلة أول ما شافته، ابتسمت بصفاء وقالت بصوت هادي وناعم:
"صباح الخير."
أدهم حمحم بخشنونة، وحاول يداري ارتباكه وهو بيلف وشه الناحية التانية.. مش عايز يضعف قدام نظراتها، خصوصاً بعد اللي حصل إمبارح في الرقصة، والمشاعر اللي فضحته وخلته مش عارف يسيطر على نفسه. رد بصوت واطي ومتحفظ:
"صباح النور."
جميلة لاحظت إنه لابس بدلة كاملة وجاهز للخروج، فسألت باستغراب وقلق مداري:
"إنت.. إنت رايح الشركة؟"
أدهم رد بإيجاز وهو بيبص في ساعته:
"أيوة."
جميلة هزت راسها بحزن مفاجئ سكن قلبها.. استغربت نفسها، هي ليه مضايقة؟ وليه عايزاه يفضل جنبها طول الوقت؟ بس سكتت وحاولت تسيطر على أفكارها اللي بدأت تروح لسكة خطر.
قطع الصمت ده "يزن" اللي دخل وهو لابس يونيفورم المدرسة، جرى باس جميلة من خدها بحب وبعدها أدهم، وقعد في كرسيه وهو كله حماس. أدهم سأله بهدوء:
"جهزت يا بطل؟ عشان هاخدك المدرسة في طريقي."
جميلة اتفاجئت وبصت ليزن:
"إيه ده، هو إنت وراك مدرسة النهاردة؟"
يزن رد بحماس:
"آه، الدراسة بدأت والنهاردة أول يوم مدرسة."
وفجأة ملامحه اتغيرت وبص لجميلة بزعل:
"بس كده جميلة هتقعد لوحدها طول اليوم!"
جميلة ابتسمت له بوجع خفي، هي فعلاً حست إن القصر هيضيق عليها من غيرهم:
"لا يا يزن مش هكون لوحدي، فيه خدم في القصر وأنا اتصاحبت عليهم.. متقلقش عليا."
أدهم كان متابع الحوار بتركيز، وفجأة سألها بجدية قطعت تفكيرها:
"احم.. أنا عرفت من ورقك إنك خرجتي من المدرسة وإنتي في تالتة ثانوي، صح؟"
جميلة اتصدمت من السؤال، ووطت راسها في الأرض بإحراج وحزن حقيقي:
"صح.."
أدهم كمل بصوت فيه نبرة آمرة بس حنينة:
"طيب، أنا قررت أقدملك ورقك في الجامعة عشان تكملي تعليمك.. مينفعش ياسمين السويسي تبقى معاها ثانوية."
جميلة رفعت عينيها وبصت له بصمت.. كلامه لمس حتة جواها كانت ميتة. هي عارفة إن كل ده كدب، وإنها فترة وهتمشي، وإن "ياسمين" اللي بيكلمها دي مش موجودة أصلاً.. بس غصب عنها عينيها دمعت بامتنان. حست إن فيه حد لأول مرة بيفكر في مصلحتها، وبيخاف على تعليمها، حتى لو كان فاكرها أخته.. الحنية اللي في صوته خلت قلبها يوجعها أكتر على اللعبة اللي هي فيها.
هزت راسها من غير ولا كلمة، وهي بتدعي في سرها إن اللحظة دي متبوظش، وإنها تقدر تفضل في الجنة دي لأطول وقت ممكن قبل ما الحقيقة المُره تصحيها.
__________________________________
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
في مكتبه الفخم بشركة السويسي، كان أدهم ساند ضهره لورا، وماسك قلم بيلفه باحترافية وسرعة حوالين صباعه؛ الحركة دي مبيعملهاش إلا لما يكون عقله شغال في مية اتجاه. عينيه كانت مركزة على نقطة وهمية في الفراغ، وملامحه جامدة مابتبيّنش أي انفعال، لكن هدوءه ده دايماً بيكون الهدوء اللي قبل العاصفة.
قطع حبل أفكاره دخول "علي" اللي قفل الباب وراه، ووقف قدام المكتب بملامح مشدودة وجادة جداً.
أدهم من غير ما يرفع عينه، وبنبرة صوت هادية بزيادة تخوف:
"ها يا علي.. وصلت لإيه؟"
علي حمحم بجدية:
"كله تمام يا أدهم باشا.. الطرف التاني بيتحرك زي ما حضرتك توقعت بالظبط، فاكر إن الخيوط كلها في إيده ومطمن عالأخر. حتى بعد المكالمةاللي تمت بينهم إمبارح ،هو قلق شوية لكن مازال مطمن ، ومستحيل يتخيل إننا ممكن نكون عارفين حاجه."
أدهم بطل يلف القلم فجأة، ورزعه على المكتب بقوة، وسند إيده وظهرت على شفايفه ابتسامة باردة مبيظهرش منها غير طرفها:
"تمام.. خليه مطمن. أنا بحب أوي اللي بيلعب وهو فاكر إنه غالب، بتبقى وقعته دويها عالي. سيبه يعيش الوهم شوية، ويفرش أحلامه على رمله ناعمة.. وأنا هتفرج عليه من بعيد وأنا مستمتع بالسيناريو اللي أنا كاتبهوله بنفسي، بس النهاية هتكون من تأليفي أنا."
علي بص له بتردد، وحاول يفهم اللي بيدور في دماغ أدهم، وسأله:
"حضرتك ناوي على إيه يا باشا؟ القصر بقا فيه غريب، وإحنا مش ضامنين رد فعلها لو حست إننا كاشفينها."
قاطعه أدهم بصوت حاد وواثق وهو بيلف بالكرسي ناحية الشباك الزجاجي اللي كاشف القاهرة كلها تحت رجليه:
"أنا عارف كل حاجة يا علي.. عارف إنها داخلة بيتي عشان تنصب عليا، وسايبها بمزاجي. وعارف إن القصر داخل عليه أيام مش هتهدى بالساهل. اللعب المرادي مش على فلوس وبس، اللعب بقى على المكشوف.. هي جاية تتاجر باسم أختي، وده ذنب عقابه عندي غالي أوي."
سكت أدهم لحظة، وعينيه لمعت بنظرة غامضة وكمل:
"المهم دلوقتي، العين تفضل مفتوحة على كل حركة بيعملوها، وكل نفس بياخدوه. عايز تقرير عن كل نفس بيطلع منهم .. فاهم؟"
علي هز راسه بجدية:
"تمام يا فندم، كل شيء تحت السيطرة."
أدهم رجع قعد تاني ببرود، وسحب ملف من قدامه:
"ابعتلي رزان.. عايز أخلص صفقات النهاردة بسرعة، عشان ورايا حاجات تانية أهم محتاجة تركيز في القصر.
علي خرج وقفل الباب، وأدهم فضل باصص للسراب بجمود، ورجع مسك القلم ولفه لفة أخيرة وهو بيهميس لنفسه :
"يا ترى اللي باعتك ليا ورماكي في النار دي كنتي عارفة نهايتها.. ولا إنتي مجرد طُعم في صنارة ،مسيرنا نعرف يا.. جميلتي. 
__________________________________
كانت جميلة قاعدة في جنينة القصر، سرحانة في الخضرة والهدوء اللي حواليها، ومزاجها كان رايق لأول مرة من ساعة ما دخلت السكة دي.. بس فجأة، شافت خيال شخص داخل عليها، وبمجرد ما ميزت ملامحه، قلبها اتنفض وضيق عينيها بقرف.
همست لنفسها بضيق: "يا فتاح يا عليم.. إيه اللي جابه ده دلوقتي؟ ما أنا كان مزاجي حلو ورايق!"
إبراهيم دخل بخطواته الثقيلة وقعد قدامها ببرود، وبص لها بنظرة فاحصة وقال:
"إزيك يا حلوة؟ واكلة الجو هنا وشكلك نسيتبنا خالص."
ردت عليه باقتضاب وهي بتبص حواليها بتوتر:
"إيه اللي جابك هنا يا إبراهيم بيه؟ كده أدهم ممكن يشك فينا.. مش إحنا اتفقنا إن التحركات تكون بحساب؟"
إبراهيم رد عليها باستخفاف:
"يشك في إيه يا هبلة؟ أنا عمك.. ومن حقي آجي أزور بنت أخويا اللي كانت غايبة بقالها عشرين سنة وأشبع منها.. المهم سيبك من الكلام ده، أنا نبشت ورا الواد أدهم ولقيت إنه موصلش لحاجة، بس اللي جنني وعايز أعرفه.. ليه معرفنيش بحفلة إمبارح؟ وليه مقاليش إن فيه مناسبة كبيرة زي دي؟"
جميلة ردت ببساطة وبرود وهي بتهز رجلها:
"طيب وما تسأله هو.. أنا مالي؟"
إبراهيم ملامحه اتقلبت بغضب ووطى صوته:
"أسأله إزاي يا غبية؟ كده هيشك أكتر.. هو عارف إن العلاقة ما بيني وبينك لسه جديدة ومش قوية لدرجة إنك تعزميني أو تعرفيني بتفاصيل الحفلة.. كنت مستني هو اللي يكلمني."
جميلة لوت بوزها وقالت بتفكير:
"طيب ما يمكن يكون يزن هو اللي قاله إنه عرفني.. أو أي حد من الخدم."
هز راسه بنفي وقرف:
"لا.. الواد يزن ده مبيطقنيش، وعمره ما هيفتح بقه معايا بكلمة."
جميلة همست بينها وبين نفسها بسخرية: "عنده حق بصراحة، ده إنت تسد النفس."
وفجأة، اتصنمت مكانها، والدم هرب من عروقها لما سمعت الصوت اللي دب الرعب في قلبها، صوت رجولي حاد ومن وراهم:
"إيه يا عمي.. جيت من إمتى؟"
إبراهيم اتنفض من مكانه وبدأ يفرك في إيده بتوتر واضح، ورد بصوت مهزوز وهو بيحاول يرسم ابتسامة:
"إزيك يا حبيبي؟ حمد لله على سلامتك.. أنا جيت من شوية صغيرة، قلت أقعد مع بنت أخويا وأملي عيني منها، وأعوض نفسي عن السنين اللي مكنتش في حضني فيها."
أدهم هز راسه ببطء وهو مربع إيده، وعينيه كانت مركزة على جميلة وملاحظ توترها اللي مش عارفة تداريه، سألها بهدوء غريب:
"مالك يا جميلة؟ وشك جاب ألوان ليه؟ هو عمي ضايقك ولا حاجة؟"
إبراهيم اتدخل بسرعة عشان يلحق الموقف:
"وأنا هضايقها في إيه بس يا أدهم؟ ده إحنا كنا بنتعرف على بعض أكتر، وكانت بتحكي لي عن حياتها طول العشرين سنة اللي كانت بعيدة عني وعن حضن العيلة فيهم."
أدهم رفع حاجبه وبص لعمه بنظرة غامضة، نظرة كأنه بيخترق بيها عقله، وسأله بصوت هادي ومرعب في نفس الوقت:
"آه.. تمام.. وقالتلك إيه بقى يا عمي؟ شوقتني أعرف إيه اللي ممكن تحكيهولك ومحكتهوش ليا."
إبراهيم زاد توتره وبلع ريقه بصعوبة:
"ها.. لا.. كلام عادي يعني.. ذكريات قديمة وكده."
أدهم قام وقف بهيبته اللي غطت على المكان، وبص لعمه ببرود وقال:
"طيب يا عمي.. أنا هقوم أغير هدومي، خليك قاعد عشان تتغدى معانا، الأكل زمانه جهز."
إبراهيم حس إنه محتاج يهرب من تحت نظرات أدهم في أسرع وقت، فقام بسرعة وهو بيعدل جاكته:
"لا يا حبيبي.. تسلم، أنا هقوم أمشي بقى ورايا مشاوير تانية، المهم إني اطمنت على ياسمين.. 
أدهم فضل واقف مكانه لثواني، عينيه كانت مثبتة على جميلة بنظرة باردة وصعبة تتفهم، كأنه بيقرا اللي بيدور في عقلها من غير ما ينطق ولا كلمة. السكوت كان تقيل لدرجة إن جميلة حست إنها عايزة تقوم تجري من قدامه.
وفجأة، كسر الصمت ده ووجه كلامه ليها بنبرة هادية بس فيها حزم، وهو بيتحرك ناحية باب القصر:
"أنا طالع أغير هدومي.. ياريت تطلبي من الشغالة تجهز السفرة، عشان عندي كلام كتير عايز أحكيه معاكي وإحنا بنتغدى."
جميلة بصت لضهره وهو ماشي بخطواته الواثقة، وحست بقلبها بيدق بعنف. "كلام كتير؟ يا ترى قصده إيه؟ وهل سمع حاجة من اللي اتقالت؟"
أول ما أدهم اختفى من قدام عينيها، جميلة اتنفست بعمق وسندت ضهرها على الكرسي وهي بتمسح عرق خفيف ظهر على جبينها.
"يخرب بيتك يا إبراهيم يا سويسي.. كنت هتوديني في داهية! أدهم ده مش سهل، ده عينه بتخرم الوش.. يا رب تسترها وميكونش حس بحاجة
جميلة كانت واقفة في المطبخ مع الخدم اللي فعلًا بدأت تكسر معاهم حاجز الغربة وتصاحبهم، وبمجرد ما الغدا جهز، قررت تقوم بدور الأخت وتطلع تنادي أدهم بنفسها. طلعت السلم الرخامي وهي بتبص للطرقة الطويلة اللي فيها غرف كتير بحيرة.. "يا ربي، هي أوضته كانت أنهي واحدة فيهم؟".
افتكرت مرة لمحته وهو خارج من باب في آخر الطرقة، فخمنت إنها دي. راحت خبطت مرة، واتنين، وتلاتة.. مفيش رد. السكون اللي ورا الباب خلاها تشك إنها أوضة فاضية أو إنها غلطت في العنوان، ففضولها حركها وقررت تفتح الباب وتتأكد.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بمجرد ما فتحت الباب ودخلت، رجلها اتسمرت مكانها.. "إيه ده؟ ده مش مجرد جناح، ده عالم تاني!". مشيت بدون وعي وهي بتتأمل تفاصيل جناح أدهم السويسي اللي كان بيعكس شخصيته بالملي.
الديكور كان بيطغى عليه اللون الرمادي الفحمي مع الأسود الملكي، والحيطة الرئيسية كانت من الحجر الطبيعي الخشن اللي بيدي إحساس بالقوة والجمود. الأثاث كان مودرن بحدود حادة وواضحة، مفيش فيه أي تفاصيل زايدة، والسرير الضخم كان متغطي بمفروشات حرير سوداء بتلمع تحت إضاءة خافتة .
في ركن بعيد، كان فيه مكتب فخم من الخشب الأبنوس عليه أوراق منظمة بالمسطرة، وجنبه مكتبة ضخمة واخدة الحيطة كلها، مليانة كتب في الاقتصاد والسياسة، وفي النص شاشة عرض عملاقة. ريحة الجناح كانت خليط بين بخور العود وريحة برفانه اللي بيخطف الأنفاس.. المكان كان بينطق بالفخامة والجديّة 
جميلة كانت ماشية بتلمس طرف المكتب بإيدها وهي منبهرة بالذوق الرفيع ده، وفجأة استوعبت إنها كدة بتقتحم خصوصيته ولازم تخرج بسرعة قبل ما حد يشوفها.
لسه بتلف عشان تخرج وتلحق نفسها، سمعت صوت تكة باب الحمام الداخلي وهو بيتفتح.. لفت بسرعة وهي مخضوضة، وهنا فتحت عينيها بصدمة وخجل ووشها جاب ألوان.
أدهم كان خارج، شعره مبلول وبينقط مية على جبهته، ولابس بنطلون قطني مريح بس، وعضلات صدره وجسمه الرياضي كانت باينة بوضوح مرعب.. وقف مكانه وبص لها بحواجب مرفوعة ونظرة حادة اخترقت خجلها، وقال بصوت رخيم فيه نبرة استغراب:
"جميلة؟ بتعملي إيه في أوضتي؟"
_____________________________
سايق عربيته في شوارع القاهرة الزحمة، عينه على الطريق بس عقله كان في مكان تاني خالص. داخل على التلاتين، وحياته عبارة عن دايرة روتينية مبيخرجش منها؛ شغل، جيم، ونوم. أهله ماتوا من سنين، ولقى نفسه وحيد في الدنيا ملوش أخوات، ملوش في الدنيا غير خالته الوحيدة ،وصداقته لأدهم السويسي وشغله معاه هما كل حياته.
وهو سرحان، فجأة ظهرت قدامه بنت زي الطيف.. داس فرامل بكل قوته، والكاوتش صرخ على الأسفلت، بس للأسف العربية خبطتها خبطة بسيطة وقعتها الأرض.
علي نزل من العربية بسرعة، لقى البنت واقعة على الأرض وماسكة رجلها وبتتألم بوجع يقطع القلب:
"آآآه.. رجلي.. مش قادرة!"
علي نزل لمستواها بقلق حقيقي:
"أنا أسف.. إنتي كويسة يا آنسة؟ حصلك حاجة؟"
البنت كانت بتبكي ووشها أحمر من الألم:
"رجلي.. رجلي بتوجعني أوي.. مش عارفة أحركها."
علي بص يمين وشمال لقى الناس بدأت تتجمع، فقال بلهفة:
"طيب تعالي، مفيش وقت، هوديكي المستشفى فوراً نطمن عليكي."
جت تحاول تقوم، صرخت ورجعت قعدت تاني:
"مش قادرة.. مش قادرة أقف على رجلي خالص."
علي ملقاش قدامه حل غير إنه يتصرف بسرعة.. وبدون تردد، مد إيده وشالها من على الأرض. وبسبب بنيته الضخمة وعضلاته، جسم البنت الضعيف كان بين إيديه كأنه ريشة.
البنت اتخضت ووشها بقى زي الدم من الخجل، وبدأت تتحرك وتحاول تفلت منه:
"إنت بتعمل إيه يا جدع إنت؟! نزلني.. عيب كدة!"
علي بصلها بجدية وصرامة :
"يا آنسة حضرتك رجلك متصابة، ومينفعش تتحركي.. لو دوستي عليها ممكن تتأذي أكتر، اهدي لو سمحتي."
البنت مكنتش بتسمع وبدأت تعترض بصوت عالي:
"بقولك نزلني! إنت مفكر نفسك مين؟"
علي وقف فجأة، وعيونه اسودت وبقت نبرة صوته أغلط، واتكلم بغضب مكتوم:
"قولتلك متتحركيش!"
البنت سكنت فجأة من هيبة صوته، وفي اللحظة دي.. عين علي جت في عينيها لأول مرة. خد باله من ملامحها اللي تخطف؛ بشرتها بيضا زي الحليب، وشعرها بني ناعم واصل لحد كتفها، وخصلات منه نازلة بتمرد على عينيها العسلي الفاتح.
وبسبب وقوفها تحت الشمس، لون عينيها كان بيلمع بطريقة تأسر القلب. ملامحها كانت بريئة جداً، وخوفها منه ومن ضخامة جسمه خلاها تبان زي الطفلة بين إيديه.
البنت ضمت نفسها بخوف وسكتت خالص، كأنها استسلمت لقدرها بين إيدين العملاق ده.
علي ركبها في الكرسي الأمامي بهدوء، ولف ركب مكانه وشغل العربية. الصمت كان سيد الموقف لدقايق، لحد ما علي قطعه بصوت هادي وهو باصص للطريق:
"أنا أسف يا آنسة.. أنا فعلاً مكنش قصدي أخبطك، كنت سرحان شوية."
البنت هزت راسها بصمت وهي لسه بتبص من الشباك بخوف وتوتر، كأنها بتدعي الموقف ده يخلص بسرعة.
علي بصلها بطرف عينه وسألها بنبرة بيحاول يلطفها:
"إنتي اسمك إيه؟"
ردت بصوت واطي ومبحوح من أثر العياط:
"ياسمين.. اسمي ياسمين."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
كان واقف مكانه، ملامحه تبان هادية بس عينيه فيها نظرة خلت جميلة تنكمش على نفسها بخجل. سألها وهو بيرفع حاجبه:
"جميلة؟ بتعملي إيه في أوضتي؟"
جميلة كانت بتحاول تتلاشى النظر لهيئته اللي تخطف الأنفاس، ووشها بقى زي الطماطم وهي بتهته في الكلام:
"أنا.. أنا كنت.. كنت بناديك بس عشان الغدا جهز، وخبطت كتير ومردتش ."
هز راسه بهدوء وقالها بنبرة رخيمة:
"تمام.. هلبس وأنزل وراكي."
جميلة هزت راسها بسرعة وقررت تخرج عشان تهرب من الموقف ده، لسه هتمشي لقت أدهم بيقرب خطوات ناحيتها.. جميلة بدأت ترجع لورا بتوتر وارتباك، وكل ما هي ترجع خطوة، هو يقدم خطوة، لحد ما حست إن الهوا بيخلص من حواليها.
"في.. فيه إيه يا أدهم؟"
أدهم مردش، وفضل يقرب بجمود وبوجه جامد، لحد ما جميلة لقت ضهرها خبط في حاجة صلبة، وبقت محاصرة بينه وبين الدولاب. وفجأة، رفع إيده الاتنين وحاصرها بيهم، ونزل بمستواه لحد ما بقوا في نفس الطول. جميلة غمضت عينيها برعب وارتباك، ودموعها بدأت تلمع في عينيها من كتر الخجل والتوتر، وقلبها كان بيدق لدرجة إنها خافت يسمع دقاته.
حست بأنفاسه قريبة من وشها، فاستسلمت تماماً، لكنها فاقت على صوته الهادي وهو بيقول ببرود مستفز :
"جميلة.. عايز ألبس، أنا كدة هاخد برد من التكييف."
فتحت عينيها وبصتله ببلاهة وعدم استيعاب:
"ما.. ما تلبس!"
رد عليها ببساطة وهو بيشاور براسه على الحتة اللي هي واقفة فيها:
"ألبس إزاي وإنتي واقفة سادة قدام الدولاب؟"
جميلة لفت وشها وراها واتفاجئت إنها فعلاً واقفة سادة باب الدولاب تماماً. استوعبت في لحظة إنه كان بيقرب عشان يفتح الدولاب وياخد هدومه مش عشانها هي، فاتحركت بسرعة وهي بتستعيد أنفاسها المقطوعة وبتقول بإحراج لا يحسد عليه:
"آآه.. الدولاب! أنا.. أنا آسفة جداً، مخدتش بالي.. أنا هسبقك وأنزل استناك تحت."
لسه هتجري من جنبه، لقت إيده الدافية اتمدت ولمست خدها برقة غريبة، خلت جسمها كله يتنفض. ثبتت مكانها وهي حاسة بصباعه بيمشي على بشرة خدها بنعومة، وسمعته بيقول بصوت واطي فيه بحة حنينة:
"خدودك حمرا كدة ليه؟"
جميلة رفعت عينيها وبصت له.. وفي اللحظة دي، تلاقت عيونهم في نظرة طويلة. أدهم كان باصص لعيونها وكأنه بيدور على الحقيقة فيهم ، وجميلة كانت تايهة في سواد عينيه اللي كان فيه مزيج من الحنان والقسوة والغموض.. حست إنها بتغرق، وإن التمثيلية دي بدأت تسحبها لمكان ملوش رجوع.
مكانتش جميلة عارفة ترد بأي كلمة، لسانها كان عاجز تماماً قدام لمسة إيده ونظرته اللي كانت بتخترقها، لكن فجأة انقذها من الموقف ده دقات خفيفة على الباب اللي كان مفتوح أصلاً، ودخول يزن وهو بيجري بهدوم المدرسة وشنطته اللي لسه على ضهره.
يزن دخل وهو بينهج وفرحان:
"انتي هنا يا جميلة؟ ده أنا قلبت عليكي القصر كله وبدور عليكي في كل حتة!"
جميلة استغلت وجود يزن كأنه طوق نجاة اترمي لها من السما، بعدت عن أدهم بسرعة وهي بتحاول تلم شتات نفسها وتاخد نفسها اللي كان مكتوم، وراحت ناحية يزن وخدته في حضنها وقالت بلخبطة:
"يا روحي.. حمد لله على السلامة! كنت لسه بنادي أدهم عشان ننزل نتغدى كلنا سوا.. يلا بينا ننزل حالاً، وبالمرة تحكيلي عملت إيه في أول يوم مدرسة."
أدهم فضل واقف مكانه، ساند إيده على طرف الدولاب، وعينه مراقبة حركاتها المرتبكة وهروبها الواضح. ابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة غامضة مش باين هي حب ولا انتصار من تأثيره عليها، وهو بيبص لضهرها وهي واخدة يزن ونازلة بسرعة كأنها بتهرب من حريق.
__________________________________
وعلى الجانب الآخر، في المستشفى..
كان علي واقف قدام أوضة الكشف، مربع إيده وضخمته كانت لافتة أنظار كل اللي في الطرقات. كان باين عليه القلق رغم هدوءه المعتاد، وعينه مابتفارقش باب الأوضة لحد ما الدكتور خرج وهو بيقلع الجوانتي.
علي قرب منه بلهفة:
"ها يا دكتور.. طمني، الإصابة كبيرة؟"
الدكتور ابتسم بهدوء عشان يطمنه:
"لا مفيش داعي للقلق خالص. هي مجرد حاجة بسيطة، التواء بسيط في الكاحل نتيجة الوقعة. مفيش كسور ولا حتى شرخ، الحمد لله."
علي أخد نفس طويل وطلعه براحة:
"الحمد لله.. طيب محتاجة أي حاجة؟ جبيرة أو كدة؟"
الدكتور رد وهو بيكتب الروشتة:
"لا، هي محتاجة بس راحة تامة لمدة يومين، وكمادات مية ساقعة، والدهان ده مرتين في اليوم. وتقدر تمشي عليها عادي بس بحساب في الأول."
خبط على الباب بهدوء لحد ما سمع صوتها الرقيق بيأذن بالدخول. دخل الأوضة  لقاها قاعدة على السرير، وشها كان لسه مخطوف والدموع منشفة على خدودها. أول ما شافته داخل اتوترت وخفضت نظرها على الأرض.
علي بص لها بنبرة هادية:
"الحمد لله طلعت بسيطة.. التواء بسيط وهتخفي في يومين."
ياسمين هزت راسها بكسوف وبصت في الأرض:
"شكراً يا أستاذ.. أنا بجد أسفة إني تعبتك معايا."
علي استغرب رقتها وخجلها اللي مكنش متعود عليه في شغله، ورد بجدية:
"تعب إيه بس؟ أنا اللي خبطتك، وده واجبي. المهم دلوقتي، هقدر أوصلك فين؟ أهلك زمانهم قلقانين عليكي."
ياسمين ملامحها اتغيرت وظهرت عليها مسحة حزن، وقالت بصوت واطي:
"أنا ساكنة مع والدي في..."
علي حس بحاجة غريبة تجاهها، ميكس بين الشفقة والإعجاب ببراءتها، فقال بحزم:
"طيب يلا بينا.. العربية بره، وأنا هوصلك لحد باب البيت."
ياسمين حاولت تقوم، بس أول ما رجلت لمست الأرض اتأوهت. علي من غير تفكير قرب منها وسندها، والمرة دي هي ممانعتش، بالعكس، حست بأمان غريب وهي مسنودة على دراعه القوي.
في العربية، الصمت قطعته نبرة صوت علي الهادية وهو بيبص لياسمين بطرف عينه:
"بقولك إيه يا آنسة ياسمين.. أنا بصراحة واقع من الجوع، ولو تسمحي لي، نعدي ناكل في أي مطعم في طريقنا.. اعتبريها محاولة مني أكفر بيها عن غلطتي، وكمان الدكتور قال إنك محتاجة تغذية كويسة عشان الالتواء ده يخف بسرعة."
طبعاً علي كان بيتحجج وبيكدب، هو بس حس إنه مش عايز يوصلها بسرعة، وعايز يعرف أكتر عن البنت الرقيقة اللي دخلت حياته فجأة دي. ياسمين بصت له بتردد، فركت إيدها في بعض، وبعدين هزت راسها بموافقة مكسوفة.
علي فرح جداً إنها وافقت، وقال بابتسامة وسعة:
"تمام جداً.. تحبي تتغدي إيه؟ اختاري أي حاجة تحبيها."
ياسمين سكتت شوية بتفكر، وبعدين قالت بصوت واطي:
"كشري.. نفسي في كشري."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
علي استغرب جداً؛ كان متوقع تطلب بيتزا أو برجر أو حاجة شيك، لكن طلبها البسيط ده لمس قلبه. هز راسه بموافقة:
"تمام.. أحلى طبق كشري لأحلى آنسة ياسمين."
انطلق علي بالعربية لحد ما وصل لمطعم كشري مشهور، ورغم إنه مطعم كشري بس كان مكانه راقي جداً. علي نزل وساعد ياسمين تنزل، وسندها لحد ما دخلوا وقعدوا على ترابيزة هادية في ركن بعيد.
طلبوا الأكل، الجرسون جه وسألهم بابتسامة:
"تحبوا تطلبوا ديزيرت أو تشربوا حاجة بعد الأكل؟"
علي بص لياسمين ولقاها ساكتة ومنزلة راسها بخجل، فسألها بلطف:
"تحبي تحلي بإيه يا ياسمين؟"
ردت بخجل: "عادي.. أي حاجة."
علي فكر ثانية وقال: "إيه رأيك في سلطة فواكه؟ بتبقى خفيفة ومنعشة."
وافقت ياسمين بهزة راس، فعلي بص للجرسون وقال: "تمام.. هاتلنا اتنين سلطة فواكه."
أول ما الجرسون مشي، علي سحب كرسيه شوية وقرب بفضول:
"قوليلي بقى يا ياسمين.. إنتي عندك كام سنة؟"
ردت بصوت ناعم: "عشرين سنة."
علي رفع حواجبه بإعجاب: "اممم.. إنتي لسه صغيرة خالص، يا دوب في بداية حياتك."
ياسمين بصت له بفضول طفولي وسألته: "وإنت عندك كام سنة؟"
علي ضحك وقال لها بلهجة تحدي: "خمني كدة تفتكري عندي كام؟"
ياسمين بصت لملامحه شوية وقالت بتردد: "اممم.. أربعة وعشرين مثلا ؟"
هنا علي ضحك من قلبه، ضحكة صافية مخرجتش منه من زمان:
"ياااه! أنا شكلي صغير للدرجة دي؟"
ياسمين وشها احمر وقالت بكسوف: "أصل ملامحك.. يعني.. إنت أيوة شكلك ضخم، بس وشك مش باين عليه إنه كبير."
علي بصلها بابتسامة حنونة وقال: "أنا هتم التلاتين كمان شهرين بالظبط."
وكمل عشان يوضح لها سبب ضخامته: "والضخامة دي بحكم شغلي مش أكتر.. أنا بشتغل بادي جارد لواحد من أكبر رجال الأعمال في مصر، ومحتاج دايماً أكون في الفورمة دي."
ياسمين سكتت وهي بتبص له بذهول.. "بادي جارد؟" خافت شوية في الأول، بس رجعت بصت لعينيه اللي كانت مليانة طيبة مابتتفقش مع ضخامة جسمه. 
_______________________________
وعلى سفرة الغدا، كان الجو هادي بس مشحون بتفاصيل كتير. أدهم قاعد في كرسيه المعتاد في مقدمة السفرة بهيبته اللي بتفرض الصمت، وعلى يمينه جميلة اللي كانت بتاكل بحذر وتوتر، وعلى شماله يزن اللي كان بيلعب بالشوكه أكتر ما بياكل.
يزن فجأة ساب الشوكة وقال: "الحمد لله.. أنا شبعت."
ولسه هيقوم بس صوت أدهم الحاد وقفه مكانه: "يزن.. اقعد كمل طبقك."
يزن رد بسرعة وتذمر طفولي: "بس يا بابا أنا فعلاً شبعت مش قادر."
جميلة كانت متابعة الحوار ومبتسمة من جواها؛ الطريقة اللي أدهم بيتعامل بيها مع يزن مكنتش طريقة أخ، دي كانت طريقة أب بيحاول يربي ابنه بجدية وحب في نفس الوقت.
أدهم بصله بنظرة تهديد هادية: "قدامك خمس دقايق، لو مقعدتش وخلصت طبقك.. مفيش سفر يوم الجمعة، وهنلغي كل حاجة."
يزن سمع كلمة السفر من هنا، وقعد مكانه بسرعة البرق وبدأ ياكل بنشاط وهو بيقول: "خلاص خلاص.. هاكله كله أهو."
جميلة بصت لأدهم باستغراب وسألت: "سفرية إيه؟"
أدهم رد عليها بدون ما يرفع راسه: "إحنا متعودين آخر جمعة في كل شهر إننا نسافر يومين في أي حته نغير جو، كمكافأة ليزن على مجهوده في الدراسة، بس بيكونوا يومين بس عشان شغلي وعشان دراسته."
يزن اتدخل بحماس وعيونه بتلمع: "بس سفرية المرة دي هتكون أجمل سفرية في الدنيا، عشان جميلة هتكون معانا.. صح يا بابا؟"
أدهم سكت لثانية، رفع عينه بص لجميلة نظرة طويلة نش مفهومة خلت قلبها يدق، وبعدين هز راسه ورجع بص لطبقه وقال بكلمة واحدة: "صح."
يزن خلص أكله وقام وهو بيضحك: "أنا خلصت طبقي كله أهو.. هقوم أغسل إيدي وأحضر شنطتي من دلوقتي."
بمجرد ما يزن خرج من الغرفة، خيّم السكون على المكان. أدهم ساب الشوكة من إيده وبص لجميلة بجدية مرعبة، وبدأ يراقب رد فعلها بدقة وهو بيقول:
"إن شاء الله أول ما نرجع من السفرية دي، هنبدأ فوراً في إجراءات الورث بتاعك. بابا الله يرحمه كان كاتب وديعة كبيرة باسمي وباسمك، وحقك محفوظ من سنين.. ولازم تستلمي نصيبك بنفسك.
جميلة حست كأن حد دلق عليها مية ساقعة. الكلمة وقعت عليها زي الصدمة؛ ده معناه إن وقت اللعبة قرب يخلص، وإنها بمجرد ما تستلم الفلوس لازم تختفي زي ما إبراهيم خطط.. يعني هتسيب القصر، وهتسيب يزن، والأصعب إنهاةنش هتشوف أدهم تاني.
الحزن ظهر على ملامحها بوضوح، وردت بصوت واطي ومبحوح وهي بتبص في طبقها:
"أنا.. أنا مش عايزة حاجة يا أدهم.. مش عايزة فلوس ولا عايزة ورث."
أدهم هنا مقدرش يتحكم في نبرة صوته اللي عليت فجأة وهو بيقوم من مكانه بعصبية مكتومة:
"مش بمزاجك! ده حقك .. ومحدش بيتنازل عن حقه بالسهولة دي، جهزي نفسك عشان الموضوع ده يخلص."
سابها وقام من على السفرة بخطوات واسعة وسابها غرقانة في دوامة من الذنب والحزن.. هي خايفة من اليوم اللي هيعرف فيه إن أخته اللي بيحارب عشان يديها حقها، طلعت مجرد محتالة بتسرق مشاعره قبل فلوسه.
_____________________________
دخل إبراهيم بيته وهو شايل في قلبه سواد سنين، بيت كبير وفخم بس بارد، مفيهوش روح زيه بالظبط. أول ما دخل، الخادمة قربت منه بأدب:
"أجهزلك الغدا يا إبراهيم بيه؟"
رد عليها بكلمة واحدة قاطعة وهو بيمشي من غير ما يبصلها:
"لا."
طلع غرفته وقفل الباب وراه، الغرفة كانت ضلمة ومقبضة. راح ناحية الطاولة اللي في الركن، ومسك برواز قديم. صورة بتجمعه بأخوه محمود وأبوهم وهم شباب.
مسك البرواز بإيد بتترعش من الغل، وبدأ يمسح بإيده على صورة أخوه، وعينيه بتطلع شرار ونبرة صوته اتحولت لفحيح مرعب وهو بيكلم الصورة:
"طول عمرك أبوك بيفضلك عني.. محمود الكبير، محمود الذكي، محمود اللي يورث الإمبراطورية.. وأنا؟ أنا كنت دايماً الهامش، اللي بياخد الفتفات اللي بتفيض منك."
ضغط على البرواز بقوة لحد ما ضوافره علمت في الخشب، وكمل بضحكة مكتومة وسادية:
"لحد ما خلصت منك.. قتلتك وريحت نفسي من نظرة الفخر اللي كانت في عين أبوك ليك. ومكتفتش بكده، رميت عيالك في دار أيتام عشان يدوقوا الذل اللي شفته طول عمري وأنا عايش في ضلك.. كان نفسي يتوهوا ويموتوا من الجوع."
رمى البرواز على السرير بغل وقعد ينهج:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"بس ابنك طلع سويسي بجد، وقدر يبني نفسه ويرجع ياخد اللي كان بتاعك.. لكن المرة دي مش هسيبه. الوديعة دي بتاعتي أنا، وتمن السنين اللي ضاعت من عمري وأنا تحت رجلك. وجميلة هي السكينة اللي هدبحكم بيها كلكم، وبعدها هقفل صفحة عيلة محمود السويسي للأبد."
بص للمراية وابتسم ابتسامة صفرا، وهو بيفكر إن خلاص، الحلم اللي خطط له من عشرين سنة بقاله خطوة واحدة ويتحقق، ومش فارق معاه مين هيدوس عليه في طريقه، حتى لو كانت بنت أخوه الحقيقية أو اللي بتمثل .
_______________________________
ياسمين شاورت بإيدها وقالت بتوتر: "أيوة.. بس هنا."
علي وقف العربية وبص لها باستغراب: "هتنزلي هنا؟ أعتقد بيتك لسه بعيد."
ياسمين ردت بسرعة: "أيوة، أنا هتمشى شوية لآخر الحارة.. بس معلش، مينفعش توصلني لجوه، الناس هنا مش بتسكت وكلامهم كتير، مش عايزة مشاكل."
علي عقد حواجبه بضيق: "وايه المشكلة؟ أنا خبطتك وبوصلك لبيتك، ده حقك وده واجبي."
ياسمين بصت له بنظرة رجاء: "أرجوك.. أنا عارفة طريقة تفكيرهم، لو سمحت سيبني على راحتي."
علي استسلم لرغبتها لما شاف الخوف في عينيها، وقال بنبرة حنينة: "طيب، بس على الأقل هفضل ماشي وراكي بالعربية براحه لحد ما أتطمن إنك دخلتي البيت.. ولو سمحتي، امشي براحة عشان رجلك متتعبكيش أكتر."
هزت راسها بابتسامة رقيقة خلت قلبه يدق: "حاضر.. شكراً يا أستاذ علي."
علي تاه في عينيها اللي شداه بطريقة غريبة وقال بصوت واطي: "أنا معملتش حاجة، أي حد مكاني كان هيعمل نفس اللي عملته."
ياسمين ضحكت ضحكة خفيفة وقالت: "لا طبعاً، مش أي حد كان هيروح يغديني كشري في مطعم شيك زي ده."
علي مسح على شعره بارتباك من المشاعر الجديدة اللي مسيطرة عليه، وقال: "أنا اللي عايز أشكرك إنك وافقتي تتغدي معايا، وقضيت معاكي أجمل وقت عدي عليا من سنين."
ياسمين وشها قلب أحمر وابتسمت بخجل وقالت: "أنا لازم أنزل بقى.. سلام."
علي رد بحزن مداري لإنها خلاص هتسيبه: "سلام.. خدي بالك من نفسك."
ردت برقة: "حاضر."
ياسمين فتحت باب العربية ونزلت وهي بتعرج بسيط، وعلي وفى بوعده ومشي وراها بالعربية خطوة بخطوة لحد ما وصلت لعتبة بيتها. قبل ما تدخل، لفت وشها وبصت له وابتسمت بخجل وهزت راسها بوداع، وبعدين اختفت ورا الباب.
علي فضل واقف بالعربية مكانه لثواني، اتنهد تنهيدة طويلة كلها حيرة، ودور العربية ومشي وهو بيكلم نفسه بسخرية: "جرى إيه يا عم علي؟ إنت وقعت ولا إيه؟"
وفجأة ضرب بإيده على الدركسيون بغضب وندم وقال بصوت عالي: "غبي! يا غبي.. ليه مطلبتش رقمها؟ كنت اطلبه حتى بحجة إنك عايز تطمن على رجلها.. ضاعت منك يا فلحوس!"
_________________________________
طلعت ياسمين السلالم بصعوبة، كل درجة كانت بتحس فيها بنغزة في رجلها، لحد ما وصلت لشقتها اللي من حسن حظها كانت في الدور الأول. فتحت الباب بالراحة، لقت الشقة هادية وضلمة، اتنفست براحة وهي بتقول في سرها: "الحمد لله.. باين عليه مش هنا".
دخلت أوضتها، غيرت هدومها ورمت نفسها على السرير بتعب، بس عقلها مكنش تعبان خالص.. كان بيعرض أحداث اليوم بالعرض البطيء. كل ما صورة علي وهيبته وضخامته وتفاصيل نظراته تيجي في بالها، تلاقي ضحكة مرسومة على وشها بشكل لا إرادي.
طلعت موبايلها، ووصلت السماعات، وشغلت أغنية نانسي عجرم "شيخ الشباب" وقعدت تدندن معاها وهي مغمضة عينيها وبتتخيل ملامح علي:
"شو واثق بحاله شو قلبه قوي 
وقلبي من جماله دايب مستوي
"كانت قصة اعجاب صارت حب وعذاب
تارى شيخ الشباب حبه بيكوى كوى
اتنهدت وهي بتسترجع نبرة صوته اللي على رغم خشونتها ،إلا إنها حنينه 
"كأنه بيعرفنى وحس بقلبى شو عندى حنين
وأنا اسأل حالى شو خصه؟
 عم يسألنى بصفته مين؟
مفكرته مجنون ماتوقعته يكون
حبيبى ونصى التانى اللى راح حبه بجنون
كانت غرقانة في كلمات الأغنية ومشاعرها الجديدة اللي بدأت تتولد، وفجأة.. حست بإيد تقيلة بتمسح على ظهرها بحركة غريبة. اتفزعت ياسمين ونفضت السماعات من ودانها ولفّت بسرعة.. قلبها كان هيقف من الرعب لما لقت منصور أبوها واقف وراها.
منصور كان في حالة يرثى لها، هدومه مبهدلة وعينيه حمرا وريحة الخمرة فايحة منه وبتملا الأوضة، كان باصص لها بنظرة غريبة مش نظرة أب لبنته أبداً، نظرة كلها غدر وشر.
ياسمين رجعت لورا وهي بتترعش من الخوف:
"فيه.. فيه حاجة يا بابا؟ إيه اللي دخلك كدة؟"
منصور بضحكة سكرانة وهو بيقرب منها أكتر، ومد إيده حطها على كتفها وضغط عليه بقوة:
"تعالي هنا.. إنتي كبرتي وبقيتي زي القشطة يا بت يا ياسمين.. إنتي كنز وأنا كنت غافل عنه."
ياسمين صرخت بفزع وهي بتحاول تبعد إيده عنها:
"بابا! إنت بتعمل إيييييه؟ إبعد عني ...
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ياسمين حاولت تبعده بكل قوتها رغم بنيتها الضعيفة، بس منصور كان زي الوحش ومسيطر على حركتها. عينيها كانت بتدور في الأوضة يمين وشمال وهي بتنهج من الرعب، لحد ما لفت إنتبها أباجورة تقيلة كانت محطوطة على الكومودينو جنب سريرها.
مدت إيدها بوجع وحاولت توصل لها بصعوبة، وأول ما صوابعها لمستها، مسكتها بكل قوتها ومحستش بنفسها غير وهي بتلف وبترزعها على دماغه بكل غل وخوف سنين.
ياسمين اتصنمت مكانها و أنفاسها محبوسة في صدرها.. شافت منصور وهو بيقع على الأرض زي الشوال، والدم بدأ يسيل من دماغه بغزارة ويغرق السجادة. ياسمين حطت إيديها على بوقها وعينيها بتدمع برعب وهي شايفة منصور ساكن تماماً كأنه جثة هامدة.
"أأ.. أعمل إيه؟ يلهوي أنا قتلته! يلهوي يلهوي.. أنا ضعت!"
كانت بتترعش زي الورقة في مهب الريح، بصت حواليها بجنون، وفتحت دولابها وبسرعة البرق جابت شنطة هدوم، لمّت فيها اللي طالته إيدها، ولبست طقم بسرعة وهي مش قادرة ترفع عينها في اللي مرمي على الأرض. شالت الشنطة والموبايل وجريت بأقصى سرعة عندها، خرجت من الشقة وقفلت الباب وراها ومبصتش وراها ولا لثانية واحدة.
نزلت الشارع، كانت الدنيا بدأت تضلم والجو يبرد. وقفت توكتوك وقالتله بصوت بيرتعش وخافت يادوب مسموع:
"طلعني على الطريق الرئيسي لو سمحت.. بسرعة"
وهي في التوكتوك، فتحت البوك بتاعها عشان تشوف معاها كام، واتصدمت لما لقته فاضي.. يادوب بعض الفكة اللي تحاسب بيهم السواق. نزلت على الطريق الرئيسي، والناس رايحة جاية، وهي حاسة إنها عريانة وسطهم، الكل بيبص لشنطتها ووشها المخطوف.
قعدت على الرصيف في ركن ضلمة، وحاوطت جسمها بإيديها وهي بتترعش من الرعب والبرد، والليل بدأ يليل بجد وسواد الدنيا كله بقا في عينيها.
"هروح فين؟ ومعيش مليم.. والشرطة زمانها هتدور عليا.. يا رب مليش غيرك."
في اللحظة دي، موبايلها اللي في إيدها نور.. شاشة الموبايل كانت بتعلن عن مكالمة من رقم مش مسجل. ياسمين بصت للموبايل بتردد، كانت خايفة يكون حد عرف باللي حصل.. وقلبها دق بسرعة من الرعب.
عند علي ...
كان علي سايق وعقله لسه مع اللي سحرت قلبه، وفجأة وهو بيبص جنبه، لمح حاجة سودة واقعة عند الدواسة.. داس فرامل وبص لقاها شنطة إيد ياسمين.
وقف العربية، مسك الشنطة وبص لها بابتسامة:
"طيب والله جت من عند ربنا عشان أشوفك تاني"
قرر يرجع لها فوراً. بعد دقايق كان واصل الحارة، ركن ونزل قصاد البيت اللي نزلت عنده وسأل ست قاعدة قدام بيتها، دلته وقالتله إنها ساكنة في الدور الأول. طلع علي السلم، ووقف قدام الباب وخبط مرة واتنين وتلاتة.. بس مفيش أي رد، والسكوت اللي جوه كان غريب ومقلق.
وهو لسه واقف مستغرب، ست تانية من سكان البيت كانت نازلة على السلم، بصت له بفضول وحشرية وهي بتفحص بدلته وجسمه الضخم:
"عايز حاجة يا بيه؟ بتخبط على مين؟"
علي رد بجدية وهيبة:
"لو سمحتي، مش الآنسة ياسمين ساكنة هنا؟"
الست لوت بوزها وقالت: "آه يا بيه ساكنة مع أبوها منصور، خبط تلاقيهم جوه، أصل منصور ده نومه تقيل وشربه كتير."
علي رد بضيق: "أنا بقالي خمس دقايق بخبط ومحدش بيرد."
الست استغربت وقالت: "يمكن خرجوا يا بيه، مع إن ياسمين لسه داخلة مفيش ساعة."
علي سكت شوية بيفكر، كان ممكن يسيب الشنطة مع الست دي، بس عقله قاله إن دي فرصته الذهبية عشان ياخد رقمها ويكلمها ويقابلها مره تانية.
بص للست وقال بهدوء: "طيب حضرتك معاكي رقمها؟ أنا زميلها في الشغل ومحتاجها في حاجة ضروري وتليفونها مقفول."
الست مكدبتش خبر، طلعت موبايلها الزراير من جيب جلابيتها، وقلبت فيه شوية وهي بتبرق، وبعدين ملته الرقم. علي سجله فوراً وشكرها ونزل بخطوات سريعة.
أول ما ركب العربية، اتنهد براحة وبص للموبايل: "جبتك يا ياسمين.. المرة دي مش هتهربي مني."
دور العربية اتصل علي بالرقم وهو قلبه بيدق بسرعة، وفي الناحية التانية كانت ياسمين قاعدة على الرصيف، منكمشة على نفسها وسط ضلمة الليل، والموبايل في إيدها بيرن برقم غريب. مسحت دموعها بإيد بتترعش وقررت ترد بصوت مبحوح:
"ألو.. مين؟"
علي أول ما سمع صوتها ابتسم بفرحة وراحة مكنش عارف سببها:
"ألو.. أيوة يا ياسمين، أنا علي.. اللي خبطك، فاكراني؟"
ياسمين رددت الاسم بصدمة وعدم تصديق، كأن صوته ده كان طوق نجاة اترمي لها وهي بتغرق:
"أستاذ علي؟"
علي كمل بابتسامة لسه سايق:
"أيوة يا ستي.. معلش بكلمك في وقت متأخر بس لقيت شنطتك واقعة في العربية، فرجعت الحارة عشان أديهالك وخبطت على الباب كتير بس مفيش حد رد، فجبت رقمك من جارة ليكم وقُلت أكلمك أطمن عليكي وعلى رجلك."
ياسمين أول ما سمعت سيرة البيت، جسمها كله اتنفض وافتكرت منظر أبوها والدم اللي مغرق الدنيا، والشهقات بدأت تطلع منها غصب عنها:
"أنا.. أنا مش في البيت يا أستاذ علي.. أنا مش هناك."
علي نبرة صوته اتغيرت تماماً للقلق، ووقف العربية على جنب:
"مش في البيت؟ أمال إنتي فين؟ وصوتك ماله يا ياسمين؟ إنتي بتعيطي؟"
ياسمين بصت حواليها في الشارع، الدنيا كانت بتضلم أكتر والناس بدأت تقل، ومسحت دموعها وهي بتاخد قرار مصيري.. هي معندهاش حد، ومنصور لو مات هتبقى قاتلة، ولو صحي هيقتلها هو.. ملقيتش قدامها غير اللي لسه مقابلاه من كام ساعة بس حست معاه بأمان غريب:
"أنا في الشارع.. أنا قاعدة على الرصيف في الطريق الرئيسي.. ممكن.. ممكن يا أستاذ علي تجيلي؟ أنا محتاجة مساعدة أرجوك."
علي مكنش محتاج يسمع كلمة تانية، دور العربية بأقصى سرعة وقال بصوت حازم يطمن:
"خمس دقايق بكتيره وهكون عندك.. متتحركيش من مكانك، أنا معاكي."
قفل علي السكة وهو بيدوس بنزين بجنون، وياسمين فضلت ماسكة الموبايل وضامّاه لصدرها وهي بتدعي إنه يجي بسرعة. 
_________________________________
أدهم كان واقف ورا العربية، بيقفل الشنطة الكبيرة بعد ما رص فيها شنط السفر كلها. يزن كان بيتنطط جنبه بحماس: "يلا يا بابا.. يلا يا جميلة"
أدهم لف وبصله بابتسامة هادية: "اركب يا بطل، الطريق طويل."
ركب يزن وراه، وجميلة كانت لسه هتركب جنبه، بس أدهم بصلها بنظرة فيها غيرة مش مفهومة وقال بحزم: "جميلة.. تعالي اقعدي قدام."
جميلة استغربت وبصت ليزن: "ليه؟ أنا عايزة أقعد مع يزن ورا عشان نلعب سوا."
أدهم رفع حاجبه وهو بيفتح الباب: "بس أنا مش السواق بتاعكم عشان تسيبوني لوحدي قدام.. اركبي يا جميلة لو سمحتي."
جميلة اتنهدت باستسلام، وركبت قدام جنب أدهم. دور العربية وخرج من بوابة القصر، والهدوء بدأ يسيطر على الطريق السريع.
بعد حوالي ساعة، يزن غلبه النوم ورا وهو حاضن مخدته الصغيرة. جميلة بصت ورا اطمنت عليه، وبعدين رجعت بصت للطريق وقالت بصوت واطي وناعم:
"هو الطريق هياخد قد إيه يا أدهم؟"
أدهم رد وهو عينه على الأسفلت: "يعني ساعتين وكسر.. يزن نام والجو بقى هادي أوي."
جميلة سندت راسها على الشباك: "فعلاً.. السكون ده مريح للأعصاب."
أدهم بصلها بطرف عينه، ولأول مرة ملامحه تلين وتفك من الجمود اللي هو فيه:
"طيب تحبي أشغلك أغنية؟"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
جميلة ابتسمت بصفاء وقالت: "ماشي.. يا ريت."
أدهم فتح موبايله ووصله بوصلة الكاست، وقلب في الأغاني شوية وهو بيدور على حاجة تليق بالمود، لحد ما اختار أغنية هادية بدأت تملأ العربية بصوت شجي. جميلة بصت من الشباك الطريق اللي بدأ يبقى هادي، وأنوار العربيات التانية بتعدي زي الخيالات، ونسمات الهوا الباردة بتدخل من فتحة الشباك الصغيرة وتطير خصلات شعرها بنعومة على وشها.
غمضت عينيها باستمتاع وهي بتسمع الكلمات، وحست إنها لأول مرة من ساعة ما دخلت القصر حاسة بسلام داخلي، وكأن صوت الأغنية والليل بيغسلوها من توتر اللعبة اللي هي فيها.
"ولا أي كلمة حب اتقالت في يوم ما بين اتنين
تسوى حلاوة كلمة منك قولتهالي
عيد قولت إيه كده تاني وتالت، أنا قلبي كله حنين
ولا يطفي ناره حبيبي غير لو عدتهالي
عارف بتعمل فيا إيه كلمة حبيبي؟
زي اللي أول مرة بيحس بأمان
خليك معايا
خليك معايا يا حبيبي مهما كان
خليك معايا
يا حلم عمري اللي في خيالي من زمان
أدهم فضل باصص لجميلة وهي نايمة، وملامحها الهادية بتتحرك مع نور أعمدة الإنارة اللي بيخطف وشها، وقلبه بيدق بعنف. "يا ترى هتكملي في تمثيلك لحد امتى يا جميلة؟" سأل نفسه السؤال ده وهو بيفتكر اللحظة اللي اكتشف فيها حقيقتها.
"فلاش باك"
أدهم كان قاعد في مكتبه، لابس نضارته ومنهمك في الورق، ملامحه كانت حادة وصارمة كالعادة. علي دخل عليه بخطوات سريعة وقال بهدوء:
"فيه أخبار جديدة يا أدهم بيه تخص عم حضرتك."
أدهم قلع نضارته ببطء، وحط راسه بين إيديه  بإرهاق .. هو عارف بكرهه وحقده عليه من وقت ما رجع،وعشان كده دايما بيراقبه عشان يفهم دماغه فيها ايه ناحيته قال وهو بيغمض عينه:
"قول يا علي.. سامعك."
علي اتكلم بجدية وعملية:
"إبراهيم بيه مؤخراً بيقابل بنت بشكل متكرر، بقاله أسبوعين. البنت دي اتعرف عليها في خناقة في الشارع، كانت سرقت محفظة من راجل وكان مصمم يحبسها، وإبراهيم بيه اتدخل ودفع لها الفلوس، ومن يومها وهو بيقابلها."
أدهم عقد حواجبه باستغراب:
"طيب.. متعرفش بيقولوا إيه؟ وايه اللي يخلي عمي يهتم بوحدة من الشارع؟"
علي هز راسه بنفي:
"للأسف مقدرناش نعرف الحوار بالظبط، لكن قدرنا ناخد صور ليهم خلال مقابلاتهم، ولما راقبنا البنت عرفنا إن اسمها جميلة أهلها ماتوا وهي في ثانوي، واتطردت من شقتها، ومن ساعتها وهي في الشارع بتسرق. واللي عرفناه كمان إن إبراهيم من أسبوع أجرلها شقة في حارة شعبية وهي نقلت تعيش فيها.. هبعتلك الصور اللي خدناها ليهم."
أدهم مسك موبايله، فتح أول صورة، كانت لعمه إبراهيم وهو بيتكلم مع بنت بظهرها، ملامحها مش باينة. قلب للصورة التانية، وفجأة سكت.. ملامحها ظهرت بوضوح. قلبه دق دقة غريبة مكنش فاهمها لما شاف عيونها اللي شبه عيون الغزلان وبراءتها اللي متتوصفش. بلع ريقه وهو بيعمل زوم على ملامحها، واستغرب نفسه؛ هو مش من النوع اللي بيعجب بحد من أول نظرة، ولا بيؤمن بالكلام ده أصلاً.
عدى أسبوع، وأدهم كل يوم يفتح صورتها ويتأملها بابتسامة غصب عنه، لحد ما جه اليوم اللي علي بلغه فيه إنهم وصلوا لأخته. في البداية أدهم كان فرحان، لكن لما علي قاله العنوان، الصدمة كانت كبيرة؛ دي نفس الحارة ونفس الشقة اللي إبراهيم أجرها للبنت اللي كان بيقابلها!
ساعتها أدهم فهم اللعبة كلها، وفهم إن عمه باعت له جميلة عشان تنصب عليه وتاخد ورث ياسمين. واتفق مع علي وقرر يروح الحارة ويكمل اللعبة لكن بطريقته.
أول لما عينه جت في عنيها أول مرة وشاف ملامحها اللي بسببها سهران بقالو أسبوع. مكنش عايز يقتلها ولا يواجهها بكذبها.. كان نفسه ياخدها في حضنه ويخبيها عن الدنيا كلها.لكنه سيطر على المشاعر الغريبة اللي سيطرت عليه بصعوبة بالغه.
لما راحت معاه على القصر، كان بيمثل الجمود بس من جواه كان فرحان إنها قدام عينه، ولما جه يودعها عند أوضتها أول ليلة، مشاعره خانته ومقدرش ميغلفش وداعه بقرب يطفي ناره.
أول ما دخل جناحه ليلتها، فضل يلوم نفسه بعنف: "إنت بتعمل إيه يا أدهم؟ دي نصابة.. دي جاية تسرقك وتسرق حق أختك الحقيقية بمساعدة عمك! فوق لنفسك!" ومن اللحظة دي قرر يلبس قناع القسوة ويوريها الويل عشان يدفعها تمن كدبها، بس كل ما بيشوف عيونها، القناع ده بيبدأ يتشقق.
(أيوة طبعا كلنا شاهدين إنك كنت قاسي خالص🙈)
"رجوع من الفلاش باك"
أدهم فاق من ذكرياته على صوت نفس جميلة الهادي وهي غرقانة في النوم. مد إيده ببطء شديد ولمس خصلة من شعرها كانت نازلة على وشها ورجعها ورا ودنها.
اتنهد تنهيدة قوية وشدد قبضته على الدركسيون، وبص للطريق وهمس بصوت واطي وموجوع:
"ليا عندك حق يا جميلة..ذنبك إنك دخلتي عرين الأسد وانتي متعرفيش إني كاشف كدبك من أول يوم."
_______________________________
هدّي سرعة العربية وهو عينيه بتدور في كل ركن على الطريق، لحد ما لمحها.. كانت قاعدة على الرصيف، منكمشة على نفسها وضامة شنطتها لصدرها، وجسمها كله بيترعش من البرد والرعب.
نزل علي من العربية بسرعة وجري عليها، وبصوت مليان قلق همس باسمها:
"ياسمين"
رفعت عينيها اللي كانت غرقانة دموع، وأول ما شافته، شهقت شهقة مكتومة وكأن روحها ردت فيها. علي لاحظ ارتعاشة جسمها، ومن غير تردد قلع الجاكيت بتاعه وحاوطه على كتافها، وهز راسه ليها باطمئنان وهو بيمسك إيدها يطمنها، وقومها براحه، وشال شنطتها وركبوا لعربية.
مشي بالعربية لدقايق، وبعدين وقف في مكان هادي بعيد عن زحمة العربيات والدوشة. ساد السكوت جوه العربية، وعلي محبش يضغط عليها، فضل مستنيها لحد ما هي اللي تتكلم. وأخيراً، ياسمين نطقت بصوت مخنوق ومتقطع:
"أنا.. أنا قتلت أبويا."
علي فتح عينيه بصدمة وجمّدت الكلمات في حلقه، مكنش متوقع إن الموضوع يوصل لكدة.
ياسمين حاوطت جسمها بدراعاتها بخوف وهي بتهمس بكلمات مش مترابطة، بس المعنى وصل لعلي بكل قسوته:
"هو.. هو حاول يلمسني.. هو علطول بيبص لي بطريقة وحشة.. أنا بخاف منه أوي."
ياسمين مقدرتش تتحكم في نفسها أكتر، وانفجرت في بكاء مرير وصوت شهقاتها كان بيقطع القلب. علي سحب مناديل من العربية وداها لها، وتردد للحظة وهو شايفها بالحالة دي، بس مد إيده وطبطب على كتافها من فوق الجاكيت وهو بيقول بحنان:
"ممكن تهدي؟ اهدي عشان نقدر نتصرف.. أنا معاكي."
بدأت ياسمين تهدا شوية، وعلي بصلها بجدية:
"احكي لي إيه اللي حصل بالظبط؟"
ياسمين هزت راسها وبدأت تحكي له كل حاجة، من أول نظراته المقرفة ليها طول عمرها لحد اللي حصل النهاردة واللحظة اللي خبطته فيها بالفازة وهربت. 
علي اتكى على فكه بغضب وعروق إيده ظهرت وقال بصوت غليظ:
"إزاي فيه أب كدة؟ ده مستحيل يكون بني آدم، ولا مستحيل يبقى أبوكي!"
ياسمين ردت ببكاء وشهقات تقطع القلب:
"أنا مليش حد.. وبعد اللي حصل ده خسرت الشخص الوحيد اللي كان ليا في الدنيا.. أنا ضعت خلاص."
علي رد عليها بغضب حقيقي بس مش منها، غضب على اللي حصل لها:
"ده ميتزعلش عليه، واللي عملتيه كان دفاع عن النفس.. إنتي معملتيش حاجة غلط."
ياسمين بصت له بلهفة وخوف:
"يعني.. يعني أنا ممكن متسجنش؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"
علي اتنهد وقال : محتاج أعرف الأول هو مات ولا لسه عايش، ود بطريقته الخاصة، بس المهم دلوقتي إنها ما ينفعش ترجع البيت خالص. 
ياسمين سألت بحيرة ودموعها لسه نازلة:
"أمال أروح فين؟ أنا مليش حد أروح له."
علي سكت لثواني بيفكر في العواقب، وبعدين أخد قرار حاسم وقال:
"إنتي هتيجي تعيشي معايا في البيت."
ياسمين برقت من الصدمة والذهول، وبلعت ريقها وهي بتبصله من فوق لتحت بغضب لطيف .
على كمل كلامه بسرعة لما لاحظ ردفعلها:
"أنا مش عايش لوحدي.. خالتي مقيمة معايا في بيتي..  ، وأنا أغلب وقتي بكون في الشغل وساعات ببات بره.. يعني هتكوني في أمان، ومحدش هيعرف طريقك هنا."
ياسمين فضلت ساكتة وبتبص له بذهول، وبعد محاولات منه لإقناعها، وافقت بضعف لأنها فعلاً معندهاش بديل. دور العربية واتحرك بيها لبيته. 
بعد ساعه 
علي ركن العربية قدام عمارة في حي راقي وهادي، وبص لياسمين اللي كانت بتفرك إيديها بتوتر وقلق واضح على وشها، وقال بابتسامة هادية:
"وصلنا يا ياسمين..."
ياسمين بصت له وهي بتهته بضعف:
"هو.. هو أنا ممكن أطلب منك طلب؟"
علي رد بسرعة: "أكيد، اطلبي اللي إنتي عايزاه."
ياسمين عضت طرف شفتها اللي تحت بتوتر وقالت: "هو إنت ممكن تسّمعني صوت خالتك قبل ما نطلع فوق؟"
علي سكت لثواني بذهول، وبعدين انفجر في الضحك، وياسمين انكمشت في نفسها ومالت برقبتها بكسوف. علي هز راسه بابتسامة وهو مستعجب طيبتها وفطرتها، رغم كل اللي مرت بيه لسه عايزة تتأكد إنه مش بيضحك عليها وإنه فعلاً عايش مع خالته.
"حاضر يا ستي، هتصل بيها قدامك عشان تتأكدي إنها موجودة ومش بضحك عليكي."
علي طلع موبايله واتصل بخالته، ولحظات وجاله الرد بصوت ست واضحة ملامح طيبتها وحنيتها من نبرة صوتها:
"أيوة يا علي يا حبيبي، اتأخرت كدة ليه يا ضنايا؟ أنا مش عارفة أنام غير لما تيجي وأحطلك لقمة تأكلها."
علي كان بيراقب رد فعل ياسمين اللي ملامحها ارتخت تماماً وحست بارتياح كبير، ورد على خالته:
"حاضر يا خالتو، أنا جاي في الطريق بس متصل أعرفك إني معايا ضيوف."
خالته ردت بترحيب: "ماشي يا حبيبي، ضيوفك ينوروا ويشرفوا."
قفل علي الموبايل وبص لياسمين: "تمام كدة؟"
ياسمين هزت راسها بخجل وقالت بصوت رقيق: "تمام."
نزلوا من العربية، وياسمين كانت بتتلفت حواليها بتوجس، أول ما دخلوا البوابة البواب شافهم وقال بابتسامة:
"حمد الله على السلامة يا علي بيه..
ولما لاحظ وجود ياسمين قال بنبرة فضولية : "مين دي يا بيه، دي خطيبتك ولا ايه."؟"
علي بص لياسمين اللي اتصدمت ووشها بقى زي الطماطم، ورد بحدة مدارية:
"وحد الله يا عم محمد.. ودخلني العمارة انت مش هتبطل الفضول اللي فيك ده."
دخلوا الأسانسير، وياسمين سألت بتردد: " فكرت هتقول لخالتك أنا مين؟"
علي سكت شوية بيفكر، وبعدين قال: "أنا هقولها الحقيقة بس مش كلها.. هقولها إني خبطتك بالعربية ووديتك المستشفى وعرفت إنك عايشة لوحدك وملكيش حد، والدكتور قال إنك محتاجة راحة تامة وحد يهتم برجلك وعلاجك، فجبتك هنا عشان تكوني تحت عيني وهي تاخد بالها منك لحد ما نشوف هنعمل إيه."
ياسمين وافقت بهدوء، وخرجوا من الأسانسير وعلي فتح باب الشقة ودخل وهو شايل شنطة الهدوم اللي جابها لها.
وفجأة ظهرت ست في بداية الخمسينات، ملامحها بتفيض طيبة، جريت على علي وحضنته:
"حمد الله على سلامتك يا قلب خالتك، كل ده تأخير يا علي؟"
علي باس إيدها وقال: "معلش يا خالتي، حصلت ظروف."
خالته "منى" بصت للشنطة اللي في إيده باستغراب: "ظروف إيه؟ وإيه الشنطة دي؟ وإنت مش قولت جاي ضيوف، هما فين؟"
وفجأة عينيها جت على ياسمين اللي كانت واقفة عند الباب في منتهى الخجل والارتباك. منى سكتت وبصت لعلي باستغراب وسألت:
"مين دي يا علي؟"
بص علي لياسمين اللي كانت واقفة عند الباب وشها أحمر من الخجل، ورجع بص لخالته واللي اسمها منى وقال بنبرة هادية عشان يمهد للموضوع:
"دي الآنسة ياسمين يا خالتي، هي دي الضيفة اللي قولتلك عليها..."
منى سابت علي وقربت من ياسمين، وبصت لملامحها الرقيقة بإعجاب وطيبة وقالت:
"يا عيني يا بنتي، إنتي شكلك تعبانة أوي ليه كدة؟ تعالي يا حبيبتي ادخلي."
ياسمين دخلت بخطوات بطيئة وهي بتعرج، ومنى لاحظت فوراً وقالت بلهفة:
"يا خبر! رجلك مالها يا بنتي؟ إيه اللي حصل؟"
علي اتدخل بسرعة وقال بالسيناريو اللي اتفقوا عليه:
"ما هو ده اللي أخرني يا خالتي.. وأنا سايق خبطتها بالعربية غصب عني، وديتها المستشفى والدكتور طمني إنها كدمات شديدة بس لازم راحة تامة ومتمشيش عليها كتير. ولما عرفت إنها عايشة لوحدها وملهاش حد يراعيها في ظروفها دي، مقدرتش أسيبها، وجبتها هنا عشان تكون تحت رعاية إيدك الحنينة يا ست الكل لحد ما تخف."
منى لوت بوزها بحزن وقالت:
"يا حبيبتي يا بنتي! ملهاش حد؟ ولا يهمك يا علي، اعتبرني أمها من النهاردة. تعالي يا ياسمين يا حبيبتي ارتاحي على الكنبة دي عقبال ما أحضرلك لقمة ترم عضمك."
ياسمين بصت لعلي بنظرة شكر، وعلي غمز لها بعينه كأنه بيطمنها إن الخطة ماشية تمام.
 علي حط الشنطة في الأوضة وخرج وقال:
"أنا هسيبكم بقى تتعرفوا على بعض، وهدخل أغير هدومي وأعمل كذا تليفون بخصوص الشغل.. خدي بالك منها يا خالتي."
ياسمين قعدت وهي حاسة لأول مرة من سنين بدفء البيت والعيله ،إحساس اتحرمت منه طول عمرها، بس قلبها لسه مقبوض من فكرة منصور اللي سابته غرقان في دمه، يا تري عايش ولا مات ...؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
فتحت جميلة عينيها ببطء على صوت مواء لقطة. قامت فجأة بخوف وهي بتدور بعنيها عن مصدر الصوت، قلبها كان بيدق بسرعة لأنها مش متعودة على أجواء الشاليه لسه.
قامت من السرير ولبست الروب فوق فستان النوم اللي كانت لابساه، وخرجت من أوضتها وهي ماسكة عصاية خشبية كانت مركونة في الركن، بتدور بحذر وخوف وتهمس:
"بسبس.. فيه قطة هنا؟ يلهوي، هو أدهم مقفلش باب الشاليه امبارح ولا إيه؟"
فضلت تدور لحد ما ملقتش حاجة، رمت العصاية بتنهيدة ارتياح وسندت بضهرها على باب خشبي لغرفة كانت مقفولة. بصت قدامها بذهول وانبهار؛ لأول مرة تشوف منظر البحر مباشرة .. امبارح وصلوا الشاليه بالليل والدنيا كانت ضلمة، لكن دلوقتي الشمس كانت بتعكس نورها على المية الزرقاء في مشهد يسحر.
شمت ريحة الهوا المحمل باليود بابتسامة وهي مغمضة عينيها، وفجأة، محستش بنفسها غير وهي بتقع لورا لما الباب اللي كانت ساندة عليه اتفتح فجأة!
قبل ما تلمس الأرض، كانت فيه إيد صلبة وقوية محاوطاها من خصرها ومنعاها من الوقوع. رفعت عينيها بخوف ولقت نفسها شبه محبوسة في حضنه.. كان أدهم.
هيئته كانت مختلفة تماماً عن اللي بتشوفه كل يوم بالبدلة الرسمية. كان لسه صاحي من النوم، شعره الفحمي الناعم متمرد ونازل على جبهته بطريقة جذابة جداً، ولابس فنلة سودا كت كانت بارزة جسمه الرياضي وقوته.
جميلة تاهت في ملامحه القريبة منها أوي دي، وقالت بتوتر وتلعثم وهي مش عارفة تبعد عينيها عنه:
"القطة.. مشوفتش القطة؟"
أدهم ضيق حواجبه باستغراب، ونبرة صوته كانت محشرجة ومنخفضة من أثر النوم:
"قطة إيه؟"
جميلة بلعت ريقها بصعوبة، وحست بحرارة في وشها، فجأة استوعبت الوضع وبعدت عنه خطوة وهي بتعدل الروب:
"أصل.. أصل صحيت على صوت نونوة قطة جوه، فكنت بدور عليها.. افتكرت الباب كان مفتوح."
أدهم بص للباب المفتوح وبعدين رجع بص لها:
"تقريباً باب الشاليه اتفتح بليل من الهوا.. هبقى أجيب له ترباس النهاردة عشان مفيش حاجة تدخل."
وفجأة، نظرات أدهم اتغيرت.. عينيه نزلت على لبسها، واستوعب إن الروب كان شبه مفتوح وفستان النوم اللي تحته باين. بلع ريقه وحس بتوتر مفاجئ، وجميلة أول ما لاحظت نظراته اللي اتثبتت عليها، شهقت بخجل وقفلت رباط الروب بإيد بتترعش ووشها بقى أحمر زي الدم.
أدهم حمحم بجدية وهو بيحاول يستعيد قناعه الصارم ويهرب من الموقف:
"طيب.. يلا عشان نفطر، أنا جعان جداً ومأكلتش حاجة من امبارح. هلبس بسرعة وأروح أجيب أكل للفطار من برا."
جميلة ردت وهي بتبص للأرض من كسوفها:
"تمام.. وأنا هروح أصحي يزن."
أدهم هز راسه بالموافقة وهو لسه بيحاول يشتت نظراته عنها، ودخل أوضته يقفل الباب وراه بسرعة وهو حاسس إن نبضات قلبه بقت مسموعه.
غيرت هدومها بسرعة ولبست حاجة مريحة، وراحت لأوضة يزن. بدأت تصحيه بهدوء وهي بتمسح على شعره: "يزن.. حبيبي.. يلا قوم عشان نفطر على البحر."
يزن فتح عينه بكسل وابتسم أول ما شافها: "جميلة.. إحنا بجد وصلنا؟ أنا عايز أنزل المية دلوقتي!"
جميلة ضحكت: "نفطر الأول وبعدين ننزل، بابا راح يجيب الفطار."
خرجت جميلة مع يزن للصالة، لقت أدهم خرج وكان لابس تيشيرت أبيض وبنطلون جينز بسيط، وشعره لسه متمرد على جبينه بس شكله كان يجنن. بص ليزن وقال: "صباح الفل يا بطل، نص ساعة وهكون هنا بالفطار، مش عايز شقاوة."
أدهم خرج، وجميلة فضلت واقفة بتبص لأثره، حاسة إن السفرية دي هتكون أصعب مما تخيلت، مش بس بسبب كدبتها، لكن بسبب مشاعرها اللي بدأت تخرج عن السيطرة.
__________________________________
ياسمين كانت واقفة في المطبخ مع منى، الجو كان هادي ومليان بريحة الفطار اللي بيتحضر. منى بصت لياسمين بحنان وقالت:
"يا حبيبتي روحي اقعدي ارتاحي بقا عشان رجلك متتعبش أكتر."
ياسمين ردت برقة وهي بتبتسم:
"يا طنط والله أنا كويسة، وحابة أساعدك بجد."
منى لوت بوزها بإعجاب:
"يلهوي على جمالك ورقتك يا بنتي! علي عنده حق يخاف تقعدي لوحدك عشان يجيبك هنا."
ياسمين وشها احمر وخفضت عينيها بخجل وقالت:
"طيب أنا بعمل فول بطماطم تحفة، إيه رأيك أجهزه أنا للفطار؟"
منى استسلمت وضحكت:
"هقول إيه؟ اعملي اللي إنتي عايزاه، الكلام مش نافع معاكي.. هسيبك تعملي الفول عقبال ما أجيب باقي الحاجات من برا."
خرجت منى، وياسمين بدأت تجهز الفول بحماس. كانت مندمجة جداً، خصلة من شعرها نزلت على عينيها فرفعت راسها بضيق وهي بتبعدها بإيدها اللي فيها آثار تقطيع الطماطم. كانت بتقطع الطماطم والفلفل الأخضر وبتحضر التوابل وهي بتدندن بصوت واطي.
في اللحظة دي، علي كان لسه صاحي، خرج من أوضته وهو بيفرك عينيه بنوم وشعره نازل على عينيه بتمرد. دخل المطبخ وهو مش واخد باله إن فيه حد جوه، كان عايز يشرب مية.
فتح الثلاجة وبدأ يشرب بعطش وهو لسه بنص عين، مكنش لابس تيشرت، وجسمه الضخم المليان عضلات من أثر التمارين العنيفه كان باين بوضوح، ولابس شورت بيتي فوق الركبة.
ياسمين خلصت تقطيع ولفت عشان تدور على التوابل، وفجأة اتصنمت مكانها! شهقت بصدمة لما شافت العملاق اللي واقف قدامها بالمنظر ده. علي أول ما سمع الشهقة، نزل الإزازة فوراً وبص ناحية الصوت.
اتقابلت عينيهم؛ ياسمين حطت إيديها على بوقها بصدمة، وعينيها كانت مبرقة بخجل وارتباك مش طبيعي، وعلي اتسمر مكانه لما استوعب إنه نسي تماماً إنها في البيت.
علي بارتباك وهو بيبص حواليه بتوتر، ومش عارف يداري جسمه بإيه:
"أنا.. أنا آسف والله! أنا نسيت خالص إنك هنا.. بجد حقك عليا."
ياسمين لفت وشها بسرعة وحطت إيديها على عينيها، وعلي جرى بأقصى سرعة على أوضته وهو وشه قايد نار من الكسوف. في اللحظة دي دخلت منى المطبخ وهي شايلة حاجات، وشافت علي وهو بيجري ناحية أوضته:
"مالك يا ابني بتجري كدة ليه؟ هو فيه عفريت وراك؟"
بصت لياسمين اللي كانت لسه واقفة مخبية وشها، وفهمت اللي حصل فوراً. منى ضحكت وهزت راسها:
"معلش يا حبيبتي، تلاقيه نسي إنك معانا في البيت وخرج من أوضته بلبس النوم..
 وكملت كلامها :"كذا مرة أقوله مينامش عريان كدة عشان ميبردش، بس هو راسه ناشفة."
(حضرتك بتقولي إيه يا طنط انتي جيتي تكحليها عمتيها)
ياسمين غمضت عينيها بخجل أكتر وعملت نفسها مشغولة في الأكل وهي مش عارفة تودي وشها فين من الإحراج.
بعد شوية، كانوا قاعدين على السفرة. علي خرج بعد ما لبس تيشرت كحلي نص كم وبنطلون أسود، قعد على الكرسي وهو منزل عينه في الأرض. رفع نظره لياسمين بإحراج، وعينيهم جت في عين بعض لجزء من الثانية، ياسمين نزلت عينيها بسرعة في طبقها.
منى كانت متابعة النظرات بابتسامة خبيثة وسعيدة، ودعت في سرها .
علي بدأ ياكل وهو بيحاول يلطف الجو:
"امممم.. الفول ده تحفة! تسلم إيدك يا خالتو."
منى غمزت له بخبث:
"بالهنا يا حبيبي.. بس ده مش عمايل إيدي، دي ياسمين اللي عملته، اشكرها هي."
علي بص لياسمين بتوتر وإعجاب مداري:
"تسلم إيدك يا ياسمين.. بجد طعمه يجنن."
ياسمين هزت راسها بخجل وردت بصوت رقيق ومنخفض: "بالهنا والشفا."
قامت منى وقالت: "أنا هقوم بقا أعملنا شاي بلبن ."وسابتهم لوحدهم والجو كان مشحون بالتوتر. 
__________________________________
على الشاطئ
أدهم كان قاعد على الرمل، بيعمل هو ويزن قلعة من الرمل بتركيز . الجو كان هادي، وصوت تلاطم الموج بيعمل موسيقى مريحة للأعصاب.
أدهم حس بضل شخص وقف وراهم، لف بجذعه ببطء عشان يشوف مين، وفي اللحظة دي عينيه اتفتحت على آخرهم وبلع ريقه بصعوبة. جميلة كانت واقفة وراه، لابسة مايوه لونه تركواز ساحر، قطعة واحدة بكتف واحد عليه خطين متضادين مكملين لغاية آخر ظهرها اللي كان باين منه جزء بسيط ومغري، المايوه كان مرسوم على جسمها وكأنه قطعة منها. كانت رابطة كاش مايوه عبارة عن طرحة باللون الأزرق الفاتح الشفاف حول وسطها لغاية ركبتها، الهوا كان بيطير أطرافها فبتبين جمال رجليها.
أدهم فضل متنح لثواني، مبهور بالهيئة دي اللي كانت خاطفة للأنفاس ومزيج بين الرقة والجاذبية، قبل ما يستوعب نفسه ويعدل قعدته.
جميلة قعدت جنبهم على الرمل بهدوء وقالت بابتسامة:
"واو.. إيه المبنى الجميل ده؟"
يزن صرخ بفرحة وهو بيشاور على الكومة الرملية:
"شوفتي يا جميلة؟ أنا اللي عملت القلعة دي!"
أدهم رفع حاجبه بغضب مصطنع :
"والله؟ وأنا مكنتش بعمل حاجة يعني؟"
يزن رد وهو مشغول بيحط آخر لمسات الرمل:
"ماشي يا بابا.. إنت ساعدتني شوية، بس أنا المهندس!"
أدهم اتنهد وبص قدامه للبحر.. المنظر كان يجنن؛ المية الزرقاء الصافية مع الرغاوي البيضاء الهادية، والشمس كانت دافية لدرجة إنها خلت المية تلمع كأنها مرصعة بالألماظ.
فجأة يزن سقف بإيديه الصغيرتين بمرح:
"هيييه.. أنا خلصت القلعة، وكتبت أسامينا كمان!"
أدهم وجميلة لفوا براسهم للرمل عشان يشوفوا يزن عمل إيه.. يزن كان حافر تحت القلعة تلات أشكال لأشخاص، الأطول فيهم مكتوب فوقه "أدهم"، وفي النص شخص قصير مكتوب فوقه "يزن"، وجنبهم من الناحية التانية مكتوب "جميلة".
جميلة بصت للرمل وعينيها لمعت بدموع خفيفة من لمسة يزن البريئة، وبصت لأدهم لقت نظراته مثبتة عليها.. نظرة كانت تايهة بين كونه عارف إنها نصابة وبين قلبه اللي كان عايز يصدق إن اللوحة اللي يزن رسمها دي هي الحقيقة الوحيدة في حياته.
أدهم مد إيده وبدأ يمسح الرمل عن إيد يزن وقال بصوت هادي ومختلف:
"عاشت إيدك يا بطل.. دي أهم قلعة بنيناها في حياتنا."
ضحك بفرحة وبص لجميلة: "شفتي يا جميلة؟ بابا عجبته!"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
جميلة مالت على يزن وباست خده: "طبعاً هتعجبه، دي أجمل قلعة شفتها في حياتي، وإنت مهندس جامد يا يزونة."
أدهم كان بيراقب المشهد ده بصمت، الهوا طير خصلة من شعر جميلة ولمست وشه غصب عنه، شمة ريحتها اللي كانت شبه الورد البلدي.
_______________________________
في مكان تاني
كان واقف قدام شباك قزاز كبير في فيلا هادية في أمريكا، الضلمة برا كانت بتعكس صورته على القزاز.. ملامحه اللي غزاها الشيب، وعينيه اللي باين فيها حزن سنين طويلة. كان ماسك الموبايل في إيده، وباصص لصورة أدهم وهو لابس بدلة رسمية في واحدة من المجلات الاقتصادية، وصورة تانية قديمة أوي لـ طفلة رضيعه .
كان بيتأمل ملامحه بفخر ممزوج بوجع، وفجأة حس بإيد حنينة بتتحط على كتفه. كانت نادية، مراته التانية اللي عاشت معاه سنين الغربة. نادية اتنهدت لما شافت الصورة وقالت بنبرة هادية:
"طالما واحشك أوي كدة يا محمود.. ليه مش راضي ننزل مصر؟ بقالك سنين بنهرب من السؤال ده."
محمود نزل الموبايل وحطه على المكتب، ولف لها وهو بيهز راسه بأسى:
"قولتلك مية مرة يا نادية، مينفعش. رجوعي دلوقتي هيبوظ كل اللي أدهم بيعمله. أنا عارف ابني، هو دلوقتي بيبني إمبراطورية وبيحاول يكبر اسم السويسي بطريقته.. لو رجعت، الخطر عليه هيكون أكبر بكثير، وإبراهيم مش هيسكت."
نادية قربت منه وبصت في عينيه:
"بس أنت أبوه.. وأنت الوحيد اللي هتعرف تحميه من غدر عمه. أدهم شايل شيلة تقيلة لوحده.. مش كفاية وجع لحد كدة؟"
محمود غمض عينيه بقوة وكأنه بيطرد ذكريات مؤلمة، ورد بصوت مخنوق:
"لازم أستنى شوية.. إبراهيم لو شم خبر إني لسه عايش، هيحرق الأخضر واليابس وهيحاول يقتلني تاني. أنا مأمن أدهم من بعيد، ومعين ناس بتوصلي الأخبار أول بأول.. بس اللحظة اللي هظهر فيها، لازم تكون هي اللحظة اللي هكسر فيها إبراهيم للأبد."
_____________________________
ياسمين كانت شايلة فنجان القهوة بحذر، وخرجت للبلكونة بخطوات هادية وهي بتحاول متضغطش على رجلها المصابة. علي كان ساند ضهره على السور وباصص للسما بسرحان، ملامحه كانت هادية بس فيها تقل وتفكير كتير.
قربت منه ومدت إيدها بالفنجان:
"اتفضل.. القهوة."
علي لف وشه لها ومد إيده عشان ياخد الفنجان، وفي اللحظة دي إيديهم لمست بعض. وبسبب سخونة الفنجان، إيد علي ضغطت على إيد ياسمين بتلقائية عشان ميتدلقش
(ماتحطي ياختي الفنجان في طبق ولا هو أي محن وخلاص)
 فضلوا متثبتين لثواني. ياسمين جسمها اتنفض وشرارة غريبة سرت في كيانها كله، رفعت عينها ولقيت علي باصص في عيونها بنظرة كانت بتحكي مشاعر هي مش فاهمة معناها بس هزتها من جوه.
ياسمين اتكسفت جداً وسحبت إيدها بسرعة ورجعت خطوة لورا وهي وشها أحمر:
"أنا.. أنا أسفة، الفنجان سخن بس."
علي حمحم بجدية وهو بيحاول يداري ارتباكه، وخد رشفة من القهوة:
"احم.. شكراً، تسلم إيدك."
ياسمين ردت بابتسامة رقيقة وخجل: "بالهنا والشفا."
علي سكت شوية وهو بيحاول يرجع لهدوءه، وقرر يفتح الموضوع المهم اللي كان شاغل باله:
"ياسمين.."
رفعت عينيها بتوتر: "نعم؟"
"أنا وصلت للي حصل لأبوكي."
ياسمين بلعت ريقها بخوف، وكأن الذكريات المرعبة هجمت عليها تاني: "عرفت إيه؟ هو.. هو مات؟"
علي كمل بنبرة هادية عشان يطمنها:
"حد من جيرانكم خبط ومحدش فتح، ولما كسروا الباب لقوه واقع على الأرض والدم حواليه، نقلوه المستشفى بس لسه مفاقش ودخل في غيبوبة."
ياسمين رمشت بعينيها بحزن غريب؛ كانت خايفة بس مكسورة وموجوعة، قالت بصوت مخنوق:
"أنا لسه مش حاسة إني زعلانة.. رغم إني هروح في داهية لو مات، بس كنت عايزاه يموت عشان أرتاح من كابوسه."
علي بصلها بقوة وثبات:
"أنا قولتلك الأب اللي زي ده ميتزعلش عليه.. وبعدين متقلقيش، طالما مماتش يبقى كويس، وهو مستحيل يقول كلمة عنك لأن ساعتها هو اللي هيروح في داهية باللي حاول يعمله. متخافيش يا ياسمين.. أنا معاكي ومش هسيبك."
ياسمين بصتله بابتسامة امتنان، وحست لأول مرة إن فيه ضهر وسند بجد في حياتها:
"أنا مش عارفة أشكرك إزاي يا أستاذ علي.. إنت مش مضطر ولا مجبور تعمل معايا كل ده."
علي ابتسم، وبانت غمازته بوضوح رغم دقنه الخفيفة المغطية عليها، ملامحه كانت جذابة أوي في اللحظة دي:
"أنا فعلاً مش مجبور.. أنا عايز أساعدك، مش عارف ليه بس.. خليها للوقت يمكن أعرف."
ياسمين اتنهدت وقالت بمحاولة لتغيير الموضوع:
"هو إنت مش المفروض وراك شغل صح؟"
علي رد ببرود وهو باصص للفراغ:
"أيوة، بس مديري في الشغل مسافر يتفسح يومين، يعني يعتبر أنا في إجازة."
في اللحظة دي علي افتكر أدهم.. افتكر إنه كل ما أدهم كان بيسافر، علي بيبقى هو اللي مأمنه وماشي وراه في كل خطوة. بس المرة دي، علي اختار إنه يكذب على أدهم، ويدعي إن وراه مأمورية تانية مهمة عشان ميسيبش ياسمين لوحدها.
__________________________________
أدهم كان واقف على رمال الشط، عينه متثبتة على سواد البحر اللي ملوش آخر، وصوت الموج العالي كان هو الوحيد اللي قادر يغطي على صراع الأفكار اللي جوه دماغه. كان لابس قميص أبيض فاتح أول زرارين منه، والهواء الشديد كان بيلعب بشعره وبيطير أطراف القميص.
كان حاسس بتقل غريب في صدره، صراع بينه وبين نفسه.. صراع بين عقله اللي عارف إن البنت دي نصابة وجاية بتمثيلية من عمه عشان تسرق ورث أخته، وبين قلبه اللي لمس في عينيها براءة ووجع حقيقي خلاه مش قادر يكرهها زي ما كان ناوي.
غمض عينه وهو بيستنشق هواء البحر، وفجأة.. شم ريحة ورد رقيقة جداً، ريحة هادية وساحرة خطفت أنفاسه وسط ريحة اليود. فتح عينه ببطء ولف بجسمه يشوف مصدر الريحه، واتسمر مكانه.
جميلة كانت جاية ناحيته. كانت لابسة فستان أبيض رقيق جداً، قماشته خفيفة بتتطاير مع كل نسمة هواء وواصل لحد ركبتها. الفستان كان له حزام تريكو رقيق حدد خصرها المنحوت، وسايبة شعرها الفحمي مفرود على كتافها بيتحرك بحرية.
ملامحها الملائكية كانت ظاهرة بوضوح تحت ضوء القمر؛ كحل خفيف برز وسع وعمق عينيها العسلي، وروج أحمر جرئ كسر براءة الأبيض اللي لابساه واداها أنوثة طاغية.
قربت منه وهي بترجع خصلة متمردة ورا ودنها، وقالت بصوت رقيق يدوب الحجر:
"واقف لوحدك ليه؟"
أدهم بلع ريقه بصعوبة، وحس إن نبضه بدأ يتسارع بشكل مش طبيعي. حاول يخشن صوته اللي راح تماماً من أثر الصدمة والجمال اللي قدامه، ورد بجمود مصطنع:
"بحب أقف قدام البحر بالليل.. بيفكرني بحاجات كتير."
جميلة وقفت جنبه، وسرحت في الموج وهي بتقول بتنهيدة طويلة:
"تعرف.. دي أول مرة في حياتي أشوف فيها البحر بجد؟"
أدهم عقد حواجبه وبصلها باستغراب:
"أول مرة؟ يعني منزلتيش البحر قبل كدة خالص؟"
هزت راسها بنفي وهي لسه باصة للموج:
"لأ.. كان حلم بعيد أوي، والنهاردة بس حسيت إني قادرة ألمسه."
أدهم في لحظة جنون مفاجئة، وبدون أي مقدمات، قرب منها ونبرة صوته اتغيرت تماماً وبقت عميقة وداكنة:
"خلاص.. يبقى دي تكون أول مرة."
جميلة ملحقتش تستوعب الكلمة، وفجأة صرخت صرخة مكتومة لما لقت نفسها طايرة بين إيدين أدهم. شالها بخفة وكأنها ريشه، واتوجه بيها ناحية البحر.
جميلة بدأت تهز رجليها بخوف وهي متبتة في قميصه:
"أدهم!  لأ وحياتي.. أدهم نزلني أنا بخاف!"
أدهم بصلها وعينه كانت مأسورة في عيونها، ونطق بكلمة واحدة هزت كيانها:
"أنا معاكي.. متخافيش."
جميلة استسلمت تماماً، وحاوطت رقبته بإيديها وهي بتدفن راسها في كتفه من الخوف. أدهم غمض عينه لثانية وهو حاسس بقربها، وكمل مشي في المية لحد ما الموج غطى رجله كلها، ونزلها براحة وسط المية الهادية.
أول ما رجليها لمست المية، ضحكت بطفولة وفرحة، وبدأت تحرك رجليها وهي بتقول:
"الله! الإحساس ده حلو أوووي!"
وطت ولمست المية بإيدها، وفجأة.. رشت المية في وش أدهم بضحكة شقية. أدهم اتفاجئ وضحك هو كمان، وبدأ يمرر كف إيده على المية ويرشها عليها.
الضحك زاد، وهدوم أدهم اتبلت والقميص لزق على عضلات جسمه، وجميلة كانت بتجري منه في المية وهي بتطلع لسانها بتحدي:
"مش هتمسكني يا أدهم! مش هتمسكني!"
في ثانية، أدهم كان لف إيده وحاوط وسطها، والايد التانية كتف إيديها ورا ظهرها وهو بيقربها منه أوي عشان يثبت حركتها. جميلة لقت نفسها محبوسة في حضنه، ووشه قريب منها لدرجة إن أنفاسه الحارة كانت بتخبط في وشها.
سكتت الضحكات، ومفضلش غير صوت الموج وأنفاسهم العالية. بصت في عينه الحادة الفحمية بتوهان، وأدهم في اللحظة دي فقد سيطرته على كل حصونه.. مشاعره اللي كان كابتها انفجرت، وبدون وعي، قرب منها ونسي العالم ونسي كدبها، ونسي كل حاجة إلا إنها بين إيديه.
بعد شويه، أدهم بعد عنها ببطء وهو بيتنفس بصعوبة. جميلة ووشها كان أحمر فتحت عينيها بصدمة لما فاقت من مشاعرها،  مكنتش مستوعبة اللي حصل ولا هي عملت كدة إزاي. والأهم أدهم عمل كده ازاي وهي المفروض أخته ...
من غير ولا كلمة، لفت وجريت بأقصى سرعة ناحية الشاليه، وسابت أدهم واقف في نص المية ....
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أدهم قفل شنطة العربية بقوة لدرجة إن يزن اتنفض مكانه. يزن كان واقف،عينيه مليانة دموع مش فاهم ليه الفسحة خلصت فجأة، وليه الجو الجميل اللي كان بينهم على البحر اتحول لكتلة تلج في ثواني.
أدهم ركب العربية ومسك الدريكسيون بإيده البي مفاصلها باينه من كتر الضغط، وبص لجميلة اللي كانت قاعدة جنبه.. كانت عاملة زي التمثال، عينيها مثبتة على الطريق قدامها، وإيديها الاتنين متبتين في حزام الأمان. الهدوء اللي كان بينهم مكنش هدوء راحة أبدًا .
أدهم دور العربية واتحرك بأقصى سرعة، وكأنه بيهرب من المكان اللي شافه فيه أضعف لحظاته. الطريق كان طويل، ومحدش فيهم نطق بكلمة واحدة. يزن نام ورا من كتر التعب والحزن، ومفضلش غير صوت الموتور وصوت أنفاسهم المكتومة.
أدهم كان بيخطف نظرات لجميلة بطرف عينه؛ كان شايف وشها الشاحب، وشفايفها اللي بتترعش كل ما تفتكر اللي حصل بينهم على البحر. كان بيلعن نفسه إنه سمح لمشاعره تقوده.
بعد ساعات من الصمت القاتل، دخلت العربية حدود القاهرة. الزحمة والضوضاء بدأت ترجعهم للواقع المر. أدهم كسر الصمت فجأة وبصوت رخيم وبارد: "أنا هروح الشركه انزلوا انتو ."
جميلة معلقتش، والتزمت الصمت ونزلت من العربيه ومعاها يزن ،ودخلوا من باب القصر ..وأدهم تابع دخولهم للقصر بعنين ثابته زي الصقر، وبعدها دور العربية وانطلق بأقصى سرعه على الشركة. 
________________________________
بخطوات تقيلة ورزينة، وقف علي قدام المراية بيظبط لياقة قميصه الأبيض وبيلبس چاكت البدلة الرسمية. راجع يستكمل شغله بسبب رجوع أدهم.
علي وهو بيلم حاجته وبيستعد يخرج من باب الشقة، وقف فجأة وجسمه اتصنم في مكانه.. لما صوت رقيق نادى عليه بخفوت:
"أستاذ علي.."
بلع ريقه بصعوبة، وحس إن نبضات قلبه بدأت تدق في ودنه من مجرد سماع اسمه بلهجتها دي. لف ببطء، لقاها واقفة عند طرف الممر، ساندة بضعفها الرقيق على الحيطة وعينيها بتلمع بخجل وارتباك. كانت بتبص له بنظرة فيها خوف من اللي جاي، وفي نفس الوقت فيها أمان غريب مش لاقية غيره معاه.
قالت له بصوت ناعم ومتردد:
"في رعاية الله.."
علي عض على شفايفه وغمض عينه لثانية واحدة بياخد نفس عميق.. الكلمة هزته من جوه. دي جايه تودعه قبل ما يخرج. في اللحظة دي، علي كان هيروح يضمها لحد ما تختفي بين ضلوعه القوية، عايز يخبيها من الدنيا كلها.
تمالك نفسه بصعوبة، ورسم على وشه ابتامة هادية ومطمئنة، ورد بصوت رجولي دافي:
"لا إله إلا الله.. خلي بالك من نفسك يا ياسمين.خدي علاجك في المواعيد بتاعته، وخالتو معاكي لو عوزتي أي حاجة.. تليفوني في إيدك، رنة واحدة وهتلاقيني قدامك."
ياسمين هزت راسها بابتسامة خجولة، وعلي خرج وقفل الباب وراه وهو حاسس إن قلبه اتنسى جوه الشقة.
________________________________
أدهم كان قاعد ورا مكتبه الفخم، عينه مركزة في نقطة وهمية قدامه، وملامحه كانت خالية من أي تعبير، بس جواه كان فيه صراع شغال زي النار. دخل علي بهدوء، وقال بصوت واثق:
"حمد الله على السلامة يا فندم.."
أدهم مرفعش عينه، بس رد بصوت هادي ومكتوم:
"تعالى يا علي.. ادخل."
علي قرب ووقف قدام المكتب، وأدهم كمل كلامه من غير مقدمات:
"عايزك تجهز أوراق الورث المزورة يا علي.. في أسرع وقت."
علي استغرب جداً، وملامح الدهشة ظهرت على وشه، لإن الخطة كانت مختلفة تماماً. سأل باستغراب:
"دلوقتي يا فندم؟ بس إحنا كنا متفقين إننا هنماطل ونأجل موضوع الورث ده لحد ما نجيب آخر إبراهيم ، وفي الآخر مش هنديهم مليم.. ليه الاستعجال ده؟"
أدهم غمض عينه بقوة للحظة، وكأن مشهد البحر بيتكرر قدامه، ورد بصوت أبحّ:
"لأنها بدأت تشك فيا يا علي.. اللعبة بدأت تنكشف."
علي عقد حواجبه وسأل بفضول:
"وتشك ليه؟ إنت مقصرتش في دور الأخ معاها أبداً."
أدهم لف بالكرسي بنظرة كلها لوم لنفسه :
"لأني عملت معاها حاجة مينفعش تحصل بين الإخوات..، واللحظة دي خلتها تبص لي بنظرة خوف وعدم فهم.. هي دلوقتي عارفة إن فيه حاجة غلط."
علي حمحم بإحراج شديد ونزل عينه الأرض. فهم فوراً إن أدهم مشاعره غلبته في الساحل، وإن جميلة سحرته لدرجة إنه نسي الخطة ونسي إنها قدام الناس أخته.
سكت علي ثواني عشان يمتص الصدمة، وبعدين رجع لبروده المهني ورد:
"تمام يا فندم.. هجهز الورق في أسرع وقت وهيكون تحت إيدك، بس لازم نكون حذرين، إبراهيم عينه زي الصقر ومش هيسيب الورق يعدي من تحت إيده بسهولة."
أدهم هز راسه بجمود: "مش مهم إبراهيم.. المهم نخلص من الكدبة دي قبل ما تحرقنا كلنا."
علي كان لسه واقف، وفجأة سأل أدهم سؤال كان شاغل باله:
"طيب وجميلة يا فندم؟ ناوي تعمل فيها إيه بعد ما اللعبة تنتهي؟"
أدهم ملامحه اتحولت لقناع من القسوة، وعينيه بقت زي الجمر المشتعل. بص لعلي ونبرة صوته بقت مرعبة، أبرد من التلج وأحدّ من السكينة
"؟ هربيها على ايدي.. هعرفها إزاي تفكر تدوس برجلها في قصر السويسي وهي شايلة كدبة بالحجم ده. هخليها تتمنى الموت كل لحظة وماتطولهوش، عشان تبقى عبرة لأي حد يفكر يلعب بديله مع أدهم السويسي."
_______________________________
جميلة كانت لسه خارجة من الحمام، ريحة الصابون والورد طالعة منها، وشعرها الطويل مبلول ومنقط على الروب الأبيض اللي لافّاه حوالين جسمها. قعدت على الكرسي قدام التسريحة، وبدأت تسرح شعرها بهدوء، بس حركتها كانت آلية.. عقلها كان في مكان تاني خالص.
فجأة، وبدون وعي، المشط وقف في إيدها.. رفعت صوابعها المرتعشة ولمست شفايفها برقة، وغمضت عينيها وهي بتسترجع كل لحظة من إمبارح. شمت ريحة البحر، وحست ببرودة المية، ودفء أنفاس أدهم اللي كانت بتحرق وشها.
سألت نفسها بهمس.
"إزاي يلمسني ويقرب مني كدة وهو فاكرني أخته؟ أدهم مش بالأخلاق دي.. أدهم السويسي اللي الكل بيعمله ألف حساب، مستحيل يغلط غلطة زي دي في حق عرضه.."
فتحت عينيها فجأة، وبرقت بصدمة وهي بتبص لنفسها في المراية. فكرة مرعبة خطرت على بالها خلت جسمها يتنفض بالكامل. سابت المشط من إيدها، ووقع على الأرض وعمل صوت رن في هدوء الأوضة.
"معقولة؟ معقولة يكون كشفني؟"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بدأت تربط الخيوط ببعضها.. نظراته الحادة اللي كانت بتخترقها، وقربه المجنون اللي كان مليان رغبة ممزوجة بتحدي، وكأنه بيقولها "أنا عارف إنتي مين".
قلبها بدأ يدق بعنف، وحست إن الأوكسجين قل في الأوضة.
"لو كان كشفني فعلاً.. يبقى وجودي في القصر ده بمثابة حكم إعدام ممكن يتنفذ في أي لحظة."
سندت راسها بين إيديها بحيرة وهي بتغوص في دوامة من الأسئلة: "طيب لو كشفني فعلاً.. ليه رجعني القصر؟ كان ممكن يبلغ عني ويحبسني، أو يرميني في الشارع .. ليه لسه بيتعامل معايا على إني ياسمين؟"
رجعت بصت لصورته اللي في خيالها، وعقلها عجز يلاقي تفسير: "هل هو بيلعب بيا زي ما أنا بلعب بيه؟ ولا قربه ده كان غلطة هو نفسه مش فاهمها؟"
اتنهدت باستسلام وهي مش فاهمة إيه اللي بيدور في دماغ أدهم السويسي، وهل السكوت اللي هو فيه ده سكوت ندمه ، ولا سكوت لصياد اللي مستني اللحظة الصح عشان يطبق على فريسته؟
_____________________________
خرج من المستشفى وهو حاسس إن جبال الدنيا كلها فوق كتافه. ركب عربيته وفضل خابط إيده في الدريكسيون بغيظ؛ صورة منصور وهو مرمي على السرير بضعف كانت بتحرق دمه، كان نفسه يخلص عليه ويريح ياسمين من كابوسه للأبد، بس القانون والواقع كانوا مكتفين إيده.
بدأ يكلم نفسه بصوت واطي ومخنوق:
"لو فاق يا ياسمين.. لو فاق وطالب بيكي، هعمل إيه؟ القانون في صفه، ومنصور مش هيسكت، ده هيفضح الدنيا عشان يذلك ويرجعك تحت رجله
علي دخل الشقة، رمى مفاتيحه على الترابيزة وقعد في الصالة بتقل، ساند راسه بين إيديه وشارد في الفراغ. ملامحه كانت شايلة هموم بلد، وصورة منصور في المستشفى مش راضية تغيب عن عينه.
خالته خرجت من المطبخ، بصت لوشه المخطوف وقربت منه بحنان:
"مالك يا ضنايا؟ وشك مضايق ليه كدة؟ فيه حاجة حصلت؟"
علي اتنهد تنهيدة طويلة وطلع سيجارة ولعها:
"مشاكل في الشغل يا خالتو.. الدنيا متلخبطة فوق راسي.
خالته طبطبت على كتفه ودعت له بقلب صافي:
"ربنا يصلح حالك يا بني، ويهديلك العاصي، ويكفيك شر خلقه.. قوم اغسل وغير هدومك وشك وارتاح شوية، هروح أحضرلك لقمة ترم عضمك."
أول ما خالته دخلت المطبخ، ياسمين خرجت من أوضتها بخطوات هادية، كانت مراقبة الموقف من بعيد. قربت وقعدت على طرف الكرسي اللي قدامه، عينيها كانت بتلمع بقلق واضح:
"أستاذ علي.. حضرتك كويس."
علي رفع عينه فيها، وفضل ساكت ثواني، بس مقدرش يخبي عليها أكتر من كدة:
"أنا كنت في المستشفى يا ياسمين.. عند منصور."
ياسمين جسمها اتنفض وأنفاسها تسارعت:
"حصله حاجة؟ فاق؟"
علي هز راسه بأسى:
"فاق.. بس دخل في غيبوبة تانية. الدكتور بيقول إنها مسألة وقت، بس المشكلة مش هنا.. المشكلة إني خايف، خايف اللحظة اللي هيفوق فيها ويفتح عينه، القانون ساعتها هيكون في صفه هو.. أبوكي من حقه ياخدك، وأنا ماليش أي صفة تخليني أمنعه، وده اللي هيموتني."
ياسمين دموعها نزلت غصب عنها، وصوتها طلع مخنوق بالرعب:
"ياخدني؟ يعني هيرجع يذلني تاني.. أرجوك يا علي.. أنا أموت نفسي ولا إني أرجع تحت إيده ثانية واحدة."
علي قام وقف وقرب منها، مسك إيديها اللي كانت بترتعش بين إيديه، وقال بنبرة قوية ومليانة وعد صادق:
"اششش.. اهدي خالص. أنا مش بحكيلك عشان أخوفك، أنا بعرفك عشان نكون مستعدين. ياسمين، أنا هصرف.. هخبيكي في مكان ميخطرش على بال جن ولا إنس، هبعدك عن القاهرة كلها لو لزم الأمر. منصور ده مش هيلمس شعرة منك طول ما أنا فيا نفس، فاهمة؟"
ياسمين بصت في عينه، ولأول مرة حست إن الخوف بدأ يهدى شوية قدام الثبات اللي في صوته:
"إنت هتقدر تعمل كدة فعلاً؟"
علي ابتسم ابتسامة صادقة:
"أنا ممكن أهد الدنيا وابنيها تاني عشان خاطرك.. ثقي فيا."
_______________________________
تاني يوم في مكت أدهم 
أدهم كان قاعد ورا مكتبه، الإضاءة خافتة وما فيش صوت في الأوضة غير طقطقة الساعة اللي على الحيطة وصوت أنفاسه المكتومة. كان بيحاول يركز في الملفات اللي قدامه، بس كل ما عينه تيجي على سطر، يشوف صورتها
أدهم نفخ بضيق ورمى القلم من إيده بعنف على المكتب، سند ضهره لورا وغمض عينه بقوة وهو بيحاول يطرد صورتها من خياله. افتكر لما رجع القصر إمبارح متأخر جداً، والنهاردة خرج بدري قبل ما تصحى عشان بس يتجنب إنه يشوفها أو عينه تيجي في عينها.
كان حاسس إنه بيهرب من نفسه قبل ما يهرب منها؛ مش قادر يواجهها بعد لحظة الضعف اللي هزت كيانه . طول الوقت كان بيمثل قدام نفسه إنه بيكرهها، وإنه مستحمل وجودها عشان يجاري إبراهيم في لعبته، لكن اللحظة اللي قرب فيها منها كشفت المستور، وأثبتت له إن جواه بركان مشاعر تانية خالص.. مشاعر بتنسيه هو مين، وبتهد كل الأسوار اللي بناها سنين
قطع شروده خبط هادي على الباب. أدهم عدل قعدته ورجع لبروده المعتاد:
"ادخل يا علي."
علي دخل وبان عليه الإرهاق من قلة النوم بسبب التفكير، . أدهم لاحظ ده، لكن سأله بلهجة عملية:
"عملت إيه في موضوع الورق؟"
علي حط الحقيبة بتاعته على المكتب ورد:
"كله تمام يا فندم. واحد من حبايبنا اللي ليهم يد في السجل بيظبط الدنيا، بس قالي إنه محتاج وقت شوية عشان يقدر يطلع الورق كأنه حقيقي مية في المية، ومحدش يقدر يشك فيه ولا حتى إبراهيم بيه."
أدهم هز راسه بجمود وهو باصص لورقة قدامه:
"تمام.. خليه ياخد وقته، المهم النتيجة تكون مضمونة."
سكت أدهم لحظة، وبعدين رفع عينه ولقى علي لسه واقف مكانه وسرحان في نقطة في الفراغ، حاجة مش من عوايد علي اللي دايماً حاضر الذهن. أدهم ضيق عينيه وسأله بنبرة فيها اهتمام حقيقي:
"مالك يا علي؟ مش عوايدك السرحان ده وأنا بكلمك."
علي انتبه وحاول يبتسم بتكلف: "لا مفيش حاجة يا فندم، شوية تعب بس."
أدهم قام من ورا مكتبه وقرب منه، حط إيده على كتفه وقال بصوت واطي وواثق:
"علي.. إنت عارف إنك مش مجرد البادي جارد بتاعي، ولا حتى المساعد.. إنت صاحبي ودراعي اليمين. ولو فيه حاجة شاغلة بالك أو تعباك، أنا موجود."
علي اتنهد تنهيدة طويلة، وحس إن الحمل زاد عليه، قعد على الكرسي قصاد أدهم وقال بصوت مهزوز:
"فيه موضوع محيرني يا أدهم بيه.. ولأول مرة في حياتي مش عارف أتصرف إزاي، ولا عارف الصح فين."
أدهم سحب كرسي وقعد قصاده بتركيز: "احكيلي يا علي.. يمكن أقدر أساعدك."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بدأ علي يحكي، وصوته فيه نبرة هيام ،وهو بيفتكر أول ليلة شافها فيها. عينه كانت بتلمع وهو بيرسم لأدهم تفاصيل اللحظة اللي خبطها فيها بالعربية، وإزاي جسمها الضعيف كان مرمي قدامه زي العصفور المكسور.
حكى له عن الظروف اللي عاشتها، وعن القسوة اللي شافتها من أقرب الناس ليها. كمل حكايتها لحد ما وصل للقرار اللي خده بإنه يجيبها بيته عشان يحميها من جبروت أبوها، واعترف لأدهم بخوفه الحقيقي؛ إنه مش بس خايف عليها، ده مرعوب من اللحظة اللي منصور ممكن يظهر فيها ويطالب بحقه فيها وياخدها منه غصب، ويرجعها للجحيم اللي هربت منه.
أدهم كان بيسمع وصوته ساكت تماماً، لكن عينيه كانت بتقرأ علي اللي لأول مرة يشوفه مكسور ومحمل بهمّ مش همه، وعرف إن الحكاية مقتصرتش على مجرد جدعنه، دي بقت قصة روح اتعلق بها علي ومبقاش قادر يتخيل حياته من غيرها.
أدهم ضيق اللي بين حواجبه وسأله بشك: "عايشين مع بعض لوحدكوا؟"
علي رد بسرعة ونفى بإيده: "لأ طبعاً، إنت عارفني كويس. خالتي عايشة معايا وهي اللي واخدة بالها منها وبتهتم بعلاجها."
أدهم اتنهد بتفكير وسكت شوية، وبعدين بص لعلي وقال بلهجة قاطعة:
"بص يا علي.. مفيش حل يحمي البنت دي من أبوها، ويمنع إنه يطالب بيها قانوناً أو يرجعها لذله، غير إنها تكون على عصمة راجل يحميها.. وتبقى على اسمه."
علي اتصدم من الكلمة، وبص قدامه بتفكير عميق وسكت تماماً. الفكرة كانت بتدور في دماغه بس سماعها من أدهم خلّت الموضوع حقيقة لازم يواجهها.
أدهم كمل وهو بيراقب رد فعل صاحبه:
"فكر يا علي.. الجواز ده هو اللي هيخليك تكسر عين أبوها، وهو اللي هيديك الحق تمنعه يلمس شعره واحده منها.
_________________________________
فتح باب الشقة بمفاتيحُه ودخل وهو سرحان، خطواته كانت تقيلة وعقله كان شغال مبيفصلش في كلام أدهم. قعدوا يتعشوا، وعلي كان بيقلب في الأكل من غير ما ياكل، عينه كانت بتسرح في الفراغ وتثبت على ياسمين لثواني وبعدين يهرب بنظره.
ياسمين كانت ملاحظة كل ده، قلبها كان واجعها عليه؛ هي شايفة الراجل اللي أنقذها وحماها بقاله فترة مهموم، وشايلة ذنب إنها السبب في كسر هدوء حياته.
بعد العشا، علي انسحب كعادته ووقف في البلكونة، المكان اللي بيهرب فيه عشان يوزن أموره. الهوا كان بارد شوية، بس هو مكنش حاسس غير بنار التفكير. فجأة، حس بحركة وراه، لف ولقى ياسمين داخلة بوفاء وهي ماسكة فنجان القهوة بإيد بتترعش بسيط.
علي ابتسم بضعف وخده منها:
"تسلم إيدك يا ياسمين.. تعبتي نفسك ليه."
ياسمين فضلت واقفة، مخرجتش زي كل مرة. فركت إيدها في بعضها وقالت بصوت واطي ومخلوق:
"أستاذ علي.. أنا قررت إني لازم أمشي."
الفنجان كاد يقع من إيد علي من الصدمة، بص لها بعيون مبرقة وسألها بلهفة:
"تمشي؟ تمشي تروحي فين؟ حد ضايقك هنا؟ خالتي قالت لك حاجة؟"
ياسمين نفت بسرعة وعينيها بدأت تلمع بالدموع:
"لأ والله.. طنط دي شالتني فوق راسها، وإنت عاملتني أحسن معاملة.. أنا حاسة إني وسط أهلي فعلاً، بس..."
سكتت لحظة ونزلت راسها في الأرض وكملت بحزن:
"بس أنا سحلتك في مشاكلي يا علي.. إنت مش مضطر تستحمل كل ده، ولا مضطر تشيل همي وهم والمشاكل اللي بتلاحقني. إنت من ساعة ما دخلت حياتك وإنت دايماً مهموم ومش بتضحك.. بسببي."
علي اتنهد تنهيدة طويلة، حط فنجان القهوة على سور البلكونة وقرب منها خطوة. بص في عينيها بصدق وقال بصوت هادي ودافي:
"مين قالك إن همي بسببك؟ بالعكس.. وجودك هو الحاجة الوحيدة اللي مصبراني على اللي بشوفه برا. 
وكمل :بس فعلاً فيه حل واحد، ولو حصل.. وقتها مش هكون مهموم خالص"
ياسمين بصت له بحيرة وعدم فهم، وسألت ببراءة:
"حل إيه؟"
علي سكت ثانية، أخد نفس عميق وكأنه بيستجمع كل شجاعته، وقال بنبرة هادية بس قاطعة:
"نتجوز ....."
الكلمة نزلت على ياسمين كأنها صاعقة، سكتت تماماً وجسمها اتصلب، عينيها وسعت وهي بتبص له ومش مصدقة اللي سمعته. علي مسبش ليها فرصة للصدمة وكمل بجدية:
"ده الحل الوحيد عشان أكسر عين منصور، وعشان أبقى الراجل اللي من حقه يقفل عليكي باب ويقول مفيش مخلوق يقدر يمسك.. هتبقي حرمي وعلى اسمي،  وهحميكي من الدنيا كلها ... تتجوزيني يا ياسمين  ؟......
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ياسمين فضلت واقفة مكانها زي التمثال، الكلمة لسه بترن في ودنها " نتجوز؟ ".
 علي كمل :
"ده الحل الوحيد يا ياسمين عشان أقدر يبقى ليا حق أحميكي من أبوكي، وأقفل عليكي الباب بصفتي جوزك.. لازم تبقي حرمي ومكتوبة على اسمي."
ياسمين ضمت شفايفها بخجل فطري، وفركت إيديها بارتباك وهي مش قادرة ترفع عينها فيه.
 علي قرب منها خطوات بسيطة، وبنبرة هادية ومطمئنة قال:
"أنا عارف إنك محتارة، وإنا بقالنا يدوب يومين نعرف بعض وماتعرفيش عني كل حاجة.. بس أوعدك إني هحميكي بروحي. ولو فيه حاجة معينة عايزة تعرفيها عني عشان تبقي متطمنة، قوليلي وأنا هعرفك كل حاجة."
ياسمين هزت راسها بخجل، وقالت بصوت واطي وموتر:
"بس.. مش المفروض إنت اللي تقول الكلام ده، ولا المفروض تحسسني إنك بتتحايل عليا عشان تتجوزني
كملت وهي بصاله .. أنا اللي المفروض أكون بترجاك تنقذني وتتجوزني بعد كل اللي عملته عشاني."
علي بلع ريقه بصعوبة، وحس بدقات قلبه بقت في السما من فرط السعادة والدهشة، سألها بعدم فهم وهو بيحاول يستوعب:
"يعني.. يعني إيه؟ إنتي موافقة؟"
ياسمين دورت وشها الناحية التانية، ومالت برقبتها على كتفها بخجل يخطف القلب، وهي لسه ضامة شفايفها بكسوف فطري رقيق. علي أخيراً خرج النفس اللي كان حابسه في صدره، وقال بصدق:
"صدقيني، لو هضحي بروحي في سبيل تكوني مرتاحة ومبسوطة مش هتردد ثانية واحدة."
وبعدين حمحم بجدية وحاول يسيطر على فرحته عشان يطمنها، وبدأ يحكي لها عن نفسه:
"أعتقد من حقك تعرفي شوية معلومات عني.. أولاً أنا يتيم زي ما إنتي عارفة، وماليش في الدنيا غير خالتي منى. أنا خريج تجارة إنجلش، واشتغلت شوية في المجال بس مرتحتش، كنت بلاقي نفسي أكتر في الجيم والتمارين.. ووقتها اتعرفت على أدهم السويسي، وده أشهر رجل أعمال في القاهرة، واشتغلت البادي جارد بتاعه والمساعد الشخصي.. مرتبي كويس جداً الحمد لله، والشقة دي ملكي اشتريتها من سنتين وجبت خالتي تعيش معايا فيها."
وفجأة، علي فتح عينه بذهول وكأنه افتكر مصيبة، وضرب كف على كف:
"يا لهوي! ده أنا نسيت خالتي تماماً، المفروض أعرفها إني هتجوزك!"
وجري دخل على جوه وهو بينادي عليها "يا خالتو.. يا منمن!"،
وياسمين كانت ماشية وراه وهي بتضحك بكسوف من جنانه.
في الصالة
 منى خرجت من المطبخ مفزوعة: "في إيه يا علي؟ البيت بيولع ولا إيه ؟"
علي مسك إيد خالته وهو بيضحك زي العيل الصغير:
"البيت هيولع من الفرحة يا خالة.. ياسمين وافقت! أنا هتجوز ياسمين!"
منى بصت لياسمين اللي كانت واقفة وشها زي الطماطم، وبعدين زغرطت زغروطة ملأت الشقة:
"يا ألف نهار أبيض! أخيراً يا علي هشوفك عريس؟!"
منى فتحت دراعاتها وحضنت ياسمين بقوة، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي من زمان. ياسمين ارتمت في حضنها وهي حاسة لأول مرة بالدفا والأمان اللي انحرمت منهم، ودموع الفرحة نزلت من عينيها.
منى بعدت عنها شوية ومسكت وشها بين إيديها وقالت بحنان:
"والله يا بنتي، أنا من أول ما دخلتي البيت ده وأنا حاسة إنك بنتي اللي ما خلفتهاش.. قلبي انفتح لك وكأني عارفاكي من سنين. علي ابني، وأنا عارفة نقاوة قلبه، ومش هيلاقي عروسة أحسن ولا أجمل منك تصون بيته وتملى حياته."
ياسمين بكسوف: "ربنا يخليكي ليا يا طنط، أنا اللي مكنتش أحلم بربع اللي عملتوه معايا."
علي كان واقف بيتفرج عليهم والابتسامة مش مفارقة وشه، حاسس إن جبل انزاح من فوق صدره.
_________________________________
أدهم رجع القصر كعادته من وقت اللي حصل، متأخر عشان يضمن إنه ميشوفهاش، دخل بخطوات رتيبة، صدى جزمته على الرخام كان بيدي إنذار لجميلة اللي كانت واقفة ورا باب جناحها، مستنياه بلهفة وخوف. حاولت تشوفه من خرم الباب، وضربات قلبها زادت لما لمحته ماشي في الطرقة تجاه جناحه.
و فجأة.. بلعت ريقها بخوف لما شافته بيلف ونظره موجه لباب جناحها، وشهقت برعب لما لقته متوجه ناحية جناحها، جريت بسرعة ناحية سريرها وفي ثواني كانت متغطية ومغمضة عينيها.
خبط خبطتين ولما موصلوش الرد فتح الباب.. اتنهد وهو بيتأملها، هو جه بس عشان يتطمن عليها وقرر يخرج، لكنه لاحظ حركة البطانية على صدرها بتترفع وتنزل بسبب أنفاسها السريعة. ابتسم ابتسامة من زاوية فمه وقرب من سريرها بخطوات بطيئة.
غمضت عينيها بقوة وهي حاسة بقلبها هيخرج من قفصها الصدري لما حست بظله قريب منها.. وأدهم قرب لدرجة إن أنفاسه الساخنة كانت بتخبط في وشها. ضمت شفايفها بارتباك لما حست بملمس صوابعه الخشنة على خدها الناعم وهو بيحرك إبهامه بشكل دائري على خدها.
 زاد توترها لما قرب أكتر لدرجة إن مبقاش يفصل بينهم غير بعض السنتيمترات، وفجأة نفخ في وشها بخفة!
فتحت عينيها بخضة من أثر الحركة، واتفاجأت بيه بيبصلها بنظرات فيها مزيج من الخبث والشوق.
أدهم بنبرة هادية:
"بتمثلي ليه إنك نايمة؟"
قالت بتوتر وهي بتحاول تقوم تقعد:
"أنا.. أنا فعلاً كنت نايمة بس قلقت لما دخلت."
منعها تقوم وفضل مثبت جسمه قريب منها وما زال وشه قريب من وشها:
"اممم.. بأمارة إنك كنتي بتراقبيني من ورا الباب؟"
فتحت عينيها بخجل لما كشفها، وهو كمل:
"صوت خطوات رجلك وأنتِ بتجري فضحتك."
معرفتش ترد، مش بس لأنها مش لاقية إجابة، لكن بسبب قربه اللي وترها وأنفاسه اللي بتخبط في بشرتها كأنها سهام نار بتحرق كيانها. أدهم فضل مثبت عينيه في عينيها، وما زال بيرسم دوائر وهمية بإبهامه على خدها وزاوية فمها، جميلة همهمت بهمس مسموع،
 لكن أدهم قطع اللحظة دي وهو بيقول بصوت أجش:
"جميلة ..انسي اللي حصل في الساحل ."
جميلة اتصدمت من الجملة، وحست كأن مية ساقعة اتدلقت عليها. أدهم كمل وهو بيقوم من مكانه ببرود مصطنع عشان يداري ضعفه:
"اللي حصل هناك كان لحظة جنون مش هتتكرر.. إنتي أختي.. وأنا أخوكي. وأي حاجة تانية غير كدة هي طريق لجهنم ليّا وليكي."
قام واداها ضهره، وهي فضلت قاعدة على السرير بتبص لـ طيفه بوجع وحيرة، مش عارفة هل هو فعلاً مصدق إنها أخته ولا بيعاقب نفسه وعايز يقتلع المشاعر دي من جذورها؟
_______________________________
في صباح يوم جديد، صحي علي بنشاط غريب وحماس مكنش حاسس بيه من سنين. أخد شاور في حمام غرفته، ووقف قدام المراية يختار هدومه؛ ولأول مرة يقرر يبعد عن البدلة والقميص واللوك الكلاسيك اللي فرضه عليه شغله.
اختار هودي رصاصي، وعليه جاكيت جينز غامق، وبنطلون أسود.. خلاه يبان أصغر وفي قمة جاذبيته. سرح شعره البني الغزير وساب خصلات شعره الي فيها تجعيده خفيفه( ويڤي) تنزل على جبينه، ورش من البرفيوم الفخم بتاعه اللي ريحته كانت مالية الأوضة. 
اتأمل نفسه في المراية بحيرة، وابتسامة خفيفة ارتسمت على وشه وهو بيقول لنفسه:
"يا ترى شكلي هيعجبها؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
خرج من أوضته اللي بتفتح مباشرة على الصالة، وبص حواليه باستغراب لما ملقاش حد، لكنه سمع صوت حركة في المطبخ. اتوجه لهناك بخطوات هادية، وابتسم لما لقاها واقفة مدياله ظهرها ومركزة في تقطيع الخضار. قرب منها ووقف وراها مباشرة، لدرجة إنها حست بظله غطاها.
ياسمين اتصنمت في مكانها، وقلبها بدأ يدق بسرعة قبل ما تسمع صوته الرخيم وهو بيقول بهمس جنب ودنها:
"صباح الخير يا خطيبتي."
لفت ياسمين بسرعة وبصتله بذهول واستغراب:
"خطيبتك؟"
علي رد بعفوية ممزوجة بسعادة مقدرش يداريها:
"آه.. مش كتب كتابنا النهاردة بالليل؟ يبقى إحنا دلوقتي في حكم المخطوبين."
ياسمين ضمت شفايفها بخجل ونزلت عينيها في الأرض وهي بتقول بصوت واطي:
"ماشي.."
علي حاول يغير الموضوع لما شاف خجلها اللي بيأثر فيه جداً، وبص حواليه وسألها:
"أمال خالتي فين؟"
ردت باستغراب وهي بتبص لمكان ما كانت منى واقفة:
"مش عارفة.. دي كانت واقفة معايا دلوقتي، مش عارفة راحت فين."
علي فجأة فتح عينه وابتسم بمكر، وهو بيحرك لسانه في خده من جوه بمكر
(أيوه هي نظرة حمدي الوزير )
، وقال بنبرة غزل:
"إيه ده؟ ممكن تكون نزلت تشتري حاجة.. يعني إحنا دلوقتي لوحدنا؟"
ياسمين بلعت ريقها بارتباك وهي شايفة نظراته اللي اتغيرت، ومكتفاش بالنظرات، ده بدأ يقرب منها خطوات وهي بدأت ترجع لورا بخوفد لحد ما ظهرها خبط في رخامة المطبخ. سألته بصوت مهزوز:
"علي.. إنت بتقرب كدة ليه؟"
علي همس بصوت رخيم وهو محاصرها بين إيديه والرخامة:
"تفتكري بقرب ليه؟ يعني أنا وإنتي.. والبيت فاضي."
ياسمين انكمشت في نفسها بتوتر وقالت بهمس:
"علي.."
علي حط كفه برقة على فمها وقال بحنان:
"ياسمين.. أنا بهزر، إنتي بجد خوفتي؟"
هزت راسها بارتباك واضح، وعلي لسه حاطط كفه على فمها وكمل وهو باصص في عينيها باطمئنان:
"أنا مستحيل أذيكي.. 
وبعدين كمل بمكر .. وبعدين أنا لو عايز أعمل حاجة، الأحسن أستنى لبليل.. بعد كتب الكتاب."
ياسمين اتصدمت من جراءته وتفكيره المنحرف، وبدأت تستكشف نسخة جديدة منه ماكنتش عارفاها. ولسه هترد، جه صوت منى فجأة وهي واقفة على باب المطبخ وبتبصلهم بطرف عينها:
"إنت كاتم نفس البت كدة ليه يلا؟ هتفطس في إيدك! دي بسكوتاية مش قدك."
علي بعد بسرعة البرق وحرك إيده على شعره بإحراج شديد وقال بلجلجة:
"احم.. خالتي! إنتي جيتي؟ إنتي كنتي فين؟"
منى ردت وهي شايلة سبت الغسيل:
"أنا مخرجتش أصلاً يا فالح.. أنا كنت بلم الغسيل من البلكونة ."
علي هز راسه وهو بيمشي بسرعة عشان يهرب:
" مخرجتيش ليه طيب.."
مشي وسابهم، فضلت منى واقفة تبص لياسمين اللي كانت لسه ساندة على الرخامة وبتحاول تنظم أنفاسها المخطوفة.ومنى هزت راسها وضحكت :
"الواد ده حاله اتشقلب خالص .. صحيح الحب ولّع في الدره!"
طلع موبايله وهو لسه بيضحك على المنظر اللي حصل في المطبخ، وطلب رقم أدهم. أول ما أدهم رد، علي قال بنبرة فيها حماس مش متعود عليه:
"صباح الخير يا أدهم بيه.. بقولك إيه، أنا النهاردة مش جاي المكتب، وماليش دعوة بأي شغل يخص السويسي جروب النهاردة خالص."
أدهم رد باستغراب ممزوج بسخرية:
"وده من إيه إن شاء الله؟ واخد إجازة وضع ولا إيه يا علي؟"
علي ضحك من قلبه وقال:
"يا عم إجازة إيه، أنا النهاردة كتب كتابي .. بليل المأذون هيكون عندي. وطبعاً مش محتاج أعزمك، إنت صاحب بيت بس بقولك عشان تعمل حسابك وما تلبسنيش في اجتماع مفاجئ."
أدهم سكت لحظة، ونبرة صوته اتغيرت وبقت أهدى وألطف، وكأنه فرح لصاحبه بجد:
"ألف مبروك يا علي.. ربنا يتملك على خير ،أكيد هاجي طبعا. "
________________________________
أدهم دخل القصر بخطوات واثقة . أول ما دخل الصالة الكبيرة، لقى جميلة قاعدة مع يزن على السجاد، فارشين كراسات الرسم والألوان، وصوت ضحكهم مالي المكان.
أدهم وقف بعيد شوية، اتسحبت على وشه ابتسامة وهو شايف يزن ميت من الضحك وجميلة بتشخبط له على ورقة وبتهزر معاه.
يزن لمح أدهم فجأة، صرخ بفرحة: "بابا!" وجري عليه بكل قوته، حضن رجله لأنه مش طايله، أدهم ضحك وشاله رفعه لفوق وحضنه بحب أبوي صافي، كأنه ابنه مش أخوه الصغير.
جميلة فضلت قاعدة مكانها، بتراقب المشهد ده بتنهيدة حزن مكتومة. كانت حاسة إن أيامها في القصر ده معدودة، ونفسها تسيب ذكرى حلوة عند يزن، كانت بتقعد معاه كتير عشان لما تمشي يفتكرها بالخير، حتى لو أدهم حاول يشوه صورتها قدامه بعدين.
فاقت من أفكارها على صوت أدهم الرخيم وهو بيسألها:
"جميلة.. سرحانة في إيه؟"
هزت راسها بسرعة ونفت: "ها؟ لا مفيش حاجة.. كنت بكمل الرسمة مع يزن."
يزن نزل من حضن أدهم وجري جاب الكراسة بفخر: "بص يا بابا أنا وجميلة رسمنا كل الرسومات دي." أدهم بص للرسومات وقال: "حلوين أوي يا حبيبي." وفجأة، نبرة صوته اتغيرت وبقت جادة، وبص لجميلة وقال بلهجة آمرة:
"جميلة.. عايزك فوق."
جميلة جسمها اتنفض، وحست بقلبها وقع في رجليها من التغير المفاجئ ده. سألت بتوتر: "في إيه يا أدهم؟"
أدهم رد بزهق وهو بيفك زرار قميصه: "مسمعتيش؟ بقولك عايزك فوق في الجناح.. حالاً."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
جميلة بلعت ريقها بخوف، وبدأت الأفكار السودا تهاجمها "يا ترى عرف حاجة؟ يا ترى هيواجهني؟". سألت تاني بضعف: "أيوه عايزني في إيه طيب؟"
أدهم قرب منها ومسك إيديها بقبضة قوية ومسيطرة، وشدها وراه وهو طالع السلالم، وقال ليزن وهو ماشي: "كمل رسمك يا بطل."
جميلة كانت ماشية وراه بخطوات مهزوزة، وعينيها في ضهره وهي بتتخيل سيناريوهات مختلفة وكل سيناريو أسوء من اللي قبله. اتفاجئت إنه دخل بيها جناحها هي وقفل الباب، رجعت بخطوات مرتعشة لورا وأدهم بيقرب بخطوات بطيئة. 
جميلة لقت نفسها خبطت في الحيطة وأدهم حاصرها، بصت له بصمت وعينيها بتلمع من الدموع، ظناً منها إنه كشفها، لكنه نطق جملة صدمتها، كانت كأنها دلو ماء ساقع اتدلق عليها:
"أنا رايح كتب كتاب واحد صاحبي، وعايزك تيجي معايا."
جميلة بصت له ببلاهة وما زالت مش مصدقة إن بعد كل ده، ده اللي عايز يقوله.
 بعدت عنه بغيظ وقالت: "مش عايزة أروح."
أدهم رد بجمود: "مش بمزاجك، أنا قولت هتيجي معايا والكلام خلص. نص ساعة والاقيكي جهزتي."
مشى خطوتين ولكن رجع تاني وقال بابتسامة خفيفة ونبرة حنينة اللي يسمعها ميقولش ده اللي كان بالجدية دي:
"في فستان أسود كنتي جايباه يوم لما عملنا شوبينج.. ياريت ده اللي تلبسيه."
وسابها واقفة مبهوتة وباصة له ببلاهة من شخصيته اللي بتتغير كل دقيقة وخرج.
 جميلة هزت راسها بذهول وهي بتقول:
"شيزوفرينيا.. عليا النعمة عنده شيزوفرينيا وف مراحله الأخيرة كمان!"
__________________________________
في المساء داخل غرفة علي
 كانت منى واقفة قدامه بتعدل له جاكيت البدلة بلمسات مرتعشة، والدموع بتلمع في عينيها ببريق الفرحة. قالت بصوت مخنوق من التأثر:
"أنا مش مصدقة إن ربنا طوّل في عمري لحد ما أحضر يوم جوازك يا علي.. أنا خلاص، أموت وأنا مرتاحة."
علي مسك إيدها اللي كانت بتعدل له الكرافتة وباسها بحنان كبير وقال:
"بعد الشر عليكي يا حبيبتي، ربنا يطولي في عمرك.. إنتي أمي مش خالتي."
منى ردت وهي بتمسح دموعها بطرف طرحتها:
"أنا أول ست تبقى فرحانة إن ربنا حرمها من الجواز والخلفة، عشان يعوضني في الآخر بابن زيك يا علي."
علي حضنها بقوة وتأثر، هو فعلاً مبيحسش إنها خالته، هي كل أهله. خرجت من حضنه وهي بتبدل الحزن بزغروطة قوية هزت الأوضة:
"خلاص مفيش دموع تاني! يلا يا حبيبي عشان المأذون زمانه جاي، وكمان شوف عروستك جهزت ولا لسه."
وقف علي بتردد قصاد غرفتها، قلبه كان بيدق كأنه طبلة. خبط خبطتين، وجاه صوتها الرقيق يسمح له بالدخول. فتح الباب واتصنم مكانه، مبهور باللي شافه.
ياسمين كانت واقفة في نص الأوضة، لابسة فستان أبيض حريري طويل لحد الكاحل وتلت كم، بحزام لؤلؤي رقيق من عند الوسط، ومطرز من عند الصدر بفراشة من غرز بيضاء ناعمة. وسابت شعرها مفرود لحد كتفها، ولامة بعض الخصل ببنسة رقيقة على شكل فراشة، كأنها بتكمل لوحة الفراشات اللي على الفستان.
 والميكب الخفيف اللي حطته أبرز ملامحها الرقيقة جداً.
بلع ريقه وهو بيقرب منها بخطوات بطيئة، كأنه مسحور. سألته هي بتردد:
"حلوة؟"
هز راسه بنفي وهو لسه تحت تأثير سحرها، ياسمين ضمت شفايفها بحزن وقالت:
"أنا قولتلك مش هعرف في كام ساعة أشتري فستان حلو، بس أنت اللي أصريت أطلبه أونلاين.. أكيد مبهدل عليا، وكمان أنا مش قد كدة في الميكب وووو...."
قطع كلامها لما رفع كفه وحطه على فمها برقة، فـ سكتت وبصتله بذهول، وكمل هو بنظرات هيام:
"أنا قصدي إنك مش بس حلوة.. كلمة حلوة دي بتظلم جمالك.. إنتي فاتنة يا ياسمين."
ابتسمت بخجل ومالت برقبتها على كتفها بكسوف فطري، رفع كف إيده عن فمها وهو بيرجع لورا خطوة بيستعرض بدلته اللي أصر يشتريها بعد الفطار:
"طيب.. وأنا؟ شكلي عريس؟"
ضحكت برقة وهي بتهز راسها بتأكيد؛ البدلة كانت مرسومة عليه بسبب جسمه الرياضي، واعترفت لنفسها إن اللبس الكلاسيك بيبرز هيبته أكتر بكتير من الكاجوال.
قطع اللحظة دي زغاريط منى وهي بتناديهم من برا: "المأذون وصل يا ولاد!"
بلع ريقه بتوتر وسألها: "جاهزة؟"
هزت راسها بتوتر غلبه الأمان: "جاهزة."
خرجوا للصالة، كان قاعد المأذون واتنين من قرايب علي من بعيد، وفجأة الباب اتفتح ودخل أدهم ووراه جميلة. أدهم بصوت واثق:
"أنا جيت."
علي قام وسلم عليه وحضنه أدهم بحب: "مبروك يا علي."
جميلة كانت واقفة متفاجئة، مكنتش تعرف إن ده كتب كتاب علي اللي قابلته أول مرة في الحارة وكانت فاكراه هو أدهم ، 
علي هز لها علي راسه بترحيب: "أهلاً يا آنسة جميلة، نورتوا."
علي بابتسامة: "طبعاً يا خالتو إنتي عارفة أدهم بيه مديري وصاحبي، ودي جميلة أخته."
منى رحبت بيهم بحرارة: "أهلاً نورتي."
علي استكمل التقديم: "ياسمين.. ده أدهم بيه اللي حكيتلك عنه."
ياسمين ابتسمت بخجل وهزت راسها، رغم إن هيبة أدهم خضتها شوية،
 وأدهم لقى نفسه بيسرح في ملامحها لثواني، وحس بإحساس غريب أول ما عينه جت في عينها، بس ابتسم لها بهدوء. وجميلة قربت باركت لها بكسوف: "ألف مبروك يا ياسمين."
ياسمين برقه :" الله يبارك فيكي ."
المأذون بدأ المقدمة بتاعته، وأخد البطايق الشخصية، وبص لياسمين وقال:
"هتوكلي حد يا بنتي؟"
ياسمين بصت لعلي بحزن والدموع لمعت في عينيها لأنها وحيدة وملهاش حد يوقف جنبها في لحظة زي دي. علي اتنهد بضيق لأنه حس بوجعها، ولسه هيتكلم، اتفاجئوا بصوت أدهم القاطع:
"أنا هبقى وكيلها."
الكل بصله باستغرب، وياسمين رفعت عينها ليه بذهول والدموع لسه فيها، مش مصدقة إن الراجل اللي لسه شايفاه من دقايق قرر يشيل مسؤوليتها قدام المأذون ......
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أدهم كرر جملته وهو بيبص لياسمين نظرة غريبه :
"أنا هبقى وكيل آنسة ياسمين.. لو هي موافقة طبعاً."
الكل بصله باستغراب، وعلي سأله بدهشة حقيقية:
"حضرتك يا أدهم بيه؟"
أدهم ماردش على علي، فضل مثبت نظره على ياسمين اللي كانت بتبص له بذهول ودموعها نازلة على خدها زي الشلال. قرب منها خطوات هادية وموزونة لحد ما وقف قصادها مباشرة، وقال بنبرة واطية بس مسموعة:
"لو آنسة ياسمين موافقة.. أنا يشرفني أكون في مقام والدها النهاردة."
ياسمين بصت لعلي وهي مش عارفة تقول إيه، لسانها اتلجم من المفاجأة. علي قرب منها وميل لمستواها وهمس لها:
"ياسمين.. موافقة أدهم بيه يكون وكيلك؟ لو مش موافقة عادي، إنتي ممكن تبقي وكيلة نفسك."
رفعت عينيها لأدهم اللي كان واقف مستني ردها، عيونهم اتلاقت لثواني معدودة، لكنها كانت كفاية تخلي ياسمين تحس برعشة غريبة في قلبها. 
شافت في عينيه نظرة مريبة، كأنه بيترجاها توافق، وكأن الموقف ده يهمه هو شخصياً أكتر منها. هزت رأسها بموافقة وهي مش عارفة ليه عيونه أثرت فيها بالشكل ده، وليه مشدودة ليهم بالدرجة دي رغم إنها أول مرة تقابله.
أدهم قعد جنب المأذون من ناحية، والناحية التانية قعد علي. المأذون طلب منهم يحطوا إيديهم في إيدين بعض، وحط المنديل الأبيض عليهم وبدأ مراسم العقد. وفي دقايق، كان المأذون بيقول جملته الشهيرة اللي هزت كيان ياسمين:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.. بالرفاء والبنين."
زغروطة منى انطلقت في الشقة كلها
أدهم قام بهيبته المعتادة، ملامحه كانت هادية. مد إيده لعلي وسلم عليه بقوة وهو بيبتسم ابتسامة صافية نادراً ما بتظهر منه وقال:
"مبروك يا علي..."
علي رد بامتنان وهو بيضغط على إيد أدهم:
"الله يبارك فيك يا أدهم بيه، وقفتك دي دين في رقبتي ليوم الدين."
لف علي وبص لياسمين، وعينيه كانت بتلمع بهيام وفرحة مكنتش قادرة توصفها الكلمات. مسك إيدها بتملك كإنه بيثبت للعالم كله إنها ملكه. ياسمين وشها بقى جمرة نار من الكسوف ونزلت عينيها في الأرض، بس كانت حاسة لأول مرة في حياتها بأمان ملمستوش قبل كدة.
منى وشها نور بفرحة مش طبيعية، وقفت في نص الصالة وقالت بصوت عالي وهي بتمسح دموع الفرح:
"لا ده أنا مش هسيبكم كدة.. أنا هشغلكم الأغنية اللي كنت بغنيهالك يا علي يا حبيبي وأنت صغير ."
منى راحت شغلت الكاسيت، وطلعت أغنية "يامّا حمامي سرح" بصوتها الشعبي المبهج. منى مأكتفتش بكدة، راحت زقت علي ناحية ياسمين وهي بتضحك: "قوم يا عريس ارقص مع عروستك"
ياسمين كانت بتضحك بكسوف، علي مسك إيديها بحنان وبدأ يرقص معاها بهدوء، يرفع إيدها وهي في ايديه ويحركها في الهوا، وهو بيبصلها بنظرات كلها هيام:
"يامة حمامى سرح..
 ويّا حمام الواد على
وطلعت له بمقشِّة.. ونزلت له بمقشِّة
ولقيت حمامة بتتمَّشى.. مع حمام الواد على"
علي قرب من ياسمين بمرح وهز كتافه ناحيتها وهو بيضحك، وياسمين ضحكتها طلعت من قلبها لأول مرة، وكأن الأغنية دي فكت كل التوتر اللي كان جواها:
"يامة حمامى اتخلط..
 ويّا حمام الواد على
وطلعت له بالتوللي.. ونزلت له بالتوللي
واتلخبط وردي على فُلي.. ويا حمام الواد على"
ياسمين بتغني مع كلمات الأغنيه ،وهي بتشاور على علي بكسوف .وبتهز كتافها برقه ودلع:
: يامة حمامى اتخلط ، ويّا حمام الواد على
وطلعت له بتفاحة
ونزلت له بتفاحة
ولقيت حمامة فلاّحة
مع حمامة الواد على
وطلعت له بالكوسة
ونزلت له بالكوسة
ولقيت حمامة مدسوسة
مع حمام الواد على
- يامة حمامى اتخلط ، ويّا حمام الواد على.
الكل كان بيسقف وعلي مندمج في الرقص مع ياسمين، والأجواء كانت قمة في السعادة والدفا..
أدهم كان متابعهم بعنيه.. وجواه مشاعر مش عارف يفسرها..هو مبسوط وهو شافها مبسوطه ..لكن مش لاقي تفسير لمشاعره ناحيتها ؛ لأنها مش مشاعر راجل  لواحدة ست عاجباه ..هو مش غيران مثلا انها بترقص مع علي.
وفي عز اللحظة دي، موبايل علي اللي كان محطوط على الترابيزة جنب أدهم بدأ يرن بحدة وورا بعضه. علي مكنش سامع ولا حاسس بأي حاجة غير ياسمين والأغنية، فأدهم مد إيده وأخد الموبايل. خرج للبلكونة بسرعة، ورجع وعينه بتدور على علي.
أدهم قرب من علي وهو لسه ماسك إيد ياسمين وبيرقص، وميل على ودنه وهمس بصوت واطي وواضح:
"علي.. المستشفى كلمتك .. منصور فاق."
ياسمين أول ما سمعت اسم منصور مسكت في دراع علي بخوف ووشها بقى لونه أصفر. علي ضمها ليه وقال لأدهم بتحدي وقوة:
"ياسمين بقت مراتي يا أدهم بيه، ومحدش له حق عندها.. أنا هروحله المستشفى دلوقتي."
علي طبطب على كتف ياسمين وباس راسها ، وهو بيطمنها بصوته الرخيم:
"ماتخافيش يا ياسمين..راجعلك، هروح بس أحط النقط على الحروف وأنهي الكابوس ده للأبد عشان نعيش حياتنا صح."
أدهم وعلي ومعاهم جميلة خرجوا من الشقة. أدهم طلب من السواق يرجّع جميلة القصر فوراً، وركب هو مع علي في عربيته واتوجهوا بأقصى سرعة للمستشفى..
بمجرد ما قفلوا الباب والضيوف والمأذون مشيوا، الشقة هديت فجأة، وبان الخوف والارتجاف على ياسمين اللي كانت لسه بفستان فرحها الأبيض بس قلبها كان بيتعصر من الرعب. قعدت على الكنبة وضمت نفسها، منى قربت منها بحنان وقعدت جنبها وأخدت إيدها بين إيديها:
"مالك يا بنتي؟ في إيه؟ أنا حاسة إن وراكي حمل جبال."
ياسمين بكت بانهيار، وبدأت تحكي لمنى كل حاجة؛ حكت عن قسوة منصور، وعن الليلة اللي هربت فيها وقابلت علي، وعن خوفها إن منصور يرجع يسيطر عليها تاني.
منى حضنتها بقوة ومسحت دموعها وهي بتواسيها:
"استهدي بالله يا بنتي.. علي راجل وسيد الرجالة، وعمره ما هيسيبك. ولا هيسمح لأبوكي إنه يلمس شعره منك، واعتبري اللي فات ده مات..، والخير كله جاي."
__________________________________
أدهم وعلي دخلوا الغرفة بخطوات ثابتة، صوت وقع أحذيتهم على الأرضية السيراميك كان هو الصوت الوحيد اللي كسر هدوء الممر. قفلوا الباب وراهم بالمفتاح، وحاصروا السرير اللي نايم عليه منصور، وراسه ملفوفة بالشاش الأبيض وعينيه بتتحرك بصعوبة من أثر الخبطة.
منصور بصلهم باستغراب وخوف وهو مش قادر يحدد ملامحهم بوضوح، وسأل بصوت مبحوح:
"انتوا مين؟ وعايزين مني إيه؟"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
علي قرب منه وعينيه بتطلع شرار، الغضب كان مسيطر عليه لدرجة إنه كان بيتنفس بصعوبة، وقال بصوت حازم:
"أنا علي.. جوز ياسمين."
منصور اتنفض وحاول يقعد رغم الوجع اللي في راسه، وبص لعلي بذهول:
"ياسمين؟ ياسمين مين يا جدع أنت؟ أنت اتجننت؟"
هنا اتقدم أدهم السويسي بخطواته المرعبة ووقف في مواجهة منصور مباشرة، وقال بنبرة مليانة احتقار:
"ياسمين بنتك.. ولا بلاش أقول بنتك، لأنك لو هي بنتك فعلاً مكنتش حاولت تعمل وساختك دي معاها.
هيبة أدهم ونبرة صوته خلته يتهته في الكلام ويحس بضعفه وهو مرمي على السرير:
"أنا.. أنا مش فاهم أنت بتتكلم عن إيه! وفين ياسمين بنتي؟ رجعوها لي!"
علي ضغط على فكه بقوة، وقرب من وش منصور لدرجة إن أنفاسه الغاضبة كانت بتحرق وش منصور، وقال بوعيد:
"أنت تنسى إن كان ليك في يوم بنت.. ياسمين خلاص اتمحت من حياتك، ومش هتشوف ظلها حتى. ولو فكرت مجرد تفكير إنك توصل لها، أنا هموتك بإيدي.. أنا حايش نفسي عنك بالعافية ومراعي إنك كنت في يوم أبوها، بس من اللحظة دي أنت ولا حاجة."
علي كمل وهو بيشاور على نفسه بتحدي:
"ياسمين دلوقتي بقت مراتي، ولو حاولت مجرد محاولة إنك تقرب من طرفها، هشرب من دمك يا منصور."
أدهم بص لمنصور بنظرة قرف وكأنه بيتعامل مع حشرة، وطلع محفظته ورمى مبلغ مالي على الطرابيزة اللي جنب السرير وقال ببرود قاتل:
"أنا هدفعلك فلوس المستشفى عشان ماتترميش في الشارع زي الكلب.. رغم إن ده مقامك، بس بنتك أنضف منك بكتير ومش عايزة تشيل ذنبك."
أدهم وعلي لفوا ضهرهم وخرجوا من الأوضة بكل كبرياء، وسابوا منصور وراهم مصدوم، باصص في الفراغ برعب وجسمه بيترعش.
_________________________________
علي دخل الشقة والهدوء كان سيد الموقف، بص في ساعته لقاها عدت 11 بالليل؛ اتنهد وهو بيظن إن خالتو منى وياسمين استسلموا للنوم بعد اليوم الطويل ده. 
بدأ يقلع جاكيت البدلة بيطء، وفك زراير قميصه الأبيض بإرهاق وهو بيتحرك ناحية أوضته عشان ينام.
فتح الباب ودخل، لكنه اتصنّم مكانه والأنفاس انقطعت للحظة.. ياسمين كانت قاعدة على سريره، مستنياه.
ياسمين كانت غيرت فستان الفرح، ولابسة بيجامة ستان باللون الأزرق الملكي، ربع كم، ومزينة بالدانتيل الرقيق عند الصدر، مخلية بشرتها البيضاء تنور. أول ما شافته، قامت وقفت بارتباك، وعينيها غصب عنها جت على صدره وعضلاته البارزة بسبب زراير القميص المفتوحة، بلعت ريقها وسألته بصوت مهزوز:
"علي.. اتأخرت كدة ليه؟ "
علي فضل ساكت لثواني، عينه كانت بتتمشى على تفاصيلها بذهول، كأنه بيشوفها لأول مرة. ياسمين استغربت صمته وقربت خطوة وهي بتنادي عليه بصوت أعلى ظنا إنه مسمعش سؤالها : "علي؟"
هز راسه بسرعة وكأنه بيفوق من سحرها، وحاول يخشن صوته عشان يداري ارتباكه:
"احم.. ااا.. أنا روحت واتكلمت معاه، وخليته ينسى إن كان ليه بنت اسمها ياسمين تماماً."
قرب منها خطوات هادية، وعينيه مثبتة عليها بجرأة ومكر مبيظهروش غير معاها، وكمل بنبرة رجولية حاسمة:
"عشان إنتي دلوقتي بقيتي مراتي.. ملكي أنا بس."
سكت لحظة وهو بيبص حواليه في الأوضة وسألها بخبث: "بس إيه اللي مقعدك في أوضتي في وقت متأخر زي ده ؟"
ياسمين حاوطت نفسها بدراعاتها بتوتر، وقالت وهي بتبص في الأرض:
"أنا.. أنا كنت نايمة في أوضتي عادي، بس قولت أستناك هنا عشان اتأخرت أوي، وكنت عايزة أعرف عملت إيه ."
علي رسم ابتسامة نصر صغيرة على وشه، وقرب أكتر لحد ما بقى بيفصله عنها سنتيمترات، وهمس بمكر: "امممم.. ودلوقتي؟ عرفتي اللي حصل.. إيه اللي هيحصل بعد كدة؟"
ياسمين حست بقلبها هيخرج من مكانها، ومبقتش عارفة تودي عينيها فين من قربه، قالت بلجلجة:
"أنا.. أنا هخرج أروح أوضتي بقا.. تصبح على خير."
اتحركت بسرعة ناحية الباب اللي كان موارب، لكنها اتخضت لما لقت علي في ثانية بقى قدامها وحاصرها على الباب اللي قفله بإيده، وأنفاسه العالية كانت مسموعة في هدوء الأوضة.
"ياسمين.."
همهمت بصوت مكتوم وهي باصة للأرض: "نعم.."
علي رفع دقنها بإبهامه برقة، وأجبرها تبص في عينيه اللي كانت مليانة هيام وشوق، وقال بصوت رخيم:
"إنتي مش هتخرجي من أوضتي يا ياسمين."
ياسمين ضمت شفايفها بخجل وارتباك قاتل وسألته بضعف: "ليه؟"
علي قرب أكتر لدرجة إن جبهته لمست جبهتها، ومشاعره غلبته في اللحظة دي، وكأن كل تعبه وخوفه عليها طلع في كلمة واحدة: "عشان ده اللي المفروض يحصل.. وعشان أنا مش قادر أبعد أكتر من كدة."
وقبل ما ياسمين ترد، مشاعره جرفته وقرب منها بجنون، لكن ياسمين بشهقة مكتومة وانفاس متسارعة همست: "علي.. أرجوك.."
علي فجأة اتصلب مكان، وغمض عينيه بقوة، وبعد عنها واداها ضهره وهو بيحاول يتمالك أعصابه وأنفاسه اللي بقت زي النار
 ونسي في لحظة إنها ممكن تكون لسه خايفة من اللي عاشته مع أبوها. قال بصوت مكسور ومليان أسف:
"أنا أسف.. أنا عارف إنك لسه مش متعودة عليا، وغصب عني.. تقدري تروحي أوضتك.. تصبحي على خير."
ثواني عدت والصمت بقى تقيل وموجع في الأوضة. علي كان لسه مديها ضهره ومستني يسمع صوت الباب بيتفتح ويتقفل وراها، لكنه اتصنم مكانه لما حس بجسمها الرقيق بيحاوط ضهره، وإيديها الصغيرة لفت حوالين وسطه، ودفنت راسها في قميصه من ورا بخجل، وأنفاسها السريعة كانت بتخترق القماش. وقالت بصوت واطي بس واثق:
"بس أنا مش خايفة يا علي.."
علي فتح عينيه بصدمة، ولف ليها بسرعة وهو مش مصدق، لقاها باصة له بخجل فطري بيسحر، لكن ملامحها مكنش فيها أي أثر للخوف.. كان فيها حب واستسلام كامل ليه.
هنا علي مقدرش يصبر ثانية كمان، وقرب منها بجنون وهو بيشيلها بين إيديه، وكأن العالم كله اختفى ومبقاش فيه غيرهم .
__________________________________
بزغ فجر يوم جديد، والشمس بدأت تتسلل بهدوء من بين ستائر الغرفة، وكأنها بتعلن عن بداية جديدة لحياة كل أبطالنا. فتح عينه بكسل وهو بيتمطع، والابتسامة مالية وشه، إحساس غريب وجميل بالراحة كان مالي قلبه لأول مرة من سنين.
بص جنبه وشاف ياسمين نايمة بعمق، ملامحها كانت هادية جداً وشعرها مبعثر على المخدة، كأنها طفلة لقت أمانها أخيراً. قرب منها وباس راسها بحب، ومشى إيده على خدها برقة، لكن فجأة موبايله رن وكسر اللحظة دي. 
أخده بسرعة من على الكومودينو قبل ما صوت رنة الموبايل تزعجها وتصحى، وبص في الشاشة ورد بعد ما عرف هوية المتصل 
رد بصوت واطي وهامس:
"أيوة.. ها إيه الأخبار؟"
جاله الصوت من الناحية التانية بلهجة عملية:
"كله تمام يا علي بيه.. الورق خلص ، تقدر تيجي تستلمه النهاردة."
علي اتنفس بعمق وقال:
"تمام.. أنا جايلك حالاً."
قفل المكالمة ونفخ بضيق، مكنش عايز يسيب ياسمين في أول صباح ليهم مع بعض، لكن ما باليد حيله ده شغله.
قام بسرعة، أخد شاور سريع ولبس هدومه، وقبل ما يخرج، وقف ثواني يتأمل ياسمين وهي لسه غرقانة في النوم. ابتسم لنفسه وقرر إنه هيخلص مشواره في أسرع وقت ويرجع لها.
__________________________________
في مكان بعيد تماماً، وتحديداً في ولاية كاليفورنيا بـ أمريكا، كانت الأجواء مختلفة. نادية كانت بتتحرك في أوضة النوم زي الفراشة، بتقفل الشنط وحركات إيدها فيها حماس وسعادة مكنتش قادرة تخبيها. أخيراً، بعد سنين طويلة من الغربة والبعد، جوزها وافق إنهم يرجعوا مصر.
فجأة، دخل محمود الأوضة، وقف وراها وحط إيده على كتفها بحنية وهو بيراقب فرحتها اللي ظاهرة في كل تفصيلة:
"شكلك متحمسة أوي لرجوعنا يا نادية.. مش قادرة تستني كام ساعة لحد الطيارة؟"
نادية لفت ليه وشها منور وفرحتها واصلة لعينيها:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"أيوة طبعاً يا محمود! أنا بقالي سنين مستنية اللحظة دي.. مشتاقة لكل حاجة في مصر، لهواها، وشوارعها، والناس اللي وحشونا."
محمود ملامحه اتغيرت فجأة، واتنهد بقلق واضح، وكأن فيه حمل تقيل شايله على قلبه طول السنين دي:
"بس أنا خايف يا نادية.. تفتكري هيكرهني لما يعرف الحقيقة؟ تفتكري هيسامحني إني سبته السنين دي كلها وهو فاكر إني ميت؟"
نادية قربت منه، مسكت إيديه بحنان وطمنته بصوتها الهادي:
"هيكرهك ليه؟ عشان كنت بتحميه؟ يا محمود أنت عملت كدة عشان تنقذ حياته .. أنا متأكدة إنه لما يشوفك ويسمع منك الحقيقة، هيفهم أنت ليه زيفت موتك واختفيت.. هو محتاجلك يا محمود، وأنا واثقة إنه هيسامحك وهترجعوا عيلة زي زمان وأحسن."
رد بنبرة حزينه  : " تعرفي ..كان نفسي أوصل لمكان ياسمين بنتي بس .. كإنها اختفت من وقت ما خرجت من الملجأ ."
نادية:" انشاء الله تلاقيها وربنا هيام شملكم كلكم ."
أمن محمود على كلامها وهو بيبص من الشباك للسما، وكأنه بيبعت سلام لـ أدهم اللي سابه طفل صغير وبيرجعله وهو راجل، بس السؤال اللي كان شاغل باله: "أدهم السويسي هيقبل وجود أبوه اللي فاكره مات .. ولا الحقيقة هتكون صدمة تكسر كل حاجة؟"
__________________________________
أدهم كان قاعد في مكتبه، الجو هادي والستائر شبه مقفولة. ماسك موبايله وعينه منزلتش من على صورة لقطها خلسة امبارح في كتب الكتاب. الصورة كانت لياسمين وهي بتضحك من قلبها وهي بترقص مع علي، ملامحها كانت صافية ورقيقة لدرجة خطفت أنفاسه.
أدهم مكنش لاقي مبرر للي عمله، ولا ليه صوّرها أصلاً من غير ما حد يحس، بس لقى نفسه بيمسح بإبهامه على ملامحها في الصورة وكأنه بيلمس وشها بجد، والابتسامة اترسمت تلقائي على وشه وهو بيتأمل رقتها.
 وفجأة، أول ما سمع خبط على الباب، قفل الموبايل بسرعة وحطه على المكتب بجمود كأنه مكنش بيعمل حاجة
.
دخل علي بابتسامة عريضة وروح معنوية عالية، وميعرفش طبعاً إن مديره وصاحبه من ثواني كان بيتأمل صورة مراته.
علي: "صباح الخير يا أدهم بيه."
أدهم حاول يرجع لبروده المعتاد ورسم ابتسامة هادية: "صباح النور يا عريس.. خير؟ جيت ليه؟ مش كنت قايلي إنك مش هتيجي النهاردة وعايز إجازة؟"
علي رد بحماس: "أنا فعلاً مكنتش جاي، بس الواد اللي مكلفينه يخلص ورق الورث  كلمني النهاردة الصبح وقالي إن الورق كله جاهز."
أدهم انتبه لكلامه، وعينه لمعت بتركيز: "يعني الورق دلوقتي معاك؟"
علي مد إيده جوه جيب الجاكيت وطلع ظرف كبير وعطاه لأدهم: "أيوة، اتفضل."
أدهم مسك الورق وبدأ يقرأه بتمعن شديد، وملامحه بدأت تتغير لنظرة غامضة مش مفهومة. هز راسه ببطء وقال: "تمام يا علي، تقدر تمشي أنت دلوقتي."
علي لسه بيلف ضهره عشان يخرج، أدهم ناداه فجأة بصوت متردد:
"علي.. هي ياسمين عاملة إيه؟"
علي وقف مكانه، ووشه اتغير تماماً. ضيق حواجبه باستغراب، ونبرة صوته قلبت لغيرة واضحة مقدرش يتحكم فيها:
"وأنت بتسأل عنها ليه ؟"
أدهم حس إنه اتحط في موقف بايخ، وقلبه دق بسرعة من التوتر. كان نفسه يقوله إنه مش قادر يشيل صورتها من خياله، بس استجمع ثباته ورد بجدية عشان يداري ارتباكه:
"أنا قصدي.. أكيد هي متضايقة من اللي حصل لأبوها في المستشفى، مهما كان ده أبوها، وكنت عايز أتطمن إنها بخير مش أكتر."
علي بص له لثواني بنظرة فاحصة، وكأنه بيحاول يقرأ اللي ورا كلامه، وبعدين هز راسه وقال باختصار:
"الحمد لله هي كويسة ومبسوطة.. عن إذنك."
خرج علي وساب أدهم غرقان في أفكاره، بيبص للموبايل اللي على المكتب وعقله بيقوله إنه بدأ يدخل في منطقة خطر..".
__________________________________
جميلة كانت قاعدة في جنينة القصر لوحدها، باصة للسما الصافية وعقلها كأنه دايرة مفرغة من الأفكار اللي مابتخلصش. كانت بتفكر في حياتها اللي اتشقلبت في مده قصيرة، وإزاي البنت اللي كانت داخلة القصر ده وهي مابتقكرش غير في مصلحتها وبس، وإزاي تنجو وتعيش حتى لو بالسرقة، اتغيرت ١٨٠ درجة.
اعترفت لنفسها أخيراً وهي بتغمض عينيها بوجع: "أنا حبيته.. أنا بجد حبيت أدهم."
الحب ده هو اللي خلى نار الغيرة تاكل في قلبها امبارح وهي بتراقب نظراته لياسمين، مرات علي. حست إنها مهما عملت هتفضل في نظره المحتالة اللي جت تسرقه وقلبها بيوجعها كل ما تفتكر إنها هتبعد عنه وهو هيكرها. 
هي عارفة إن حياتها كانت صعبة ومريرة، بس دلوقتي فهمت إن ده مش مبرر أبداً للي عملته، خصوصاً بعد ما أدهم حكى لها عن حياته الصعبة، وإزاي شال شيلة يزن لوحده وبنى إمبراطورية السويسي من تحت الصفر بعد ما كانت هتنهار.
مبقتش قادرة تكون أنانية، وقلبها بقى يميل للطيب، حتى يزن.. بقت بتحبه كأنه حتة منها، ساعات تحسه أخوها وساعات تانية تحس بكيان الأمومة ناحيته.
فاقت من سرحانها على صوت خطوات ثابتة ورزينة وراها. لفت بسرعة ولقت أدهم جاي ناحيتها بملامح غامضة مش مفهومة، وقبل ما ترسم على وشها ابتسامة، اتفاجئت بـ إبراهيم طالع من وراه والضحكة والانتصار ماليين وشه.
أدهم وقف قصادها مباشرة، ملامحه كانت مشدودة وجادة جداً، وقال بصوت بارد قطع كل حبال الأمل جواها:
"أنا خلاص خلصت أوراق الورث يا جميلة.. تقدري تمضي دلوقتي وتاخدي نصيبك ."
جميلة اتسمرت مكانها، الدنيا اسودت في عينيها وحست إن الأرض بتهتز تحت رجليها.
 بصت لأدهم بزهول ووجع .. 
يعني إيه؟ كدة كل حاجة خلصت؟ .....
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"أنا خلاص خلصت أوراق الورث يا جميلة.. تقدري تمضي دلوقتي وتاخدي نصيبك ."
جميلة اتسمرت مكانها، الدنيا اسودت في عينيها وحست إن الأرض بتهتز تحت رجليها. بصت لأدهم بذهول ووجع، كان نفسها تصرخ وتقوله "أنا مش عايزة ورث، أنا عايزة أفضل هنا"، بس لسانها اتلجم ... يعني إيه؟ كدة كل حاجة خلصت؟
قعدوا في المكتب، وأدهم حط الورق والقلم قدامها. جميلة مسكت القلم وإيديها بتترعش رعشة هستيرية، بصت لأدهم اللي كان قاعد حاطط رجل على رجل وملامحه جامدة، لكن عينيه كانت مراقباها بدقة، كان نفسه تعترف له بكل حاجة، كان مستني منها كلمة واحدة تقول فيها إنها مجبورة، كان ممكن يسامحها لو لقت فيها الشجاعة إنها تطلب حمايته.. لكن جميلة خيبت أمله، وبحركة يائسة مضت أخيراً ودموعها نزلت غرقت الورق.
إبراهيم وقف ونط من مكانه وهو بيضحك بصوت عالٍ ومتحمس:
"ألف مبروك يا ولاد!"
بص لجميلة نظرة لئيمة فهمتها كويس، نظرة بتقول إنها هتسلمه الورق بعدين.
إبراهيم مشي، وأوضةالمكتب فضيت على أدهم وجميلة. جميلة رفعت عينيها بصعوبة لأدهم اللي مازال قاعد باصص لها بنظرة غامضة، بس حست في وسط الغموض ده بخيبة أمل وكسرة مفهمتش سببها لكن وجعت قلبها.
أدهم قام فجأة وهو حاطط إيده في جيبه، ومن غير ما يبص لها قال بصوت خالي من أي مشاعر:
"أنا راجع الشركة.."
جميلة غمضت عينيها ودموعها نزلت زي الشلال، أدهم شاف دموعها وهو خارج، بلع ريقه بصعوبة وحس بوجع في صدره، كان نفسه يمد إيده ويمسح دموعها دي رغم كل اللي عملته، بس كرامته وجرحه كانوا أقوى، فخرج بسرعة وقفل الباب وراه بقوة
جميلة انكمشت على نفسها في الكرسي وأطلقت العنان لشهقاتها المكتومة اللي كانت بتزلزل كيانها. خلاص، الحكاية خلصت، ودي كانت النهاية اللي كانت بتهرب منها طول الوقت.
هي عارفة إبراهيم كويس؛ بمجرد ما ياخد الورق اللي هي مضت عليه ده، هيسلمها شوية فلوس وورق سفرها لبره مصر تمن تمثيليتها..
_________________________________
دخل علي الشقة وهو حاسس بحالة من النشاط والحماس، فتح الباب ودخل لقى خالتو منى واقفة في الصالة وبترص الأطباق على السفرة والريحة كانت تجوع.
علي بابتسامة: "صباح الفل يا خالتو، الله على الريحة اللي تفتح النفس دي."
منى ردت بضحكة: "يسعد صباحك يا حبيبي، حمد لله على سلامتك"
علي وهو بيقلع الجاكيت وبيحطه على طرف الكرسي: "اله يسلمك ياخالتو..  صحيح هي ياسمين فين؟"
منى لوت بوزها بخبث وقالت: "دخلت بصيت عليها في أوضتها ملقتهاش قلبت عليها البيت كله 
رمقته بخبث وكملت .. وفي الأخر لقيتها نايمة في أوضتك غرقانة في النوم، قلت أسيبها ترتاح.. شكلها كان شايل كتير واليومين اللي فاتوا هدو حيلها."
علي مسح على شعره بإحراج، لكن ضيق ما بين حواجبه باستغراب وقلق: "لحد دلوقتي؟ طيب أنا هدخل أشوفها."
دخل أوضته بهدوء، لقاها نايمة زي ما سابها بالظبط، ملامحها هادية وخصلات شعرها نازلة على وشها. قعد على طرف السرير جنبها، وبدأ يلمس خدها برقة وبصوت واطي وهمس: "ياسمين.. ياسمين."
همهمت ياسمين بصوت نايم وهي بتتقلب: "ممم.."
علي بابتسامة وسعت على وشه: "ياسمين.. اصحي يالا، كفاية نوم."
فتحت عينيها ببطء، فضلت ثواني باصة للسقف وهي مش مستوعبة هي فين، ولما لمحت علي قاعد جنبها، استوعبت فجأة وضمت شفايفها بخجل ووشها أحمر.
علي ضحك بخفة: "صح النوم يا كسلانة، إيه كل ده؟"
ياسمين بصوت مبحوح من النوم سألته: "هي الساعة كام؟"
علي: "إحنا العصر يا ستي.. أنا خرجت وروحت الشركة وخلصت وجيت، وأنتي لسه نايمة."
ياسمين اتخضت وقعدت بسرعة: "يا خبر! العصر؟ أنا آسفة والله ما حسيت بنفسي."
علي مسك إيدها يطمنها: "آسفة على إيه يا هبلة؟ أنتي كنتي محتاجة الراحة دي.. يالا قومي فوقي كدة عشان خالتو مستنيانا على الأكل.
__________________________________
خرج محمود ونادية من بوابة المطار، نادية كانت بتلتفت حواليها في كل اتجاه، عينيها بتلمع وهي بتستنشق هوا القاهرة وكأنها بتملى صدرها بيه لأول مرة من سنين. محمود كان ماشي جنبها بخطوات واثقة، نضارته السوداء مخبية عينيه، وهدوءه كان ملفت للانتباه.
نادية قربت منه وهمست بصوت واطي ومنفعل:
"مش مصدقة يا محمود.. أخيراً! رجلينا لمست الأرض بجد.. يالا، هنطلع على القصر علطول؟"
محمود وقف فجأة، عدل الجاكيت بتاعه ببطء :
"لا يا نادية.. القصر ملوش لازمة دلوقتي."
نادية استغربت ووقفت هي كمان:
"يعني إيه؟ إحنا بقالنا كام ساعة في الطيارة بنرتب هنقوله إيه وهنقابله إزاي!"
محمود كمل مشي وهو بيتكلم بنبرة رصينة:
"أدهم مش طفل يا نادية.. أدهم اللي سيبته وهو يادوب عشر سنين ، غير اللي موجود دلوقتي. لو دخلت عليه بصفتي أبوه اللي رجع من الموت، أول رد فعل ليه هيكون الصد.. ويمكن يطردنا ومايسمعش كلمة واحدة."
نادية مشيت جنبه بسرعة وهي بتحاول تستوعب:
"أمال هنعمل إيه؟ هنفضل نتفرج عليه من بعيد؟"
محمود بص لها من فوق النضارة بابتسامة غامضة:
"لا.. هندخل، بس من الباب اللي هو بيفتحه بمزاجه. باب الشغل. ، متنسيش إني من وقت ما سبت مصر من عشرين سنه وأنا مغير اسمي من محمود السويسي لمحمود الشافعي
 فأنا هرجع بصفتي المستثمر اللي راجع بخبرة سنين من أمريكا.. وقرر ينقل شغله مصر وفعلا أنا هعمل كده وهنقل كل ثروتي اللي في امريكا هنا..
و هبقى قدامه في الاجتماعات، وفي الصفقات، وفي كل حركة بيعملها.هبقى قدام عينيه كل يوم، هقرب منه، هفهمه، هخليه يحبني ويثق فيا كشريك وصديق..
 ولما أحس إن الوقت مناسب هعرفه الحقيقة. 
(توضيح بسيط :  طبعا زي ما كلكم عرفتوا ان محمود ده يبقى أبو أدهم وياسمين، والكل كان فاكر إنه مات من ٢٠ سنة في الحادثة اللي دبرها له إبراهيم. بس الحقيقة إن محمود لسه عايش، وزيف موته وقتها لسبب لسه هنعرفه قدام .. 
نادية: دي تبقى مرات محمود التانية، يعني مش أم أدهم ولا ياسمين ؛لان أم أدهم وياسمين ماتت في الحادثة. وحكاية نادية ودورها مع محمود هنعرفه في توالي الأحداث بردو
بس كده أتمني كل حاجة تكون وضحت)
_______________________________
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
جميلة كانت قاعدة في أوضة يزن، محاوطة بكتبه وكراساته، وبتحاول بكل قوتها تداري وجع قلبها ورا ابتسامة هادية وهي بتساعده في واجباته. يزن كان بيبص لها ببراءة وهو بيمسح بالاستيكة غلطة عملها، وفجأة قال بصوت طفولي حنون:
"أنا بحبك أوي يا ياسمين.."
جميلة قلبها اتعصر، وباست راسه بحب:
"وأنا كمان بحبك يا حبيب قلبي.. يالا وريني الشطارة عشان نخلص ونلعب شوية."
وفي وسط اللحظة اللطيفة دي، قطع هادم اللذات صفو قعدتهم؛ الموبايل اللي في جيب بنطلونها رن باهتزاز متواصل. جميلة اتخضت وطلعت الموبايل، وبمجرد ما شافت هوية المتصل، وشها جاب ألوان.
قامت وقالت ليزن وهي بتحاول تبان طبيعية:
"حبيبي، هرد على المكالمة دي في الطرقة وجاية لك تاني."
خرجت ووقفت في الطرقة البعيدة عن عيون الحرس، وردت بصوت واطي ومخنووق:
"أيوة يا إبراهيم بيه. خير ايه تاني؟"
إبراهيم رد بصوت فيه فحيح وجشع:
"اسمعي يا بت إنتي، الحركات دي ما تمشيش عليا. أنا لازم آخد الورق اللي مضيتيه النهاردة.. ."
جميلة ردت بذهول:
"وأنا أجبهولك ازاي؟ زمان أدهم خده الشركة."
إبراهيم ضحك بسخرية:
"غلطانه يا حلوة.. أدهم مخدش الورق في المكتب. الورق لسه في القصر، وأكيد أدهم عاينه. اسمعي.. الورق ده لازم يجيلي في أسرع وقت، دوري عليه كويس، ممكن تلاقيه في جناحه الخاص أو في مكتبه اللي في القصر.. هو أكيد ما خدوش معاه الشركة."
ومعطاهاش فرصة ترد،وقفل السكة في وشها، وجميلة فضلت واقفة سانده ضهرها على الحيطة، أنفاسها سريعة وعينيها بتلف في الطرقة برعب. هي دلوقتي بين نارين: نار أدهم اللي بدأ يحبسها بمشاعره وقسوته، ونار إبراهيم اللي ماسك رقبتها بورق سفرها وحريته
بصت يمين وشمال، الطرقة كانت هادية، وأدهم لسه مرجعش من الشركة. استغلت الفرصة واتسحبت بهدوء ناحية جناح أدهم. كانت دي أول مرة تتجرأ وتدخل منطقته الخاصة وهي عارفة إنها ممنوعة.
فتحت الباب ببطء، ريحة عطره القوية كانت مالية المكان، ريحة بتفكرها بكل لحظة خوف وكل لحظة حب عاشتها معاه. بدأت تدور بإيد بتترعش في أدراج المكتب الصغير اللي في ركن الجناح، وهي بتهلف:
"يارب ألاقيه وأخلص.. يارب ما يرجعش دلوقتي."
وفجأة، وهي بتقلب في وسط الأوراق، سمعت صوت عربية أدهم بتفرمل في حوش القصر تحت الشباك!
أول ما سمعت صوت فرملة عربية أدهم تحت، جسمها اتنفض والورق اللي في إيدها كان هيقع.
بدأت ترجع كل حاجة مكانها بسرعة وهي بتنهج، وخرجت من الجناح وهي بتتسحب قبل ما هو يطلع السلم. استخبت ورا عمود في الطرقة، وشافته وهو طالع، كان وشه باين عليه الإرهاق والضيق، وماسك جاكيت البدلة في إيده.
أدهم ودخل غرفة يزن يطمن عليه .
وجميلة فضلت واقفة مكانها بتتنفس بصعوبة، وقالت في سرها:
"ما لقيتش حاجة.. الورق مش في الجناح! يبقى أكيد عاينه في مكتبه اللي تحت."
_________________________________
علي كان قاعد بيقلب في موبايله بملل، مستني ياسمين تخلص لبس عشان يخرجوا ؛لان خالته طلبت منهم يخرجوا يحتفلوا بجوازهم ..
وأثناء ما بيقلب في الموبايل ..سمع صوت دقات كعبها الهادية بتقرب، رفع عينه ببطء.. وفي اللحظة دي الوقت وقف بالنسبة له.
بلع ريقه بصعوبة وهو بيحاول يستوعب الجمال اللي قدامه، وفضل يرمش بكذا مرة كأنه بيتأكد إن دي ياسمين مش حلم. كانت لابسة فستان أسود بكتف واحد، القماش فيه لمعة خفيفة بتخطف العين مع كل حركة، والفستان كان مرسوم على جسمها برقة مذهلة.
ياسمين اكتفت بمكياج أبرز ملامحها بقوة؛ كحل أسود تقيل حدد عينيها الواسعة، وروج أحمر جرئ كان متناغم جداً مع بشرتها الصافية، وشعرها كان متسرح بطريقة زادتها أنوثة، ومع الكعب العالي كانت طالعة في غاية الرقه والأنوثة. 
علي قام وقف بتلقائية، ونسي الموبايل تماماً، وفضل باصص لها بنظرة مليانة إعجاب وحب، وقال بصوت مهزوز:
"إيه ده؟ هو أنا اتجوزت ملكة جمال وأنا مش عارف؟"
ياسمين وشها احمر بخجل، وبصت في الأرض وهي بتلعب في شنطتها الصغيرة:
"شكلي وحش؟ لو مش عاجبك ممكن أدخل أغيره وألبس حاجة تانية."
علي قرب منها بسرعة، ومسك إيدها بحنان:
"تغيري إيه؟ ده أنا خايف أخرج بيكي الناس تحسدني عليكي. ياسمين، أنتي النهاردة بجد تسحري."
ياسمين ابتسمت برقة، وعلي كمل وهو بيعدل ياقة قميصه الزيتي بزهو: ها تحبي نخرج نتعشى فين ؟"
بترد بحماس:" ايه رايك نروح المطعم اللي أكلنا فيه أول مرة اتقابلتا؟"
علي ضحك من قلبه وهو باصص لها بذهول، ورفع حواجبه باستغراب:
"كشري يا ياسمين؟ ده أنتي لابسة فستان وسواريه وقالبة الدنيا، وعايزة أول خروجة لينا بعد الجواز ناكل كشري!؟"
ياسمين ضمت شفايفها بحزن طفولي ووطت عينيها الأرض:
"حسيت إنها هتكون حاجة مميزة..  إننا نروح نفس المكان بس المرة دي وإحنا متجوزين .. لو مش عايز أو المكان مش مناسب للبسنا، ممكن نروح أي مطعم تاني إنت تختاره."
علي أول ما شاف لمعة الزعل في عينيها، قلبه رقّ فوراً. قرب منها ورفع وشها بإيده ولمس دقنها برقة عشان يخليها تبص له، وابتسم ابتسامة حنونة:
"يا ستي اللي تأمري بيه يتنفذ، هو أنا عندي أغلى منك؟ بس بشرط.. بعد الكشري ده، هنروح مكان تاني على ذوقي أنا، نحلى فيه ونكمل سهرتنا، موافقة؟"
ياسمين هزت راسها بحماس وفرحة خلت عينيها تلمع، وعلي مد لها كتفه بشياكة وقال:
"طيب يالا بينا ؟"
ياسمين حطت إيدها في دراعه بخجل وفرحة، وخرجوا من الشقة .
_________________________________
في نص الليل
 القصر كان ساكن ، مفيش غير صوت دقات الساعة . جميلة خرجت من أوضتها وهي بتتسحب، رجليها الحافية مابتطلعش صوت على الرخام البارد. كانت بتتلفت حواليها ، ونبضات قلبها واصلة لودانها، حاسة إن الحيطان ليها عيون بتراقبها.
نزلت درجات السلم ببطء وهي كاتمة نفسها، ومشت في الطرقة الطويلة اللي في آخرها مكتب أدهم. وقفت قصاد الباب، حطت إيدها المرتعشة على المقبض وفتحته وهي ضامة شفايفها بتوتر . المكتب كان ضلمة كحل، شغلت فلاش الموبايل ووقفت قصاد مكتبه، وقعدت على الكرسي الجلد الكبير بتاعه وهي حاسة إنها بتغرق فيه.
فتحت الأدراج براحة، وبدأت تدور بين الملفات المكدسة بلهفة، لحد ما لقت ضالتها؛ الملف اللي فيه أوراق الورث. خدته بسرعة وحطته تحت التيشرت بتاعها وهي حاسة ببرودة الورق على جلدها، ورجعت كل حاجة مكانها بدقة.
ولسه هتقوم عشان تخرج، سمعت صوت خطوات جايه ناحية المكتب. الدنيا دارت بيها، والارتباك شل حركتها .... وفجأاااااااة    أدهم دخل وهو بيبص على باب المكتب المفتوح باستغراب، ولف بعينه في الأوضة لحد ما ضيق ما بين حواجبه لما شافها..
 جميلة واقفة في الضلمة، ساكنة زي التمثال، مابتتحركش ولا بتنطق.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أدهم قرب منها بخطوات بطيئة، ووقف قصادها مباشرة، لقاها مغمضة عينيها وأنفاسها هادية جداً وكأنها تمثال .
نادى بصوت واطي: "جميلة؟"
مفيش رد.
مسك كتفها وهزها برقة: "جميلة؟"
برضه مفيش رد. ولما هز كتفها بقوة أكبر وهو مستغرب سكونها المريب، فجأة جميلة وقعت بتُقل جسمها كله على جنب.
 وهو جري ومسكها بسرعة قبل ما تقع، ورفع دقنها بإبهامه وهو باصص لوشها اللي مفهوش أي تعبير.
قرب ودنه من فمها، سمع صوت نفسها الهادي، ومخدش باله من شفايفها اللي انضمت بارتباك لما حسّت بأنفاسه قريبة منها أوي كدة. أدهم همس باستغراب:
"إنتي نايمة؟ إنتي بتمشي وأنتي نايمة يا جميلة؟"
لما ملقتش منه رد، نزل لمستواها وشالها بحرص وحنان مبالغ فيه وخرج بيها من المكتب. جميلة كانت حاسة بضربات قلبها بتدق زي الطبول جوه صدرها، وبتحاول بكل قوتها تتحكم في ريتم نفسها وعينيها مقفولة. 
أدهم ضمها لحضنه بقوة، وكأن خوفه عليها غلب شكه فيها، وطلع بيها السلم لحد ما وصل لباب جناحها، زقه برجله ودخل حطها على السرير بكل رقة. قعد جنبها وهو باصص لملامحها ، مسح بكف إيده على خدها بحنية، وقرب باسها من جبينها وفضل مثبت فمه ثواني... وبعدين سند بجبينه على جبينها 
نادى بهمس: "جميلة.."
خبط بكف إيده على خدها براحة: "جميلة.."
همهمت بتمثيل متقن، وفتحت عينيها ببطء لقت ساند جبينه على جبينها وبيتنفس بهدوء. جميلة سألت بارتباك حقيقي المرة دي من قربه:
"أدهم.. فيه إيه؟"
أدهم بص في عيونها، كان بيدور على ذرة صدق أو خيط يوصله للي بيحصل، بس لقاها ثابتة، فاتنهد بتعب وقال:
"إنتي مش فاكرة حاجة؟"
هزت راسها بنفي وهي بتمثل عدم الفهم: "مش فاكرة إيه؟ وإنت إيه اللي جايبك هنا في وقت زي ده؟"
أدهم قام وهو بيقول: "ولا حاجة.. تصبحي على خير."
خرج أول ما قفل الباب، جميلة حطت إيدها على قلبها اللي كان هيقف: "الحمد لله.. الحمد لله إنها عدت." ووقعت بجسمها على السرير بتعب وهي لسه حاسة بلمسته على خدها.
_________________________________
المكان كان ساحر، كافيه مفتوح للسما ملوش سقف، كأنك قاعد فوق سحابة بتلمس النجوم بإيدك. الهوا كان محمل بريحة البحر اللي قصادهم، وصوت الموج كان بيعزف سيمفونية هادية مع جو المكان المتصمم بذكاء يخليك تحس إنك في حتة تانية بره العالم ودوشته.
وعلى أنغام الموسيقى، كان علي واقف وضامم ياسمين برقة بين إيديه، وهي سانده راسها على كتفه، بيتحركوا ببطء ونعومة كأنهم منفصلين عن الواقع. وصوت محمد محسن كان مالي الأركان بإحساس يوجع من كتر جماله:
"في قلبي مكان.. مكانش بيوصل له إنسان
لإنه أمان.. مكانش بيدي حد أمان
فتحته أنا ليك.. دخلته إنت وقفلت عليك
بقى ملكك.. ولا قبلك ولا بعديك
علي رفع وشها بطرف صوابعه، وبص في عيونها بهيام، وبدأ يهمس مع كلمات الأغنية وهو مركز في كل تفصيلة في ملامحها:
"خليني معاك.. ده أنا راحة قلبي معاك
 هو اللي يحس هواك في إيه بعده يكفيه؟
 من بين الناس أنا عشت معاك إحساس، 
بعد ما جربته خلاص ما اقدرش أعيش غير بيه.
ياسمين في اللحظة دي حست إن الدنيا لفت بيها، وبدأت تهمس هي كمان مع الأغنية وهي شابة على أطراف رجلها، وبرغم الكعب العالي اللي لابساه، كانت لسه يا دوب واصلة لبداية كتفه، مالت على ودنه وقالت بصوت طالع من روحها مع الأغنية:
"بحس معاك حاجات مش حلوة إلا معاك.. 
بطعم هواك جميلة وطالعة من جواك.. ترد الروح.
شاورت بصباعها الصغير على قلبها وهمست بكسوف:
"تنسي قلبي أي جروح.. 
أنا ملكك، وآديني قلتها بوضوح."
علي مكنش قادر يتحمل اعترافها المبطن ده ولا نظرة عينيها اللي بتعلن الاستسلام لحبه، شدها لحضنه بقوة خلتها تدفن وشها في رقبته ..وقرب من ودنها وهمس بصوت دافي هز كيانها:
"معرفش إزاي ولا امتى ولا فين ... عارف إنه مش منطقي ده يحصل في الوقت القصير اللي عرفتك فيه .. وعارف بردو ان مفيش مواقف كتير جمعتنا سوا عشان يبقى ده اللي جوايا بس أنا .. أنا بحبك يا ياسمين....
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
_"أدهم بيه ،فيه شخص بره مُصّر إنه يقابلك ضروري ."
أدهم ضيق بين حواجبه بضيق وسألها: "مين ده ؟"
 ردت بتوتر: "مش راضي يقول اسمه يا فندم".
أدهم هز راسه وقال: "دخليه".
دخل بخطوات رصينة وهيبة تملا المكان. أدهم وقف وبادره بالسلام، ومخدش باله من نظرة الحنين والشوق اللي كانت بتلمع في عينيه . 
أدهم سأله بجدية: "أهلاً بحضرتك.. خير؟ ومين حضرتك؟".
محمود رد بصوت هادي ورزين: "أنا محمود الشافعي، رجل أعمال.. كنت شغال في أمريكا طول السنين اللي فاتت، ومؤخراً قررت أنقل كل استثماراتي هنا لمصر. ولما سألت عن أكفأ شركات الاستيراد والتصدير، اسم أدهم السويسي كان الأول، وعشان كده جيت أعرض عليك صفقة .. طبعاً بعد ما تطلع على كل أوراقي وتتأكد من مصداقيتي".
أدهم هز راسه بعملية، وفي ثواني كان اللابتوب قدامه شغال بيعمل سرش عن الاسم. ملامح أدهم اتغيرت لما ظهرت صورته ومعلومات عنه كواحد من أكبر رجال الأعمال في كاليفورنيا.
 محمود ابتسم بوقار وقال: "أتأكدت بنفسك؟".
 أدهم رفع حاجبه بإعجاب من ذكاء الراجل وقال: "تمام يا محمود بيه، هدرس مضمون الصفقة وأرد عليك".
محمود كان نفسه يفضل قاعد يشبع عينه منه. وهو بيسلم، شد على إيد أدهم وطبطب على ضهره بحنية غريبة، خلت أدهم يستغرب ويحس برعشة مجهولة في جسمه.
 بعد ما محمود خرج، أدهم فضل باصص لمكانه وقال لنفسه: "إيه الراجل الغريب ده؟"
_________________________________
في مكان مقطوع 
بعيد عن دوشة المدينة، في طريق مهجور، كانت جميلة واقفة بتتلفت حواليها برعب، لحد ما شافت عربية إبراهيم بتقرب. نزل إبراهيم بابتسامة صفرا وقال: "ها.. جبتي الورق؟". 
جميلة ردت بجمود: "جبت الباسبور ؟"
. إبراهيم ضحك: " والفلوس كمان يا حلوة ،إنتي مستغنية عنهم يعني؟".
طلعت جميلة الملف من شنطتها، إبراهيم خطفه وفتحه، وبدأ يلمس الورق بابتسامة مجنونة وهو مش مصدق إنه أخيراً بقى معاه مفتاح الثروة. 
جميلة مدت إيدها بحدة: "الباسبور!". 
إبراهيم طلع الدفتر الأزرق من جيبه ومعاه شيك. وقال :" معاد طيارتك بعد بكرة ."
فتحت عينها بصدمة وهمست بحزن:"بعد بكرة .. ده قريب اووي"
فتحت  الباسبور واتأكدت من كل حاجة ولما شافت رقم الشيك، ابتسمت بحزن وقهر.. تمن غدرها وحبها كان مجرد ورق.
 إبراهيم بصلها بقرف وقال: "مش عايز أشوف وشك تاني". 
جميلة لفت ضهرها وقالت بسخرية لاذعة: " ونبي !.. علي أساس أنا اللي هموت وأشوفك! مبروك عليك الورق يا إبراهيم، ومبروك عليا الخلاص".
سابته وهو بيمني نفسه بالفلوس، ومشت بخطوات تقيلة وهي مش عارفة .. هل فعلاً  قدرت تبيع أدهم بالبساطة دي؟
__________________________________
بعد ساعات ..
في ردهة القصر. أدهم كان قاعد على الكنبة الجلد، بيخلص إميلات على اللابتوب ، ويزن كان قاعد جنبه بيلعب بالتابلت بتاعه.
جميلة دخلت عليهم، كانت ملامحها هادية بس عينيها فيها نظرة وداع . وقفت قدامهم، بصت لأدهم وبعدين ليزن، وقالت بصوت ناعم ومتردد:
"أدهم.. كنت لسه بقلب في الصور عندي، واكتشفت حاجة غريبة أوي."
أدهم رفع عينه من على شاشة اللابتوب، وبصلها باهتمام:
" حاجة ايه يا جميلة؟"
جميلة ابتسمت ابتسامة باهتة:
"إحنا ملناش ولا صورة واحدة مع بعض.. إحنا التلاتة. يزن ليه صور معاك، ولي صور معايا، بس مفيش صورة بتجمعنا إحنا التلاتة كعيلة."
أدهم اتجمد مكانه للحظة، وكأن الكلمة لمست وتر حساس جواه. ساب التليفون من إيده وهز راسه ببطء واستغراب، وكأنه لسه واخد باله دلوقتي:
"فعلاً! إزاي فاتتنا دي؟ إزاي متصورناش كلنا مع بعض قبل كده؟"
يزن رمى التابلت بحماس ونط من مكانه:
"أيوة يا بابا! أنا عايز صورة تجمعني بيكم إنتو الاتنين عشان أعلقها في أوضتي."
أدهم قام وقف، وعدل قميصه، وبص لجميلة بنظرة كانت مليانة عتاب مختلط بحب، وقال بصوت رزين:
"عندك حق.. لازم الصورة دي تتاخد دلوقتي."
جميلة طلعت موبايلها، وإيدها كانت بتترعش وهي بتظبط التايمر. وقفت في النص بين أدهم ويزن. أدهم حط إيده على كتف يزن، وبالإيد التانية حوط وسط جميلة بملكية وقوة وكأنه خايف تهرب منه، وجميلة مالت براسها ناحيته وسندت على كتفه، ويزن وقف قدامهم بضحكة من القلب.
العد التنازلي بدأ.. 3.. 2.. 1..
.. الفلاش نور المكان، وخلد اللحظة دي. صورة كانت بتبان فيها كأنها عيلة مثالية، محدش يعرف حقيقتها المُرة.
_________________________________
تاني يوم في الشركه 
أدهم ومحمود كانوا قاعدين في جو ساد فيه الصمت فجأة، أدهم قفل الملفات اللي قدامه بابتسامة وقال: "إن شاء الله يكون تعاون ناجح يا شافعي بيه، والصفقة دي تعود بنفعها على الكل."
محمود رد عليه بنظرة كلها فخر وحنان غلب ثباته الانفعالي: "إن شاء الله يا ابني."
أدهم سكت لحظة، والكلمة رنت في ودانه بغرابة، ضيق عينه وبصله باستغراب من الكلفة اللي محمود شالها فجأة
محمود استدرك الموقف بسرعة وبابتسامة حزينة قال: "أنا آسف.. يمكن الحماس خدني وكسرت الحدود اللي بينا."
أدهم هز راسه بتفهم وهو بيحاول يطرد الشعور الغريب ده: "لا محصلش حاجة، حصل خير."
في اللحظة دي دخل علي المكتب بسرعة وهو بيعدل كرافتته: "أدهم بيه، الوفد التاني وصل والقاعة جاهزة، لازم نتحرك دلوقتي." 
علي حط موبايله على طرف المكتب وهو بيوري أدهم أوراق الصفقة الجديدة، واستأذن أدهم من محمود، إنه هيغيب دقايق ويرجع له تاني.
خرجوا سوا، وفضل محمود لوحده في المكتب. فجأة، موبايل علي رن بهزة قوية على الخشب. محمود بص للفون لقى الاسم متسجل بإسم "ياسمين"..
 الاسم ده ليه معزة خاصة جداً في قلبه، ابتسم وقرر يرد عشان يعرفها إن صاحب الموبايل نسيه وميقلقهاش.
فتح الخط، وجاله الصوت الرقيق الهادي: "علي.. هترجع البيت إمتى عشان ألحق أجهز الغدا؟"
محمود حس برعشة غريبة في قلبه لما سمع صوتها، رد بهدوء: "أنا مش علي يا بنتي.. أنا مستثمر في الشركة اللي بيشتغل فيها، وهو نسي موبايله وخرج."
ياسمين اتحرجت جداً وقالت بتوتر: "أه.. تمام، شكراً جداً لحضرتك، أسفة على الإزعاج."
قفلت السكة، ومحمود فضل باصص للموبايل وهو حاسس بانقباضة في صدره مش فاهم سببها، حط الموبايل مكانه وهو بيقول في نفسه:" شكلها مراته ربنا يخليهم لبعض."
كان الاجتماع شغال والكل مركز، وفجأة وبدون قصد، كوباية العصير اللي قدام علي مالت وغرقت قميصه الأبيض تماماً. علي اتفاجئ وبص لقميصه بضيق، فأدهم طبطب على كتفه وقاله بصوت واطي:
"ولا يهمك يا علي.. قوم روح البيت، و غيّر قميصك وتعالى، إحنا لسه مطولين."
علي استأذن وخرج، وأول ما وصل للطرقة حط إيده في جيبه تلقائياً عشان يكلم ياسمين ويقولها إنه جاي 
 بس اتصدم إن جيبه فاضي! ضرب كف على كف وافتكر إنه ساب الموبايل على التربيزة في قاعة الاجتماعات وهو بيوري أدهم أوراق الصفقة.
رجع علي وفتح الباب براحة، لقى محمود الشافعي لسه قاعد في مكانه بكل هيبة، والموبايل كان محطوط قدامه على التربيزة. أول ما محمود لمحه، ابتسم له ابتسامة صافية وقال:
"إنت نسيت موبايلك ."
علي ضحك بإحراج وقرب ياخده: "معلش يا محمود بيه."
محمود مسك الموبايل ومدهوله وقال بنبرة فيها اهتمام غريب:
"على فكرة.. فيه بنت اسمها ياسمين اتصلت، وأنا اضطريت أرد عشان ماتقلقش، وعرّفتها إنك نسيت الموبايل في قاعة الاجتماعات وهتكلمها أول ما تخلص."
علي أول ما بص للشاشة وشاف اسم ياسمين، مقدرش يخبي ابتسامته اللي نورت وشه، وعينيه لمعت بحب حقيقي مكنش قادر يداريه قدام محمود، وقال بفخر:
"آه.. دي ياسمين مراتي."
محمود سكت لثانية، وكأن الاسم لمس حتة جوه روحه، وبص لعلي وقال:
"ربنا يخليهالك يا علي.. ويبعد عنكم أي شر."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
علي حس براحة غريبة لكلام الراجل ده، وهز راسه بامتنان:
"آمين يا رب.. تسلم يا محمود بيه، عن إذنك عشان ألحق أغير وأرجعلكم."
_______________________________
ريحة براءة يزن كانت بتواسي وجع جميلة اللي حاسة إن روحها بتتسحب منها مع كل ثانية بتقرب من ميعاد سفرها. يزن كان بيحكي عن يومه في المدرسة، وصوته الطفولي كان بيملى المكان، وهي كانت بتمسح على شعره بحنان، وعينيها بتشرب ملامحه عشان تحفظها.
وفجأة، خانتها دمعة ونزلت على خدها .
 الولد سكت فجأة، ورفع راسه وبصلها بعيون واسعة مليانة قلق:
"جميلة.. إنتي بتعيطي؟"
جميلة حاولت ترسم ابتسامة باهتة وصوتها كان بيتحشر في حلقها:
"لا يا حبيبي.. دي حاجة دخلت في عيني بس."
خدته في حضنها تاني وضمت عليه بقوة، وكأنها بتستمد منه القوة عشان ماتنهارش، وهمست في ودنه بصوت مخنوق:
"إنت بتحبني صح يا يزن؟"
رد يزن ببراءة تامة: "أيوة طبعاً بحبك.. إنتي وبابا أغلى حاجة عندي في الدنيا."
جميلة غرزت صوابعها في ظهره وهي بتكتم شهقة بكا مريرة، وقالت وهي بتضغط على شفايفها:
"واللي بيحب حد.. مبيزعلش منه أبداً، مش كدة؟"
هز يزن راسه وهو لسه دافن وشه في كتفها: "بس إنتي مش بتزعليني خالص يا جميلة، إنتي دايماً طيبة معايا."
جميلة هنا مكنتش قادرة تمسك نفسها أكتر، دموعها نزلت زي الشلال وقالت بنبرة اعتذار بتوجع:
"أنا فعلاً مقدرش أزعلك.. بس لو حصل في يوم وزعلت مني، اتأكد إنه غصب عني ...والله يا حبيبي غصب عني."
يزن رفع راسه وبدأ يدمع هو كمان لما شاف حالتها دي، مكنش فاهم فيه إيه بس وجعها وصل لقلبه الصغير:
"إنتي بتعيطي بجد يا جميلة.. أنا كمان هعيط."
جميلة استسلمت تماماً، وخدته في حضنها تاني وصوت بكاهم هما الاتنين علي في ردهة القصر، في مشهد وداع يقطع النفس.. هي بتودع ابنها اللي مخلفتهوش، وهو بيبكي على الأمان اللي حاسس إنه هيضيع منه.
_________________________________
بعد فتره 
جميلة دخلت أوضتها، فتحت الدولاب ووقفت قدامه لثواني طويلة.. كانت بتبص على الفساتين والهدوم اللي أدهم اختارها لها قطعة قطعة بذوقه العالي، وكأن كل فستان فيهم بيحكي حكاية يوم حلو عاشته هنا.
 بصت على التسريحة، وشافت براندات الميكب والعطور الغالية ، بس في اللحظة دي حست إن الحاجات دي تقيلة على روحها، وكأنها بتقول لها: "إنتي مش من هنا".
بصت لنفسها في المراية وقالت بكسرة: "خلاص يا جميلة.. كل ده مابقاش بتاعك ولا من حقك، لازم ترجعي لجميلة القديمة."
دخلت خدت شاور سريع، وطلعت وفتحت شنطة الهدوم القديمة.. طلعت منها طقم مكون من بلوزه وبنطلون؛ الطقم اللي دخلت بيه القصر لأول مرة، كان بهتان وقديم، بس كان هو ده اللي بيمثل حقيقتها دلوقتي. لبسته وبصت لنفسها.. الفرق كان يوجع القلب.
اتسحبت بهدوء ودخلت أوضة يزن، لقته غرقان في نومه زي الملاك. قعدت جنبه على طرف السرير، وبدأت تمشي إيدها على شعره ببطء وكأنها بتودع كل خصلة فيه. قربت وباسته من جبينه بوسة طويلة، وفجأة خرجت منها شهقة مكتومة غصب عنها، كتمت بقها بإيدها وهي بتبكي بصمت، خايفة يصحى ويشوف دموعها.. كان صعب عليها تسيب الطفل اللي عوضها عن حرمان السنين.
قامت وراحت ناحية جناح أدهم. فتحت الباب بهدوء، ودخلت تتأمل كل ركن فيه بابتسامة باهتة مليانة وجع. راحت قعدت على طرف السرير بتاعه، ومالت بجسمها ودفنت وشها في الملاية، غمضت عينيها وهي بتستنشق ريحته اللي كانت لسه مالية المكان.. ريحته اللي كانت بتمثل لها الأمان والخوف في نفس الوقت.
عيطت بصمت وهي حاسة إن روحها بتتقطع، وبعدين قامت وهي بتفتكر إن الوقت بيجري. طلعت من جيبها جواب كانت كاتباه ، وحطت تحته الشيك اللي إبراهيم كتبهولها.. الشيك اللي كان تمن غدرها، بس هي قررت تسيبه لأدهم كدليل إنها مبعتوش عشان الفلوس.
وقفت على باب الجناح، بصت وراها نظرة أخيرة، وبعدين خرجت وقفلت الباب وراها وهي بتقفل صفحة من عمرها، ومشيت في الطرقة وهي شايلة شنطتها القديمة وباسبورها، متجهة للمجهول
__________________________________
علي كان واقف قدام المراية بيزرر قميصه ، وكل شوية يلتفت يبص لياسمين اللي كانت قاعدة على طرف السرير بتراقبه بابتسامة. ملامحه كانت متضايقة زي طفل مش عايز يروح المدرسة أول يوم.
علي بضيق: "والله يا ياسمين ما هاين عليا أسيب البيت وأنزل.. أنا بقول أزوغ باقي اليوم ،بما إني رجعت البيت عشان أغير هدومي ونقضي اليوم سوا."
ياسمين ضحكت بمرح وقامت وقفت قدامه تعدل له الياقة: "تزوغ فين يا أستاذ؟ إحنا لسه بنقول يا هادي.. وبعدين لو زوغت النهاردة وبكرة، أومال هنأكل منين؟ ولا عايزنا نعيش على عيش وملح؟"
علي مسك إيديها وباسهم بحب: "يا ستي آكل عيش وملح بس أفضل جنبك."
ياسمين طردته بضحكة خفيفة وهي بتزقه ناحية الباب: "يالا يا علي بلاش كسل.. الشغل مستني، وأنا وخالتو منى هنجهزلك غدوة تحلف بيها لما ترجع."
علي استسلم وودع خالتو منى اللي كانت بتدعيلهم من قلبها في الصالة.
 وقف على الباب وبص لياسمين نظرة أخيرة، قرب منها وباس جبينها برقة، وفجأة خطف بوسة من خدها وهو بيغمزلها: "مش هتأخر عليكي يا ست البنات."
نزل علي ، وياسمين فضلت واقفة ورا الباب وهي حاطة إيدها على خدها ومبتسمة بكسوف.
دخلت المطبخ تساعد خالتو، بس بعد عشر دقايق بالظبط، سمعت خبط قوي ومتتالي على الباب.
ياسمين باستغراب: "هو علي نسي حاجة ولا إيه؟ ده مالحقش يوصل لأول الشارع!"
جريت على الباب وهي بتعدل شعرها بضحكة: "نسيت قلبك ولا إيه يا علـ..."
الكلمة وقفت في حلقها، والضحكة اتمحت من على وشها في ثانية. ملامحها اتحولت لرعب حقيقي، وجسمها كله بدأ يترعش وهي شايفة الشخص اللي واقف قدامها وبصاته كلها غل وانتقام.
ياسمين بهمس مرعوب وصوت طالع بالعافية: "بـ.. بابا؟!"
إبراهيم كان واقف، عينه حمرا وشكله مبهدل وكأنه كان بايت في الشارع، وبص لها بابتسامة مرعبة وقال:
"أهلاً يا ست ياسمين.. كنتي فاكرة إنك استخبيتي خلاص؟ فاكرة إن الواد ده هيحميكي مني؟"
__________________________________
كان المطار في حالة هدوء ،بيقطعه صوت نداء مواعيد اقلاع الطيارات
 جميلة قاعدة في صالة الانتظار، حاطة شنطتها القديمة جنبها، وماسكة موبايلها بإيد بتترعش.
 فتحت الصور وعينها ثبتت على صورتهم التلاتة.. أدهم بضحكته الواثقة، ويزن ببراءته، وهي بينهم كأنها كانت في حلم وصحيت منه على كابوس.
مسحت بإبهامها على وش أدهم في الصورة، ودموعها نزلت غرقت الشاشة:
"سامحني يا أدهم.. كان لازم أمشي ..."
فجأة، نادى موظف المطار على ميعاد الرحلة. قامت جميلة بخطوات تقيلة، سلمت الباسبور والورق، وبدأت تتحرك ناحية البوابة الأخيرة اللي بتفصلها عن الطيارة.. وعن حياتها القديمة في نفسالوقت.
وقفت عند البوابة وبصت وراها نظرة أخيرة لمصر، وللقصر، وليزن ، ...ولأدهم.. ولسه هتحط رجلها جوه، فجأة صوت زلزل كيان المطار كله.. صوت جهوري، مليان غضب، ووجع، :
"جميلةاااااااا!"
جميلة اتصنمت مكانها، قلبها وقع في رجليها، ولفت ببطء وهي مش مصدقة. كان أدهم واقف على بعد أمتار، صدره بيعلا ويهبط بعنف، وكأنه كان في معركة، وعيونه حادة والشر بيتطاير منها ...
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
قبل اللحظة دي بكام ساعة ..وبعد ما علي وأدهم خرجوا من إجتماعهم مع محمود 
علي اتكلم بتردد:
"أدهم بيه.. أنا لازم أقولك حاجة، جميلة قابلت إبراهيم وسلمته الملف، وهو سلمها ورق السفر."
أدهم في اللحظة دي افتكر لما شافها في مكتبه، وضحك ضحكة سخرية مريرة.. واكتشف فوراً إن التمثيلية اللي عملتها في المكتب كانت مجرد غطاء لسرقة الملف، وإنها كالعادة كدبت عليه 
بص لعلي بجمود وقال: "روح إنت يا علي، وأنا راجع القصر."
وصل أدهم القصر، دخل جناحه وهو بيدور عليها بعد ما دور عليها في القصر كله، بس ملقاش غير ريحتها اللي لسه في المكان. عينيه وقعت على السرير.. لقى الشيك اللي إبراهيم كتبهولها.
وجنبه جواب، فتحه وإيده بتترعش، وبدأ يقرأ بوجع:
"أنا عارفة إنك في الوقت اللي هتقرأ فيه الجواب ده هكون سافرت.. وعشان كده هعترفلك بكل حاجة، بس قبل كل ده أنا عايزاك تعرف حاجة.. أنا بحبك يا أدهم ..
 للأسف حبيتك ،أنا عارفة إن مفيش مبرر للي عملته، بس أنا بجد أسفة، سامحني يا حبيبي.. طول عمري أنانية مابفكرش غير في نفسي، وعشان كده لما عمك إبراهيم عرض عليا أنصب عليك وأمثل إني أختك، وافقت.. وافقت وأنا مش عارفة إني هحبك كدة، وإن الفراق هيكون صعب بالشكل ده.
صدقني، كل لحظة وكل إحساس حسيته معاك ومع يزن كان حقيقي ومكانش من ضمن الخطة.. أنا مش عايزة فلوس وسيبتلك الشيك، وهبعد ومش هتشوفني تاني في حياتك.. بس طلب واحد، بلاش تخلي يزن يكرهني، خليه فاكر صورتي كويسة.. سامحني يا أدهم.. جميلة."
أدهم طبق الجواب في إيده بقوة لدرجة إن عروقه برزت، وعيونه اتحولت لجمر نار. رمى الجواب وخرج زي المجنون، ركب عربيته وطار للمطار، كان سايق بأقصى سرعة، لدرجة إنه كان هيعمل حادثة أكتر من مرة، بس مكنش شايف قدامه غير صورتها وهي بتهرب بقلبه.
دخل المطار ينهج، بيدور في الصالة زي الأسد المجروح، لحد ما لمحها.. واقفة عند البوابة النهائية، بتسلم ورقها وخلاص هتمشي. صرخ بكل قوته:
"جميلةاااااااا!"
جميلة اتصنمت مكانها، الصوت اخترق روحها، مكنتش مصدقة.. كانت بتدعي ودنها تكون بتكدب عليها. خدت خطوة لقدام وهي بتغمض عينيها، بس صوته رجع هز المكان تاني:
"جميلةاااااااا!"
بلعت ريقها برعب حقيقي، ولفت ببطء وهي بتترعش زي ورقة شجر في ريح عاصفة. شافته واقف بعيد، هدومه مبهدلة من أثر الجري، وعيونه فيها نظرة خوف وغضب وحب.. كان خليط مرعب من المشاعر.
أدهم بدأ يقرب منها بخطوات بطيئة ورزينة، خطوات كانت بتدب الرعب في أوصالها أكتر من الجري، لحد ما وصل قدامها. بص في عينيها طويلاً وهو بينهج، وبدون أي كلمة، قبض على معصم إيدها بقوة خلتها تحس إن عضمها هيتكسر، وسحبها وراه بعنف وسط ذهول المطار كله... ركبها ولف ،ودور العربية وساق بأقصى سرعة .
بصت له بدموع وهمست: "أدهم.. أرجوك رد عليا، زعق.. اصرخ.. اعمل أي حاجة بس متبقاش ساكت كدة.. أنا آسفة والله."أدهم ماردش ولا حتى بصلها، كأنه مش شايفها.
__________________________________
ياسمين رجعت بضهرها لورا، وصوتها طلع مخنوق بالخوف: "بابا!"
منصور اتقدم منها بخطوات تقيلة، وعينه بيتطاير منها الشر والغل، وقال بفحيح مرعب:
"أيوة يا ياسمين... إيه، فاكرة الواد اللي متجوزاه ده هيفضل مخبيكي عني كتير؟ اديني وصلتلك وانتي في بيته وهو ولا على باله."
ياسمين هزت راسها برعب ورعشة رهيبة سكنت جسمها وهي شايفة ملامحه اللي مفيهاش ذرة رحمة. في اللحظة دي، خرجت منى من أوضتها على صوت الصريخ، واتصدمت لما لقيت راجل غريب بيمسك ياسمين بعنف من كتفها وهي بتبكي بانهيار.
منى جريت عليهم وهي بتزعق:
"إنت مين يا راجل إنت؟ وإزاي تدخل البيت كدة؟ سيب البنت!"
ياسمين كانت كاتمة صرختها من الرعب والصدمة، ومنى حاولت بكل قوتها تبعده عنها، بدأت تشده من هدومه وتضرب في صدره عشان يسيب ياسمين.
منصور غضب وبص لمنى بنظرة وحشية، وقام زاققها بعنف جبار وهو بيصرخ فيها..منى صرخت ووقعت على الأرض بتقل جسمها، وللأسف راسها اتخبطت بقوة في حرف التربيزة الرخام.
ياسمين في اللحظة دي فاقت من صدمتها، شافت منى واقعه على الأرض والدم بدأ ينزل من راسها بغزارة ويسيل على السجاد. صرخت بجنون وجريت على المطبخ، ومنصور وراها زي الظل الأسود. سحبت سكينة من على الرخامة ووجهتها ناحيته وهي بتترعش:
"لو قربت مني هقتلك! والله هقتلك ومش هتفرق معايا!"
منصور وقف وقرب منها بسخرية وهو بيضحك ضحكة شيطانية:
"إيه؟ عايزة تموتيني؟ ده جزاتي بعد ما ربيتك طول السنين اللي فاتت دي؟ وأنا بربي واحدة مش بنتي!"
الكلمة نزلت على ياسمين زي الصاعقة. السكينة وقعت من إيدها وصوتها اختفى، عينيها وسعت بذهول وهي بتردد بهمس: "مش.. مش بنتك؟"
منصور استغل لحظة توهانها وفقدانها للتوازن، سحبها من إيدها ووقعها على الأرض، ونزل لمستواها وهو بيقول بصوت فحيح:
"دلوقتي هشفي غليلي منك وهذلك.. وهاخد حقي من كل لحظة صرفت فيها عليكي وأنا كاره وشك."
ياسمين بدأت تبعده عنها بضعف وهي بتعيط وتشهق، فاقدة الأمل في أي نجاة.. 
في نفس الوقت علي كان طالع السلم بابتساب وشنطة حلويات في إيده، دخل وهو بينادي بمرح:
"خالتو! ياسمينا! أنا جيت.. جبتلكم حاجات حلوة."
علي ضيق بين حواجبه لما لقى هدوء رهيب وصمت يقطع القلب، دخل الصالة لقاها فاضية، ولسه هيتحرك، عينه وقعت على الأرض.. صرخ صرخة هزت الشقة لما لقى خالته منى واقعه غرقانة في دمها.
"خالتو! خالتو رد عليا! إيه اللي حصل؟"
قعد جنبها وحاول يفوقها وهو مصدوم، بس سمع صوت أنفاس مكتومة وصوت شهقات جاية من المطبخ. قام زي المجنون ودخل، وشاف المنظر اللي خلاه يفقد أعصابه.. ياسمين على الأرض ومنصور بيحاول يقرب منها وهي متصنمة تماماً.
علي محسِش بنفسه، مكنش شايف قدامه غير دم خالته وكسرة مراته. هجم على منصور وجابه من هدومه زي العروسة اللعبة، ونزل فيه ضرب بـ لكمات غاشمة وعنيفة، لدرجة إن سنان منصور اتكسرت وطارت على الأرض.
علي كان بيضرب بمنطق الموت، وياسمين زحفت وهي على الأرض وبتشهق بعنف، مش عارفة تبكي على منى، ولا على نفسها، ولا على الحقيقة اللي عرفتها.. إنها عاشت عمرها كله مع وحش مش أبوها.
__________________________________
محمود كان قاعد مع نادية، والجو كان هادي، بس فجأة ملامحه اتخطفت ولون وشه هرب، حط إيده على قلبه وهو بيتنفس بصعوبة. نادية اتفزعت وقامت وقفت جنبه بخوف: "مالك يا محمود؟ حاسس بإيه؟ أجيبلك دكتور؟"
محمود هز راسه بنفي وهو بيحاول يجمع أنفاسه: "مش عارف يا نادية.. حاسس بقبضة غريبة في قلبي، نغزة مش مطمناني.. حاسس إن أدهم فيه حاجة، أو كأن فيه مصيبة بتحصل دلوقت." مسك موبايله بإيد بتترعش، وطلع رقم أدهم اللي كان مسجله بصفته شريكه الجديد، وضغط اتصال وهو بيدعي جواه إن ابنه يكون بخير.
في العربية 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
جميلة كانت بتبصله بذهول، حاسة إن الأرض بتتهز تحت رجليها، وصوت شهقتها كان مسموع في هدوء الطريق.
"إيه.. إنت كنت عارف؟" نطقتها بصوت مرعوب ومش مصدق.
أدهم ضحك ضحكة باردة خالية من أي مشاعر، وقال:
"عارف؟ أنا كنت سابقكم بخطوات يا جميلة. فاكرة إن حتة بنت زيك مع إبراهيم  يقدروا يضحكوا على أدهم السويسي؟ أنا عارف اتفاقك معاه من أول لحظة، وعارف إنك داخلة القصر عشان تاخدي ورث ياسمين."
جميلة تراجعت لورا، لسانها عجز عن النطق، بس أدهم كمل ببرود وهو سايق:
"وأقولك الصدمة الأكبر.. أنا عارف شكلك من قبل ما رجلك تخطي باب القصر. كنت مراقبكم لحظة بلحظة، وعارف كل حركة بتعمليها وكل همسة بينك وبين إبراهيم. كنت بضحك وأنا شايفك بتمثلي دور الغلبانة اللي مش عارفة حاجة، وكنت بسايرك عشان أعرف إبراهيم ناوي يوصل لإيه."
جميلة صرخت بانهيار:
"ولما إنت عارف.. ليه سيبتني؟ ليه خلتني أحبك؟ ليه خلتني أتعلق بيزن وبالبيت ده وإنت عارف إني مش ياسمين؟"
أدهم قبض على دراعها بقوة وعيونه بتطلع شرار:
"لإني كنت عايز أكسركم بإيدي! كنت عايز أشوف اللحظة اللي هتقعي فيها في شري واكتشف حقيقتك.
في الوقت ده، كان أدهم سايق عربيته زي الإعصار، إيده ضاغطة على الدريكسيون لدرجة إن عروقه برزت وعضمه كان هيتكسر من الغضب المكبوت. وجميلة جنبه زي العصفورة المبلولة، مرعوبة من منظره .
 وفجأة موبايله نور برقم محمود الشافعي، بص للشاشة باستغراب وضاقت عينيه، بس كنسل المكالمة بحدة؛ لأن ده آخر وقت ممكن يرد فيه على شغل أو صفقات.
فجأة، أدهم كسر الدريكسيون ودخل في شارع جانبي وفرمل العربية بعنف لدرجة إن جميلة اتنطرت لقدام. جميلة بصت حواليها وهي بتنهج، كانت فاكرة إنه رجع بيها القصر عشان يحبسها أو يخلص عليها، بس لما رفعت عينيها وبصت على المبنى اللي واقفين قدامه، اتصعقت.
فتحت عينيها بذهول وصدمة، وهي بتقرأ اليافطة الكبيرة المتعلقة، وهمست بصوت مبيطلعش: "مكتب جواز؟!"
لفت وشها لأدهم اللي كان بيفك حزام الأمان ببرود قاتل، وعينيه مثبتة عليها بنظرة خلت روحها تترعش. أدهم نطق أخيراً بصوت زي فحيح الأفاعي:
"انزلي.. مش إنتي كنتي عايزة تهربي وتختفي؟ أنا بقى هربطك بيا برباط لا فيه سفر ولا فيه هروب ولا فيه خروج من باب بيتي غير على قبرك."
جميلة هزت راسها برعب: "أدهم إنت بتقول إيه؟ إنت كدة بتنتقم مني؟ هتتجوزني وإنت عارف إني كدبت عليك؟"
أدهم قبض على دراعها وسحبها ناحيته بقوة:
"هتجوزك عشان أكسر عينك كل يوم بالحقيقة.. هتجوزك عشان أدفعك تمن كل لحظة شك عيشتيها لقلبي. النهاردة هتبقي مدام أدهم السويسي.. بس في جحيمي 
أدهم كان بيسحب جميلة وراه كأنها طفلة،وهي كانت بتشبث في ترابزين السلم بكل قوتها، ضوافرها كانت بتخربش في الخشب وهي بتبكي:
"أدهم أرجوك.. بلاش الطريقة دي، متعملش فينا كدة!"
أدهم صبره نفد، وفي ثانية كان شالها بين إيديه وهي بتتحرك بعنف وبتحاول تفلت منه، بس قبضته كانت زي الحديد. طلع بيها لحد مكتب المأذون، نزلها قدام الباب وعدل قميصه ببرود، ودخل وهو بيقول:
"عايزين نكتب الكتاب يا شيخنا."
جميلة كانت بتبصله برعب، كانت فاكرة إن كل ده تمثيلية عشان يقرص ودنها أو يرهبها، بس لما لقت المأذون فتح الدفتر وبدأ يجهز القلم، حست إن الدنيا بتلف بيها. أدهم همس لها بصوت واطي ومرعب:
"معاكي بطاقتك الأصلية؟"
جميلة بصت له ببلاهة ومنطقتش، فسحب شنطتها القديمة من على كتفها وفتحها، طلع محفظتها وخرج منه البطاقة. فحصها بعينيه بتركيز، اتأكد إن الاسم هو اسمها الحقيقي، وعطاها للمأذون اللي بدأ ينقل البيانات في هدوء قاتل.
المأذون رفع راسه وقال: "كدة ناقص الشهود يا أستاذ أدهم."
أدهم هز راسه، وقرب من ودن جميلة وهمس لها بتحذير أخير:
"خمس دقايق وأكون هنا بالشهود.. لو حاولتِ تهربي، صدقيني هطلع عينك وهجيبك من تحت الأرض."
خرج أدهم، وجميلة حست إن دي فرصتها الأخيرة. استنت دقيقة، وقامت وقفت وهي بتمسح دموعها، وقالت للمأذون بصوت مهزوز: "أنا.. أنا رايحة الحمام ثواني وجاية."
أدهم رجع المكتب ومعاه الراجلين اللي اتفق معاهم يشهدوا، وعينه بتدور في المكان زي الصقر، لكن الصدمة كانت لما لقى الكرسي اللي كانت قاعدة عليه فاضي. المأذون رفع عينه من الورق وقال بهدوء: "العروسة استأذنت تروح الحمام يا أستاذ أدهم."
_______________________________________________
في المستشفى
كان السكون اللي في الطرقة يقطّع القلب. علي كان قاعد حاطط راسه بين إيديه. ياسمين قربت منه بضعف، مدت إيدها المرتعشة ولمست كتفه وهمست بصوت مكسور:
"أنا أسفة يا علي.. كل ده بسببي أنا، لو مكنتش دخلت حياتكم مكنش ده حصل."
علي غمض عينه بقوة، لدرجة إن عروق إيده برزت، لكنه ماردش ولا حتى بصلها. ياسمين حست بوجع في قلبها يفوق وجع الخوف اللي عاشته، سحبت إيدها ببطء وصمتت، وكأن سكوته ده كان أقوى حكم بالإعدام على علاقتهم.
بعد دقايق، باب العمليات اتفتح وخرج الدكتور وهو بيقلع الكمامة. علي قام بلهفة:
"خالتي عاملة إيه يا دكتور؟ طمني أرجوك."
الدكتور رد بهدوء: "الحمد لله، هي جالها ارتجاج خفيف بسبب الوقعة، بس قدرنا نسيطر على النزيف. هتقعد معانا يوم بالكتير لحد ما حالتها تستقر تماماً وتقدر تروح البيت على بكره."
علي اتنفس الصعداء وسأل: "طيب هي صاحية؟ ممكن أشوفها؟"
الدكتور: "لأ هي نامت دلوقتي، عطيناها منوم وهتصحي بكرة الصبح. وجودكم دلوقتي ملوش لزمة، الأفضل تروحوا ترتاحوا وتيجوا الصبح."
الدكتور مشي، وعلي لف ضهره لياسمين وقال بنبرة هادية بس غريبة، خالية من أي حنية زي ما اتعودت منه:
"يلا عشان نروح."
اتحرك علي قدامها بخطوات سريعة، وياسمين مشيت وراه بقلب مقبوض، التجاهل اللي في صوته كان بيقتلها. وصلوا البيت، علي فتح باب الشقة ودخل مباشرة على غرفته وقفل الباب وراه من غير ولا كلمة.
ياسمين وقفت في الصالة، بصت لمكان الدم اللي لسه على الأرض، ودموعها نزلت بشلالات. فهمت إن علي بيلومها، وإن حياتهم الهادية ادمرت بسبب ماضيها اللي طاردها لحد هنا.
قالت لنفسها بمرارة: "عندك حق يا علي تعاملني كده .. أنا نحس، أنا اللي جبتلكم الوجع."
دخلت أوضتها وهي مقررة قرار أخيرًا. سحبت شنطتها الكبيرة من فوق الدولاب، وبدأت تلم هدومها وهي بتشهق بالبكاء. كانت بتطبق الهدوم بإيد بتترعش، وكل قطعة بتفكرها بذكرى حلوة مع علي.. بس خلاص، هي شايفة إن وجودها بقى خطر وعبء، ولازم تمشي قبل ما تخسر اللي فاضل من كرامتها.
(انتو اتحسدتوا وربنا😭 )
___________________________________
أدهم ملامحه اتغيرت تماماً، وعرف فوراً إنها بتهرب. ساب الشهود واقفين ونزل السلالم بجري، درجات السلم مكنتش مكفية خطواته الواسعة. خرج للشارع وصدره بيعلا ويهبط بعنف، وبدأ يلف راسه يمين وشمال بجنون وهو بيمسح الشارع بعينه.
وفجأة.. لمحها!
كانت واقفة على بعد أمتار، ضهرها ليه، وواقفة مع ست كبيرة بتسألها عن الطريق.
مشي ناحيتها بخطوات سريعة ومنتظمة، ومسكها من كتفها بهدوء .
جميلة اتنفضت من مكانها وصرخت صرخة مكتومة وهي بتلف وشها، وشافت أدهم واقف قدامها وعروق رقبته بارزة من كتر الغضب. الست الكبيرة بصت لهم باستغراب، فأدهم رسم ابتسامة باردة ومصطنعة وهز راسه للست:
"معلش يا حاجة، أصلنا عرسان جداد واتخانقنا خناقة صغيرة، وهي حبت تدلع عليا وتهرب عشان أصالحها."
الست ضحكت بطيبة وقالت: "ربنا يهدي سركم يا ابني، بالراحة عليها دي باين عليها رقيقة خالص."
أدهم قبض على دراع جميلة بقوة خلتها تتأوه من الوجع، وسحبها وراه ناحية مدخل العمارة تاني وهو بيهمس في ودنها بفحيح الأفاعي:
"لو فكرتي تكرريها تاني، وقسماً بالله يا جميلة لهدفعك تمن الحركة دي غالي أوي.. اطلعي قدامي!"
سحبها وراه وهي بتتعثر في خطواتها وبتبكي بصمت، لحد ما دخلوا المكتب تاني. الشهود كانوا مستنيين، والمأذون بدأ يكتب الكتاب وهو بيبص لحالة جميلة المنهارة، بس نظرة أدهم الحادة كانت كفيلة تخليه يكمل من غير ولا كلمة.
أدهم كان قاعد وعينه مثبتة على جميلة بنظرة باردة وقاسية، والمنديل الأبيض مغطي إيديهم هما الاتنين. المأذون عدل نضارته وبص لجميلة وقال بوقار:
"قولي ورايا يا بنتي.. زوجتك نفسي على كتاب الله وسنة رسوله.."
جميلة سكتت، لسانها كان مربوط. أدهم ضغط على كف إيدها من تحت المنديل ضغطة خلتها تشهق بوجع، وبص لها نظرة تحذيرية .
بدأت تردد وراه بصوت مبحوح ومكسور، لحد ما المأذون قال جملته الشهيرة:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.. بالرفاء والبنين."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
جميلة حست إن الكلمة دي هي القفل اللي اتقفل على حياتها للأبد. أدهم قام وقف، سحب بطاقته وبطاقتها، وبص لها بانتصار وهمس بنبرة باردة:
"مبروك يا مدام أدهم السويسي.. نورتي جحيمي."
_______________________________________
في شقة علي وياسمين
في نفس اللحظة ، ياسمين كانت بتقفل سوستة الشنطة بدموع منهارة. بصت للأوضة نظرة وداع، وشالت الشنطة وخرجت للصالة، بس وهي بتعدي من قدام أوضة علي، الباب اتفتح فجأة!
علي كان واقف، ملامحه كانت متغيرة تماماً، بص للشنطة اللي في إيدها وسألها بجمود:
"رايحة فين ؟"
ياسمين غطت وشها بإيدها، وصوت بكاها كان بيقطع في قلب علي، قالت وسط شهقاتها: " أنا ماشية عشان أريّحك."
علي بصلها بجمود ثواني، وبعدين نطق بصوت خشن: "ماشية فين؟ لبيت أبوكي اللي كان هيقتلك النهاردة؟؟"
ياسمين سابت الشنطة من إيدها كأنها فقدت كل طاقتها، وقعدت على الأرض بانهيار، حطت وشها بين إيديها وبقت تبكي بعنف. علي مقدرش يشوفها كدة أكتر من ثانية واحدة، وقعد جنبها على الأرض وحاوطها بين إيديه بقوة، كأنه بيحبسها جوه أمانه.
ياسمين فضلت تعيط في حضنه لحد ما أنفاسها بدأت تهدى وبقت مجرد شهقات بسيطة من وقت للتاني. علي رفع دقنها بإيده، وبص في عينيها الحمرا من كتر البكاء وقال بهمس وعتاب:
"عايزة تبعدي عني يا ياسمين؟ عايزة تسيبيني بجد؟"
ردت بوجع وصوت مبحوح: "غصب عني والله غصب عني.. من وقت ما بقيت في حياتك والمشاكل مش سايباك، والنهاردة خالتو كانت هتموت بسببي .. هبعد عشان بحبك."
علي اتجمد مكانه، الكلمة رنت في ودنه زي اللحن ، بلع ريقه بصعوبة وقال بذهول: "ياسمين.. إنتي.. قولي كدة تاني؟"
ياسمين عضت على شفايفها بخجل، ووشها احمرّ تماماً، وحاولت تدير وشها بعيد، وقالت برقة: "ماقولتش حاجة."
علي مسك وشها بإيديه الاتنين وقال بلهفة: "ياسمين أرجوكي.. عيدي اللي قولتيه، ريّحي قلبي."
ياسمين ضمت شفايفها بخجل وهمست وهي بتبص في الأرض: "بحبك."
علي شدها لحضنه بقوة لدرجة إنها حست بضلوعه بتضغط عليها، كان بيتنفس بسرعة وقال: "أخيراً يا حبيبتي قولتيها! من يوم ما اعترفتلك وإنتي بتقوليلي إنك هتقوليها لما تبقى متأكدة منها، وأنا كنت هموت وأسمعها."
ياسمين كملت وهي دافنة وشها في صدره: "أنا عارفة إنك زعلت لما ماردتش عليك يوم ما قولتها، بس كنت عايزة لما أقولها أبقى حساها بجد، مش لمجرد إنك طلبتها مني.. وأنا دلوقتي متأكدة إني مقدرش أعيش من غيرك يا علي."
علي بص لها بعتاب عاشق:"وعشان كده عايزة تمشي وتسيبيني يا ياسمين ،لوبتحبيني فعلا عمر الفكره دي مكانت هتختر على بالك ؟"
ياسمين نزلت راسها بحزن: "كنت فاكرة إن ده الأحسن ليك."
علي مسك وشها بين إيديه وسند جبينه على جبينها، وأنفاسهم اختلطت ببعض، وقال بصوت مليان عشق: "الأحسن ليا إنك دايماً تبقي قدامي وتملي عيني بيكي.. أنا بحبك يا ياسمين، بحبك أوي."
ياسمين حركت راسها ببطء وهي لسه بين إيديه، وهمست من قلبها: "وأنا والله بحبك أوي."
____________________________________
أدهم مكنش بس محاوط وسطها، ده كان كأنه بيعلن للعالم إن الست دي بقت ملكه، . جميلة كانت ماشية جنبه زي الآلة، الصدمات اللي أخدتها في يوم واحد كانت كفيلة تخلي عقلها يتوقف عن أي مقاومة.
فتح لها باب العربية، قعدت وسندت راسها على الشباك وهي بتبص للطريق اللي بدأ يضلم، وأنفاس أدهم الهادية والمخيفة في نفس الوقت كانت هي الصوت الوحيد اللي مالي المكان. لما العربية وقفت قدام الفندق، جميلة حست إن ضربات قلبها زادت.. ليه فندق؟
نزل أدهم وفتح لها الباب، وبنفس القبضة القوية سحبها وراه ودخلوا الفندق. كان الفندق فخم جداً، والأضواء فيه بتخطف العين، بس جميلة كانت حاسة إنها داخلة سجن من دهب. وقف أدهم قدام موظفة الاستقبال، وبنبرة واثقة قال: "عايز جناح ملكي ليلة لشخصين."
الموظفة بصت لجميلة، وبعدين بصت لأدهم وقالت بأسف: "بعتذر يا فندم، القوانين تمنع حجز جناح لشخصين بدون إثبات زواج.. حضرتك معاك القسيمة؟"
أدهم رسم ابتسامة باردة على وشه، وطلع  من جيبه الموبايل - وقال: "إحنا لسه كاتبين الكتاب حالاً، والقسيمة لسه مخلصتش، بس دي  بتثبت الجواز وعليها ختم المأذون."
الموظفة شافت الصورة وابتسمت باعتذار: "ألف مبروك يا فندم، بعتذر على الإزعاج." وأخدت البيانات وعطت لأدهم الكارت الممغنط بتاع الجناح.
أدهم أخد الكارت، ولف لجميلة اللي كانت لسه متصنمة، وهمس في ودنها بصوت خلى جسمها كله يقشعر:
"مش قولتلك مفيش هروب؟ الليلة دي إحنا لوحدنا.. عشان أعرفك مين هو أدهم السويسي اللي فكرتي تلعبي بيه."
سحبها ناحية الأسانسير، وأول ما الباب اتقفل عليهم، جميلة نطقت أخيراً بصوت مهزوز:
"أدهم.. إنت ليه بتعمل كدة؟ ليه مجيبتنيش القصر؟"
أدهم بص لانعكاس صورتها في مراية الأسانسير وقال بجمود:
"عشان يزن مش لازم يشوفك بالمنظر ده.. ولا لازم يحس إن فيه حاجة اتغيرت. الفندق ده عشان نصفي حساباتنا القديمة يا جميلة.. عشان لما نرجع القصر، ترجعي وانتي عارفة مقامك كويس."
وصلوا الجناح،أدهم فتح الباب بتلكارت وهو لسه محاوط خصر جميلة بقوة، سحبها لجوة وقفل الباب بالمفتاح بحدة، والجو كان مشحون بتوتر رهيب. جميلة كانت بتبص له برعب وهي شايفة ملامحه اللي مفيهاش أي ذرة رحمة، وكأنها في انتظار حكم الإعدام.
أدهم مابصلهاش في الأول، طلع موبايله من جيب البنطلون ببرود واتصل بالخادمة في القصر، وأول ما ردت قال بصوت آمر وقاطع:
"عشي يزن ونيميه، وقوليله إن جميلة هانم معايا وهنبات برة القصر النهاردة.. مش هنرجع غير بكرة."
قفل الموبايل ورمى الكارت على التربيزة، وبدأ يقلع جاكيت البدلة ويرميه بإهمال، وبعدها بدأ يفك زراير قميصه وهو بيقرب من جميلة بخطوات بطيئة وموزونة، وعينيه زي الصقر الجارح بتمسح ملامحها المرتعشة.. 
جميلة كانت بترجع لورا بخوف وندم، لحد ما السرير خبط في رجليها ومبقاش قدامها أي مفر، قعدت بضعف وهي بتبص له بدموع، وأدهم وقف قدامها مباشرة وحنى نفسه لمستواها وهو بيقول بصوت واطي ومخيف:الليلة دي ليللتنا أنا ونتي وبس يا حرمي المصون ، عشان أعلمك إزاي تفكري تهربي من جحيمي."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
انحنى أدهم لمستواها، وريحة برفانه تسللت لأنفها بقوة، وهمس بصوت عميق دبّ الرعب في أوصالها: "مستعدة يا جميلتي؟"
جميلة بلعت ريقها بخوف، وهمست برعب: "مـ.. مستعدة لـ إيه؟"
ابتسم من زاوية فمه بمكر، وفي ثوانٍ كان شايلها بخفة كإنها فراشة، واتجه نحو السرير وهو بيقول بمكر: "هتعرفي حالاً."
جميلة لقت نفسها فجأة على السرير، وأدهم قريب منها لدرجة أنفاسه الساخنة بتخبط في بشرتها.. رفعت عيونها لقته باصص لها بنظرات مش مفهومة.. مزيج بين الحب، الوجع، العتاب والخذلان. إيديه ساندة على السرير جنب دماغها، والإيد التانية مازالت محاوطاها بخشونة، وبملكية شديدة وسيطرة.
همست جميلة بتخدر من قربه: "فيه إيه يا أدهم؟"
مردش.. ومازال مركز بعيونه السوداء زي الفحم، لدرجة إنها حست بنفسها بتغرق في عمقهم.. كان بيعاتبها بنظراته قبل كلامه، مستني يلاقي إشارة منها إنها ندمت. رغم الكلام اللي قرأه في الجواب بخط إيديها، إلا إنها دلوقتي بين إيديه ونظراتها فضحاها، ورغم حبها لكنه في اللحظة دي ملقاش في عينيها غير الخوف والارتباك.
فجأة لقته قام بسرعة كإن لسعته عقربة، ضيقت بين حواجبها بحيرة من تغيره المفاجئ. عدل قميصه، وعطاها ظهره، واتجه لحمام الجناح وقفل الباب بقوة لدرجة إنها انتفضت من صوت الخبطة. معداش ثواني وسمعت صوت المية، وفهمت إنه بيستحمى.
غمضت عيونها بإرهاق من أحداث اليوم الكتيرة، كانت متخيلة إنها في الوقت ده هتكون في الطيارة، ولكن يشاء القدر إنها تكون في جناح فندق مع أدهم اللي أصبح زوجها.
بعد عشر دقائق، أدهم خرج وهو لابس برنس أبيض وبينشف شعره. أول ما شافته اتعدلت في مكانها وقالت بتوتر: "أدهم.."
وقف يسرح شعره بدون ما يبصلها وقال ببرود: "نعم؟"
قالت بارتباك: "أنا عايزة أغير هدومي، وإنت مخلتنيش أجيب شنطتي من المطار."
بصلها ومردش، مسك موبايله وعمل مكالمة سريعة، وبعدين قال: "شوية وشنطتك هتيجي."
فتح المبرد (الميني بار) وخرج تفاحة حمراء وبدأ يأكلها. 
سألته بخوف: "طيب إحنا هننام إزاي وإنت معكش لبس؟"
رد بلامبالاة: "ملكيش دعوة، هنام بالبرنس."
قالت بعفوية: "بس كدة هتبرد، الجو سقعة."
بصلها لثواني ومردش، فقامت بتوتر وفتحت المبرد وخدت علبة عصير أناناس وبدأت تشربها بعطش.
أدهم كان مراقب كل حركة منها، ولما غمضت عيونها وهي بتشرب والابتسامة اللي ارتسمت على شفايفها، بلع ريقه وحمحم بيحاول يداري مشاعره.
قام وخد ملاية ومخدة وفرشهم على الأرض. جميلة استغربت وقالت: "مش معقول هتنام بالبرنس وعلى الأرض كمان انت كده جسمك هيوجع...!"
لكنها اتفاجئت لما لقته فرد جسمه على السرير وقال ببرود وهو مغمض عينه: "ده ليكي إنتي."
ضمت شفايفها بغيظ ودبدبت في الأرض وهي بتبرطم بضيق، وهو لسه مغمض عينه قال: "متبرطميش."
قعدت على الأرض وفردت جسمها، وبعد دقائق لما حست إنه نام، فكت أزرار الشميز بتاعها وبقت بالتوب الأبيض الكت، وفكت شعرها عشان تعرف تنام.
عدى الوقت، وأول ما راحت في النوم، أدهم فتح عينيه وبص عليها بحزن وحب دفين، واتنهد بتعب ونام هو كمان.
________________________________
في صباح يوم جديد، الشمس كانت لسه بتفرش خيوطها على جدران القصر، عربية أدهم وقفت قدام الباب. أول ما دخلوا، يزن كان مستني ورا الباب بلهفة طفل، وبمجرد ما شاف جميلة، صرخ بفرحة هزت المكان: "جميلة!" وجري عليها بأقصى سرعة عنده.
جميلة في اللحظة دي نسيت كل الوجع، نسيت تهديدات أدهم، ونسيت إنها في جحيمه زي ما قال.. كان كل اللي شاغل عقلها وقلبها هو الطفل ده. نزلت لمستواه بسرعة وفتحت دراعاتها وضمته لقلبها بقوة، وكأنها كانت غايبة عنه سنين مش مجرد ليلة.
غمضت عيونها وهي دافنة وشها في كتفه الصغير، واستنشقت ريحته اللي بتطمنها، وهمست بشوق:
"يزن حبيبي.. وحشتني أوي يا روحي، وحشتني فوق ما تتخيل."
أدهم كان واقف بعيد شوية، ساند ضهره على الباب وحاطط إيده في جيبه، وعينيه مثبتة عليهم بجمود. رغم القسوة اللي بيحاول يظهرها، إلا إنه من جواه كان متأكد إن مشاعر جميلة تجاه يزن صادقة 100%.. يزن هو نقطة ضعفها، وهي كمان بقت نقطة أمان يزن.
يزن بعد عنها شوية وبص لوشها بزعل طفولي، وربع إيديه وقال:
"ليه نمتوا برة وسيبتوني؟ أنا فضلت مستنيكم كتير ونمت لوحدي."
قلب جميلة وجعها من نبرة صوته، مسكت وشه بين إيديها وبسته في جبهته بحنان :
"أنا آسفة يا حبيبي، حقك عليا.. كانت ظروف غصب عننا، بس أوعدك يا يزن، أوعدك قدام ربنا إني مش هكررها تاني، ولا هبعد عنك مرة تانية أبداً مهما حصل."
نظراتها وهي بتقول الجملة دي كانت قوية، وكأنها بتبعت رسالة مبطنة لأدهم إن يزن هو الحبل اللي رابطها بالمكان ده، وإنها مستعدة تستحمل أي حاجة عشان خاطره هو وبس.
أدهم قطع اللحظة دي بصوته الرخيم والجامد:
"أنا هطلع أغير هدومي وأروح الشركة."
قال جملته وتحرك ناحية السلم ببرود، من غير ما يبص لجميلة، لكن جميلة مكنش هاممها تجاهله ولا نظرته القاسية.. كانت مشغولة بضحكة يزن اللي رجعت تنور وشه تاني وهو بيحكيلها عمل إيه في غيابها.
_______________________________
في الشركة..
دخل أدهم بهيبته المعتادة، وابتسم لرزان (السكرتيرة) وقال: "صباح الخير."
رزان اتصدمت مكانها وقالت في سرها: "هو قالي صباح الخير بجد؟ أكيد عايز يرفدني وبيريح ضميره!"
أما أدهم فدخل مكتبه ووقف قدام الشباك الزجاجي الكبير، والابتسامة مش مفارقة وجهه كل ما يفتكر إنها بقت مكتوبه على اسمه، رغم إنه لسه ناوي يعاقبها على كدبها وخداعها. 
قطع تفكيره دخول علي اللي بصله باستغراب: "أدهم! إنت بتضحك؟ رزان كان عندها حق، إنت أكيد ناوي تطردنا!"
أدهم ضحك: "خلاص اعتبرني من النهاردة هبتسم على طول."
علي سأله بشك: "هو فيه إيه بالظبط؟"
أدهم مسح على شعره وقال بهدوء: "أنا اتجوزت جميلة."
علي صرخ بصدمة: "مييين؟ أختك؟"
أدهم: "أختي إيه يا عبيط، ما أنت عارف اللي فيها."
على باستغراب :طيب احكيلي حصل إزاي ."
وحكاله كل اللي حصل من وقت ما لحقها في المطار لحد ما كتبوا الكتاب."
علي هز رأسه بابتسامة مكر وهو فاهم أدهم: "وطبعاً اتجوزتها عشان تربيها على إيدك."
أدهم كابر وقال وهو بيبص في اللابتوب: "أكيد طبعاً."
علي اتكلم بجدية: "طيب اسمع، أنا كمان عايز حاجة مهمة."
أدهم بانتباه : "فيه إيه؟"
على بدأ يحكيله كل اللي حصل إمبارح ،من أول ما منصور اتهجم على ياسمين، وإنه إعتراف إنه مش أبوها .
أدهم بغضب: "كنت متأكد! ده مستحيل يكون أب.. وعملت معاه إيه؟"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
علي: "وديتوا القسم وعملت محضر عدم تعرض، بس بعد ما عدمته العافية في البيت."
أدهم هز رأسه بتفهم،
وسأله علي: "هتعمل إيه مع إبراهيم؟ أكيد هيتجنن لما يكتشف اللعبة."
أدهم ابتسم بمكر: "اتقل.. وهتشوف هيحصل فيه إيه."
أثناء ما كان علي وأدهم بيتكلموا، فجأة الباب اتفتح بعنف لدرجة إنه خبط في الحيطة، وظهر إبراهيم وعينيه حمرا من الغضب، ووراه رزان بتحاول تمنعه وهي متوترة:
"أدهم بيه.. هو مٌصر يدخل وأنا مش عارفة أمنعه!"
أدهم بص لها بهدوء وثبات استفز إبراهيم أكتر، وهز رأسه ببرود وقال:
"خلاص يا رزان.. اخرجي إنتي واقفي الباب."
إبراهيم وقف قدام المكتب وهو بينهج من الغضب، وأدهم لف بالكرسي ببرود قاتل، وسند ضهره وقال:
"نورت يا عمي.. إيه، بقالك فترة مبتجيش الشركة ليه؟ ولا فاكر إنك عملت خميرة كويسة ومش هتشتغل تاني؟ لا خد بالك، مفيش حاجة مضمونة في الزمن ده."
إبراهيم كان الشر بينطلق من عينيه، وقرب من المكتب وهو بيزعق:
"أنا عايز فلوسي يا أدهم!"
أدهم ضحك باستهزاء، ضحكة رنت في أركان المكتب، وبعدين اتعدل في وقفته وبصله بحدة:
"طالما جيت البجاجة دي، يبقى خلاص نلعب على المكشوف.. بص يا إبراهيم  انت ملكش فلوس عندي. إنت أكتر واحد عارف أنا تعبت إزاي عشان أجمع الثروة دي، وإنت مالكش أي حق فيها."
إبراهيم صرخ بصوت عالي:
"لا! الثروة دي كلها بتاعتي، ده حقي بعد ما أبوك مات! ولولا إنك قدرت ترجع للعيلة، كان كل ده هيبقى بتاعي!"
أدهم في لحظة فقد بروده وقام وقف، وبقت نظراته زي السكاكين:
"إيه بقى اللي كان هيبقى بتاعك؟ إنت ناسي إني لما رجعت كنت مبوظ كل حاجة في الشركة؟ أنا اللي قومت الشركة دي على رجليها بمجهودي، ونحت في الصخر عشان تقف تاني وتكبر بالشكل ده!"
أدهم كمل وهو بيقرب من إبراهيم بخطوات واثقة:
"مالكش حاجة عندي يا إبراهيم، وأنا هفضل كويس معاك للأخر عشان صلة الدم، ومش هحبسك، إنك بعتلي واحدة تمثل إنها أختي عشان تاخد فلوسي.. وهكتفي بـ إني مش عايز أشوف وشك تاني في حياتي."
أدهم ملامحه اتصلبت وبقت زي الصخر، وبص لعمه بنظرة خلت إبراهيم يرتعش مكانه رغم غله، وقال بصوت فحيح هادي بس يقطع القلب من قوته:
"اسمع يا إبراهيم.. الكلمتين اللي هقولهم لك دول يتحطوا حلقة في ودنك. أنا هفضل حاططك تحت عيني، وكل نَفَس بتتنفسه هبقى عارفه. ولو عقلك وزّك بس وفكرت تأذيني أو تقرب من أهلي، أو من حد يخصني، وقتها هنسى خالص إن فيه بيني وبينك صلة قرابة، وهسجنك وأرميك ورا القضبان بقية عمرك في قضايا اختلاس وفساد أنا شايل ملفاتها للوقت المناسب.. فـ لم الدور واخرج بكرامتك أحسن لك."
إبراهيم وشه بقى أزرق من الغل، وبص لأدهم بنظرة أخيرة مليانة حقد وقال:
"ماشي يا أدهم.. افتكر إنك إنت اللي بدأت، وعمرك ما هتتهنى باللي إنت فيه ده، وهنتقم منك في أغلى ما عندك."
إبراهيم ملقاش رد يقوله قدام قوة أدهم، فلف وخرج وهو بيبرطم بكلام مش مفهوم ووشه غرقان في السواد.
علي اتنفس الصعداء وقال لأدهم:
"أيوة كده يا أدهم، كان لازم يعرف إن الله حق، والراجل ده مبيجيش غير بالعين الحمرا ."
أدهم قعد على مكتبه بتعب وقال:
"أنا مش عايز وجع دماغ يا علي، بس هو اللي بيحدف نفسه في النار.. المهم دلوقتي، عايزك تكثف الحراسة على القصر ،إبراهيم لما بيتزنق بيلعب بطريقة قذرة."
علي هز راسه بجدية:
"اعتبره حصل.. هقوم أنا دلوقتي أعدي على المستشفى أطمن على خالتي، وهرجعلك تاني."
__________________________________
بعد ما علي وياسمين عاشوا ليلة من أصعب ليالي حياتهم، الباب اتفتح ودخل علي وهو ساند منى اللي كانت ماشية بخطوات بطيئة، ودماغها ملفوفة بشاش أبيض .
ياسمين أول ما شافتهم، جريت بلهفة كان نفسها تترمي في حضن منى، بس فجأة فرملت مكانها.. افتكرت إنها كانت السبب في الوجع ده كله، وافتكرت إنها "
غريبة عنهم زي ما منصور قال. حطت إيدها ورا ظهرها ونزلت راسها في الأرض بخجل وكسرة، ودموعها بدأت تنزل في صمت.
منى بقلبها الكبير اللي ميعرفش غير الحب، قربت منها ببطء، ومدت إيدها المرتعشة رفعت راس ياسمين لفوق وقالت بحنان:
"إيه يا ياسمين.. مش هتقوليلي حمد الله على السلامة يا خالتو؟ "
ياسمين أول ما سمعت نبرة الحنية دي، مكنتش قادرة تمسك نفسها أكتر، شهقت شهقة مكتومة وانفجرت في العياط، وارتمت في حضن منى بكل قوتها وكأنها بتستخبى من الدنيا كلها فيها، وبقت تردد بصوت مبحوح:
"أنا أسفة.. أنا السبب في كل ده، أنا اللي جبتلك الوجع يا خالتو.. سامحيني، أنا أسفة."
منى طبطبت على ظهرها بحنان وقالت بصوت هادي: "بس يا عبيطة.. إنتي مالكيش ذنب في أي حاجة، ده قدر ومكتوب، وإنتي بنتي اللي مخلفتهاش، فاهمة؟"
علي كان واقف بيراقب المشهد ده، وقلبه اللي كان مشحون غضب وتعب بدأ يهدى. ابتسم وقرب منهم، وفتح دراعاته وحاوطهم هما الاتنين في حضن واحد دافي وقال بمرحه المعتاد عشان يفك التوتر:
"إيه يا جماعة؟ هو أنا ماليش في الحب جانب ولا إيه؟ وبعدين إيه الحنفية اللي اتفتحت دي؟ لو مسكتوش دلوقتي أنا كمان هعيط وأغرقكم، وأنا دمعتي قريبة أوي زي ما أنتوا عارفين!"
منى ضحكت وسط دموعها وضربته بخفة على كتفه: "بس يا واد.. بطل غلبة، خلي البت تفضي اللي في قلبها."
علي شدد من ضمتهم وقال: "خلاص بقى يا ست الكل، المهم إنك نورتي بيتك، وياسمين أهي زي القردة قدامك، ومن النهاردة مفيش لا منصور ولا زفت يقدر يقرب من شبر من البيت ده."
ياسمين رفعت راسها وبصت لعلي بامتنان، وحست لأول مرة إنها فعلاً وسط أهلها، حتى لو مفيش دم يربطهم، فيه حب أقوى من أي ورق.
_________________________________
جميلة خرجت من حمام جناحها وهي حاسة إن روحها ردت فيها بعد الشاور العميق ده، وكأن المية غسلت تعب الأيام اللي فاتت وتوترها من أدهم. 
كانت بتنشف شعرها بالفوطة وبتدندن بصوت واطي، وهزت كتفها بدلع عفوي وهي ماشية ناحية التسريحة.
مسكت السشوار وبدأت تجفف شعرها وهي باصة في المراية ومنسجمة مع نفسها، لكن فجأة السشوار وقع من إيدها وشهقت بخضة لما لمحت في المراية خيال حد قاعد وراها على السرير.
لفت بسرعة وهي حاطة إيدها على قلبها، ولقت أدهم فارد جسمه ببرود وأريحية تامة على سريرها، وحاطط إيد ورا راسه وبيراقب حركاتها بعيون زي الصقر.
جميلة بتوتر ونهجان من الخضة: "أ.. أدهم! إنت إيه اللي جايبك هنا؟ ونايم على سريري كدة ليه؟"
أدهم ملمحش بوشه أي تعبير، وفضل على نفس حالة البرود ورد بهدوء: "أبداً.. لقيت السرير بتاعي مش مريح، وتقريباً المرتبة محتاجة تتنجد، فقولت أشوف سرير تاني.. وبما إنك مبقالكيش كتير في القصر، فالسرير ده يعتبر لسه جديد وأكيد هيكون مريح."
جميلة برقت عينيها بذهول وهزت راسها وهي مستنياه يكمل، وقالت بحيرة: "وبعدين؟"
أدهم عدل جسمه في وضعية أكتر راحة وربع إيديه ورا راسه وقال باستفزاز: "ولا قبلين.. هنام هنا."
جميلة ضمت شفايفها بغضب وغيظ، وقالت بصوت عالي شوية: "نعم؟! وتنام هنا بتاع إيه إن شاء الله؟ ما إنت عندك بدل الأوضة عشرة، وكلهم فيهم سراير.. إشمعنى أوضتي أنا يعني؟"
أدهم بصلها لثواني، وبعدين رفع عينه للسقف وبدأ يصفر ببرود وكأنه مش سامعها أصلاً، ولا كأن فيه واحدة واقفة بتتحرق قدامه.
أدهم كان متابعها بنظرات هادية ومستفزة في نفس الوقت، وصوت السشوار كان مالي الأوضة، بس عينه كانت مركزة على حركاتها المتوترة وشعرها اللي بدأ يتطاير حوالين وشها وهي بتجففه.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
جميلة كانت بتحاول تتجاهل وجوده، بس مكنتش قادرة، فجأة فصلت السشوار ولفّت له وهي حاطة إيدها في وسطها وقالت بغيظ:
"وبعدين يا أدهم؟ إنت بجد ناوي تنام هنا؟ ده جناحي.. اتفضل لو سمحت على جناحك."
أدهم ملمحش بوشه أي تعبير، بس رفع حاجبه وقال ببرود يفرس:
"والله يا مدام أدهم، القصر كله ملكي، والجناح ده جزء من القصر، وإنتي شخصياً.. بقيتي رسمياً جزء من ممتلكاتي، فـ أنام في أي مكان يعجبني."
جميلة وشها احمرّ من الكسوف والغضب ، نفخت بضيق وبصت للكنبة اللي في ركن الأوضة وبعدين بصت له:
" على فكرة يا أدهم، انت متكبر ومغرور، وحقيقي بقيت شخص لا يطاق!"
أدهم ابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة نصر، وقال:
"عارف.. قولي حاجة جديدة. ويلا خلصي شعرك ده عشان عايز أنام في هدوء."
جميلة رجعت شغلت السشوار تاني وهي بتبرطم بكلام مش مفهوم، وأدهم غمض عينه وهو بيسمع صوت السشوار، بس الحقيقة إنه مكنش عايز ينام، هو كان عايز يفضل قريب منها، يحس بوجودها جنبه عشان يتأكد إنها مش هتهرب تاني، وفي نفس الوقت كان بيعاقبها بوجوده اللي بيوترها....
بعد شوية، جميلة خلصت، ولمت شعرها كحكة عشوائية، وراحت ناحية الكنبة وهي بتسحب غطا تقيل ووسادة، واترمت عليها بضيق وهي بتنفخ. أدهم فتح عين واحدة وبص عليها وهي بتحاول تظبط نفسها على الكنبة الضيقة، وحس بغصة في قلبه، بس كابر وفضل مكانه.
عدى وقت والصمت ساد المكان، وفجأة سمع صوت شهقة خفيفة.. بص ناحية الكنبة لقى جميلة بتعيط في صمت وهي مغطية وشها.
أدهم نفخ بضيق، مكنش قادر يكمل تمثيلية البرود وهو سامع صوت شهقاتها المكتومة اللي بتقطع في قلبه. قام من على السرير وقرب من الكنبة، وندى عليها بصوت واطي: "جميلة.. جميلة."
مردتش عليه، وفضلت منكمشة على نفسها، والبطانية بتتحرك بعنف بسبب انتفاض جسمها من العياط. أدهم مد إيده وشد الغطا، وهي حاولت تقاوم وتتمسك بيه، لكنه شده بقوة ورمى البطانية بعيد، واتصدم لما شاف حالتها؛ وشها كان أحمر زي الدم، ودموعها نازلة زي الشلال ومغرقة وشها.
من غير ولا كلمة، وطى وشالها بين إيديه بخفة. جميلة بدأت تقاومه وتخبط على صدره بإيدها وبترفص برجلها في الهوا وهي بتقول من بين شهقاتها:
"نزلني يا أدهم.. لو سمحت نزلني، مش عايزة منك حاجة."
أدهم ماردش عليها غير لما نزلها على السرير براحة، وحاوطها بإيديه وهو لسه قريب منها، وبص في عينيها وسألها بهدوء:
"بتعيطي ليه دلوقتي؟"
جميلة بصتله بوجع وقهر وقالت: "عشان إنت بتعاملني وحش.. بتقصد تذلني وتوجع قلبي كل شوية وتفكرني بغلطتي. أنا عارفة إني غلطت، وغلطت غلطة كبيرة أوي كمان، بس على الأقل كنت سيبني أمشي وأبعد، لكن بلاش تعاملني كأن ماليش كرامة وتدوس عليا بالشكل ده."
أدهم غمض عينه واتنهد تنهيدة طويلة ومحملة بالتعب، وكأنه كان بيصارع نفسه عشان ينطق الكلمة دي، وبعدين فتح عينه وبصلها بنظرة لانت لأول مرة وقال:
"جميلة.. أنا هديكي فرصة تانية، فرصة نبدأ فيها من جديد بجد."
جميلة برقت عينيها بصدمة، ودموعها وقفت فجأة، وسألته بعدم تصديق: "بجد يا أدهم؟ إنت بتقول كدة بجد؟"
أدهم هز راسه وكمل بجدية: "أيوة.. وأنا هوفي بوعدي القديم ليكي. هتكملي تعليمك وتدخلي الجامعة، وبعد ما تخلصي هتيجي تشتغلي معايا في الشركة تحت عيني.. ولحد ما الوقت ده ييجي، هحاول بجد إني أسامحك وننسى اللي فات."
جميلة مكنتش مصدقة ودنها، الابتسامة بدأت تترسم على شفايفها وسط الدموع اللي لسه منشفتش، وحست إن فيه جبل انزاح من على صدرها. بصتله بامتنان وقالت بصوت رقيق: "شكراً يا أدهم.. شكراً إنك اديتني الفرصة دي، وأوعدك إني هثبتلك إني أستاهلها."
أدهم ماردش عليها بالكلمة، لكنه سحبها لـ حضنه بقوة وتملك، ودفن راسه في تجويف رقبتها وهو بيغمض عينه بتعب. جميلة جسمها اتنفض وبقت بتترعش من قربه المفاجئ، وهمست بتوتر وصوت مهزوز:
"أدهم.. هو إنت مش قولت إنك خلاص هتسامحني وهتديني فرصة؟"
أدهم فتح عينه نص فتحة، وبص لها بنظرة غامضة وهمس بصوت رجولي واطي:
" أولا أنا مقولتش إني سامحتك يا جميلة.. أنا قولت هحاول، ولحد ما ده يحصل إنتي لسه تحت العقاب، وعقابك إنك هتفضلي قدام عيني وفي حضني كدة."
جميلة حاولت تفك إيديه من حوالين وسطها وهي بتقول بارتباك:
"طيب خلاص.. سيبني أنام على الكنبة أحسن، السرير ضيق وإنت.."
أدهم قاطعها بنبرة حازمة ومفيهاش نقاش، وشدد من ضمته ليها أكتر:
"جميلة.. نامي."
الكلمة كانت كفيلة تخليها تسكت تماماً وتستسلم لقدرها. جميلة غمضت عينيها وهي سامعة دقات قلبه القوية والمنتظمة، ورغم خوفها منه، إلا إنها حست بأمان غريب مكنتش بتلاقيه غير وهو قريب منها كدة. أدهم اتنفس ريحة شعرها بعمق، ولأول مرة من فترة طويلة، نام وهو مرتاح، وكأنه كان محتاج يطمن إن "جميلته" بقت ملكه وبقت في أمان جوه حصنه المنيع .
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
فتحت عينيها ببطء، حاسة بتقل غريب في راسها وجسمها مكسر كأنها كانت في معركة، والمخدة اللي نايمة عليها كانت صلبة بشكل مش مريح أبداً. أول ما رفعت راسها عشان تشوف إيه اللي مضايقها، الشهقة محبوسة في زورها لما استوعبت إنها نايمة على دراعه، وهو غرقان في نوم عميق جنبها.
ملامحه وهو نايم كانت جذابة؛ شعره الفحمي متمرد على جبينه، ونفسه الهادي المنتظم . لقت إيديها، من غير ما تفكر، بتترفع لوحدها وتمشي ببطء على حواجبه الكثيفة المرسومة بدقة، ونزلت لغاية مناخيره المستقيمة ودقنه المنبتة اللي بتدي لوشه هيبة حتى وهو مغمض.
لسه صوابعها بتلمس تفاحة آدم البارزة في رقبته بفضول، فجأة فتح عينيه! 
النظرة كانت مباشرة وصارمة، وصوته طلع محشرج وناعم من أثر النوم وهو بيقول بخبث:
"مستغلية نومي وبتتحمرشي بيا؟ إنتي معندكيش أخوات ولاد يا بنتي؟"
اتنفضت من مكانها وحاولت تقوم بسرعة من الخضة، بس إيده القوية كانت أسرع، لفت وسطها ومنعتها تتحرك. ضمت شفايفها بكسوف ووشها بقى زي الطماطم، وبدأت تتلجلج:" أنا .. أنا بس كنت .."
 ضحك ضحكة رجولية واطية وهو بيقرص خدها بخفة:
"متبرريش.. أنا عارف إني لا أقاوم."
بص في ساعته واستغرب إن الوقت دخل في 8 الصبح، وهو في العادة بيصحى قبل كدة بساعتين، بس الظاهر إن النوم جنبها خلاه ينسى الدنيا. قام بكسل وهو بيمدد جسمه، وبصلها نظرة أخيرة قبل ما يخرج وقال :"أنا هروح جناحي أخد شاور وأجهز عشان أروح الشركة. "
أول ما قفل الباب وراه، حدفت نفسها على السرير وغطت وشها بإيديها وهي بتشتم قلبها اللي بيدق زي الطبول:
"يا غبية.. فضحتي نفسك بنفسك."
__________________________________
ياسمين كانت واقفة في المطبخ بتجهز الفطار بتركيز، وفجأة حست بإيدين بتحاوطها من وسطها، شهقت بخضة ولفّت بسرعة:
"علي! خضتني يا علي."
علي ضحك وهو بيقرب منها أكتر: "سلامتك من الخضة يا قلبي.. بتعملي إيه؟"
ردت وهي بترجع تقطع الخيار بمهارة: "هعملكم طبق جبنة بالطماطم والخيار، إنما إيه.. هتاكل صوابعك وراه."
علي قال بتمثيل الانهيار: "آه ياني.. عضلاتي اللي تعبت فيها في الجيم السنين دي كلها هتختفي بسبب أكلك ده، وهيبقى مكانها كرش الرجالة المتجوزة!"
ضحكت بمرح وهي بتبص له: "مش مشكلة، أهو حبة عضلات يروحوا عشان متبقاش ضخم وشكل هالك كده."
علي كشر بضيق طفولي وسألها بجدية مفاجئة: "ياسمين.. إنتي فعلاً بتضايقي من جسمي الضخم ده؟ قولي الحقيقة."
ياسمين ضيقت حواجبها باستغراب من لهجته اللي قلبت حادة، ولمحت في عينيه نظرة حزن مكتومة وكأنه مستني إجابة تحدد مصيره. لفت بجسمها كله ولمست وشه بخفة:
"علي.. إنت بتتكلم بجد؟"
علي بجمود: "أيوة، ولو سمحتي عايز إجابة."
ياسمين هزت راسها بعدم تصديق: "إنت بتسأل يا علي؟!.. وبعدين إنت مكسوف إنك مهتم بجسمك ومخليه رياضي؟ ده غيرك شباب في سنك ولا على بالهم، يا إما رفيعين زي عقب السيجارة وعندهم نحافة، يا إما تخان وكرشهم قدامهم مترين.. وإنت ما شاء الله جسمك رياضي وقوي."
علي بحيرة وعيونه بتلمع: "يعني عاجبك بجد؟"
ابتسمت بحب وهي بتقرب منه: "امممم عاجبني جداً جداً يا هالك قلبي."
استغرب وقال: "هالك قلبك؟"
ردت بدلال: "أيوة.. إنت زي هالك الشخصية اللي بتتحول وتبقى ضخمة جداً، بس إنت مش أخضر زيه، إنت هالك قلبي."
علي رفع حاجبه بغيرة: "يعني إنتي بتشبهيني براجل تاني؟"
ياسمين ضحكت بصفاء: "علي! إنت بتغير من شخصية كرتونية يا حبيبي؟"
حاوطها بغيرة وهو بيشدها ليه: "أنا أغير عليكي من أي ذكر، حتى لو كان كرتون"
فجأة دخلت منى المطبخ وحمحمت بحرج، علي بعد بسرعة وهو بيعدل قميصه بتوتر: "طيب يا ياسمين.. هشوف أنا الموضوع ده وأرد عليكي.. إيه ضاااااا ! خالتي إنتي هنا؟ طيب بما إننا كلنا متجمعين، هستأذن أنا بقى عشان اتأخرت جداً."
ياسمين بلهفة: "مش هتفطر؟"
علي وهو خارج: "اعمليلي ساندوتش أكله في العربية."
ياسمين: "ماشي، هجهزه حالاً عبال ما تخلص لبس."
بعد شوية
علي كان خارج من باب الشقة، ووقف لما سمع صوتها الرقيق بتناديه: "علي!"
لف لقاها جاية بتجري وماسكة لانش بوكس صغير: "أنا عملت شوية ساندوتشات، متنساش تفطر والنبي."
اتنهد بعشق وهو بيبص لها: "يا لهوووي.. هي دي أخرتها؟ أمشي بلانش بوكس؟ هاتي يا ستي."
خد منها العلبة ومشي والابتسامة مش مفارقة وشه، 
وبعد ربع ساعة وهي في الأوضة بتنضف، برقت عينيها بصدمة: "ايه ده ؟ علي نسي موبايله!"
________________________________
في الشركة
أدهم كان قاعد مع محمود الشافعي وبيخلصوا كلام عن صفقة جديدة. بعد ما خلصوا، محمود قال بابتسامة:
"بمناسبة الصفقة دي، أنا عازمك إنت وعيلتك عندي في القصر بكرةبإذن الله."
أدهم حاول يعتذر: "يا محمود بيه ملوش لزوم التعب ده.."
محمود صمم: "مفيش أعذار، هستناكم."
محمود خرج من المكتب ووقف يستنى الأسانسير، وأول ما الباب فتح، اتفاجئ ببنت رقيقة وجميلة جداً واقفة جواه. ياسمين أول ما شافته، توترت من هيبته وخرجت بسرعة،
 ومحمود دخل الأسانسير وفضل باصص لها بتركيز وهي بتتلفت حواليها بتوتر وخوف.. كان حاسس بإن البنت دي فيها حاجة بتشده، حاجة ميعرفش يفسرها.
أدهم كان خارج من مكتبه، وباله مشغول بتفاصيل الصفقة اللي كان بيناقشها مع محمود الشافعي، لكن بمجرد ما وقعت عينه على البنت اللي واقفة قدام السكرتارية، حركته وقفت تماماً.
أدهم حس بضربات قلبه بتتسارع بشكل مفاجئ وغير مفهوم، وكأن فيه تيار كهربائي لمس روحه. هو شافها قبل كدة يوم كتب الكتاب، بس النهاردة، وفي وسط زحمة الشغل وهيبته كمدير، شاف فيها سحر خلاه يتنفس بصعوبة.
حمحم أدهم عشان يداري ارتباكه ، وقرب منها وقال بصوت حاول يخليه ثابت:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"مدام ياسمين؟!"
ياسمين اتخضت ولفّت له، وأول ما شافت عيونه السوداء الحادة، توترت جداً وافتكرت ملامحه فوراً؛ ده الشخص اللي كان وكيلها وشاهد على أهم لحظة في حياتها. ردت بتوتر وهي بتفرك إيدها:
"أهلاً يا أدهم بيه.. أنا أسفة إني جيت الشركة فجأة، بس علي نسي موبايله في البيت، وأنا خوفت يكون محتاجه ضروري لأن شغله كله عليه، فـ عرفت العنوان من خالتو وجيت فوراً."
أدهم كان بيسمعها وهو مركز في كل تفصيلة في وشها، ونبرة صوتها الرقيقة . ابتسم بجهد عشان يطمنها وقال:
"ولا يهمك يا مدام ياسمين.. ده كتر خيرك، علي فعلاً كان قالب الدنيا عليه جوه. اتفضلي، هو في المكتب معايا، ادخليله."
ياسمين هزت راسها بشكر وهي لسه حاسة بقلبها بيدق بسرعة،دخلت المكتب، وعلي أول ما شافها قام من على الكرسي كأنه شاف ملاك:
"ياسمين !! انتى كويسه؟؟ إيه اللي جابك ؟؟"
ياسمين مدت إيدها بالموبايل وهي بتنهج:
"نسيته يا علي.. خوفت تعطل في الشغل، وأنا عارفة إن الموبايل ده هو روحك في المكتب."
علي أخد الموبايل وباس إيدها قدام أدهم اللي كان داخل وراها: "تسلميلي.. إنتي اللي روحي والله، مش الموبايل."
أدهم ضحك وقال بمرح:
"خلاص يا علي، كفاية نحنحة في المكتب."
ياسمين أول ما شافت أدهم، بعدت عن علي بكسوف وحطت وشها في الأرض، ومدت إيدها بالموبايل لعلي وهي بتفرك في إيدها التانية بتوتر.
علي أخد منها الموبايل وبص لأدهم بإحراج وقال:
"معلش يا أدهم بيه .. أنا هروح ياسمين البيت بسرعة وأرجع فوراً عشان نكمل شغلنا ."
أدهم، اللي كان لسه بيحاول يسيطر على سرعة ضربات قلبه اللي اتلخبطت من وقت ما شاف ياسمين، هز راسه بجمود مصطنع عشان يداري تأثره، وقال بصوت عميق ورجولي:
"ولا يهمك يا علي .. وصل مدام ياسمين."
علي مسك إيد ياسمين وخرجوا من الشركة وأدهم اتنهد بهدوء ودخل مكتبه .
__________________________________
أدهم قفل باب القصر وراه، ولأول مرة من سنين يحس إن البيت مابقاش مجرد حيطان وسلالم رخام باردة. القصر كان هادي، بس هدوء يطمن، هدوء فيه حياة. 
خلع جاكيت بدلته ورماه على الكنبة في الصالون، وفك أول زرارين من قميصه وهو بيتنهد بتعب، ورجليه خدته لوحدها ناحية أوضة يزن.
طلع السلم بهدوء، وكأنه خايف يكسر حالة السكون دي. فتح الباب ببطء شديد، وبالفعل المشهد اللي شافه خلى ضربات قلبه تدق بنغمة مختلفة تماماً. يزن كان نايم في نص السرير، وجنبه جميلة نايمة بوضعية غريبة، حاطة إيدها تحت دماغ يزن بحماية ، وشعرها كان مفرود بغزارة ومغطي جزء من وشها ووش يزن.
أدهم وقف مكانه، ملامحه اللي كانت صارمة طول اليوم في الشركة لانت تماماً. مكنش قادر يمنع نفسه إنه يبتسم، إحساس غريب اجتاحه، إحساس الراجل اللي بيرجع من وسط المعارك والصفقات والدياب اللي برا، عشان يلاقي مأواه الحقيقي في المنظر ده. طلع موبايله من جيبه بحذر، وكتم الصوت، ولقط صورة للمشهد ده..
 صورة كان عايز يحتفظ بيها عشان يفكر نفسه دايماً إن عنده عيلة.
اتقدم خطوات ناحية السرير، الأرضية الخشبية كانت بتطلع صوت خفيف خلاه يتجمد مكانه لثواني، ولما اتأكد إنها لسه غرقانة في النوم، وطى عليها. ريحة شعرها المخلوطة بريحة الورد كانت بتسكر روحه.
 مد إيده بحذر شديد وسحب إيدها من تحت راس يزن، وبعدين لف دراعه حوالين ضهرها والتاني تحت ركبها، وشالها بخفة.
جميلة مالت براسها على صدره بتلقائية وهي نايمة، وأنفاسها الدافية كانت بتخبط في رقبته، وده خلى أدهم يغمض عينه لثواني ويضغط عليها بتمسك أكتر. خرج من الأوضة ورجليه خدته لجناحها، دخل وحطها على السرير بهدوء وكأنها قطعة من الكريستال..
نزل لمستواها، وفضل باصص لملامحها الهادية تحت ضوء الأباجورة الخافت. قرب وباس جبينها بوسة طويلة ودافية، وكأنه بيعتذر لها عن كل لحظة قسوة عاشتها بسببه. لاحظ إن الجاكت اللي كانت لابساه تقيل، ومش هيخليها تنام مرتاحة.
 بلمسة حذرة، فك توكة شعرها اللي كانت لامة خصلاتها ديل حصان، وشعرها انطلق على المخدة زي الشلال الأسود. حط التوكة في معصم إيده، وبعدين فتح سحاب الجاكت بتاعها براحة جداً، ورفعه من عليها وهو بيسند جسمها بإيده التانية، لحد ما اتخلص منه تماماً وبقت بالتيشرت الرصاصي المريح.
أدهم مكنش قادر يخرج من الجناح، سحب الهدوم بتاعته ودخل الحمام، غاب دقايق تحت المية السخنة وهو بيفكر في كل اللي حصل، وخرج وهو بينشف شعره الفحمي، ورجعه لورا بإيده. اتمدد جنبها على السرير، وسحبها لـ حضنه براحة، رفع راسها وحطها على كتفه، ودفن وشه في خصلات شعرها المعطرة.
جميلة حست بدفاه وهي نايمة، فـ قربت منه أكتر وحطت إيدها على صدره بعفوية، وهو ضمها بقوة أكبر وسند براسه على راسها، وأخيراً.. غمض عينه واستسلم لنوم عميق وهو حاسس إن الدنيا كلها بين إيديه.
__________________________________
في صباح اليوم التالي بمقر الشركة، كانت الحركة دؤوبة والموظفين في حالة نشاط غير عادي بسبب نجاح الصفقة الأخيرة. 
خرج محمود من غرفة الاجتماعات الكبرى وعلى وجهه علامات الارتياح والوقار، وبالصدفة قابل علي اللي كان شايل ملفات وماشي في الطرقة.
محمود أول ما شافه ابتسم بصدق وقرب منه وسلم عليه بحرارة وبحب أبوي ظاهر:
"أهلاً يا علي.. منور يا بطل، مجهودك في الاجتماع النهاردة كان عظيم."
علي بادله السلام بابتسامة واسعة واحترام شديد، هو فعلاً بيحب الراجل ده وبيحترمه جداً وبيشوف فيه القدوة والهيبة:
"ده من ذوقك يا محمود بيه، المهم إننا قدرنا نوصل للي إحنا عايزينه والشركة كسبت في النهاية."
محمود حط إيده على كتف علي بمودة وسأله:
"أحوالك إيه يا علي؟ "
علي رد بامتنان:
"الحمد لله يا فندم، كله بخير تسلم."
محمود هز راسه، وكمل كلامه بتأكيد:
"طيب يا علي، أنا كنت لسه قايل لأدهم وبأكد عليك تاني.. أنا هستناكم النهاردة في بيتي، إحنا لازم نحتفل بالصفقة دي وسط العيلة، وعايزك تيجي إنت ومدام ياسمين وتنورونا، مش هقبل أي أعذار."
علي بابتسامة خجولة رد فوراً:
"ده شرف لينا يا محمود بيه، وبإذن الله هنكون موجودين في الميعاد، ياسمين كمان هتفرح جداً بالدعوة دي."
محمود ضغط على كتفه بابتسامة وقال:
"هستناكم.. مع السلامة يا علي."
ساب محمود علي ومشي، وعلي فضل واقف مكانه وهو حاسس براحة غريبة تجاه الراجل ده
مر الوقت وبعد ما خلصوا  كلام عن الشغل .. أدهم قعد على مكتبه وشبك صوابعه ببعض وبص لعلي بجدية وسأله:
"طيب قولي يا علي، وصلت لحاجة في موضوع عيلة مدام ياسمين؟ قدرت تمسك أي طرف خيط يوصلك لمين أهلها؟"
علي هز راسه بإحباط وسند ضهره لورا وهو بيتنهد بضيق:
"للأسف يا أدهم، الموضوع صعب جداً.. إحنا بنتكلم عن واقعة بقالها أكتر من عشرين سنة، والملفات ضايعة أو مدفونة. 
كل اللي قدرت أوصله هو اسم الملجأ اللي منصور الكلب ده اتبناها منه، بس لما روحت هناك، لقيت إن الملجأ ده اتهد من سنين طويلة واتبنى مكانه مستشفى استثماري، وكل السجلات القديمة اختفت مع الهدم."
أدهم ميل بجسمه لقدام وسأله بفضول واهتمام:
"والملجأ ده كان اسمه إيه ؟"
علي لسه هيفتح بقه ويقول الاسم، الباب خبط ودخلت رزان ومعاها مجموعة ملفات مستعجلة:
"أدهم بيه، الورق ده محتاج إمضاء حضرتك حالاً عشان مندوب البنك مستني بره."
أدهم اتنفخ بضيق بسبب المقاطعة، بس سحب الملفات وبدأ يراجعها ويمضي بسرعة وهو منشغل، وعلي استغل اللحظة وقام وقف وهو بيعدل قميصه:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"خلاص يا أدهم بيه، مش هعطلك عن الشغل.. أنا هروح دلوقتي أخلص شوية حاجات ورايا، ونتقابل بليل إن شاء الله عند محمود بيه."
أدهم هز راسه وهو لسه عينه في الورق:
"تمام يا علي.. نتقابل هناك."
_________________________________
جميلة كانت قاعدة في جناحها، والملل واكلها. مسكت الموبايل بتقلب فيه يمين وشمال، تفتح إنستجرام وتقفله، وبعدين تدخل على الفيس بوك.. حست إن الوقت مبيعديش. اكتشفت إن حياتها في القصر بقت متمحورة حول شخصين بس؛ يزن اللي لما بينام أو يروح المدرسة بيبقى القصر كأنه مهجور، وأدهم اللي دايماً مشغول في صراعاته وصفقاته.
فجأة، صوت فرملة عربية أدهم المميزة قطع الصمت ده. جميلة قلبها دق، وجريت بسرعة ناحية الشباك ووقفت ورا الستارة تراقب. شافت العربية السوداء الفخمة وهي بتقف،
 وثواني ونزل منها أدهم بهيبته اللي بتخطف الأنفاس. كان خالع الجاكيت وماسكه بإيد واحدة ورميه على كتفه، وماشي بخطوات واثقة وكأنه ملك بيمشي في مملكته.
جميلة اتنهدت بهيام وهي بتبص عليه من بعيد ووشها ملامس إزاز الشباك، وهمست لنفسها:
"يا خراااشي.. هو في حد في الدنيا بالكاريزما دي؟ إزاي بيقدر يجمع بين القوة والهدوء ده كله؟"
سرحت في ملامحه الحادة وشعره الفحمي اللي كان مترتب بعناية رغم تعب اليوم، وفضلت واقفة مكانها وكأنها في غيبوبة حب، ومفاقتش غير على صوت خبط قوي ومرتب على باب جناحها.
اتنفضت من مكانها بخضة، وجريت بسرعة البرق رميت نفسها على السرير، وحاولت تظبط هدومها وشعرها عشان ميبانش إنها كانت بتراقبه، وأخدت نفس عميق عشان تهدي دقات قلبها اللي كانت مسموعة، وقالت بصوت حاولت تخليه طبيعي:
"ادخل.."
الباب اتفتح ببطء، ودخل أدهم وهو لسه ماسك الجاكيت على كتفه، وعيونه الحادة جت في عيونها فوراً. ساد صمت لثواني، أدهم كان بيراقب وشها المحمرّ ونهجانها الخفيف، وابتسم ابتسامة جانبية خفيفة وكأنه حاسس إنها كانت بتعمل حاجة، وقال بصوته الرخيم:
"إيه.. كنتِ نايمة؟"
جميلة اتوترت ولعبت في صوابعها:
"لأ.. لا أبداً، كنت بس.. بقلب في الموبايل . إنت رجعت بدري النهاردة يعني؟"
أدهم قرب خطوتين، ورمى الجاكيت على طرف السرير وقعد قدامها، وبص لها بتركيز وقال:
"رجعت عشان نلحق نجهز.. النهاردة عندنا عزومة مهمة جداً عند محمود بيه الشافعي، وعايزك تظهري بأجمل صورة لمدام أدهم السويسي."
جميلة بصتله بحيرة، وعقدت حواجبها وهي بتحاول تداري ارتباكها من نظراته وقالت بصوت مهزوز شوية:
"بس يا أدهم.. ليه لازم أروح معاك؟ وبصفتي إيه أصلاً؟"
أدهم مقبلش إنها تكمل الجملة، وقرب منها بخطوات هادية وواثقة لحد ما بقى قدامها مباشرة، والمسافة بينهم مابقتش تتعدى السنتيمترات. مد إيديه وحاوط وسطها بتملك، وعينه كانت مثبتة في عينها بقوة خلتها تحبس أنفاسها، وهمس بصوت رجولي واطي ورخيم:
"بصفتك مراتي.. مدام أدهم السويسي، وده لوحده كفاية جداً عشان تكوني معايا في أي مكان أروحه، مفهوم؟"
جميلة اتسمرت مكانها، وحست بكهربا في جسمها من لمسته ونبرة صوته اللي مكنتش تقبل النقاش، ومقدرتش تنطق بحرف غير إنها هزت راسها بموافقة صامتة.
أدهم سابها ببطء، وكأنه بيستمتع بتأثيره عليها، وقال وهو بيتحرك ناحية الباب:
"تمام.. جهزي نفسك، وقدامك ساعة واحدة بالظبط. أنا هروح جناحي آخد شاور وأجهز، ومش عايز تأخير."
خرج أدهم وساب جميلة واقفة في نص الأوضة، حاطة إيدها على قلبها اللي كان بيدق بعنف من قربه.
__________________________________
الساعة دقت تسعة، والبيت اللي كان عبارة عن فيلا كبيرة كان في أبهى صوره، الأنوار والنجفات الكريستال بتعكس فخامة المكان اللي يليق بمقام محمود. نادية كانت بتتحرك في غرفة السفرة بنشاط وحماس غريب، بتظبط الشوك والسكاكين وتتأكد إن كل صنف محطوط في مكانه بدقة.
محمود دخل عليها ووقف وراها، وبص للسفرة بذهول وهو شايف كمية أصناف مبهجة، من المشويات للمقبلات والحلويات اللي تفتح النفس، سألها باستغراب:
"إيه كل ده يا نادية؟ إحنا عازمين كتيبة ولا إيه؟ ده إحنا يدوب أدهم وعلي وعائلاتهم!"
نادية لفت له وهي بتمسح إيدها في المريلة وبتقول بحماس:
"إيه يا محمود؟ قليل صح؟ أبعت أطلب تلات أصناف كمان من المطعم يلحقوا السفرة؟"
محمود ضحك من قلبه وهز راسه بيأس من كرمها الزايد:
"قليل إيه يا حبيبتي! ده السفرة هتتكسر من كتر الأكل، ده كتير أوي بجد."
نادية ردت عليه وهي بتعدل طبق السلطة:
"يا محمود أنا مش عارفة أدهم بيحب ياكل إيه، ولا علي، ولا حتى البنات اللي جايين معاهم.. قولت أعمل من كل صنف لون ، ده أول مرة يدخلوا بيتنا يا محمود."
محمود بصلها بنظرة مليانة تقدير وحب، قرب منها ومسك إيدها وباسها برقة وهو بيقول بصوت دافي:
"ربنا يخليكي ليا يا نادية.. ويشكر فضلك إنك في حياتي. إنتي بجد أحلى حاجة حصلتلي، وقلبك ده هو اللي مجمعنا ومخلي للبيت ده طعم."
نادية اتكسفت، رغم كبر سنها، إلا إنها مازالت بتتأثر من كلامه، وابتسمت:
"ويخليك ليا يا حبيبي.. يلا روح غير هدومك، زمانهم على وصول."
بعد دقايق، دخلت عربية أدهم محيط الفيلا، واللي كان عبارة عن جنينة واسعة وطويلة متزينة بإضاءة خافتة بتعكس فخامة المكان. أدهم وقف العربية وبص لجميلة اللي كانت قاعدة جنبه، وسرح لثواني في جمالها؛ كانت لابسة فستان أحمر رقيق وطويل، رقبته عالية ونازل بفتحة بسيطة وأنيقة عند الساق، ورفعت شعرها كحكة فوضوية منسقة بعناية لايقة جداً على ستايل الفستان، مع لمسات ميكب هادي برزت ملامحها.
أدهم نزل من العربية ولف فتح لها الباب، وتأملها بإعجاب واضح كان باين في عينيه، ومد لها إيده وهي حطت إيدها في إيده بخجل ونزلت. عطى لها كتفه وهي مسكته بتوتر لذيذ، ولسه هيتحركوا سمعوا صوت عربية علي وهي بتقف وراهم.
نزل علي بابتسامته الحيوية، ولف فتح الباب لياسمين اللي كانت طالعة زي الملاك بفستان بيبي بلو واصل لحد بعد الركبة، كتافه طويلة ومنسدلة، وسابت شعرها وراها نازل بنعومة مع خصلات بسيطة عملتها على هيئة ضفيرة رقيقة، وميكب بسيط جداً أبرز ملامحها الملائكية.
علي قرب منهم وهو ماسك إيد ياسمين، وسلم على أدهم بحرارة، وبعدها سلم على جميلة. أدهم بص لجميلة وقال بنبرة هادية:
"جميلة، ده علي المساعد بتاعي وذراعي اليمين، ودي مدام ياسمين مراته، انتي شوفتيهم قبل كده في كتب كتابهم ."
جميلة هزت راسها بترحيب رقيق، وسلمت على ياسمين بحب وود واضح من أول لحظة، وكأن فيه كيمياء غريبة ربطت بينهم. ياسمين بطلتها الهادية خلت جميلة تبتسم بتلقائية، ودخلوا كلهم مع بعض لباب الفيلا.
أول ما دخلوا، استقبلهم محمود ونادية بترحيب حار. محمود قدم نادية ليهم، وسلمت عليهم بحفاوة، لكن أول ما عين محمود وقعت على ياسمين، ملامحه اتغيرت وتفاجأ جداً وقال بذهول:
"إنتي؟!"
علي استغرب وبص لمحمود وبعدين لياسمين وسأل: "هو حضرتك تعرف ياسمين يا محمود بيه؟"
محمود هز راسه وهو لسه مركز في ملامحها: "شفتها في الشركة، شكلها ،واضح إنها كانت جيالك.. بس مكنتش أعرف إنها مدام ياسمين مراتك."
أدهم مسك إيد جميلة وقدمها بثقة: "ودي جميلة.. مراتي."
محمود رفع حاجبه باستغراب واضح، وبص لأدهم بدهشة: "مراتك؟! إنت اتجوزت يا أدهم؟"
أدهم رد بهدوء: "أيوة."
ياسمين في اللحظة دي استغربت جداً، لأن اللي فاكراه من يوم كتب كتابها إن جميلة هي أخت أدهم مش مراته، بس فضلت ساكتة ومفضلتش تعلق، واكتفت بابتسامة رقيقة لجميلة.
قعدوا كلهم على السفرة، وأصناف نادية الشهية. محمود مكنش قادر يشيل عينه من على ياسمين، وكان بيراقب كل حركة بتعملها، في حين إن علي كان بيتعامل مع ياسمين بمنتهى الحب والاهتمام، بيقطع لها الأكل وبيهتم بكل تفصيلة، وده خلى محمود يبتسم بود.
فجأة، محمود سأل سؤال كسر هدوء السفرة:
"إنتي منين يا ياسمين ؟ يعني أهلك من القاهرة؟"
الصمت ساد للحظات، وياسمين اتوترت جداً وبصت في طبقها، علي لاحظ ارتباكها فـ رد بسرعة عشان ينقذ الموقف:
"أيوة يا محمود بيه، هي من القاهرة."
محمود هز راسه بتفهم وسكت، بس نظراته كانت بتقول إن وراه أسئلة تانية كتير.
بعد العشا، اتنقلوا كلهم للصالون اللي كان تصميمه مفتوح بشكل عبقري على الجنينة، والورد كان مالي المكان، ونسمات هوا الليل كانت مخلية الجو شاعري وجميل. نادية فجأة قامت وبحماس شغلت موسيقى هادية وراقية، وبصت لهم وقالت بابتسامة:
"يا ولاد الأجواء دي ناقصها رقصة.. قوموا يلا استمتعوا بالهوا ده."
جميلة وياسمين اتكسفوا جداً ورفضوا في الأول، لكن محمود صمم.
اول واحد قام كان أدهم ،اللي قام ومسك إيد جميلة اللي كانت مكسوفة وشدها ليه برفق وبدأوا يرقصوا، وعلي قام وحاوط خصر ياسمين بحب وبدأوا يتمايلوا مع الموسيقى. محمود مسبش نادية، ومسك إيدها وانضموا ليهم في مشهد كان مليان دفء وحب، 
عند أدهم وجميلة ...
أدهم مكنش بيرقص مجرد رقصة عادية، كان بيحاوط خصر جميلة بإيد واحدة قوية، وكأنه بيعلن للعالم كله إنها ملكه. جميلة كانت حاطة إيدها على كتفه برعشة خفيفة، وعينيها تايهة في أزرار قميصه، مكسوفة ترفع عينها وتواجه نظراته اللي كانت حرفياً بتاكلها.
أدهم وطى راسه شوية وهمس لجميلة بصوت رخيم مسموع ليها هي بس، وده خلاها تغمض عينيها بتوتر وتدفن وشها في صدره للحظة. الفستان الأحمر مع سواد بذلته كان عامل لوحة فنية، وحركة رجليهم كانت موزونة بشكل غريب رغم إن دي مش أول مرة يرقصوا فيها سوا. أدهم كان بيشدها ليه أكتر كل ما الموسيقى تعلى، وكأنه بيستغل الفرصة عشان يكسر أي حاجز لسه موجود بينهم، وجميلة كانت مستسلمة تماماً لقوته وهيبته اللي مسيطرة على المكان.
عند علي وياسمين ...
أما علي وياسمين، فكانوا حرفياً طايرين. علي كان ماسك إيد ياسمين بحنية مفرطة، وإيده التانية سانده ضهرها برقة وكأنه خايف عليها تنجرح. ياسمين كانت بتبص لعلي بابتسامة صافية، وعيونها كانت بتلمع بحب صادق خلى كل اللي موجودين يحسوا بدفء علاقتهم.
ياسمين كانت بتتمايل بخفة زي الفراشة بفستانها ، وعلي كان بيلفها بحركات رشيقة، وكل شوية يقرب يهمس لها بكلمة تضحكها، فـ تخبي ضحكتها في كتفه. الرقصة بينهم مكنتش استعراض، كانت لغة حوار صامتة بتقول إنهم لبعض ومهما حصل هيفضلوا سند لبعض. علي كان بيبص لها وكأنها أغلى ما يملك في الدنيا، وياسمين كانت حاسة إنها في أمان تام وهي في حضنه وسط الأجواء الملكية دي.
عند محمود ونادية ...
وفي زاوية تانية، كان محمود ونادية بيرقصوا رقصة هادية جداً، رقصة فيها ريحة السنين. محمود كان ضامم نادية بحب ووقار، ونادية كانت ساندة راسها على كتفه وغمضة عينيها براحة
لكن وسط الرقص، كانت العيون بتقول كلام كتير؛ أدهم كان بيبص لجميلة بتملك، ومحمود كان عينه بتروح لياسمين اللي كانت بترقص في حضن علي بجمال يخطف القلب.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بعد العزومة ... أدهم أخد جميلة ومشيوا ،ومعاهم علي ياسمين، وكل واحد روح بيته مع مراته .. في بيت محمود الهادي، كانت نادية قاعدة والفضول بياكلها بعد ما اليوم خلص، والهدوء رجع يسيطر على المكان، قطعت الصمت وهي بتبص لمحمود وقالت:
"بس ما شاء الله، أنا مكنتش أعرف إن أدهم متجوز، فاجئني بصراحة لما قدم لنا جميلة."
محمود رد عليها بهدوء وهو بيسند ضهره:
"أنا كنت عارف يا نادية، الخبر كان عندي من الأول."
نادية عقدت حواجبها باستغراب:
"عارف؟ أومال ليه استغربت وبان عليك الذهول لما قال إنها مراته؟"
محمود ابتسم بذكاء، ورد:
"عشان أدهم أصلا مأعلنش إنه اتجوزها ، أنا مازالت براقب حياة أدهم حتى بعد ما رجعت من أمريكا ،وعرفت إنه فجأة كتب كتابه على جميلة بعد ما كانت بتحاول تسافر بره وتتخلص من الورطة اللي هي فيها."
نادية مالت بوشها بحيرة وقالت:
"وليه أدهم يعمل كدة؟ ليه يتجوزها بالسرعة دي وبدون مقدمات؟"
هنا ملامح محمود اتغيرت، وعينه لمعت بغضب دفين :
"لأنها كانت داخلة القصر بتمثل إنها ياسمين.. بنتي أنا!"
نادية اتنفضت من مكانها بصدمة:
"إيه؟! إزاي؟ أنا مش فاهمة حاجة.. بنتك إنت؟ وإيه اللي جابها لأدهم؟"
محمود اتنهد تنهيدة طويلة، وبدأ يحكي لها:
"وأنا في أمريكا، عرفت إن جميلة دخلت قصر أدهم بهدف واحد، إنها تمثل دور ياسمين، وده كان باتفاق مع إبراهيم.. كان تخطيط شيطاني عشان يسيطروا على كل حاجة. أنا كنت هتدخل بطريقتي وأندمها، بس حسيت إن أدهم بدأ يتعلق بيها، وقلت أسيبه يتعامل هو بطريقته، والظاهر كدة إنه حبها وسامحها على اللي عملته، وقلب اللعبة لجواز حقيقي."
سكت لحظة وكمل بصوت أهدى:
"بصراحة، أنا كنت كاره البنت دي جداً من بعيد وبقول إزاي تعمل كدة، بس لما شوفتها النهاردة وقعدت معاها، حسيت إنها بنت طيبة، والظاهر إن ظروفها هي اللي رمتها في طريق إبراهيم وخليتها تسمع كلامه."
نادية هزت راسها بأسى وقالت:
"إبراهيم ده شيطان في صورة بني آدم، مكفهوش اللي عمله زمان وحرمكم من بعض وسرق سنينكم؟ ده كمان عايز يسرق ثروة أدهم ويستغله؟"
رد محمود وعينه فيها توعد قوي:
"إبراهيم طول عمره الحقد مالي قلبه، والغل بياكل فيه.. بس نهايته هتبقى شنيعة، وعلى قد أعماله وتخطيطه، هتقع الإمبراطورية اللي بناها بالكره والحقد فوق راسه."
_________________________________
دخلت العربية السودة الفخمة من بوابة القصر بهدوء، وكأنها بتعلن استراحة محارب بعد يوم طويل مليان مشاعر متلخبطة. أنوار الكشافات بدأت تطفي تدريجيًا مع وقوف العربية، وساد الصمت في المكان إلا من صوت الموتور وهو بيفصل.
أدهم لف وشه وبص لجميلة اللي كانت قاعدة جنبه، رقيقة وهادية، والجاكيت بتاعه لسه محاوط كتافها.. افتكر لما حس ببرودة الجو وهي طالعة من بيت محمود، ومن غير تفكير قلع جاكيته وحطه عليها، وهي وقتها أخدته منه بابتسامة خجولة لسه مطبوعة على خيال أدهم.
جميلة قطعت الصمت بابتسامةهادية :
"أنا اتبسطت أوي النهاردة يا أدهم.. محمود بيه وطنط نادية ناس لطاف أوي."
أدهم هز راسه بهدوء وهو بيبص للطريق قدامه:
"فعلاً.. هما ناس طيبين."
جميلة نزلت عينيها في الأرض، وبصوت واطي يكاد يكون همس قالت:
"شكراً يا أدهم.. شكراً إنك أخدتني معاك، وإنك اعتبرتني جزء من حياتك وعيلتك قدامهم."
أدهم اتنهد تنهيدة طويلة، بصلها بصه فيها تأمل، فيها كلام كتير ملوش مخارج.. فتح باب العربية ونزل، ولف لحد عندها وفتح لها الباب ببرستيجه المعتاد. مد إيده ليها عشان تسند عليه وهي نازلة من العربية الـ BMW العالية، حركة بقت معتادة عليها، بس كل مرة بتخلي قلبها يدق كأنه أول مرة.
دخلوا القصر، وكان السكون هو سيد المكان. الأنوار خافتة، ويزن نام من بدري، وحتى الخدم ملهومش أثر بسبب تأخر الوقت.
بدأ أدهم يطلع السلم بخطوات رزينة وواثقة، هيبته كانت طاغية حتى وهو مديها ضهره. جميلة كانت ماشية وراه، عينيها مش قادرة تنزل من عليه، بتتأمل كتافه العريضة اللي مفسرها القميص الأبيض بعد ما قلع الجاكيت، وطريقة طلوعه للسلم اللي بتعكس شخصيته القوية والمسيطرة.
وصلوا لنهاية السلم عند الممر اللي فيه الأوض، وقفت جميلة قدام باب أوضتها وهي مترددة، قلبها بيسأل وعينيها بتدور في عين أدهم عن إجابة.. هل هيدخل ينام في جناحه زى زمان؟ ولا هيكمل عادته اللي بدأت في الأيام الأخيرة، إنه ينام جنبها ويحسسها بالأمان اللي محرومة منه؟
وفي وسط حيرتها والتساؤلات اللي جوا دماغها .. فجأة جالها الجواب ،لما أدهم فتح باب غرفتها، ودخل ووقف منتظرها تدخل .ابتسمت بصفاء وخجل ودخلت 
أدهم مكنش قادر يشيل عينه عنها من أول ما شافها بالفستان الأحمر ده قبل ما يخرجوا، اللون كان بياكل من ملامحها حتة، مبرز بياض بشرتها وسحر عيونها اللي شبه عيون الغزلان، والكحل اللي مرسوم بدقة زود من فتنتهم وخلاه مأسور جوه نظرتها.
جميلة وقفت قدامه ببراءة، وبدأت تفك خصلات شعرها المرفوعة بأناقة، فنزلت الخصلات المتمردة اللي متعودة تداعب وشها وتخضن خدودها بنعومة. مدت إيدها بالجاكيت وهي بتقول برقة وخجل:
"شكراً يا أدهم على الجاكت.."
في اللحظة دي، أدهم محسش بنفسه، الحواجز اللي كان بانيها حوالين قلبه انهارت تماماً. شد إيدها الممدودة ناحيته بقوة مفاجئة، خلتها تشهق بخضة وترتمي في حضنه. الخضة دي مكملتش ثواني وتحولت لمشاعر تانية خالص لما لقت عيون أدهم بتحاصرها بنظرة مليانة شغف وتملك، وكأنه كان مستني اللحظة دي بفارغ الصبر.
قرب منها أكتر، وغرقوا سوا في عالمهم الخاص، عالم مفيش فيه مؤامرات ولا كذب ولا ماضي، فيه بس أدهم وجميلة. المرة دي كانت مختلفة ... كانت ساحرة بكل تفاصيلها، وكأن كل واحد فيهم بيطلع الوجع والوحدة اللي عاشها في حضن التاني..
بعد دقايق، أدهم بعد عنها ببطء شديد، بس فضل قريب جداً، ساند جبينه على جبينها وهو بينهج بقوة، وأنفاسه العالية مسموعة. جميلة كانت في حالة مش أحسن منه، دقات قلبها كانت بتتسابق، وعينيها متثبتة في عينه بذهول ممزوج بحب واضح.
همس أدهم بصوت مبحوح وهو لسه ساند راسه عليها:
"جميلة.. أنتي عملتي فيا إيه؟"
جميلة غمضت عينيها وهي بتستنشق ريحته اللي بتدوبها، ومقدرتش تنطق بحرف، كفاية عليها حضنه اللي بقى هو بيتها وملاذها الوحيد من كل الدنيا.
أدهم كان باصص في عيونها اللي بتلمع تحت ضوء الأباجورة الخافت، وصوته طالع مهزوز لأول مرة في حياته، همس بوجع مكتوم:
"ليه مش قادر أكرهك يا جميلة؟ ليه رغم كل اللي حصل، ورغم اللعبة اللي دخلتي بيها حياتي، مش قادر أقسى عليكي ولا حتى أفكر أأذيكي؟"
قرب أكتر وهو بيتنفس ريحتها اللي بتسكن خلاياه، وكمل بهمس عاشق ضايع:
"ليه مستسلملك للدرجة دي؟ مش قادر أعمل أي حاجة غير إني أحـ..."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الكلمة وقفت في حلقه، وكأنها جمرة نار مش قادرة تخرج. جميلة كانت معلقة عيونها بشفايفه، مستنية الكلمة اللي هتداوي جروح قلبها وتطفي نار خوفها، كانت محتاجة تسمعها ،عشان تحس إنها أخيراً وصلت لبر الأمان.
لكن أدهم فجأة حس ببرودة قاسية غزت جسمه، افتكر كذبتها، افتكر إبراهيم، وافتكر إنه لسه مش قادر يثق تماماً. حاجز الخوف والكرامة رجع اتبنى في ثانية واحدة. اتنهد بضيق وبعد عنها بسرعة البرق، وكأنه كان بيحاول يهرب من سحرها قبل ما يضعف أكتر.
ثواني وكان فاتح باب غرفتها، وقف على الباب وضهره ليها، وقال بجمود مصطنع:
"تصبحي على خير."
خرج وقفل الباب وراه، وسابها واقفة في نص الجناح زي التمثال. بصت في الأرض لقت جاكتته اللي وقعت منها في وسط زحمة مشاعرهم، نزلت لمست الجاكت بإيد بتترعش ودموعها بدأت تنزل بصمت وتحرق خدودها.
كانت فاكرة إن الليلة دي هي النهاية لكل المسافات، إن النهاردة أدهم هيفتح قلبه ويرمي الماضي ورا ضهره.. بس الحقيقة المُرة إن أدهم لسه مش قادر يسامح، ولسه الجرح اللي جواه بينزف، وكل خطوة قرب بياخدوها، بيرجعوا قصادها عشرة لورا.
_________________________________
بمرور شهر كامل..
كانت جدران القصر شاهدة على حالة فريدة من نوعها بين أدهم وجميلة؛ حالة السهل الممتنع. شد وجذب، نظرات طويلة بتنتهي بابتسامة خجولة، وقسوة أدهم اللي بدأت تنهار قدام محاولات جميلة المستمرة إنها تثبت له إنها اتغيرت وبقت إنسانة تانية تستحق ثقته. أدهم وفى بوعده، وقدم لها ورقة استكمال دراستها،
 وبقت جميلة في سباق مع الزمن عشان تلم منهج الثانوية العامة في شهور قليلة.
جميلة كانت قاعدة في ركنها المفضل في الأوضة، متربعة على الأرض والكتب والملازم محاوطاها من كل جهة كأنها في معركة. كانت رافعة شعرها ديل حصان، وماسكة كوباية القهوة في إيد والآلة الحاسبة في الإيد التانية، وعينها مركزة في مسألة فيزياء كهربية ..
فجأة، برقت عينيها بفرحة لما الرقم اللي طلع على شاشة الآلة طابق لواحد من الاختيارات، صرخت وهي بتقوم تقف وترقص بحركات هبلة وعفوية:
"أوعى.. أوعى! الله عليكي يا بت يا جيمي.. إيه العبقرية دي؟ ده إينشتاين لو عايش كان اعتزل النهاردة"
في اللحظة دي، سمعت خبطات هادية ورزينة على الباب، وبعدها دخل أدهم وهو شايل في إيده طبق فيه ساندوتشات. رفع حاجبه بذهول وهو شايفها بترقص لوحدها وقال بابتسامة جانبية:
"إيه الهبل اللي بيحصل ده؟"
جميلة وقفت بسرعة وهي بتنهج من الفرحة:
"الحمد لله يا أدهم! لسه حالة مسألة مستويات عليا في الكهربية وطلعت صح.. أنا بجد مش مصدقة نفسي!"
أدهم قرب منها ببطء، وعينيه فيها نظرة فخر وقال:
"برافو عليكي.. كنت عارف إنك قدها."
حط الطبق قدامها على المكتب وقال بنبرة دافية:
"طلبت من الخدم يعملولك ساندوتشات جبنة رومي سايحة زي ما بتحبي، قولت أكيد القهوة لوحدها مش كفاية للتركيز ده كله."
جميلة عينيها لمعت وأخدت ساندوتش وبدأت تاكله بتلذذ وكأنها مشافتش أكل قبل كدة:
"شكراً يا أدهم.. بجد كنت محتاجة له جداً، الجوع كان هيبدأ يلحس دماغي."
أدهم قرب أكتر، ومد إيده وحرك صوابعه برقة على خصلات شعرها المرفوعة، في حركة خلت جميلة تتجمد مكانها وتنسى الساندوتش اللي في إيدها. همس بهدوء:
"ذاكري كويس يا جميلة.. امتحاناتك خلاص قربت، ومش عايزك تضيعي الفرصة دي."
جميلة هزت راسها ببطء وهي تايهة في عيونه:
"حاضر.. بوعدك إني هرفع راسك."
أدهم سحب إيده ببطء وقال وهو بيتحرك ناحية الباب:
"لو وقفت قدامك أي حاجة في الفيزياء أو الكيمياء، قوليلي.. أنا ممكن أذاكرلك، أظن إني لسه فاكر شوية حاجات ."
جميلة ابتسمت بفرحة وقالت فوراً:
"موافقة جداً! ده أنا عندي فصل كامل في الكيمياء العضوية محتاج حد يفك شفراته معايا."
أدهم ضحك بخفة وقال: "تمام.. خلصي أكلك وحصليلي على المكتب تحت، هنبدأ أول حصة النهاردة."
خرج أدهم، وجميلة فضلت واقفة مكانها والابتسامة مش مفارقة وشها، حست إن المذاكرة بقالها طعم تاني خالص لما يكون المدرس هو أدهم السويسي.
_________________________________
في المكتب 
أدهم اللي معروف ببروده وجفافه مع الكل، لقى نفسه مع محمود بينفك ببطء. بقى يستنى ميعاد اجتماعهم، مش عشان الشغل، عشان يحس بالراحة اللي بتشع من وجود الراجل ده جنبه. تعاونوا في أكتر من صفقة، وكانوا بيشتغلوا بروح واحدة، كأنهم بيكملوا بعض، لدرجة إن موظفين الشركة بدؤوا يلاحظوا الكيميا الغريبة اللي بينهم، وكأن فيه رابط خفي بيربطه بالرجل اللي خبرته وسنينه باينة في كل تجعيدة في وشه.
جدران المكتب الفخمة والهدوء اللي كان بيسيطر على المكان فجأة اتبدل بحالة من القلق، محمود قاعد بيراجع بنود الصفقة الأخيرة، وفجأة سكنت حركته، ملامحه انكمشت بألم ورفع إيده ببطء ساند بيها راسه وكأن الدنيا دارت بيه في لحظة.
أدهم، اللي كان عينه دايمًا بتراقب أدق التفاصيل، قام من مكانه بلهفة غريبة عليه، لهفة مكنتش مجرد خوف شريك على مصلحته، دي كانت خضة ابن بجد. قرب منه بخطوات سريعة وقال بصوت فيه بحة قلق واضحة:
"حضرتك كويس يا محمود بيه؟ مالك.. حاسس بإيه؟"
محمود غمض عينه بتعب، وصوته طلع واهن وهو بيحاول يطمنه:
"أيوه يا ابني.. متقلقش، دي مجرد دوخة خفيفة، يمكن من ضغط الشغل زاد شوية."
أدهم مد إيده وحطها على كتف محمود بحنان وسند حقيقي، وقال بلهجة آمرة بس ناعمة:
"لا، كفاية شغل لحد كدة النهاردة. حضرتك لازم تروح ترتاح فوراً، والبيت أولى بيك دلوقتي."
هز محمود راسه بموافقة، وكأنه استسلم لاهتمام أدهم اللي لمس قلبه. قام أدهم وسنده، كان ماشي جنبه خطوة بخطوة لحد باب المكتب. عند الباب، أدهم وقف وقفة حزم وقال:
"أنا هأمر سواق من الشركة يجهز العربية حالاً ويوصلك لحد باب البيت، مش هينفع تسوق وأنت في الحالة دي."
محمود بصله بنظرة طويلة، نظرة فيها امتنان غريب، ورفع إيده ببطء ومسح على شعر أدهم بحنان أبوي، حركة عفوية بس هزت كيان أدهم من جوه. محمود ابتسم بتعب وقال:
"تسلم يا ابني.. كتر خيرك."
خرج محمود، وفضل أدهم واقف مكانه زي الصنم. إيده طلعت لوحدها تتحسس خصلات شعره اللي محمود لمسها. في اللحظة دي، الدنيا حواليه اختفت، والمكتب الفخم مابقاش موجود.
بدأت صور مشوشة تظهر قدام عينه، ذكرى قديمة لطفل صغير بيركض لآبوه بشهادة تقدير، وأب بيضحك بوش بشوش وبيمسح على شعره بنفس الطريقة بالظبط، وبنفس الملمس الدافي. أدهم غمض عينه بقوة، أنفاسه بقت متسارعة، وصوت دقات قلبه بقى مسموع.
هز راسه بعنف وهو بيحاول يطرد الخيالات دي، ووشوش لنفسه بذهول:
"مستحيل.. إيه اللي أنا بفكر فيه ده؟ هما حتى مش نفس الملامح، ولا فيه أي شبه يجمعهم.. ليه الوجع ده رجع يصحى تاني دلوقتي؟"
________________________________
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بليل .. 
كان قاعد في مكتبه اللي في القصر، المكتب اللي بيشهد على أهم قراراته وصفقاته، . مكنش فيه صوت غير خبطات الكيبورد وصوت أنفاسه الهادية وهو مركز في شاشة اللاب توب.
سمع دقات خفيفة ورقيقة على الباب، عرفها على طول، صوته طلع برزانة وهو بيقول:
"ادخل."
فتحت جميلة الباب، كانت حضنة كتبها وملازمها بقوة، وعلى وشها ابتسامة فيها حماس طفولي، وقالت بنبرة فرحانة:
"أنا جيت عشان تذاكرلي زي ما وعدتني.. ولا نسيت الوعد؟"
أدهم رفع عينه من على الشاشة، وبمجرد ما شاف لمعة عينيها، ملامحه الجامدة لانت وابتسم بحب حقيقي وقال:
"حاضر يا جميلة، أنا عند وعدي.. اقعدي على الكنبة ولما أخلص الإيميل ده هجيلك فوراً، ابدأي افتحي الكتب لحد ما أخلص."
راحت جميلة قعدت على الكنبة الجلد الكبيرة اللي في وسط المكتب، بدأت تفتح الملازم وتحدد بالقلم الأجزاء اللي مش فاهماها في الكيمياء.
 عدت دقايق، وأدهم خلص شغله، قام بتعب ومدد جسمه، وجميلة كانت بتراقبه من تحت لتحت.
المنظر كان مأثر عليها جداً؛ أدهم كان لابس تيشرت بيتي رصاصي مفسر تفاصيل جسمه الرياضي، وبنطلون أسود مريح، والنظارة الطبية اللي كان لابسها كانت بتزيده وسامة وهيبة فوق هيبته. خصلات شعره كانت نازلة على جبينه بتمرد، ومع قعدته الطويلة في المكتب، بدأت تاخد شكل مموج بسيط خلاه يبان جذاب بشكل مش طبيعي.
جميلة أول ما لقت خطواته الهادية بتقرب منها، نزلت راسها بسرعة في الكتاب، وغمضت عينيها وهي بتدعي إن الوقت يعدي بسلام من غير ما دقات قلبها تفضحها، خصوصاً وهي حاسة بوجوده الطاغي اللي بدأ يملى المكان حواليها.
أدهم قعد جنبها، المسافة كانت قريبة لدرجة إن ريحة عطره بدأت تسيطر على حواسها، قلع نظارته ببطء وحطها على التربيزة، وقال بصوته الدافي:
"ها يا ستي.. نبدأ بإيه؟ فين الأجزاء اللي واقفة معاكي ؟"
أدهم شرح لها بذكاء وصبر، وجميلة كانت في قمة تركيزها، ومع كل معلومة كانت بتحس إنها بتفهم أكتر بكتير من مذاكرتها لوحدها. أول ما خلصوا، قامت وقفت بفرحة طفولية وهي بتقفل كتبها وقالت بحماس: "أنا كدة فهمت كل حاجة بجد! شكراً يا أدهم، أنت شرحك أحسن من كل المدرسين الي بسمعهم."
في اللحظة دي، تليفون أدهم اللي كان محطوط على المكتب رن رنة واحدة وفصل. جميلة كانت هي الأقرب للمكتب، فقالت بعفوية: " استنى هجيبلك الموبايل ."
لسه بتمسك الموبايل، عينها جت بالصدفة على الشاشة، ووقفت مكانها فجأة وكأن الزمن وقف بيها. شافت صورتها هي ويزن وهما نايمين، أدهم كان واخد لقطة ليهم وهما في قمة براءتهم، الصورة كانت دافية جداً لدرجة إنها حست بقلبها بيدق بعنف.
استغربت جداً هي اتصورت إمتى وإزاي؟ لفت الموبايل ناحيته وقالت بذهول ممزوج بضحكة خجل: "أنت بتصورنا وإحنا نايمين يا أدهم؟ ومش بس كدة، ده أنت حاططها خلفية لموبايلك!"
أدهم اتوتر جداً، ملامحه اللي كانت رزينة اتهزت، وحاول ياخد منها الموبايل بسرعة وهو بيقول: "هاتي يا جميلة الموبايل، دي مجرد صورة عجبتني وخلاص."
جميلة جريت في المكتب وهي بتضحك بدلال وتطلع له لسانها، وأدهم وراها بيحاول يمسكها لحد ما حاصرها عند ركن المكتب. شهقت بضحك وقالت: "مش هتاخده غير لما توريني باقي الصور اللي عندك!"
أدهم اتنهد باستسلام قدام شقاوتها وفتح لها المعرض، وبدأت تقلب وهي بتضحك بفرحة وهي شايفة صور كتير ليها وليزن من كذا زاوية، صور واضحة إنها متصورة بحب واهتمام كبير.
لكن فجأة، الضحكة اختفت، والدموع بدأت تلمع في عينيها ووشها اصفرّ تماماً. صباعها وقف عند تلات صور ورا بعض لياسمين ،لما كانوا في كتب الكتاب. الغريب والمؤلم إن الصور كانت موجهة على ياسمين لوحدها، وكأن الكاميرا بتراقبها هي بس في وسط الزحمة.
رفعت نظرها لأدهم بصدمة وجسمها بدأ يترعش، بصت للموبايل وبعدين بصت له وقالت بصوت مهزوز ومخنوق: "إيه ده يا أدهم؟ صور ياسمين بتعمل إيه عندك؟ وليه عامل زوم عليها هي بس؟"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أدهم ملامحه اتصلبت تماماً، واللين اللي كان في عينيه اتحول لبرود قاسي وكأنه بيحاول يرمي قناع عشان يداري ارتباكه، رد بنبرة خالية من أي مشاعر:
"دي مجرد صور يا جميلة، مفيش داعي للدراما دي كلها."
جميلة دموعها خانتها ونزلت على خدها، وصوتها طلع مخنوق بالوجع وهي بتبص في عينيه:
"ليه يا أدهم؟ ليه بتقول عادي؟ الصور دي متصورة بتركيز غريب.. أنت كنت باصص لها هي بس وسط الكل! يعني كل اللي فات ده كان تمثيل؟"
أدهم غمض عينه لثواني وكأنه بيستجمع جبروته، وفتحهم وهو بيبص لها بحدة تقطع القلب:
" دي حاجه تخصني أنا يا جميلة.. ومظنش إنها تخصك في شيء، ولا من حقك تسألي فيها."
الكلمة كانت زي خنجر اتغرس في قلبها. "ما تخصكيش؟" بعد كل اللي عاشوه ؟ بعد ما بدأت تصدق إن ليها مكان في حياته؟
جميلة مسكت كف إيده بقوة وهي بتترعش، وحطت الموبايل في كفه بعنف، وسحبت واحد من كتبها اللي كان على المكتب من غير ما تنطق ولا كلمة تانية.
جريت من المكتب وهي مش شايفة قدامها من كتر الدموع، سابت وراها فراغ كبير ووجع ملوش آخر. أما أدهم، ففضل واقف مكانه زي التمثال، عينه مثبتة على الباب اللي اتقفل وراها بقوة، وإيده اللي ماسكة الموبايل كانت بتترعش بخفة.
بص لصور ياسمين اللي في الموبايل، ونفخ بضيق وهو بيمسح على شعره بعنف.. هو مكنش عارف يفسر لنفسه أصلاً سر اهتمامه بياسمين، ولا عارف يقول لجميلة إن اللي بيحسه تجاه البنت دي حنين غريب .. مش حب، بس كبريائه منعه يبرر، وساب سوء التفاهم يحرق كل اللي بنوه في شهر.
__________________________________
كان علي واقف في البلكونة، ساند بإيديه على السور وباصص للسما اللي كانت مليانة سحب بيضاء بتجري ورا بعضها، والقمر كان بدر ومنور الدنيا بنور هادي مريح للأعصاب. مكنش فيه صوت غير نسمات الهوا الخفيفة وصوت نبضات قلبه اللي كانت هادية وراضية لأول مرة من سنين.. 
فجأة، حس بحركة رقيقة وراه، ريحة النعناع الهادية سبقت صاحبتها. لفت ياسمين ودخلت البلكونة وهي شايلة كوبايتين شاي بالنعناع، البخار طالع منهم. 
علي لف وابتسم لها ابتسامة دافية، أخد منها المج وهو بيلمس صوابعها برقة وقال بصوت واطي:
"شكراً يا حبيبتي.. تسلم إيدك."
ياسمين وقفت جنبه، رفعت المج وشربت منه رشفة هادية، وعلي ساب المج من إيده ووقف وراها، حط إيديه الاتنين على السور وهي بقت محاصرة بين دراعاته، وضعية حسستها بأمان غريب. ياسمين رفعت راسها للسما وقالت وهي مسحورة بالمنظر:
"بتحب تبص للسما يا علي؟"
علي هز راسه بحب، ودفن وشه في خصلات شعرها لثواني قبل ما يرد:
"أيوة.. بحب أقف هنا وأبص للنجوم، وبالذات لما يكون القمر بدر زي دلوقتي.. بحس إن السما واسعة كفاية إنها تشيل أي فكرة جوايا."
ياسمين لفت له وبقت في مواجهته، المسافة كانت قريبة جداً، وعينيها لمعت بفضول وهي بتسأل:
"ودلوقتي.. بتفكر في إيه؟"
علي عينه لمعت وهو باصص في عينيها مباشرة، وسكت لثواني وكأنه بيستوعب النعمة اللي هو فيها، وبعدين قال:
"بفكر في حياتي اللي اتغيرت يا ياسمين.. لو كان حد جيه من كام شهر بس وقال لي إني هحب، وأتجوز، وأستقر، واهتماماتي كلها هتتغير بدل ما كانت حياتي مقتصرة على الشغل والجيم وخالتي منى.. مكنتش هصدقه أبداً."
ياسمين ابتسمت برقة وسألته بمداعبة:
"طيب.. مشتاقتش للروتين القديم ده؟"
علي ضحك بخفة وهز راسه بالرفض:
"على الرغم من إن دي كانت حياتي، إلا إنها كانت روتينية ومملة جداً.. أوقات كنت بتخنق وأقول لنفسي ..معقول هفضل كدة طول حياتي؟"
سكت شوية وبصلها بعمق خلى قلبها يدق:
"تعرفي إن أول يوم اتقابلنا فيه، كنت بفكر في كدة.. بفكر في حياتي المملة.. لحد ما شوفتك. ومن أول لحظة عيني جت في عينيكي وأنا شايلك بين إيديا، كنت عارف إنك آسرتيني. ورغم إني محبتش قبل كدة ولا كان ليا تجارب، بس كنت متيقن إن هو ده الحب اللي كنت مستنيه."
ياسمين حست بمشاعرها بتفيض، سندت بجبينها على صدره وحركت راسها بلطف وهي مسحورة بكلامه اللي بيلمس روحها، وهمست بصوت يكاد يُسمع:
"بحبك يا علي.. بحبك أوي."
علي ضمها ليه بقوة، وحس إن الدنيا كلها ملكه في اللحظة دي.
غمض عينيه واستسلم للحظة دي بكل كيانه، ضمها ليه أكتر وكأنه بيحاول يداريها من الدنيا كلها جوه ضلوعه، وباس راسها بحنان وهو بيقول بصوت هامس طالع من أعماق قلبه:
"وأنا بعشقك يا ياسمين.. بعشقك لدرجة إني بقيت بخاف من الهوا اللي بيعدي جنبك. وجودك في حياتي مكنش مجرد صدفة، ده كان نجاة لروحي اللي كانت تايهة."
ياسمين رفعت راسها وبصت في عينيه اللامعة تحت ضوء القمر، وقالت بصدق:
"تعرف يا علي، أنا طول عمري كنت بحس إني لوحدي، حتى وسط الناس. كنت دايماً خايفة من بكرة، بس من يوم ما بقيت معاك، الخوف ده اختفى. بقيت حاسة إن ليا سند، وبيت، وأهل.. بقيت حاسة إني فعلاً ملكة في مملكتك."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
علي ابتسم بوقار وسحب خصلة شعر متمردة من على وشها ورا ودنها وقال:
"إنتي فعلاً ملكة، ومش بس في مملكتي، إنتي المملكة نفسها. وعشان كدة بوعدك يا ياسمين، إني مش ههدا غير لما أعرف كل حاجة عن ماضيكي، وأرجعلِك كل حق ضاع منك.. حتى لو كان الخصم مين، مش هسيب حقك أبداً."
ياسمين اتنهدت براحة، بس فجأة افتكرت حاجة وقالت بتردد:
"علي.. بخصوص الورقة اللي لقيتها في الملفات القديمة، اللي كان مكتوب فيها اسم إبراهيم السويسي.. تفتكر أدهم بيه يعرف حاجة عن الموضوع ده؟ وليه اسمه مكتوب في سجلات الملجأ؟"
ملامح علي اتغيرت للجدية، وبص للسما بتفكير وقال:
"ده اللي محيرني يا ياسمين. إبراهيم السويسي هو عم أدهم، .. كونه كان بيزور اوراق الملجأ ده و ليه علاقة بمنصور اللي اتبناكي، وكان بينهم مقابلات من عشرين سنه ، ده بيأكد إن فيه سر كبير مخبيه، ويمكن يكون السر ده هو الخيط اللي هيوصلنا لأهلك الحقيقيين."
ياسمين مسكت إيده بقلق: "أنا خايفة يا علي.. خايفة الحقيقة دي توجعنا أو تفرقنا."
علي ضغط على إيدها بقوة وطمنها بنظرة واثقة:
"مفيش حاجة في الدنيا تقدر تفرقنا يا ياسمين. الحقيقة مهما كانت صعبة، هي اللي هتحررنا من الحيرة دي. بكرة هحاول أتكلم مع أدهم بيه بطريقة غير مباشرة، يمكن أقدر أفهم منه إيه علاقة عمه بالملجأ ده من غير ما أسبب حساسية بينه وبين عمه.. رغم إني عارف إن أدهم أصلاً مش طايقه."
__________________________________
إبراهيم كان قاعد في مكتبه الفخم، الضوء خافت ومفيش غير نور شاشة الموبايل اللي عاكس على ملامحه الحادة والمليانة غل. كان بيقلب في صور "أدهم" مع شريكه الجديد "محمود الشافعي" في آخر حفلة وتصريحات الجرايد عن نجاح صفقاتهم.
زم شفايفه بشر وهو بيكبّر صورة محمود الشافعي، وبدأ يتكلم مع نفسه بصوت فحيح زي التعابين:
"ليه الراجل ده بالذات يا أدهم؟ ليه الشراكة دي اللي خلتك تفتح له قلبك ومكتبك بالمنظر ده؟ ده أنا عمك، والدم اللي بيجري في عروقك من دمي، ومكنتش بتسمحلي أتدخل في صفقة واحدة ولا أدخل مكتبك من غير ميعاد!"
بدأ يدقق في ملامح محمود اللي في الصورة، وحس ببرودة غريبة بتسري في جسمه. النظرة دي.. الشموخ ده.. الكيمياء اللي ظاهرة بين أدهم ومحمود في الصور مش مجرد كيمياء شغل، دي كأنها رابطة دم. إبراهيم حرك صباعه على ملامح محمود في الصورة، وعينه برقت بصدمة ممزوجة بخوف:
"نفس النظرة.. نفس الوقفة.. مش ممكن! إنت مت من عشرين سنة يا محمود.. أنا حرقت العربية بنفسي وشوفت النار وهي بتاكل كل حاجة! مستحيل تكون رجعت من الموت."
قام وقف وبدأ يروح وييجي في المكتب بتوتر، والشر بدأ يلمع في عينه من تاني:
"لو كنت إنت، أو حتى حد شبهك.. فأنا مش هسمحلك اتخد مكاني تاني. أدهم طردني من الشركة وكسر هيبتي، ولازم يندم على اللحظة اللي فكر فيها يتحداني.. هخلص منكم إنتوا الاتنين في خبطة واحدة، والمرة دي مش هسيب للنار فرصة تغلط وتطلّع حد عايش."
مسك موبايله وطلب رقم شخص مجهول، ورد بصوت واطي زي فحيح الأفاعي:
" عايز مراقبة ٢٤ ساعة لمحمود الشافعي، وعايز أعرف كل ثغرة في تحركاته هو وأدهم.. المرة دي مفيش مجال للغلط ."
__________________________________
أدهم وعلي كانوا قاعدين في المكتب، الملفات مفتوحة قدامهم والجو هادي، بس علي مكنش مركز تماماً. كان بيمسك القلم ويخبط بيه على المكتب بانتظام وهو باصص للاشيء، وسرحان في دوامة من الأسئلة.
أدهم لاحظ شروده، ساب الورق اللي في إيده وسند ضهره لورا وهو بيسأله بتركيز:
"مالك يا علي؟ بقالك ساعة بتبص في الورقة دي ومش معايا خالص..
علي اتنهد ورفع عينه لأدهم، وبدأ يتكلم بصوت فيه حيرة وقلق:
" أنا عايز اقولك على حاجة غريبة اكتشفتها لما دورت عن الملجأ دوأهل ياسمين الحقيقين."
ادهم باستغراب:" اكتشفت ايه؟"
كمل علي ... وأنا بدور ورا سجلات الملجأ القديمة، وصلت لحاجة غريبة أوي ومش فاهماها. عرفت إن عمك إبراهيم السويسي كان بيتردد على الملجأ ده كتير جداً من عشرين سنة."
أدهم عقد حواجبه باستغراب: "عمي إبراهيم؟ وإيه اللي يخلي واحد زيه يروح ملجأ أيتام؟"
علي كمل وهو بيبلع ريقه:
"المشكلة مش بس في الزيارات.. المشكلة إنه كان بيقابل منصور بانتظام، منصور اللي هو أبو ياسمين بالتبني، والكلام ده كان في نفس الفترة اللي ياسمين خرجت فيها من الملجأ وراحت لبيت منصور."
أدهم قام وقف من ورا مكتبه بعصبية، وعقله بدأ يربط الخيوط ببعضها:
"إيه علاقة عمي بمنصور؟ وليه يتدخل في حياة بنت يتيمة؟ كأن إبراهيم هو اللي كان بيحرك منصور عشان ياخد ياسمين من الملجأ.. بس ليه؟"
(هتشل من الغباء بجد. يعني نفس ظروف أختك اللي بتدور عليها ونفس الاسم 
ده ملقتش نظرك لحاجة؟؟🙂🙂)
لسه علي هيرد، فجأة موبايل أدهم اللي كان محطوط على المكتب رن. أدهم بص للشاشة واستغرب جداً لما لقى المتصل "جميلة". قلبه انقبض، لأنها من وقت اللي حصل في المكتب ،وهي حابسة نفسها في أوضتها ومش بتكلمه خالص.
أدهم فتح الخط بسرعة، وقبل ما ينطق بكلمة، جاله صوت جميلة وهو مهزوز ومخنوق بالعياط:
"الحقني يا أدهم.. أرجوك تعالى بسرعة، يزن سخن أوي وجسمه بيتنفض، أنا مش عارفة أعمل إيه!"
أدهم ملامحه اتخطفت تماماً، ورجعت له صورة يزن وهو تعبان، الخوف على ابنه سيطر عليه ونفض أي فكرة تانية من دماغه. زعق في الموبايل وهو بيتحرك ناحية الباب:
"جميلة اهدي.. أنا جاي حالاً، حطي له كمادات مية فاترة وما تسيبيهوش  لوحده، مسافة الطريق وهكون عندك."
علي قام وقف بخضة: "فيه إيه يا أدهم؟"
أدهم وهو بيجري: "يزن تعبان يا علي، لازم أمشي حالاً.. كمل انت الشغل هنا، وأي حاجة تحصل بلغني بيها فوراً."
__________________________________
أدهم دخل القصر كأن إعصار اقتحمه، مكنش شايف قدامه ، يزن مش مجرد أخوه الصغير، ده ابنه اللي شال مسؤوليته وهو لسه بيخطو خطواته الأولى في الدنيا.
طلع السلالم بضيق نَفَس وفتح باب الجناح بلهفة، وشاف المنظر اللي خلى قلبه يتنفض؛ يزن كان نايم على السرير، وشه شاحب وملامحه دبلانة من التعب، وجميلة قاعدة جنبه، ماسكة فوطة مبلولة وبتعمله كمادات، وعينيها كانت حمرا من القلق والعياط.
جميلة رفعت عينيها وبصت لأدهم أول ما دخل، نظرة كان فيها عتاب ممزوج بلهفة  أدهم قرب بتوتر وقعد على طرف السرير، وحط إيده على جبين يزن اللي كان قايد نار، وسأل بصوت مرعوب:
"إيه اللي حصل يا جميلة؟ الصبح كان كويس!"
جميلة ردت وهي بتمسح دموعها بطرف إيدها:
"كنت داخله أشوفه عادي، لقيته مش قادر يفتح عينه وجسمه مولع نار.. قلقت جداً ومكنتش عارفة أتصرف غير إني أكلمك."
أدهم طلع موبايله فوراً واتصل بدكتور ، ومفيش وقت طويل وكان الدكتور وصل. بعد فحص دقيق ليزن، الدكتور طمنهم وهو بيقفل شنطته:
"متقلقوش يا أدهم بيه، ده مجرد دور سخونية شديد بسبب تغيير الجو والتقلبات 
.. يلتزم بس بالأدوية دي والكمادات متقفش، وإن شاء الله الصبح هيكون أحسن."
أدهم شكر الدكتور ومشي معاه لحد الباب، ورجع بسرعة قعد جنب يزن تاني. مسك كف إيد يزن الصغير اللي كان بيترعش خفيف، وباسه بحنية مفرطة وهمس:
"سلامتك يا حبيبي.. ألف سلامة عليك، أنا جنبك مفيش حاجة هتوجعك تاني."
يزن فتح عينيه بتعب وصوته طلع ضعيف:
"بابي. جميلة.. خليكم جنبي، عايزكم تناموا جنبي النهاردة."
جميلة بصت لأدهم بتوتر وارتباك، خصوصاً والجو مشحون بينهم بسبب اللي حصل في المكتب، بس أدهم بصلها بنظرة فيها رجاء إنها توافق عشان خاطر يزن، وقال برقة:
"حاضر يا حبيبي، مش هنقوم من جنبك خالص."
جميلة نامت من ناحية، وأدهم نام من الناحية التانية، ويزن كان في النص بينهم. يزن بطفولته وعفويته، مسك إيد أدهم وإيد جميلة، وحطهم فوق بعض بين إيديه الصغيرين وربطهم ببعض وضغط عليهم، وكأنه بيحاول يجمعهم في حضنه ويصلح اللي انكسر بينهم من غير ما يقصد.
أدهم حس بلمسة إيد جميلة تحت إيده، والكهربا سرت في جسمه من تاني. بص لجميلة ولقاها مغمضة عينيها بتوتر، بس مسحبتش إيدها. الصمت كان سيد الموقف، بس كان صمت مليان كلام ومشاعر.. 
______________________________
في الشركة، كان محمود داخل بخطوات سريعة ووشه فيه ملامح قلق واضحة. دخل المكتب ولقى علي قاعد  غرقان وسط ورق وملفات، فاستغرب جداً وبص في الساعة وقال بتعجب:
"علي؟ أومال فين أدهم؟ غريبة إنه مش موجود في مكتبه في وقت زي ده، إحنا ورانا شغل كتير النهاردة."
علي قام وقف بوقار واحترام لمحمود وقال بنبرة هادية عشان يطمنه:
"أهلاً يا محمود بيه.. أدهم اضطر يمشي فجأة من حوالي ساعة، يزن أخوه الصغير تعب فجأة وسخونيته رفعت، وجميلة هانم كلمته فـ لحق يروح القصر يكون جنبهم."
محمود بحزن على الطفل الصغير، رغم علمه إنه مش ابنه :
"ربنا يشفيه ،ويعافيه يارب"
_______________________________
أدهم كان غارق في نوم عميق، كان يزن في النص، نايم ببراءة طفولية، وماسك إيد أدهم وإيد جميلة بإيديه الصغيرة، كأنه خايف لو سابهم حد فيهم يختفي.
أدهم بدأ يفتح عينه ببطء مع تسلل خيوط الغروب البرتقالية من الشباك. أول حاجة وقعت عينه عليها كانت جميلة؛ كانت نايمة جنبه، ملامحها هادية جداً وبعيدة عن التوتر اللي كان بينهم. خصلات شعرها كانت نازلة على وشها ومخبية جزء من ملامحها الرقيقة.
أدهم فضل يتأملها لثواني، وقلبه بيدق بدقة غريبة.. مد إيده ببطء وحذر شديد، ورفع خصلات شعرها من على وشها بلمسة ناعمة زي النسمة، وهو بيتنهد بحيرة.. "إزاي قادرة تكوني قريبة مني كدة، وفي نفس الوقت بعيدة أوي؟".
فجأة، قطع اللحظة دي صوت خبط هادي على الباب. أدهم سحب إيده بسرعة واتعدل في قعدته بالراحة عشان ميصحيش يزن.
"ادخل.." قالها بصوت واطي ورخيم.
دخلت واحدة من الخادمات، ووقفت بأدب وقالت:
"أدهم بيه، في ضيوف تحت في الصالون وطالبين يقابلوا حضرتك."
أدهم استغرب، هو مش منتظر حد في وقت زي ده:
"ضيوف مين يا سعاد؟"
"محمود بيه الشافعي، ومعاه مدام نادية زوجته."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أدهم رفع حاجبه بدهشة، بس هز راسه وقال لها تبلغهم إنه نازل حالاً. في الوقت ده، جميلة بدأت تفوق من نومها على صوت الكلام، فركت عينيها بكسل وبصت لأدهم:
"في إيه ؟ مين اللي جيه؟"
أدهم بصلها وحاول يداري ملامحه الجامدة تجاهها:
"محمود بيه ونادية هانم تحت.. أكيد علي بلغه إن يزن تعبان فجيه يطمن عليه. أنا نازل استقبلهم، البسي وانزلي ورايا."
جميلة هزت راسها ببرود:
"تمام.. هغير هدومي وأنزل."
أدهم نزل الصالون، وأول ما شافه محمود، قام وسلم عليه بلهفة وقلق حقيقي:
"ألف سلامة على يزن يا أدهم.. ، علي قالي في الشركة إنه تعبان ومقدرتش استنى للصبح."
أدهم ابتسم : "الله يسلمك يا محمود بيه، تعبت نفسك والله.. هو دلوقت أحسن والحرارة نزلت."
نادية كملت بحنان: "تعب إيه يا أدهم؟ إنتوا دلوقت عيلتنا، ومحمود من ساعة ما عرف وهو مش على بعضه."
بعد دقايق، نزلت جميلة وهي لابسة لبس بيت أنيق ومحتشم، وسلمت عليهم بذوق وقعدت جنب نادية. محمود وأدهم استأذنوا ودخلوا المكتب عشان يتكلموا في شغل، وسابوا نادية وجميلة لوحدهم.
جميلة بدأت تبص لنادية بإعجاب، وقالت بابتسامة:
"واضح إن حضرتك ومحمود بيه بتحبوا بعض أوي .. نظراته ليكي فيها احترام وحب غريب."
نادية ضحكت برقة وردت بحب:
"أيوه يا جميلة.. محمود هو حياتي كلها. إحنا مرينا بكتير أوي عشان نكون مع بعض."
جميلة سألتها بفضول: "ممكن أعرف عرفتوا بعض إزاي؟"
نادية سكتت لحظة، وبصت للفراغ بحنين وبدأت تحكي:
"أنا عشت عمري كله في أمريكا.. أهلي مصريين بس بحكم شغلهم كنا بنقضي معظم السنة هناك. دخلت كلية الطب واتخرجت، وفجأة لقيت نفسي وحيدة بعد وفاة والدي ووالدتي.. ركزت في شغلي ونسيت موضوع الجواز ده خالص، لحد ما بقيت في أواخر التلاتينات."
اتنهدت وكملت: "في يوم، جت للمستشفى حالة بين الحياة والموت.. راجل في منتصف الأربعين، محروق تماماً، نص جسمه ووشه مشوهين من نار حادثة. كان هو المريض ده كان محمود.. قعد سنة كاملة في المستشفى بين عمليات تجميل وزراعة جلد عشان نغير ملامحه اللي النار أكلتها. في السنة دي، حبينا بعض من غير كلام.. هو كان هربان من ماضي أليم في مصر، وأنا كنت الدكتورة اللي داوت جروحه. اتجوزنا هناك وبدأنا من الصفر، وغيرنا كل حاجة.. حتى ملامحه وشكله بقوا مختلفين تماماً عن اللي كان عليه قبل الحادثة."
جميلة شهقت بتأثر ودموعها لمعت:
"واو.. بجد حكايتكم جميلة ولا في الروايات!  محمود بيه ده بطل حقيقي."
نادية بابتسامة غامضة: "محمود بطل.. بس لسه قلبه محبوس في الماضي اللي هرب منه يا جميلة."
__________________________________
داخل المكتب 
بدأ الكلام بينهم في الشغل، وأدهم شكره بامتنان حقيقي:
"نورتني يا محمود بيه.. بجد تعبت نفسك إنك تيجي في وقت زي ده عشان يزن"
محمود ابتسم وهز راسه بود:
"مفيش تعب يا أدهم، قولتلك يزن ده غالي عندي أوي رغم إني مشوفتوش.. وبعدين الشغل مبيخلصش، قولت بالمرة نراجع ملف الصفقة الأخيرة."
وهما بيتكلموا، أدهم لاحظ إن ملامح محمود بدأت تتغير، وبدأ ينهج نهجان خفيف ووشه شحب شوية، فسأله بقلق:
"محمود بيه.. إنت كويس؟ حاسس بتعب؟"
محمود سنده بإيده على المكتب وقال بصوت هادي:
"متقلقش يا ابني.. أنا عندي السكر بس، والظاهر إني دوخت شوية لأني خرجت النهاردة من غير ما أفطر كويس."
أدهم جسمه قشعر.. الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة. "السكر؟". هو فاكر ذكريات  والده  كان عنده السكر وكان دايماً يدوخ لو مأكلش كويس. أدهم سكت تماماً، وسرح لثواني في ذكرى قديمة.. "مش معقول الصدف دي كلها!".
فجأة، افتكر العلامة اللي مكنتش بتفارق خياله. شامة كبيرة ومميزة كانت في رقبة أبوه من ورا، كان وهو طفل بيقعد وراه ويلمسها بصوابعه الصغيرة. أدهم قرر يقطع الشك باليقين.
مسك ملف من على المكتب، وبدأ يتحرك بخطوات هادية حوالين محمود وكأنه بيشرح حاجة في الورق، لحد ما بقى واقف وراه تماماً. وبحركة مقصودة، ساب الملف يقع من إيده على الأرض ورا كرسي محمود.
"أوه.. أنا أسف جداً، الملف وقع مني."
محمود بتلقائية وبسرعة نزل يميل بجسمه عشان يجيب الملف من على الأرض، وفي اللحظة دي، أدهم انتهز الفرصة وقرب عينه جداً من رقبة محمود وهو بيحبس أنفاسه.. كان مستني يشوف الشامة .
لكن الصدمة كانت أقوى.. أدهم ملقاش أي أثر للشامة. شاف بس جلد مشدود جداً، 
أدهم رجع خطوة لورا وهو بيتنفس بصعوبة، وحس بخيبة أمل ووجع في قلبه كأن حد طعنه. تنهد بحزن عميق ووشه انطفأ تماماً، وقال بصوت مخنوق وهو بياخد الملف من ايده:
"شكرا يا محمود بيه.. تسلم إيدك."
أدهم مكنش يعرف في اللحظة دي إن النار اللي حرقت جسم أبوه، أخدت معاها كل العلامات اللي كان بيعرفه بيها، وإن نادية وفريق الأطباء في أمريكا اضطروا يشيلوا طبقات كاملة من الجلد المحروق ويستبدلوها بجلد جديد، والعملية دي محت الشامة تماماً .
_________________________________
في مكان مهجور، بعيداً عن أضواء المدينة، كانت الرياح بتصفر بين المباني القديمة. وقف إبراهيم السويسي وجنبه راجل ملامحه غبرة، وعينيه فيها نظرة غدر مابتتغيرش..
ودار بينهم الحوار التالي :
المجهول:" أنا مش فاهم احنا مستتين ايه ؟هنتحرك امتى ؟"
ابراهيم وهو بينفخ سجارته :"اتقل عشان لما نتحرك نضمن القاضية لهم يا .. يا منصور"
منصور سكت بشر وهو بيفكر، وعينيه لمعت بذكاء شيطاني وهو بيبص لإبراهيم السويسي اللي ملامحه كانت مليانة الغل:
"عارف يا إبراهيم بيه.. أنا المرة دي مش هكتفي بالفلوس. أنا عايز أشوف أدهم السويسي وهو مكسور قدامي، زي ما كسرني وهددني في المستشفى. بكل جبروت عشان يدافع عن ياسمين، وميعرفش إن اللي بيحميها ويدافع عنها دي تبقى ... أخته ."
إبراهيم رمى السيجارة وداس عليها بعنف:
"أدهم طول عمره عامل فيها بطل، بس المرة دي السجادة هتتسحب من تحت رجليه."
إبراهيم بصل لمنصور بنظرة تقيم، ورجع بذاكرته لليوم اللي اللعبة فيه اتغيرت تماماً..
(فلاش باك)
بعد ما منصور خرج من الحبس، نار الانتقام كانت واكلة قلبه من علي وياسمين اللي كانوا السبب في دخوله السجن. بدأ يراقب علي زي ضله، وفي يوم كان واقف مستني قدام الشركة اللي على بيشتغل فيها، شاف إبراهيم السويسي خارج وملامحه مرعبة من الغضب بعد ما أدهم طرده.
منصور اتسمر مكانه، الوش ده مش غريب عليه، ده نفس الراجل اللي جاله من عشرين سنة بشنطة فلوس واتفق معاه ياخد البنت اليتيمة (ياسمين) من الملجأ ويختفي بيها، ويزور ورقها عشان يضمن إن أدهم وياسمين كل واحد يتربى في عيلة وبيئة مختلفة تماماً.. والهدف كان واحد: الثروة كلها تبقى لإبراهيم لوحده وما يظهرش وريث يشاركه.
منصور مشي ورا إبراهيم لحد ما قدر يوصل لمكانه ويواجهه، وهناك كانت الصدمة متبادلة!
إبراهيم اتصدم لما عرف إن علي الحارس الشخصي لأدهم يبقى جوز ياسمين بنت أخوه، ومنصور اتصدم لما عرف إن الشاب اللي كان مع علي في المستشفى وهدده بكل جبروت .. ده كان أدهم السويسي، أخوها الحقيقي اللي الدم حنّ ليه من غير ما يعرفوا!
من وقتها، الشيطانين اتحالفوا.. إبراهيم عايز يخلص من أدهم ومن أخته اللي ظهرت، ومنصور عايز يكسر أدهم اللي هدد كرامته، ويحرق قلب علي في مراته.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
جميلة انسحبت بهدوء ودخلت جناحها، كانت محتاجة تفصل من كل الأحداث والمشاعر المتلخبطة دي. فتحت المية السخنة واستسلمت لدوامة أفكارها تحت الشاور. 
في الوقت ده، أدهم كان واقف قدام باب جناحها، متردد.. إيده اترفعت عشان تخبط بس نزلها تاني، وبعدين خد نفس عميق وخبط بهدوء. مكنش فيه رد، والظاهر إن صوت المية كان أعلى من خبطاته. فتح الباب ببطء ودخل، لقى الجناح فاضي، بس ريحة الورد والياسمين مالية المكان مع بخار المية اللي طالع من الحمام.
أدهم قعد على طرف السرير، ساند كوعه على ركبته وشابك إيديه، كان مستنيها وعنده إصرار إنه ميمشيش غير لما ينهي الخلاف ده. بعد شوية، باب الحمام اتفتح وخرجت جميلة وهي بتجفف شعرها بفوطة صغيرة، كانت لابسة برنص زيتي قصير لحد الركبة، وشعرها المبلول مديها شكل رقيق جداً ووشها كان مورد من سخونية المية.
جميلة كانت ماشية بتلقائية ومشغولة بتنشيف شعرها، وفجأة اتسمرت مكانها والشهقة انحبست في حلقها.. الفوطة وقعت من إيدها لما شافت أدهم قاعد على السرير وبيتأملها بعمق.
همست بتوتر وصوت مرعوش: "أدهم! إنت.. إنت هنا من امتى؟"
أدهم قام من مكانه ببطء، ملامحه كانت هادية بس عينيه كان فيها بريق غريب. بدأ يقرب منها وهي بتتحرك لورا بتوتر، وكل ما تاخد خطوة لورا يقرب هو خطوتين، لحد ما لقت ضهرها في الدولاب وهو محاصرها بدراعاته.
جميلة بدأت تنهج بصعوبة وقالت بصوت مهزوز: "ف..فيه إيه يا أدهم؟"
أدهم باصلها لثواني في صمت، وبعدين وبدون أي مقدمات، سحبها لحضنه بقوة ودفن وشه في كتفها. جميلة اتجمدت من الصدمة، قلبها كان بيدق لدرجة إنها حست إنه هيخرج من ضلوعه، بس بعد لحظات حست بجسمها بيسترخي في حضنه.
أدهم همس بنبرة هادية ودافية: "أنا آسف يا جميلة.."
جميلة رفعت راسها وهي لسه بين دراعاته، عينيها كانت بتلمع بالحيرة. أدهم لمس خدها اللي كان أحمر بلمسة حنونة وقال:
"أنا أول مرة أعتذر لحد في حياتي.. بس أنا عارف إني غلطت. وعارف إن ملوش مبرر إني أكون محتفظ بالصور دي، بس صدقيني يا جميلة، أنا مش بحبها حب راجل لست.. أنا نفسي مش فاهم مشاعري ناحيتها، بس بحس إنها مسؤوليتي، إني لازم أحميها.. إحساس مختلف تماماً عن اللي بحسه وأنا معاكي."
اتنهد وكمل وهو بيقرب من وشها أكتر: "أوعدك مش هخبي عليكي حاجة تاني، ومش هسمح للي حصل ده يتكرر.. مسمحاني؟"
جميلة بصت له بتوهان، كلامه لمس قلبها وقربه منها كان بيفقدها القدرة على التركيز. أدهم ضغط على خصرها بخفة وقال بإلحاح:
"قولي.. قولي أنا سمحتك يا أدهم."
جميلة بصوت يكاد يُسمع: "أنا.. أنا.."
أدهم همس بصوت أجش: "أنتي إيه؟"
جميلة استسلمت لمشاعرها وهمست: "سمحتك يا أدهم."
أدهم ابتسم بانتصار، وبدأ يقرب أكتر وكأنه عايز يعوض كل لحظة جفاء مرت بينهم، وفجأة.. الباب اتفتح ...
أدهم وجميلة اتنفضوا بعيد عن بعض، ولقوا يزن واقف بيفرك في عينيه بنوم وشعره منكوش، وبص لهم ببراءة وقال:
"أنتو روحتوا فين؟ صحيت ملقتش حد جنبي وخفت"
أدهم حاول يلم الموقف بسرعة ووشه بقى أحمر من الإحراج، وجميلة لفت وشها الناحية التانية وهي بتعدل البرنص بكسوف مش طبيعي.
أدهم حاول يتماسك بسرعة ورسم ابتسامة هادية وهو بيقرب من يزن اللي واقف ببراءة وسط الأوضة.
أدهم نزل لمستوى يزن وشاله بحنان:
"إحنا هنا يا بطل، أنا بس كنت بطمن على جميلة.. إنت صحيت ليه؟ لسه السخونية تعباك؟"
يزن حط راسه على كتف أدهم واتمسح فيه بطفولة، وهمس بنعاس:
"صحيت ملقتكوش جنبي، خوفت تكونوا سبتوني لوحدي."
أدهم باس راسه وطمنه:
"أنا أقدر أسيبك برضه؟ يلا يا حبيبي نرجع ننام عشان ترتاح وتخف بسرعة."
جميلة كانت واقفة متابعة الموقف بقلب بيدق بعنف، مش عارفة تفرح بـ "آسف" اللي قالها أدهم ولا تتوتر من القرب اللي حصل بينهم، بس نظرة أدهم ليها وهو خارج من الأوضة بيجر يزن وراه كانت كفيلة تخليها تنسى الدنيا..
(عن الثبات عالمبدأ أتحدث 😀)
_________________________________
كانت ياسمين واقفة في المطبخ، ضوء خافت مسلط على الرخامة وهي بتصب المشروب الدافي في المج الخاص بيها. إيدها كانت بتترعش خفيف وهي بتقلب بالمعلقة الصغيرة، وصوت رنين المعلقة في المج كان هو الصوت الوحيد اللي كاسر سكون الليل.
كانت حاسة بتعب غريب نهش جسمها فجأة، ودوخة خلتها تسند بإيدها التانية على الحوض عشان متقعش، خصوصاً بعد ما رجعت كل اللي في بطنها وحست إن طاقتها انتهت.
أخدت المج وخرجت من المطبخ بخطوات بطيئة وهي بتقول لنفسها:
"أشربه في الصالة أحسن.. لو دخلت الأوضة دلوقت علي ممكن يحس بيا ويقلق، وأنا مش عايزة أشغل باله."
ما لحقتش تقعد على الكنبة .. إلا واتفاجئت بـ "علي" خارج من الطرقة وملامحه باين عليها القلق، كان لابس فنلة قطن سوداء مبيّنة عضلات جسمه المشدودة من التوتر. أول ما شافها، جرى عليها وقعد جنبها ومسك إيدها بخوف حقيقي:
"حبيبتي.. قمتي من جنبي ليه؟ وبتشربي إيه في وقت زي ده؟"
ياسمين بصت له وهي بتحاول ترسم ابتسامة باهتة عشان تداري تعبها، كانت لسه هتقوله على اللي حصل وإنها تعبانة، بس لما شافت نظرة الرعب في عينيه قررت تخبي وقالت بصوت هادي:
"مفيش يا حبيبي.. حاسة بس بشوية وجع بسيط في معدتي، قولت أعمل حاجة سخنة تريحني شوية."
علي اتنهد بضيق وقلق، وأخد المج من إيدها وحطه على التربيزة اللي قدامهم، وبعدين سحبها لحضنه وحاوطها بدراعاته القوية، وحط راسها على صدره بحنان مفرط. بدأ يبوس راسها وهو بيطمنها:
"سلامتك يا روح قلبي.. ألف سلامة عليكي."
مد إيده مسك المج وبدأ يبرد لها المشروب بنفخات هادية ومنتظمة عشان تعرف تشربه وهي مرتاحة. ياسمين رفعت عينها وبصت له بحب وشغف، وحست إن حضنه هو الدوا الحقيقي لأي وجع، وهمست بصوت رقيق:
"ربنا يخليك ليا يا حبيبي.. بجد مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه."
علي طبع بوسة طويلة على شعرها وهو بيشم ريحتها اللي بيعشقها، وقال بنبرة مليانة صدق:
"ويخليكي ليا يا أغلى ما ليا في الدنيا دي كلها."
ياسمين استسلمت لحضن علي الدافئ، وبدأت تحس إن التقلصات اللي في معدتها بدأت تهدأ تدريجياً مع دقات قلبه المنتظمة. كانت بتفكر في التعب اللي جالها فجأة ده، وياترى سببه إيه؟ بس خوف علي عليها كان كفيل يخليها تنسى أي وجع.
__________________________________
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
نزلت جميلة درجات السلم بخطوات هادية، وشعرها منسدل على ضهرها برقة ولابسة فستان بيتي بسيط، لكن ملامحها اتجمدت من الدهشة لما وصلت لآخر درجة. شافت منظر مكنتش تتخيله أبداً؛ أدهم السويسي، اللي دايماً لابس البدلة والرسمية هي عنوانه، كان قاعد على الأرض بكل بساطة، لابس هدوم بيتي مريحة وأنيقة في نفس الوقت، وماسك دراع البلايستيشن وبيلعب بحماس مع يزن.
رفعت حواجبها بذهول وقالت بصوت ناعم ممزوج بالاستغراب:
"أدهم! إنت مروحتش الشركة النهاردة؟ ده أنا افتكرت إني صحيت متأخر والبيت فاضي!"
أدهم رفع عينه ليها وابتسم ابتسامة صافية، ورجع ركز في الشاشة وهو بيحرك صوابعه بسرعة:
"لأ يا جميلة.. النهاردة قررت إن اليوم ده مش بتاع الشغل خالص، ده بتاع يزن وبتاعك. والظاهر كدة إن برستيجي في خطر لأن يزن غلبني في أول دور"
يزن ضحك بفرحة وهو بيتنطط جنب أدهم:
"بابا أدهم مش عارف يلعب يا جميلة، تعالي إنتي ساعديني وخليه يخسر تاني"
أدهم بصلها بتحدي ومرح وهو بيمد إيده بالدراع التاني:
"وريني شطارتك يا جميلة.. تعالي العبي معانا، ولا خايفة تخسري من أول دقيقة؟"
جميلة ضحكت وقربت قعدت جنبهم على الأرض بحماس:
"أنا أخسر؟ ده أنا اللي هعلمك اللعب على أصوله يا أدهم!"
بدأ الجو يتملي حماس ومرح، وجميلة بدأت تلعب بتركيز كبير، وأدهم كان بيراقب ملامحها وهي مندمجة وبتبتسم بكل عفوية. أدهم رغم خبرته في اللعبة، كان بيحاول يماطل عشان يطول اللحظة دي، ولأول مرة خسر نفسه بقصد عشان يفرحها.
جميلة أول ما شافت كلمة Winner على الشاشة باسمها، مسكت دراع البلايستيشن بصدمة وعدم تصديق، وفجأة صرخت بفرحة طفولية وقامت تتنطط مكانها:
"كسبت! كسبت أدهم السويسي ، اوعى اوعى أنا اللي غلبته "
أدهم وقف ببطء وهو بيتأمل شكلها ومنظرها وهي طايرة من الفرحة، الضحكة اللي نورت وشها نستُه كل همومه. ومن غير تفكير ومن كتر فرحتها، جميلة رمت نفسها في حضنه وهي بتضحك، وأدهم استقبلها بلهفة وشالها ولف بيها في وسط الصالة، ويزن واقف جنبهم بيسقف ويضحك بفرحة..
أدهم نزلها ببطء وهو لسه محاوط خصرها، وعينيه في عينيها وهمس بصوت دافي:
"مبروك يا جميلة.. بس خلي بالك، دي المرة الوحيدة اللي هسمحلك تغلبي أدهم السويسي فيها."
جميلة وشها احمر جداً لما استوعبت إنها في حضنه، وحاولت تبعد بكسوف وهي بتصلح شعرها، بس لمعة السعادة في عينيها كانت بتقول إن اليوم ده هو أجمل بداية لصفحة جديدة بينهم.
وبدأت تصلح شعرها بكسوف، وفجأة حطت إيدها على معدتها وضحكت بخفة وهي بتغير الموضوع :
"شكل كده الفرحة والمجهود اللي عملته عشان أكسبك ده خلوني أحس إني جعانة جداً.. أنا مكلتش حاجة من الصبح"
أدهم ابتسم وسحبها من إيدها برفق وقال بنبرة مليانة حماس:
"إحنا النهاردة مش هنفطر فطار عادي.. إحنا هنعمل حفلة باربيكيو ونشوي في الجنينة ونقضي اليوم كله في الشمس والهوا ... ايه رأيكم؟؟"
جميلة عينيها لمعت بحماس وقالت:
"بجد يا أدهم؟ الفكرة تجنن أنا بحب الشوي أوي في الجو ده."
أدهم ضحك وبص ليزن اللي كان بيتنطط حواليهم وقال:
"يلا بينا بقى يا بطل إنت وجميلة، مش عايزين نضيع وقت. قوموا معايا نجهز الحاجة، نطلع الحاجة اللي هنشويها، ونتبل كل حاجة ونجهز الأسياخ قبل ما الشمس تحمى."
جميلة وافقت بحماس كبير وقالت وهي بتشمر كمامها:
"أنا جاهزة جداً ،هسبقكم على المطبخ أطلع البهارات والخضار اللي هنحتاجه، وإنت يا أدهم هات اللحمة وحصلني عشان نبدأ فوراً."
وبالفعل، اتحركوا كلهم ناحية المطبخ في حالة من البهجة والنشاط، وبدأت جميلة تجهز التتبيلة وتفرك اللحمة بالبهارات بمهارة، وأدهم واقف جنبها بيساعدها ويوزع المهام على يزن الصغير، والضحكة مش مفارقة وشوشهم وكأن القصر أخيراً بدأ يتنفس سعادة حقيقية.
__________________________________
أثناء ما كانوا قاعدين على السفرة بيفطروا في جو هادي، كانت ياسمين بتقلب في طبقها بشرود، ونفسها مسدودة تماماً عن الأكل. علي لاحظ هدوئها وتعبها، فقطع شريحة خيار وحطها قدام بقها وهو بيتبسم بحنان:
"عشان خاطري يا ياسمين، كلي دي بس عشان تسندك طول اليوم، وشك دبلان خالص يا حبيبتي."
ياسمين هزت راسها بابتسامة باهتة، وأخدتها منه وكلتها بالعافية وهي بتحاول تمنع إحساس الغثيان اللي بيطاردها من الصبح. أول ما خلصوا، علي قام عشان يطلع أوضته يجهز نفسه للخروج، وساب ياسمين مع منى على السفرة.
جميلة مالت عليها بفضول وقلق وسألتها:
"مالك يا ياسمين؟ شكلك مش عاجبني خالص النهاردة. "
ياسمين اتنهدت وسندت راسها على إيدها:
"مش عارفة يا خالتو، ماليش نفس لأي أكل، وبالليل تعبت أوي ورجعت كل اللي في بطني، وحاسة جسمي همدان بطريقة غريبة."
جميلة سكتت شوية، وقربت من ودن ياسمين وهمست لها بكلمات خلت ياسمين تتنفض في مكانها. ياسمين عضت على شفايفها بخجل وتوتر وقالت بصوت واطي:
"مش عارفة.. أنا بقالي فترة مش مركزة خالص في الموضوع ده، ومش متابعة مواعيدي من كتر الدوشة اللي إحنا فيها."
جميلة ضحكت بخفة وطبطبت على كتفها:
"يا حبيبتي لازم تحسبي وتاخدي بالك، أنتي دلوقتي متجوزة وده احتمال كبير جداً. بصي، أول ما علي ينزل، أنا هطلب من الصيدلية اللي تحتنا كذا اختبار حمل عشان نتأكد ونقطع الشك باليقين."
ياسمين هزت راسها وهي في حالة ذهول، وعينيها لمعت بدموع الفرحة والخوف في نفس الوقت، وهمست لنفسها:
"معقولة؟ معقولة أكون حامل ؟!
ياسمين فضلت قاعدة مكانها والابتسامة مش مفارقة وشها، بس قلبها كان بيدق بسرعة من مجرد الفكرة. "حامل؟" الكلمة كانت بترن في ودنها زي الموسيقى.فكرة إن يكون فيه طفل منها هي وعلي هيتوج الحب ده خلت دموع الفرحة تلمع في عينيها.
__________________________________
في ذلك الوكر المهجور، حيث تتراقص الظلال على الجدران المتشققة بفعل ضوء خافت، كان إبراهيم السويسي يقف كتمثال من غل، ينفث دخان سيجارته التي لم تنطفئ منذ ساعات. وبجانبه منصور، الذي بدا وجهه أكثر غبرة وقسوة تحت هذا الضوء، وعيناه تلمعان بذكاء شيطاني لا يهدأ.
ساد صمت طويل لم يقطعه سوى صفير الرياح، قبل أن يقطعه منصور بصوته المتحشرج:
"إحنا طولنا أوي يا إبراهيم بيه.. أدهم السويسي دلوقت عايش حياته في القصر ولا كأنه عمل  حاجة، والبت ياسمين اللي كانت تحت إيدي زمان، دلوقت بقت محمية في حتة حارس اللي كان السبب في حبسي.. الصبر له حدود بردو."
إبراهيم التفت له ببطء، وعيناه تشتعلان بنار باردة:
"الصبر هو اللي هيخلينا ناكلهم وهم صاحيين يا منصور. أدهم فاكر إنه ملك الدنيا، .. والنهاردة، الضربة مش هتكون في ماله ولا في شركته، الضربة هتكون في النخاع."
منصور قرب منه بفضول: "قصدك إيه؟"
إبراهيم كمل وهو بيطفي السيجارة ببرود في جدار متهالك:
"أدهم عنده نقطة ضعف واحدة، طفل ملوش ذنب بس هو اللي هيحرق قلبه.. "يزن". الولد ده هو روح أدهم، ولو يزن اختفى، أدهم السويسي هيتحول لجثة ماشية على الأرض، هيفقد عقله، وده اللي أنا عايزه.. عايزه يدور حول نفسه زي المجنون."
منصور ضحك ضحكة مكتومة مرعبة:
"ياااه.. دي هتبقى ضربة معلم. . بس أنا مش عايز بس الولد، أنا ليا حق عند ياسمين وعلي متنسااش."
إبراهيم حط إيده على كتف منصور وضغط بقوة، وعينيه فيها وعد شيطاني:
"اسمع يا منصور.. الولد مجرد البداية. أنا بوعدك، والمرة دي وعد السويسي اللي ميرجعش فيه، بعد ما نخطف يزن ونربك حساباتهم، ياسمين هتكون ليك. هخطفهالك من وسط بيتها في نفس الوقت ... ياسمين هترجع تحت طوعك تاني، والمرة دي محدش هيقدر ينجدها، لا علي ولا غيره."
منصور عينه لمعت بجنون: "يعني ياسمين هتبقى في إيدي بجد؟"
إبراهيم بابتسامة غدر:
"أيوة.. هتاخدها وتختفي بيها في المكان اللي يعجبك، وتكسر بيها عين علي اللي اتحدى أسياده. إحنا هنخطف يزن عشان نكسرهم، وبعدين هنخطف ياسمين عشان ننهيهم. عايز أدهم يفضل عايش بس ميت من جوه، يشوف عيلته بتتدمر قدام عينيه وهو مش عارف يلحق مين ولا مين."
منصور بدأ يجهز سلاحه وهو بيلهث من الحماس:
"كدة الكلام دخل في الجد. أنا مجهز العربية والرجالة على أول طريق القصر. هندخل من السور الخلفي ."
إبراهيم بصرامة مرعبة:
"مش عايز غلطة يا منصور.. عايز يزن مجرد وسيلة ضغط، وياسمين هي الجايزة بتاعتك.
منصور بتحية عسكرية ساخرة:
"اعتبر القصر بقى تحت رجلك يا باشا.. والليل مش هيطلع غير والصرخة مالية المكان."
__________________________________
منى طلعت بسرعة لياسمين وهي مخبية الاختبارات في إيدها، دخلت الغرفة وقفلت الباب وراها بحذر، وقربت من ياسمين اللي كانت قاعدة على طرف السرير وإيدها بتترعش.
منى مدت إيدها بالاختبارات وقالت بصوت واطي ومشجع:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"يلا يا ياسمين.. خدي دول وادخلي الحمام، اعمليهم وأنا هستناكي هنا بره مش هتحرك. اهدي خالص وسمي الله."
ياسمين هزت راسها بتوتر شديد، وأخدت الاختبارات ودخلت الحمام. قعدت دقايق كانت بتمر عليها كأنها سنين، قلبها كان بيدق لدرجة إنها حاسة إنه هيخرج من مكانه. وبعد لحظات، خرجت ياسمين والدموع مغرقة وشها ومكنتش قادرة تنطق بكلمة واحدة، بس مدت إيدها لمنى بالاختبار.
منى أخدت منها الاختبار بسرعة وقالت بلهفة:
"اهدي يا حبيبتي، هو لسه مبانش.. ثواني وهتظهر النتيجة، ادعي يا ياسمين."
عدت ثواني معدودة وياسمين واقفة على أعصابها، بتفرك في إيدها وعينيها مش مفارقة الاختبار اللي في إيد منى. وفجأة، منى شهقت بصوت عالي وعينيها برقت وهي بتبص للجهاز:
"ياسمين! بصي.. ظهر شرطتين! شرطتين واضحين زي الشمس!"
ياسمين سألت بجهل وعدم استيعاب وهي لسه بتعيط:
"يعني إيه يا خالتو؟ الشرطتين دول معناهم إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.."
منى مكنتش قادرة تمسك نفسها من الفرحة، صرخت صرخة مكتومة وضحكت بدموع:
"يعني حامل يا ياسمين! حامل يا روح قلبي، الشرطتين يعني فيه بيبي جاي في الطريق!"
وفي لحظة، منى زغردت زغرودة قصيرة من فرحتها وحضنت ياسمين بكل قوتها، وياسمين انفجرت في العياط بس المرة دي كانت دموع فرحة وراحة، ودفنت راسها في كتف منى وهي بتقول بشهقات:
"الحمد لله يا رب.. الحمد لله. أنا مش مصدقة يا خالتو .. معقولة هجيب بيبي لعلي؟ معقولة هبقى أم؟"
منى بعدت عنها شوية وهي بتمسح دموعها وقالت بابتسامة واسعة:
"ألف مبروك يا أغلى ياسمين في الدنيا.. علي هيطير من الفرحة، والبيت كله هيتغير بالخبر ده. لازم تصلي ركعتين شكر لله يا حبيبتي على الهدية العظيمة دي."
ياسمين هزت راسها وهي بتمسح وشها وبتحاول تستوعب الخبر، وقالت بصوت مرعوش من السعادة:
"حاضر.. هقوم أصلي حالاً."
__________________________________
فجأة، قطع صوت رنين تليفون أدهم هدوء اللحظة الجميلة اللي كان عايشها. أدهم بص للشاشة ولقى المتصل "علي"، ملامحه اتغيرت فوراً وبعد بعيد عن جميلة ويزن عشان ميتوتروش، ورد بجدية:
"أيوة يا علي.. فيه إيه؟"
صوت علي كان طالع منهج ومرتبك:
"أدهم، لازم تيجي الشركة حالاً! فيه كارثة.. ورق الصفقة الجديدة والمستندات المهمة اللي كنا شغالين عليها اتسرقت من الخزنة!"
أدهم غمض عينه بضيق واتنهد بعمق وهو بيحاول يتمالك أعصابه، ورد عليه بنبرة حادة:
"إنت بتقول إيه يا علي؟ إزاي ده حصل؟ وإزاي الورق يتسحب من غير ما حد يحس؟ إنت ناسي أنا قاعد في البيت النهاردة ليه؟"
علي رد بصوت واطي: "عارف يا أدهم، بس الموضوع ضروري. لازم تيجي بنفسك نشوف الكاميرات ونتصرف."
أدهم بصرامة: "أنا جاي.. بس اسمعني كويس، ابعت فرقة حرس إضافية حالاً للقصر، مش عايز نملة تدخل ولا تخرج، فاهم؟"
فلاش باك (ليلة أمس)
بعد ما محمود الشافعي ونادية مشيوا من القصر، أدهم جاله اتصال من "علي" بلغه فيه إن أمن الشركة رصد اتنين مراقبين القصر والشركة بشكل مريب. لما جابوهم وهددوهم بالحبس اعترفوا إنهم رجالة إبراهيم وهو اللي باعتهم .
أدهم وقتها اتأكد إن إبراهيم بدأ يلعب في المكشوف، وعشان كدة قرر إنه ميخرجش للشركة تاني يوم ويفضل جنب جميلة وياسمين ويزن ويشدد الحرس، وكان بيحاول يداري قلقه ده بجو اللعب عشان ميخوفهمش.
العودة للواقع ..
أدهم قفل التليفون ولف لجميلة ويزن، ملامحه كانت اتحولت تماماً للجمود والقوة، وبص لجميلة وقال بنبرة مفيش فيها نقاش:
"جميلة، خدي يزن وادخلوا القصر فوراً.. ومحدش فيكم يخرج للجنينة أو يقرب من الشبابيك مهما حصل، فاهمة؟"
جميلة استغربت جداً من التحول المفاجئ ده وسألت بقلق:
"فيه إيه يا أدهم؟ إنت لسه قايل إنك إجازة وهنقعد سوا! ليه وشك اتغير كدة؟"
أدهم مسك إيدها وضغط عليها بقوة وهو بيبص في عينيها:
"جميلة، اسمعي الكلام ونفذيه من غير أسئلة دلوقت.. ادخلي جوه واقعدي مع يزن، أنا لازم أروح الشركة ضروري جداً وهرجع مش هغيب. ادخلوا وماتخرجوش أبداً لحد ما أرجع."
جميلة حست إن فيه خطر كبير بيقرب، هزت راسها بخوف وهي بتنادي على يزن وتدخل بسرعة، وأدهم فضل واقف مكانه لحد ما اطمن إنهم دخلوا، وبدأ يدي أوامر للحرس بلهجة حاسمة وهو بيجهز نفسه للمواجهة اللي عارف إنها بدأت فعلاً.
__________________________________
ياسمين كانت لسه قاعدة على سجادة الصلاة، قلبها مليان سكينة ورضا وهي بتهمس بكلمات الشكر لربنا على الهدية اللي وهبها لها. كانت حاسة إن الدنيا بدأت تضحك لها أخيراً، وإيدها بتتحرك بتلقائية وتمسح على بطنها بحنان وهي لسه مش مصدقة إن فيه روح بتكبر جواها..
فجأة، صوت خبط قوي وعنيف على الباب قطع لحظة الخشوع دي. منى قامت بسرعة وهي بتبتسم وقالت:
"ده أكيد علي يا ياسمين! تلاقيه قلبه حاسس ورجع بدري عشان يطمن عليكي.. استني هفتح له أنا."
ياسمين فركت إيدها بتوتر وخجل، وقلبها بدأ يدق بسرعة وهي بتفكر هتقوله الخبر إزاي. لكن الابتسامة دي اتحولت لصرخة رعب في ثانية واحدة.. بمجرد ما منى فتحت الباب، اقتحم المكان أربع رجالة ضخام بملامح إجرامية مرعبة.
واحد منهم زق منى بقوة لدرجة إنها خبطت في الحيطة، ولما حاولت تصرخ وتستنجد، عاجلها التاني بضربة عنيفة بعصاية غليظة على دماغها، وقعت منى مكانها غرقانة في دمها وفاقدة النطق.
ياسمين اتصنمت مكانها على سجادة الصلاة، عينيها كانت مبرقة بذهول وصدمة شلت حركتها تماماً. الرجالة انتشروا في الشقة زي الشياطين لحد ما عيونهم وقعت عليها. واحد منهم قرب منها بضحكة خبيثة وقال:
"هي دي.. تعالي ياحلوة."
ياسمين بدأت تصرخ بهستيريا وهي بتحاول تبعد وتتحامى في ركن الأوضة:
"إنتوا مين؟! عايزين مني إيه؟! يا علي ..يا علي ".
لكن مكنش فيه مجيب.. واحد منهم هجم عليها وشل حركتها بقوة، والتاني طلع منديل مبلل بمادة مخدرة ريحتها نفاذة وكتم نفسها. ياسمين حاولت تقاوم وتزق إيده وهي بتفكر في جنينها اللي لسه مشافش النور، لكن في ظرف ثواني، بدأت الرؤية تتشوش قدامها وجسمها ارتخى تماماً وفقدت الوعي.
شالها واحد منهم على كتفه ببرود وخرجوا من الشقة بسرعة البرق، وسابوا منى سايحة في دمها، والبيت اللي كان من دقايق مليان فرحة، بقى ريحة الموت والخوف مغطية كل ركن فيه.
__________________________________
أدهم خرج من القصر بقلب مقبوض، وعيونه كانت بتراقب كل ركن في الجنينة وهو بيتحرك بأسطول عربياته. كان حاسس إن فيه خيط رفيع بيتشد، بس الواجب وضغط الشغل خلاه يضغط على شكوكه.
أول ما وصل الشركة، لقى الموظفين والأمن في حالة هرج ومرج. دخل مكتبه زي الإعصار ووراه "علي" اللي كان وشه مخطوف.
"الورق فين يا علي؟ إزاي يختفي من الخزنة المصفحة؟"
بدأوا يقلبوا المكتب والشركة كلها، وعدت نص ساعة من البحث بدون نتيجة .
أدهم قعد على كرسي مكتبه بتعب وفجأة، وبالصدفة البحتة، لمح طرف ملف غريب في درج مكتبه الخاص.. 
 سحبه بسرعة وفتحه، ولقى الورق المسروق موجود بالكامل.
أدهم نادى بصوت جهوري: "علي! لقيته.. الورق هنا!"
علي جرى عليه وفرح: "الحمد لله يا أدهم! أكيد الموظف اللي كان شايله غلط وحطه هنا.."
بس أدهم مكنش فرحان، كان فيه برود غريب سكن أطرافه. الإحساس ده مكنش منطقي..  فتح الملف بتركيز، ووقعت منه ورقة صغيرة مكتوبة بخط يد مستفز:
"تعيش وتأخد غيرها يا سويسي.. النهاردة اللعب على التقيل."
أدهم اتجمد مكانه، والورقة وقعت من إيده. في ثانية، طلع موبايله اللي رابطه بسيستم كاميرات مراقبة القصر، وبمجرد ما فتح الشاشة، الدنيا اسودت في عينه.
المنظر كان مرعب.. الحرس اللي سابهم قدام البوابة وورا السور كانوا مرميين في كل حتة زي خليه نحل مهدومة، معظمهم جثث والدم مغرق المكان. أدهم صرخته اتحبست في زوره، وإيده بدأت ترتعش بشكل جنوني وهو بيقلب الكاميرات.
ضغط على كاميرات الخاصة بداخل القصر ... الصالون.. هدوء قاتل وسكون مريب. قلبه كان بيدق لدرجة إنه حاسس بوجع في صدره. بصوابع مرتعشة، ضغط على كاميرات الدور اللي فوق.. وتحديداً الطرقة اللي قدام الأوض.
في اللحظة دي، أدهم اتصنم كأن روحه هربت من جسمه، ومويايله كاد يقع من إيده. 
على شاشة الموبايل، كانت جميلة واقعة على أرضية الطرقة، نايمة على بطنها في وضع يقطع القلب، وتحتها بركة دم كبيرة بدأت مغطية الرخام الأبيض من تحتها
"جميلة!! لأ.. لأ يا جميلة!"
أدهم صرخ بكل قوته وهو بيلف ناحية الباب، وعلي كان وراه مش فاهم حاجة غير إن فيه كارثة حصلت. أدهم ركب عربيته وطار بيها ناحية القصر وهو بيسابق الزمن، وصورة جميلة وهي غرقانة في دمها مش بتفارق عينه، وعقله شغال بيسأل مليون سؤال من ضمنهم :"يزن فين؟؟؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أسطول العربيات عمل صريرة مرعب على الأرض والتراب ملى المكان، وفرملت العربيات فجأة قدام باب القصر المفتوح على آخره. أدهم نزل من العربية قبل ما تقف تماماً، وعلي كان في ضهره.
أدهم دخل القصر وهو بينهج، وصوت أنفاسه كان هو الوحيد اللي مسموع في وسط سكون مريب، سكون يقبض القلب. بدأ يطلع درجات السلم بسرعة جنونية، وقلبه بيدق طبول في صدره.. وفجأة وقف.
تسمر مكانه في طرقة الدور اللي فوق، عينيه وسعت بذهول، ولف براسه ببطء ناحية اليمين.. وفي اللحظة دي حس ببرودة تلج سكنت جسمه كله، وأطرافه اتجمدت مكانها. شافها.. جميلة.
جسمها كان ساكن تماماً على الأرض، زي جثة هامدة غرقانة في صمتها، نايمة على بطنها وشعرها مداري وشها، وتحتها بركة من الدم بدأت تنشف وتنتشر على الرخام الأبيض.
"جميلة!!"
صرخ أدهم بوجع هز حيطان القصر، وجرى عليها وارتمى على ركبه جنبها. رفع شعرها عن وشها بإيد بتترعش، لقى عينيها مقفولة وشها شاحب زي الورق. بدأ يهمس باسمها بصوت مخنوق ومكسور:
"جميلة.. ردي عليا يا جميلة.. فتحي عينك يا حبيبتي، أنا جيت أهو.. قومي عشان خاطري."
بدأ يحركها بانهيار وغياب وعي وهو بيحاول يشيلها، لكن علي لحقه بسرعة ومسك إيده بقوة عشان يوقفه:
"أدهم! أوعى تحركها.. متحركهاش دلوقتي يا أدهم، الطعنة ممكن تكون مأثرة على حاجة جوه، والحركة غلط.. لازم نوديها المستشفى حالاً بالإسعاف اللي جت تحت."
أدهم هز راسه بوجع وهو ضاغط على إيد جميلة بقوة، وعيونه مش مفارقة وشها. في اللحظة دي، واحد من الحراس اللي نجوا جرى عليهم وهو ماسك جنبه وبينزف، وقال بصوت متقطع:
"أدهم بيه.. للأسف.. يزن بيه اتخطف.. إحنا أسفيييين."
أدهم غمض عينه بألم رهيب، وضغط على سنانه لدرجة إن فكه كان هيتكسر، وشدد قبضة إيده على إيد جميلة وهو بيحاول يستجمع قوته.
في المستشفى
تم نقل جميلة بسرعة البرق، ودخلت غرفة العمليات فوراً، وأدهم وعلي فضلوا مستنيين بره في حالة من الضياع. أدهم كان قاعد على الكرسي، حاطط راسه بين إيديه، وهدومه لسه عليها أثر دم جميلة.
فجأة، موبايل علي رن بصوت عالي في هدوء الطرقة. علي طلع الموبايل واستغرب لما لقى  بواب العمارة متصل بيه أكتر من عشر مرات. ضيق المسافة بين حواجبه بقلق ورد بسرعة:
"أيوة يا عم رمضان.. فيه إيه؟"
صوت رمضان جاله لاهث ومرعوب:
"يا علي بيه الحق! أنا لقيت باب شقة حضرتك مفتوح على آخره، قعدت أنادي مفيش حد رد.. ولما دخلت، لقيت الست  منى واقعة على الأرض وبتنزف، ومدام ياسمين مش موجودة في الشقة خالص يا بيه!"
علي بص لنقطة في الفراغ وجسمه اتصنم وف ثواني كان بيجري خارج من المستشفى .. وأدهم كان في عالم تاني وملاحظش غيابه.
_________________________________
علي وصل قدام باب الشقة، رجله كانت تقيلة كأنها مربوطة بسلاسل حديد، والسكوت اللي طالع من جوه كان بيخنق أنفاسه. دخل بخطوات مرعوشة، البيت اللي كان دايما دافي بحس ياسمين، بقى بارد وفاضي بشكل مرعب.
أول ما عينه وقعت على الصالة، اتصنم مكانه والدم هرب من عروقه؛ شاف خالته "منى" واقعة في الأرض غرقانة في دمها وفاقدة الوعي تماماً، ومنظر الشقة المكركب بيقول إن فيه معركة حصلت هنا.
 علي انهار على ركبه قصادها، الدموع كانت محبوسة في عينه من الصدمة، وبإيد بترتعش حاول يجس نبضها، لقى لسه فيه أمل.. شالها بين إيديه وهو بيحاول يفوق نفسه ويستجمع شتات عقله اللي طار، وجري بيها على المستشفى .
______________________________
في اللحظة اللي أدهم كان واقف فيها والدم غلي في عروقه، باب العمليات اتفتح فجأة وعلى آخره، وخرج الدكتور وهو بيمسح جبينه من تعب العملية. أدهم ملقاش نفسه غير وهو بيجري ناحيته، ملامحه كانت مرعبة وعيونه بتسأل قبل لسانه:
"دكتور! طمني.. جميلة عامله إيه؟"
الدكتور أخد نفسه وهز راسه بطمأنينة لأدهم وقال:
"اطمن يا أدهم بيه، الحمد لله.. رغم النزيف الكتير اللي حصل لها إلا إن ربنا ستر، الطعنة مأصابتش أي عضو حيوي، وكانت بتبعد كام سنتي بس عن الكلية.. إحنا قدرنا نسيطر على الموقف وهي دلوقتي حالتها مستقرة، وهننقلها حالاً لغرفة عادية."
أدهم غمض عينه وخد نفس طويل وكأن الروح رجعت له من تاني، وما هي إلا ثواني وخرج السرير المتحرك من العمليات، وجميلة كانت نايمة عليه، وشها شاحب زي الورق، والممرضين بيجروا بالسرير بسرعة ناحية الغرفة المجهزة لها.
أدهم مشي جنب السرير وهو ماسك إيدها الباردة، ودخلوها الأوضة وبدأوا يركبوا لها المحاليل. قعد جنبها وعينه مش بتفارق ملامحها
أدهم كان قاعد على الكرسي جنب سرير جميلة، عينه مش بتفارق ملامحها. القلق بدأ ينهش في قلبه مش بس على جميلة ويزن، لكن في حاجة تانية كانت شاغلة باله.. علي.
علي مختفي تماماً، لا رد على تليفونات ولا حس، وأدهم عارف إن علي مستحيل يختفي في وقت زي ده إلا لو فيه كارثة تانية حصلت. طلع تليفونه للمرة العاشرة، وطلب رقم علي، والرد كان المعتاد: "الهاتف الذي طلبته قد يكون مغلقاً أو خارج نطاق الخدمة".
أدهم ضغط على التليفون بغضب لدرجة إن مفاصل إيده ابيضت، وقام وقف فجأة وخرج برا الأوضة، لقى واحد من الحراس واقف حراسة، شاور له بحدة:
"بقولك إيه.. علي مختفي بقاله فترة وتليفونه مقفول. تقلب لي الدنيا عليه دلوقتي، فاهم؟
الحارس هز راسه بسرعة: "أمرك يا أدهم بيه"
أدهم رجع دخل الأوضة تاني، وجوا كأنه سباق مع الزمن. قعد جنب السرير، وبدأت ملامح جميلة تتحرك ببطء، وجفنها اترعش قبل ما تفتح عينيها بصعوبة. أول ما شافت أدهم قدامها، ملامحها اتنفضت بالرعب، وصرخت صرخة مكتومة وهي بتنطق اسم "يزن" بهستيريا:
"يزن!! يزن يا أدهم! خدوا يزن!"
بدأت تعيط بحرقة وجسمها كله بيترعش، أدهم سحبها لحضنه بسرعة وهو بيحاول يهدّيها بصوته المبحوح:
"اهدي يا جميلة.. اهدي يا حبيبتي، أنا جنبك.. يزن هيرجع، والله هيرجع، بس اهدي عشان جرحك."
جميلة فضلت تبكي في حضنه وهي بتشهق، وبعد دقايق بدأت تهدى شوية، وأدهم بعد وشها عنه وبص في عينيها بحنان ممزوج بالغضب:
"احكي لي يا جميلة.. إيه اللي حصل بالظبط؟ "
جميلة حكت له ، وإزاي الملثمين طعنوها لما حاولت تمنعهم وأخدوا يزن من بين إيديها. أدهم كان بيسمع وعروق جبهته بتبرز من كتر الغل. وفجأة، الباب خبط ودخل الحارس اللي كان بعته يدور على علي، كان بينهج ووشه مخطوف:
"يا أدهم بيه.. أنا رحت بيت علي بيه زي ما أمرت، . البواب قالي إن فيه رجالة اقتحموا الشقة، ومدام ياسمين اختفت تماماً..
 وملحقوش يوصلوا لحد غير 'الست منى' خالة علي بيه، لقوها مرمية على الأرض غرقانة في دمها، وعلي لسه واصل بيها المستشفى حالاً."
أدهم اتنفض مكانه، والدم هرب من وشه، الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة.. همس باسمها بذهول ووجع:
"ياسمين!..
أدهم طلع موبايله بسرعة والمرة دي إيده كانت بتترعش بجد، طلب رقم علي وهو بيدعي إنه يرد.. وبالفعل، بعد كام جرس، جه صوت علي باهت ومكسور:
"أيوة يا أدهم.."
أدهم نطق بلهفة وعصبية:
"علي! إيه اللي حصل عندك؟ ياسمين فين يا علي؟ الحرس بيقولوا إنها مش موجودة!"
علي سكت لثانية، وصوت شهقة مكتومة طلعت منه وقال بنبرة مليانة عجز:
"مش عارف يا أدهم.. مش فاهم حاجة خالص. رجعت لقيت الدنيا مقلوبة، الشقة مكسورة وخالتي سايحة في دمها وياسمين ملهاش أثر.. أنا دلوقتي واقف قدام العمليات مستني حد يطمنني على خالتي، ومخي هيوقف من التفكير.
أدهم أخد نفس عميق وحاول يسيطر على بركان الغضب اللي جواه، غمض عينه بقوة وهو بيضغط على قبضة إيده. التفت لجميلة اللي كانت ملامحها بدأت تسترخي واستسلمت للنوم مرة تانية من كتر الإرهاق والألم اللي مرت بيه، 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
قرب منها بحنان ومسح على شعرها، وباس رأسها بوسة طويلة مليانة وعد بالانتقام.
قام أدهم وخرج من الغرفة، وشه كان زي لوح الثلج، وقف قدام الحراس اللي محاصرين الطرقة وقال بصوت واطي وحازم:
"عينيكم متغفلش ثانية واحدة عن الباب ده.. أي حد يقرب، ملوش عندي غير الرصاص. فاهمين؟"
الحراس ردوا بصوت واحد: "تمام يا أدهم بيه!"
أدهم سابهم ومشي بخطوات سريعة وواثقة في طرقة المستشفى، ركب عربيته وانطلق بأقصى سرعة للمستشفى التانية اللي فيها علي..
__________________________________
قاعد قدام الشاشة، عينه مش مفارقة الكاميرا اللي متركبة فوق باب العمارة.. 
علي بيعيد الفيديو للمرة الألف.. الكادر ثابت على مدخل العمارة، وفجأة بيظهروا.. اتنين ملثمين، حركتهم سريعة، شايلين ياسمين بين إيديهم وهي غايبة عن الدنيا تماماً، كأنها عروسة خشب مفيهاش روح.
شالوها وركبوها في عربية كانت راكنة بالظبط قدام البوابة، كأنهم مرتبين كل حاجة بالمللي ..علي كل ما يعيد اللقطة، قبضته بتزيد.. مفاصل إيده بدأت تبيضّ من كتر الضغط، وعروق رقبته هتنطق من الغل. الفيديو بيخلص، ويبدأ من تاني.. هو شايف كل حاجة، بس مش عارف يلمس حاجة.
 فجأة، حس بإيد بتتحط على كتفه، لف لقى أدهم واقف وعيونه محملة بوجع وغضب مكتوم. أدهم سحبه لحضنه وطبطب عليه بقوة وهو بيسأله بصوت مبحوح:
"إيه الأخبار يا علي؟ طمني.. إيه اللي حصل بالظبط؟"
علي بعد عنه وهو بيمسح وشه بضياع ورد بنبرة مكسورة:
"مش فاهم حاجة يا أدهم.. حاسس إني في كابوس. خالتي منى جوه بين الحياة والموت، وياسمين اتخطفت.. بيتي اتكسر وعرضي اتهان وأنا مش عارف مين اللي عمل كدة ولا هما فين!"
أدهم اتنهد بغضب زلزل صدره، وقعد علي على الكرسي وقعد جنبه وهو بيحاول يثبته:
"استهدي بالله يا علي.. إن شاء الله خير، وياسمين هترجع. اللي عمل كدة حسابه معايا عسير"
فجأة، باب العمليات اتفتح وخرج الدكتور، راجل كبير في السن وعلى وشحه ملامح وقار وهدوء. علي قام جرى عليه بلهفة:
"طمني يا دكتور.. خالتي منى عاملة إيه؟ أرجوك قولي إنها بخير."
الدكتور ابتسم طمأنه وهو بيقلع النظارة:
"اهدى يا ابني، الحمد لله.. النزيف وقف والضربة مجتش في مكان قاتل. هي كويسة دلوقتي، بس محتاجة تفضل تحت الملاحظة يومين لحد ما حالتها تستقر تماماً."
علي اتنهد براحة مكسورة وهز راسه بالشكر. وأثناء ما هما واقفين، موبايل أدهم رن برقم مجهول. أدهم سكت تماماً وعيونه برقت، فتح الخط وجاله الصوت اللي بيكرهه أكتر من أي حاجة في الدنيا.. صوت إبراهيم السويسي بضحكته الشيطانية:
"إزيك يا ابن أخويا؟ وحشتني يا أدهم.. قولت أسلم عليك وأطمنك إن الأمانة وصلت بسلام."
أدهم عروق رقبته برزت وصرخ بغضب مكتوم وهو بيضغط على الموبايل:
" يزن فين يا إبراهيم!! ؟ لو لمست شعرة منه هنهي نسلك كله ..انت فاهم؟"
إبراهيم رد ببرود مستفز:
"الولد معايا وفي عنيا، متقلقش.. بس لو عاوزه يرجع لحضنك سليم، تجيلي بكرة في المكان والزمان اللي هحددهولك، ومعاك التنازل اللي إنت عارفه. سلام يا بطل."
الخط قطع، وأدهم كان الغضب بيتطاير من عينيه لدرجة تخوف. علي، رغم جرحه، قرب منه وربت على كتفه بقوة وقال:
"إن شاء الله هيرجع يا أدهم.. يزن ابني زي ما يكون ابنك، والله ما هنسيب إبراهيم غير وهو ميت تحت إيدينا. أنا معاك لآخر نفس."
أدهم بص لعلي بأسف وقال بنبرة واطية:
"أنا عارف إن ظروفك صعبة يا علي، ومش حمل إنك تشيل همي وهم يزن دلوقتي، بس وحياة غلاوة ياسمين عندك لترجع بالسلامة
 هز راسه بأمل وهو بيحاول يصدق ، والاتنين مكنوش يعرفوا إن ياسمين ويزن في الحقيقة موجودين في نفس المكان، وإن اللي خاطفهم واحد .
__________________________________
في عتمة المخزن المهجور، كانت خيوط العنكبوت بتتحرك مع كل نفس غل بيخرج من إبراهيم السويسي. منصور كان واقف قدامه وبيمسح على سلاحه ببرود، بس فجأة بص لإبراهيم باستغراب وسأله بنبرة حيرة:
"بس قولي يا إبراهيم بيه.. ليه مقلتش لأدهم إن ياسمين هي كمان معانا؟ ليه خليت الخبر محصور بس على يزن؟"
إبراهيم لف ببطء، وعيونه كانت بتلمع بشر وشيطنة، طلع سيجارة وولعها وهو بيبتسم ابتسامة صفرا:
"عايز ألاعبهم شوية يا منصور.. الصبر في الوجع بيخلي الطعم أحلى. لو قلناله دلوقتي، هيهجم بكل اللي حيلته والموضوع هينتهي بسرعة. لكن أنا عايزه يجي بكرة وهو مكسور، عينه في الأرض عشان خاطر أخوه، يمضي ويتنازل عن كل أملاكه وشركاته وهو فاكر إن ده التمن الوحيد."
سكت إبراهيم ثواني وكمل وهو بينفخ الدخان في وش منصور:
"وبعد ما يرجعله يزن، والورق يبقى في جيبي.. بعدها بكام يوم نرجعله ياسمين، بس بعد ما تكون إنت أخدت غرضك منها واكتفيت تماماً. ساعتها بقى، المساومة هتبقى أغلى بكتير.. الضربة مش هتبقى في الفلوس، هتبقى في الشرف."
ضحك إبراهيم ضحكة مكتومة مرعبة وكمل:
"أدهم ميعرفش الحقيقة المرة.. ميعرفش إن ياسمين دي تبقى أخته! تخيل كدة لما يكتشف إنه خسر ماله، وأخته اتدمرت تحت إيدك وهو مش عارف يلحق مين ولا مين."
منصور عينه برقت بجنون، وبدأ يسقف بإيده بذهول وهو بيضحك بصوت عالي:
"يااااه! ده إنت مش بني آدم يا باشا.. ده إنت شيطان ومربّي شياطين! دي هتبقى كسر عينه بجد."
وتعالت ضحكاتهم الشيطانية في المكان، صدى الصوت كان بيملى المخزن.
وفي أوضة تانية مليانة كراتين وتراب، كانت ياسمين قاعدة على الأرض، ضامة رجليها لصدرها وبتحاوط بطنها بإيد بتترعش من الخوف. الدموع كانت شلال على وشها، وهمست بصوت مبحوح ومنكسر:
"يا رب.. مليش غيرك... تعالى خدني بقا يا علي، أنا خايفة أوي"
__________________________________
المستشفى - جناح جميلة
السكون كان سيد المكان، مبيقطعهوش غير صوت نقط المحلول وهي بتنزل بانتظام ممل. جميلة كانت باصة للسقف بعيون تايهة، وفجأة الباب اتفتح بهدوء ودخل أدهم. حاولت تتعدل بسرعة وهي بتشهق من الألم، حطت إيدها على جنبها ووشها اتكرمش بوجع
أدهم جرى عليها بلهفة: "اهدي يا جميلة.. فيه إيه؟ عايزة إيه يا حبيبتي؟"
سألته بشهقات مكتومة: "لقيت يزن يا أدهم؟"
أدهم بصلها بصمت، وعينيه كانت شايلة حزن الدنيا كله. جميلة فهمت الإجابة من نظرته، نزلت راسها على المخدة وغمضت عينيها بقوة، والدموع نزلت زي السيل. أدهم اتنهد بوجع، قلع الجاكيت وفتح أول زراير قميصه وقعد جنبها، وبدون كلام سحب راسها لحضنه.
انهارت جميلة في حضنه وهي بتصرخ بصوت مكتوم:
"يزن يا أدهم.. رجعهولي، ده ابني! عاقبني أنا بأي حاجة، خد حياتي بس سيب يزن.. هو ملوش ذنب."
أدهم كان عارف إنها مش في وعيها من الصدمة والتعب، فسابها تخرج كل الكبت اللي جواها، ولما هديت خالص همس في ودنها: "وحياتك عندي ليرجع لحضننا تاني.. ارتاحي دلوقتي."
بعد شوية راحت في النوم من كتر الإجهاد والتعب، وأدهم اتمدد جنبها بحرص، وخدها في حضنه وهو بيفكر في جحيم بكرة.
__________________________________
في شقة علي
دخل  شقته وهو حاسس إن جدران البيت بتضغط على نفسه. الصالون اللي كان دايما فيه ضحكها بقى كئيب. دخل أوضتهم وقعد على السرير وهو باصص للفراغ، مش عارف يبدأ منين ولا يدور فين. 
قلع قميصه ورماه على الكرسي بضيق، فالقميص وقع شيء صغير كان موجود على الكرسي وعمل صوت بسيط.
علي استغرب، نزل جابه ولقاه شيء وردي ملون، ملامحه مش باينة من الضلمة. راح ناحية النور وبص عليه بجهل، لكن فجأة ريقه نشف وصدمة لجمت لسانه.. "اختبار حمل!".
رفع الجهاز في النور وشاف الشرطتين بوضوح، قلبه بدأ يدق بعنف . فتح موبايله بسرعة وسأل شات جي بي تي عن معنى الشرطتين، وبعد ثواني جاله الرد: 
" الشرطتين في اختبار الحمل معناهم إن النتيجة إيجابية 
يعني غالبًا في حمل.. لو حابب تبعتلي صورة الاختبار وانا أقولك النتيجة الدقيقه أنا تحت أمرك يا علي"
علي فعلا صور الاختبار وبعته وف ثواني جاله الرد 
"مبروك ..الاختبار واضح فيه شرطتين، وده معناه إن النتيجة إيجابية بنسبة كبيرة، يعني في حمل إن شاء الله.
علي حضن الاختبار بقوة وغمض عينه بوجع رهيب، النار اللي في صدره زادت أضعاف. ياسمين مخطوفة وهي شايلة حتة منه.. الخبر اللي كان المفروض يرقص من الفرحة بسببه، بقى هو أكبر دافع للغل والانتقام في قلبه.
__________________________________
في المخزن المهجور، الباب الحديدي اتفتح بصرير يخلع القلب، ودخل منصور بوشه اللي كأنه خارج من كوابيسها القديمة. ياسمين اتنفضت مكانها، وعينيها كانت مبرقة بذهول وصدمة شلت لسانها.. هي كانت فاكرة إن الكابوس ده انتهى، بس القدر كان ليه رأي تاني.
منصور بدأ يقرب منها بخطوات بطيئة ومستفزة، وعيونه بتلمع بشهوة انتقام وغدر، وقال بصوت فحيحه زي التعبان:
"أخيراً يا ياسمين.. بعد السنين دي كلها، رجعتي تاني تحت طوعي. والمرة دي مفيش علي ولا فيه أدهم السويسي يلحقك مني.. النهاردة هتبقي بتاعتي وبس."
ياسمين رجعت لورا لحد ما خبطت في الحيطة الباردة، وجسمها كله كان بيترعش بهستيريا. استغربت ليه ذكر اسم أدهم وايه علاقته بالموضوع لكن الخوف شل تفكيرها ..وبدون تفكير، حطت إيديها الاتنين على بطنها وكأنها بتحاول تخبي روح جواها من عيونه، وصرخت بصوت مبحوح من الرعب:
"ابعد عني يا منصور! أرجوك متلمسنيش.. أنا.. أنا حامل!"
الكلمة نزلت على منصور زي الصاعقة، وقف مكانه فجأة وعيونه وسعت بذهول، والشر اللي كان في عينه اتحول لذهول ممزوج بقرف وخوف، وردد الكلمة بذهول:
"إيه؟ حامل؟؟"
منصور بص لبطنها بقرف وكأنه شايف قنبلة موقوتة، وفجأة لف بضهره وخرج بره الأوضة بسرعة وهو بيخبط الباب وراه بعنف.
ياسمين فضلت مكانها بتنهج بوجع، ودموعها نازلة بصمت وهي بتمسح على بطنها وبتهدي نفسها. وفجأة، في وسط السكون المرعب ده، سمعت صوت بكاء ضعيف وشهقات طفولية جاية من ورا الحيطة اللي جنبها.
" أنا عايز أروح.. يا بابا انت فين؟ تعالى خدني "
قامت براحه وبصت من الفتحة وشافت يزن قاعد في ركن ضلمة، ضامم رجله لصدره وبيعيط بحرقة، والتراب مالي لبسه وشعره.
ياسمين فضلت بصه له بحزن كبير، هي متعرفش مين الطفل ده ولا إيه علاقته بمنصور، كل اللي جه في بالها إنه أكيد ضحية تانية لمنصور المجرم، طفل بريء اتخطف عشان يكسروا بيه قلب حد.
الفتحة في الحيطة ما بين الكراتين مكنتش بعيدة، فياسمين قدرت بجسمها الضعيف تتسحب وتعدي من وسط الكراتين المركونة لحد ما وصلت للأوضة التانية اللي فيها يزن. نزلت على الكراتين بهدوء وقربت منه بخطوات حذرة وهي بتنهج من التعب.
قعدت قدامه على ركبتها، وبصت في عينيه اللي كانت غرقانة دموع، وهمست بصوت حنين يطمنه:
"إنت كويس يا حبيبي؟ متخافش.. أنا جنبك."
يزن رفع راسه وبص لها باستغراب، مسح دموعه بظاهر إيده وهو لسه بيشهق من الخوف، وهز راسه ببطء كأنه بيستمد منها الأمان. ياسمين مدت إيدها بحنان ولعبت في شعره الغزير اللي كان مليان تراب، وقعدت جنبه على الأرض وخدته في حضنها، وقالت بصوت واطي ومطمئن:
"متخافش .. أنا مش عارفة إنت مين ولا إيه اللي جابك هنا، بس أنا جنبك ومش هسيبك أبدًا. ربنا كبير وهيخرجنا من هنا بالسلامة..
في ركن ضيق ومعزول، كان منصور بينهج ونبضات قلبه سريعة، ملامحه كانت مزيج من الصدمة والقرف. أول ما شاف إبراهيم السويسي واقف، جرى عليه ووشه مخطوف.
منصور بصوت واطي ومبحوح:
"الحق يا إبراهيم بيه.. المصيبة طلعت أكبر مما نتخيل. البت ياسمين.. طلعت حامل!"
إبراهيم اتصنم مكانه، والسيجارة وقعت من إيده وهو بيبص لمنصور بذهول وصدمة شلت لسانه لثواني، وردد الكلمة كأنه مش مستوعبها:
"حامل؟.. إنت بتقول إيه يا منصور؟ حامل من مين.. من علي؟"
منصور خبط بإيده على الحيطة بغل:
"وهيكون من مين غيره يعني! بتقولي ابعد عني عشان اللي في بطني.. الكلب علي زرع حتة منه جواها، واللعبة كدة باظت خالص."
إبراهيم ملامحه اتغيرت فجأة، وعينه لمعت بشر وتفكير شيطاني أعمق، قرب من منصور وهمس له بلهجة آمرة:
"ولا باظت ولا حاجة.. اسمعني كويس، إنت هتاخد غرضك منها زي ما اتفقنا، بس خد بالك. مش عايزها تسقط، فاهم؟"
منصور بصه باستنكار وقرف:
"إنت بتقول إيه يا باشا؟ بقولك حامل! أنا ماليش في الجو ده، أنا كنت عايز أكسر عينها وعين علي، مش أشيل شيلة مش شيلتي."
إبراهيم ضغط على دراع منصور بقوة وقال بصرامة:
"افهم يا غبي! الواد اللي في بطنها ده دلوقتي بقى ورقة الجوكر الحقيقية في إيدينا. الكنز اللي هنذل بيه علي وأدهم طول العمر."
منصور نفض إيد إبراهيم عنه بعصبية وصرخ بصوت مكتوم:
"كنز إيه وزفت إيه! أنا ماليش دعوة بالحسابات دي. أنا راجل ليا مزاجي، ومزاجي مش مع واحدة حامل. أنا كنت عايزها وهي ياسمين اللي أعرفها، مش وهي شايلة روح جواها. أنا مش هكمل في القرف ده!"
إبراهيم وشه احمر من الغضب وعروقه برزت وقال بغضب :" غبي"
__________________________________
الشمس طلعت وكأنها بتكشف ملامح يوم ملوش ملامح لسه. جميلة فتحت عينيها ببطء، حست بتقل في جسمها وألم لسه بيسمع في جنبها، بس أول حاجة عينيها وقعت عليها كانت أدهم.
كان قاعد جنبها، ساند ضهره على الكرسي وباصص للسقف بشرود مخيف، عيونه كانت غرقانة في سواد السهر والتفكير، وكأنه شايل جبال على كتافه. أول ما حس بحركتها، انتبه ومال عليها، لمس جبينها بحنان وباسه بصمت وهدوء، وسألها بصوت مجهد:
"إنتي كويسة؟ حاسة بأي وجع؟"
ردت عليه بصوت واطي وخافت:
"أيوة.. أحسن شوية."
لسه كانت هتكمل كلامها، بس قطع اللحظة دي رنة موبايل أدهم اللي كانت زي صوت الإنذار في هدوء الأوضة. أدهم قام وقف، شاف اسم المتصل وبان على وشه الجدية التامة.. كان محمود. رد بسرعة:
"أيوة يا محمود بيه.."
جاله رد محمود وصوته باين فيه القلق والحزم:
"أدهم، أنا عرفت باللي حصل في القصر .. . أنا مستنيك إنت وعلي في المكتب حالا، لازم نتحرك بالعقل قبل السلاح."
أدهم وافق بكلمة واحدة: "مسافة الطريق وهنكون عندك."
قفل الخط وبص لجميلة اللي كانت بتراقب ملامحه بخوف. قرب منها تاني، مسك إيدها وباسها بقوة، وبعدين باس راسها وقال بنبرة مليانة وعد:
"أنا لازم أمشي يا جميلة.. علي هيجيلي ومحمود بيه عايزنا."
جميلة مسكت في إيده بخوف وسألته والدموع بتلمع في عينيها:
"أدهم.. هترجعلي يزن؟ أرجوك يا أدهم، مش هرجع القصر من غيره.".
أدهم هز راسه بثقة رغم الوجع اللي جواه، وبص في عينيها وقال بصرامة:
"أوعدك يا جميلة.. يزن هيرجع، والكلب اللي عمل كدة هيدفع التمن غالي أوي. خليكي قوية عشان خاطري."
سابها وخرج من الأوضة بخطوات سريعة، وجميلة فضلت باصة لأثره وهي بتدعي بقلبها إن ربنا يحميهم. أدهم لقى علي مستنيه في طرقة المستشفى بعد ما محمود كلمه هو كمان ، علي كان وشه خالي من أي تعبير غير الغضب، وإيده كانت ضاغطة على اختبار الحمل اللي في جيبه وكأنه بيستمد منه القوة.
__________________________________
أدهم وعلي وصلوا مكتب محمود الشافعي، والتوتر كان مالي المكان. محمود استقبلهم بوش عابس وعيون مليانة قلق، وقرب من أدهم ربت على كتفه بقوة كأنه بيدي له من ثباته، وقال بصوت رزين:
"أنا عرفت كل اللي حصل يا أدهم.. طمني، فيه أي جديد ظهر؟"
أدهم اتنهد بضيق وعيونه كانت بتطلع شرار:
"إبراهيم كلمني يا محمود بيه.. الكلب خاطف يزن وعايزني أروح له كمان شوية، عشان يملي شروطه وياخد التنازل اللي عاوزه مقابل يزن."
محمود الشافعي اتنهد بغضب وهز راسه بأسف:
"إنت كدة بتحط إيدك تحت ضرسه يا أدهم.. إبراهيم عارف نقطة ضعفك كويس، وعارف إنك عشان خاطر يزن مش قادر تفكر صح ولا تاخد قرار فيه مخاطرة. بس خلي بالك، اللي زي إبراهيم ميتأمنش له، وأكيد لما تروح هيكون محضرلك فخ."
أدهم قبض على إيده بقوة وبص لمحمود بتركيز:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"أنا عارف يا محمود بيه.. بس مفيش قدامي حل تاني، ابني في إيده. قولي أعمل إيه؟ أنا جاهز لأي حاجة بس يرجع بالسلامة."
محمود الشافعي قرب من خريطة كانت مفرودة على المكتب وبدأ يشاور على نقطة معينة بصرامة، وبدأ يسرد الخطة .....
علي كان قاعد في مكتب محمود الشافعي وجسمه موجود بس، لكن عقله كان في عالم تاني خالص. عينيه كانت مثبتة على نقطة في الفراغ، وسرحانه كان مرعب لدرجة إن أدهم ناداه أكتر من مرة وما ردش.
النار اللي في صدر علي كانت مضاعفة؛ أدهم عارف إن يزن مع إبراهيم، لكن علي تايه.. مش عارف ياسمين في إيد مين؟ ولا هي فين؟ ولا هيعملوا إيه في طفله اللي شايلاه في بطنها؟فكرة إنها ممكن تكون بتتوجع أو خايفة وهي لوحدها كانت بتنهش في قلبه.
بعد ما خرجوا ...علي بص لأدهم وعينيه كانت تايهة تماماً، وكأنه بيدور على إجابة لسؤال ملوش حل، ونطق بصوت واطي ومخلوق:
"تفتكر هي كويسة يا أدهم؟ تفتكر حد لمسها؟ ياسمين رقيقة أوي، مبتستحملش الخوف.. والبيبي.."
سكت فجأة قبل ما يكمل الكلمة، وضغط على جيبه اللي فيه الاختبار بكل قوته لدرجة إن مفاصل إيده ابيضت. أدهم استغرب نبرة علي ونظرة الانكسار اللي في عينه، بس افتكر إن ده خوف طبيعي من شخص مش عارف مصير مراته إيه.
__________________________________
أدهم نزل من العربية بهدوء يحسد عليه، رغم إن بركان من الغضب كان بيغلي جواه. رفع إيده لفوق علامة الاستسلام وهو ماسك شنطة الأوراق السوداء في إيده التانية. ورغم إنه كان بيمشي بخطوات ثابتة ورا الحرس اللي استقبلوه بتفتيش دقيق ، إلا إن عينيه كانت زي الصقر، بتسجل كل ركن وكل زاوية في المكان.
قبل ما يدخل من البوابة الحديدية الضخمة، أدهم ميل راسه بلمحة خاطفة ناحية التبة الرملية البعيدة، وكأنه بيبعت رسالة صامتة لعلي. لمح خيال حركة بسيط جداً ورا المواسير القديمة، اتطمن إن علي بدأ يتسرب للداخل، ورجع وشّه لجموده المعتاد ومشي مع الحرس لعمق المخزن.
جوه، كانت الإضاءة خافتة وريحة التراب والزيت مغطية المكان. أدهم دخل صالة واسعة، وفي نهايتها كان قاعد إبراهيم السويسي على كرسي خشب قديم وكأنه ملك على عرش من حطام ،وعينيه بتلمع بانتصار قذر.
إبراهيم سقف بإيده ببطء وهو بيبتسم ابتسامة صفرا:
"نورت مخزنك  يا أدهم بيه.. كنت عارف إن يزن غالي عندك أوي لدرجة إنك هتيجي برجلك لحد هنا ومن غير حرس كمان."
أدهم وقف على بعد خطوات منهم، رمى الشنطة على الأرض بقوة وقال بصوت رخيم وهادي جداً بس مرعب:
"الورق أهو يا إبراهيم.. كل الشركات والمصانع والسيولة اللي في البنك، بكرة الصبح هتكون باسمك. دلوقتي.. ابني فين؟".
منصور ضحك ضحكة عالية ومستفزة وقرب خطوتين من أدهم:
"مستعجل على إيه يا سويسي؟ إحنا لسه بنقول يا هادي. وبعدين الورق ده تمن يزن بس.. إنت نسيت حاجة كمان لازم آخد تمنها منك."
أدهم سأله باستفهام بارد: "حاجة إيه؟"
منصور صرخ بكلمات محملة بغل السنين:
"عمري اللي ضاع وأنا مستني آخد الثروة! شبابي اللي ضاع بسبب أبوك وإنه كان أحسن مني في كل حاجة وأبويا بيفضله عليا طول عمري. ولما مات وأخدنا الورث دخلت في صفقة خسرتني كل فلوسي وبدل ما يساعدني ويقولي فلوسي هي فلوسك، بقى يرميلي فلوس كل شهر كأنها صدقة!"
رد أدهم بغضب مكتوم:
"أبويا عمره ما ظلمك، حتى بعد ما ضيعت فلوسك ساعدك وشغلك واداك حصة في الشركة.. وبعد ما مات وأنا وأختي توهنا إنت مكلفتش نفسك تدور علينا واعتبرت إننا موتنا وضيعت الشركة بعد ما بقيت الوريث الوحيد، ولولا إني رجعت وبقيت بشتغل ليل نهار عشان أقوّم الشركة تاني، مكانش اسم السويسي بقى له وجود النهاردة"
إبراهيم عينه برقت بشر وجنون وهو بيقوم من مكانه، وهبد بإيده على الترابيزة وصوته الحاقد ملى المكان:
"ماتجبش سيرة اسم السويسي على لسانك! الشركة دي كانت من حقي أنا! أبوك كان طول عمره بياخد اللقطة والمدح وأنا في الظل.. ولما صدقت إن الدنيا ضحكت لي، بعد ما قتلت أبوك وأمك معاه!"
ابتسم بشر أول ما لاحظ الصدمة اللي شلت ملامح أدهم، وكأن الوقت وقف عند اللحظة دي، وكمل بمنتهى البرود:
"أووه.. أنا أسف إني صدمتك، بس أنا اللي دبرت الحادثة لعيلتك لما كانوا رايحين يحتفلوا بعيد ميلادك، والعربية اتقلبت واتحرقت ومات هو وأمك.. لكن اتفاجئت إنكم مكنتوش معاهم في العربية."
في اللحظة دي، شريط أسود مر قدام عيون أدهم.. افتكر أحداث اليوم ده اللي مابتفارقهوش ثانية، يوم ما كانت الأنوار والزينة مالية المكان عشان عيد ميلاده، وفجأة أمه تعبت بسبب السكر اللي عندها، وأبوه أخدها بسرعة عشان يروحوا أقرب مستشفى وسابوهم في المطعم.. ومبعدش كتير والخبر جاله إن العربية اتقلبت بيهم وراحت في حضن النار.
أدهم افتكر إزاي بقى هو وأخته في الشارع تايهين، لحد ما الناس ودوهم الشرطة، ومن صدمة أدهم وقتها مكنش قادر ينطق ، ولما ملقوش ليهم حد، انتهى بيهم الحال في دار أيتام.
إبراهيم كمل وهو بيتمشى حوالين أدهم بانتصار:
"عرفت إنكم في دار أيتام، إنت وأختك.. وكنت ناوي أخلص عليكم وقتها، بس حسيت إني مش هستفيد حاجة، وأني خلاص خلصت من أبوك والورث بقى في جيبي.. بعت واحد يتبنى أختك عشان يبعدها عنك تماماً، وكان فيه حد جاي يتبناك إنت كمان عشان يخلصني منك، لكن العيلة اللي اتبنتك سبقوني ومن وقتها أثرك ضاع.. لحد ما رجعت لي تاني زي اللعنة."
أدهم كان في حالة ذهول تام، وجع السنين كله اتجمع في قلبه في لحظة واحدة، همس بوجع وصوت مخنوق:
"وأختي.. أختي فين يا إبراهيم؟"
إبراهيم ابتسم بخبث وهو بيشاور بصباعه على ورق التنازل:
"هقولك.. هقولك هي فين وهتتصدم لما تعرف إنها كانت أقرب مما تتخيل.. بس الأول، امضي يا أدهم.. امضي وخد أخوك، وغور من وشي للأبد."
أدهم القلم في إيده، وعقله مش مستوعب ..
اسمين ويزن كانوا قاعدين وفجأة لقوا راجل من رجالة إبراهيم فتح الباب بعنف، وعيونه كانت بتدور في الأوضة ، وفجأة اتصنم مكانه لما شاف ياسمين ويزن قاعدين مع بعض في ركن واحد، وياسمين محاوطاه بدراعها وكأنها بتحميه بروحها.
الراجل صرخ بصوت هز جدران المخزن:
"إيه اللي جابك هنا يا روح أمك؟ ومين اللي سمح لك تقربي منه؟"
ياسمين كانت بتترعش ومنهارة من العياط، حضنت يزن بقوة أكبر وهي بتصرخ:
" أرجوك سيبه ده طفل ملوش ذنب.. "
قرب منها بخطوات وحشية، زق ياسمين بكتفه بكل قوته لدرجة إنها اتكفت على الأرض وهي بتصرخ بوجع وماسكة بطنها، وراح شادد يزن من وسط عياطه وصريخه. يزن كان بيرفس في إيده وبيصرخ بأعلى صوته:
"يا بابا ! الحقوني!"
الراجل شاله تحت دراعه وخرج من الأوضة ، وصوت بكاء الطفل كان بيقطع القلب ويملى طرقة المخزن الضيقة. ياسمين فضلت على الأرض، بتنهج بوجع وخوف، ودموعها مش راضية تقف وهي بتهمس باسم علي وكأنها بتستنجد بيه في سرها.
في اللحظة دي، ومن تحت الأرض، كان علي بيتحرك في ممرات المواسير الضيقة، 
وصل لفتحة تهوية بتطل على الطرقة الخلفية، ولمح الراجل وهو شايل يزن ومتجه بيه ناحية المكان اللي أدهم وإبراهيم موجودين فيه.
اللحظة كانت حاسمة، أنفاس أدهم كانت بتتحرق وهو شايف يزن في إيد منصور، ويزن أول ما لمح أدهم صرخ بلهفة هزت كيان أدهم: "بابا!"
أدهم غمض عينه ثانية واحدة بيستجمع قوته، وهز راسه ليزن بطمأنينة وهو بيضغط على سنانه: "متخافش يا حبيبي.. أنا جيت، مفيش حد يقدر يلمسك طول ما أنا عايش."
وفجأة، الإشارة دوت في المكان.. صوت طلقة واحدة كانت كفيلة تقلب المخزن لساحة معركة. قوات الشرطة اللي محمود الشافعي كان مرتب معاهم اقتحموا المكان من كل الأبواب والمنافذ. الرصاص بدأ يغطي صوت الصريخ، وإبراهيم السويسي حاول يهرب من الباب الخلفي لكن رجال الشرطة كانوا أسرع منه، وحاصروه ووقعوه على الأرض والكلبشات اتقفلت على إيده وهو بيغل بآخر أنفاسه.
أدهم جرى على يزن وشاله من الأرض، رفعه لحضنه بقوة وكأنه بيحاول يدخله جوه ضلوعه، ويزن كان بيترعش وبيمسك في قميص أبوه بهستيريا. علي وصل في اللحظة دي، وعيونه كانت بتدور في كل حتة، أخد يزن من أدهم وحضنه هو كمان وباس راسه، والاتنين كانوا بيستعدوا يخرجوا من المكان ده.
لكن يزن وقفهم فجأة بصوته الطفولي المبحوح من العياط:
"استنوا! لازم ننقذ صاحبتي اللي كانت معايا"
علي وقف وبص ليزن باستغراب: "صاحبتك مين يا يزن؟ إنت شوفت حد جوه؟"
يزن رد وهو بيشهق: "الراجل الشرير كان خاطف بنت كمان، وكنا قاعدين مع بعض وهي طيبة أوي، ووعدنا بعض إننا هنخرج سوا.. لازم تاخدوها معانا"
علي بص لأدهم بنظرة سريعة، وفهم إن فيه طفلة تانية مظلومة في الحكاية دي. هز راسه وقال لأدهم بصرامة: "اخرج إنت بيزن وأمنه في العربية، وأنا هدخل أجيب البنت دي وأحصلكم."
علي دخل الممرات تاني، وبدأ يفتح الأوض أوضة أوضة وهو بينادي بصوت واطي، مكنش فيه حد، والهدوء بدأ يرجع للمكان بعد ما الشرطة سيطرت. وصل لآخر غرفة في الممر، فتح الباب الحديدي اللي كان موارب.. وفجأة، الزمن وقف بالنسبة لعلي.
اتصنم مكانه، السلاح وقع من إيده على الأرض وعمل رنة خلت المكان يتهز في عينيه. مكانتش طفلة.. كانت ياسمين.
قاعدة على الأرض في ركن ضلمة، خصلات شعرها نازلة على وشها المليان تراب ودموع، وشكلها مجهد ومنهار تماماً.
علي همس باسمها بصوت طالع من أعماق قلبه المكسور: "ياسمين؟"
ياسمين رفعت راسها ببطء، ولما شافت ملامحه وسط النور الضعيف، عينيها وسعت بذهول مش مصدقه، وصرخت بضعف وهي بتحاول تقوم بصعوبة: "علي ؟.....
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
علي كان بيتنفس بصعوبة، وصدره بيعلى ويهبط كأنه كان في سباق مع الموت. قرب منها ونزل على ركبته قدامها، ومد إيديه المرتعشة ولمس وشها بلهفة وحنان ملوش حدود:
​"حبيبتي.. ياسمين، إنتي بجد قدامي؟"
​ياسمين أول ما حست بلمسة إيده، غمضت عينيها واستسلمت لدموعها اللي نزلت بغزارة. علي مستناش لحظة، شد راسها ودخلها في حضنه بشدة كأنه بيحاول يخبيها جواه، ويداريها بين ضلوعه، وبدأ يشم ريحة شعرها اللي بيعشقه.. 
ياسمين في اللحظة دي حست إن الروح ردت فيها، مسكت في وسطه بدراعتها بكل قوتها ودفنت وشها في كتفه، وكأن حضن علي هو الحصن الوحيد اللي هيحميها من شر العالم.
​بعد شوية، علي بعد عنها شوية ومسك وشها بين إيديه بلهفة وخوف، وعينه بتدور في كل حتة فيها وكأنه بيفحص جروح قلبه قبل جروح جسمها:
​"حد قربلك؟ حد مد إيده عليكي يا ياسمين؟ انطقي ؟.. لو حد لمس طرف شعرة منك لأحرق الدنيا باللي فيها"
​ياسمين هزت راسها بضعف ونفت بصدق، وقالت بصوت مخنوق من العياط:
​"لا يا حبيبي.. الحمد لله، والله حافظت على نفسي عشانك وعشان اللي في بطني.. أنا حامل يحبيبي .. كان عندي استعداد أموت نفسي ولا إن منصور يقربلي."
​كلمة :"اللي في بطني" نزلت على قلب علي بردت ناره، شدها لحضنه تاني بقوة وعمق وهو بيغمض عينه وبيشم شعرها، وكأنه بيشكر ربنا في سرّه إن طفله بخير وإن ياسمين رجعت له سليمة.
​بعد شوية.. بره المخزن
​العربيات كانت واقفة، وصوت سارينات البوليس بدأ يبعد تدريجياً بعد ما سيطروا على المكان تماماً. أدهم كان قاعد في كنبة العربية اللي ورا، وحاضن يزن اللي كان جسمه لسه بينتفض بانتفاضات بسيطة، وبدأ يغيب في النوم من كتر التعب والضغط النفسي الرهيب اللي اتعرضله.. حمل كان تقيل أوي على طفل في سنه إنه يشوف الضرب والسلاح بالشكل ده.
​أدهم كان باصص ليزن بوجع، وبيمسح على شعره بحنان وهو بيفكر في القنبلة اللي فجرها إبراهيم السويسي.. 
​في اللحظة دي، شاف علي خارج من باب المخزن وهو شايل ياسمين بين إيديه كأنها أغلى جوهرة في العالم، وياسمين كانت سانده راسها على كتفه ومغمضة عينيها بتعب.
أدهم نزل من العربية ببطء، وعيونه اتلاقت مع عيون ياسمين اللي فتحتها فجأة لما حست بالحركة.
أدهم بص لياسمين بذهول، عينيه كانت بتتنقل بين ملامحها وبين صورة الطفلة اللي محفورة في ذاكرته من يوم الحادثة. الصدمة كانت لسه ملجمة لسانه، مكانش مستوعب كلام علي لما قاله ان منصور اللي خطفها ،وانه كان متفق مع إبراهيم 
كإنه ترجم كل ده أول ما شاف علي خارج بيها .. افتكر كلام علي عن إبراهيم اللي كان بيروح الملجأ الي فيه ياسمين باستمرار  ..وقتها مداش الموضوع إهتمام، لكن دلوقتي الصورة وضحت  ..منصور هو الراجل اللي إبراهيم اتفق معاه يتبني ياسمين ،والملجأ اللي كانت ياسمين فيه .هو نفسه الملجأ اللي عاش فيه هو وأخته .
​علي لاحظ نظرات أدهم الغريبة، فافتكر إنه مستغرب وجود ياسمين في المخزن ده بالذات، فقال وهو بيعدلها في حضنه بتعب وكمل:
​"منصور يا أدهم.. الكلب ده كان مع إبراهيم هنا، هو اللي خطفها من البيت وحاول يقتل خالتي. بس واضح إن إبراهيم ومنصور إختلفوا واتخانقوا سوا قبل ما البوليس يوصل، عشان كدة ملقيناهوش مع إبراهيم جوه.. هرب زي الفار."
​علي ضغط على سنانه وعيونه لمعت بشرر:
​"وحياة دموع ياسمين ورعب يزن، لأقلب عليه الدنيا وأجيبه من تحت الأرض.. مش هسيبه يتهنى بليلة واحدة وهو لسه بيتنفس."
​أدهم هز راسه بآلية، مكنش قادر ينطق ولا كلمة من فرط المشاعر اللي جواه. ركبوا كلهم العربية؛ أدهم قعد ورا الدريكسيون وإيده لسه بتترعش بسيط، وعلي قعد جنبه قدام وعينه مش مفارقة المراية اللي بتعكس صورة ياسمين.
​ورا، كان المشهد يقطع القلب.. ياسمين ويزن كانوا ساندين على بعض، يزن نايم في حضنها وهي ضامّاه بدراعها وكأن  الاتنين غرقوا في نوم عميق من كتر الإرهاق والضغط العصبي .
​أدهم كان بيسوق في طريق الرجوع، وعينه كل شوية تيجي على ياسمين في المراية.. كان بيبص لخصلات شعرها، لملامح وشها وهي نايمة، وبيفتكر كلام إبراهيم: "هتعرف إنها كانت تحت عينك طول السنين دي وإنت زي الأعمى".
​دمعة غصب عنه نزلت من عين أدهم ومسحها بسرعة قبل ما علي يشوفه. كان جواه صراع.. يصرخ ويقولها "إنتي ياسمين أختي"؟ ولا يستنى لما يتأكد من شكوكه .
​أدهم كسر الصمت بصوت مبحوح:
​"هنطلع على المستشفى الأول يا علي.. لازم ياسمين ويزن يتفحصوا، وكمان عشان نطمن على خالتك وجميلة.. أنا هتواصل مع المستشفى اللي خالتك فيها وهطلب نقلها للمستشفي اللي فيها جميلة . عشان كلنا نبقى في نفس المكان"
​علي رد بهدوء وهو باصص للطريق:
​"عندك حق...
​العربية كانت بتنهب الطريق الصحراوي، والهدوء اللي جوه كان غريب.. هدوء ما بعد العاصفة، والكل مستني اللحظة اللي الحقايق فيها هتنكشف والستار يترفع عن كابوس سنين طويلة...
​أدهم شايل سر كبير ومستني اللحظة الصح..
المشهد اتنقل لمستشفى واحدة جمعت كل القلوب الموجوعة، كأن القدر حب يلم شملهم في مكان . خالة علي اتنقلت لنفس المستشفى اللي فيها جميلة، والحراسة بقت مشددة في كل الممرات.
​في جناح جميلة
فتح الباب لقى نادية زوجة محمود قاعدة جنب سرير جميلة وماسكة إيدها. أدهم رسم ابتسامة هادية على وشه رغم التعب اللي شافه وقرب منها:
​"أهلاً يا نادية هانم.. إزيك؟ نورتي المستشفى."
​نادية قامت وقفت بوقار وردت عليه:
​"الله يسلمك يا أدهم يا ابني.. حمد لله على سلامتها، قلبي كان واكلني عليها أول ما سمعت الخبر."
​جميلة كانت قاعدة ساندة ضهرها بتعب، وعينيها منبوحة من كتر العياط. أول ما شافت أدهم داخل عليها لوحده، قلبها وقع في رجليها وصرخت بلهفة مكسورة:
​"أدهم! يزن فين يا أدهم؟ قولي إنك جبته.. متقولش إنك رجعت من غيره"
هزت راسها بنفي لما لاحظت سكوته ..​بدأت تنهار وتعيط بهستيريا، وأدهم قرب منها بسرعة وحاوط وشها بإيديه لسه هيتكلم، فجأة صوت طفولي بريء شق سكون الأوضة:
​"جميلة.. أنا جيت "
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
​جميلة اتصنمت مكانها، ووقفت عياط فجأة وهي مش مصدقة ودنها. يزن دخل بيجري، ملامحه كانت تعبانة بس ضحكته نورت المكان، اترمي في حضنها بكل قوته. جميلة رغم وجع جرحها، نسيت كل حاجة وحضنته بشدة وهي بتبوس كل حتة في وشه وبتشم ريحته كأنها بترد روحها.
أدهم قرب منهم بخوف وقال ليزن:
​"براحة يا يزن.. بالراحة يا حبيبي عشان جميلة تعبانة ."
​جميلة هزت راسها بالنفي وهي متبتة في يزن ودموع الفرحة نازلة:
​"سيبه يا أدهم.. سيبه في حضني، ده هو اللي شال الوجع كله."
نادية كانت واقفة بتبصلهم وعينيها دمعت من التأثر، قربت من أدهم وطبطبت على كتفه وقالت بصوت واطي:
​"ما شاء الله.. ربنا يخليكم لبعض يا حبيبي، ولا يحرمكم من بعض أبداً.. الحب اللي بينهم ده رزق من ربنا."
​وبعدين لفت لجميلة وقالتلها:
​"أنا هستأذن دلوقتي يا جميلة عشان ترتاحي وتتهني بلمتكم.. حمد لله على سلامتك مرة تانية يا حبيبتي."
​نادية خرجت وسابتهم في لحظة عائلية كانت هي الأغلى عند أدهم بعد يوم طويل من الدم والنار، وقعد جنبهم على السرير وهو بيحاوطهم بيإيديه، وبيحمد ربنا إن الكابوس ده انتهى على خير..
أدهم اتنهد براحة، وابتسامة هادية اترسمت على وشه وهو بيحاوطهم هما الاتنين بدراعاته، كأنه بيضم كنزه الحقيقي اللي كان هيضيع منه.
_______________________________________
​في غرفة منى
​على الناحية تانية،  منى كانت نايمة تحت تأثير المحاليل، وقصاد سريرها على الكنبة، كان علي وياسمين في عالم تاني خالص. علي كان محاوط ياسمين بشدة، كأنه لسه خايف .. مش مصدق إنها في حضنه، كل ثانية يرفع إيدها يبوسها، ويشم شعرها، ويبوس راسها بلهفة مجنونة. مكنش مصدق إنها رجعت لحضنه تاني، وإن الغمة دي انزاحت.
​ياسمين كانت مغمضة عينيها ومركنة راسها على كتفه، حاسة بأمان ملوش وصف. وفي وسط اللحظة دي،  منى بدأت تفوق، فتحت عينيها ببطء وشافت المشهد ده، حمحمت بإحراج وهي بتبتسم بتعب.
​علي انتبه وبعد بسرعة وهو وشه أحمر، وياسمين قامت بلهفة وجريت على سرير خالتها، اترمت في حضنها وفضلت تعيط:
​"الحمد لله إنك بخير يا خالتي.. أنا كنت هموت من خوفي عليكي."
منى طبطبت على راس ياسمين بحنان وحب:
​"بس يا حبيبتي.. اهدي يا بنتي، أنا كويسة والله وزي الفل، طول ما أنتم بخير أنا مش عايزة حاجة من الدنيا."
علي وقف بيبتسم ليهم بامتنان، وحس إن جبل اتشال من فوق صدره.
____________________________________
​رجوعاً لغرفة جميلة
​الدكتور دخل عشان يطمن على جرح جميلة. بص على الأشعة والغيارات وقال بهدوء:
​"الحمد لله، الوضع مستقر والجرح شكله كويس، بس محتاجين راحة تامة.عشان الجرح يلم في أسرع وقت "
​جميلة بصت للدكتور برجاء وقالت:
​"يا دكتور، أرجوك.. أنا عايزة أروح البيت. أنا مابطيقش ريحة المستشفيات ولا القعدة هنا، بحس إني بتخنق."
الدكتور كشر بحزم: "لا طبعاً يا مدام، إنتي لسه متعافيتيش تماماً، وأي حركة غلط ممكن تفتح الجرح."
​جميلة بدأت تتحايل عليه بدموع، وبصت لأدهم تستنجد بيه. أدهم اتنهد وبص للدكتور:
​"يا دكتور، هو فعلاً مينفعش تروح ونهتم بيها في البيت؟ أنا هوفر كل اللي هتحتاجه، والمكان هناك أهدى بكتير لنفسيتها."
​الدكتور سكت شوية بيفكر، وبعدين هز راسه بتعب:
​"ماشي يا أدهم بيه.. بس بشرط ، لازم غيار يومي على الجرح بمطهر، وتلتزم بالدوا في مواعيده بالثانية، وأي سخونية أو تعب لازم تبلغوني فوراً."
​جميلة وشها نور وضحكت من قلبها وهي بتبص لأدهم بامتنان، ويزن صفق بإيده بفرحة: "هيييه.. هنرجع البيت سوا "
أدهم خلص كل إجراءات الخروج، واتحرك بخطوات هادية ناحية الأوضة اللي فيها  منى. فتح الباب ودخل بابتسامة وقورة، وبص لمنى اللي كانت لسه مجهدة:
​"حمد لله على السلامة يا طنط."
​منى ردت بصوت ضعيف بس فيه امتنان:
​"الله يسلمك يا حبيبي.. كتر خيرك يا أدهم، تعبناك معانا يا ابني واليوم كان تقيل عليك أنت كمان."
​أدهم لف وشه وبدأ يتكلم مع علي، وكان بيحاول بكل قوته إنه ميبصش لياسمين ولا يطول النظر في ملامحها عشان نظراته متبقاش مكشوفة أو تفضحه قدام علي، خصوصاً بعد السر اللي بقى شايله في قلبه. قال لعلي بصوت هادي:
​"الدكتور كتب لجميلة على خروج يا علي، وإحنا هنروح القصر دلوقتي.. طمني، أنتم هتعملوا إيه؟"
​علي رد وهو ماسك إيد ياسمين:
​"إحنا هنبقى هنا الليلة دي مع خالتي يا أدهم.. مش هنقدر نسيبها لوحدها في الحالة دي."
​خالته اعترضت بضعف وقالت له:
​"يا ابني روحوا ارتاحوا في بيتكم، أنتم مشفتوش نوم من الصبح وياسمين تعبانة.. أنا كويسة والممرضات جنبي."
​علي صمم وهز راسه بالرفض:
​"مستحيل يا خالتي.. أنا حجزت أوضة ليّا أنا وياسمين هنا في المستشفى، هنبات فيها ونبقى جنبك لو احتجتي أي حاجة، مش هطمن وإحنا بعيد."
​أدهم هز راسه بموافقة وتفهم، وقال له: "ماشي يا علي، اللي يريحكم.. المهم ترتاحوا. أنا هسيب لك طقم حراسة كامل بره الأوضة وفي ممر المستشفى، ومحدش هيقدر يقرب منكم."
​وقبل ما أدهم يخرج من الباب، مقدرش يمنع نفسه إنه يرمي نظرة أخيرة سريعة على ياسمين، نظرة كانت مليانة كلام كتير ووجع سنين. خرج أدهم وقفل الباب وراه.
بمجرد ما الممرضة بدأت تساعد جميلة في لبسها بحذر عشان جرحها، أدهم انسحب بهدوء وخرج لطرقة المستشفى. ملامحه كانت زي الصخر وعيونه فيها نظرة موت.
​طلع موبايله واتصل بواحد من رجالاته ، وقال بصوت واطي وحاد زي الموس:
​"اسمعني كويس.. منصور لازم يجيلي حياً أو ميتاً. اقلبوا عليه كل شبر، وأول ما تلاقوه، يتاخد على المصنع القديم اللي على طريق الصحراوي.. مش عايز مخلوق يعرف مكانه، وأنا هجيله بنفسي بكرة الصبح."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
​الراجل رد بطاعة: "أوامرك يا أدهم بيه، اعتبره حصل."
أدهم دخل الأوضة لقى جميلة واقفة لكن عينيها في الأرض ومتبتة في ذراع الممرضة بكل قوتها، وجسمها بيترعش. أدهم قلبه انقبض وقرب بسرعة سأل الممرضة بلهفة:
​"في إيه؟ مالها جميلة؟"
​الممرضة ردت بهدوء وهي بتحاول تسندها:
​"متقلقش يا أدهم بيه، هي بس داخت شوية أول ما حاولت تقف، وده طبيعي جداً وتأثير البنج لسه مروحش تماماً، مع قلة الأكل والنزيف اللي حصل."
​أدهم مسحبش إيده، بالعكس، سحب جميلة للي كانت شبه غايبة عن الوعي وحط رأسها على صدره، وفضل يطبطب عليها لحد ما حَس إن نفسها بدأ ينتظم وهديت في حضنه. رفع رأسها بإيده وحط عينه في عينها بحنان بالغ وسألها بصوت واطي:
​"الدوخة راحت يا حبيبتي؟"
​جميلة اتكسفت من الكلمة .. هي لاحظت إن من وقت الي حصل ودخولها المستشفى، وهو بيردد كلمة "حبيبتي "كتير ،لكنها بصتله بامتنان وابتسمت ابتسامة باهتة رغم التعب وهزت رأسها بـ "أيوة". أدهم مكلمش ثانية، وبحركة سريعة ومحترفة، وطى وشالها بين ذراعيه بحرص شديد وكأنها من زجاج خايف عليه يتكسر. جميلة وشها احمر جداً واتحرجت بسبب وجود الممرضة ويزن اللي واقف بيتفرج عليهم، وحاولت تنزل:
​"أدهم.. نزلني، الممرضة واقفة ويزن.. شكلي وحش."
​أدهم ضحك ضحكة خفيفة وهو خارج بيها من باب الأوضة وقرب من ودنها وهمس بعشق:
​"مراتي وتعبانة وبشيلها، حد له شوق في حاجة؟
وكمل بصوت أعلي وهو موجه كلامه ليزن الصغير :"وبعدين يزن لازم يتعلم إزاي يحافظ على حبيبته لما تكبر.. مش كدة يا بطل؟"
​يزن هز رأسه بضحكة وهو بيجري جنبهم، وخرجوا كلهم من المستشفى وسط حراسة مشددة .
________________________________________
المشهد اتنقل لأسوار السجن العالية، الزنازين الضلمة اللي ريحتها كبت وخوف. إبراهيم السويسي كان قاعد على الأرضيه مع بعض المساجين، لابس بدلة السجن الزرقاء اللي كانت ماسكة على جسمه وكأنها قيد بيخنق كبريائه. ملامحه كانت ذبلانة، وعيونه فيها غل مش بينطفي.
​فجأة، باب الزنزانة اتفتح بصرير مزعج، ودخل العسكري وهو بيخبط بالدبشك على الباب:
​"قوم يا سويسي.. ليك زيارة في أوضة المأمور."
​إبراهيم رفع راسه باستغراب، والعسكري كمل بسخرية وهو بيبتسم بصفار:
​"شكل ليك حبايب يا سويسي.. دي غريبة إن جالك زيارة من أول يوم، ده أنت لسه مكلتش معانا كام ساعة شكلك واصل أوي بره."
​إبراهيم قام ببرود، ومشي مع العسكري لحد ما وصلوا أوضة الزيارات. دخل لقى شخص قاعد بضهره، لابس بدلة وحاطط رجل على رجل وبياخد نفس عميق من سيجارة فخمة.
​إبراهيم وقف قصاده بحدة، وصوته كان مليان غطرسة رغم لبس السجن:
​"نعم؟ أنت مين؟ وطالب تقابلني ليه في وقت زي ده؟"
​الشخص اللي قاعد ماردش في الأول، فضل ساكت لثواني وهو بيطلع دخان السيجارة ببطء. وفجأة، وقف ولف وشه لإبراهيم، وقلع النظارة السوداء من على عينيه ببطء شديد.
الشخص ابتسم ابتسامة باردة ومرعبة، وميل براسه وهو بيقول بنبرة هادية بس تقطع القلب:
​"إيه يا إبراهيم يا أخويا؟ معقول مش عارفني ولا خايف تصدق إن اللي قتلته زمان لسه عايش؟"
أول ما شاف ملامحه، جسمه اتنفض ورجع خطوة لورا وكأن صاعقة ضربت الأرض تحت رجليه. الصدمة لجمت لسانه، هو عارف إن ده يبقى محمود الشافعي شريك ادهم من مراقبته لهم... لكن كلام محمود خلاه يتصنم من الصدمة وعيونه كانت هتخرج من مكانها وهو بيهمس برعب:
​"إنت !! مش ممكن.. إزاي ...؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
إبراهيم وقف قصاد الراجل اللي بضهره، ملامحه كانت شاحبة ولبس السجن مخليه باهت، بس لسه نبرة التعالي في صوته مروحتش:
"نعم؟ أنت مين؟ وطالب تقابلني ليه في وقت زي ده؟"
الشخص اللي قاعد ماردش في الأول.. كان بيسحب نفس طويل من السيجارة، وصوت احتراق التبغ هو الوحيد اللي مسموع في هدوء الأوضة. فجأة، وقف ببطء ولف وشه، وقلع النظارة السوداء بهدوء مريب.
ابتسامة باردة ظهرت على شفايفه، ميل راسه لورا وهو بيبص لملامح إبراهيم المذهولة، وقال بنبرة واطية بس بتخترق الودان:
"إيه يا إبراهيم يا أخويا؟ معقول مش عارفني؟ ولا خايف تصدق إن اللي حاولت تموته زمان.. لسه عايش وفيه الروح؟"
إبراهيم أول ما ملامح محمود وضحت قدامه، جسمه اتنفض ورجع خطوة لورا وكأن صاعقة ضربت الأرض تحت رجليه. الصدمة لجمت لسانه، وعينيه كانت هتخرج من مكانها وهو شايف محمود السويسي حي يرزق قدامه.
إبراهيم بصدمة :"إزااااي."
محمود كمل كلامه بهدوء وهو بيقرب منه: "اقعد وأنا هحكيلك وأشبع فضولك ."
كمل وعيونه مليانة سنين من الوجع والصبر:
"العربية لما اتقلبت بينا من عشرين سنه، الباب اللي قدام مكنش مقفول كويس.. كنت مستعجل عشان ألحق نادية وأروح بيها المستشفى بسبب نوبة السكر اللي جتلها. لما العربية لفت بينا، الباب اتفتح واترميت بعيد..
 ناس ولاد حلال خدوني المستشفى، قعدت يومين غايب عن الدنيا، ولما فقت وعرفت إن مراتي ماتت، وعرفت إنك نشرت خبر موت عيالي كمان ،فكرت إنك وصلت لأدهم وياسمين وموتهم ، موت عيال أخوك اللي ملهومش أي ذنب في كرهك وحقدك ناحيتي طول عمري..."
محمود سكت لحظة، وخد نفس كأنه بيسترجع وجع الجروح القديمة:
"طلعت على أمريكا بسبل غير شرعية.. كنت حتة لحمة حمراء، جروحي لسه مفتوحة وجسمي نصه متشوه. قعدت سنتين هناك بعمل عمليات، بغير في شكلي وفي جلدي عشان أقدر أقف على رجلي تاني.. ونادية مراتي هي اللي وقفت جنبي لحد ما قدرت أبني نفسي من الصفر."
إبراهيم كان بيسمع وهو بيترعش، مش مصدق. محمود طبطب على كتفه ببرود قاتل ، وهو شايف الصدمة والذهول في عنيه وقال:
"مبقتش عايز أرجع مصر، قلت خلاص اللي راح راح.. مبقاش ليا حد هناك .. بس لما أدهم رجع يدور على أهله، والخبر انتشر إنه لسه عايش، الأمل رجعلي تاني. كان لازم أساعده من بعيد لبعيد لحد ما أقف على أرض صلبة وأكسر عينك باللي عملته. الكام سنه الي فاتوا، كنت بجمع فيهم كل ورقة، وكل دليل يدينك.. والنهاردة، الورق ده هو اللي هيضمن لك مؤبد ويابسك البدلة الحمرا بعد ما أقدمه للنيابه."
محمود بص في عين إبراهيم نظرة أخيرة، نظرة واحد خد حقه تالت ومتلت، وسابه ومشي بخطوات واثقة.
إبراهيم فضل واقف مكانه، أدرك إنه خلاص خسر كل حاجة يملكها ،وفجأة حس بتقل رهيب في صدره، بدأ ينهج وصدره بيعلى ويهبط كأن الروح بتتسحب منه. مسك قميصه من عند قلبه وهو بيشهق بقوة، وعيونه بدأت تغيب عن الوعي، لحد ما وقع على الأرض جثة هامدة وسط صراخ العساكر اللي اتلموا عليه...
__________________________________
أدهم دخل بالعربية جنينة القصر، وسكون الليل كان مغطي المكان، وكأن القصر نفسه كان مستني رجوع أصحابه عشان يتنفس. جميلة غمضت عينها براحة وسندت راسها على الكرسي؛ أخيرًا رجعت للمكان اللي بتحس فيه بالأمان المطلق، المكان اللي شهد حكايتها مع أدهم بكل تفاصيلها.
أدهم وقف العربية قصاد الباب الرئيسي، نزل بسرعة وفتح الباب الخلفي اللي كانت قاعدة فيه جميلة وجنبها يزن. رغم تعب جميلة وعمليتها، إلا إن يزن صمم بطفولية وإصرار إنه يفضل جنبها وميسيبهاش لحظة.
أدهم مد إيده وشال جميلة بحرص شديد، رفعت إيدها وطوقت رقبته ودفنت وشها في كتفه. الحركة البسيطة دي خلت قلب أدهم يدق بتأثر وبقوة؛ حس إنها بتبعت له رسالة صامتة إن أمانها كله متلخص في حضنه ده. يزن نزل وراهم، ورغم جسمه الصغير المرهق وعينه اللي كانت بتغفل من التعب، إلا إن فرحته بالرجوع للبيت خلت فيه طاقة غريبة وهو بيجري جنب أدهم.
بعد شوية.. في جناح أدهم
أدهم خرج من أوضة يزن بعد ما اطمن إن الخادمة حمته وغيرت له هدومه اللي اتبهدلت وشرب اللبن وراح فالنوم. دخل جناحه ولقى جميلة قاعدة على السرير؛ كان أصر إنه ينقلها جناحه عشان يفضل تحت عينه ويهتم بجرحها بنفسه، ورغم تذمرها في الأول وكسوفها، إلا إنه كعادته ماداهاش فرصة للرفض.
قرب منها بابتسامة، مد إيده ولعب في خصلات شعرها بحنان:
"عاملة إيه دلوقتي؟ الجرح واجعك؟"
هزت راسها بنفي وقالت بصوت رقيق:
"لا الحمد لله.. أنا بس حرانة أوي، وحاسة إني مخنوقة من الأربطة والشاش اللي ملفوفين علي جسمي ."
أدهم ابتسم بمرارة ، ولكن وجت في باله فكرة، قام وقال لها: "ثواني.. راجعلك حالًا."
دخل الحمام وغاب شوية، وطلع وهو ماسك فوطة مبللة مية دافية وفيها شاور جل ، ومعاه طبق فيه مية. جميلة فتحت عينها بذهول لما شافته فاتح أول زرارين من قميصه وشمر كمامه وقرب منها:
"يلا.. أنا همسحلك جسمك بالمية والصابون، وبعدها هتحسي إنك فقتي ونمتي مرتاحة.. إنتي عارفة إن الشاور ممنوع دلوقتي عشان الجرح ميتلوثش."
ورغم إنه شاف الخجل والرفض في عنيها ،إلا إنه في ثواني كان بيمرر الفوطة الدافية على رقبتها ودراعاتها بمنتهى الرقة، كان بيتحرك بحذر شديد وهو بيبعد عن مكان العملية الي كانت في جنبها اليمين ، وصوت نفسه الهادي كان هو اللي مالي الأوضة. جميلة استسلمت تمامًا لمسته، وحست إن كل ذرة تعب في جسمها بتدوب مع المية الدافية وريحة الشاور المنعشة.
بعد ما خلص، نشف لها جسمها بفوطة تانية ناعمة، وباس راسها:
" حاولي تنامي انتي، وأنا هاخد شاور سريع وجايلك.."
فرد جسمها على السرير بهدوء وغطاها، وانسحب للحمام عشان ياخد شاور سريع يغسل فيه تعب وإرهاق اليوم.
استغرق في الشاور خمس دقايق بالظبط، وخرج وهو بيجفف شعره بالفوطة، لابس فنلة حمالات سوداء بينت عضلات جسمهوبنطلون بيج مريح. وقف فجأة وتأمل ملامحها الهادية؛ لقاها استسلمت تماماً ووقعت في النوم من كتر الإرهاق والراحة اللي حست بيها بعد ما فارقت التعب اللي كان في جسمها بعد ما اللي عمله.
أدهم ابتسم، وقفل الأنوار وساب بس أباجورة هادية منورة ركن الغرفة. اتمدد جنبها بمنتهى الحذر، ومرر إيده ببطء تحت راسها لحد ما بقى دراعه وسادة ليها، وسحبها لكتفه وصدره وهو مراعي مكان الجرح بكل دقة. دفن وشه في شعرها اللي بيعشق ريحته، وغمض عينه وهو بيشمه بهيام وكأنه بيستمد قوته من وجودها جنبه. ثواني معدودة، وكان أدهم هو كمان غرق في نوم عميق، وكأن جسمه ماصدق أخيرًا إن كل حاجة انتهت وانتهت الليلة بجميلة في حضنه وتحت حصنه.
_________________________________
في الجناح الفاخر اللي حجزه أدهم في المستشفى، كان علي قاعد على السرير الكبير، ماسك موبايله وبيقلب فيه بآلية، بس عينيه مش شايفة الحروف، عقله كان لسه في المخزن، في صوت الرصاص، وفي اللحظة اللي لقى فيها ياسمين ممرمغة في تراب الخوف.
فجأة، باب الحمام اتفتح وخرجت منه ياسمين بعد ما خدت شاور طويل غسلت فيه ريحة الوجع وتعب الأيام اللي فاتت. كانت بتنشف شعرها بالفوطة وبتتكلم بعفوية وهي مش واخدة بالها من نظرات علي اللي اتثبتت عليها بذهول:
"أنا مش مصدقة إني خدت شاور! أنا قولت أكيد بدام هنقعد في مستشفى يبقى مش هعرف أستحمى ولا أغير هدومي، بس الحمد لله الجناح ده طلع بحمام مجهز.. ومش عارفة مستشفى إيه دي اللي فيها برنص شيك كدة؟ بس كويس والله، مكنتش عارفة هلبس إيه بعد ما هدومي اتبهدلت تماماً."
ياسمين سكتت فجأة لما لاحظت إن علي مبيتردش، رفعت عينيها ولقته قاعد بيبصلها بنظرة غريبة، نظرة فيها جوع للأمان وخوف من الفقد. علي وقف ومشي خطوات هادية ناحيتها، وياسمين من ارتباكها بدأت ترجع ببطء وهو بيقرب، لحد ما لقت ضهرها لمس الحيطة.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
علي فجأة مد إيده وشدها من وسطها وحضنها بقوة رهيبة، كأنه بيحاول يطمن دقات قلبه اللي مش عايزة تهدى من وقت الحادثة. ياسمين رفعت إيدها وطبطبت على ضهره بحنان وقالت بصوت ناعم:
"أنا هنا يا علي.. أنا جنبك أهو، والله ما حد قدر يلمسني، ربنا كان حامينا عشان خاطر ابننا وعشان خاطرك. اهدى يا حبيبي، الكابوس خلص خلاص."
علي ابتسم ابتسامة دافية شقت وشها التعبان، وفجأة، وبدون مقدمات، شالها بين إيديه بخفة وكأنها ريشة. ياسمين اتخضت وضحكت بخجل وهي بتلف دراعاتها حوالين رقبته:
"علي! بتعمل إيه؟ نزلني يا مجنون احنا في مستشفى!"
علي بصلها بعشق وهو ماشي بيها ناحية السرير:
"مستشفى، بيت، مخزن.. ميهمنيش. المهم إنك في حضني يا ياسمين. أنا مش عايزك تبعدي عني ولا سنتيمتر واحد الليلة دي.. عايز أغمض عيني وأفتحها مشوفش غير عيونك يا عيوني."
نزلها على السرير براحة ونام جنبها، وسحبها لحضنه وهو بيتملى ملامحها اللي بدأت تورّد من الكسوف، ونسي في اللحظة دي كل غله من منصور ومن إبراهيم، مكنش فيه غير دقات قلبهم اللي بتقول إنهم أخيراً بأمان
_________________________________
صحيت جميلة والشمس كانت لسه بتبدأ ترسم خيوطها على ستائر الجناح .. فتحت عينيها براحة، وأول حاجة حست بيها كانت دقات قلب أدهم المنتظمة تحت راسها. كان نايم بعمق، وملامحه الهادية وهي مستسلمة للنوم كانت غريبة على شخص بقوة وجبروت أدهم، خصلات شعره كانت نازلة بتمرد على جبينه، فمدت إيدها ببطء شديد، وبطراطيف صوابعها بدأت تبعدها بحذر وهي مبتسمة بحب.
حاولت تقوم وتتسحب عشان متصحيهوش، لكن أول ما حركت جسمها، نغزة قوية في جنبها خلتها تشهق بصوت مكتوم: "آآآه.."
في ثانية، كان أدهم مفتح عينيه ومعدول، وكأن جسمه متبرمج يحميها حتى وهو غرقان في النوم. بص لها بقلق وخوف ظهر في نبرة صوته:
"جميلة! أنتي كويسة؟ الجرح شد عليكي؟"
جميلة وشها احمر بخجل وبصت في الأرض وهي بتمسك جنبها:
"أنا أسفة.. مكنتش قصدت أصحيك، بس نسيت العملية وحاولت أقوم فجأة."
أدهم اتنهد براحة لما لقاها كويسة، وقرب منها، مرر إيده ورا ودنها وهو بيرجع خصلات شعرها وبيهمس بصوت أجش من أثر النوم :
" متتأسفيش.. وبعدين أنتي كنتي قايمة ليه أصلاً؟ مش قولتلك لو احتجتي أي حاجة، تعرفيني وأنا اللي هعملها؟"
جميلة ضمت شفايفها بخجل من اهتمامه اللي بيخلي قلبها يدق زيادة:
"كنت عايزة بس أغسل وشي وسناني.مش أكتر."
ابتسم أدهم وساب السرير وقام وقف قصادها، مد جسمه بعضلاته القوية وهو بيفك تعب النوم، وجميلة كانت بتراقبه باختلاس وهي بتبلع ريقها من هيبته حتى وهو لسه صاحي. وفجأة، وبدون إنذار، لقت نفسها مرفوعة بين إيديه بخفة وكأنها ريشة.
شهقت بخضة وضحكت: "أدهم! نزلني والله هقدر أمشي براحة."
أدهم مردش عليها، ودخل بيها الحمام، نزلها بهدوء قدام المراية الكبيرة. سندها بإيد، وبالتانية فتح الحنفية ..لكنه فجأة جيه في باله حاجة ،وقفل الحنفية تاني .مسح على شعره بإحراج وإرتباك ،وقرب من ودنها ،همس بعض الكلمات اللي خلت جميلة تفتح عينيها بخجل ،وبسرعة هزت رأسها بنفي وقالت بارتباك وكسوف :" لا لا ، أااانا عايزة أغسل وشي وبس."
بدا يملى كفه مية وبدأ يمسح على وشها ببطء ورقة، وكأنه بيتعامل مع طفلة صغيرة.
" هغسلك سنانك كمان.. الفرشة دي لسه بكرتونتها، كنت جايبها  إحتياطي عشان لو بتاعتي باظت أو سافرت، أنا عارف إن حاجتك لسه في جناحك القديم، بس النهاردة كل هدومك وحاجتك هتتنقل هنا..."
طلع الفرشة الكهرباء، وحط عليها المعجون، وبدأ يحركها على سنانها بهدوء وهي فاتحة بقها باستسلام وكسوف، ولما خلص ملى كوباية مية وقربها من بقها عشان تتمضمض، وبعدها ميل راسها برفق ناحية الحوض.
خرج بيها تاني وهو شايلها، وقعدها على السرير، وجاب فرشة الشعر وبدأ يسرح لها شعرها بمنتهى الصبر والحب، ولما خلص بدأ يضفرهولها ببراعة استغربتها هي شخصياً.
شالها للمرة التالتة واتجه بيها ناحية الباب، فاستغربت وسألته:
"إحنا رايحين فين تاني؟"
أدهم بصلها بعيون بتلمع بالحنّان وهو نازل بيها السلم:
"إحنا يا ستي هننزل نفطر في الجنينة.. أنا وأنتي ويزن بيه. عارف إنك مخنوقة من القعدة ومن قلة الحركة بسبب الجرح، فقولت نغير جو ونشم شوية هوا نضيف.. كلها كام يوم وتفكي الخياطة وترجعي تلفي في البيت براحتك وتصدعيني كمان لو تحبي."
جميلة ضحكت من قلبها.وهي شايفة معاملة الأميرات الي بيعاملها بيها ،لكنها أكتر من مرحبه بالدلع ده ...
__________________________________
كانت القعدة هادية، وصوت ضحكات يزن مالية المكان وهو بيحاول يقلد أدهم في مسكة المعلقة، وجميلة بدأت تستسلم لراحة نفسية مكنتش تحلم بيها.. بس فجأة، سكون اللحظة دي انقطع برنة موبايل أدهم.
أدهم طلع الموبايل من جيبه وبص للشاشة ببرود، كان المتصل واحد من الحراس اللي سايبهم يراقبوا الأوضاع. فتح الخط وحطه على ودنه وهو لسه بيقطع قطعة توست لجميلة:
"أيوة.. في إيه؟"
صوت الحارس جه من الناحية التانية وهو بيترعش:
"أدهم بيه.. البقاء لله. إبراهيم بيه، عم حضرتك، جاله أزمة قلبية مفاجئة بالليل.. والخبر لسه واصلنا حالا إنه توفى النهاردة الصبح."
أدهم حركت إيده وقفت في الهوا، عينه اتثبتت في الفراغ قدامه، ملامحه متجمدتش ولا بان عليها حزن، بالعكس، وش الصقر اللي اتعودت عليه جميلة رجع تاني، بس المرة دي بجمود يخوف.. مكنش فيه أي مشاعر، لا شفقة ولا شماتة، كأن الخبر يخص حد غريب تماماً.
جميلة لاحظت السكوت المفاجئ، ونظرة عينيه اللي تاهت في الفراغ، سألت بصوت واطي وقلقان:
"أدهم؟ في حاجة حصلت؟ "
أدهم نزل الموبايل من على ودنه، وبص لها ببرود قاسي وقال بكلمتين اتنين مفيش غيرهم:
"إبراهيم مات."
جميلة شهقت بصوت مكتوم وحطت إيدها على بؤها بذهول.. رغم كل اللي عمله، بس الموت له حرمة وهيبة. مدت إيدها برقة ولمست كف إيده اللي كان ساند على التربيزة، وكأنها بتحاول تمتص الصدمة اللي هو مش مبينها.
أول ما حس بلمستها، أدهم رفع راسه فجأة وبص في عينيها، وقبض على إيدها بقوة رهيبة، كأنه بيتمسك بآخر حاجة حقيقية وفاضلة له في الدنيا دي. غمض عينه ثواني واستنشق الهوا بضيق، وبعدها قام وقف بجمود وهيبة:
"أنا هقوم أغير هدومي.. لازم أروح أشوف إجراءات الدفن والعزا. الواجب لازم يتعمل مهما كان اللي حصل."
بص ليزن اللي كان بيبصله باستغراب، وطبطب على كتفه، وبص لجميلة وقال بنبرة آمرة بس فيها خوف خفي عليها:
"جميلة، خليكي هنا مع يزن، متتحركيش من الجنينة إلا لما الحرس يكونوا حواليكي، والشغالة هتفضل جنبك لو احتجتي حاجة.. مش هغيب عليكي."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
عربيات الحراسة كانت محاوطة مدخل السجن، والجو كان كئيب ومقبض، سما القاهرة كانت مغيمة وكأنها بتعلن عن نهاية فصل أسود من رواية آل السويسي. أدهم نزل من العربية بخطوات تقيلة، لابس نظارته السوداء .
دخل المكتب المخصص لإنهاء إجراءات استلام الجثامين، وصوت وقع جزمته كان بيرن في الممرات الضيقة. أول ما فتح الباب، اتجمد مكانه.. ملامحه اتصلبت وعيونه ضاقت من الاستغراب.
محمود كان واقف هناك، ساند بإيده على المكتب وبيخلص تصريح الدفن. أدهم وقف مكانه لثواني مش مستوعب، وبعدين قرب منه وصوته طالع حاد زي الموس:
"محمود بيه؟! إنت بتعمل إيه هنا في وقت زي ده؟ وإيه اللي جابك سجن عشان تخلص إجراءات دفن عمي؟"
محمود بص لأدهم بنظرة هادية جداً، نظرة فيها حزن دفين وغامض، وطبطب على كتفه ببطء:
"مش وقته يا أدهم.. اهدى وخلص إجراءاتك، والجثة هتتحرك دلوقتي على الجامع ومنه للمقابر. هفهمك كل حاجة في وقتها."
أدهم سكت بضيق، وبدأ يوقع على الأوراق بآلية، وعينه جت بالصدفة على خانة الزيارات الأخيرة في الدفتر المفتوح قدامه.. شاف اسم محمود ،مكتوب بخط واضح بتاريخ أمس.
 أول ما خرجوا لباحة السجن الخارجية والجثة بدأت تتحمل في عربية الإسعاف، أدهم وقف قصاد محمود ومنعه يكمل مشيه:
"لأ.. لحد هنا وكفاية! .. إنت كنت هنا امبارح ليه يا محمود بيه؟ إيه اللي يخليك تيجي تقابل إبراهيم السويسي في زيارة خاصة؟ وبعدها الراجل يجيله أزمة قلبية ويموت؟ قولتله إيه خلاه يتصدم لدرجة تحيله أزمه قلبيه ويموت بعدها؟"
محمود بص في عين أدهم، ونظراته كانت غريبة.. ميكس بين الشفقة والحب والخوف، وقال بصوت واطي ومبحوح:
"صدقني يا أدهم.. الحقيقة اللي شايلها بقالها سنين تقيلة أوي على قلبي، ومكانها مش قدام باب سجن. إكرام الميت دفنه، خلينا نخلص الجنازة وندفن إبراهيم .. وبعد العزا، أوعدك هقعد معاك وأحكيلك كل حاجة من أول يوم لحد اللحظة دي."
أدهم سكت، مكنش قدامه غير إنه يوافق وهو جواه بركان هينفجر من التساؤلات.
__________________________________
في دار المناسبات، كان صوت الشيخ بيصدق بآيات الله في ختام العزا، والصوت ليه رنة بتهز القلوب وسط الفخامة والسكوت اللي حل على المكان. الناس بدأت تنسحب واحد ورا التاني، وكل اللي فاضل كان ريحة البخور وصوت الهوا وهو بيخبط في الستائر التقيلة.
أدهم كان واقف زي الجبل، عينه متبتة في الفراغ، لحد ما جميلة قربت منه وحطت إيدها على دراعه برقة. انتبه لها وبصلها، وقال بصوت واطي: "روحي أنتي يا جميلة.. انتي تعبتي أوي النهارده، السواق مستنيكي برة، أنا ورايا مشوار مهم هخلصه واجيلك."
جميلة بصتله بقلق وسألته: "مش هتروح معايا؟"
رد بجمود وهو بيضغط على إيدها: "لا.. هخلص حاجة وأجي."
بعد ما جميلة مشيت، القاعة فضيت تماماً، ومبقاش فيه غير أدهم ومحمود اللي كان قاعد في آخر القاعة، ضهره محني وكأنه شايل جبال فوق كتافه. أدهم مشي بخطوات رزينة وقعد جنبه، ساد الصمت ثواني قبل ما أدهم يقطعه بنبرة حادة:
"أنا سكت لحد ما اليوم عدي .. اتفضل يا محمود بيه، سامعك. قولي كل اللي عندك ."
محمود رفع راسه ببطء، عينه كانت مليانة وجع، وقال بصوت مهزوز: "أنا مش محمود بيه يا أدهم.. أنا أبوك."
الكلمة نزلت على أدهم زي الصاعقة، جسمه اتشد وعينه اتسعت بذهول وصدمة شلت لسانه. محمود كمل وهو بيحكي بمرارة عن يوم الحادثة، إزاي إبراهيم دبر كل حاجة وإزاي الكل افتكره مات، في حين إنه عاش سنين في الغربة بيتعالج وبيحاول يرجع، وإنه فضل مراقبه من بعيد عشان يحميه من غير ما يظهر في الصورة.
أدهم قام وقف فجأة بغضب بركاني، وصوته طلع هادر: "أنت بتقول إيه؟ أنت فاكر إن اللعبة دي هتدخل عليا؟ يعني إيه أنت أبويا؟ أنت متخيل إنك بعد السنين دي كلها هتيجي تقولي الكلمتين دول والمفروض أصدقك؟"
محمود وقف قصاده بضعف وقال: "لو مش مصدقني، نقدر نعمل تحليل DNA دلوقتي حالا، بس أنا مش محتاج ورق عشان أعرف ابني.. أنت حتة مني يا أدهم، والدم اللي في عروقك ده دمي."
أدهم كان بيتنفس بصعوبة، وصدره بيعلو ويهبط من كتر الانفعال، للاسف كان حاسس بصدق كلامه، مشاعره اللي كان بيحس بيها تجاه محمود والراحة الغريبة في وجوده كانت بتأكد الحقيقة دي، وده اللي كان بيجننه أكتر.
صرخ فيه أدهم بوجع: "وأنت كنت فين؟ كنت فين وأنا عمي بيأذي فيا؟ كنت فين وأنا بكبر وحيد ومقطوع من شجرة؟ كنت فين والليل بيعدي عليا وأنا بتمنى ريحة أب يسندني؟ جاي دلوقتي تقولي كنت بحميك؟"
محمود قرب منه وحاول يلمس كتفه: "يبني افهمني.. كنت لازم أمهدلك، كنت خايف من رد فعلك، كنت عايزك تحبني لشخصي الأول.."
أدهم نفض إيده بعنف وهز راسه بنفي: "تاني؟ لسه بتستنى؟ مكفاكش كل السنين اللي ضاعت؟ أنت كنت بتتفرج عليا وأنا بتكسر وبقوم لوحدي ... أنا مش مقتنع بحكايتك دي، ومش قادر أسامحك على كل ثانية عشتها يتيم وأنت موجود."
بص له نظرة أخيرة كلها خيبة أمل وغضب ومشي وسابه في القاعة لوحده، ركب عربيته وطار بيها وهو مش شايف قدامه، عقله مش قادر يستوعب إن حياته كلها كانت مبنية على كذبة، وإن السند اللي كان بيدور عليه طول عمره كان واقف جنبه طول الوقت ".
وقف أدهم بالعربية فجأة في طريق مقطوع وهادي، نزل منها وسند ضهره على الباب وهو بيرفع راسه للسما بتعب ونفسه عالي.. الصمت اللي حواليه كان بيخليه يسمع صوت أفكاره بوضوح. "معقول؟ محمود.. أبويا؟"
ضحك ضحكة مكسورة مختلطة بدموع محبوسة، كان جواه صراع رهيب؛ فرحة طفل لقى سنده بعد سنين يتم، وغضب راجل حاسس إنه اتخدع من أقرب الناس ليه. بس فجأة، وسط الدوشة اللي في عقله، لمعت فكرة زي البرق.. 
افتكر الشك اللي كان بياكل قلبه ناحية ياسمين. لو كلام شكوكه صح، ولو ياسمين طلعت فعلاً أخته، يبقى الليلة دي مليانة صدمات، دي ليلة ولادة عيلة السيوفي من جديد.
"لو طلعتي أختي يا ياسمين.. لو كل اللي ضاع رجع في يوم واحد".
من غير تفكير، ركب عربيته وانطلق بسرعة البرق، الكاوتش صرخ على الأسفلت وهو بيلف ويرجع في اتجاه المخزن اللي حابس منصور فيه. كان بيسوق وهو ضاغط على الدركسيون بقوة، وعينيه بقت زي الصقر اللي حدد فريسته...
وصل المخزن في وقت قياسي، الحراس اللي واقفين بيأمنوا المخزن اتنفضوا لما شافوا دخلة عربيته والتراب اللي غطى المكان. نزل أدهم بطلته المرعبة، ودخل لجو وهو بيقلع جاكيت البدلة ويرميه على الأرض، وبص لمنصور اللي كان مربوط ومرمي في ركن.
أدهم قرب منه، وسحب كرسي وقعد قدامه بمنتهى الهدوء اللي بيسبق العاصفة، ومال براسه وهو بيبتسم ابتسامة مرعبة:
" انطق، ياسمين تقرب لي إيه؟"
منصور رفع راسه بتعب، وبص لأدهم بضحكة صفراء رغم آلم جسمه:
"إيه؟ ابراهيم باشا نطق ولا إيه؟ مكنتش فاكر إنك هتعرف بالسرعة دي.."
منصور براسه لورا وهو بيضحك ضحكة مكتومة، صوتها طالع بالعافية مع نهجان صدره، وبص لأدهم بنظرة شمتانة وقال: "إبراهيم السويسي كان حاسبها بالملي يا أدهم بيه.. كان عارف إن كسر القلب أوعر من كسر العضم. أبوك ماماتش في الحادثة.. وياسمين؟"
سكت منصور للحظة ياخد أنفاسه، وكمل بتعب: "هو الي اتفق معايا أتبناها أنا ومراتي مقابل فلوس ،مراتي مكانتش تعرف حاجة ،كان فاكرة إننا هنتبني عادي بسب إننا مبنخلفش ،وعدى كام سنة ومراتي ماتت ،إبراهيم اللي كان بيدفعلي تكاليف أمله
أكلها وشريها وتعليمها ،بشرط إني معرفهاش حاحة وتفضل مختفية في بيتي ،حتي خروجها وإختلاطها بالناس يكون بحساب. بس لما السنين عدت والبت كبرت حليت ف عنيا ،لحد ما يوم حاولت أ..أ "
مقدرش يكمل الجملة بسبب لكمة أدهم على وشه بعنف.. لدرجة أسنانه طارت على الأرض ،والدم بدأ يحرج من فمة بغذارة.
أدهم غمض عينه بقوة، وكأن جبال الدنيا كلها نزلت فوق دماغه في ثانية واحدة.. الحقيقة كانت مرة، طعمها زي العلقم في حلقه. سابه وخرج من المخزن من غير ولا كلمة، ركب عربيته وساق بجنون، مكنش شايف الطريق، كان شايف سنين عمره اللي ضاعت في كذبة، والوجع اللي عاشه وهو فاكر نفسه وحيد.
__________________________________
علي دخل الأوضة بخطوات بطيئة من الارهاق، وأول ما عينه جت على ياسمين اللي كانت قاعدة مستنياه بلهفة، ملامحه الجامدة بدأت تتفكك تدريجياً بمجرد ما لمحها. ياسمين قامت من على السرير بسرعة، ووشها نور بابتسامة رقيقة غلبت شحوب التعب اللي كان لسه راسم أثره تحت عينيها.
علي فتح دراعاته بتلقائية، وياسمين اترمت في حضنه ودفنت وشها في صدره، ولف دراعاته حواليها بقوة وكأنه بيحاول يتأكد إنها حقيقة مش سراب من اللي شافه في أيام الرعب اللي فاتت. فضلت ثواني غرقانة في ريحته اللي بتطمنها، وهو بيتنفس بعمق وكأنه بيغسل صدره من ريحة الموت والعزا اللي كانت محاصراه.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ياسمين رفعت راسها وبصت في عينيه بحنان، ومسحت بصباعها على جفونه المرهقة:
"عامل إيه يا حبيبي؟ طمني عليك؟ شكلك تعبان أوي."
علي اتنهد تنهيدة طويلة طلعت من قلبه، وطبع بوسة هادية على جبينها:
"الحمد لله يا ياسمين.. طول ما أنا شايفك قدامي وبخير، أنا كويس. اليوم كان طويل وتقيل بشكل ميتوصفش."
ياسمين بدأت تفك له زراير القميص بحركات رقيقة ومهتمة، وقالت بصوت مليان شجن:
"أنا عارفة إنك مالحقتش تاخد نفسك.. يا دوب خرجنا من المستشفى ورجعنا، ونزلت رحت العزا مع أدهم علطول. جسمك محتاج يرتاح يا علي، إنت بقالك أيام على أعصابك ومبتنامش."
علي مسك إيدها اللي كانت بتفك الزراير وباس باطن كفها بعمق، وبص في عينيها بنظرة مليانة رعاية:
"كنت واقف في وسط العزا والناس بتمحي بعضها، وعقلي مكنش معاهم خالص.. كان معاكي إنتي. كنت بقول يا ترى ياسمين نامت؟ يا ترى أكلت؟ قلبي كان مقبوض عليكي ومكنتش عايز أسيبك لحظة واحدة بعد اللي حصل. كنت خايف ترجعي تخافي وأنا مش جنبك."
ياسمين دمعت من حنيته، وحطت كفوفها على خدوده وسندت راسها على صدره:
"قلبي كان حاسس بيك يا علي، ومكنتش عارفة أغمض عيني وأنت بره. أدهم بيه كان محتاجك جنبه، وإنت أصيل وعمرك ما كنت هتسيبه في محنة زي دي، خصوصاً إن إبراهيم رغم جبروته يفضل عمه .. بس خلاص يا حبيبي، إحنا هنا، في بيتنا، والباب مقفول علينا والأمان حوالينا."
علي ابتسم ابتسامة دافية شالت جبال من على كتافه، وشالها براحة وقعدها على السرير وقعد جنبها، وخدها في حضنه تاني بحيث راسها تكون على صدره، وبدأ يمسد على شعرها بانتظام:
"عارفة يا ياسمين.. اللحظة دي بالدنيا وما فيها. وجودك ده هو اللي بيخليني أقدر أكمل. بكرة الشمس هتطلع وهتكون بداية جديدة لينا، بعيد عن إبراهيم ومنصور ، وبعيد عن أي وجع."
ياسمين غمضت عينيها وهي بتسمع دقات قلبه المنتظمة، وهمست بصوت غلب عليه النوم:
"يارب يا علي.. يارب ميبعدناش عن بعض أبداً."
علي فضل باصص لها بهيام وهي بتغرق في النوم في حضنه، قرر يقفل عقله الليلة دي ويسكن لراحة حضنها. وبالفعل، ثواني وناموا هما الاتنين في عناق عميق، والهدوء لف الجناح وكأن القدر بيديهم هدنة قبل عاصفة الحقائق اللي هتبدأ مع أول خيط نور للصبح.
__________________________________
وصل القصر، دخل بخطوات مهزوزة، طلع جناحه وفتح الباب بتعب.. لقى جميلة قاعدة على السرير، ساندة ضهرها على المخدات بحذر عشان جرحها، وماسكة التابلت ومركزة في محاضرة الفيزياء اللي شغالة، بتحاول تلم اللي فاتها قبل الامتحانات. أول ما شافته، وشها نور بابتسامة رقيقة، لكن الابتسامة دي اختفت تدريجياً وهي شايفة منظره؛ شعره المشعث، قميصه اللي فك معظم زرايره، وعينه اللي فيها تيه وكسرة مش متعودة عليها فيه.
"أدهم؟ مالك؟ في إيه؟" سألته بخوف وهي بتحاول تتعدل.
أدهم مردش، قرب منها بهدوء غريب، شال التابلت والكتب من إيديها وركنهم على جنب، وارتمى في حضنها بقوة، دفن راسه في كتفها وكأنه طفل بيدور على أمان ضاع منه من سنين. جميلة اتجمدت لحظة من المفاجأة، لكنها بسرعة لفت دراعها حواليه وبدأت تطبطب على شعره بحنان وهي مش فاهمة حاجة، بس حاسة إن جبل السويسي النهاردة محتاج يسند قلبه وبس.
جميلة كانت حاسة بدقات قلبه السريعة اللي بتخبط في صدرها، وصوت نفسه العالي اللي كأنه طالع من وسط حريقة. بدأت تحرك إيدها على شعره بحنان، وبصوت واطي مليان خوف وحب سألته: "مالك يا أدهم؟ في إيه ؟"
أدهم مرفعش راسه، فضل دافن وشّه في كتفها وصوته طالع مكتوم ومبحوح: "طلع عايش يا جميلة.. السنين دي كلها كان بيتفرج عليا وأنا بتدبح، كان شايفني يتيم ومكسور وهو واقف على بعد خطوتين.. طلع محمود هو أبويا."
جميلة شهقت بصدمة، إيدها اتجمدت على شعره لثواني، وعينها اتسعت بذهول: "إنت بتقول إيه؟! محمود بيه.. أبوك؟ إزاي؟"
أدهم اتعدل فجأة وبصلها، عينه كانت حمرا ووشه شاحب، ضحك ضحكة مكسورة وهو بيسند راسه بإيده: "والأدهى من كدة.. ياسمين.. ياسمين طلعت أختي يا جميلة. شفتي اللعبة كانت قذرة لحد فين؟ عمي إبراهيم كان رابطنا كلنا بحبال من نار، كان مموت أبويا بالحيا، أختي قصاد عنيا وأنا مش عارف، وواهمنا كلنا إننا مقطوعين من شجرة."
جميلة لفت إيدها حوالين كفوفه اللي كانت بتترعش من الغضب المكتوم، وبصت في عينه بصدق: "أدهم.. أنا عارفة إن الصدمة فوق احتمالك، وعارفة إن الوجع كبير.. بس بص للجانب التاني، إنت مكنتش يتيم، السند اللي كنت بتتمناه طلع جنبك، والأخت اللي كان نفسك فيها طلعت هي البنت اللي كنت بتخاف عليها من غير ما تعرف ليه. ربنا رجعلك عيلتك في ليلة واحدة يا أدهم."
أدهم بص لها بغضب طفولي ومرارة: "رجعهم بعد إيه؟ بعد ما عمري ضاع في السواد؟ بعد ما شبعت ذل وقسوة؟ أنا مش قادر أسامح يا جميلة.. مش قادر أبص في وش محمود وأقوله يا بابا، ولا قادر أروح لياسمين وأقولها أنا أخوكي بعد كل اللي شافته وأنا مش جنبها."
جميلة قربت منه أكتر، وحطت راسها على كتفه، وقالت بنبرة هادية ومطمئنة: "الوقت هيداوي يا أدهم.. محمود بيه أكيد كان ليه أسبابه، والراجل ده بالذات ملامحه كلها حب ليك، جميلة قربت منه أكتر، ورفعت وشّه بإيدها عشان يبصلها، وقالت بصوت ناعم ومطمئن: "أدهم، اسمعني.. في حاجة لازم تعرفها. نادية، مرات محمود بيه، كانت حكت لي حاجات كتير قبل كدة، بس مكنتش فاهمة إن الكلام ده يخصك إنت."
أدهم سكت وانتبه لكلامها، فكملت جميلة وهي بتمسح على كتفه: "قالت لي إن محمود عاش سنين سودة في أمريكا.. الحادثة اللي عمك دبرها مكنتش سهلة، باباك خرج منها بجروح وحروق شوهت جسمه وملامحه بالكامل. نادية هانم حكت لي إنه قعد سنين بين أوض العمليات، وعمل جراحات كتير أوي عشان يقدر بس يقف على رجله ويرجع يعيش، وده السبب اللي خلى ملامحه تتغير لدرجة إنك معرفتوش لما شفته."
نزلت دموع بسيطة من عين جميلة وهي بتكمل: "كانت بتقولي إنه كان بيعيط بالليل وهو ماسك صورتك وفاكرك ميت، وبعد ما عرف إنك لسه عايش كان نفسه يرجعلك بس كان خايف يرجع وهو مش قادر يحميك، أو ترفضه، باباك مكنش جبان يا أدهم، محمود كان بيترمم عشان يرجع يلمك تحت جناحه تاني."
أدهم غمض عينه، وصورة محمود وهو بيطبطب عليه في الجنازة بعد ما عرف الحقيقة جت بين عينيه.. لمسته كانت فعلاً لمسة أب، والوجع اللي في عينه مكنش تمثيل.
جميلة كملت بحنان: "نادية قالت إن مفيش ليلة عدت عليه من غير ما يذكر اسمك، وإنه اتغرب واشتغل عشان يبني نفسه من الصفر، كل ده عشان لما يرجع، يرجع قوي ويقدر يواجه وياخد حقه وحقك. هو مسبكش بمزاجه، هو كان بيحارب الموت عشان يرجعلك."
أدهم اتنهد تنهيدة طويلة كأنها بتطلع نار من صدره، وبدأ صوته يهدى شوية: "يعني السنين دي كلها مكنش ناسي؟"
ردت جميلة بسرعة: "عمره ما نسي.. ده هو اللي فضل يراقبك من بعيد ويحميك من غدر إبراهيم. محمود بيه تعب أوي يا أدهم، والوجع اللي شافه في العمليات والغربة ميقلش عن الوجع اللي إنت شفته هنا."
أدهم سكت وبدأ يستوعب حجم التضحية اللي محمود عملها، وبدأ قلبه يلين لما جميلة كملت :" 
 الراجل اللي شاف ملامحه بتتغير عشان بس يفضل عايش لليوم ده.كان بيحرسك بقلبه قبل عينه. والفيزياء اللي كنت لسه بذاكرها من شوية بتقول إن لكل فعل رد فعل.. بس في القلوب، رد الفعل لازم يكون الرحمة. اهدا يا أدهم.. اهدا عشان تقدر تلم شتات العيلة دي من تاني."
أدهم سكت، وبدأ نفسه يهدى تدريجياً وهو مستسلم لحضنها، وكأن جميلة هي المرفأ الوحيد اللي رسا عليه بعد عاصفة هدّت كل ثوابته.
وفجأة، جميلة حست بألم وجمعت ما بين حواجبها باستغراب، وأصدرت "آه" ناتجة عن وجع وهي بتحط إيدها بتلقائية على جنبها مكان الجرح.
أدهم بص لمكان إيدها وتجمد مكانه، شاف البيجامة الوردي اللي لابساها بدأت تتلون باللون الأحمر القاني بالتدريج مكان الجرح. برق بعينه بخوف، شالها بحرص شديد كأنها قطعة زجاج نادرة ونيمها على السرير وطلب الدكتور بهلع.
لما الدكتور وصل، القلق كان مالي الأوضة، وأدهم كان بيتحرك زي المجنون بس بحذر مرعب. قرب من جميلة وبدأ هو اللي يفك البلاستر والشاش اللي غرق دم بقلب مقبوض، وكان كل شدة بسيطة بتحس بيها جميلة كان بيغمض عينه كأنه هو اللي بيتألم.
أدهم، برغم الموقف الصعب، غيرة السويسي جواه مهدتتش؛ غطى جسم جميلة بالبطانية بمنتهى الدقة، ورفع طرف البيجامة الوردي بحرص شديد بحيث ميكشفش غير مكان الجرح وبس، وعينه كانت بتراقب إيد الدكتور بحذر ونظرات حادة، وكأنه بيحذره من أي نظرة أو لمسة ملهاش لزمة. كان نفسه تكون فيه دكتورة هي اللي تعالجها، بس الوقت المتأخر ده والنزيف اللي شغال مسبلوش حل تاني غير إنه يبلع غيرته عشان ينقذ روحه.
الدكتور جهز أدوات التعقيم، محلول الملح والميكروكروم، وبدأ يكشف على مكان النزيف وبص لأدهم بأسف وقال:
"فيه غرزتين اتفكوا يا أدهم بيه.. واضح إن المدام عملت مجهود زيادة وضغطت على نفسها، وده اللي خلى الخياطة تفتح بالشكل ده."
أدهم في اللحظة دي بصلها بنظرة كانت خليط من الغضب المكتوم واللوم لنفسه؛ لأنه عارف إنها عملت كدة عشانه، نزلت العزا ووقفت واستقبلت ضيوف وتحركت كتير في القصر عشان تسنده في محنته.
جميلة كانت بتبص له بعيون مدمعة وبتحاول تكتم وجعها، لكن أدهم مكنش قادر ينطق بكلمة من كتر الخوف اللي كان لسه مسيطر عليه. الدكتور بدأ يعيد خياطة الغرزتين بمخدر موضعي، وأدهم كان واقف ساند راسها بإيده وبيمسح على شعرها بحنية، وعينه مراقبة الإبرة وهي بتدخل في جلدها الرقيق وصدره بيطلع نار. كان بيقسم في سره في اللحظة دي إنها مش هتلمس الأرض ولا هتغادر السرير ده لغاية ما تشفى تماماً، حتى لو اضطر يحبسها جوه حضنه طول العمر.
بعد ما الدكتور خرج، قفل الباب وراه ، ورجع قعد جنب جميلة على السرير. ملامحه اللي كانت جامدة وقاسية من شوية، انكسرت تماماً وهو بيبص لشحوب وشها وأثر الوجع اللي لسه مرسوم على ملامحها. سحبها براحة شديد ودخلها في حضنه، ودفن وشه في رقبتها وهو بيهمس بصوت مخنوق بالندم:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"أنا آسف يا جميلة.. أنا اللي ضغطت عليكي، وأنا اللي خليتك تشيلي همي. سامحيني يا حبيبتي، كان قلبي هيقف وأنا شايف دمك مغرق هدومك بسببي."
جميلة، رغم تعبها وأثر المخدر اللي بدأ يتقل عينيها، رفعت إيدها المرتعشة وحطتها على شعره، وبدأت تمسد عليه بحنان يطمنه. ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت بصوت ناعم زي الهمس:
"متقولش كدة يا أدهم.. إنت مالكش ذنب في أي حاجة. أنا اللي مكنتش قادرة أشوفك مكسور وواقف لوحدك في العزا وأسيبك."
جميلة سكتت لحظة وهي بتحاول تجمع قوتها، وبعدين مالت عليه وبست دماغه بوسة طويلة مليانة حب ودعم، وكأنها بتمسح ببيها كل السواد اللي شافه في يومه. أدهم غمض عينه واستسلم للمسة شفايفها، وحس إن الدنيا بدأت تهدا أخيراً.
سحب الغطا عليهم هما الاتنين، وضمها لصدره بحذر خرافى وكأنها أرق حاجة يملكها في الكون. جميلة غمضت عينيها وهي حاسة بدقات قلبه اللي بدأت تنتظم، وفي خلال ثواني، كان النوم غلبها من كتر الإرهاق. أدهم فضل باصص لها شوية وهو بيوعد نفسه إن الصبح هيكون بداية لصفحة جديدة، صفحة مفيهاش وجع ولا أسرار مدفونة، ونام هو كمان وهو متبت فيها، وكأن حضنها هو الحصن الوحيد اللي باقي له من ريحة السويسي
__________________________________
صباح يوم جديد، الشمس طالعة بس شايلة معاها ثقل أسرار السنين اللي فاتت. في جناح أدهم، كان الجو هادي. أدهم كان واقف قدام المراية بيلبس قميصه الأسود، ملامحه كانت جامدة وعيونه فيها تركيز غريب، وكأنه بيستعد لمعركة من نوع تاني.
جميلة حاولت تقوم من على السرير وهي بتكتم أنين وجع الجرح، أول ما أدهم لمح حركتها، ساب اللي في إيده وقرب منها بسرعة وسندها بإيديه القوية:
"رايحة فين بس أنا مش قولتك مفيش حركة ،أعمل فيكي ايه ؟أربطك في السرير عشان أضمن إنك متتحركيش أبدآ؟"
جميلة ماردتش، لكنها قربت منه بخطوات بطيئة وهي سانده عليه، ومدت إيدها الرقيقة وعدلت له ياقة القميص وبدأت تقفل الزراير اللي فوق بهدوء، رفعت عينيها فيه وسألته بصوت مليان خوف عليه:
"أدهم.. أنت كويس؟ حاسة إن في قلبك حمل جبال النهاردة."
أدهم رسم ابتسامة هادية عشان يطمنها، وهز راسه ببطء:
"أنا كويس طول ما أنتي ويزن بخير.. متقلقيش يا حبيبتي، شوية ترتيبات ومسائل قديمة لازم تخلص، وهرجع لك علطول."
جميلة بصت له بنظرة فاحصة وقالت بتمني: "بالتوفيق يا حبيبي.. خلي بالك من نفسك، وسلملي على ياسمين."
أدهم خد نفس عميق وكأنه بيشحن طاقته من ريحتها، وميل باس جبينها بوسة طويلة وطمنها، وساعدها تقعد في مكان مريح على السرير وسند ضهرها بالمخدات. خرج من الجناح بخطوات واثقة وركب عربيته، وانطلق بأقصى سرعة ناحية بيت علي ...
________________________________
أدهم ركن عربيته قدام عمارة علي، أخد نفس عميق بيحاول يهدي بيه ضربات قلبه اللي كانت مسموعة في ودنه، ونزل. طلع السلالم بخطوات تقيلة، ووقف قدام الباب لثواني قبل ما يمد إيده ويخبط خبطات هادية ومنتظمة.
ثواني وسمع خطوات جاية من ورا الباب، واتفتح وظهرت ياسمين بملامحها الرقيقة . أول ما شافته، عينيها وسعت باستغراب وقالت بأدب
"أدهم بيه ؟!"
أدهم التوتر بان عليه لما شافها ،وبلع رقه .وهو حاسس بنبضات قلبه بقت مسموعة في ودنه وقال :أزيك يا مدام ياسمين.. معلش جيت من غير ميعاد وبدري كدة، بس كنت عايز علي في حاجة ضروري."
أهلاً وسهلاً.. اتفضل حضرتك، علي لسه نازل يجيب مسكن لخالتو ؛عشان الجرح شادد عليها ، بس زمانه على وصول."
أدهم دخل بخطوات مترددة وهو بيقول بصوت واطي: "بعتذر لو أزعجتك "
ياسمين شاورت له على الصالون بترحاب: "البيت بيتك يا أدهم بيه، اتفضل استريح.. تشرب إيه؟"
أدهم حاول يعتذر: "لأ ملوش لزوم والله، أنا يدوب.."
ياسمين قاطعته بإصرار وكرم: "أبداً، والله ما يحصل.. لازم تشرب حاجة، قهوة؟"
أدهم اتنهد واستسلم لإصرارها: "خلاص، قهوة مظبوط، تسلم إيديكِ."
دخلت ياسمين المطبخ، وأدهم فضل باصص في أركان الشقة، بيشوف تفاصيل حياتها البسيطة اللي كانت بعيدة عنه سنين. ثواني ورجعت وهي شايلة صينية القهوة، حطتها قدامه وقعدت على الكرسي اللي قدامه بهدوء..
أدهم بدأ يرتشف من القهوة، وعينه عليها،
وأدهم بدأ يفتح الكلام بصوت هادي ومتردد:
"قلي لي يا  مدام ياسمين.. علي كان حكالي إن منصور ده هو اللي كان متبنيكي.. إنتي مكنتيش تعرفي أهلك الحقيقيين؟"
ياسمين نزلت عينيها في الأرض بحزن وقالت بصوت واطي:
"لا.. عشت عمري كله فاكرة إني ماليش حد، ومنصور كان محسسني إني مجرد  شئ تقيل عليه.. حتى لما عرفني إن ليا أهل، كان غرضه يكسرني ويساوم علي بيا وبس."
أدهم سكت لحظة، وبص لها بنظرة فيها حزن دفين وقال:
"تعرفي يا ياسمين.. الدنيا دي غريبة أوي، أحياناً بنعيش طول عمرنا بندور على حاجة وهي قدام عينينا.. أو بنحس بصلة غريبة بحد وبنكون مش فاهمين ليه قلبنا واكلنا عليه كدة."
ياسمين عقدت حواجبها بعدم فهم: "حضرتك تقصد إيه يا أدهم بيه؟".
أدهم حط فنجان القهوة من إيده، ونبرة صوته اتغيرت تماماً وبقت مليانة شجن، وفجأة الكلام خرج منه بقوة واندفاع بدون حساب :
"أقصد إن الدم بيحن يا ياسمين.. أقصد إنك مش غريبة عني، وإن ابونا مامتش، وإني طول السنين دي كنت يتيم بالظلم.. وإنتي كنتِ وحيدة بالغدر."
ياسمين اتنفست بسرعة، ووشها بدأ يصفر من الصدمة: "إنت.. إنت بتقول ليه؟ انا مش فاهمةحاجة !!"
أدهم قام من مكانه ببطء، ونزل على ركبه قدامها وهي قاعدة، ومسك إيديها اللي كانت بتترعش بقوة، وعينه دمعت لأول مرة قدامها بصدق:
"أنا بقولك إن محمود المنشاوي هو نفسه محمودالسويسي.. أبويا.وأبوكي .. وبقولك إن الحقيقة اللي عمي إبراهيم حاول يدفنها طلعت للنور..، إنتي بنت عيلة السويسي.. يعني إنتي حتة مني.. إنتي أختي يا ياسمين."
ياسمين اتصنمت في مكانها، شفايفها كانت بتترعش وصوتها طالع مخنوق ومستنكر من هول المفاجأة: "أختك؟.. يعني إنت.. إنت أخويا؟ أدهم السويسي يبقى أخويا؟"
أدهم هز راسه بدموع وهو بيشدد على إيدها: "أيوة يا حبيبتي، أنا أخوكِ اللي مكنتش أعرف بوجودك، واليوم اللي عرفت فيه كنت هموت من الوجع إني كنت بعيد عنك كل ده ومخلي غريب زي منصور يأذيكي."
ياسمين قامت وقفت بذهول وهي مش شايفة قدامها، وأدهم قام معاها، وفجأة وبدون مقدمات، أدهم سحبها لحضنه بقوة رهيبة، حضن كان فيه سنين من الحرمان والوجع واليتم، وياسمين انفجرت في العياط وهي متبتة في قميصه وكأنها لقت أخيراً المرسى اللي هترتاح فيه.
وفجأة.. الباب اتفتح بعنف، ودخل علي وشايل أكياس العلاج، اللي وقعت منه أول ما شاف المنظر، عروقه برزت والغيرة والدم طلعوا لراسه في لحظة، رمى الحاجة من إيده والكياس اتفتحت على الأرض.
وبدون ما يفهم..علي قرب بخطوات سريعة وشكله كان يرعب، الغيرة عمت عينه عن أي منطق، ومد إيده يشد أدهم من قميصه وهو بيغلي. وفجاءة لكمة بقبضة إيده بقوة ،لدرجة أدهم رجع خطوات لورا من قوة الضربة .
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
" بعنوان: لم الشمل أخيرًا "
أدهم نفخ بضيق وهو بيحاول يفرمل غضبه اللي كان خلاص هينفجر في علي، وبص له بنظرة حادة وصارمة وقال:
"اصبر يا علي.. اهدى وخليني أفهمك بس"
علي قاطعه وصوته طالع مخنوق، وعينه بتلمع بوجع وصدمة وهو بيبص لياسمين اللي لسه واقفة قريبة من أدهم، وبدأ يهز رأسه بتوهان وعدم تصديق:
"أفهم إيه يا أدهم؟ أفهم إيه والمنظر قدامي ملوش غير معنى واحد؟ ليه تعملي فيا كدة يا ياسمين؟ أنا قصرت معاكي في إيه عشان تكسريني في بيتي ومع مين؟! مع صاحبي؟"
ياسمين أول ما شافت انكسار علي، قلبها وجعها وقربت منه بلهفة ودموعها لسه شلال على خدها:
"علي يا حبيبي.. اهدى بس والله العظيم إنت فاهم غلط، أنا هفهمك كل حاجة.. والله ما في حاجة من اللي في بالك "
أدهم قلب عينه بملل وزهق من الدراما اللي شغالة قدامه، ونفخ بقلة صبر وهو بيمد إيده ويشد علي من دراعه بقوة :
"يا ابني بطل بقى شغل الأفلام العربي ده وركز في الكلام اللي هقوله.. اهدى وافهم.. ياسمين تبقى.."
علي بصلهم بذهول، وصدره بيطلع وينزل من كتر النهجان والخوف من الكلمة اللي أدهم هيقولها، وقاطعه تاني بزعيق:
"تبقى إيه؟ انطق يا أدهم وخلصني"
أدهم صرخ فيه بوضوح وصوت هز المكان عشان يسكته:
"تبقى أختي ! ... أختي يا غبي !"
علي اتسمر مكانه، ملامحه اتجمدت وبقه اتفتح بذهول مضحك، بص لأدهم وبعدين بص لياسمين اللي هزت رأسها بتأكيد وهي بتعيط وتضحك في نفس الوقت، وطلع منه صوت مهزوز وضعيف:
"هااا؟ أختك إزاي؟ إنتو بتهزروا صح؟ دي كاميرا خفية ولا إيه؟"
أدهم قعد على الكرسي بتعب وبدأ يحكي له الحكاية من طقطق لسلام عليكم..علي كان بيسمع وهو فاتح بقه، مش مستوعب إن مديره وصاحب عمره، طلع في الآخر نسيبه وأخو مراته 
علي ببهوت تام:
"يعني إنتو الاتنين.. طلعتوا إخوات بجد؟ نفس الأب ونفس الأم؟"
ردوا هما الاتنين في نفس النفس وبقوة خلت علي يتنفض: "أيوة"
علي ضحك ضحكة هستيرية وهو بيحاول يستوعب:
"أنا مش مصدق، ده ولا الروايات .. مديري في الشغل.. يطلع أخو مراتي!  ده أنا كدة مش هعرف أفتح بوقي معاكي تاني يا ياسمين، أخوكي السويسي هياكلني"
أدهم قعد وحط رجل على رجل بكل ثقة، وبدأ يبص لعلي بنظرة فيها رخامة واضحة، ومد إيده وبدأ يلعب في شعر ياسمين بحنان مبالغ فيه وهو باصص لعلي بتحدي واستفزاز.
علي أول ما شاف إيد أدهم بتتحرك بحرية في شعر ياسمين، نار الغيرة اللي جواه شعللت، واتحرك بتلقائية ووقف قدام أدهم:
"بس بس ..شيل إيدك يا فنان.. متلمسش شعر مراتي ، أنا بغيير"
أدهم ضحك باستفزاز وهو بيشد ياسمين لحضنه أكتر وبيطبطب على كتفها:
"مراتك مين يا بابا؟ دي أختي.. يعني لحمي ودمي، وبعدين إنت هتغير على أختي مني؟"
علي وقف بينهم وهو بيحاول يبعد إيد أدهم عن كتف ياسمين بضيق مضحك:
"أختك ماشي، فوق راسي من فوق.. بس ده بيتي .. وهنا هي مراتي، وليا فيها أكتر منك .. بطل حركات الأخوات دي عشان مش جاية معايا سكة يا أدهم، أنا قلبي لسه مبردش من المنظر اللي شفته"
ياسمين كانت واقفة في النص بتضحك بكسوف وفرحة مالية قلبها، مكنتش مصدقة إنها أخيراً بقى ليها ظهر، بقى ليها أخ يقف قدام علي ويضايقه ويحسسها إنها غالية عند حد من دمها.
أدهم قام وقف فجأة، وملامحه رجعت للجدية والصرامة تانى، وبص لياسمين بعمق وحب أخوي حقيقي:
"خلاص يا علي.. كفاية هزار.، ودلوقتي لازم نتحرك .. لازم ياسمين تقابل محمود السويسي، لازم تقابل أبوها.. هو كمان محتاج يعرف إن بنته موجودة."
ياسمين أول ما سمعت سيرة أبوها، دقات قلبها زادت بتوتر وفرحة مرعبة، مسكت في دراع علي بقوة وهي بتبص لأدهم بخوف:
"أنا خايفة يا أدهم.. خايفة أوي. تفتكر هيتقبلني؟ تفتكر هيحبني بعد السنين دي كلها؟"
أدهم طبطب على إيدها بحنان وبص في عينها بصدق:
"ماتخافيش يا حبيبتي.. ده أبوكي .. وطول ما أنا وعلي جنبك، مفيش قوة في الأرض تقدر تلمسك ولا توجعك تاني. ياللا بينا."
__________________________________
نادية فتحت الباب، وبمجرد ما شافت أدهم وعلي ومعاهم ياسمين، ابتسامتها نورت وشها كله. رحبت بيهم بحب وحنان وهي بتبعد عشان يدخلوا:
"أهلاً يا ولاد، نورتوا.. اتفضلوا يا أدهم، اتفضل يا علي، نورتينا يا حبيبتي ."
دخلوا الصالون الكبير، كان الكل قاعد ، وياسمين كانت حاسة إن الأرض بتهتز تحت رجليها، إيدها كانت بتترعش لدرجة إن علي لاحظ وسحب إيدها وضمها بقوة، وبصلها بنظرة مطمنة وهز راسه كأنه بيقولها "أنا جنبك".
فجأة، ظهر محمود وهو لابس عباية رصاصي كلاسيكية زادت وقاره، بص لأدهم بشوق وحنين كان بيحاول يداريهم ورا ثباته الانفعالي، سلم عليهم بترحيب وهز راسه لياسمين باستغراب من وجودها. قعد محمود ووجه كلامه لأدهم:
"خير يا أدهم؟ في حاجة حصلت؟"
أدهم بدأ كلامه وهو بيحاول يرتب أفكاره: "احم.. بخصوص الكلام اللي اتكلمنا فيه إمبارح يا محمود بيه، أنا.."
قاطعه محمود بسرعة وحدة وكأنه خايف أدهم يشك فيه: "لو مش مصدقني يا أدهم، أنا مستعد دلوقتي حالاً نقوم نروح أي مستشفى ونعمل تحليل DNA، أنا معنديش أي مانع."
أدهم رفع إيده بهدوء: "لأ مش كدة، أنا بس عايز أحكيلك حاجة وأرجوك متقاطعنيش لحد ما أخلص.."
بدأ أدهم يحكي بالتفصيل من يوم ما يزن اتخطف، وإزاي لما راحوا ينقذوه لقوا ياسمين مخطوفة في نفس المكان، وحكى عن استغرابهم من علاقة إبراهيم ، لحد ما عرفوا إن منصور اللي اتبناها من عشرين سنة هو اللي كان خاطفها بالاتفاق مع إبراهيم ،وإزاي كان بيعذبها ويأذيها طول السنين اللي فاتت ..لحد ما هربت وقابلت علي.
أكمل أدهم وصوته بدأ يتهدج: "وعرفنا بالصدفة إن الملجأ اللي منصور خد منه ياسمين، هو نفسه الملجأ اللي كنا فيه أنا وياسمين أختي بعد الحادثة .."
سكت أدهم، ومحمود سأله ببهوت وعدم استيعاب: "يعني إيه؟ قصدك إيه يا أدهم؟"
هنا علي ملقاش بد من إنه يتدخل عشان يحسم الموقف، وقال بصوت واضح:
"يعني يا محمود بيه، ياسمين اللي قدام حضرتك دي، تبقى هي أخت أدهم اللي كانت معاه في الحادثة.. يعني تبقى بنتك إنت"
محمود اتصنم، الدموع ملت عينه في ثانية واحدة وهو بيبص لياسمين اللي كانت بتشهق بالعياط ومش قادرة تقف على رجليها. همس بصوت مكسور: "إنتي.. إنتي ياسمين؟ إنتي بنتي؟"
ياسمين هزت راسها ببطء وهي مش قادرة تنطق، محمود حاول يقوم بس رجله مكنتش شايلاه من هول الفرحة والصدمة، ياسمين جرت عليه وسندته، وهو مسك وشها بين كفوفه اللي بتترعش وبدأ يتأمل ملامحها:
"أنا كنت حاسس.. والله كنت حاسس من أول مرة شوفتك فيها في الشركة إن فيه صلة غريبة بتشدني ليكي.. لأ مش من أول ما شوفتك، ده من أول ما سمعت صوتك في الموبايل وقلبي دق واتلهف عليكي."
ياسمين انفجرت في العياط بزيادة وارتمت في حضنه، ومحمود ضمها بقوة رهيبة وكأنه بيعوض سنين الحرمان والبعد، فضلوا في حضن بعض دقايق والكل ساكت بيتفرجوا على المشهد المؤثر ده والمعجزة اللي بتحصل قدامهم.
أما علي، فكان واقف بعيد شوية، بياكل في شفايفه بغيظ وغيرة مش عارف يداريهم، بص لأدهم وهمس له بضيق:
"وبعدين بقى في أم العيلة اللي بتحضن كتير دي؟ هو إنتو معندكوش حاجة اسمها سلام بالإيد؟ فيه حاجة اسمها بُووج يا جماعة، مفيش مراعاة لمشاعر أمي طيب؟؟"
أدهم رغم تأثره بالمشهد، بص لعلي وضحك غصب عنه وقال بوشوشة:
"اكتم يا علي، الراجل لسه لاقي بنته بعد عشرين سنة، هتحجر عليه في حضنه؟ وبعدين إحنا عيلة وده جو أسري، يعني الليلة ليلتنا، إنت اللي غريب بينا هنا"
علي اتنرفز أكتر: "غريب إيه يا أدهم؟ دي مراتي! أنا مسمحش بالتمادي ده حتى لو كان أبوها، إنتو عيلة مرعبة في المشاعر يا أخي"
__________________________________
عدى شهرين على لم الشمل اللي غيّر خريطة قصر السويسي وحياة الكل. القصر اللي كان زمان عنوان للغموض والوحدة، بقى دلوقت ماليان ضحك وحركة، وكأن الروح ردت فيه من جديد.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
في جنينة القصر الواسعة، كانت جميلة وياسمين قاعدين مع بعض، الشمس كانت هادية والجو ربيعي جميل. ياسمين كانت ساندة ضهرها لورا وبطنها بدأت تظهر بشكل بسيط وجميل، وجميلة كانت ماسكة كتاب فيزياء بس مش مركزة فيه خالص، كانت مركزة في الكلام والضحك مع ياسمين .
ياسمين ضحكت بصوت عالي وهي ماسكة بطنها:
"آه.. حرام عليكي يا جميلة، بجد هموت من الضحك.. كفاية بقى لتولديني هنا في الجنينة قبل أواني"
جميلة ضحكت هي كمان وقفلت الكتاب:
"والله يا بنتي لو ولدتي دلوقتي مش هيكون بسببي أنا، ده هيكون بسبب جوزك وادهم.. دول بقوا توم وجيري رسمي، مش فاهمة إيه الغيرة اللي بينهم دي"
ياسمين هزت راسها بقلة حيلة:
"عندك حق، دول بقوا أطفال بجد. علي لسه مش مستوعب إن أدهم بقى أخويا بجد، وأدهم لسه بيمارس دور الأخ الكبير اللي عايز يسيطر على كل حاجة.. تخيلي أول امبارح علي كان عايز يفسحني، أدهم قاله لا الجو برد على أختي علي كان هيتجنن."
مكملوش الكلمة، ولقوا خيالاتهم بتظهر على الأرض. أدهم وعلي وصلوا من الشركة. أدهم كان كالعادة في قمة وقاره ببدلته الكحلي اللي مبرزة هيبته، وعلي كان لابس قميص أبيض وشايل جاكيت البدلة الرمادي على كتفه.
علي أول ما وصل عند ياسمين، ميل وباس جبينها بحنان، وحط إيده على بطنها بحذر وكأنه بيطمن على ابنه:
"وحشتيني يا قلب علي.. والباشا الصغير عامل إيه النهاردة؟ تعبك؟"
أما أدهم، فقرب من جميلة وباس إيدها برقة وهو بيبتسم لها الابتسامة اللي مابتظهرش غير ليها:
"عاملة إيه؟ المذاكرة ماشية إزاي؟"
جميلة ردت بابتسامة:
"الحمد لله.. بس اتأخرتوا كدة ليه؟ مش قلتوا هتيجوا بدري عشان نتغدى كلنا مع بابا محمود وماما نادية؟"
أدهم فرك عينه بتعب:
"كان ورانا شغل كتير في الشركة.." وبص لجنبه بضيق مكتوم لما لقى علي بيوشوش ياسمين في ودنها وهي بتضحك بكسوف، لوي شفايفه وقال:
"إيه يا حبيبي.. ما تخف شوية! البنت حامل وتعبانة، مش وقت نحنحة خالص دلوقت."
علي بصله بنظرة غيظ ورد عليه وهو لسه ماسك إيد ياسمين:
"خليك في حالك يا سويسي.. وبعدين إنت طاحني في الشغل طول اليوم، سيبني بقى مع الحتة بتاعتي شوية أفك عن نفسي."
أدهم فتح عينه بغضب مصطنع وزعق بخفة:
"حتة؟! إيه الألفاظ البيئة دي يا ابني؟ لاحظ إن اللي بتتكلم عنها دي تبقى أختي، يعني برستيجها من برستيجي"
علي مكنش هيسكت، بس فجأة ظهرت نادية وهي ماسكة في إيد محمودالسويسي اللي كان لابس عبايته ووشه منور بالراحة. نادية ضحكت وقالت:
"إنتوا لسه داخلين ونازلين نقير في بعض؟ ما بتبطلوش؟ "
الخدامة خرجت من جوه وقالت بأدب :" الغدا جاهز حضراتكم ."
دخلوا كلهم وهما بيضحكوا، وأدهم وعلي لسه بيبصوا لبعض بتحدي، بس كان باين في عينيهم إن الغيرة دي ماهي إلا عشم وحب كبير، وإن العيلة اللي اتشتتت سنين، ربنا جمعها في النهاية بأجمل صورة.
قعدوا كلهم على السفرة الكبيرة اللي كانت بتلمع تحت نجف القصر، والأطباق مرصوصة تفتح النفس، بس طبعاً الهدوء مكنش له مكان في وجود أدهم وعلي.
أدهم سحب الكرسي لجميلة بوقار، وقعد جنبه وبدأ يغرف لها وهو بيقول بصوت هادي:
"كلي كويس يا جميلة، وراكي مذاكرة كتير النهاردة، إمتحاناتك كمان كام يوم ،مش عايز دلع."
علي بص له بطرف عينه وهو بيقطع اللحمة لياسمين وحطها قدامها بحنية مبالغ فيها:
"كلي يا ياسمين، اتغذي يا حبيبتي، مش زي ناس مركزين في الفيزياء.. اتغذي عشان الواد يطلع شحط كدة ميهمهوش حد."
أدهم رفع عينه وبص لعلي ببرود:
"قصدك إيه بـ شحط دي يا علي؟  أنا ابن أختي يطلع سويسي أصيل، هيبة وعقل، مش همجي بيمشي بدراعه. شبه ناس كده"
علي ضحك باستفزاز وهو بيمضغ الأكل:
"والله هو ابني أنا .. يعني هيشيل جيناتي أنا. اتجدعن انت وجيب ديك برابر يشيل جينات السويسي ."
جميىة ضمكت بكسوف وهي بتقلب في طبقها ،وياسمين ضحكت ،وبصت لأدهم:
"خلاص يا علي.. وبعدين هو خايف عليا، مش كدة يا أدهم؟"
أدهم ساب الشوكة وبص لياسمين بحنان حقيقي:
"طبعاً خايف عليكي.. وبعدين يا مدام ياسمين، جوزك ده لو فضل يتدلع كدة في الشركة، هخصم له أسبوع، عشان يعرف إن الله حق."
علي شهق بصدمة وبص لمحمود :
"سامع يا حمايا؟ بيستغل سلطته كمدير ! يرضيك كدة؟ البنت حامل ومحتاجة مصاريف، وهو عايز يقطع رزقي."
محمود ضحك بصوت عالي وهو بيبص لنادية اللي كانت بتبتسم بهدوء:
"يا ابني إنت وهو، أنا جايبكم هنا أتغدى معاكم ولا أسمع خناقة في حضانة؟ اهدوا شوية.. إنت يا أدهم، خف على علي، الراجل شايل معاك شيل تقيل. وإنت يا علي، احترم إن أدهم أخوها الكبير."
علي لوى بوزه وبص لياسمين:
"شوفتي؟ حتى حمايا صف مع السويسي.. ماليش غيرك يا ياسمين في البيت ده."
جميلة اتدخلت وهي بتضحك:
"على فكرة يا علي، أدهم كان لسه بيشكر فيك الصبح قدامي، وبيقول إن لولا وجودك جنبه في تصفية أخر صفقة مكنش عرف يخلص الموضوع بالسرعة دي."
أدهم كح بإحراج ،ونغز جميلة بخفة في كتفها:
"أنا قلت كدة؟ إنتي بيتهيألك يا جميلة، كلي وانتي ساكتة."
علي غمز لأدهم بانتصار:
"أيوة يا سويسي.. اعترف بيا بقى ... ده أنا دراعك اليمين، والنسيب الغالي، وأبو حفيدك اللي جاي."
أدهم ابتسم غصب عنه وهو بيشرب ميه.
نادية قالت بضحكة:
"يا ساتر عليكم! ياللا كلوا بقى قبل ما الأكل يبرد، والتحلية النهاردة أم علي مخصوص عشان خاطر علي."
علي صفق بإيده بطفولية:
"أيوة كدة يا ست الكل، انتي اللي ناصفاني في البيت ده "
بعد الغدا ... الرجالة دخلت المكتب يتكلموا في أمور الشغل ،ويشربوا قهوتهم ،وبعد شوية نادية نادت عشان ييجوا ياكلوا من الحلويات. 
بعد ما الباب اتقفل ورا علي اللي خرج يجري عشان يلحق نصيبه في أم علي، ساد هدوء في المكتب، ملوش حس غير صوت رشفات القهوة وهما بيشربوها بمزاج.
محمود سحب نفس عميق  وبص لأدهم ،وقال:
"ها يا أدهم.. طمني، أخبار المناقصة الجديدة إيه؟ والمخازن اللي في الإسكندرية وضعها إيه دلوقتي؟"
أدهم عدل وقفته وبدأ يتكلم بجدية:
"كله تحت السيطرة يا بابا.. علي متابع المخازن يوم بيوم، والمناقصة رسيت علينا الحمد لله، إحنا بس بنخلص شوية أوراق والصفقة هتم على خير."
محمود هز راسه برضا، وسكت لثواني وكأنه بيحضر لسؤال تاني خالص، وبعدين ميل بجسمه لقدام وقال بنبرة هادية بس فيها فضول الأب:
"صحيح يا أدهم.. بمناسبة كلامنا بره .. أنا ملاحظ إنكم اتأخرتوا شوية في موضوع الخلفة ده .. إنتوا داخلين على نص سنة جواز، مفيش حاجة جاية في الطريق؟ كشفتوا.. ولا فيه مشكلة مأخرة الموضوع؟"
أدهم اتفاجئ بالسؤال، وحس بدمه كله طلع لوشه، رفع إيده وحك شعره من ورا بإحراج شديد، وبص في الأرض وهو بيحاول يجمع كلامه:
"لأ.. ماهو.. أصل مينفعش يا بابا دلوقتي."
محمود اتنفض من مكانه وبصله بصدمة، وعينه وسعت بخوف:
"إيه؟! يعني إيه مينفعش؟ حد فيكم فيه عيب؟ متقولش كدة يا أدهم ،العلم اتقدم يا ابني،وانا مستعد أسفركم أمريكا تتعالجوا، المهم أشوف حفيد ليا من صلبك."
أدهم هز راسه بسرعة وهو بيحاول يطمنه، وصوته اتحشرج من الحرج:
"لا يا بابا مش كدة خالص.. مفيش مشاكل طبية الحمد لله، إحنا بس.. يعني أقصد إننا لسه ..."
محمود عقد حواجبه بذهول ووقف قدامه وهو مش مستوعب:
"إزاي يعني لسه؟ إنتوا متجوزين بقالكم شهور في بيت واحد ،إيه اللي لسه محصلش يا أدهم؟"
أدهم أخد نفس عميق طلعه ببطء ،وقال :
"يا بابا.. إنت ناسي إحنا اتجوزنا إزاي؟ أنا قعدت فترة طويلة مش قادر أسامحها ولا أتقبل وجودها بعد اللعبة اللي عمي إبراهيم لعبها علينا.. مكنتش قادر أقرب منها وأنا قلبي مليان مرار ونار ناحيتها."
محمود هدي شوية وبدأ يستوعب، فأدهم كمل كلامه:
"ودلوقتي، لما الدنيا صفت بينا وبقينا سمن على عسل الحمدلله، أنا اللي قررت أفرمل شوية. جميلة داخلة على امتحانات الثانوية العامة، عايزها تركز في مستقبلها دلوقتي .مستني تخلص امتحاناتها وتنجح، وساعتها ربنا يرزقنا باللي فيه الخير."
محمود سكت لثواني، وابتسامة فخر رسمت على وشه، وطبطب على كتف أدهم بقوة:
"والله يا أدهم إنت راجل.. طول عمرك بتفكر في اللي حواليك قبل نفسك. كبرت في نظري أكتر يا ابني.. بس برضه، علي سبقك بكتير، وياسمين شكلها هتجيب ولي العهد والسويسي لسه بيذاكر فيزياءوكيمياءوأحياء"
أدهم ضحك بخفة وهو بيقوم يفتح الباب:
"علي ده نمرود يا بابا ومستعجل.. بس اللي هيجي او اللي هتيجي من صلب أدهم السويسي، هيكون هو السند الحقيقي للعيلة دي.. اصبر عليا بس الكام شهر دول."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
خرجوا من المكتب وهما بيضحكوا، ولقوا علي واقف بره وبقه ماليان حلويات وبص لهم بشك:
"إيه يا جماعة؟ بتتكلموا في إيه كل ده؟ تكونوا بتخططوا ترفدوني من الشركة وأنا باكل أم علي؟"
أدهم بَص لعلي بنظرة ثقة وهو بيعدل ياقة قميصه، وضحك ببرود مستفز:
"لا يا علي.. إحنا بس كنا بنشوف الواد ابنك ده هيطلع شبه خاله في إيه.. أصل الجمال ده وراثة، وخايف يطغى على ملامحك البيئة دي"
علي شرق ،وبصله بصدمة وغل:
"نعم يا أخويا؟! بيئه!! .. وبعدين ماله وشي؟ ده كفاية الغمازات اللي مجننة ياسمين"
أدهم غمز لمحمود وكمل وهو ماشي رايح لجميلة ببرود:
"بكرة نشوف يا بطل.. الجينات السويسية مابتتفاهمش، والواد من أول يوم هيعرف إن خاله هو اللي بيمشي الكلمة هنا.. استعد بقى لدور الأب المطيع اللي بيسمع كلام الحما والنسيب"
محمود ضحك بصوته كله على شكل علي اللي وشه أحمر من الغيرة والغيظ، وعلي زعق وراه وهو بيجري وراه في الممر:
"خد هنا يا أدهم ...والله ما هسيبك.. بقى أنا هبقى أب مطيع؟ ياسمين! تعالي شوفي أخوكي اللي لسه لاقينه ده، عايز يربي الواد على مزاجه ويطلعه سويسي من قبل ما يتولد"
--------------------------------------------------------
بليل، كان القصر هادي إلا من صوت ضحكات يزن العالية اللي كانت مالية الأوضة وأدهم بيدغدغه بإيديه وهو بيضحك مع جميلة، المشهد كان يملأه الدفء، وكأن سنين الوجع والشتات اتمحت في اللحظة دي.
من فترة، وبعد استشارة معالج نفسي متخصص للأطفال، أدهم وجميلة بدأوا يمهدوا ليزن الحقيقة بأسلوب يناسب سنه الصغير. فعرفوه بالتدريج إن جميلة مش أخته الكبيرة زي ما كان فاهم، ولكن بكريقة متخلهوش يكره جميلة إنها كانت جايه القصر كمحتالة .... المعالج النفسي نصح أدهم انه يعرفه كمان إنه مش أبوه ولا حتى أخوه، لكنهم هيفضلوا عيلته اللي بيحبوه ،وإنه يثبت ليزن إن الحب مش بس دم، الحب هو الأمان اللي عاشه معاهم، وبالفعل، رغم حزن يزن في البداية ودموعه اللي وجعت قلب أدهم، إلا إنه مع الوقت بدأ يستوعب إن وجودهم جنبه هو الحقيقة الوحيدة اللي تهمه.
أدهم شال يزن وباسه بقوة ونيمه في سريره وغطاه، وخرج هو وجميلة للبلكونة يشموا هوا وهما باصين لنجوم السما بصفاء.
أدهم اتنهد براحة وسند ضهره على كنت شايل هم اللحظة دي أكتر من أي حاجة.. كنت خايف يكرهنا أو يحس إنه غريب وسطنا."
جميلة قربت منه وسندت راسها على كتفه بحنان:
"يزن قلبه أبيض يا أدهم، والطفل بيحس باللي بيحبه بجد.. إنت كنت له الأب والأخ والسند لما الدنيا كلها اتخلت عنه، تفتكر حتة ورقة أو نسب هي اللي هتغير ده؟"
أدهم لف دراعه حول وسطها وضمها ليه:
"عندك حق.. بس الصراحة، الدكتور النفسي ده ريحني أوي لما قالي إن المواجهة أحسن بكتير من إني أعيشه في كذبة تظهر لما يكبر وتكسره.. النهاردة نايم وهو عارف مكانه فين في قلوبنا."
جميلة بصت له بابتسامة رقيقة:
"ومكانه هيفضل محفوظ.. حتى لما يجي له أخوات بجد يشيلوا اسمه ويشاركه فينا."
أدهم ضحك بخفة وافتكر حواره مع محمود، فميل عليها وهمس بمشاكسة:
"بمناسبة الأخوات دي.. بابا كان بيحقق معايا في المكتب النهاردة، والراجل مستعجل أوي على الحفيد السويسي.. وقعد يقولي نسافر أمريكا ونشوف دكاترة "
جميلة وشها قلب أحمر من الكسوف وبصت في الأرض:
"يا خبر ! وإنت قولتله إيه؟"
أدهم رفع وشها بصباعه وبص في عينيها بحب:
"قولتله إن مراتي لسه نونو ووراها ثانوية عامة، وعايزها تركز في مستقبلها الأول.. بس بيني وبينك يا جميلة، أنا كمان بدأت أغير من علي، الواد مش بيبطل يغيظني بحمل ياسمين، وأنا صبري بدأ ينفد من كتب الفيزياء دي"
جميلة ضحكت بصوت واطي وهي بتخبي وشها في صدره:
"خلاص يا حبيبي، هانت.. كلها شهر والامتحانات تخلص، وساعتها مفيش فيزياء ولا كيمياء، مفيش غيرنا وبس."
أدهم شدد من ضمته ليها وهو بيبوس راسها:
"وأنا مستني اليوم ده بفارغ الصبر.. عشان عيلتنا تكمل بجد، ويبقى القصر ده مليان  سويسي صغيرين."
__________________________________
بعد مرور شهر كامل من السهر، والضغط، والكتب اللي مكنتش بتفارق إيد جميلة، انتهى ماراثون الامتحانات أخيرًا. بليل خرجت جميلة من الحمام ،بعدما أخدت شاور دافئ وطويل.
خرجت جميلة وهي لابسة روب ستان رقيق باللون الكشمير، وفردت شعرها المبلول اللي كان نازل على ضهرها زي الشلال، ووقفت قدام التسريحة تشغل الاستشوار عشان تجففه. صوت الجهاز كان عالي ومغطي على أي حركة في الجناح، لدرجة إنها محسّتش بالباب وهو بيتفتح ببطء، ولا بخطوات أدهم الهادية والواثقة وهو بيقرب منها بابتسامة حنونة.
أدهم وقف وراها، وتأمل صورتها في المراية بشوق كان بيحاول يداريه طول فترة امتحاناتها . فجأة، مد إيده وطفي الاستشوار من الفيشة، الغرفة سكتت تمامًا، وجميلة اتخضت وشهقت وهي بتبص لصوره في المراية:
"أدهم ..خضتني.. جيت إمتى؟ محستش بيك خالص."
أدهم لف إيديه حول وسطها من ورا، ودفن وشه في شعره المبلول وهو بيستنشق ريحة الشامبو اللي بيعشقها، وهمس بصوت دافي ومنخفض:
"جيت من بدري.. وقفت أتأمل جميلتي ...وحشتيني يا جميلة، وحشتيني لدرجة مكنتش متخيلها."
جميلة لفت في حضنه وحطت إيديها على صدره بكسوف، وعينيها لمعت بدموع الفرحة والراحة:
"وإنت كمان وحشتني أوي يا أدهم.. بجد الأيام اللي فاتت كانت صعبة، كنت بحس إني بعيدة عنك وأنا في نفس البيت، بس كان غصب عني..."
أدهم رفع وشها ،ومسك دقنها بطرف صباعه ،وبص في عينيها بعمق:
"خلاص يا حبيبتي.. الكابوس خلص، والنهاردة.. النهاردة مفيش كتب، مفيش مذاكرة، مفيش غيري أنا وإنتي وبس. أنا كنت بعد الأيام والساعات عشان اللحظة دي... واخيرا اللحظة دي جت"
جميلة ضحكت برقة وخبت وشها في صدره:
"يعني خلاص يا أدهم؟ مفيش "ذاكري يا جميلة"؟ مفيش "نامي بدري عشان الامتحان"؟"
أدهم شدد من ضمته ليها ،وقال بحب ظاهر في كل حرف:
"لا فيه.. فيه "بحبك يا جميلة"، وفيه "أنا أسعد راجل في الدنيا بيكي".. والنهاردة، أنا هعوضك عن كل دقيقة تعب، وهعوض نفسي عن كل ليلة نمت فيها وإنتي ماسكة الكتاب بدل ما تكوني في حضني."
جميلة بصتله بحب كبير وهمست وهي بتلعب في ياقة قميصه:
"أنا بحبك أوي يا أدهم.. شكراً إنك كنت سندي وشكراً إنك استنيت عليا كل ده."
أدهم نزلها ببطء وباس جبينها بعمق وطول في القبلة وكأنه بيختم بيها على وعد جديد:
"أنا اللي بشكرك إنك دخلتي حياتي ونورتي قصر السويسي بوجودك.. ياللا بقى، كفاية كلام، متهيألي عندنا كلام أهم من وصلة الشكر والامتنان دي ،فجأة شاله بين إيديه وهي شهقت بضحكة ناعمة، وسحبها لعالمه الخاص، عالم ملوش علاقة بالوجع ولا بالماضي، عالم مفيش فيه غير عشقهم اللي انتصر في النهاية.
تمت بحمدلله
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
جميلة كانت قاعدة في مكتبها الجديد، ساندة خدها على إيدها وبتبص للفراغ بملل واضح. المكتب كان أنيق جداً، وخطوات قليلة بس بتفصلها عن مكتب أدهم . كانت بتفكر في التحول الرهيب اللي حصل في حياتها؛ من بنت بسيطة لسكرتيرة ومساعدة لأكبر رجل أعمال في القاهرة.
بعد دخولها لكليه التجارة بعد ظهور النتيجة وحصولها على معدل 80% .. أدهم كان مُصر إنها تنزل الشركة، مش عشان محتاج سكرتيرة، لكن عشان عايزها تحتك و تتعامل مع الناس، وتكتسب خبرة وقوة شخصية تليق بكونها مدام أدهم السويسي. بقالها شهر كامل بتتعلم من رزان السكرتيرة إزاي ترتب المواعيد، وجدول الأعمال، وإزاي تتعامل مع الملفات اللي كانت بتشوفها طلاسم في الأول.
كان مضايق جميلة وواجعها حاجه واحده .. في البيت هو الحبيب، السند، اللي بيدلعها وبيخاف عليها من الهوا الطاير.. لكن هنا؟ هنا شخص غريب تماماً، بارد، جدي لدرجة تخوف، ومبيفرقش بينها وبين أي موظف غلط في الشركة، وده كان بيخليها طول الوقت حاسة بغصة في قلبها.
فاقت من شرودها على صوت رزان وهي بتميل عليها:
"جميلة.. خلصتي ملف الصفقة الأخيرة؟ مستر أدهم محتاجه حالاً عشان يمضيه."
جميلة دورت بعينيها بتوتر لحد ما شافت الملف الأحمر، لقطته بسرعة وقامت وقفت وهي بتبلع ريقها بصعوبة. رجعت خصلة متمردة من شعرها ورا ودنها، وأخدت نفس عميق عشان تهدي ضربات قلبها قبل ما تخبط على باب مكتبه.
في اللحظة دي، جوه المكتب، أدهم مكنش شغال ولا بيمضي ورق.. كان قاعد ساند ضهره، ماسك موبايله في إيده وعينه مش مفارقة الشاشة، كان فاتح أبلكيشن الكاميرات اللي بره، ومركز في كل حركة بتعملها جميلة في مكتبها.
ابتسامة خفيفة ودافية اترسمت على وشه وهو شايفها وهي بترفع شعرها بملل، وبعدين تبدأ تلعب بالقلم بطريقة مضحكة وتلفه بين صوابعها، وفجأة تنفخ بقها بطفولة وكأنها بتعترض على الوضع اللي هي فيه . أدهم كان مستمتع جداً وهو مراقب كل تفاصيلها العفوية، وهي المسكينة مكنتش تعرف إن فيه عيون صقر مراقبة كل نفس بتطلعه، وبتعشق تفاصيلها قبل ملامحها.
أول ما شافها قامت ومسكت الملف وجاية ناحية الباب، ساب الموبايل بسرعة، ورسم ملامح الجمود والجدية على وشه في ثانية واحدة، وسحب ورقة قدامه وعمل نفسه بيدقق فيها.
خبطت جميلة بخفة، فجاوبها بصوته الرخيم والخشن :
"ادخل."
دخلت جميلة وهي باصة في الأرض، ملامحها كانت مهزوزة، وحطت الملف قدامه على المكتب بصمت، وهي مش عارفة إن الشخص اللي قدامها ده كان لسه من ثواني بيدوب في تفاصيلها ورا الشاشة.
دخلت جميلة بخطوات هادية، وقلبها بيدق بعنف كالعادة. شافت أدهم قاعد بهيبته اللي بتخطف الأنفاس؛ لابس قميصه الأبيض الناصع، ومشمر أكمامه لحد كوعه فظهرت عروق إيده القوية، ولابس نظارته الطبية اللي كانت مدياه جاذبية ووقار خلوها تبلع ريقها بصعوبة. رغم إنها معاه في الشركة بقالها شهر، إلا إن تأثيره عليها لسه زي أول مرة شافته فيها، هيبة أدهم السويسي في مكتبه ملهاش حل.
قربت من المكتب وحطت الملف الأحمر قدامه، وقالت بصوت واطي:
"مستر أدهم.. ده ملف الصفقة الأخيرة اللي رزان بلغتني إن حضرتك محتاج تمضيه دلوقتي."
أدهم سحب الملف بجمود ومن غير ما يرفع عينه، بدأ يراجع البنود بدقة وسرعة، وجميلة واقفة مستنية وهي بتسأل نفسها: "إزاي ده هو نفسه اللي كان الصبح بيفطرني بإيديه ؟"
فجأة، رمى القلم على المكتب بعنف، وبصلها بنظرة حادة خلت جسمها يتنفض:
"الملف ده ناقص يا جميلة.. فين ملخص الميزانية اللي طلبت من رزان ترفقه؟"
جميلة اتوترت وبلعت ريقها بصعوبة:
"أنا.. أنا افتكرت إن رزان حطته، هي قالت لي الملف جاهز للمضي.."
رد عليها بنبرة جافة وقاسية خلت عيونها تلمع بالدموع:
"مفيش حاجة اسمها 'افتكرت' في الشغل يا جميلة.. الورق لازم يتراجع كلمة كلمة قبل ما يوصل لمكتبي."
ضمت شفايفها وهي بتمنع نفسها من العياط بصعوبة، وهمست بصوت مخنوق: "حاضر.. أنا آسفة."
جميلة مدت إيدها المرتعشة وأخدت الملف، ولفت وشها بسرعة عشان تداري دموعها اللي خانتها ونزلت، وخرجت من المكتب وهي حاسة بكسرة في قلبها من قسوته.
خمس دقايق بالظبط، قضتها مع رزان وهي بتراجع الورق وعيونها حمرا من أثر الدموع، لحد ما اتأكدت إن ملخص الميزانية في مكانه والملف كامل على الشعرة. أخدت نفس عميق، ومسحت وشها بمنديل، ورجعت خبطت ودخلت بهدوء تام.
قربت من المكتب وحطت الملف الأحمر قدامه بصمت، مرفعش عينها فيه ولا نطقت بكلمة، كأنها بتنفذ أوامره بالحرف. لفت ضهرها بجمود عشان تخرج، لكن خطواتها اتسمرت في الأرض لما سمعت صوته الرخيم، بس المرة دي كان صوته مختلف.. مكنش آمر، كان نداء دافي طالع بلهفة:
"جميلة.."
وقفت مكانها وهي مدياله ضهرها، حست بحركته ورا المكتب، وصوت الكرسي وهو بيتحرك، وبعدين خطواته اللي بتقرب منها ببطء لحد ما وقف وراها بالظبط، لدرجة إنها حست بأنفاسه قريبة من كتفها.
أدهم مد إيده وحطها على كتفها برقة، ولفها ليه بهدوء. جميلة كانت منزلة راسها في الأرض، وشعرها مداري وشها، فمد إيده التانية ورفع دقنها بصباعه، وبص في عيونها اللي لسه بتلمع من أثر العياط.
"بصيلي يا جميلة."
غمضت عينها أكتر وبدأت دموعها تنزل بصمت، وفجأة حست بملمس صوابعه الدافية وهي بترفع دقنها ببطء وحنان مناقض تماماً لصوته من شوية. رفع وشها لحد ما عيونها المليانة دموع اتقابلت مع عيونه اللي ملامحها بدأت تلين تدريجياً.
أدهم همس بنبرة هادية وبصوت واطي مسمعهوش غيرها:
"الدموع دي مكانها مش هنا.. أنا بقسى عليكي عشان تتعلمي تبقي قوية، مش عشان أشوفك مكسورة. في المكتب إنتي مساعدة أدهم السويسي، وفي القصر إنتي نبض قلبه.. افصلي بينهم يا جميلة."
جميلة حاولت تشيل إيده وهي بتبعد وشها بوجع:
"خلاص يا مستر أدهم، الملف اتراجع ورجع لحضرتك كامل.. اتفضل سيبني عشان ألحق أخلص شغلي."
أدهم محركش إيده، بالعكس، ضغط برقة على دقنها وخلاها تبص له غصب عنها، وهمس بصوت واطي ومبحوح:
"مستر أدهم؟؟"
جميلة صوتها طلع مهزوز ومحشرج بالدموع:
"أومال أقول إيه؟ مش حضرتك اللي قولت هنا مفيش "أدهم"؟ مش إنت اللي لسه مزعقلي ومحسسني إني غريبة عنك؟ أنا كنت فاكرة إن شغلي معاك هيقربنا، مش هيخليني أخاف منك كدة."
أدهم اتنهد تنهيدة طويلة وطلعها ببطء، وقرب منها خطوة كمان لحد ما بقى مفيش بينهم غير سنتيمترات، وقال بحنان:
"جميلة.. بصيلي في عيني. أنا لو مكنتش خايف عليكي وعايزك تبقي أحسن واحدة في الدنيا، مكنتش ههتم لو غلطتي. عايزك قوية يا جميلة، والدموع دي مش بتبني شخصية قوية."
جميلة مسحت دموعها بظهر إيدها بطفولة وقالت بلهجة فيها عتاب:
"بس إنت قسيت عليا أوي..:
أدهم ميل على ودنها وهمس بنبرة رومانسية خلت جسمها يتنفض:
"طب ولو قولتلك إن فيه مفاجأة في البيت؟ وإن مستر أدهم ده ناوي يعتذر لجميلة هانم بطريقة تليق بيها أول ما نوصل؟ لسه برضه زعلانة؟"
جميلة بصت له بطرف عينها وحاولت تخبي ابتسامتها:
"مفاجأة إيه؟"
أدهم غمز لها وهو بيرجع لورا خطوة وبيرجع لملامح الجدية بسرعة لما سمع صوت حركة بره المكتب:
"لما نوصل القصر هتعرفي.. ودلوقتي يا مدام جميلة، روحي كملي شغلك، وإلا هضطر أديكي جزاء إضافي، بس المرة دي هيكون في البيت، مش هنا."
جميلة ضحكت غصب عنها دوقالت بدلال:
"ماشي يا مستر أدهم..."
خرجت جميلة من المكتب وهي حاسة إن روحها ردت فيها، وقلبها بيرقص من الفرحة، بينما أدهم رجع قعد على مكتبه وهو بيبتسم وبيبص في الشاشة تاني، متابع خروجها والابتسامة اللي نورت وشها .
______________________________
في عيادة النسا، كان الجو هادي، بس ضربات قلب علي كانت مسموعة في الغرفة كلها من كتر الحماس. ياسمين كانت ممددة على شيزلونج الكشف، والدكتورة بتحرك جهاز السونار ببطء وحذر على بطنها اللي بدأت تدور بشكل جميل.
ياسمين كانت عينها مش مفارقة الشاشة، وبتحاول تفهم أي تفصيلة من الخطوط البيضاء والرمادية اللي بتظهر، وإيدها كانت متبتة في إيد علي بقوة، وكأنها بتستمد منه الأمان في اللحظة التاريخية دي.
علي كان واقف منحني شوية، عين على الشاشة وعين على ملامح ياسمين، وجواه خليط غريب من المشاعر؛ سعادة مفرطة، خوف من المسؤولية، وشوق مش طبيعي لحتة منه ومنها.. كان بيغمض عينه ويهمس في سرّه بدعاء واحد مبيفارقش خياله:
"يارب بنوتة.. يارب تطلع شبه ياسمين، تاخد قلبها ورقتها.. نفسي في بنوتة يا رب."
الدكتورة فضلت تحرك الجهاز وتغير الزاوية، وهما الاتنين حابسين أنفاسهم، وفجأة الابتسامة نورت وش الدكتورة وهي بتبص لهم وبتقول بصوت مبهج:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"ألف مبروك يا جماعة.. زي ما الأستاذ علي كان بيتمنى بالظبط.. أنتم جايلكم بنوتة زي القمر."
في اللحظة دي حسه إن الدنيا مش سيعاه، ساب إيد ياسمين ومسح على وشه بذهول وفرحة، وبعدين ميل وباس راسها بقوة وهو مش مصدق:
"بنوتة يا ياسمين! الحمد لله يا رب.. الحمد لله. دي هتبقى ست البنات كلهم."
ياسمين أول ما سمعت كلمة "بنوتة"، ابتسامتها هديت شوية، وسكتت لثواني وهي باصة للشاشة بتركيز وكأنها بتدور على الولد اللي كان في خيالها. علي لاحظ ملامحها اللي اتغيرت، فمسك إيدها وضغط عليها بحنان وهو بيحاول يفهم مالها.
ياسمين بصت للدكتورة بصوت واطي وفيه نبرة خيبة أمل بسيطة:
"يعني مفيش أمل يا دكتورة تطلع غلطة سونار؟ أصل أنا كنت حاسة إنه ولد.. كنت مجهزة نفسي إني هخلف ولد ."
الدكتورة ابتسمت بتفهم وهي بتمسح الجل من على بطن ياسمين:
"يا حبيبتي البنت رزق واسع، والمرة دي السونار واضح جداً مفيهوش مجال للشك. وبعدين البنات هما اللي بيحنوا على أهاليهم أكتر، بكره تشوفي."
ياسمين اتنهدت وهي بتقعد بمساعدة علي، ولفت وشها له وقالت بضيق طفولي:
"أنا كان نفسي في ولد يا علي.. ولد يشيل اسمك ويكون قوي زيك، البنات بيبقوا محتاجين رعاية وخوف طول الوقت."
علي ضحك بصوته كله وسحبها لحضنه وهو بيطمنها، وباس راسها قدام الدكتورة:
"يا روح قلب علي.. إنتي زعلانة عشان بنوتة؟ ده أنا كنت بدعي ليل نهار تطلع بنت عشان تطلع رقيقة زيك كدة وتثبت قلبي. وبعدين يا ستي، ربنا لسه بيدي، والمرة الجاية إن شاء الله نجيب الولد."
ياسمين بدأت تهدا وكلامه ريحها، بصت له بعيون لمعت تاني:
"يعني مش زعلان يا علي؟ مش كان نفسك في ولد تتسند عليه ،ويبقى راجل من صغره؟"
علي هز راسه بنفي قاطع وهو بيعدل لها هدومها بوقار:
"أبداً والله.. دي البنت دي هتبقى ست الكل، وهتلاقيني أول واحد بيجيب لها الفساتين والعرايس. والولد مسيره ييجي، إحنا لسه في أول المشوار يا ياسمين.. قولي الحمد لله، دي هتبقى أجمل هدية من ربنا لينا."
ياسمين ابتسمت أخيراً وحست إن الفرحة بدأت تتسرب لقلبها تاني:
"الحمد لله.. فعلاً البنت رزق. بس إنت اللي هتتحمل دلعها بقى، أنا مش مسؤولة لو طلعت شبر ونص وطلعت عينك"
علي غمز لها وهو بيخرجها من الأوضة:
"تطلع عيني وتطلع روحي كمان، أنا راضي.. ياللا بينا بقى نروح نبشر العيلة، زمانهم قاعدين مستنين على نار.
_________________________________
في ركن هادئ من المكتب المشترك، كانت جميلة ساندة ظهرها على الكرسي، بتابع رزان وهي بترتب شوية ملفات. العلاقة بينهم مابقتش مجرد زمالة شغل ،اتحولت لصداقة ، خصوصا وهي الوحيدة اللي عارفة السر اللي مخبيينه عن كل اللي في الشركة ..وإن جميلة تبقى مرات أدهم .
"قوليلي يا رزان ، إيه الأخبار؟عامله إيه مع خطيبك باسم؟"
رزان بابتسامة: "الحمد لله إحنا كويسين جداً.."
" بس قوليلي يا رزان، مش ناوين تتجوزوا بقى؟ الفرح امتى؟ "
رزان وشها نور بابتسامة دافية وقالت بخجل:
"هانت يا جميلة.. رتبنا كل حاجة، والفرح إن شاء الله الشهر اللي جاي. باسم بدأ يخلص توضيب الشقة، وأنا بدأت أجيب الرفايع اللي بتخلصش دي."
لسه جميلة هترد عليها وتبارك لها، قطع حديثهم صوت تكتكة كعب عالي ومنتظم بيقرب من المكتب. صوت فيه ثقة وغرور خلى جميلة ترفع عينها باستغراب.
دخلت واحدة، أقل ما يقال عنها إنها قنبلة أنوثة. كانت لابسة بلوزة شيفون وسكيرت فوق الركبة بشوية، ميكب صارخ مرسوم بدقة على وشها، وريحة عطرها نفاذة مالت المكان في ثواني. شعرها الأصفر الطويل كان واصل لآخر ظهرها وبيهتز مع كل خطوة بتخطيها.
جميلة اتسمرت مكانها وهي بتبص لها بذهول، أما رزان فوقفت بسرعة وباحترام واضح وقالت:
"جومانة هانم ..أهلاً بحضرتك.. حمد لله على السلامة."
جومانة قلعت نظارتها الشمسية بدلع وقالت بنبرة فيها دلع أجنبي شوية:
"أهلاً يا رزان.. إزيك يا حبيبتي؟ أدهم جوه مش كده؟"
رزان ردت بجدية: "أيوه يا جومانة هانم، مستر أدهم موجود."
من غير ما تستنى إذن أو حتى تخبط، جومانة دخلت مكتب أدهم بطلة واثقة. جميلة كانت بتابع المشهد ده وهي حاسة بنار بدأت تأيد في قلبها، ملامحها اتغيرت مية وتمانين درجة، ومسكت كتف رزان بقوة خلت رزان تتخض:
"آه! فيه إيه يا جميلة؟"
جميلة سألتها وعينها لسه على باب المكتب اللي اتقفل:
"مين.. مين الصاروخ اللي لسه داخلة دي يا رزان؟ وإيه أدهم اللي بتقولها دي من غير ألقاب؟"
رزان اتنهدت وقالت بصوت واطي:
"دي جومانة، مساهمة معانا في الشركة، بس مابتيجيش كتير عشان عايشة أغلب وقتها في ألمانيا. وأهم مستثمرة عند مستر أدهم، وكانوا بيدرسوا مع بعض بره من سنين، وعشان كدة مابينهم صداقه، ومن كام سنة اتعاقدت شركتها مع شركة مستر أدهم."
جميلة عضت على شفايفها بغضب مكتوم،وكلام رزان بيتردد في ودنها. فضلت قاعدة مكانها بتغلي، وبدأت تعد في سرها بتركيز رهيب: "واحد.. اتنين.. تلاتة.."
رزان بصت لها بجهل: "جميلة؟ أنتي بتعدي إيه؟"
جميلة ماردتش، وكملت بجمود: "عشرة.. حداشر.. لا مش قادرة!"
فجأة قامت جميلة من مكانها وفتحت باب المكتب بشر بيطاير من عينيها. دخلت والغيرة واصلة لقمة رأسها، ولقت المشهد اللي كان كفيل يخلي أعصابها تفلت تماماً.
أدهم كان قاعد على الكنبة الجلد اللي في ركن المكتب، وجومانة قاعدة جنبه لازقة فيه بمعنى الكلمة. كانوا بيتكلموا وبيضحكوا بود غريب، وأدهم كان مرسوم على وشه ابتسامة واسعة، وماسك اللابتوب بيوريها حاجة.
أدهم أول ما شاف جميلة، ضيق بين حواجبه واستغرب دخلتها، وقال بنبرة فيها تحذير وبرود:
"جميلة؟ أنتي إزاي تدخلي كدة؟"
جميلة صوتها طلع حاد ومليان غضب، وقالت وهي بتبص لجومانة بتحدي:
"وأنت إزاي تسمح لنفسك تقعد القعدة دي يا مستر أدهم؟"
أدهم قام وقف بوقار وهيبة، وقال بصوت جهوري فيه نبرة غضب:
"جميــــلة!"
جميلة أول ما سمعت نبرة صوته العالية باسمها، حست بشيء اتكسر جواها. بصت له وعيونها مغلغلة بالدموع، نظرة عتاب قوية خلت أدهم السويسي يتنفض من جواه. الدموع كانت بتلمع في عينيها .
من غير ولا كلمة، لفت ضهرها وجريت لبره المكتب. أدهم ملامحه اتغيرت مية وتمانين درجة، ساب الورق من إيده وقام بسرعة وهو بينادي بلهفة:
"جميلة ..استني يا جميلة"
خرج وراها بسرعة، لكن جميلة كانت وصلت للأسانسير وضغطت على الزرار بانهيار، والباب اتقفل قبل ما إيده تلحق تلمسه. وقف أدهم قدام الباب المقفول وهو بيخبط عليه بقبضة إيده بغضب مكتوم، ونفخ بضيق وهو حاسس إن الدنيا اسودت في عنيه.
رجع أدهم لمكتبه وهو بيحاول يرسم ملامح الجمود تاني، لقى جومانة واقفة مكانها، بتبصله بشك وبتحاول تفهم إيه اللي بيحصل. سألته بصوت ناعم وفيه نبرة قلق:
"أدهم.. أنت كويس؟ هي البنت دي مالها؟"
أدهم قعد على مكتبه ببرود، وسحب اللابتوب قدامه وقال بلهجة قاطعة:
"أنا كويس يا جومانة.. مفيش حاجة، يلا نرجع لشغلنا عشان منضيعش وقت أكتر من كدة."
جومانة مقتنعتش، مالت بظهرها على المكتب وبصت له بتركيز وقالت:
"أدهم.. هي البنت دي حبيبتك؟ طريقتها ودخلتها دي مابتقولش إنها سكرتيرة أبداً."
أدهم فضل باصص في شاشة اللابتوب لثواني، صباعه فضل معلق على الكيبورد، وبعدين رفع عينه وبص لجومانة بنظرة هادية وواثقة وقال:
"لا مش حبيبتي.."
سكت ثانية واحدة كمل فيها بلهجة خلت جومانة تتصدم:
".. دي مراتي."
جومانة فتحت عينها بذهول، وحطت إيدها على بوقها من الصدمة:
"إيه؟! مراتك؟! أنت اتجوزت يا أدهم؟"
أدهم رد ببرود وهو بيرجع يكمل شغله:
"أيوه.. اتجوزت."
جومانة بصت له بعتاب حقيقي وقالت:
"تتجوز من غير ما تقولي؟ ده إحنا أصحاب من أيام الكلية، والعشرة اللي بينا مش قليلة يا أدهم عموماً.. ألف مبروك، بجد فاجئتني."
سكتت جومانة شوية وهي بتفتكر شكل جميلة وهي بتجري، وقالت بابتسامة خفيفة:
"بس على فكرة، هي واضح جداً إنها غيرانة، وعشان كدة زعلت وجريت لما شافتني قاعدة جنبك."
أدهم رد عليها من غير ما يرفع عينه، وبصوت جاف تماماً:
"أنا مبحبش الدلع يا جومانة، والشغل شغل.. الغيرة دي مكانها بره باب الشركة."
جومانة هزت رأسها بأسى وضحكت بقلة حيلة:
"يا ابني أنت مش هتتغير أبداً؟ طول عمرك دبش وطريقتك قاسية، البنت رقيقة وشكلها مبيتحملش، ارحمها شوية يا أدهم، مش كل الناس عندها أعصاب حديد زيك."
أدهم فضل باصص لشاشة اللابتوب، بس الحقيقة إنه مكنش شايف ولا كلمة من اللي مكتوبة. كلام جومانة "أنت مش هتتغير، طول عمرك دبش" رن في ودنه زي الجرس، وفجأة صورة جميلة وهي واقفة والدموع محبوسة في عينيها قفزت قدام خياله.
____________________________
في ركن دافي من فيلا محمود، كانت القعدة ليها طعم خاص، مزيج من حكمة السنين وهدوء النفوس. محمود كان قاعد وساند ضهره، وعينه على نادية اللي كانت ملامحها هادية ومطمئنة وهي بتسمع لـ منى، خالة علي.
منى مكنتش مجرد ضيفة، دي بقت مع الوقت الصديقة المقربة لنادية ومحمود، التلاتة بقوا بيلاقوا في كلام بعض ونس ليهم، بيسترجعوا ذكريات زمان ويحللوا أحوال الدنيا بخبرة ناس عاشوا وشافوا كتير. وسطهم كان يزن، حفيد العيلة زي ما محمود بقى بيعتبره، قاعد بيخلص واجباته الدراسية بعد ما رجع من مدرسته على الفيلا علطول، ومحمود مكنش بيفوّت لحظة إلا ويتابعه فيها بنظرة فخر، كأنه بيعوض فيه سنين فاتت.
فجأة، انقطع هدوء القعدة بدخول علي وياسمين، والضحكة كانت سبقاهم ومنورة وشوشهم بطريقة خلت الكل ينتبه. محمود قام من مكانه بلهفة الأب اللي مستني خبر يفرحه، ومنى وقفت وهي بتعدل شالها وقالت بلهفة:
"خبر إيه يا ولاد؟ تأخرتوا كدة ليه عند الدكتورة؟ طمنونا قلبي كان واكلني عليكم."
محمود سأل وصوته فيه نبرة حنين:
"ها يا علي.. طمن قلبي يا ابني، الدكتورة قالت لكم إيه؟"
علي مكنش قادر يخبي سعادته، بص لياسمين اللي كانت وشها أحمر من الخجل والفرحة، وقال بصوت عالي وواثق:
"الحمد لله يا جماعة.. ربنا رزقنا بأجمل هدية.. زي ما كنت بتمنى ، الدكتورة أكدت إنها بنت."
في ثانية، الفيلا اتقلبت لسرادق فرح؛ منى أطلقت زغرودة رنت في أركان المكان، ونادية ملامحها نورت بابتسامة واسعة وهي بتحاول تقلد زغاريد منى بفرحة، أما محمود ففتح دراعاته وحضن ياسمين بحنان أبوي حقيقي وقال لها:
"ألف مبروك يا بنتي، البنت رزق واسع وبركة بتملى البيت، تتربى في عزكم وتكون وش السعد علينا كلنا."
بعدها لف لعلي وحضنه بقوة، والاتنين قعدوا وسط العيلة وهما بيحكوا تفاصيل الزيارة. يزن اللي كان متابع المشهد ، ساب القلم من إيده وقرب من ياسمين بخجل، وعلي لقط نظراته فناداه بضحكة:
"تعالى يا بطل.. إيه رأيك في الخبر ده؟ طنط ياسمين هتجيب لنا بنوتة صغيرة."
يزن سأل ببراءة وهو بيبص لبطن ياسمين:
"يعني كدة طنط ياسمين حامل في بنوتة بجد؟"
ياسمين نزلت لمستواه ولعبت في شعره بحب:
"أيوه يا زوزو، بنوتة وهتكون شقية زيك كدة."
يزن سأل بفضول طفولي: "وهتسموها إيه؟"
علي رد وهو بيغمز له: "والله يا زوزو لسه بنفكر، بس المهم إنك أنت اللي هتكون مسؤول عنها، موافق؟"
ياسمين كملت وهي بتمسك إيد يزن الصغير: "أصلا يا يزن لما تيجي، أنت اللي هتاخد بالك منها وتلعب معاها، صح؟"
يزن هز راسه بحماس طفولي وعيونه لمعت بتحدي:
"أنا هفضل أشيلها دايماً، وهحميها من أي حاجة، ومش هخلي حد يزعلها أبداً..."
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخلت جميلة. كانت ملامحها باهتة وعيونها فيها أثر حزن واضح، ودموعها كانت لسه بتلمع من اللي حصل في المكتب مع أدهم. يزن أول ما شافها جري عليها وهو بيتنطط:
"جميلة! جميلة! الحقي طنط ياسمين هتجيب بنوتة، ووعدتني إني أنا اللي ههتم بيها لما تيجي"
جميلة بمجرد ما سمعت الخبر، وكأن فيه سحر مسح الحزن من على وشها؛ ابتسامتها رجعت نورت تاني، ونسيت وجعها من أدهم للحظات. جريت على ياسمين وحضنتها بقوة وهي بتبارك لها من قلبها:
"ألف مبروك يا ياسمين ... يا روحي بجد فرحتيني.. أحلى خبر سمعته النهاردة، البنات هما اللي بيحلّوا البيت والله."
قعدوا كلهم مع بعض، والضحكة رجعت تملى المكان، وجميلة بدأت تندمج في الكلام عن تجهيزات البيبي ، وكأن الخبر كان هو الدوا اللي محتاجاه عشان ينسيها قسوة اللي حصل.
_________________________________
في بيت علي الجديد، اللي كان عبارة عن فيلا صغيرة بلمسات عصرية دافية، كان الهدوء بيغلف المكان كله. ياسمين خرجت من الحمام وهي لابسة روب قطني مريح، وشعرها مبلول ومنسدل على كتفها، وبطنها بدأت تبرز بشكل جميل ومستدير، وكأنها شايلة جواها أغلى كنز في الدنيا.
كانت بتمسح شعرها بفوطة صغيرة وبتتحرك ببطء، وعينها جت على علي اللي كان قاعد على السرير، ساند ضهره وسارح تماماً في شاشة موبايله، لدرجة إنه مسمعش صوت خطواتها.
سابت الفوطة وقربت منه ،ميلت براسها بفضول وبصت في شاشة الموبايل، وفي لحظة فتحت عينيها بذهول وضحكة مكتومة بدأت تظهر على وشها. علي أول ما حس بوجودها وبنظراتها اللي اخترقت خصوصية البحث بتاعه، انتفض مكانه، وقفل الموبايل بسرعة وحطه تحت المخدة، وبدأ يمسح على شعره بإحراج وتوتر واضح، وكأنه طالب اتمسك بيغش في لجنة امتحان.
ياسمين بضحكة رقيقة قالت له:
"علي.. حبيبي، بجد؟ أنت كنت بتقرأ مقال عن كيفية التعامل مع ابنتك في سن المراهقة؟ إحنا لسه في الشهر الخامس يا علي! لسه بدري أوي على الكلام ده، أنت بتقرأ هتعاملها إزاي لما تكبر، وهي لسه يدوب بتتحرك خبطات بسيطة جوه ،أنت شاغل بالك بمرحلة هتحصل كمان 14 سنة؟"
علي حاول يداري توتره، بس الابتسامة خانته وقال بجدية مصطنعة:
"أنا بس بستعد يا ياسمين.. البنت مش زي الولد، محتاجة معاملة خاصة، وعايز أكون جاهز لكل مرحلة في حياتها. مش عايزها في يوم تحس إني مش فاهمها، أو إن فيه فجوة بيننا. عايز أكون أب كويس لبنتي."
ياسمين اتأثرت جداً بكلامه، مالت عليه وحضنته بحنان، وهو لف دراعه حواليها وقربها منه أكتر، وكأنه بيحتويها هي والبيبي في حضنه. ياسمين همست بصوت دافي:
"أنا واثقة إنك هتكون أفضل أب في الدنيا.. حنيتك دي وخوفك عليها من دلوقتي، هما اللي هيخلوها تطلع أسعد بنت في العالم."
علي بصلها بعمق وسألها بتوتر طفولي: "بجد يا ياسمين؟ تفتكري هعرف؟"
ياسمين هزت راسها بثقة وهي بتبتسم، وبدأت ملامحها تدبل من التثاؤب بنوم وهدوء: "أيوة يا حبيبي، هتعرف وأكتر كمان.. ياللا بقى ننام عشان أنا والكتكوتة دي محتاجين نرتاح."
علي باس راسها المبلولة اللي كانت ريحة الشامبو طالعة منها ومنعشة جداً، واستناها لحد ما غمضت عينيها واستسلمت للنوم وهي في حضنه. وبمجرد ما اتأكد إنها راحت في النوم، سحب موبايله تاني براحة، وفتحه وكمل قراءة المقال بتركيز رهيب، وكأنه بيذاكر لأهم امتحان في حياته.
______________________________
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
في جناح أدهم وجميلة بالقصر، كان الجو هاديء ومحمل بريحة عطرها اللي بتملى المكان. جميلة كانت واقفة قدام التسريحة، بتراجع آخر لمساتها؛ الروج الأحمر الصارخ كان راسم شفايفها بدقة مذهلة، ومخلي بشرتها تنور زي اللؤلؤ، والفستان الأحمر بفتحة الصدر الرقيقة وطوله اللي واصل للركبة كان مبرز أنوثتها بطريقة تسحر أي حد يشوفها، وخصوصاً شخص معين .
فجأة، سمعت صوت عربية أدهم وهي داخلة القصر، جريت على الشباك وفتحت الستاير الدانتيل، شافته وهو نازل من العربيّة، قالع الجاكيت وراميه على ساعد إيده، وماشي بخطوات واثقة رغم علامات الإرهاق اللي مرسومة على وشه من يوم طويل وشغل مبيخلصش.
جميلة بذكاء أنثوي، جريت بسرعة على السرير، قعدت وحطت رجل على رجل بوضعية فيها دلال وأنوثة طاغية، وسحبت كتاب كان محطوط جنبها، وعملت نفسها مندمجة في القراءة تماماً. ثواني، وباب الجناح اتفتح، جميلة بلعت ريقها بصعوبة وحست بقلبها بيدق في ودنها، لكنها فضلت ثابتة وعينها على السطور، مابتتحركش.
أدهم أول ما دخل، اتسمر مكانه عند الباب. كان متوقع يدخل يلاقيها نايمة، أو حتى بتبكي من أحداث الصبح، لكن المنظر اللي قدامه خلاه ينسى تعبه وينسى هو مين أصلاً. الأحمر.. نقطة ضعفه الأولى والأخيرة، وجميلة في الأحمر كانت حرفياً خطر على أعصابه.
قفل الباب وراه ببطء وهو لسه عينه منزلتش من عليها، رمى الجاكيت على الكنبة بإهمال، وبدأ يقرب منها بخطوات هادية ومسموعة، صوت خطواته على السجاد كان بيزود توتر جميلة اللي كانت صوابعها قابضة على ورق الكتاب بقوة لدرجة إن الورق بدأ يتكرمش تحت إيدها.
أدهم وقف قدامها بالظبط، ظلّه غطى الكتاب اللي في إيدها، فمال براسه شوية وهمس بصوته الرخيم اللي بيخلي كيانها يتهز:
"واضح إن الكتاب ممتع جداً لدرجة إنك مش حاسة باللي داخل الجناح.. ولا ده نوع جديد من أنواع العقاب يا جميلة هانم؟"
جميلة رفعت عينها ببطء، وحاولت ترسم نظرة باردة رغم البركان اللي جواها، وقالت بصوت ناعم ومستفز:
"أهلاً مستر أدهم.. حمد لله على السلامة. الكتاب فعلاً ممتع، بيتكلم عن الثبات الانفعالي في مواجهة الشخصيات الصعبة، ولقيت فيه معلومات مفيدة جداً لشغلي في الشركة."
أدهم ابتسم ابتسامة جانبية خطفت أنفاسها، ومد إيده ببطء شديد، سحب الكتاب من بين إيديها ورماه على السرير وراها، وقرب منها أكتر لحد ما بقى مفيش بينهم غير سنتيمترات، وهمس وهو باصص لعيونها بتركيز:
"سيبي الثبات الانفعالي للشركة يا جميلة.. إحنا هنا في مملكتنا، واللون الأحمر ده مبيقولش إنك عايزة تقرئي خالص.. الأحمر ده بيقول إن فيه قطة عايزة تصالح حبيبها، بس كبريائها مأخرها شوية."
جميلة حاولت تداري ارتباكها وقالت وهي بتبعد وشها:
"ومين قال إني بصالحك؟ إنت لسه معتذرتش اعتذار رسمي على اللي حصل الصبح."
أدهم ضحك بخفوت، ورفع إيده ولمس خصلة من شعرها الحريري، وبعدين نزل بصباعه لحد ما لمس طرف شفايفها اللي بلون الكريز ،وقال بنبرة مراوغة:
"والاعتذار الرسمي عند أدهم السويسي مبيكونش بالكلام.. بيكون بالفعل. وأنا النهاردة ناوي أعتذر لحد ما تقولي اكتفيت ... إيه رأيك؟"
أدهم أول ما شاف لمعة الدموع في عينيها، ملامحه لانت تماماً والجمود اللي كان راسم على وشه اتمسح في ثانية. نبرة صوتها المرتعشة كانت بتخزق في قلبه، وحس إن السخرية اللي في كلامها طالعة من وجع حقيقي مش مجرد غيرة عادية.
جميلة وهي بتبعد وشها عنه وبتحاول تمسح طرف عينها بسرعة:
"أنا الغلطانة إني دخلت من غير إذن، كان المفروض أخبط وأستنى لحد ما تخلصوا ضحككم ... أسفة إني بوظت عليكم اللحظة الشاعرية دي، كان ناقص بس أجبلكوا اتنين لمون عشان الجو يكمل، مش كده يا أدهم بيه؟"
أدهم محركش إيده، بالعكس، ضغط برقة على كتافها وقعد جنبها على طرف السرير، ولف وشها ليه بإيده التانية وخلاها تبص له غصب عنها. همس بنبرة هادية :
"خلصتي؟"
جميلة لوت بوزها بطفولة وعناد وهزت راسها بـ "لأ"، فأدهم كمل وهو باصص لعيونها بتركيز:
"أولاً.. مفيش حاجة في الدنيا اسمها أدهم بيه وأنتي معايا هنا، أنتي عارفة إنك النفس اللي طالع ونازل مني. ثانياً.. اللمون ده تشربيه أنتي عشان تهدي أعصابك، لأن جومانة دي بالنسبة لي مجرد ورق وعقود، واللزقة اللي شوفتيها دي طريقتها المستفزة،هي عايشة طول عمرها في ألمانيا وده أسلوبها ."
جميلة صوتها طلع مخنوق بالدموع:
"بس كنت بتضحك يا أدهم.. كنت بتضحك معاها بصوت عالي، وأنا لما دخلت قلبت وشك عليا وزعقتلي"
أدهم اتنهد تنهيدة طويلة وسحبها لحضنه بقوة، ودفن راسه في رقبتها وهو بيشم ريحة عطرها اللي بتجننه، وقال بصوت واطي:
"ضحكت عشان كانت بتحكي على خساير الشركة المنافسة، وده بيزنس يا جميلة. وزعقت ليكي عشان خفت عليكي.. خفت جومانة تاخد عنك فكرة إنك ضعيفة أو مهزوزة، وأنا عايزك قدامها وقدام الكل الكل يتمنى يلمس طرف فستانك. أنتي مش مجرد زوجة، أنتي برنسيسة السويسي."
بدأ يبوس كف إيدها برقة وهو بيكمل:
"وبعدين، هو فيه حد بيلبس الأحمر ده وبيبقى قمر كدة ويفضل زعلان؟ أنتي عارفة إن الفستان ده والروج ده هما نقطة ضعفي اللي محدش يعرفها غيرك وعشان كده قصدتي تلبسيه النهاردة"
جميلة بدأت تهدأ ودقات قلبها تنتظم وهي في حضنه، بصت له بطرف عينها وقالت بدلع:
"يعني جومانة دي وحشة؟"
أدهم ضحك بصوته كله وهو بيشيلها فجأة من على السرير:
"وحشة وبشعة ومبشوفش غيرك.. ها؟ نرضى بقى ولا أطبق عليكي قانون الجزاءات بتاع مستر أدهم؟"
جميلة ضحكت غصب عنها وتعلقت في رقبته:
"خلاص.. سامحتك، بس بشرط.. مفيش ضحك مع أي ست تاني ،مفهوم؟"
أدهم بصلها بعمق، وعيونه اللامعة كانت بتقول كلام أكتر من اللي شفايفه نطقته. سحبها براحة من إيدها وخلاها تقعد قدام التسريحة وهي مدياله ضهرها، ووقف هو وراها بهيبته اللي بتملا المكان.
مكتفاش باعتذاره بس ،بكل رقة وعشق، بدأ يلم خصلات شعرها الحريرية اللي كانت مفرودة على ضهرها، ورفعها وحطها على كتفها ببطء، وكأن كل لمسة منه هي قصيدة حب مكتوبة بلمسات إيده.
 جميلة كانت باصة لصورته في المراية وقلبها بيدق لدرجة إنها حاسة إن أدهم سامع دقاته.
فجأة، طلع من جيبه علبة قطيفة زرقاء ملكية، وفتحها بهدوء.. لمعة السوليتير خطفت عيون جميلة. أدهم طلع العقد اللي كان عبارة عن تحفة فنية؛ خيوط من الألماس المتشابكة بدقة متناهية، وفي منتصفها جوهرة ياقوت باللون الأحمر القاني، لونها كان ماتش جداً مع لون فستانها ولون شفايفها، وكأنها قطعة ناقصة من جمالها النهاردة.
أدهم ميل عليها، ولف دراعه حوالين رقبتها وهو بيلبسها العقد، وصوابعه الدافية لمست بشرتها بخفة خلت جسمها كله يتنفض. قفل العقد وبص لصورتها في المراية، والجوهرة الحمراء كانت بتلمع على رقبتها ببريق ساحر.
جميلة رفعت إيدها ولمست العقد بذهول وانبهار، وقالت بصوت هامس:
"أدهم.. ده جميل أوي، كتير عليا بجد."
أدهم لفها ليه وخلاها تواجهه، ومسك إيديها الاتنين وباسهم بحنان وقال بنبرة مليانة صدق:
"مفيش حاجة في الدنيا كتير عليكي يا جميلة.. دي هدية بسيطة جداً عشان كنت السبب في إن دموعك تنزل النهاردة. أنا ميهونش عليا أشوف لمعة الوجع في عينيكي، والجوهرة دي لونها بيفكرني بيكي.. قوية..نادرة ،بتخطف قلبي في ثانية."
جميلة مقدرتش تقاوم حنيته دي، رمت نفسها في حضنه ودفنت راسها في صدره وهي بتستنشق ريحته اللي بتطمنها. أدهم حوطها بدراعاته وقفل عليها بتملك وعشق، وكأنه بيخبيها من الدنيا كلها جوه ضلوعه، وهمس في ودنها بصوت كله مشاعر:
"بحبك يا جميلة.. بموت فيكي، ومستعد أحارب العالم كله بس ملمحش دمعة في عينيكي تاني."
جميلة ضغطت على قميصه وقالت بابتسامة دافية وسط حضنه:
"وأنا بعشقك يا أدهم.. ومسامحاك على كل حاجة، بس خليك دايماً أدهم بتاعي أنا وبس."
رد بعشق وبنبرة هيمانة :"أنا ملكك يجميلة.. ملكك انتي وبس ياحبيبتي ."
_______________________________
في شقة بسيطة في حي شعبي من أحياء القاهرة، الحيطان المتشققة باين عليها الفقر ، كان قاعد ...طفل ميكملش عشر سنين، بس اللي يشوف الجدية اللي مرسومة على وشه والرزانة اللي في عينيه، يحس إنه شاب لف الدنيا وفهم ألاعيبها بدري أوي.
كان غرقان وسط كتبه، بيذاكر بهدوء مبيقطعهوش غير صوت ورق بيتقلب من وقت للتاني، لحد ما جاله صوت والدته الضعيف والمبحوح من الأوضة اللي جنبه:
"سليم.. يا سليم."
قام سليم في ثانية، ساب قلمه بنظام ودخل لأمه.. ست في أواخر الأربعينات، بس المرض آاكل من ملامحها ومنشف عودها، والسرطان راسم تعبه وشحوبه على وشها بوضوح. قرب منها بلهفة وقلق :
"نعم يا ماما.. خضرتك محتاجة حاجة؟"
ابتسمت بوهن وهي بتمسح على شعره بإيد مرتعشة:
"بتعمل إيه يا حبيبي؟"
"كنت بذاكر يا ماما.. عشان عندي درس كمان شوية."
بصت له بعيون مليانة دمع ودعاء:
"أيوة كدة يا سليم.. عايزك تذاكر وتشد حيلك عشان تبقى دكتور وتشرفني، وتنسيني تعبي فيك يا حبيبي. أنت اللي باقي لي في الدنيا دي، وإحنا ملناش غير بعض."
سليم هز راسه بوقار وسكوت، وحس بتقل المسؤولية اللي الأيام رمتها على كتافه من غير استئذان. بص في ساعة الحائط القديمة وقال بصوت هادي:
"ميعاد درسي جه يا ماما.. هروح وأنا جاي هجيب لك الدوا معايا."
غطاها بحنان واتطمن إنها ارتاحت، وخرج وقفل الباب وراه براحة جداً. أخد شنطته وكتبه، وقبل ما يفتح باب الشقة، عينه راحت تلقائياً لصورة قديمة متعلقة على الحيطة المتشققة.
صورة لراجل كبير، ورغم سنه، إلا إن ملامح القسوة والشر كانت باينة في نظرة عينيه...
سليم وقف قدام الصورة، وهمس بنبرة فيها غل مكتوم ووعد بالانتقام:
"أوعدك يا بابا.. هاخد بالي من ماما، وهجيب حقنا من عيلة السويسي. هخلي أدهم السويسي يندم إنه ظلمك وسجنك لحد ما مت بحسرتك ورا القضبان.. وانا مكانش من حقي حتى إني أحضر عزاك."
خرج سليم من الشقة، وفي قلبه نار مش هتطفيها الأيام، نار وقودها الانتقام من الراجل اللي فاكر إنه دمر عيلته، وفي الوقت اللي أدهم فيه كان بيعيش أجمل لحظات حياته، كان فيه شبح بيكبر في الضلمة ..الكره والانتقام مالين قلبه، يستعد عشان يهد القصر ده كله على دماغ اللي فيه.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الشمس بدأت تتسلل من بين فتحات الستائر الدانتيل، وترسم خيوط دهبية هادية على ملامح جميلة اللي كانت غرقانة في نوم عميق. أدهم صحي قبلها بشوية، وفضل ساند راسه على إيده وهو بيتأملها بنظرة كلها حنان وشوق، كأنه بيحاول يحفظ ملامحها وتفاصيل وشها اللي بيعشقها للمرة الألف.
شعرها الأسود الحريري كان مفرود على المخدة بشكل عشوائي وجميل، ورموشها الطويلة كانت راسم ظل خفيف على خدودها اللي وردت من أثر النوم. أدهم مكنش قادر يقاوم الجمال ده، فبدأ يمرر صوابعه برقة متناهية على طرف مناخيرها، وبعدين نزل ببطء لمس شفايفها بطرف صباعه وكأنه بيرسم لوحة فنية.
جميلة بدأت تتحرك ببطء، وفتحت عينيها بتثاقل من أثر لمساته الحنينة، وأول ما عيونها جت في عيونه، اتسمرت مكانها وابتسامة رقيقة نورت وشها.
أدهم همس بصوت رجولي دافي:
"صباح الفل والورد على أجمل جميلة شافتها عيني.. أنتي عارفة إن شكلك وإنتي صاحية بيبقى أحلى بكتير من أي وقت تاني؟"
جميلة ردت بصوت ناعم ومبحوح من أثر النوم، وهي بتخبي وشها في صدره بكسوف:
"صباح النور يا حبيبي.. إنت صاحي من بدري وبتراقبني كدة؟؟"
أدهم ضحك بخفة وضمها ليه أكتر وباس راسها بعمق:
"وأنا عندي إيه أهم من إني أراقب نبض قلبي وهو نايم ومطمن في حضني؟ بس للأسف، مضطر أقطع اللحظة دي عشان ألحق أجهز.. هاخد شاور سريع وأطير على الشركة، عندي اجتماعات مهمة اوي النهاردة."
جميلة اتنهدت وسندت ذقنها على صدره وبصتله بعيون لسه فيها أثر النوم:
"تمام يا حبيبي، ربنا يوفقك.. وأنا كمان هقوم أجهز، ورايا محاضرتين مهمين في الكلية، وبعد ما أخلص هعدي عليك في الشركة عشان أكمل بقية الشغل مع رزان."
أدهم قام ببطء من السرير، وهو بيعدل شعره وباس إيدها بحب وشوق:
"ماشي يا حبيبي.. مستنيكي تنوري الشركة وتعدلي مزاجي بوجودك.. بس خلي بالك من نفسك، مفهوم؟"
دخل أدهم الحمام، وصوت المية بدأ يملأ المكان. جميلة فضلت ممدة مكانها لثواني، حاولت تقوم وتفرد جسمها، بس فجأة حست بتقل غريب في كتافها.. إحساس بالخمول والإرهاق كأنها منمتش بقالها أيام.
غمضت عينيها تاني وهي بتتمطع بكسل، وبدأت تحس بدوران خفيف في راسها، وكأن الغرفة بتلف بيها لثانية واحدة. حطت إيدها على جبهتها وقالت بصوت واطي ومستغرب:
"هو فيه إيه؟ مالي حاسة إني هبطانة كدة ليه؟"
أدهم خرج من الحمام بالبرنس الأبيض ،وبعدها دخل غرفة اللبس وساب جميلة غرقانة في أفكارها، ثواني وخرج وهو لابس قميصه الكحلي الأنيق اللي مبرز هيبته، وكان لسه رشش من عطره القوي المميز اللي جميلة كانت دايماً بتقول إنه بيخدر أعصابها من كتر ما بتعشقه.
أول ما قرب من السرير عشان يبوس راسها قبل ما ينزل، جميلة فجأة ملامحها اتغيرت تماماً.. انكمشت في مكانها وضمت حواجبها بضيق واضح، وحست بقلبة معدة مش طبيعية. ريحة البرفان اللي كانت بتموت فيها، فجأة اتحولت لطلقات بتضرب في معدتها ،وحسستها بغثيان مفاجئ لدرجة إنها كتمت نفسها بإيدها.
أدهم لاحظ حركتها واستغرب جداً، وقف مكانه وقرب منها بقلق:
"مالك يا جميلة؟ فيه حاجة وجعاكي؟ وشك قلب أصفر مرة واحدة ليه يا حبيبتي؟"
جميلة حاولت تسيطر على نفسها وتطرد إحساس التعب ده، بلعت ريقها بصعوبة ورسمت ابتسامة باهتة على وشها وهي بتحاول تبعد نظرها عن صدره اللي ريحة العطر طالعة منه بقوة:
"مفيش يا حبيبي.. أنا كويسة، تلاقيه بس إرهاق من قلة النوم. متقلقش نفسك، أنا قايمة أهو أجهز عشان متأخرش على المحاضرة."
أدهم فضل باصص لها بشك، ومد إيده حطها على جبهتها يتطمن على حرارتها:
"متأكدة؟ لو حاسة بتعب بلاش تروحي الكلية النهاردة وخليكي ارتاحي في البيت."
جميلة قامت ببطء وهي سانده على السرير، وحاولت تبين إنها طبيعية جداً رغم إن الدنيا بتلف بيها:
"لا والله يا أدهم، أنا زي الفل.. ياللا روح إنت عشان متتأخرش، وأنا هحصلك على طول."
أدهم باس إيدها وهو لسه قلبه مش مطمن، ودعها وخرج من الجناح، وأول ما قفل الباب، جميلة جريت على الحمام وهي مش قادرة تمسك نفسها أكتر من كدة.
_________________________________
في بيت علي.
 علي كان واقف قدام المراية، لابس قميصه الأبيض الناصع اللي مبرز عرض كتافه، بيحاول يربط الجرافتة. فجأة، الباب اتفتح ودخلت ياسمين بطلتها الرقيقة؛ كانت لابسة عباية بيتي لونها موف هادي، وشعرها مفرود ونازل على كتافها بنعومة زادتها جمال.
ياسمين ابتسمت لما شافته محتاس، وقربت منه بدلع وهي بتقول:
"هات يا علي.. طول عمرك بتغلب ومبتعرفش تربطها ،هات أربطهالك أنا."
مدت إيدها وبدأت تظبط الجرافة بمهارة وحب، وعلي في اللحظة دي مضيعش الفرصة؛ حاوط وسطها بإيديه وقربها منه أوي، لدرجة إن بطنها اللي بدأت تكبر وتدور من الحمل خبطت في جسمه. ياسمين رفعت عيونها ليه بضحكة خجولة وقالت:
"علي.. بس بقى، خليني أعرف أربط لك الجرافة عشان متتأخرش على الشركة."
علي ابتسم بمكر وقرب وشه من وشها أكتر:
"اربطيها يا حبيبتي.. هو أنا عملت حاجة؟ أنا بس بسند أميرتي الصغيرة وأمها، ولا ده كمان ممنوع؟"
ياسمين كملت ربط الجرافة وهي بتحاول تداري كسوفها من نظراته الهيمانة:
"مش ممنوع، بس إنت كدة بتوترني.. وبعدين أدهم زمانه على وصول أو مستنيك."
علي سكت لثواني وهو بيتأمل ملامحها، وبعدين همس بحنان:
"تعرفي يا ياسمين.. كل يوم بشوفك فيه بحس إن ربنا راضي عني أوي إنه رزقني بيكي. ومع البنوتة اللي جاية دي، حاسس إن دنيتي خلاص كملت ومش عايز حاجة تاني من الدنيا."
ياسمين سندت إيدها على صدره بعد ما خلصت، وقالت بفضول وتفكير:
"بمناسبة البنوتة بقى.. قولي يا علي، بجد نسميها إيه؟ الأسماء كتير والواحد بدأ يتوه."
علي رجع شعره لورا وقال بتفكير:
"أممم.. مش عارف، فيه كذا اسم في دماغي وبسمع اقتراحات كتير، بس أنا فكرت في حاجة تانية خالص."
ياسمين رفعت حاجبها وسألته باهتمام:
"حاجة إيه؟ قولي شوية من اللي في دماغك."
علي مسك إيديها وباس باطن إيدها برقة وقال بنبرة واثقة:
"بصي يا ستي.. إحنا أول ما نشوفها، والجوهرة دي تنور دنيتنا، هنسميها ساعتها.. الاسم اللي هنحس إنه لايق على ملامحها وشكلها هو اللي هنختاره. مش عايز أظلمها باسم من دلوقتي وهي لسه مجتش، أول ما عيني تقع في عينها، الاسم هيطلع لوحده."
ياسمين فكرت لثواني، وابتسامة رضا اترسمت على وشها:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"تعرف إن فكرتك صح؟ فعلاً، الملامح هي اللي بتختار الاسم.. وأنا موافقة، خليها من غير اسم لحد ما تشرف."
علي باس جبينها بقوة، وشد جاكت البدلة بتاعه ولبسه وهو بيغمز لها:
"اتفقنا يا ست الكل.. ياللا بقى، ادعيلي النهاردة اليوم طويل، خلي الموبايل جنبك عشان لما أتصل بيكي."
خرج علي من الأوضة، وياسمين فضلت واقفة مكانها وهي بتحسس على بطنها وبتبتسم، مستنية اليوم اللي هتشوف فيه الاسم اللي هيليق على ملامح بنتها.وخرجت من الأوضة تجهز الشاي اللي بتشربه مع منى كعادتهم بعد ما علي يروح شغله.
__________________________________
في مكتب أدهم، كان الجو مشحون بتركيز الشغل. محمود كان قاعد قدام أدهم والملفات مفرودة بينهم، وبعد نقاش طويل في تفاصيل صفقات الشركة الجديدة المشتركة بينهم،أدهم قال بصوت حازم:
"يا بابا، العرض اللي مقدمينه الألمان في صفقة الماكينات الجديدة مبالغ فيه جداً.. هما فاكرين إننا عشان بنوسع خط الإنتاج في مصنع أكتوبر، يبقى هنوافق على أي رقم يحطوه."
محمود هز راسه بتفكير ورد بهدوء:
"معاك حق يا أدهم، بس بص للناحية التانية.. الماكينات دي بتوفر 30% من استهلاك الطاقة، وبتطلع جودة نمر معينة في الأقمشة إحنا محتاجينها عشان ننافس في السوق الأوروبي. لو استرخصنا دلوقتي، هندفع التمن صيانة وتأخير بعدين."
أدهم قفل الملف وقال وهو بيبص لمحمود:
"أنا مش ضد الجودة، أنا ضد الاستغلال.. أنا طلبت من علي يراجع عروض شركات تانية في إيطاليا، ووصلنا لأسعار أقل بنسبة 15% وبنفس المواصفات الفنية. ليه نرمي الفلوس دي في الأرض؟"
( إوعى الهبد في التجارة وأنا كل معلوماتي في البيع والشراء إن الزبون دايما على حق 🙂)
محمود ابتسم بفخر من طريقة تفكير أدهم:
"برافو عليك.. دايمًا نظرتك أبعد. طيب وبالنسبة لمناقصة الحكومة لفرش الفنادق الجديدة؟ رزان بلغتني إن فيه شركات داخلة بأسعار حرق، وده ممكن يخلينا بره الحسبة لو صممنا على هامش الربح بتاعنا."
أدهم سند كوعه على المكتب وقرب من محمود:
"مش هقلل مليم من السعر اللي حطيناه  يا بابا. إحنا بنقدم خامات قطنية 100%، والشركات اللي بتحرق أسعار دي بتشتغل في البوليستر والمخلوط. أنا هعتمد في الملف بتاعنا على البراند بتاعنا وتاريخنا.. أدهم السويسي مبينافسش في الرخيص، إحنا بننافس في اللي بيعيش."
محمود اتنهد بارتياح:
"تمام، كدة رؤيتك واضحة. أنا هسيبك أنا بقى تكمل اللي وراك، كفاية عليا شغل النهاردة."
أدهم رفع عينه من الورق وسأله باهتمام:
"على فين يا بابا؟ مش هنتغدى سوا؟"
محمود ابتسم وهو بيعدل جاكت بدلتة:
"لا يا حبيبي، هقعد في المكتب هنا شوية أخلص كام تليفون، وبعدين هروح البيت أرتاح.. السن له أحكامه برضو."
أدهم رد :
"ماشي يا غالي، وأنا وجميلة هنيجي بالليل ونتجمع كلنا ونسهر.. سلملي على طنط نادية لحد ما أشوفها بليل."
أول ما محمود خرج وقفل الباب، أدهم اتنهد تنهيدة طويلة وسند ضهره لورا. رغم زحمة الشغل، إلا إن صورة جميلة وهي تعبانة ومنكمشة الصبح مكنتش بتفارق خياله. قلبه مكانش مطمن.
من غير تفكير، طلع موبايله واتصل بيها، وبمجرد ما جاله الرد، صوته طلع مليان لهفة:
"أيوة يا جميلة.. إنتي كويسة؟ طمنيني عليكي، لسه حاسة بتعب؟"
ردت جميلة وصوتها هادي بس فيه نبرة غريبة حاول أدهم يفسرها:
"أنا كويسة يا حبيبي متقلقش.. أنا خلاص قربت أخلص المحاضرة، وهاجي على الشركة فوراً.. متخافش عليا."
أدهم غمض عينه براحة وهو بيسمع صوتها:
"ماشي يا حبيبي.. الحمد لله إنك أحسن. خدي بالك من نفسك وإنتي جاية، وأول ما توصلي اطلعيلي علطول.. هستناكي."
__________________________________
كانت جميلة ماشية في طرقة الكلية، وصوت كعب جزمتها بيخبط على الأرض بانتظام وسرعة بتعكس التوتر اللي جواها. كانت ضامة شنطتها على صدرها بقوة، وإيدها محاوطة الكيس الصغير اللي جابته من الصيدلية ومخبياه في أعمق ركن في الشنطة، كأنها شايلة سر خطير خايفة عيون الناس تخترقه.
وقفت ثواني قدام باب الكلية الخارجي، وخدت نفَس عميق وهي بتبص للسما، وبتحاول تهدي ضربات قلبها اللي بقت زي الطبول. فكرت تدخل حمام الكلية وتخلص من الحيرة دي، بس رجعت في كلامها بسرعة وقالت لنفسها بقلب مقبوض:
"لأ.. مش هنا يا جميلة. المكان هنا زحمة ودوشة، وأنا محتاجة أكون لوحدي.. محتاجة استوعب الصدمة براحتي. هعمله لما أروح البيت، وكمان عشان متأخرش على أدهم ويقلق عليا."
طلعت موبايلها وطلبت عربية الشركة اللي أدهم بعتها لها، وركبت وهي طول الطريق باصة من الشباك، بس مش شايفة الشوارع ولا الناس.. هي شايفة خيال طفل صغير بملامح أدهم، وشايفة نظرة عين أدهم لما يعرف الخبر ده.. طول الطريق وهي بتفكر يا ترى لو إحساسها طلع صح هتعرف أدهم إزاي؟ لازم تبقى حاجة مميزة تليق بـ أدهم السويسي."
وصلت الشركة، ودخلت من الباب الزجاجي الضخم على مكتبها مع رزان .رزان أول ما شافتها قامت بابتسامة:
"أهلاً يا جميلة.. مستر أدهم مستنيكي جوه، وقالي أول ما توصلي تدخليله فوراً."
جميلة هزت راسها بابتسامة باهتة، وحاولت تتماسك. وصلت قدام مكتبه، خبطت ودخلت، لقت أدهم قاعد ورا مكتبه، أول ما شافها قام وقف وفرد دراعاته بلهفة:
"نورتي يا ست البنات.. اتأخرتي ليه؟ قلبي كان واكلني عليكي ."
جميلة قربت منه وحاولت تداري ارتباكها، ورمت شنطتها اللي فيها الاختبار على الكنبة ببعثرة، وقالت بنبرة حاولت تخليها طبيعية:
"المحاضرة طولت شوية يا حبيبي، والطريق كان زحمة.. أنا كويسة أهو قدامك، زي الفل.".
أدهم ضيق عينيه بتركيز وهو بيقرب منها، ومسك إيديها الاتنين وباسهم:
"وشك لسه شاحب يا جميلة.. واللمعة اللي في عينيكي دي وراها حاجة. أنتي متأكدة إنك مش مخبية عني تعبك ؟"
جميلة ضحكت بخفة وهي بتتهرب من نظراته :
"مخبية إيه بس يا أدهم؟ قولتلك إرهاق.. وبعدين أنا جعانة جداً، مش هنطلب غدا بقى ولا إيه؟"
أدهم ضحك وشدها لحضنه:
"من عيوني.. هطلب لك أحلى غدا في الدنيا، بس بشرط.. تخلصي طبقك كله، عشان ترجعي "
جميلة المنورة اللي أعرفها."
جميلة استخبت في حضنه وهي بتفكر في اللي في الشنطة، وبتقول في سرها: "يا حبيبي يا أدهم.. لو عرفت اللي في الشنطة ده، مش هتطلب غدا، إنت هتطلب تقيم حفلة ."
أدهم سحب الموبايل وطلب الغدا، وطول ما هو بيتكلم في التليفون، عينه مكنتش بتفارق جميلة اللي كانت بتلعب في صوابعها بتوتر. أول ما قفل، قام وقف وراح ناحية الكنبة عشان يجيب الشنطة يحطها جنبها، جميلة شهقت بخوف وقامت وقفت بسرعة:
"أدهم! بتعمل إيه؟"
أدهم وقف مكانه واستغرب رد فعلها العنيف:
"فيه إيه يا جميلة؟ هجيب لك الشنطة عشان لو عايزة تطلعي موبايلك، مالك اتخضيتي كدة ليه؟"
جميلة جريت وأخدت الشنطة من إيده بلهفة وضحكت ب ارتباك:
"لا.. مفيش، بس فيها ورق مهم للكلية خايفة يتكرمش.. سيبها أنا هحطها جنبي هنا."
أدهم ربع إيده وبص لها بنظرة شك قاتلة، وقرب منها خطوة بخطوة لحد ما حاصرها بينه وبين المكتب، وهمس بصوت رخيم:
"جميلة.. إنتي النهاردة مش طبيعية. والشنطة دي فيها ايه. تحبي أعرف لوحدي، ولا تقولي أنتي وبكل هدوء؟"
جميلة بلعت ريقها وصوت ضربات قلبها كان مسموع، وبصت لعينيه السوداء اللي بتخترقها، وحست إنها لو فضلت ثانية كمان هتنهار وتقوله كل حاجة، بس يشاء القدر إن تليفون باب الكتب يخبط ويدخل علي اللي استغرب وضعهم :"فيه ايه يا جماعه ..مالكم؟"
أدهم اتنفخ بضيق وهو بيبعد عنها:
" الله يخربيتك يا أخي ،دايماً بتيجي في الوقت الغلط."
جميلة اتنفست الصعداء وضمّت الشنطة لصدرها وهي بتقول في سرها: "يا رب عدي اليوم ده على خير لحد ما أوصل البيت وأعرف .. أنا أعصابي باظت خلاص"
_________________________________
سليم كان قاعد على الأرض، ساند ضهره على السرير القديم وفاتح كشكوله بيحل واجباته، بس عينه كانت بتراقب كل حركة بتعملها والدته. شافها وهي بتلبس عبايتها السمرا وبتظبط حجابها بإيد مرتعش.
سليم بصلها بتوجس وسألها:
"ماما.. أنتي رايحة فين؟ أنتي تعبانة ومينفعش تنزلي لوحدك."
قربت منه بابتسامة حزينة، ولمست شعره بحنان وهي بتحاول تطمنه:
"راحة مشوار مهم يا حبيبي.. مش هغيب عنك، هروح وأرجعلك على طول."
هز راسه وسكت، بس قلبه مكنش مطمن، حس إن المشوار ده وراه سر كبير، وفضل باصص لأثرها لحد ما قفلت الباب.
نزلت من البيت بكل قوتها اللي استجمعتها، ركبت تاكسي وطلبت منه يروح لعنوان مجموعة شركات السويسي. وصلت قدام البرج الزجاجي الضخم، نزلت وبصتله بنظرة تحدي. دخلت وسألت عن مكتب محمود بيه، وطلعت بالأسانسير للدور الأخير. وقفت قدام السكرتارية اللي بصت لها باستغراب من هيئتها البسيطة وسط المكان الفخم ده:
"أي خدمة يا مدام؟ حضرتك عايزة مين؟"
ثريا ردت بصوت ثابت رغم تعبها:
"محمود بيه موجود؟"
"أيوة موجود، بس فيه مواعيد.. أقوله مين حضرتك؟"
"قوليله واحدة عايزة تقابلك."
السكرتيرة دخلت وغابت ثواني، وخرجت وهي بتقول :
"اتفضلي يا مدام.. محمود بيه مستنيكي."
دخلت ثريا المكتب الفخم، كان محمود قاعد ورا مكتبه، أول ما عينه جت عليها، الورقة اللي في إيده وقعت، والزمن كأنه وقف بيه.. فضل باصص لها بذهول، ملامحه اتخبطت،قبل ما يقول بصدمة:
"ثريا؟!"
_________________________________
بعد الغدا أدهم انشغل بمكالمة تليفون، وجميلة استغلت الفرصة وخرجت لمكتبها الصغير ،عشان تبدأ تراجع شوية ورق مع رزان. قعدت والشنطة جنبها، بس تركيزها كان زيرو. رزان كانت بتشرح:
"بصي يا جميلة، العقد ده مستر أدهم لازم يمضيه قبل الساعة ٤.."
جميلة فاقت من شرودها وصوتها طلع مهزوز:
"آه.. أيوة يا رزان، معاكي.. بس حاسة إن الجو هنا بقى مكتوم شوية، مش كدة؟"
رزان بصت لها بقلق ولاحظت حبات العرق اللي بدأت تظهر على جبينها:
"مكتوم إيه يا بنتي؟ التكييف شغال على الآخر... جميلة!، وشك بقى لونه أبيض زي الورقة.. أنتي كويسة؟"
جميلة حاولت تقوم عشان تفتح الشباك ، وقالت وهي بتسند على المكتب:
"أنا بس.. حاسة بدوخة بسيطة.. هروح.."
لسه مكملتش جملتها، وفجأة الدنيا اسودت في عينيها، ورجليها مشالتهاش. في لحظة، فقدت توازنها تماماً ووقعت على الأرض، وصوت "
هبدة جسمها على الأرض كان قوي لدرجة إنه رن في الممر كله.
رزان صرخت بلهفة ورعب وهي بتميل عليها:
"جميلة! جميلة ردي عليا! يا ساتر يا رب.. يا مستر أدهم! الحقني يا مستر أدهم!"
جوه المكتب، أدهم كان مركز في مكالمة تليفون مهم، أول ما سمع صوت الارتطام القوي وصرخة رزان، قلبه انقبض بشكل مرعب. حدف الموبايل من إيده وجري على الباب فتحه بعنف.
أول ما خرج وشاف جميلة ممدة على الأرض وغائبة عن الوعي، ملامحه اتخطفت والرعب سيطر على كل حتة فيه. جرى عليها ونزل لمستواها على الأرض بلهفة مجنونة، شال راسها وحطها على حجره وهو بيضرب على وشها برقة ومناديا بصوت مخنوق:
"جميلة! جميلة فوقي يا حبيبتي ... ردي عليا يا جميلة.. رزان، هاتي مية بسرعة، اطلبي الدكتورة فوراً!"
أدهم كان بيترعش وهو بيحاول يفوقها، وصوته كان مليان وجع وخوف مسمعوش حد منه قبل كدة:
"قومي يا جميلة.. متوجعيش قلبي عليكي...ردي عليا يا روحي."
رزان جابت المية وهي بتترعش، وأدهم بدأ يمسح على وش جميلة بالمية الباردة وهو بيحاول يتنفس بصعوبة من كتر الخوف، والشركة كلها اتكهربت من المنظر.. أدهم السويسي البعبع  اللي كان واقف قدامهم منهار وخايف زي طفل صغير على مراته اللي بين إيديه.
__________________________________
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
محمود فضل واقف مكانه لثواني، الصدمة لجمت لسانه وهو بيشوف ملامح ثريا اللي المرض والزمن حفروا فيها علامات قاسية، ملامح الست اللي كانت في يوم من الأيام معجب بيها
 محمود كان بيحبها في صمت ومخبي إعجابه بيها في قلبه احتراماً لارتباطها بأخوه إبراهيم.
قطع محمود الصمت بصوت مهزوز:
"ثريا؟! إنتي كنتي فين يا ثريا؟ أنا دورت عليكي في كل حتة ، قوليلي إيه اللي وصلك للحال ده؟ ومالك تعبانه كده ليه ؟طب تعالي.. تعالي ارتاحي."
ثريا بصت للكراسي الجلد الفخمة بسخرية، وفضلت واقفة وهي ساندة بإيدها الناشفة على طرف المكتب:
"أرتاح؟ الراحة دي ليكم أنتم يا محمود.. أنا جاية عشان أقول كلمتين وأمشي."
محمود كان بيبص لوشها الشاحب وبيرجع بالذاكرة لسنين ورا، لما كان لسه شاب ومعجب بجمالها وهدوئها، لحد ما عرف إنها مرتبطة بأخوه إبراهيم، فوأد مشاعره وانسحب، وبعدها بفترة عرف والدة أدهم وحبها واتجوزها، وفقد أثر ثريا تماماً.
محمود سألها بحزن:
"عاملة إيه يا ثريا؟ واختفيتي فين السنين دي كلها؟ أنا كل اللي أعرفه إنك أنتي وإبراهيم الله يرحمه انفصلتوا قبل موته، ومن وقتها مسمعتش عنك خبر."
ثريا ضحكت بمرارة وصوتها طلع فيه نبرة غل:
"انفصلنا؟ أيوة طبعاً لازم ننفصل.. مش أنت وابنك اللي سجنتوه؟ إبراهيم اللي أنت موته يا محمود.. أنت وأدهم السويسي اللي ربيتوه على الظلم وقسوة القلب."
محمود ملامحه اتغيرت والغضب بدأ يظهر على وشه ورد بحدة:
"أنا مموتش حد! لا أنا ولا ابني.. أنتي ليه طول عمرك شايفة إبراهيم ملاك ومظلوم؟ إبراهيم اللي كان بيخون الأمانة وبيسرق الشركة اللي كان شريك فيها، إبراهيم اللي كان عايز يهد القصر على اللي فيه عشان طمعه! أنتي متعرفيش هو عمل إيه فينا "
ثريا قامت بغضب وهي بتنهج من التعب:
"مش عايزة أعرف.. مش هسمع منك ولا كلمة تشوه صورته.. كل اللي أعرفه إنك حبسته وظلمته وسبته يموت بحسرته ورا القضبان، وشردتنا في الشوارع."
محمود وقف مذهول وبرق بعينه وسألها باستغراب:
" أنتم مين يا ثريا؟؟"
لسه ثريا هترد، وفجأة صوت الدوشة والصرير بتاع حركة الموظفين بره المكتب قطع كلامهم. محمود خرج يجري وشاف أدهم شايل جميلة المغمى عليها والدكتورة داخل وراهم المكتب بسرعة.
ثريا وقفت ورا الباب وهي بتنهج، حاولت تتدارى وتتسمع على اللي بيحصل. الدقائق مرت كأنها سنين، لحد ما خرجت الدكتورة ومعاها أدهم اللي وشه كان منور بفرحة ممزوجة بدموع مش قادر يخبيها. أدهم جري على والده وحضنه بقوة وهو بيقول بصوت عالي سمعه الممر كله:
"بابا.. جميلة حامل ...أنا هبقى أب يا بابا!"
محمود ضحك من قلبه وحضن ابنه بفرحة نسته كل حاجة، وفي اللحظة دي.. كانت ثريا واقفة ورا الحيطة، ورسمت ابتسامة خبيثة وباهتة على وشها، ومسحت دموعها وهي بتمشي بخطوات تقيلة ناحية الأسانسير وبتهمس لنفسها:
"مبروك يا سويسي.. مبروك يا أدهم . افرح باللي جاي.. عشان الفرحة دي هي اللي هحرق قلبك بيها لما آخد حق سليم ومنصور منك.. الحساب تقل قوي والقدر بعتلي الهدية لحد عندي."
مشيت ثريا وخرجت من الشركة وهي بتخطط ازاي هتنتقم ،بعد ما عرفت نقطة ضعف أدهم الجديدة ،واللي بقت حقيقة جوه بطن جميلة.
(استر ياللي بتستر🤐)
__________________________________
أدهم كان قاعد جنب جميلة على الكنبة الجلد الكبيرة اللي في مكتبه، عينه مكنتش بتنزل من على وشها، بيتملى بملامحها وكأنه بيشوفها لأول مرة. فجأة، عينه جت على شنطتها اللي كانت مرمية جنبه، افتكر حركتها المرتبكة لما خبت الشنطة منه،وفضوله غلبه.
قام بهدوء وحذر عشان ميقلقهاش، وفتح الشنطة وبدأ يدور فيها لحد ما إيده لمست كيس صغير.. فتحه ولقى اختبار الحمل. قلّبه بين إيديه بابتسامة دافية، وفهم إن حبيبته كانت شاكة وحبت تتأكد لوحدها وبعدها تفاجئه، بس القدر كان أسرع منها وسبقها بالخبر اليقين. رجّع الاختبار مكانه بهدوء، ورجع قعد جنبها وسند راسه لورا وهو بيتنفس براحة وسعادة مش سيعاه.
جميلة بدأت تفتح عينيها بتثاقل، الرؤية كانت مشوشة في الأول لحد ما شافت ملامح أدهم اللي بيبص لها بنظرة غريبة، نظرة مليانة حنين وفرحة.
"فيه إيه يا أدهم؟ إنت قاعد كدة ليه؟ هو حصل إيه؟" سألت باستغراب وهي بتحاول تتعدل.
أدهم مسك إيدها وباسها برقة متناهية:
"سلامة قلبك يا قلب أدهم.. مفيش يا روحي، ارتاحي بس."
جميلة بدأت تبص حواليها، بدأت الذاكرة ترجع لها بالتدريج:
"أنا.. أنا كنت بشتغل مع رزان، وفجأة الدنيا اسودت.. هو إيه اللي حصل؟ "
أدهم قرب منها ومسح شعره عن وشها، وهمس في ودنها بصوت دافي مليان مشاعر:
"أنتي أغمى عليكي يا جميلة، وأنا قلبي كان هيوقف من الخوف عليكي.. الدكتورة جت وكشفت، وبشرتنا بأجمل خبر ممكن أسمعه في حياتي.. مبروك يا قلبي، أنتي حامل."
جميلة شهقت بقوة، وإيدها راحت تلقائياً لبطنها، والدموع بدأت تتجمع في عينيها زي اللؤلؤ:
"بجد يا أدهم؟ أنتم بتتكلم بجد؟ أنا .. أنا حامل؟"
أدهم مجاوبش بالكلام، أخدها في حضنه بقوة وكأنه عايز يدخلها جوه ضلوعه، وصوته طلع مخنوق من كتر السعادة:
"بجد يا روح أدهم.. أنا مش مصدق نفسي، حاسس إني أسعد راجل في الدنيا دي كلها. أخيراً هيبقى فيه حتة منك ومني يا جميلة."
جميلة فضلت في حضنه ثواني، بس فجأة بعدت شوية وزمّت شفايفها بحزن طفولي وعينيها لسه فيها دموع:
"بس إنت اللي عرفت قبلي يا أدهم! أنا كنت عايزة أعملك مفاجأة، كنت ناوية أتأكد الأول وأجهز لك حاجة مميزة أقولك بيها إن فيه بيبي جاي في الطريق.. مش إنت اللي تيجي تقولي كدة ببساطة"
أدهم ضحك من قلبه على طريقتها، وقرص خدها برقة وهو بيبص لعينها:
"خلاص يا ستي حقك عليا، المرة دي سبقتك.. نعوضها في البيبي الجاي إن شاء الله، وساعتها عرفيني أنتي المفاجأة."
ضحكت جميلة وسط دموعها، ورجعت ارتمت في حضنه تاني وهي حاسة إن كل الدنيا مش سيعاها من الفرحة، أدهم سحبها لحضنه أكتر، وشد على جسمها بقوة وكأنه بيحاول يتأكد إنها حقيقة مش حلم، كان بيضمها بخوف وحرص في نفس الوقت، كأنه شايل بين إيديه أغلى جوهرة في الكون. دفن راسه في رقبتها وهو بيتنفس ريحتها بتلذذ، وهمس بصوت مكتوم ومليان مشاعر هزت كيانها:
"مش مصدق يا جميلة.. مش قادر استوعب إن فيه حتة مني ومنك، روح صغيرة بتكبر جواكي دلوقتي.. إنتي عارفة أنتي هتديني إيه؟ أنتي هتديني حتة من قلبي تمشي على الأرض."
جميلة حست بدقات قلبه العنيفة وهي بتخبط في صدرها، ورفعت إيدها تمسح على شعره بحنان وهي لسه مش مستوعبة الفرحة، ودموعها نزلت غصب عنها:
"أنا كمان مش مصدقة يا أدهم.. كنت خايفة أتعشم ويطلع مجرد تعب، بس ربنا كريم أوي."
أدهم بعد عنها شوية، وحط إيده الكبيرة على بطنها بحذر شديد وكأن لمسته ممكن تكسرها، وعينه كانت بتلمع بفرحة طفل صغير لقى كنز:
"من النهاردة مفيش حركة كتير، مفيش سهر.. أنتي شايلة أغلى ما أملك يا جميلة."
ضحكت جميلة وسط دموعها وهي شايفة هيبته اللي دابت قدام الخبر ده، ورجعت ارتمت في حضنه تاني، وأدهم غمض عينيه وهو بيوعد نفسه إنه هيهد الدنيا لو حد فكر بس يقرب من "
سكنه وأمانه.. ومن الروح اللي بدأت تنبض جوه حبيبته.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الجو في بيت محمود كان مليان دفا وفرحة مش سيعاها الحيطان، ريحة البخور والورد كانت في كل مكان كأن البيت بيحتفل معاهم. أول ما أدهم دخل وهو ماسك إيد جميلة وكأنها جوهرة خايف عليها تخدشها النسمة ومعاهم يزن ، استقبلتهم الزغاريد والضحكات.
نادية قربت من جميلة بلهفة وفتحت دراعاتها ودموع الفرحة في عينيها:
"مبروك يا حبيبتي..، ربنا يتمم لك على خير ويقر عينك ."
جميلة حضنتها بحب، وأدهم رد بابتسامة وهيبة: "الله يبارك فيكي يا طنط."
ياسمين جريت على أخوها أدهم وحضنته بقوة وهي بتضحك:
"مبروك يا أدهم.. مبروك يا حبيبي، أخيراً هتبقى بابا" 
وبعدين لفت لجميلة وحضنتها: "ومبروك ليكي يا جيمي،حصلتيني يا أروبة."
جميلة ضحكت وقالت وهي بتلمس بطنها المسطحة بكسوف: "يعني أنا كمان كام شهر هبقى ماشية ببطيخة كدة زيك؟"
علي قرب من ياسمين وحاوطها من ضهرها وباس راسها وقال بضحكة: "أحلى بطيخة في الدنيا.. المهم تقومي بالسلامة انتي وهي."
علي بص لأدهم بنظرة تحدي وقال: "بس تفتكروا هتخلفوا إيه؟ بنوتة تانية تنافس بنتي ولا ولد يشيل اسم السويسي؟"
أدهم رد بسرعة ومن غير تفكير: "بنت.. نفسي في بنت."
جميلة بصتله باستغراب، كانت دايمًا فاكرة إن راجل بمركز وهيبة أدهم السويسي هيكون نفسه في ولي عهد يشيل اسمه ويدير شركاتهم، فسألته بدهشة:
"إنت عايزها بنت يا أدهم؟"
أدهم بص في عينيها بلمعة دافية وشد على كف إيدها بقوة وقال بصوت رجولي مليان حنان:
"طول عمري نفسي في بنوتة، تكون نسخة منك يا جميلة.. أدلعها وأحميها من الدنيا كلها، وأجيبلها كل اللي تتمناه قبل ما تطلبه. البنت بتبقى حتة من روح أبوها، وأنا عايز روحي تكبر قدام عيني.. ثم أنا جربت شعور تربية الصبيان مع يزن ،فنفسي المرادي في بنوتة "
جميلة حست بقلبها بيدق من كلامه، وعرفت إن أدهم اللي الناس بتخاف منه، جواه طفل بيدور على حنية البنات.
نادية ومنى ومحمود كانوا قاعدين مع بعض، والضحكة مش مفارقة وشوشهم وهم بيخططوا لمستقبل الأحفاد اللي جايين، بينما أدهم وعلي كانوا في ركن تاني، ورغم الفرحة، مكنوش بيسيبوا سيرة الشغل والصفقات اللي وراهم. جميلة وياسمين كانوا غرقانين في عالمهم الخاص، بيتكلموا عن لبس البيبي والديكورات، ويزن قاعد بيلعب ومنسجم على الآخر.
فجأة أدهم سكت ورفع صوته شوية عشان الكل يسمعه:
"بقولكم إيه.. إحنا لازم نحتفل بالخبر ده ... إيه رأيكم نعمل حفلة شوي باربيكيو بكرة عندي في جنينة القصر؟ نغير جو ونكسر روتين الشغل ده شوية."
ياسمين عينيها لمعت من الفرحة وسقفت بإيدها:
"فكرة تجنن يا أدهم ...أنا أصلاً وحشني قعدة الجنينة عندك، والجو هيبقى تحفة."
علي ضحك وبص لأدهم:
"وأنا جاهز للشوي يا سيدي"
لكن محمود اتنهد بابتسامة هادية وبص لنادية ومنى وقال برزانة:
"لا يا ولاد.. روحوا أنتم اتبسطوا واتجمعوا، إحنا كبار السن ملناش في الهيصة والشوي والوقفة دي.. روحوا عيشوا يومكم براحتكم."
ياسمين قامت وقعدت جنب والدها ومسكت إيده :
"ليه يا بابا بس؟ دي الحفلة مش هتحلى غير بوجودكم، إنت هتتبسط أوي معانا والله."
منى ردت عليها بحنان وهي بتمسح على كتفها:
"يا حبيبتي يا ياسمين، إحنا في سننا ده اللي بيبسطنا بجد هو إننا نشوفكم أنتم مبسوطين ومتجمعين.. دي بالدنيا وما فيها."
نادية أيدت كلامها وهزت راسها بالموافقة:
"فعلاً يا ولاد، اليوم يومكم. افرحوا واتبسطوا، وإحنا هنكون طايرين من الفرحة وإحنا عارفين إنكم مع بعض."
أدهم بص لجميلة اللي كانت مبتسمة وراضية بالفكرة، وقال بحسم:
"خلاص، مدام ده يريحكم.. بكرة بإذن الله حفلة باربيكيو عالمية في القصر ، وهخلي الخدم يجهزوا كل حاجة من النجمة."
علي غمز ليزن الصغير وقال:
"سمعت يا بطل؟ بكرة فيه لعب وجري في الجنينة لحد ما تتعب."
يزن قام وقف وبدأ يتنطط من الفرحة وهو بيقول: "وهناكل لحمة مشوية كتير يا عمو علي"
الكل ضحك على براءة يزن، واتفقوا إن بكرة هيكون يوم للذكرى.
السهرة خلصت والكل ودع بعضه بضحكات صافية، وأدهم أخد جميلة ويزن وركبوا العربية عشان يرجعوا القصر. طول الطريق، يزن مكنش بيبطل كلام، الحماس كان واكل قلبه الصغير ومن ساعتها وهو بيسأل جميلة عن البيبي اللي جاي هياكل إيه وهيلبس إيه..
أدهم وهو سايق، بص ليزن في المراية وابتسم، وافتكر المشهد اللي حصل من كام ساعة لما رجعوا من الشركة ودخلوا ليزن غرفته عشان يبلغوه الخبر. يزن وقتها كان لسه راجع من مدرسته وقاعد بيكتب واجباته، وأول ما شافهم، قام جرى عليهم وحضنهم بلهفة.
قعدوا التلاتة على سرير يزن الصغير، وأدهم بدأ يداعب شعره الويفي بحنان:
"إزيك يا بطل.. عامل إيه في مذاكرتك؟"
يزن رد ببراءة: "الحمد لله يا بابا، بس الواجب كتير النهاردة."
أدهم بص لجميلة اللي كانت بتشجع نظراته، وقال ليزن:
"أنا عارف يا يزن إنك أوقات بتزهق عشان بتبقى لوحدك هنا، وأنا بكون في الشغل وجميلة في الكلية.. صح؟"
يزن هز راسه بتأكيد: "أيوة يا بابا.. بستناكم كتير عشان نلعب سوا."
أدهم ابتسم وقال: "طيب إيه رأيك لو نجيب لك حد يونسك ويفضل معاك طول الوقت؟"
يزن عقد حواجبه باستغراب طفولي: "إزاي يعني يا بابا؟"
جميلة قربت منه وقالت بحماس: "يعني نجيب لك أخ أو أخت يلعبوا معاك، وتكون أنت الأخ الكبير اللي بيعلمهم كل حاجه وياخد باله منهم ويحميهم."
ثواني من الصمت، وعيون يزن بدأت تلمع كأنه بيستوعب، وفجأة اتنطط على السرير بصريخ فرحة:
"يعني فيه بيبي في بطنك يا جميلة؟ بجد؟"
جميلة هزت راسها بضحكة، ويزن مكنش سايعه الكون من الفرحة وفضل يتنطط ويحضنهم هما الاتنين.
أدهم فاق من ذكرياته على صوت فرامل العربية وهي بتقف قدام باب القصر. نزلوا ودخلوا هما التلاتة، وطلعوا السلالم وأدهم بيهز راسه باستسلام ضاحك من جميلة ويزن اللي مكنوش بيبطلوا رغي ومناقشات طول الطريق، وكأنهم فتحوا راديو مش هيفصل.
وصلوا قدام غرفة يزن، ودخلوا معاه يطمنوا عليه لحد ما نام . أدهم خرج من الغرفة وجميلة كانت لسه بتوارب الباب بالراحة، وفجأة لقت أدهم بيشيلها بين دراعاته بخفة.
جميلة ضحكت بدلع وهي بتلف دراعاتها حوالين رقبته:
"أدهم! بتعمل إيه؟ نزلني يا مجنون."
أدهم بص في عينيها بنظرة كلها عشق وقال بصوت رخيم:
"من النهاردة ... كل ليلة هتدخلي جناحنا وإنتي متشالة بين إيديا، مفيش مشي كتير، ومفيش تعب لـملكة السويسي خالص."
جميلة مالت براسها على كتفه وقالت بدلال:
"طيب وبعد ما أولد يا أدهم؟ هتفضل تدلعني كدة برضه.. ولا البيبي هو اللي هياخد كل الدلع والاهتمام وأنا هتركن على الرف؟"
أدهم وقف مكانه قدام باب جناحهم، وبص لها بنظرة هيام .نظرة هزت كيانها:
"إنتي الأصل يا جميلة.. إنتي اللي علمتيني يعني إيه حب وسكن، والبيبي ده جاي عشان يزود غلاوتك مش ينقصها. أنا عمري ما هبطل أدلعك، لإني من غيرك أدهم السويسي مجرد اسم، لكن بيكي أنا ملك."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
دخل بيها الجناح وقفل الباب برجله، وفضلوا يكملوا كلامهم الرومانسي في ليلة كانت الأهدأ والأجمل في حياتهم، وهما بيخططوا لحفلة بكرة.. وللمستقبل اللي بدأ يترسم بوجود فرد جديد في عيلة السويسي.
__________________________________
في جناح أدهم وجميلة، كان الهدوء بيسيطر على المكان، وأشعة الشمس بدأت تتسلل من بين الستائر. أدهم كان نايم وهو محاوط جميلة بدراعه بتملك، كأنه بيحميها حتى وهو في سابع نومه، وجميلة كانت نايمة في حضنه بهدوء وسكينة.
فجأة، انقطع السكون ده بصوت تخبيط متكرر وحماسي جداً على باب الجناح، وصوت صغير بينادي بلهفة:
"بابا.. جميلة، يلا اصحوا بقى، إحنا بقينا الظهر!"
أدهم فتح عينه ببطء وهو بيحاول يستوعب، بص لجميلة اللي بدأت تتقلب وتفتح عينها بصعوبة، وابتسم وهو بيمسح على وشه. قام قعد على السرير وهو بينفخ بضحكة خفيفة:
"ده يزن.. مفيش فايدة فيه، منبه بشري مبيفصلش."
قام أدهم وفتح الباب، لقى يزن واقف بكامل أناقته ونشاطه:
"كل ده نوم يا بابا؟ زمان طنط ياسمين وعمو علي على وصول، يلا عشان نجهز الحاجات عبال مايوصلوا"
أدهم نزل لمستواه ومسح على شعره الويفي وهو لسه صوته فيه بحة النوم:
"خلاص يا بطل، صحينا أهو. هدخل أخد شاور سريع يفوقني، وأنت انزل الجنينة استقبلهم لو وصلوا قبلي."
لف أدهم وبص لجميلة اللي كانت قاعدة على السرير بتاعها بكسل، وقال بنبرة فيها أمر ممزوج بحنية:
"وإنتي يا جميلة.. تنزلي السلم بالراحة، خطوة خطوة. وإياكي، بقولك أهو قدام يزن، إياكي أشوفك شايلا حاجة تقيلة، حتى لو طبق فاكهة. أنا والخدم هنجهز كل حاجة."
جميلة ضحكت برقة وهي بتهز راسها:
"حاضر يا سي أدهم، هسمع الكلام والله.. روح أنت بس عشان منتأخرش عليهم."
بعد ساعة. علي وياسمين وصلوا، والجو كان ربيعي بامتياز. الشباب كانوا لابسين كاجوال مريح؛ أدهم كان طالع بـ هيئة تخطف العين بترينج رصاصي نص كم مبرز عضلاته، ورافع شعره لورا بمنتهى الأناقة. وعلي كان لابس تيشرت أزرق وبنطلون أبيض، وشكله كان وسيم جدا بالبس الكاجوال.
البنات كانوا زي الورد المفتح؛ ياسمين كانت لابسة دريس موف واسع ومريح للحمل، مليان ورود رقيقة، وعاملة شعرها ضفيرة على جنب عطتها شكل طفولي جميل. أما جميلة، فكانت لابسة فستان بينك رقيق جداً عليه فراشات، ورافعة شعرها ذيل حصان، ووشها كان منور بلمعة الحمل الطبيعية.يزن كان نسخة مصغرة من أدهم، لابس ترينج رصاصي شبه بتاع أدهم بالضبط.
أدهم وقف قدام الشواية باحترافية، والدخان بدأ يطلع بريحة اللحمة المشوية اللي تجنن، وعلي كان جنبه بيجهز السلطات والمقبلات ويزن بيساعده .
أدهم بضحكة: "يا ابني ارحمني، السلطة بقت تلت أرباعها خيار من اللي أنت بتاكله وأنت بتقطع."
علي ببرود مضحك: "دي ضريبة المساعدة، وبعدين أنا بدوق عشان أضمن الجودة ."
في الناحية التانية، جميلة وياسمين كانوا قاعدين يتبلوا الفراخ ويصبعوا الكفتة، والضحك والدردشة مكنتش بتخلص، والخدم حواليهم بينظموا السفرة الأرضية.
فجأة أدهم نادى بصوته الرجولي القوي:
"يلا يا اجمعوا ..الأكل جاهز خلاص."
فرشوا ملاية كبيرة على النجيل الأخضر تحت ضل الشجر، وبدأوا يرصوا الأطباق؛ أسياخ الكفتة المشوية، والكباب اللي ريحته يفتح النفس، وسلطات علي المميزة. قعدوا كلهم وبدأوا ياكلوا بشهية وسط الضحك والأجواء الجميله، لحد ما خلصوا والخدم جابوا الشاي بالنعناع.
قعدوا يسترخوا، والهدوء بدأ يرجع للجنينة. يزن سحب نفسه وقعد جنب ياسمين بفضوله المعتاد:
"هو النونو عاملة إيه يا طنط ياسمين؟"
ياسمين بضحكة صافية: "كويسة يا حبيبي، بس شكلها هتطلع شقية أوي، مش مبطلة حركة من الصبح."
يزن بانبهار: "يعني هي بتتحرك بجد؟ يعني بتمشي جوه؟"
ياسمين حست بخبطة خفيفة في بطنها، بصت ليزن بابتسامة وقالتله: "تحب تجرب؟"
يزن بصلها بتردد وخوف، فمسكت ياسمين كف إيده الصغير وحطته برقة على بطنها. ثواني ويزن حس بحركة منتظمة وخفيفة، وشه نور فجأةبضحكته وقال بهمس:
 "إزيك.. أنا اسمي يزن."
ياسمين رفعت عينها لعلي اللي كان متابع المشهد بحب، وقالتله بتمني:
"تعرف يا علي.. أنا نفسي بنتنا تاخد تقاطيع يزن أوي. شعره البني الويفي ده، وعينيه الزرقا اللي زي السما.. يارب تاخد من ملامحه."
وحست في اللحظة دي إن الحركة اللي بنتها عملتها تحت إيد يزن كانت إشارة.. وكأن البنوتة دي فعلاً هتاخد من ملامح وجمال يزن، ويكون بينهم رابط غريب من قبل ما تتولد.
__________________________________
بعد مرور كام شهر ...
كان الليل في سكونه التام، والغرفة يغلفها هدوء ما قبل العاصفة. ياسمين كانت غارقة في نوم عميق، لكن ملامحها لم تكن مرتاحة؛ كانت تضم حواجبها بألم، وأنفاسها بدأت تتسارع وتخرج بصعوبة وكأنها في صراع داخلي.
علي كان نايم جنبها، وفي غمرة نومه مد إيده وضمها ناحيته بقوة كأنه بيطمنها وهو مش حاسس، لكن ثواني.. وفجأة انطلق صرخة مكتومة هزت أركان الغرفة. ياسمين شهقت بوجع رهيب، وشعرت بشيء غريب بيحصل، رفعت الغطا بسرعة وفتحت عينها بصدمة وهي شايفة هدومها ومفرش السرير غرقانين مية.
صرخت بأعلى صوتها وهي بتهزه بعنف:
"آااااه.. علي ... الحقني يا علي"
علي فتح عينه بخضة، وقلبه كان بيدق زي الطبول، بص لها وهو مش فاهم حاجة:
"فيه إيه؟ مالك يا ياسمين؟ "
ياسمين كانت بتعصر إيده بوجع ووشها بدأ يتقلب لونه للأحمر :
"الحقني.. أنا بولد ... المية نزلت يا علي!"
علي فضل باهت مكانه لثواني، عقله وقف عن التفكير وسأل ببلاهة من كتر الصدمة:
"يعني إيه بتولدي؟ مش لسه فاضل أسبوع؟"
ياسمين صرخت فيه بوجع وغل وهي بتعيط:
"مش وقته أسئلة يا علي ..بقولك بولد.. المية نزلت والوجع بياكل في ضهري.. آاااااه"
علي قام زي اللي لسعته حية، بدأ يلف حوالين نفسه في الغرفة مش عارف يعمل إيه، يلبس هدومه ولا يلبسها هي؟ يمسك الموبايل ولا يشيلها؟ خرج يجري في الطرقة زي المجنون وراح لغرفة منى وهبد على الباب بعنف.
منى فتحت وهي بتفرك في عينها بنوم:
"فيه إيه يا علي؟ "
علي بصوت مرعوب:
"الحقيني يا خالتي.. ياسمين بتولد! "
منى فجأة انتبهت وكل ملامح النوم طارت:
"إيه؟! يا ستر يا رب"
جرت على الغرفة لقت ياسمين عاضة طرف المخدة وبتعيط بوجع يقطع القلب. منى شافت حالة هدومها وقالت بلهفة:
"يا حبيبتي يا بنتي.. شكلك استبردتي والمية نزلت بدري. علي! أنت واقف تتفرج؟ افتح الدولاب هات لها أي جلبية واسعة وساترة بسرعة"
علي كان واقف متنح ومصنّم، مش قادر يتحرك من كتر خوفه عليها. منى راحت له وشدته من ذراعه بقوة عشان تفوقه:
"علي!  فوق يا ابني مش وقت توهان ،لازم تشيلها فوراً ونوديها المستشفى.. المية اللي حوالين الجنين نزلت وده خطر، لازم تولد في أسرع وقت"
علي فاق من صدمته لما شاف ياسمين بتصرخ تاني، جرى عليها بعد ما منى لبستها الجلبية، وشالها بين ذراعه بخفة كأنها ريشة، رغم رجفته اللي كانت باينة. نزل بيها السلم وهو بيلهث، ومنى وراه شايلة شنطة الهدوم اللي كانوا مجهزينها للطوارئ.
فتح باب العربية وحطها في الكرسي اللي ورا براحة، ومنى ركبت جنبها وسندت راسها في حجرها وهي بتطمنها. علي ركب ورا الدريكسيون، ودور العربية وانطلق بيها زي الصاروخ ، وعينه مكنتش بتفارق ياسمين في المراية، وهو بيدعي في سِره: "يا رب سلم.. يا رب قومها لي بالسلامة هي وبنتي."
علي كان بيسوق وهو إيده بترتعش على الدريكسيون، وعينه كل شوية تروح في المراية على ياسمين اللي كانت نايمة وراسها في حجر منى، وشها بقى شاحب وعرقان وصوت أنينها بيقطع في قلبه. ياسمين كانت بتضغط على إيد منى بكل قوتها وبتقول بصوت متقطع:
"يا رب.. يا رب هون عليا.. علي، بسرعة يا علي مش قادرة بموت"
منى كانت بتحاول تهديها وبتمسح على راسها وبتقرأ لها قرآن:
"استغفري يا بنتي، قربنا خلاص.. اهدي يا ياسمين النفس يا حبيبتي، خدي نفس طويل."
علي، وهو بيعدي العربيات بجنون، طلع تليفونه وبسرعة اتصل بأدهم 
في القصر
 أدهم كان نايم وجنب منه جميلة اللي بدأت بطنها تظهر بوضوح وبقت في بداية شهورها النصانية. فجأة تليفون أدهم رن بصوت عالي، فتح عينه بخضة وبص للاسم، رد بسرعة:
"أيوة يا علي؟ فيه حاجة؟"
علي صوته كان طالع مخنوق وبالعافية:
"أدهم.. ياسمين بتولد، إحنا في الطريق لمستشفى (...)، إلحقني يا أدهم أنا مش عارف أعمل إيه"
أدهم اتنفض من السرير، وجميلة صحيت مخضوضة: "فيه إيه يا أدهم؟"
أدهم وهو بيلبس هدومه بسرعة البرق:
"ياسمين تعبانة ورايحة المستشفى بتولد، خليكي إنتي هنا مع يزن ومتحركيش، أنا هروح أشوفهم وهطمنك."
جميلة قامت بخوف: "لا يا أدهم، خدني معاك ،أنا مش هقعد هنا وأسيب ياسمين"
أدهم بص لجميلة وشاف الإصرار في عينيها، وعرف إنه مش هيقدر يقنعها تقعد:
"طيب بسرعة البسي، مش عايز تأخير"
في المستشفى..
علي وصل ووقف العربية بفرملة قوية قدام باب الطوارئ، نزل وشال ياسمين اللي كانت شبه غايبة عن الوعي من كتر الألم، وصرخ في الممرضين:
"دكتورة بسرعة .. مراتي بتولد!"
نقلوا ياسمين على الترولي جريوا بيها على غرفة العمليات، وعلي كان عايز يدخل معاها بس الممرضين منعوه. وقف ورا الباب وهو بيخبط بإيده على الحيطة بوجع، ومنى كانت واقفة بتدعي .
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
في اللحظة دي، سمعوا صوت خطوات جري سريعة في الطرقة، كان أدهم بملامحه القلقة وهو شادد جميلة في إيده، وجميلة كانت بتنهج، وإيدها التانية ساندة ضهرها بسبب ثقل حملها. أدهم جري على علي وشدد على كتفه وهو بيقول:
"علي .. طمني.. دخلت العمليات بقالها قد إيه؟"
علي رفع عينه اللي بقت حمراء من التوتر:
"بقالها نص ساعة يا أدهم.. بس النص ساعة دي كأنها مية سنة. الدكاترة دخلوا ومحدش خرج طمني."
أدهم بصرامة هادية حاول يطمنه:
"استهدى بالله إنشاءالله هقوم بالسلامة هي والبنت."
جميلة راحت قعدت جنب منى، وبتحاول تتحكم في خوفها وتوترها ...خصوصًا لما جيه في دماغها انها هتكون مكانها بعد شهور قليلة.أدهم كان متابعها بعنيه ،وفاهم اللي بيدور في بالها ،راح ووقف جنبها ومسك ايديها بصمت عشان يطمنها.
الوقت بدأ تمر، والجو في الممر بقى تقيل ومكتوم. أدهم كان رايح جاي، وعينه على جميلة كل شوية ، وعلي كان قاعد على الكرسي، مائل بجسمه لقدام ودافن وشه بين كفيه، بيدعي بكل جوارحه.
فجأة، انفتح الباب الزجاجي الكبير، وخرجت ممرضة شايلة لفة بيضاء صغيرة، وفي اللحظة دي بالظبط.. انطلق صوت صرخة طفلة خلت قلب علي ينط من مكانه.
علي قام وقف وكأنه اتنفض:
"دي هي؟ أدهم.. ده صوت بنتي صح؟"
أدهم ابتسم بلهفة وطبطب على ظهره:
"أيوة يا بطل.. مبروك يا علي"
خرجت الدكتورة وهي بتقلع الماسك وبتبتسم ليهم بتعب:
"ألف مبروك يا أستاذ علي. بنوتة زي القمر، ما شاء الله عليها. ومدام ياسمين زي الفل، هي دلوقتي في الإفاقة، نص ساعة وهتطلع أوضتها وتقدروا تشوفوها."
علي في اللحظة دي مقدرش يقف على رجله، نزل سجد على أرض المستشفى سجدة شكر طويلة، ودموعه نزلت بللت الأرض. منى زغردت بهدوء وهي بتبكي من الفرحة، وجميلة حضنت أدهم وهي بتعيط.
بعد شوية، الممرضة خرجت بالبنوتة، علي قرب منها بإيد مرتعشة، شالها كأنه شايل أغلى كنز في العالم. بص لملامحها الصغيرة، لوشها الأحمر وعيونها المقفولة،قرب أنفه منها واستنشق ريحتها البريئه بعمق وتلذذ ،قرب من ودنها بهمس :" نورتي الدنيا يقلب أبوكي"، وبدأ يكبر في ودنها .
جميلة قربت وبصت للبيبي وانبهرت بجمالها، وقالت بضحكة:
"ما شاء الله.. ربنا يباركلك فيها يا علي."
أدهم قرب من الطفلة اللي بين إيدين منى وباس جبينها ،وبعدها ضم جميلة لصدره بقوة، وباس راسها وهمس لها بصوت مليان حب وشجن:
"عقبالنا يا جميلة، لما أشيل بنتنا إحنا كمان وأشوف الفرحة دي في عينيكي. أنا النهاردة بس عرفت يعني إيه خوف الراجل على مراته وهي بتجيب له حتة منه."
بعد شوية في غرفة ياسمين .الكل كان قاعد بما فيهم محمود ونادية اللي وصلوا بعد ما عرفوا الخبر .
علي كان ساند ضهره لورا ومراقب ياسمين اللي بدأت تحرك راسها يمين وشمال بتعب، وعيونها بتفتح وتقفل ببطء كأنها بتستوعب هي فين. أول ما لقت علي قصادها، طلع صوتها ضعيف ومبحوح:
"علي.."
علي ميل عليها وباس جبينها بحنان غامر وهمس في ودنها:
"قلب وروح علي.. حمد الله على سلامتك يا روحي، مبروك يا حبيبتي، جيبتي أجمل بنوتة في الدنيا."
ياسمين دموعها نزلت بتلقائية وهي بتسأل بلهفة الأم:
"بجد يا علي؟ هي كويسة؟ أنا عايزة أشوفها.."
علي ابتسم وطمنها: "زي الفل يا روحي، ثواني هقوم أجيبهالك من جدها."
قام علي وراح ناحية محمود اللي كان قاعد على كنبة في ركن الغرفة، شايل حفيدته بتأثر ودموعه محبوسة في عينه وهو بيفتكر أول ما شال أدهم وياسمين. محمود سلمه البنت، وعلي رجع بيها وقعد على طرف السرير، وحطها في حضن ياسمين.
ياسمين أول ما لمست جسمها الصغير، انفجرت في العياط وهي بتضمها لصدرها بقوة وحذر في نفس الوقت، وبدأت تبوس كل حتة في وشها الصغير:
"يا قلب مامي أنتي.. يا روحي يا بنتي، نورتي الدنيا يا قلب مامي من جوه."
علي حاوطهم هما الاتنين بدراعه، وكأنه بيضم ملكيته الخاصة وأغلى ما يملك في مشهد خلى نادية ومنى يمسحوا دموعهم من الفرحة.
فجأة، الباب خبط خبطات سريعة ومميزة، وانفتح ودخل يزن بشنطة مدرسته اللي لسه على ضهره، ونهجان نفسه باين وكأنه كان بيجري سباق. أدهم كان واقف وراه بيبتسم، بعد ما يزن أصر إنه لازم يروح المستشفى يشوف النونو فوراً.
علي بص ليزن وضحك، وأخد البنت من حضن ياسمين بحرص، ونزل لمستوى يزن وقعد على ركبته قدامه:
" تعالى يا يزن .. تعالى شوف النونه."
يزن قرب بخطوات بطيئة، مبهور بالكتلة الصغيرة اللي نايمة دي. كانت مغمضة عينها وضامة شفايفها بطريقة تخطف القلب. يزن مد صباعه ولمس كف إيدها، وفي لحظة قبضت على صباعه بايدها الصغنونه اللي كانت بحجم صباعه.
 يزن ضحك بذهول وبص لعلي:
"دي مسكت إيدي يا عمو علي ."
وثواني، بدأت تفتح عينيها براحة وبتثاقل، ومع أول نظرة، ساد الصمت في الغرفة لثواني قبل ما يتبدل بشهقات مذهولة.
علي بص لياسمين وهو مش مصدق، وقال بضحكة مذهولة:
"مش معقولة! ده طلع موضوع الوحم ده حقيقة علمية مش كلام ستات وخلاص .من كتر ما كنتي بتبصي ليزن وتتمني بنتك تطلع شبهه، البنت خدت لون عين يزن الزرقا بالظبط"
ياسمين ابتسمت بتعب وقالت :"هنسميها ايه يا علي."
علي بص للنوتة وهي بين ايدين يزن وقال بحب:" عيونها فاتنه اووي ..هنسميها فتون."
الكل ضحك في جو مليان سعادة، ويزن فضل باصص لفتون الصغيرة وهو حاسس بمسؤولية كبيرة تجاه البنوتة اللي عيونها شبه عيونه، وكأن خيط خفي اتربط بينهم في اللحظة دي .. وللأبد.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
في قصر السويسي، وبعد مرور أيام قليلة، كان الهدوء بيسيطر على أركان المكان. جميلة كانت قاعدة في غرفة يزن، لابسة فستان بيتي رقيق، وبطنها بدأت تبرز وتدور بوضوح، مديها شكل يجنن وهي في شهور حملها المتوسطة.
كانت مركزة جداً مع يزن، ساندة براسها قريبة منه وهي بتشرح له مسألة في دروسه، والاتنين بيضحكوا سوا، مش واخدة بالها من العيون اللي مراقباها من ورا باب الغرفة.
أدهم كان واقف عند الباب، مربع إيده وبيتأملهم بتذمر واضح، والغيرة بدأت تنهش فيه. هو نفسه اعترف مؤخراً إنه بقى بيغير من يزن لما بيحس إنه سارق وقت جميلة واهتمامها منه، خصوصاً في أيام إجازته اللي بيستناها بفارغ الصبر.
جميلة بصت ليزن بابتسامة وقالتله:
" زينو ،أنا هسيبك تحل المسألة دي لوحدك لحد ما أقوم أشوف حاجة وارجع لك تاني، وريني شطارتك."
يزن رد بحماس: "حاضر هحلها في ثواني."
قامت جميلة، وأول ما لاحظ أدهم إنها جاية ناحية الباب، استخبى بسرعة في ركن الظل في الطرقة. بمجرد ما رجلها خطت بره الغرفة، حست بإيد قوية بتسحبها فجأة وبتحاصرها بين الحيطة وجسم صاحب الإيد.
جميلة شهقت بخوف، لكن الشهقة دي اتحولت لضحكة رقيقة أول ما لقت عيون أدهم هي اللي قصادها وبتحاصرها بحدة.
"أدهم! خضتني.. فيه إيه؟"
أدهم فضل باصص لها بصمت، ملامحه كانت جد زيادة عن اللزوم، ومردش عليها. جميلة ابتسمت بدلع ومدت إيدها تلمس شعره المترتب وقالت:
"أدهم.. إنت مش عايز تكلمني؟"
أدهم رد بضيق طفولي مضحك:
"والله إنتي مش عارفة يعني؟"
ردت بجهل مصطنع وهي بتميل راسها: "لا مش عارفة.. فيه إيه؟"
أدهم اتنهد بضيق:
"مش عارفة إن النهاردة يوم إجازتي؟ ومن وقت ما صحيت مشفتكيش خالص.. قاعده مع يزن، وأنا كأني مش موجود في القصر.. لو مش فاضيالي قوليلي ونا وأرجع الشركة عادي."
ابتسمت جميلة بحب وحاوطت رقبته بإيدها:
"أولاً، أنا مقدرش مفضالكش يا أدهم.. ثانياً يا حبيبي، يزن امتحاناته قربت جداً ولازم أكون جنبه، فكنت قاعدة معاه أزاكرله."
ملامحه بدأت ترتخي شوية قدام نظراتها، وشدها من وسطها ناحيته برقة وخوف على بطنها:
"شكراً يا جميلة على كل اللي بتعمليه مع يزن.. إنتي عارفة إنك مش مضطرة تت"
قاطعته جميلة بضيق حقيقي:
"أدهم! إنت بتقول إيه؟ إنت عارف غلاوة يزن عندي.. ده ابني الأولاني، ومش هيكون غير ابني يا أدهم، أوعى تقول كدة تاني."
أدهم ابتسم بحب وهو حاسس بصدق كلماتها:
"عارف يا روحي.. والله عارف."
 وبعدين رجع كشر تاني: "بس برضه أنا مبحبش تنشغلي عني، أنا بغير يا ستي، ارتحتي؟"
قربت جميلة منه وهمست برقة: "طيب أعمل إيه يرضيك؟"
فجأة، ومن غير إنذار، رفعها بين دراعاته وشالها بخفة. جميلة بدأت تحرك رجلها باعتراض وهي بتبص وراها بخوف ناحية أوضة يزن اللي بتبعد:
"أدهم! نزلني.. عشان خاطري يا أدهم"
أدهم مسمعش لأي اعتراض منها، ومشى بيها بخطوات واسعة وواثقة لحد ما وصل لجناحهم، وقفل الباب برجله وهو بيضحك على كسوفها اللي بيعشقه.
__________________________________
علي خرج من الحمام والبخار لسه مالي الجو، كان بينشف شعره بالفوطة وفجأة وقف مكانه يتأمل المشهد اللي قدامه. ياسمين كانت قاعدة على السرير، ضامة فتون لحضنها بقوة وحنان، والتعب كان محفور تحت عينيها وشاحب على وشها، وهدومها كانت متبهدلة شوية من قعدة الليل الطويل، ومع ذلك كانت بتهزها ببطء وبتدندن لها بصوت واطي وهامس عشان تنيمها.
علي ساب الفوطة من إيده وقرب قعد جنبها، مد إيده ورجع خصلة شعر كانت نازلة على وشها ورا ودنها، وقال بنبرة دافية:
"حبيبتي.. هاتيها عنك شوية، أنتي أكيد هلكتي من شيلتها طول الليل. قومي أنتي دلوقتي خدي شاور يفك جسمك ، وأنا معاها أهو."
ياسمين بصت له بامتنان وابتسامة حب، وادتهاله بحرص وهي بتبوسه من خده:
"تسلملي ياحبيبي."
قامت وجريت على الحمام بسعادة طفولية، وكأنها رايحة رحلة، من وقت ولادة فتون وهي حاسة إن وقتها ملك للبنت وبس، ومش لاقية فرصة تهتم بنفسها أو تعمل أبسط الأشياء اللي كانت متعودة عليها.
بعد ربع ساعة، الباب اتفتح وخرجت ياسمين نسخة تانية خالص؛ ريحة الشامبو والورد فواحة منها، وشها بقى منور ومرتاح، ولابسة بيجامة ستان رقيقة مبيّنة جمالها اللي وحش علي.
وقفت مكانها وابتسمت بحب من المنظر اللي قدامها؛ علي كان منيم فتون في نص السرير، وهي نايمة ببراءة ملوش زي، وهو ساند راسه على المخدة جنبها وباصص لملامحها وعيونه بتلمع بحب الأب. أول ما حس بحركتها، بعد بهدوء وقام وقف قصادها، عيونه كانت بتفحصها بلهفة وكأنه بيشوفها لأول مرة بعد غياب.
حاوطها بدراعاته بحب وسند جبينه على جبينها، وغمض عينيه وهو بيستنشق ريحتها اللي بتجننه، وقال بهمس أجش وخافت عشان الصغيرة متصحاش:
"بحبك أوي يا ياسمين.. بحبك وبشكرك على أجمل هدية في دنيتي."
ياسمين لفت دراعاتها حوالين رقبه ورفعت نفسها شوية، وهمست له بنفس النبرة الدايبة:
"وأنا بموت فيك يا حبيبي.. لولا وجودك جنبي أنا مكنتش عرفت أعمل حاجة."
علي شدد من ضمته ليها وباس جبينها:
"إحنا مع بعض في كل حاجة يا روحي.. ودلوقتي بقى، البنوتة نامت، وأم البنوتة بقت زي القمر، وأنا مش ناوي أسيب القمر ده ينام بدري النهاردة."
__________________________________
في سايبر هاديء ومظلم إلا من إضاءة شاشات الكمبيوتر الباهتة، كان سليم قاعد بتركيز غريب ميليقش بطفل في سنه. عيونه الواسعة السوداء زي الفحم، والمزينة برموش طويلة لدرجة بتلمس بشرة خده اللي باللون القمحي ، كانت مثبتة على الشاشة بنظرة حادة زي الصقر.
على محرك البحث في جوجل، كان مكتوب اسم: رجل الأعمال أدهم السويسي.
سليم كان بيقلب في الصور ببطء، صوابعه  ضاغطة على الماوس بغل وحقد مكتوم، وكأنه عايز يخترق الشاشة ويوصل للراجل اللي في الصورة. سليم زي يزن اللي في نفس سنه تقريباً ... لكن شتان بين حياة الاتنين.
قام سليم، دفع حساب قعدته لصاحب السايبر ببرود، وخرج وطلع السلالم المتهالكة للشقة اللي فوق السايبر مباشرة. فتح الباب ودخل بهدوء، لقى والدته ثريا قاعدة في الصالة ذات العفش البسيط جداً اللي بيحكي قصة حالهم المادية الصعبة.
ثريا أول ما شافته ابتسمت بحنان، ومدت إيدها لعبت في شعره الأسود الغزير وقالت:
"أجهز لك الغدا يا سليم؟"
سليم هز راسه بالنفي وهو بيقعد جنبها:
"مش جعان يا ماما.. المهم، أنتي أخدتي دواكي؟"
ثريا بابتسامة باهتة:
"أيوة يا حبيبي، أخدته من شوية قبل ما تطلع."
سليم غمض عينه باطمئنان. رغم صغر سنه، إلا إنه كان شايل هم علاجها وكأنها السبب الوحيد اللي مخليه متمسك بالحياة وبالحلم الصعب وسط الظروف دي.
سكتت ثريا شوية، وبعدين بصت له بنظرة غريبة وقالت بصوت واطي:
"سليم.."
"هممم.. نعم يا ماما؟"
"أوعدني يا سليم.. أوعدني إنك تجيب حقنا وحق أبوك من أدهم السويسي وعيلته. أنا مش ضامنة إني أعيش لليوم اللي أشوفك فيه وأنت بتاخد بتارنا."
سليم بلع ريقه وحس بقلبه انقبض، بصلها بلهفة:
"مالك يا ماما؟ أنتي تعبانة؟ حاسة بحاجة؟"
هزت راسها بتعب وقالت بجمود:
"أنا كويسة يا حبيبي.. بس دي وصيتي ليك. لو حصلي حاجة ومبقتش معاك، متنساش حقنا. عيلة السويسي لازم تدفع الثمن."
ثريا بصت للفراغ بعيون ميتة، وهمست لنفسها بصوت مسموع لسليم:
"وأنا قريب أوي.. هحرق قلب أدهم السويسي، مسألة وقت مش أكتر."
سليم استغرب شرودها وكلامها الغامض، سألها بتردد:
"بتقولي إيه يا ماما؟ قصدك إيه ؟
نفضت ثريا الأفكار من راسها وبصت له تاني وقالت بإصرار:
"مفيش يا قلب ماما.. أوعدني يا سليم."
سليم سكت لثواني، كأنه بيستجمع كل الحقد اللي جواه، وبعدين قال بصوت قوي وأجش
"أوعدك يا ماما.. أوعدك إني هخلي حياتهم جحيم. هاخد حق أبويا من أدهم السويسي وعيلته كلها، وهأذيه في أقرب ما عنده.. زي ما حرمني من أبويا ويتمني، هخليه يدوق نفس الوجع."
(فهموني يعني إيه أبقى في السن ده وأكراش على طفل عنده عشر سنين؟؟؟🙂)
__________________________________
في ردهة القصر الواسعة، كان يزن واقف بسكون وهو ساند ظهره على أحد الأعمدة الرخامية الضخمة، وأدهم واقف قصاده بوقار، ماسك قلم رصاص وبيركز جداً وهو بيعلم علامة دقيقة عند مستوى رأس يزن.
أدهم ابتعد خطوة وهو بيتأمل العلامة بابتسامة فخر:
"كده طولك بقى 155 سم يا بطل.. ما شاء الله."
يزن سقف بإيده بحماس وهو بيتنطط:
"يعني خلاص يا بابا، هبقى زيك قريب؟"
أدهم ضحك وطبطب على كتفه: "أكيد، كمان كام سنة هتطول عن كده كتير، وهتكون أطول واحد في العيلة."
جميلة كانت واقفة بتراقبهم بحماس طفولي، وقربت من أدهم وقالت بدلع:
"طيب قيس طولي أنا كمان، أنا حاسة إني طولت سنتي من وقت الحمل"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أدهم بصلها بابتسامة، وقرب وجهه من وجهها بشدة لدرجة إن أنفاسهم اختلطت، وبدأ يتأمل طولها بالنسبة له بتركيز مبالغ فيه. جميلة وشها قلب أحمر وخجلت من قربه الزايد، خصوصاً ويزن واقف بيبصلهم بفضول، فهمست بصوت واطي:
"أدهم.. ابعد شوية، يزن واقف."
أدهم رد بمكر وهو لسه قريب:
" أنا بشوف الرقم بس." وبعد ثواني، انفجر من الضحك وهو بيبتعد عنها: "158 سم؟ امشي يا أوزعة من هنا"
جميلة زقته بغيظ ناحية العمود وقالت بتحدي:
"طيب تعالى بقى أما أقيس طولك أنت، عشان نشوف مين اللي بيضحك في الآخر."
أدهم سند ظهره على العمود وربع إيده على صدره بهيبة، وهو بيحاول يكتم ضحكته بالعافية على منظر جميلة وهي بتحاول تشب على أطراف صوابعها عشان توصل لقمة رأسه وتعمل العلامة، بس فشلت تماماً.
نفخت بزهق وبصت حواليها، وجابت مخدتين كبار من على الكنبة وحطتهم في الأرض ووقفت عليهم، وهي بتسند بإيدها على كتف أدهم القوي عشان توازن نفسها، وبطنها المنتفخة كانت قصاد بطنه مباشرة في مشهد رقيق.
جميلة وهي بتنهج من المجهود:
"أخيراً.. وصلت" علمت بالقلم وبصت للرقم بذهول: "193 سم"
يزن فتح بقه بانبهار: "واو أنت طويل أوي يا بابا"
أدهم ضحك وهو بيشيل جميلة من فوق المخدات وينزلها الأرض: "عقبالك يا قلب بابي.. بس جميلة خلاص، نموها وقف لحد كده، هتفضل أوزعة للأبد."
يزن ضم شفايفه بزعل مصطنع وبص لجميلة:
"يعني خلاص يا جميلة مش هتطولي تاني؟ يا حرام.. متزعليش، أنا هبقى أجيبلك الحاجات اللي في مكان عالي وانتي مش بتطوليها لما أكبر."
أدهم كان باصص لجميلة اللي نفخت وشها بغضب طفولي، ومنظرها وهي مقموصة كان لا يُقاوم، فمقدرش يتحمل وانفجر في الضحك. جميلة ضربته بخفة في كتفه ومشيت بغيظ وسابته هو ويزن يضحكوا عليها.
راحت قعدت على الكنبة اللي في ردهة الصالة، وبسبب هرمونات الحمل، الزعل البسيط قلب معاها بضيق حقيقي ودموع محبوسة. بصت حواليها باستغراب لما لاحظت إن أدهم ويزن اختفوا فجأة من قدامها، فهمست بحزن لنفسها:
"للدرجة دي زعلي مش فارق معاك يا أدهم؟ ماشي.."
لكن فجأة، انتفضت مكانها لما دوى صوت أغاني في الصالة بقوة، ومكنتش أي أغاني.. ده كان صوت مهرجانات شعبية صاخب جداً. لفت وشها وراها وفتحت بقه بذهول من المنظر؛ أدهم ويزن كانوا واقفين وراها وبدأوا يرقصوا بطريقة شبابية مضحكة.
أدهم، بكل هيبته ومركزه، كان بينزل كتفه وبيهزه وهو باصص لجميلة بنظرة شقية كلها تحدي وحب، ويزن جنبه بيقلده في كل حركة وهو بيضحك من قلبه. أدهم بدأ يقرب منها وهو بيغني مع الكلمات بطريقة زادته وسامة وشباب :
" سكر محلي محطوط عليه كريمة
 كعبك محني والعود عليه القيمة
 وتجيبني تلاقيني لسه بخيري
 مش هتبقي لغيري
 ايوه أنا غيري مافيش
جميلة مكنتش قادرة تقاوم المنظر، وهي شايفه هيبة ورزانة أدهم السويسي طاروا في الهوا، وانفجرت في الضحك وهي شايفاه بيرقص بطريقة شعبية عشان يرضيها.
" بنت الجيران شغلالي أنا عنيا
 وأنا في المكان في خلق حواليا
 مش عايز حد ياخد باله من اللي أنا فيه
 شوفت القمر سهرني لياليا
 وهموت عليكي رب العالم بيا
 سيبي شباكك مفتوح ليه 
 ليه تقفليه؟
جميلة مكنتش قادرة تقاوم المنظر ده ثانية كمان، الضحكة انفجرت منها غصب عنها، ونسيت خالص إنها كانت زعلانة ..جميلة حاولت تقوم، وبالفعل قامت براحة وهي ساندة بإيدها بسبب ثقل بطنها، فأدهم قرب منها ،وحاوطها بدراعاته برقة، وبيقرب وشه من وشها وهو بيغني بعيون بتلمع بالحب والهيام:
"بهوايا انتي قاعدة معايا
 عنيكي ليا مراية
 ياجمال مراية العين 
 خليكي لو هتمشي اناديكي انتي ليا أنا ليكي
 أحنا الاتنين قاطعين
يزن كان بيتنطط حواليهم وبيسقف مع الإيقاع، وأدهم شدد من ضمته لجميلة وهو بيكمل المقطع الأخير بمرح وكأنه بيوعدها إنه مش هيسيبها تزعل أبداً:
" تسيبيني أكره حياتي وسنيني 
 أتوه ومش هتلاقيني
 واشرب خمور وحشيش
 وتجيني تلاقيني لسه بخيري مش هتبقي لغيري 
 أيوه أنا غيري مافيش
جميلة دفنت راسها في صدر أدهم وهي بتضحك بدموع من كتر الفرحة والذهول، وقالت من بين ضحكاتها:
"خلاص يا أدهم.. قلبي هيقف من الضحك."
أدهم رفع وشها وباس جبينها بحنان وقال:
"بعد الشر عنك، المهم الأوزعة بتاعتي وشها يفضل منور بالضحكة دي، ولا إيه يا يزن؟"
يزن رد وهو بيعمل حركة نهاية العرض بطريقةمضحكة: "طبعاً يا بابا."
__________________________________
بعد مرور يومين
 كان بيت علي وياسمين قطعة من البهجة، روائح البخور والشموع مالية المكان، وصوت الضحك والأغاني الشعبية الخاصة بالسبوع مالية الأجواء. الكل كان متجمع عشان يحتفل بـ "فتون".
ياسمين كانت طالعة زي الملايكة، فستانها الأبيض المطرز كان بيلمع تحت الإضاءة، والتاج الورد اللي على راسها مع شعرها المنسدل على ظهرها خلاها تبدو رقيقة جداً وكأنها عروسة من جديد. كانت شايلة فتون اللي متكحلة ولابسة أبيض في أبيض، وبدأت ياسمين تمشي وسط الزغاريد وتعدي السبع مرات فوق المنخل حسب العادات، وأغنية السبوع اللي بتقول : 
حلاقاتك برجالاتك
 حلقة دهب في وداناتك
 حلاقاتك برجالاتك
 حلقة دهب في وداناتك
علي أول ما خلصت، قرب منها وباس جبينها بحنان، وضمها هي والبيبي لصدره بقوة وكأنه بيعلن للعالم إن دول هما جيشه وسنده، وهمس لها:
"مبروك يا أم فتون.. نورتي بيتي وحياتي."
بدأت الحلقة تكتمل، المعازيم وكل الحبايب لفوا حواليهم على هيئة دايرة، كل واحد ماسك شمعة بيضاء منورة، وصوت أغاني السبوع مالي المكان :
ويا رب يا ربنا
 تكبر وتبقى قدنا
 وتيجي تعيش وسطنا
 وسط الحبايب
 تكبر وتروح المدرسة
 وتصاحب شلة كويسة
 وتشوف عيون أمك وأبوك
 فرحانة بيك
يزن كان واقف في نص الدايرة، ماسك الهون النحاس وبيدق فيه بكل قوته وهو بيضحك ومتحمس جداً، وكل شوية يبص فتون الصغيرة اللي كانت نايمة في حضن نادية.
أدهم كان واقف ورا جميلة، محاوط ظهرها بدراعاته بحرص شديد وكأنه خايف عليها من الهوا، خصوصاً مع الزحمة والحركة. كان ساند دقنه على كتفها وباصص لملامحها اللي كانت منورة بالفرحة، وهمس في ودنها:
"بكرة بإذن الله هعملك سبوع يتحاكى بيه القصر كله لما بنتنا تنور."
جميلة لفت وشها وبصتله بحب وسندت راسها على صدره:
"وجودك جنبي هو الفرحة يا أدهم.. أنا مش عايزة غير إننا نفضل كدة علطول."
محمود ونادية كانوا واقفين بيتأملوا عيالهم وهما بيكبروا وبيكونوا عائلة، والدموع مالية عينيهم من كتر السعادة. منى كانت بترش الملح والورد وهي بتقول: "خمسة وخميسة في عين اللي ميصلي على النبي.. ربنا يحميكم من العين."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الساعة كانت بتدُق اتناشر بالليل، والهدوء بيحاوط أركان قصر السويسي. أدهم وصل وهو شايل تعب يوم طويل من الاجتماعات والقرارات المصيرية. وهو طالع على السلم، بدأ يفك جرافتة البدلة بإيد مجهدة، وفتح أول زرارير قميصه وهو بياخد نفس عميق، وكأن ريحة البيت هي اللي بتبدأ ترجعله روحه.
​أول ما قرب من باب الجناح، فتحه بهدوء شديد عشان ميقلقش نومها، بس اتفاجئ إنها لسه صاحية. وقف مكانه عند الباب، وكل علامات الإرهاق اختفت من على وشه وحلت مكانها ابتسامة شغوفة وهو بيتأملها.
​جميلة كانت قاعدة قدام التسريحة، وآثار الحمل باينة عليها بوضوح، بس بشكل زادها أنوثة وجمال ساحر. كانت لابسة فستان أسود رقيق بدون أكتاف مبرز تدويرة بطنها اللي كبرت بوضوح، وسايبة شعرها اللي طول بوضوح ووصل لاخر ضهرها حر ، إلا من شوية خصل ضفرتها على هيئة سنبلة رقيقة لفت راسها زي التاج.​كانت مركزة جداً، رافعة رجلها على كرسي متوسط الارتفاع وبتحط مونيكير بتركيز خلى حواجبها تضم على بعضها بلطافة، لدرجة إنها ملمحتش أدهم وهو واقف بيشبع عينه منها.
​أدهم همس بنبرة دايبة:
​"جميلة.."
​رفعت راسها بسرعة وفرحة لمعت في عيونها، وقامت وقفت بلهفة:
​"أدهم! جيت إمتى؟"
​جريت عليه ببطء بسبب تقل بطنها، وهو قابلها بحضن قوي ودافئ، كأنه بيستمد منه قوته. دفن راسه في رقبتها وهو بيتنفس ريحتها وهمس:
​"وحشتيني أوي يا جميلة.. وحشتيني فوق ما تتخيلي."
​جميلة ضمت وسطها بإيديها وردت بحنان:
​"وأنت كمان وحشتني.. اتأخرت النهاردة أوي."
​أدهم بعد عنها شوية وهو لسه محاوطها، وبص في عينيها وقال:
​"ببقى قاعد في المكتب وبستنى لحظة ما أخلص شغل وارجع البيت بفارغ الصبر، بس عشان الحضن ده اللي بينسيني الدنيا باللي فيها."
​جميلة ابتعدت بدلال وهي بتداعب قميصه بصباعها وهي بتبصله بعتاب رقيق:
​"ما هو لو مكنتش قعدتني من الشغل، كان زمانك بتشوفني قدامك طول اليوم، ومكنتش هتضطر تستنى كل ده."
​أدهم ابتسم بحب غامر، ومد إيده مسك خصلة شاردة من شعرها ولفها حوالين صباعه برقة:
​"يا حبيبة قلبي، أنتي خلاص على وشك ولادة، هتنزلي إزاي وتروحي وتيجي؟ أنا هخاف عليكي، ده غير إني مش هعرف أركز في ورقة واحدة وأنتي قدامي.. هفضل قلقان عليكي لتتعبي أو تحسي بحاجة، لازم تستريحي في البيت أحسن عشانك وعشان بنتنا اللي جايةفي الطريق."
​قرب منها أكتر وسند جبينه على جبينها، وصوته بقى همس رومانسي مليان مشاعر:
​"وبعدين.. أنا عايز أرجع ألاقيكي منورة القصر كدة، كأنك مكافأة ليّ في آخر اليوم.. أنتي مش عارفة وجودك هنا بيعمل فيّ إيه."
جميلة ابتسمت بدلال، وخدودها اللي وردت وبقت نضرة بسبب الحمل لمعت وهي بتبص له بشقاوة وسألته:
​"بيعمل فيك إيه ؟"
 دهم ابتسم بمراوغة وعيونه لمعت بجرأة، وفي ثواني جميلة لقت نفسها بين إيديه بعد ما رفعها من الأرض كأنها ريشة. شهقت بخضة ممزوجة بضحكة وقالت بتوتر:
​"أدهم ! ... نزلني بسرعة.. أنا بقيت تقيلة أوي بسبب الحمل، كدة هتتعب."
​أدهم رفع حاجبه بثقة وهو بيضمها لصدره أكتر وبيمشي بيها ناحية السرير:
​"مين دي اللي تقيلة؟ ده أنتي فراشة، وأنا مستعد أشيلك العمر كله وما أزهقش."
​جميلة استسلمت لحضنه الدافئ وكلماته اللي بتخلي قلبها يدق بعنف، وسكتت وهي بتداري كسوفها في كتفه. وفي لحظات، اتحول الكلام لمشاعر دافئة وهمسات حب رقيقة، خلت الجناح يمتليء بدفء عيلتهم اللي بتكبر، ونسّت أدهم كل هموم الشغل في وجود ملكة قلبه.
بعد شوية.. أدهم كان واقف في الشباك الكبير اللي في نص الجناح، ساند بإيده على الإطار الخشبي وباصص للسما اللي كانت صافية والنجوم بتلمع فيها بشرود. ملامحه كانت هادية، بس عقله مبيبطّلش تفكير في الشغل وفي المستقبل، وفي اللحظة اللي هيشيل فيها بنته اللي جاية في الطريق.
​فجأة، حس بدفا بيحاوط ضهره، وإيدين رقيقة لفت حوالين وسطه.. ابتسم تلقائياً وهو مغمض عينه، وفي ثواني كان لافف إيده على ضهرها ولفها له براحة عشان تبقى في مواجهته.
​جميلة كانت واقفة قدامه بابتسامتها الرقيقة اللي بتنسيه تعب اليوم، وقربت منه كوباية عصير مانجا فرش كانت لسه عاملاها:
​"اتفضل يا حبيبي.. اشرب دي عشان تروق."
​أدهم أخد منها الكوباية وهو باصص لعيونها بامتنان، وشرب رشفة وقال بحنية:
​"تعبتي نفسك ليه يا حبيبة قلبي؟ كنتي خلي حد من الخدم يعمله وانتي تريحي."
​جميلة ضحكت بدلع وهي بتحاوط رقبته بإيديها، وشبكت صوابعها في بعض ورفعت نفسها على طراطيف صوابعها عشان توصل لمستواه:
​"وأنا روحت فين؟ لازم أنا اللي أعمل العصير لحبيبي بنفسي عشان يبقى طعمه أحلى.. وبعدين أنا مش بتعب وأنا بعمل حاجة ليك."
​أدهم حط الكوباية على الترابيزة اللي جنبه بسرعة، وحط جبينه على جبينها وهو بيتنفس ببطء، وقال بصوت واطي ومبحوح:
​"اهدي في كلامك اللي بيدوب ده عشان مش في مصلحتك دلوقتي.. أنا مابقيتش حمل الدلع ده كله."
​جميلة ابتسمت بخجل ممزوج بعشق وهي بتدفن راسها في صدره، وهو حاوط خصرها بتمكن عاشق، وكأنه بيحميها من الدنيا كلها جوه حضنه.
أدهم أخد رشفة من العصير وبص لجميلة بحنان وسألها:
​"تشربي؟"
​هزت راسها بالنفي وهي بتتعدل في حضنه:
​"لا يا حبيبي، أنا لسه شاربة عصير برتقال بالجزر قبل ما أنت تيجي."
​أدهم ضم حواجبه باستغراب وضحكة مكتومة:
​"برتقال على جزر؟ إزاي يعني يا جميلة؟ ده ميكس غريب أوي"
​ردت عليه بثقة وهي بتسند راسها على صدره:
​"إيه يا أدهم؟ ده مفيد جداً وفيتامينات، وكمان طعمه حلو أوي ونفسي راحت له فجأة."
​حط راسه في حضنها وباس إيدها وقال: "بالهنا والشفا يا روحي.." وهمس بصوت واطي جداً: "الحمد لله إن فترة الوحم دي خلصت على خير."
​جميلة سمعت همسه وضحكت بقوة: " ينهارأنت لسه فاكر ؟"
​أدهم اتنهد بتعب وهو بيفتكر الفترة دي وقال: "هو أنا أقدر أنسى فترة وحمك وطلباتك العجيبة؟ دي كانت أيام تاريخية."
​جميلة مالت عليه وبصت لعيونه بشقاوة: "فاكر يوم الحرنكش؟"
​أدهم انفجر من الضحك وغمض عينه وهو بيفتكر: " هو أنا أقدر أنسى .. ده كان يوم عالمي.. أنتي صحتيني من عز نومي."
​"فلاش باك"
الساعة 4 الفجر - في جناح أدهم وجميلة
​الهدوء كان مسيطر على المكان، وأدهم غرقان في نوم عميق وهو نايم على بطنه، ودراعه القوي محاوط وسط جميلة بتملك حتى وهو نايم. فجأة، جميلة فتحت عينيها، وبدأت تحرك لسانها في بؤها كأنها بتستطعم حاجة مش موجودة، وقالت بلهفة: "لا.. مش قادرة بجد"
​بدأت تهز أدهم من كتفه بقوة، أدهم فتح عينه بصعوبة وهو مخضوض، بص حواليه لقى جميلة قاعدة وباصة له ببراءة وهدوء مريب. سألها وهو بينهج من الخضة:
​"جميلة! أنتي كويسة؟ حاسة بتعب؟ البيبي فيه حاجة؟"
​هزت راسها بالنفي وقالت برقة: "أنا كويسة يحبيبي.. بس.."
​"بس إيه يا حبيبتي؟ انطقي وقعتي قلبي"
​ابتسمت ببرائة وهي بتخبط صباعين السبابة في بعض بكسوف وبرائة مصطنعه: "عايزة حرنكش."
​أدهم بصلها بذهول ووشه خالي من التعبيرات من كتر الصدمة: "حرنكش؟ يعني إيه حرنكش؟ "
​جميلة قلبت وشها بغضب طفولي: "هو إيه اللي يعني إيه؟ بقولك نفسي في حرنكش.. هو أنا بطلب المستحيل؟"
​أدهم مسح على وشه بتعب وبص في الساعة: "يا حبيبتي أنتي عارفة الساعة كام؟ مفيش محلات فاتحة دلوقتي، وبعدين ده مش أوانه أصلاً"
​ضمت شفايفها بزعل وبدأت عينيها تلمع بالدموع: "ماليش دعوة، عايزة حرنكش ويكون مزز أوي.."
​أدهم قرب منها ولمس وشها بحنان يحاول يهديها: "حاضر يا روحي، عيوني ليكي، بس الصباح رباح.. أول ما الشمس تطلع هجيبلك جنينة حرنكش كاملة."
​بعدت إيده بزعل ولفّت وشها الناحية التانية: "لا مش هستنى للصبح.. أنا عايزة حرنكش حالاً . ولا أنت بقى عايز بنتك تطلع في قورتها حرنكشاية وأفضل حاسه بالذنب طول عمري؟"
​أدهم نفض الغطا بتعب وقام وقف وهو بيضحك بيأس: "لا طبعاً ميرضنيش.. حاضر يا ست جميلة، هلبس وانزل ألف في شوارع مصر لحد ما ألاقي لك الحرنكش اللي هيطلع في قورة البنت ده."
​جميلة أول ما شافته بيلبس التيشرت، صرخت بحماس:
​"بص يا أدهم.. متجبوش من سوبر ماركت، هاته من العربية اللي بتكون في الشارع دي، بيبقى طعمه أحلى ومزز أكتر"
​هز راسه وهو مش مصدق الموقف، وباس راسها وهو خارج من الجناح وعينيه لسه مش قادرة تفتح من النوم.
​عودة للواقع..
​أدهم كان بيفتكر وهو ميت من الضحك، وجميلة كانت بتضحك معاه وهي بتفتكر شكله وهو راجع بقرطاس الحرنكش في إيده ومنظره مبهدل من اللف في الشوارع.
أدهم كمل وهو بيحضنها بتملك عاشق: "شوفتي بقى كنت بتعب معاكي إزاي؟ بس كله يهون عشان خاطر عيونك وعيون اللي في بطنك."
__________________________________
في أوضته الهادية، كان محمود قاعد لوحده، ماسك في إيده صورة قديمة أكلت أطرافها السنين وبهتت ألوانها، بس فضلت في عينيه أنور من الحاضر بكتير. الصورة كانت بتجمعه بأدهم وهو  عشر سنين، ومحمود كان حاضن فيها مراته وهي في شهور حملها الأخيرة في ياسمين، والضحكة كانت ماليه وشهم
​محمود مشى صوابعه على الصورة بتأثر كبير، وهمس بصوت مخنوق بالشوق:
​"خلاص يا حبيبتي.. ولادنا كبروا. ياسمين بقى معاها بنوتة زي القمر وسمتها فتون، وأدهم خلاص كوّن عيلة وبنته في الطريق.. ارتاحي في قبرك يا حبيبتي، أنا وفيت بالوعد."
​قرب الصورة وباسها بحنين جارف، ومخدش باله من اللي كانت واقفة ورا الباب الموارب؛ "نادية" اللي اتسمرت مكانها وهي بتسمع كلامه اللي مكنش ليها فيه نصيب. حست بنغزة حادة في قلبها، فرغم مرور أكتر من عشرين سنة على جوازها منه، ورغم إنها هي اللي كملت معاه المشوار، إلا إنها حست في اللحظة دي بضعفها قدام ذكرى ست راحت بس لسه ممشيتش من قلب جوزها.
​نادية دموعها غلبتها، فالغيرة ملهاش منطق، وغيرة الست من ذكرى هي أصعب أنواع المعارك، لأن المنافس هنا غايب وحاضر في نفس الوقت. سألت نفسها بمرارة وكسرة:
​"لسه بتحبها يا محمود؟ لسه حبي ومودتي طول السنين دي مقدروش يشيلوها من قلبك 
مسحت دموعها بسرعة وانسحبت من قدام الأوضة بخطوات تقيلة قبل ما يلمح انكسارها، هربت بوجعها تداري خيبتة قلبها.
__________________________________
في بيت علي..
 الجو كان هادي ومريح للأعصاب. علي فتح باب الأوضة براحة خالص، وهو حريص إن رجله متعملش صوت عشان ميقلقش ياسمين وفتون، متعود كل ليلة يرجع يغير هدومه وينام في سكات وهو واخد ياسمين اللي بتكون في سابع نومه في حضنه. ..​لكن أول ما الباب اتفتح، اتثبت مكانه من الصدمة. 
الأوضة مكنتش زي كل يوم؛ النور مطفي ومعتمد بس على إضاءة شموع معطرة مالية المكان بريحة لافندر تجنن، والأرضية مفروشة بورد أحمر وأبيض في مشهد خيالي، ومعاهم موسيقى هادية جداً شغالة في الخلفية. علي بص لسرير فتون لقاه فاضي، ولسه هيستغرب، سمع صوت خبط كعب رقيق وراه.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
​لف ببطء وهو بيبلع ريقه، واتفاجئ بياسمين واقفة قدامه زي الحلم. كانت لابسة فستان أحمر بكتف واحد ،واصل لبداية ركبتها، ومفصل عليها بشكل يجنن، ولابسة هيلز عالي لؤلؤي رقيق جداً. شعرها كان مفرود ونازل بنعومة على كتافها، ومكياجها كان ساحر برز جمال عينيها اللي كانت بتبصله بحب وشوق.
​ياسمين كانت ماسكة في إيدها تورتة صغيرة وعليها رقم 31 بلون دهبي. علي ابتسم تلقائياً أول ما استوعب إن النهاردة عيد ميلاده، وعيونه لمعت بعشق وحب كبير ليها. 
ياسمين قربت منه بخطوات بطيئة ودلال، ورفعت نفسها على طراطيف صوابعها عشان توصل لمستوى طوله، ورغم الكعب العالي اللي كانت لابساه، إلا إنها يا دوب كانت واصلة لبداية كتفه.
​قربت من ودنه وهمست بنبرة دافية:
​"كل سنة وأنت طيب يا حبيبي.. وعقبال مليون سنة وأنت منور حياتي."
​علي اتأثر جداً إنها رغم انشغالها بفتون والتعب، إلا إنها منسيتش اليوم ده وخططت له بكل الحب ده. حاوط خصرها بإيديه بتملك وسحبها لحضنه، وهمس لها بصوت مليان مشاعر:
​"وأنتي طيبة يا قلب علي.. أنا مكنتش متخيل إنك هتعملي كل ده، بجد أنتي أجمل هدية جاتلي في العمر ده كله."
​ياسمين ضحكت برقة وهي بتسند راسها على صدره وقالت:
​"أنا خليت فتون مع خالتو منى النهاردة، عشان نكون لوحدنا ونحتفل بعيد ميلادك.. مكنش ينفع اليوم ده يعدي من غير ما أقولك أد إيه أنا محظوظة بيك."
​علي شدد من ضمته ليها وهو بيبص في عينيها بحب ملوش آخر:
​"أنا اللي محظوظ يا ياسمين.. أنتي اللي خليتي لحياتي طعم، وخليتي الـ 31 سنة دول يبتدوا بجد من يوم ما دخلتي بيتي."
ياسمين بصت لعلي بعيون مليانة حب وقالت بصوت واطي وندمان:
​"علي.. أنا بجد كنت عايزة أعتذر لك. الفترة اللي فاتت دي أنا عارفة إني أهملت في حقك أوي، وحتى أهملت في نفسي. فتون واخدة كل وقتي وتفكيري، وبقيت بحس إني مقصرة معاك جداً."
​علي مسمحلهاش تكمل، وحط صباعه السبابة على شفايفها برقة عشان يسكتها، وابتسم بابتسامة كلها حنية:
​"بتعتذري على إيه يا ياسمين؟ بتعتذري إنك بتهتمي ببنتي؟ ولا إنك مابتناميش عشان هي ترتاح؟"
​ياسمين اتنهدت وقالت: "أيوة، بس أنت بقالك فترة بترجع من الشغل بتلاقيني في سابع نومه من التعب، ومع ذلك معارضتش ولا مرة ولا اشتكيت، وده مخليني حاسة بذنب أكبر."
​علي قرب منها أكتر وضمها لحضنه بتملك وقال بصوت دافي:
​"يا حبيبتي، أولاً أنا مجرد إني أخدك في حضني آخر الليل دي عندي بالدنيا وما فيها، وتعبك ده مقدره جداً. ثانياً بقى، أنا بجد بستغرب جداً من الرجالة اللي بيزعلوا ويتخانقوا مع ستاتهم بعد الولادة بحجة إنهم مابقوش مهتمين بيهم.. إزاي مش قادرين يفهموا حجم المسؤولية والتعب اللي الست بتمر بيه عشان تبني عيلة؟"
​ياسمين ابتسمت بدموع فرحة من كلامه اللي ريح قلبها، وقالت: "أنا بجد محظوظة بيك يا علي، أنت أحن راجل في الدنيا."
​علي باس جبينها وهمس لها: "وأنا اللي محظوظ بيكي يا قلب علي.. أنتي وفتون أغلى ما أملك، وعمري ما هحس بتقصير منك طول ما أنتي منورة بيتي."
​الحوار كمل بينهم بمنتهى الرومانسية، وكل واحد فيهم بيعبر عن حبه للتاني، وسط أجواء الشموع والورد، وانتهى المشهد بلحظة قرب وعشق صافي خلتهم ينسوا أي تعب فات.
__________________________________
في صباح يوم جديد، الشمس كانت بدأت تتسلل لجناح أدهم وجميلة. جميلة فتحت عينيها براحة، وبصت جنبها لقت أدهم لسه غرقان في نومه، شعره نازل على جبينه مخبي عينه وشكله كان مثير جداً وهو هادي كدة. ابتسمت بحب ولمست وشه برقة، وبعدين باسته من خده وقامت وهي بتسند ضهرها وبتاخد نفسها بصعوبة لحد ما قدرت تقف على رجليها.
​دخلت خدت شاور وخرجت وهي لفة بشكير بينك رقيق، وقفت قدام التسريحة وبدأت تسرح شعرها، لكن فجأة جسمها اتشنج.. حست بمغص شديد ومفاجئ في بطنها كأن خنجر انغرس فيها، اتنفست بصعوبة وهي ساندة بإيدها على التسريحة.
​في اللحظة دي المنبه رن، وأدهم بدأ يصحى ببطء. شافها واقفة مدياله ضهرها، قام من السرير بابتسامة وراح حضنها من ضهرها ولف دراعه حول بطنها المنتفخة بعشق:
​"صباح الخير يا قلبي."
جميلة حاولت تبتسم وتداري وجعها وردت بصوت مهزوز:
​"صباح الخير يا حبيبي."
​أدهم حس برعشة خفيفة في جسمها، لفها ليه وبص في ملامحها المجهدة وسأل بقلق:
​"جميلة.. أنتي كويسة؟ مالك وشك شاحب ليه؟"
جميلة مكانتش عايزة تقلقه، افتكرت إنه مجرد وجع عابر من ضغط الحمل، فقالت بهدوء مصطنع:
​"لا يا حبيبي، أنا كويسة . ده بس تعب الصبح العادي. ادخل أنت خد شاور عشان متتأخرش."
​بعد دقايق، أدهم خرج من الحمام لقى جميلة لبست عباية استقبال شيك لونها كحلي وليها حزام من عند الخصر مبرز بطنها. قرب منها وباس خدها:
​"خلي بالك من نفسك، ولو حسيتي بأي حاجة كلميني فوراً."
خرج أدهم وهو مش مطمن، وجميلة نزلت الجنينة تحاول تشم هوا نظيف. يزن كان مستنيها بالكورة، وبدأوا يلعبوا سوا، وضحكهم كان مالي المكان ونازل على قلب جميلة يطمنها.
​فجأة يزن شاط الكورة بعيد شوية، جميلة نزلت بجسمها عشان تجيبها، لكن في اللحظة دي الطلق الحقيقي ضرب في ضهرها وبطنها بقوة مكنتش تتخيلها. الوجع بقى أضعاف اللي حست بيه الصبح. يزن جري عليها لما شافها اتسمرت مكانها:
​"يلا يا جميلة أحدفيلي الكورة."
​فجأة، جميلة صرخت صرخة هزت أركان القصر:
​"اااااااااه"
يزن اتفزع وعيط بخوف: "جميلة مالك؟ أنتي بتعيطي ليه؟"
جميلة قعدت على النجيله وهي بتصرخ بوجع يقطع القلب، وفجأة حست بمية دافية بتنزل منها بغزارة. يزن بص لهدومها وهو مش فاهم إيه اللي بيحصل، وجري على القصر وهو بيصرخ ينادي على البادي جارد اللي واقف على بوابة لقصر .
​في الوقت ده، أدهم كان لسه في الطريق، سايق وعقله مشغول بجميلة. فجأة موبايله رن برقم  الحارس. أدهم استغرب ورد بقلق:
​"أيوة يا مسعود.. خير؟"
​وقبل ما مسعد يفتح بقه أو ينطق بحرف، شق سكون العربية صوت صراخ أنثوي عالي جداً جاي من خلفية المكالمة.. صرخة أدهم حافظها عن ظهر قلب، صرخة جميلة
مسعد رد وصوته مرعوش والنهجة باينة فيه:
​"الحق يا أدهم بيه ....جميلة هانم بتولد"
​أدهم في ثانية كان لافف الدريكسيون بأقصى سرعة وهو مش شايف قدامه، قلبه كان بيدق لدرجة إنه حاسس إنه هيقف، صرخ في الموبايل بصوت أرعب مسعد:
​" محدش يلمسها وأنا دقايق وهكون عندكم.. لو حصلها حاجة هنهيكم كلكم"
​رمى الموبايل جنبه وداس بنزين وهو بيهمس بوجع وخوف:
​"يا رب.. يا رب احميها هي وبنتي، قومهالي بالسلامة يا رب."
​في القصر، جميلة كانت واقعة على النجيلة، وشها بقى شاحب جداً والعرق بيصب منها من كتر الوجع، كانت ماسكة في إيد يزن الصغير اللي كان بيعيط ومنهار وهو شايفها بتتألم بالشكل ده:
​"جميلة! متسيبينيش يا جميلة"
​جميلة بصوت متقطع وهي بتضغط على إيده:
​"يزن.. حبيبي.. كلم بابا.. خليه ييجي بسرعة يا يزن.. ااااه"
​الخدم  جريوا عليها، ونادية وصلت بعد ماعرفت وبسبب ان بيت محمود قريب من قصر أدهم وصلت بسرعه بمجرد ما يزن كلمها، جريت عليها وحطت راس جميلة في حجرها:
​"اهدي يا بنتي، اهدي يا جميلة ... اتنفسي براحة."
​جميلة كانت بتغيب عن الوعي من شدة الطلق اللي جه فجأة وبقوة، وفي وسط الوجع ده، مكنش على لسانها غير اسم واحد: "أدهم.."
​بعد أقل من عشر دقايق، صوت فرامل عربية أدهم صرخ قدام باب القصر، نزل منها زي المجنون، مشي لدرجة إنه كان بيقع وهو بيجري ناحية الجنينة. أول ما شافها مرمية على الأرض، قلبه اتخلع من مكانه، رمى نفسه جنبها وأخدها في حضنه وهو بيترعش:
​"جميلة أنا جيت يا روحي.. أنا جنبك، متخافيش."
​جميلة فتحت عينيها بصعوبة وبصت له بدموع:
​"أدهم.. بنتنا يا أدهم.. حاسة إني بموت."
​
أدهم شالها بسرعة وهو مرعوب ،​ركبها الكرسي اللي ورا ونادية ركبت جنبها، ويزن كان قاعد قدام وهو بيمسح دموعه بكم التيشرت. أدهم كان بيسوق وهو بيبص عليها في المراية كل ثانية، بيحاول يطمنها وهو نفسه محتاج اللي يطمنه.
__________________________________
أدهم كان سايق العربية كأنه في سباق مع الموت، الكاوتش كان بياكل الأسفلت من كتر السرعة، وجوا قلبه كان بيحترق مع كل صرخة بتطلع من جميلة في الكنبة اللي ورا. وصلوا المستشفى في وقت قياسي، وأول ما العربية وقفت ،الممرضين والدكاترة كانوا جاهزين بالترولي. أدهم شالها بنفسه وحطها عليه وهو بيحاول يطمنها بلمسة إيد مرعوشة.
​جميلة دخلت أوضة العمليات فوراً، ونادية دخلت بصفتها دكتورة ، وساعدت الدكتورة المتابعة لجميلة اللي بدأت العملية فوراً.
​بره، في الطرقة الطويلة اللي ريحتها بنج ومعقمات، كان أدهم رايح جاي زي الأسد الجريح. أعصابه كانت مشدودة لدرجة الانفجار، خصوصاً وهو سامع صوت صراخ جميلة اللي بيهز جدران المستشفى لأنها كانت بتولد طبيعي . يزن كان قاعد على الأرض، ساند راسه على الحيطة ودموعه نازلة بصمت تقطع القلب، وعلي كان قاعد جنبه وأخده في حضنه بيحاول يهديه، وياسمين ومحمود كانوا قاعدين وعلى وشهم قلق ميتوصفش، وكل شوية محمود يرفع إيده للسما ويدعي.
​فجأة، باب العمليات اتفتح، وخرجت نادية بلبس العمليات المعقم. القلق كان مرسوم على ملامحها بشكل يخوف، وعينيها فيها نظرة تيه. بصت لأدهم وقالت بصوت مهزوز:
​"أدهم.. الدكتورة عايزاك جوه حالاً."
​أدهم حس ببرودة تلج بتنهش في جسمه كله، والصمت اللي حلّ فجأة جوه الأوضة خلاه يتجمد مكانه. صرخ برعب وهو بيمسك كتاف نادية:
​"ليه ؟ هي جميلة مالها؟ ليه مش سامع صوت صريخها؟!"
​نادية محستش بنفسها وهي بتزقه برفق ناحية الباب:
​"مفيش وقت للكلام يا أدهم.. الممرضة هتعقمك وتدخل فوراً، جميلة محتاجة تسمع صوتك دلوقتي بالذات."
​أدهم دخل الأوضة بعد ما اتعقم في ثواني، كان حاسس إن رجليه مش شايلة جسمه. أول ما دخل، شاف جميلة نايمة وشها شاحب زي الورقة البيضاء، والعرق مغرق جبينها، وعينيها كانت نص مفتوحة وبتدور عليه بضعف. الدكتورة بصت لأدهم وقالت بجدية:
​"أدهم بيه، جميلة هانم طاقتها خلصت وبدأت تغيب عننا، والجنين نبضه بدأ يقل.. لازم تشجعها، لازم تفضل صاحية معانا وتضغط بكل قوتها في اللحظات دي، وإلا هنضطر لتدخل جراحي سريع وده خطر عليها دلوقتي."
​أدهم جري عليها، مسك إيدها وباسها بقوة وهو بيدفن وشه في رقبتها وبيهمس بصوت مخنوق بالدموع:
​"جميلة.. حبيبتي.. أنا هنا، أدهم جنبك يا روحي. متسيبينيش يا جميلة، بنتنا مستنية تشوفيها، قومي عشان خاطري.. يلا يا حبيبتي، أنتي قوية، أنا عارف إنك قوية."
​جميلة أول ما سمعت صوته، صوابعها ضغطت على إيده بضعف، وبدأت تجمع آخر ذرة طاقة في جسمها وهي بتبص في عيونه وكأنها بتستمد منها الحياة.جمعت كل ذرة طاقة باقية في روحها، عروق رقبتها برزت من كتر الشد والضغط، ووشها بقى أحمر قاني وهي بتكتم صرخة مكتومة خرجت في الآخر مدوية هزت حيطان أوضة العمليات.. ومع الصرخة دي، دوي صوت تاني، صوت حياة جديدة بتعلن عن وصولها.
​أدهم وقف مذهول، بلع ريقه وهو شايف بنته بتخرج للنور، مشهد خلاه يتسمر مكانه وكأن الزمن وقف. جميلة رغم إنها كانت شبه غايبة، إلا إنها ضحكت ضحكة باهتة مكسورة بالتعب وهي بتبص لأدهم بنظرة أخيرة قبل ما جفونها تتقل.
​نادية، بتمكن وخبرة، شالت البنت بسرعة، قطعت الحبل السري وناولتها للممرضة اللي نظفتها في ثواني، وبعدين لفتها في قماشة بيضاء ناعمة ورجعتها لنادية. نادية قربت من أدهم اللي كان واقف زي التايه، وادته البنت.
​في اللحظة دي، أدهم حس إن ضربات قلبه بقت مسموعة لكل اللي في الأوضة، دقات سريعة وعنيفة بتهز صدره. أدهم السويسي، اللي الكل بيعمل له ألف حساب، كان واقف في منتهى الضعف والخشوع قدام الكائن الصغير ده. قرب شفايفه من جبين البنت الصغير، وباسها بحنان ملوش وصف وهمس بصوت مخنوق:
​"نورتي يا قلب السويسي.. نورتي يا روح بابا."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
​لف وشه بلهفة لجميلة عشان يوريها ثمرة وجعهم، وقال بسعادة:
​"شايفة يا جميلة؟ شايفة بنتنا زي القمر إزاي؟ بصي عليها كده.."
​لكن الصدمة لجمت لسانه.. جميلة كانت مغمضة عينيها تماماً، ملامحها بقت ساكنة سكون مرعب، وإيدها اللي كانت ماسكة إيده ارتخت ووقعت على السرير ببرود قاتل. الابتسامة اللي كانت على وشها اختفت وحل مكانها هدوء مبيطمنش.
أدهم بسكون مرعب :" جميلة .... "
أدهم بص لنادية بعيون مليانة رجاء وخوف، وصوته كان بيترعش وهو بيسأل:
"جميلة مالها؟ ليه غمضت عينها فجأة كدة؟ ردي عليا يا نادية ونبي"
نادية قربت من جميلة وبصت على أنظمتها الحيوية من خلال الجهاز .ملامحها ارتخت وطبطبت على كتفه بحنان وهي بتحاول تبتسم عشان تهديه، وقالت بنبرة مطمئنة:
"متقلقش يا أدهم، هي بس من كتر التعب والمجهود نامت.. جسمها كان مستني اللحظة اللي يطمن فيها إن بنتها خرجت للنور بسلام، وأول ما سمعت صوتها انهار من الإرهاق. هي كويسة والله، شوية وهتصحى وتبقى زي الفل."
أدهم أخد نفس طويل كأنه كان محبوس، وهز راسه براحة. ميل على جميلة، باس جبينها بكل حب، ومسح بإيده على شعرها المبلول من التعب والمجهود اللي بذلته عشان تهدي له حتة منه.
خرج أدهم من باب العمليات وهو شايل البنت الصغيرة بزهو وحذر، وكأن شايل أغلى جوهرة في العالم. أول ما شافوه، الكل اتجمع حواليه بلهفة وفرحة.
محمود كبر وهلل بصوت مليان خشوع: "بسم الله ما شاء الله.. الله أكبر، ربنا يحميها ويبارك فيها يا ابني."
ياسمين عيونها دمعت من الفرحة وقربت لثمت القماشة اللي لافة البنت: "عسولة خالص يا أدهم، شبه جميلة أوي.. ربنا يبارك لك فيها ويجعلها من الذرية الصالحة."
علي حط إيده على كتف أدهم وضغط عليها بامتنان: "مبروك يا صاحبي، تتربى في عزك وربنا يحفظها لك من كل شر."
أدهم نزل لمستوى يزن اللي كان لسه قاعد على الأرض وباصص لهم بصمت، وقال بحنان:
"مش عايز تشوف أختك يا يزن؟"
يزن بصله بخوف ممزوج بحماس طفولي، وقام وقف براحة. أدهم عطاه البنت بحرص شديد وهو مسند إيد يزن الصغير، ويزن أول ما شاف ملامحها الصغيرة والدقيقة، ضحك ببرائة وقال:
"دي عسولة خالص يا بابا.. صغننة أوي زي فتون"
وسط الفرحة دي، خرجت نادية من أوضة العمليات وباين على وشها إرهاق السنين. محمود أول ما شافها، قرب منها وباس جبينها قدام الكل تقديراً لوقفتها وتعبها: "تسلمي يحبيبتي، تعبناكي يا حبيبتي."
نادية ارتبكت جداً وبان عليها التوتر، ومقدرتش تدي رد فعل أو ترد بكلمة حنينة زي عادتها، اكتفت بإنها باركت لادهم بصوت واطي وقعدت على أقرب كرسي وهي بتنهج. محمود لاحظ التغير ده واستغرب برودها، بس كتم في نفسه وقال إن ده مش المكان ولا الوقت المناسب للكلام، أكيد هي بس مجهدة من العملية.
بعد شوية، السرير بتاع جميلة خرج من الأوضة وهي لسه نايمة من الإرهاق، بس ملامحها كانت هادية. أدهم ساب كل اللي في إيده ومسك إيدها بقوة، ومشي جنب السرير مع الممرضين لحد ما دخلوا غرفتها الخاصة، وكأنه مش عايز يغيب عن عينه ثانية واحدة
الكل كان متجمع في الغرفة، والجو مليان بمشاعر مختلطة بين الفرحة والراحة. محمود كان قاعد شايل حفيدته التانية بين إيديه، ودموع الفرحة في عينيه وهو بيتأمل ملامحها .علي وياسمين قاعدين جنب بعض على الكنبة ويزن في وسطهم بيحاول يلمس إيد أخته الصغيرة بفضول، أما نادية فكانت قاعدة على الكرسي وسرحانة في الفراغ، كأن بالها مش معاهم خالص.
على السرير، أدهم مكنش عينه بتنزل من على جميلة، قاعد جنبها وماسك إيدها، وبإيده التانية بيزيح خصلات شعرها عن وشها برقة متناهية. قرب باس جبينها للمرة المليون، وبعدين التفت لنادية وسألها بقلق لسه ماراحش:
"طنط نادية، هو طبيعي نومها ده يطول كدة؟ أنا خايف لتكون تعبانة وأنتي بتطمنينا وخلاص."
نادية فاقت من شرودها فجأة وبصتله، وحاولت ترسم ابتسامة هادية على وشها:
"أيوه يا حبيبي، طبيعي جداً زي ما قولتلك الطلق الطبيعي بياخد مجهود جبار، وهي جسمها محتاج يفصل عشان يستعيد قوته."
ياسمين سألت باستغراب وهي بتعدل قعدتها:
"بس هي مش ولدت طبيعي يا طنط؟ المفروض تفوق أسرع من القيصري عشان مفيش بنج، صح؟"
نادية ردت بتوضيح:
"صح يا ياسمين، بس جميلة جسمها رقيق، وبمجرد ما البنت خرجت واطمئنت بصوتها، الجهاز العصبي عندها انهار من كتر التعب فنامت نوم عميق."
ياسمين اتنهدت بحزن:
"يا حرام، جميلة أكيد تعبت أوي.. والمشكلة إنها ملحقتش حتى تملي عينها بشوفة بنتها ولا تاخدها في حضنها."
أدهم ابتسم بنظرة كلها عشق وهو باصص لجميلة النايمة:
"أول ما تفتح عيونها، أنا متأكد إنها مش هتسأل عني ولا عن حد، هتكون ملهوفة بس على بنتها.. حبيبتي تعبت أوي النهاردة."
وسط الكلام ده، خبطت ممرضة ودخلت الغرفة، كان باين عليها توتر غريب وصوتها فيه رعشة مكتومة محدش خد باله منها وسط الفرحة، وقالت:
"لو سمحتوا.. إحنا محتاجين البنت دلوقتي عشان نوديها الحضانة، لازم الدكتورة تطمن على تنفسها وتعمل الفحوصات الروتينية."
أدهم قام وأخد البنت من حضن محمود اللي كان متمسك بيها، وباسها بوسة قوية وكأنه بيودعها لدقايق:
"روحي يا قلب بابا، وشوية وهجيبك تشوفي مامي وتحضنيها."
أدهم سلم البنت للممرضة، اللي إيدها ارتعشت وهي بتاخدها منه، وخرجت من الغرفة بسرعة ملحوظة.. في اللحظة دي، نادية بصت في أثر الممرضة وحست بانقباضة مفاجئة في قلبها، وكأن فيه حاجة غلط.
في ممرات المستشفى..
الممرضة كانت بتمشي بخطوات سريعة ومرتبكة، وأول ما بعدت عن غرفة جميلة، دخلت طرقة جانبية وضلمة، وهناك كانت واقفة واحدة ست لابسه لبس عمال النظافة وماسك شنطة كبيرة.. الممرضة قالت بخوف:
"أنا عملت الي قولتيلي عليه ،هاتي يلا الفلوس الي اتفقنا عليها عشان ألحق أمشي من المستشفى قبل ماحد يشك فيا ."
ثريا محطتش البنت في شنطة، لا دي لفتها في شال أسود كان معاها وضميتها لصدقها بقوة، ونزلت جري على سلالم المستشفى الخلفية.. كانت بتنزل السلالم وهي بتنهج، قلبها بيدق من الخوف ومن نشوة الانتصار في نفس الوقت. أول ما خرجت من الباب الخلفي للمستشفى، بدأت تتلفت حواليها برعب.
مشيت بسرعة لحد ما وصلت لأول الشارع الرئيسي، ورفعت إيدها لتاكسي كان معدي.. التاكسي وقف، ركبت بسرعة وقالت للسواق بصوت مهزوز:
"اطلع يا أسطى بسرعة.. اطلع"
السواق بص لها باستغراب في المراية:
"على فين يا ست هانم؟"
ثريا ردت وهي بتداري وش البنت: "أي حتة بعيد عن هنا.. اطلع بس وهقولك السكة."
التاكسي اتحرك، وثريا بصت للبنت اللي في حضنها وابتسمت ابتسامة مريضة وهي بتهس:
"خلاص يا أدهم.. حتة من قلبك بقت في إيدي، والمرة دي مش هتشوفها غير لما أشوفك مكسور وذليل قدام عيني."
__________________________________
بعد حوالي نص ساعة، بدأت جميلة تفتح عينيها ببطء، الرؤية كانت مشوشة حواليها. أدهم أول ما شافها بتحرك جفونها، قرب منها بلهفة وحط إيده على وشها بحنان:
"حمد لله على السلامة يا حبيبتي.. فوقي يا جميلة أنا جنبك."
جميلة حاولت تاخد نفسها بصعوبة، وأول كلمة نطقت بها كانت بسؤال هز كيان أدهم:
"بنتي.. بنتي فين يا أدهم؟"
أدهم بابتسامة:
"اهدي يا روحي، هي بس في الحضانه الدكاترة بيعملوا لها فحوصات روتينية عشان يطمنوا على نفسها، ده إجراء عادي في كل الولادات."
ياسمين قامت من مكانها وقربت من السرير بابتسامة عريضه:
"متخافيش يا جميلة، والله هما بس بيطمنوا عليها، ليكون لقدر الله عندها الصفرا أو الأنرات بتاعت البيبيهات دي"
بس جميلة مكنتش مقتنعة، فطرة الأم اللي اتولدت جواها في اللحظة دي كانت أقوى من أي مبرر، حست بنغزة في قلبها وكأن بنتها بتستغيث بيها، بدأت تعيط بهستيريا وتحاول تقوم:
"لا.. هاتها يا أدهم.. هاتها دلوقتي، أنا عايزة أشوفها حالا"
أدهم استغرب قلقها الزايد، ولسه هيقوم، علي سبقه وحط إيده على كتفه:
"خليك أنت مع جميلة يا أدهم ، أنا هقوم أشوف الممرضة وأجيب البنت وأجي."
علي خرج وغاب دقايق كانت كأنها سنين على أدهم وجميلة. فجأة، الباب اتفتح وعلي ظهر، بس ملامحه كانت متغيرة تماما، وشه كان مخطوف والقلق باين في عينيه. شاور لأدهم من غير كلام إنه يخرج له برا الأوضة.
أدهم قلبه قبضه، بص لجميلة وقال بتمثيل: "ثواني يا حبيبتي ."
خرج أدهم وقفل الباب، وبمجرد ما بقوا في الطرقة، سأل بحدة:
"فيه إيه يا علي؟ وشك ماله؟ فين البنت؟"
علي اتكلم وصوته مليان قلق:
"أدهم.. أنا روحت الحضانة وسألت الدكاترة والممرضات، كلهم قالوا إن مفيش حد استلم البنت، والممرضة اللي جت خدتها مننا اختفت"
أدهم جاله ذهول، مسك علي من هدومه بصدمة:
"يعني إيه؟ يعني إيه بنتي مش في الحضانة؟ أومال راحت فين!!"
علي حاول يهديه: "أنا قولت يمكن مدورتش كويس، روحت سألت في الإدارة وبحثنا في الكشوفات.. البنت مخرجتش للحضانة أصلاً يا أدهم"
أدهم حط راسه بين إيديه بانهيار وهو مش مصدق، صوته طلع مخنوق بالدموع والغضب:
"يعني بنتي اختفت؟ بنتي راحت فين يا علي؟ هقول لجميلة إيه؟ أقولها إني مقدرتش أحافظ على بنتنا اللي لسه مكملتش ساعة في الدنيا؟!"
علي مسك إيده بسرعة: "تعال نراجع كاميرات المراقبة حالا، أكيد هنوصل اللي عمل كدة."
راحوا أوضة المراقبة، وفي الأوضة جوا، جميلة كانت بدأت تصرخ بهستيريا وكأنها عرفت الحقيقة من غير ما حد يقولها، ونادية وياسمين بيحاولوا يهدوها وهما نفسهم مش فاهمين ليه أدهم وعلي اتأخروا كدة.
فجأة محمود موبايله رن برسالة من علي: "يا عمي حصلنا على أوضة المراقبة حالا.. "
محمود قام مخضوض، وياسمين سألته : "رايح فين يا بابا؟ فيه إيه؟"
محمود حاول يتماسك وقال وهو خارج: "هروح أشوفهم اتأخروا ليه بس، خليكم مع جميلة."
نادية حضنت جميلة اللي كانت بتنهار وبتقول بنبرة تقطع القلب: "بنتي .. رجعولي بنتي"
__________________________________
في غرفة المراقبة، كان النفس مقطوع، والعيون كلها متعلقة بالشاشات. أدهم كان واقف زي التمثال، حاطط إيده على بقه وباصص بتركيز مرعب في كل تفصيلة، ملامحه كانت جامدة بس عينه كانت بتطلع شرار. فجأة، علي صرخ وشاور بصباعه على الشاشة:
"هي دي.. أهي.. الممرضة اللي أخدت البنت"
الكل انتبه للشاشة، وشافوها وهي بتمشي بسرعة وبترتبك، ودخلت من باب جانبي وهي بتحاول تداري وشها. أدهم سأل الموظف بصوت حاد زي السكين:
"الباب ده بتاع إيه؟ بيودي فين؟"
الموظف بلع ريقه:
"ده باب غرفة السلم الخلفي يا فندم، وده مخرج للطوارئ بيودي للشارع الجانبي بعيد عن البوابة الرئيسية للمستشفى، وبمجرد ما بتخرج منه بتلاقي نفسك على الشارع الرئيسي فوراً."
محمود سأل بسرعة وهو بيحاول يلحق أي طرف خيط:
"تعرف تجيب لنا الكاميرات اللي كاشفة الشارع من بره؟ لازم نعرف ركبت إيه أو راحت فين"
الموظف رد وهو بيكتب بسرعة على الكيبورد:
"أيوه يا فندم، ثواني.. الكاميرات الخارجية كاشفة الرصيف كله."
بعد ثواني، ظهرت صورة الشارع ...الكل عينه متثبتة على الشاشة. الموظف بدأ يشغل كاميرا الشارع، والمنظر كان زحمة جداً؛ عربيات رايحة وجاية وناس ماشية في كل حتة. أدهم كان واقف وعينه زي الصقر، بيراقب كل حركة، لحد ما لمح طيف لست لابسة لبس عاملة نظافة وماشية بخطوات سريعة ومرتبكة، وكانت شايلة في إيدها حاجة سودا ملفوفة بحرص وبتتلفت حواليها برعب.
أدهم صرخ في الموظف:
"ثبت الكاميرا هنا.. زوّم عليها بسرعة"
الموظف نفذ الأمر، الست في البداية كانت ماشية بضهرها للكاميرا، فملامحها مكنتش واضحة. أدهم كان بيضغط على سنانه وهو مستنيها تلف، وفجأة، وهي بتعدي الرصيف، التفتت وراها بتوتر وخوف عشان تتأكد إن محدش ماشي وراها، وفي اللحظة دي وشها ظهر بوضوح قدام الكاميرا.
أدهم بص بتركيز، ملامح الست كانت غريبة عليه ومشافهاش قبل كدة، سأل بصوت حاد ومليان حيرة:
"مين دي؟"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
علي هز راسه بالنفي واستغراب ، لكن محمود اللي كان واقف وراهم، ملامحه اتجمدت، وجسمه بدأ يترعش بذهول وصدمة مكنتش تخطر على باله. همس بصوت يكاد يكون مسموع :
"ثريا.."
أدهم لف بجسمه كله لوالده، وعيونه وسعت من الصدمة:
"بتقول مين يا بابا؟ ثريا مين؟"
__________________________________
في غرفة جميلة، المستشفى كلها كانت على صفيح ساخن. جميلة كانت مرمية على السرير، وجسمها كله بيترعش بضعف، وصوت أنينها المبحوح وهو بتقول "بنتي.. رجعولي بنتي"صوت أنينها الموجوع كان بيقطع القلب.
أدهم وصوته كان زي الرعد، بص لمحمود بغضب وحرقة مكنش قادر يداريها:
"إزاي يا بابا؟ إزاي تخبي عليا كل ده؟ ست بالحقد ده وبالتاريخ ده مع عيلتنا،تسيبها تمشي عادي كدة من غير ما تقولي؟"
محمود كان ساند على الحيطة بضعف، ووشه كان باين عليه انكسار السنين، رد بصوت مهزوز ودموع في عينيه:
"أنا آسف يا ابني.. والله العظيم أنا مكنتش متخيل إن حقدها يوصل لدرجة إنها تمد إيدها على طفلة لسه مولودة... يوم ما جت المكتب، أنا خوفت عليك، قولت بلاش أقلقك وأشيلك هم ، خصوصاً إنك كنت لسه يا دوب قايل لي إن جميلة حامل.. مكنتش عايز أنكد عليك فرحتك بالخبر."
أدهم خبط بإيده على التربيزة اللي جنب السرير بغل:
"فرحة إيه يا بابا اللي كنت بتحميها؟ أهو النهاردة فرحتي اتدفنت .. بنتي مخطوفة في إيد ست مريضة، وجميلة بتموت قدام عيني.. كان لازم تقولي عشان أعمل حسابي، عشان أحمي بيتي منها"
جميلة نادت على أدهم بصوت مبحوح من البكا ،أدهم قرب منها وهو حاسس بوجع الدنيا كلها في قلبه ،كانت متمسكة بإيد أدهم بكل قوتها، دموعها مش بتوقف وهي بتترجاه بصوت يقطع القلب:
"عشان خاطري يا أدهم.. رجع لي بنتي، أنا لسه حتى مشفتش ملامحها ولا شميت ريحتها.. رجعها لي يا أدهم متسيبهاش في إيد الست دي"
أدهم وشه كان زي لوح الثلج من كتر الغضب، بس عينيه لانت وهو بيبص لجميلة، وطى عليها وباس جبينها بقوة وهمس لها بصوت مليان إصرار ويقين:
"وعد يا جميلة.. وحياة وجعك ده، وحياة كل دمعة نزلت منك، لهرجعها لك في حضنك. بنتنا هترجع، واللي عملت كدة هتدفع التمن غالي أوي.. اهدي أنتي بس وحاولي ترتاحي ."
أدهم قام وخرج من الأوضة، وراه علي ومحمود اللي كان باين عليه التعب والندم. أدهم بص لعلي وقال بلهجة حاسمة:
"علي.. مفيش وقت نضيعه. الكاميرات جابت لنا رقم التاكسي، أنا عايزك تقلب الدنيا وتجيب لي صاحبه في أقل من ساعة. التاكسي ده هو الخيط الوحيد اللي هيوصلنا لمكان ثريا.
وأنا هحاول أوصل للممرضة اللي ثريا اتفقت معاها ،أكيد تعرف مكانها"
علي رد عليه بجدية وهو بيمسك موبايله:
"رجالتنا شغالين دلوقتي يا أدهم، بلغت كل النقط والكمائن بمواصفات العربية ورقمها (ط ر ج ٥٤٢).. وصاحب التاكسي هيتجاب ."
محمود كان ماشي جنبهم وهو ساند على العصاية بتاعته وبيمسح دموعه، وقال بحزن:
"أنا جاي معاكم يا أدهم.. الست دي أنا اللي عارفها، وأنا اللي أقدر أواجهها لو لزم الأمر. بنتنا مش هتروح ضحية حقد قديم أنا كنت سببه."
أدهم بص لوالده نظرة عتاب مقدرش يتحكم فيها ... وبالفعل، اتحرك أدهم وعلي ومحمود بسرعة ناحية العربيات اللي كانت مستنية قدام باب المستشفى، والهدف واحد تتبع مسار التاكسي
في نفس الوقت..
التاكسي كان لسه بيتحرك في شوارع القاهرة الزحمة، والسواق بدأ يقلق من نظرات الست اللي راكبة ورا ومعاها طفلة بتعيط.
_________________________________
ثريا وصلت لبداية الشارع، ودفعت حساب التاكسي بإيد بترتعش من الأدرينالين والتوتر. نزلت وهي بتشد الشال على البنت اللي في حضنها، وعينيها بتلف في كل ركن في الشارع زي الديب.
طلعت السلم بسرعة وجسمها كله بينهج، فتحت باب الشقة ودخلت وقفلت وراها بـ الترباس. رمت الشال من على وشها وخدت نفسها بالعافية، وحطت البنت براحة على الكنبة. البنت كانت بدأت تصرخ من الجوع، صوت صريخها كان بيملى الشقة بوجع ملوش آخر.
ثريا فتحت شنطة كبيرة كانت مشترياها وهي في طريقها للمستشفى، طلعت منها علبة لبن بودرة وبزازة ومستلزمات تانية، وبدأت تحضر الرضعة ببرود مرعب وهي بتبص للبنت وبتقول:
"اشربي يا حبيبتي.. اشربي ونامي، عشان لما تصحي يكون باباكي بدأ يدفع تمن جرحي القديم."
بعد ما سكتت البنت والرضعة بدأت تهديها، ثريا طلعت موبايلها، وفتحت الكاميرا وصورت البنت صورة واضحة وهي نايمة ببرائه.
بعدها جابت ورقة وقلم، وكتبت بخط إيد مهزوز رسالة لسليم وقفلت الورقة وحطتها على الترابيزه اللي في الصاله وخرجت من البيت تنفذ باقي خطتها
__________________________________
سليم فتح باب الشقة بعد ما رجع من المدرسة ...الهدوء في البيت كان غريب، هدوء تقيل يقبض القلب. رمى شنطته ونادى بصوت عالي:
"ماما.. يا ماما! أنتي فين؟"
استغرب جداً، لأن ثريا مابتخرجش خالص وتسيب البيت فاضي كده. بدأ يتحرك في الصالة بخطوات قلقة، لحد ما عينه وقعت على ورقة مطوية محطوطة على الترابيزة. مسكها بوجل، وبمجرد ما فتحها وقرأ أول سطور، فتح عينه بصدمه.
"سليم حبيبي.. أنا جبت حقنا وحق أبوك . أنا خطفت بنت أدهم السويسي عشان أحرق قلبه عليها زي ما حرق قلبي. لما ترجع مش هتلاقيني في البيت لأني في مشوار مهم، الطفلة هتلاقيها في أوضتك على سريرك وجنبها حاجتها.. خد بالك منها لحد ما أرجع."
سليم وقف مكانه زي التمثال، الورقة وقعت من إيده وهو مش مستوعب اللي قرأه. "خطف؟ أمي خطفت طفلة؟"
وقبل ما يكمل تفكيره، شق سكون البيت صوت بكاء رضيع، صرخة مكتومة وضعيفة جاية من جوه أوضته.
رجليه شالته بالعافية لحد باب الأوضة، فتحه براحة، واتصدم من المشهد. على سريره، كانت فيه طفلة رضيعة ، جسمها الصغير ملفوف في قماشة وبتبكي بحرقة وهي بتحرك إيديها في الفراغ.
سليم قرب منها ودقات قلبه بتتسارع مع كل خطوة، قعد على طرف السرير وبص لها بذهول...
البنت كانت بتعيط بقوة ووشها الصغير بقى أحمر من كتر الصراخ.
سليم ملقاش حل غير إنه يمد إيده ويشيلها بتوتر، أول ما رفعها بين دراعاته، جسمها كان دافي ورقيق جداً.
"ششش.. بس خلاص.. اهدي."
قالها بصوت متردد، لكن البنت مابطلتش عياط. سليم بص حواليه بقلة حيلة وقال لنفسه:
"أكيد بتعيط من الجوع.. شكلها جعانة أوي."
لمح جنب السرير علبة لبن أطفال وببرونة جديدة لسه بغلافها. ساب الطفلة بحرص على السرير وجري على المطبخ، قرأ الطريقة المكتوبة على العلبة بتركيز شديد ، جهز الرضعة ورجع بسرعة.
شالها تاني وسند راسها على دراعه، وأول ما حط الببرونة في بقها، البنت سكتت فجأة وبدأت ترضع بلهفة. سليم وهو بيتأملها، لقى ابتسامة غصب عنه بتترسم على وشه.. ملامحها كانت لطيفة جدا وهي بترضع.
همس لها وهو باصص في عيونها اللي بدأت تقفل بنوم:
"شكلك كنتي جعانة أوي.. معلش."
دقايق والبنت خلصت رضعتها، واستسلمت للنوم، ومرسوم على شفايفها الصغيرة ابتسامة هادية وهي نايمة. سليم فضل باصص لها بذهول، الحقد اللي كان مالي قلبه تجاه عيلة السويسي بدأ يتزاحم مع شعور غريب بالشفقة والمسؤولية تجاه الكائن الرقيق اللي بين إيديه.
لمس خدها بصباعه براحة وقال بهمس:
"يا ترى اسمك إيه؟.. وإيه اللي مستنيكي ومستنينا يا صغيرة. "
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
في بيت ثريا، كان السكون بيخيم على أوضة سليم، اللي كان قاعد بينهج من التعب. فضل أكتر من ساعة رايح جاي بالبنت، يهزها براحة ويغني لها بصوت واطي لحد ما الطفلة أخيراً استسلمت للنوم ونامت ببراءة تخطف القلب، كأنها حاسة إن حضن سليم هو المكان الوحيد الآمن ليها دلوقتي.
فجأة، باب الأوضة اتفتح بعنف، سليم قام مفزوع ووقف قصاد السرير كأنه بيحميها. دخلت ثريا وهي بتعدل طرحتها ببرود والتعب باين على ملامحها، سألها سليم بلهفة:
"ماما! كنتي فين كل ده؟ سيبتيني لوحدي مع البنت وكنت محتاس"
ثريا ردت وهي بتمسح وشها بمنديل: "كنت في مشوار مهم يا سليم."
وبعدين لفت عينها ناحية الطفلة اللي نايمة على السرير وسألت بجمود: "عملت اللي قولتلك عليه؟ رضعتها وعملت باقي الحاجات؟"
سليم رد بتوتر وهو بيمسح عرق جبينه:
"أيوه.. رضعتها وسكتت بالعافية ونامت، بس.. بس معرفتش ألبسها البامبرز، مش عارف بيتعمل إزاي ."
ثريا بصت له بنظرة سخرية وقالت: "هات.. أنا هلبسهولها، ابعد كدة."
سليم فضل واقف شايفهاوهي بتتعامل مع البنت بآلية، وبعدين سألها السؤال اللي كان بياكل قلبه :
"ليه يا ماما؟ ليه عملتي كدة ومقولتليش إنك هتخطفي بنت أدهم السويسي؟ "
ثريا وقفت وبصت له بعيون مليانة حقد وقالت:
"الموضوع ده أنا مخططة له من فترة يا سليم.. من ساعة ما عرفت إن مراته حامل وأنا مستنية اللحظة دي. أول ما عرفت إنها ولدت النهاردة، نفذت الخطة فوراً. لازم أحرق قلب أدهم السويسي زي ما حرق قلبي ويتمك، لازم يعرف إن ثريا مابتنساش حقها."
سليم حس بوجع في ضميره، وبص للبنت اللي نايمة مش فاهمة أي حاجة من اللي بتتحال حولها، وقال بصوت مهزوز:
"طب وإيه مصير البنت دي؟ هتعملي فيها إيه يا ماما؟ "
ثريا ردت وهي بتغطي البنت ببرود:
"البنت هتفضل عندنا فترة.. لحد ما أدهم يستوي على نار هادية ويفقد أعصابه تماماً. ساعتها هساومه عليها، هاخد منه كل اللي أنا عايزاه، وبعدها هبقى أرجعهاله.. ده لو فضل فيه نفس أرجعهاله."
سابت سليم وخرجت من الأوضة وقفلت الباب وراها. سليم اتنهد بتعب، وحس بحمل تقيل على كتافه. رجع قعد جنب الطفلة على السرير، وبدأ يلمس ملامحها الصغيرة برفق شديد، خايف صوابعه  تجرح بشرتها الناعمة. قرب منها وباس إيدها الصغيرة اللي كانت في حجم صباعه الواحد، وهمس بوجع:
"سامحيني يا صغيرة على اللي إحنا بنعمله فيكي ... ذنبك الوحيد إنك بنت أدهم السويسي."
__________________________________
أوضة المستشفى كانت غرقانة في ضلمة خفيفة، مبيقطعهاش غير النور الخافت اللي طالع من شاشات الأجهزة الطبية، وهي بتعمل طنين رتيب ومستمر، كأنها بتعد أنفاس جميلة اللي كانت بتهرب منها بصعوبة. ياسمين كانت قاعدة على طرف الكرسي، ميلة بجسمها فوق جميلة، وإيدها بتمسح على خصلات شعرها اللي لزقت في جبينها من كتر العرق والبكا. كانت بتبص لها بمرارة، ومستغربة إزاي القدر يغدر بقلب نقي كدة في قمة لحظة سعادته.
فجأة، مقبض الباب اتحرك ببطء شديد، واتفتح عشان يظهر من وراه أدهم. مكنش أدهم السويسي الجبل الصامد اللي الكل يعرفه، مكنش الوحش اللي مبيتهزش.. لا، كان راجل مكسور، ملامحه ذبلانة، قميصه الأبيض مكرمش ومفتوح منه كذا زرار، وعيونه اللي كانت دايماً حادة زي الصقر، بقت محتقنة بالدم وفيا انكسار ميتوصفش. دخل بخطوات تقيلة، كأن كل خطوة بيخطيها شايلة طن من الهموم فوق كتافه.
ياسمين قامت فجأة من مكانها، جريت عليه ومسكت دراعه بقوة:
"أدهم طمني يا حبيبي.. قولي وصلتم لحاجة؟"
أدهم مكنش قادر يبص في عينيها مباشرة، فضل باصص لجميلة وهي نايمة كأنه خايف يواجه الواقع. هز راسه ببطء، وفي الحركة دي كان فيه كمية يأس توجع القلب:
"مفيش يا ياسمين.. السواق كان مجرد وسيلة. الست نزلت وسط الزحمةواختفت."
صوته كان طالع مخنوق، كأن الكلمات بتتدبح في حنجرته. ياسمين متمالكتش نفسها، ودموعها بدأت تنزل وهي بتطبطب على كتفه:
"استغفر ربنا يا أدهم، ربنا كبير ومبيسيبش حد مظلوم. إن شاء الله بنتك هترجع.. ربنا هيحفظها بعينه اللي مش بتنام، دي لسه حتة لحمة حمرا ملحقتش تعمل حاجة في الدنيا عشان تتأذي."
أدهم غمض عينه بقوة، وأمن على دعاها بـنبرة باهتة، وبعدين بص لها بملامح حازمة رغم التعب:
"يلا يا ياسمين عشان تروحي.. علي مستنيكي تحت . كفاية عليكي كدة، وجودك هنا مش هيغير حاجة دلوقتي."
ياسمين اعترضت: "مش هسيب جميلة في الحالة دي يا أدهم، لازم أكون جنبها"
أدهم ضغط على إيدها بجدية:
"وفتون يا ياسمين.. بنتك بقالها يوم كامل مشافتكيش ولا رضعت منك. روحي لبنتك، وجميلة أنا مش هتحرك من جنبها ثانية. روحي يا ياسمين."
هزت راسها بقلة حيلة: "حاضر يا أدهم."
أول ما ياسمين خرجت وقفل الباب، أدهم حس إن الهوا خلص من الأوضة. سند ضهره على الباب وخد نفس عميق صدره اترعش معاه. بدأ يفك باقي زرارير قميصه وظهرت عضلات جسمه المشدودة المتشنجة من الضغط والتوتر اللي شافه طول اليوم، قلعه ورماه بإهمال على الكنبة الي في ركن الغرفة .قرب من السرير، ووقف يتأمل جميلة. كانت باينة كأنها عصفورة مكسورة الجناح؛ وشها شاحب، وأثر الدموع راسم خطوط جافة على خدودها. اتمدد جنبها ببطء شديد، وسحبها لحضنه بحذر كأنها حتة كريستال خايف تتهشم في إيده.
جميلة بمجرد ما حست بدفا جسمه، اتنفضت من نومها. فتحت عينيها الحمرا بإرهاق، وأول ما شافت وشه قدامها، سألت بصوت مخنوق ومرعوب:
"أدهم؟ رجعت؟.. بنتي فين يا أدهم؟ .. قولي إنك لقيتها يا حبيبي."
أدهم ملامحه اتجمدت. هرب بعينيه عن عينيها اللي كانت بتدور على الأمان فيه. صمته كان رصاصة في صدرها. جميلة فهمت معنى صمته، وبدأ جسمها يترعش بعنف وهي بتصرخ بوجع قطع سكون الأوضة:
"لأ يا أدهم.. لأ ... متسكتش كدة ونبي .. قولي إنك لقيتها .. بنتي يا أدهم.. دي مكملتش ساعات في الدنيا، دي لسه ملحقتش تشم ريحة حضني. إزاي تسيبهم ياخدوها؟ إزاي تضيع مننا كدة؟"
بدأت تضرب صدره بضعف وهي بتصرخ: "هاتلي بنتي يا أدهم ... أنا بموت من غيرها.. قلبي واجعني أوي، حاسة إن روحي بتتسحب مني. أرجوك يا حبيبي رجعهالي"
أدهم مستحملش يشوف انهيارها ده، شدد من حضنه ليها ودفن راسها في رقبته بقوة، وهو بيهمس بصوت مليان وجع وقهر بس فيه نبرة تحدي مرعبة:
"وحياتك عندي يا جميلة.. وحياة كل صرخة وجع صرختيها وإحنا بنجيبها للدنيا.. ما هيرتاحلي بال ولا عيني هتدوق طعم النوم غير وهي بتبات وسطنا. بس أرجوكي يا جميلة إهدي عشان متروحيش مني ،أنا مقدرش أعيش من غيرك يحبيبتي.."
جميلة فضلت تشهق وتعيط بصوت يقطع القلب، وهو بيطبطب عليها ويمسح على ضهرها بإيده اللي بتترعش، ويبوس راسها مرة واتنين وتلاتة وعشرة، بيحاول يمتص ألمها في صدره. وبالتدريج، أنفاسها بدأت تهدى من كتر التعب والمهدئات، لحد ما راحت في نوم عميق وهي متبتة في وسطه بقوة، كأنها خايفة هو كمان يضيع.
أدهم غمض عينه بتعب مميت، وعقله مبيوقفش تفكير في الانتقام. وفي وسط الهدوء ده، غلبه النوم وهو ضامم جميلة، مستني فجر جديد مش هينتهي غير وبنته في حضنه
__________________________________
في بيت علي ...
علي كان فارد جسمه على السرير بإرهاق بعد تعب النهارده. ياسمين فتحت باب الغرفه بهدوء بعد ما رضعت فتون ونيمتها لانها كانت سايباها طول اليوم مع منى .
قربت من علي برقة، وعنيها فيها حنان الدنيا كله، وقالت بصوت واطي:
"حبيبي.. أجهزلك العشا؟ أنت مأكلتش حاجة من الصبح."
علي هز راسه بالنفي وهو لسه غرقان في تفكيره: "مش جعان يا ياسمين."
وفجأة مد إيده ليها، وهي استجابت فوراً ومسكت إيده وقعدت جنبه، سحبها براحة لحد ما حطت راسها في حضنه، وبدأ يملس على شعرها بهدوء. ياسمين اتنهدت بحزن وقالت:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"أنا زعلانة أوي على أدهم وجميلة يا علي.. قلبي واجعني عليهم أوي. يا حرام جميلة ملحقتش حتى تشبع من بنتها ولا تلمسها، وأنا أكتر واحدة حاسة بيها لأني أم زيها، وفاهمة يعني إيه حتة من قلبك تروح منك في لحظة.. دي نار ما يطفيهاش غير رجوعها."
علي باس راسها وقال بنبرة مليانة رجاء: "إن شاء الله هترجع يا حبيبتي.. أدهم مش هيسكت، وإحنا مش هنبطل تدوير لحد ما نلاقيها."
ياسمين رفعت راسها وبصت له بتساؤل: "أنتم وصلتم لإيه يا علي؟ يعني التاكسي ده موصلكمش لحاجة؟"
علي اتنهد بضيق: "للأسف يا ياسمين، في الأول دورنا ورا التاكسي اللي ثريا ركبته، بس لما وصلنا للسواق اكتشفنا إن التاكسي مش بتاعه أصلاً، ده كان شغال عليه وردية وميعرفش الست دي راحت فين بالظبط بعد ما نزلت، ودلوقتي مستنيين أي إشارة أو غلطة منهم عشان نمشي وراها."
علي مكنش بس عاوز يغير الكلام، هو كان محتاج يهرب من ضغط اليوم كله ومن وجع قلبه على صاحبه في أمان حضنها. بصلها بنظرة كلها حنية، وكأن عينيه هي اللي بتطلب الملجأ قبل لسانه، وهمس بصوت دافي ومبحوح من التعب:
ـ "بس خلينا دلوقتي فينا يا ياسمين.. أنا واحشني أغمض عيني وأنسى الدنيا دي كلها.. واحشني أنام في حضنك أوي."
ياسمين ابتسمت برقة، ابتسامة هادية طمنت قلبه، وفردت دراعها له كأنها بتقوله إن ده مكانك ومملكتك اللي مفيش فيها تعب. علي محسبهاش، ضمها بقوة كأنه بيحاول يستخبى من العالم جواها، وسند راسه على صدرها وغمض عينيه براحة وإطمئنان عميق، وكأن دقات قلبها هي المزيكا اللي كانت ناقصاه عشان يهدى.
ياسمين غرزت صوابعها في شعره بحب، بدأت تحرك إيدها بحركات رقيقة ومهدئة، وسندت راسها على راسه وهي بتغمض عينيها بتعب وإرهاق السنين. في اللحظة دي، مكنش فيه صوت في الأوضة غير نَفَسهم الهادي اللي بدأ يتنظم مع بعضه، وكأن روحهم أخيراً لقت المرسي اللي كانت بتدور عليه وسط العاصفة، وغابوا هما الاتنين في نوم عميق، نوم كان بمثابة هدنة قصيرة قبل ما يصحوا على فجر جديد محمل بالمفاجآت.
_________________________________
في بيت ثريا، كان الجو كئيب ومقبض، بس سليم كان في عالم تاني خالص. كان قاعد وشايل بنت أدهم بين إيديه، رافعها قصاد وشه مباشرة. البنت فتحت عينيها الواسعة اللي رغم إنها لسه مش باين ملامحها، إلا إن لونها الفيروزي النادر كان باين ومبهر، لون شبه البحر في صفاءه، لون يخطف القلب من أول نظرة.
سليم همس بشرود وهو بيتأمل ملامحها الدقيقة:
"يا ترى اسمك إيه؟.. أدهم سماكي إيه يا صغيرة؟"
سكت ثواني وهو شايفها بتبتسم ببراءة ميعرفهاش البشر، كأنها غزال شارد وقع في وسط ديابة. لمعة عينيها خلت قلبه يدق بنغمة غريبة عليه، نغمة حنية مكنش يتخيل إنها موجودة جواه، وقال بصوت واطي وناعم:
"ريحانة.. لايق عليكي أوي. أنتي بريئة وجميلة زي الريحان بالظبط.. أنتي ريحانة السويسي."
الطفلة بدأت تحرك إيدها الصغيرة في الفراغ كأنها بتدور على حاجة تمسك فيها، سليم مد صباعه ببطء، وفي لحظة، الطفلة قبضت على صباعه  وطلعت أصوات طفولية لطيفة، خلت سليم يبتسم غصب عنه، ابتسامة حقيقية طلعت من وسط ركام الحقد والغل ونفضت التراب عن برائته اللي نسيها.
سليم نيمها بعد ما رضعها بالببرونة، والمرة دي نامت بسرعة ومن غير عياط، كأنها اتعودت على ملامحه وصوته، وبقت شايفه فيه الأمان اللي لسه ملحقتش تاخده من أمها ...أو كإنها فاكراه أمها واتعلقت بيه عاطفيا...
 سليم فضل باصص لها شوية بوجع، قبل ما يسيبها ويخرج يقعد مع أمه ثريا.
ثريا كانت قاعدة، ملامحها باين عليها التعب والسن، وشها كان شاحب وعينيها مطفية بس فيها نظرة غل تخوف. سليم قرب منها بحذر:
"ماما.. حضرتك كويسة؟ شكلك تعبان أوي."
هزت راسها ببرود من غير ما تبص له، سليم سكت شوية وبعدين سألها وهو بيحاول يجس نبضها:
"ناوية على إيه يا أمي؟ البنت بقت في إيدنا خلاص.. هنعمل إيه دلوقتي؟"
ثريا سرحت لبعيد، وكأنها بتفتكر شريط حياتها المكسور، وقالت بصوت هادي ومرعب:
"قررت أبعت صورتها لأدهم.. هبعتها عشان يعرف إن روحه في إيدي، عشان أدوقه طعم الخوف اللي دوقته زمان."
سليم سألها بحزن، وكان من جواه متلخبط؛ خايف من أدهم، وفي نفس الوقت حاسس بنغزة في قلبه إنه هيفارق ريحانة اللي لمست روحه:
"وبعدين؟.. هترجعيها له بعد ما يوافق على طلباتك؟"
ثريا لفت وشها له، وابتسمت ابتسامة مريضة صدمت سليم:
"هرجعها له طبعاً.. بس هرجعها له جثة"
سليم اتنفض من مكانه، والصدمة لجمت لسانه لثواني قبل ما يصرخ:
"أنتي بتقولي إيه يا ماما؟ جثة إيه؟ دي طفلة ملهاش ذنب"
ثريا قامت وقفت بكل جبروت وقالت بفحيح الأفاعي:
"اللي سمعته يا سليم.. هبعت الصورة دلوقتي عشان أديله أمل، أخليه يلف حوالين نفسه وهو فاكر إن فيه أمل ترجعله، وفي قمة أمله ده.. هقتلها ... هكسر قلبه للأبد، هخليه يعيش عمره كله ميت من جوه وهو بيفتكر إنه مقدرش يحمي بنته ."
سليم بصلها برعب، حس إنه قدام ست تانية ميعرفهاش، ست الشيطان سايقها. ثريا سابته ودخلت أوضتها وهي بتقول ببرود:
"أنا هبعت الصورة دلوقتي.. وبكرة الصبح، اللعبة دي كلها هتنتهي.. للأبد."
ثريا خلصت كلامها ودخلت أوضتها وسليم رجع أوضته اللي الطفلة نايمة فيها .سليم فضل واقف مكانه، عرق بارد بينزل من جبينه، بص لـ ريحانةاللي كانت لاشية في ملكوت الله، عيونها الفيروزية كانت باصة للفراغ بصفاء غريب، وإيدها الصغيرة كانت لسه بتتحرك في الهوا كأنها ملاك بيلعب مع طيور مبيشوفهاش غيره.
سليم فجأة حس بنغزة في ضميره، شريط حياته كله مر قدام عينيه.. انتقام أمه، حقد السنين، وإبراهيم السويسي.. لكن البنت دي ذنبها إيه؟ ليه تكون هي القربان في معركة هي متعرفش عنها حاجة؟من غير تفكير، ضمها لصدره بقوة، دفن راسها الصغير في رقبته وكأنه بيحاول يخبيها من عيون العالم كله، ومن أمه قبل أي حد. سليم اتعلق بالطفلة تعلق غريب كإنه شايفها رمز طفولته وبرائته اللي اتلوثت واللي عايز يحميها من أي حاجة .
 قعد في ركن بعيد في الغرفة، وضامم رجله لصدره وهو بيحميها بضلوعه، وبدأ يهمس لها وهو بيترعش:
"محدش هيلمسك يا ريحانة.. والله ما حد هيلمسك طول ما أنا فيا نفس. أنا مش هخليكي تدفعي تمن سواد قلوبهم.. نامي يا ريحانة، نامي وأنا هحميكي."
__________________________________
في المستشفى..
نور الفجر بدأ يشقشق ويدخل من شباك الأوضة. أدهم فتح عينه ببطء، جسمه كان مكسر من التعب، وأول حاجة عملها إنه بص لجميلة اللي كانت لسه نايمة في حضنه، ملامحها كانت شاحبة والوجع راسم نفسه على وشها حتى وهي نايمة.
أدهم كان بيحسس على شعرها بحنان، مسك موبايله بجمود، ولقى فيه رسالة جديدة،فتحها وهو متوقع إنها رسالة من علي.فتح الرسالة، وفي ثانية واحدة الدم هرب من عروقه، وعينه وسعت لدرجة إنها كانت هتخرج من مكانها وهمس بوجع ممزوج بغضب ناري :" بنتي ....."
_________________________________
في بيت علي
 الدنيا كانت هادية .. ياسمين وعلي غرقانين في النوم. فجأة، سكون الأوضة انكسر بصوت رنة موبايل علي المزعجة. علي فتح عينه بصعوبة، وأول ما شاف اسم أدهم على الشاشة، اتنفض من السرير وكأن كهربا لمسته.
رد بسرعة وصوته كله قلق:
"أيوة يا أدهم.. فيه إيه؟"
ثواني وعلي وشه اتخطف، وعينه وسعت من الصدمة، وقال بلهفة:
"أنت بتقول إيه؟ بعتت صورتها؟! طيب.. طيب اهدا، أنا جايلك حالاً، مسافة الطريق وأكون عندك في المستشفى.. سلام"
ياسمين كانت صحيت على صوته، وقفت جنبه وهي بتترعش من الخوف وسألته بلهفة:
"فيه إيه يا علي؟ أدهم ماله؟ لقوا البنت؟"
علي كان بيلبس هدومه بسرعة البرق، وإيده بتسبق عقله وهو بيرد عليها:
"حد بعت صورة لبنت أدهم دلوقتي يا ياسمين.. البنت لسه عايشة، الست دي بتبتز أدهم بالصورة."
ياسمين حطت إيدها على قلبها وقالت بدموع:
"بجد يا علي؟ يعني البنت كويسة؟"
علي وهو بيلبس جزمته وبيتحرك ناحية الباب:
"دي بداية الخيط يا ياسمين.. لو قدرنا بس نوصل للمكان اللي اتبعتت منه الصورة، أو نحدد اللوكيشن بتاع الموبايل اللي بعتها، هنوصل للبنت قبل ما يلمسوا شعرة منها."
ياسمين رفعت إيدها للسما وهي بتدعي بقلب محروق:
"يا رب يا علي.. يا رب تقدروا ترجعوها لأمها اللي بتموت دي، يا رب احميها."
علي بص لها نظرة أخيرة وقال: "يا رب.. ادعي لنا يا ياسمين."
وخرج من الشقة وجري على السلم، ركب عربيته وطار بيها في شوارع القاهرة اللي كانت لسه غرقانة في ضباب الفجر....
في المستشفى..
أدهم كان واقف في طرقة المستشفى برا الأوضة، ساند براسه على الحيطة والموبايل في إيده، بيفتح الصورة ويقفلها مية مرة في الدقيقة. عينه كانت بتلمع بدموع ممزوجة بشر غريب، وفجأة سمع صوت خطوات علي السريعة في الطرقة.
علي وصل وهو بيلهث: "وريني يا أدهم.. وريني الصورة بسرعة"
أدهم وراه الصورة وإيده بترتعش: "بص يا علي.. بص ملامحها، بص براءتها..الست دي بتقول إن دي آخر صورة لبنتي وهي بتتنفس ...أنا هقتلها يا علي.. والله ما هرحمها"
علي خد الموبايل بتركيز وبدأ يبص في تفاصيل الصورة: "اهدا يا أدهم، الصورة دي هوديها لواحد صاحبي في المعلومات الجنائية، يقدر يحدد لنا الـ IP بتاع الموبايل ده والمنطقة اللي اتبعتت منها في ثواني"
علي ساب أدهم واقف بياكل في نفسه، وبعد كام متر بدأ يتكلم في الموبايل بنبرة واطية وسريعة، ملامحه كانت بتتحول من القلق للتركيز الشديد. قفل السكة ورجع لأدهم اللي كان مستنيه وعيونه كأنها جمر نار.
علي حط إيده على كتف أدهم وقال له بصوت حاسم:
"أدهم، أنا كلمت صاحبي، قالي إن الرقم اللي بعت الصورة ده رقم داتا ملوش اسم مسجل، بس اللوكيشن بتاعه ممكن يتجاب لو فضل الموبايل مفتوح.. قالي لازم نروحله دلوقت حالاً المكتب عشان نتبع الإشارة يدوي ونحدد المكان بالظبط."
أدهم سحب مفاتيح عربيته بلهفة وكأنه لقى طوق نجاة:
"طيب مستني إيه؟ يلا يا علي... أنا مش هستنى ثانية واحدة كمان وبنتي في إيد الست دي."
علي مسكه من دراعه قبل ما يتحرك:
"اهدى يا أدهم، لازم نتحرك بحساب. محمود بيه نبهنا إن ثريا مش سهلة، ولو حست بأي حركة غدر ممكن تعمل أي جنون."
أدهم بصله بنظرة مرعبة وهو بيضغط على سنانه:
"أهدى إيه يا علي! دي بتقولي آخر صورة وهي بتتنفس.. أنت متخيل يعني إيه؟ يعني الموت بيحوم حوالين بنتي أنا هروح، والبيت اللي هي فيه ده ههده على دماغ اللي فيه لو بنتي مخرجتش في حضني."
جميلة في اللحظة دي كانت فتحت الباب وخرجت وهي ساندة على الحيطة بضعف، وشها كان أصفر زي الليمونة وصوتها طالع بالعافية:
"أدهم.. أنت رايح تجيبها؟ خدني معاك يا أدهم.. مش هقدر أقعد هنا وأنا عارفة إن بنتي في خطر."
أدهم جري عليها وسندها بحنان بس بصرامة:
"تروحي فين يا جميلة أنتي تعبانة ومش قادرة تقفي.. وحياة أغلى حاجة عندي، ودموعك اللي منشفتش دي، ما هيجي الليل غير وهي في حضنك. ادخلي وارتاحي يا حبيبتي، انا وعلي هنتحرك وياسمين هتجيلك تقعد معاكي."
جميلة مسكت في قميصه وهي بتعيط بنحيب:
"أمانة عليك يا أدهم.. هاتهالي.. مترجعش غير وهي معاك يا أدهم."
أدهم باس راسها بقوة، وبص لعلي وقال له: "يلا يا علي.. مفيش وقت"
نزلوا هما الاتنين وجريوا على العربيات، وفي خلال دقايق كانت عربية أدهم بتشق شوارع القاهرة بسرعة جنونية في اتجاه مكتب المعلومات الجنائية، والسباق مع الزمن بدأ فعلاً.. الثانية الواحدة بقت بتمن حياة.
__________________________________
في بيت ثريا، الفجر كان لسه بيشقشق، وسليم كان صاحي ومطبق عينه ملمستش النوم. كان قاعد على طرف السرير، مجهز نفسه ولابس هدومه. ريحانة كانت صاحية، فاتحة عينيها الصغيرة اللي كانت واسعة بشكل يسحر، فعلاً زي ما سليم قال عيون غزلان نسخة طبق الأصل من عيون جميلة. أول ما شافت سليم، ضحكت له ببراءة وحركت إيديها، الطفلة دي اتعلقت بسليم تعلق غريب، يمكن لأنها ملحقتش تشوف أمها، وسليم كان هو الشخص اللي شالها ورضعها وطبطب عليها الساعات اللي فاتت دي كلها ..وللسبب ده فكرته أمها واتعلقت بيه .
سليم ابتسم لها بوجع، وطلع من جيبه حظاظة قماش لونها وردي رقيق، كان اشتراها بمصروفه البسيط . جاب سكينة صغيرة من الدرج وبدأ يحفر بتركيز شديد على قطعة خشب صغيرة في نص الحظاظة.. حفر ست حروف "ر ي ح ا ن ة". الاسم اللي أختاره خلصها ولبسها لها في إيدها الصغيرة، وربطها بحذر شديد عشان متقعش منها وفي نفس الوقت متوجعهاش، كأنه بيحط علامة ملكية لقلبه على الطفلة دي.
سليم قام وخرج من الأوضة بيتسحب، لقى الصالة ضلمة كحل وصوت نفس ثريا عالي من أوضتها، عرف إنها غرقانة في النوم من كتر التعب. رجع أوضته بسرعة، شال ريحانة وضمها لصدره وهمس في ودنها:
"ريحانة.. مش عايز أسمع صوت خالص لحد ما نخرج من هنا، ماشي يا ريحانتي؟"
البنت ضحكتله ببلاهه كأنها بتطمنه، سليم خد نفس عميق وخرج من الأوضة، عينه كانت متثبتة على باب أوضة ثريا المقفول بجمود، قلبه كان بيدق لدرجة إنه خاف صوته يصحيها. وصل لباب الشقة، فتحه ببطء شديد وبأقل صوت ممكن، وخرج وقفل الباب وراه تكة واحدة كانت هي الصوت الوحيد المسموع وسط سكون الشقة.
نزل على السلالم زي البرق وهو حاضن ريحانة بقوة، غطى وشها بقماشة عشان الهوا وعشان محدش يلمحها، وأول ما خرج من باب البيت، انطلق في الشوارع الفاضية وهو بيجري، كان مقرر إنه ينهي الكابوس ده بطريقته، ورايح لمكان واحد بس هو اللي في عقله.. مكان هيقلب الموازين كلها.
في الوقت ده..
أدهم وعلي كانوا وصلوا لمكتب المعلومات الجنائية، وصاحب علي كان قاعد قدام الشاشات، صوابعه بتتحرك بسرعة البرق على الكيبورد. أدهم كان واقف وراه بينهج، وعروق إيده بارزة من كتر الشد العصبي.
 فجأة صرخ: "لقيته! اللوكيشن اتحدد يا علي.. الموبايل فتح إشارة لثواني وقفل تاني، بس اللحقة دي كفاية.. الإشارة طالعة من منطقة ..... في القاهرة ، بيت رقم 14"
أدهم مسمعش باقي الكلام، سحب سلاحه وخرج يجري، وعلي وراه وهو بيصرخ في الموبايل بيكلم رجالته: " اتحركوا كلكم على منطقة .... أدهم استناني "
أدهم ركب عربيته وطار بيها، وفي عقله صورة بنته، مكنش يعرف إنها دلوقتي في حضن سليم، وإن سليم ماشي في طريق تاني خالص، طريق ميخطرش على بال حد ......
أوضة المستشفى كان مسيطر عليها سكون تقيل، ريحة المعقمات مخلوطة بريحة الوجع اللي مالي الأركان. ياسمين دخلت الأوضة لقت جميلة نايمة على السرير، عينيها متعلقة بالفراغ، كأنها بتدور في الهوا على طيف بنتها اللي ملحقتش تشبع منها.رغم إن جميلة والدة طبيعي وكان المفروض تكون دلوقتي في بيتها وسط أهلها وبنتها في حضنها، إلا إن الصدمة كانت أقوى من أي جرح جسدي. صحتها اتدهورت فجأة، ضغطها وطى وجسمها انهار، فالدكاترة اضطروا يعلقوا لها محاليل عشان تسندها شوية، ونادية كانت قاعدة جنبها، عينيها حمراء من كتر العياط بس بتحاول تتماسك.
ياسمين جريت عليها وبسرعة أخدتها في حضنها، وبدأت تطبطب عليها بحنان وهي بتقول بصوت كله أمل:
"متخافيش يا جميلة.. والله العظيم قلبي حاسس إنها هترجع. إن شاء الله خير يا حبيبتي، أدهم وعلي مش هيرجعوا غير وهي معاهم، أرجوكي استهدي بالله كدة."
جميلة ملمحتش برمشها، بس غمضت عينيها بقوة، ونزلت دموع سخنة حرقت خدودها وهي بتهس بضعف ورجاء يزلزل الأرض:
"ياااا رب.. يا رب رجعلي حتة من روحي، ماليش غيرك يا رب."
ياسمين مسحت دموعها وبصت حواليها في الأوضة، سألت بصوت واطي:
"أمال بابا فين يا طنط نادية؟ مش كان هنا؟"
نادية ردت بتنهيدة طويلة وهي بتحاول تظبط قعدتها:
"والدك راح ورا أدهم وعلي يا بنتي، مقدرش يقعد هنا وهو شايف أدهم في الحالة دي. وتقريباً خد يزن معاه عشان يوديه يقعد مع منى لحد ما نشوف الدنيا هترسي على إيه، مش عايزين الولد يحس بالتوتر ده كله وهو لسه صغير."
نادية قامت قعدت على الكنبة اللي في ركن الأوضة، مدت إيدها وخدت مصحف صغير كان محطوط جنبها، فتحته وبدأت تقرأ بقلب خاشع، وصوت همسها بالقرآن كان بيملى الأوضة بسكينة كانت هي دي الحاجة الوحيدة اللي مصبرة الكل.
ياسمين سحبت كرسي وقعدت جنب سرير جميلة، مسكت إيدها اللي متعلق فيها المحلول وبدأت تضغط عليها براحة، وكأنها بتبعت لها القوة من إيدها لإيدها، وفضلت تهون عليها بكلام عن رحمة ربنا ، بينما كانت جميلة في عالم تاني
__________________________________
أدهم كان سايق وعينه مبترمش، كأنه بيسابق الزمن والموت، الكاوتش كان بياكل الأسفلت حرفياً والشر بيتطاير من عينيه اللي بقوا زي جمر النار. علي جنبه كان ماسك الموبايل بيوزع الأوامر على الرجالة: "كل المداخل تتقفل، مش عايز نملة تخرج من المنطقة"
فجأة موبايل أدهم رن، فتحه بسرعة: "أيوة يا بابا"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
جاله صوت محمود السويسي اللي كان سايق وراه : "هدي السرعة يا أدهم، كدة هتتقلب ببيكم البنت محتاجة أبوها عايش، اهدا عشان نعرف نتصرف"
أدهم بص في المراية، شاف أسطول عربيات وراه ملوش آخر، أولهم عربية أبوه اللي بيحاول يلحقه. علي سحب الموبايل من أدهم وقال لمحمود: "حاضر يا عمي، أنا هخليه يهدي، إحنا خلاص دخلنا المنطقة اللي ثريا عايشة فيها ."
في الوقت ده، في الشقة القديمة، ثريا خرجت من أوضتها وهي بتجر رجلها بالعافية، معالم التعب والنهجان باينة على وشها الأصفر، السرطان كان بياكل فيها في مراحله الأخيرة، بس الغل كان لسه مديلها قوة زايفة. دخلت أوضة سليم وفتحت النور وهي بتبرطم: "قوم يا سليم، اخلص عشان نن"
لكن الصدمة كانت زي القلم على وشها.. السرير فاضي ... سليم مش موجود، والطفلة مش موجودة! ثريا بدأت تلف في الشقة زي المجنونة، بتفتح الدواليب وتحت السراير وهي بتنهج برعب: "روحت فين يا سليم؟ وديت البنت فين؟ مش وقت جنانك ده"
وفجأة، الباب اتهز بضربة خلت الشقة كلها تتنفض، الخبط استمر بقوة زلزال، وثريا وقفت في نص الصالة مرعوبة، لسه بتفكر تهرب،جريت ناحيةالمنور، لكن كان الباب اتكسر ودخل أدهم زي الإعصار، ووراه محمود وعلي والرجالة بأسلحتهم.
أدهم اتقدم منها بخطوات سريعة، وعروق إيده بارزة لدرجة إن مفاصله ابيضت وهو بيقبض على كتافها بغل: "بنتي فين يا ثريا؟ انطقي قبل ما أمحيكي من الدنيا"
محمود قرب منها والغضب مالي ملامحه: "وديتي حفيدتي فين يا ثريا؟ اتقي الله في البنت اللي ملهاش ذنب."
ثريا كانت بتبص لهم بذهول وأنفاسها بتتسارع: "أنتوا.. أنتوا عرفتوا مكاني إزاي؟"
أدهم صرخ في وشها بهستيريا: "عشان أنتي غبية ...الصورة اللي بعتيها كانت هي الخيط اللي خنقك .مش هكرر سؤالي تاني، بنتي فين؟"
ثريا ردت برعب حقيقي وهي بتترعش: "معرفش.. والله معرفش"
علي صرخ في الرجالة: "فتشوا الشقة حتة حتة ،مستنيين إيه؟" ودخل يدور معاهم. دقايق مرت كأنها سنين، وخرج علي وشه باين عليه الإحباط: "ملقناش حد يا أدهم.. الشقة فاضية تماماً"
أدهم قرب من ثريا لدرجة إن أنفاسه الغاضبة كانت بتحرق وشها: "انطقي وديتي بنتي فين؟ متخلينيش أخالف مبادئي وأبقى أول ست أمد إيدي عليها.. أنا معنديش أغلى من بنتي، ولو حصل لها حاجة مفيش قوة على الأرض هتحميكي مني"
محمود وقف قصاد أدهم وهداه بإيده، ووجه كلامه لثريا بنبرة فيها رجاء وألم: "اتكلمي يا ثريا.. قولي مكان البنت وأنا بوعدك إن مفيش حد هيلمسك، هنحميكي ومش هنأذيكي بس قولي البنت فين"
ثريا وقعت على الكنبة وهي بتنهج من الوجع اللي زاد عليها فجأة: "صدقوني معرفش.. أنا صحيت ملقيتهاش هي وسليم."
أدهم ضيق عينيه باستغراب: "سليم؟ سليم مين؟"
ثريا بتعب: "سليم ابني.. ابن إبراهيم السويسي ... ابن عمك يا أدهم بيه"
__________________________________
انفتح باب الغرفة ببطء شديد، سليم كان بيتحرك زي الطيف، نص وشه متداري ورا كمامة سودة وعينه بتلف في المكان بحذر. ياسمين كانت لسه خارجة من الغرفة عشان تشتري حاجة، ونادية غلبها النوم من كتر التعب وقاعدة بميل على الكنبة، أما جميلة فكانت غايبة عن الدنيا في نوم عميق، وإيدها الموصلة بالمحلول كانت مرخية بضعف يوجع القلب.
سليم مشي على طرطيف صوابعه، بيحاول ميطلعش نفس، لحد ما وصل للسرير الصغير اللي جنب جميلة. ميل براسه وبص لـ ريحانة اللي كانت نايمة بسلام بعد ما نيمها في الطريق عشان يضمن إنها متصحاش أو تعيط وتكشفه. مد إيده بلمسة خفيفة جداً وباس جبينها بحنية، وهمس بصوت واطي ومبحوح كأنه بيودع حتة من قلبه:
"سلام يا ريحانة.. كان لازم أعمل كدة عشانك. أنا هروح لماما، وهحاول أقنعها تنسى الانتقام ده خالص ونعيش في سلام.. يمكن القدر يجمعنا لما تكبري وتكون حياتنا اتغيرت وبقت أنضف من كدة."
حطها برفق شديد في السرير الوردي المجهز للبيبي، غطاها براحة وبص لها نظرة أخيرة مليانة ندم وأمل في نفس الوقت، وقبل ما حد يحس بيه، انسحب وخرج وقفل الباب وراه بنفس الهدوء اللي دخل بيه.
بعد دقايق، دخلت ياسمين وهي شايلة كوباية نسكافيه وبتحاول تفتح عينها من النوم، وقفت ثانية باستغراب وهي بتبص للباب:
"غريبة.. أنا متأكدة إني قفلت الباب ورايا وأنا خارجة.. يمكن ممرضة دخلت تشوف جميلة ونسيته مفتوح."
هزت راسها بلامبالاة وقعدت على الكرسي، بدأت تشرب النسكافيه وهي بتبص للسماء من الشباك، والسرير الصغير كان ورا ظهرها بأمتار طفيفة. وفجأة، جميلة بدأت تتحرك وتفتح عينيها ببطء، ياسمين ابتسمت لها وقالت بهدوء:
"صباح الخير يا جميلة.. صحيتي يا حبيبتي؟"
جميلة سألت بصوت مبحوح وهي بتحاول تركز:
"أنا نمت إزاي يا ياسمين؟ أدهم رجع؟ الساعة كام دلوقتي؟"
ياسمين ردت وهي بتهديها:
"الممرضة قالتلي إن المحلول فيه نسبة مهدئ عشان جسمك يرتاح والتوتر ده يقل شوية لإنه غلط عليكي.. أدهم لسه مجاش يا جميلة، بس إن شاء الله خييير."
جميلة هزت راسها بتعب، ولسه هترد، فجأة سكتت تماماً.. وعينيها وسعت بصدمة خلت ياسمين تتنفض في مكانها. في اللحظة دي، دوي صوت بكاء طفل رضيع رن في أركان الأوضة، صوت عالي وبريء قطع سكون المكان.
نادية صحيت مفزوعة من على الكنبة وهي بتتعدل:
"فيه إيه؟ إيه الصوت ده؟ ياسمين.. أنا سامعة صوت عياط نونو في الأوضة ؟!"
ياسمين بلعت ريقها، النسكافيه كان هيقع من إيدها، قامت ببطء ورجلها مش شايلاها واتوجهت لمصدر الصوت. وقفت قدام السرير الصغير وميلت براسها، وفجأة شهقت شهقة خضة وذهول خلت قلب جميلة يقع:
"مش ممكن!! مستحييييل"
جميلة عيونها اتملت دموع وصوتها ارتعش بهستيريا:
"بنتي؟ ياسمين ردي عليا.. دي بنتي صح؟ بنتي رجعت؟"
ياسمين هزت راسها بعدم تصديق، وشالت البنت اللي كانت بتحرك إيدها في الهوا، وقربت من جميلة وهي بتعيط من الفرحة:
"أيوه يا جميلة. بس إزاي مستحيييل "
جميلة خدت البنت في حضنها ودفنت وشها فيها وهي بتصرخ وتضحك في نفس الوقت، بينما نادية كانت وراهم بتكبر وبتحمد ربنا بذهول، والكل بيسأل نفس السؤال ... إزي وصلت هنا؟!
_________________________________
محمود اتصدم، الكلمة وقعت عليه زي الصاعقة: "سليم؟ إبراهيم كان عنده ولد؟"
ثريا رفعت عينيها وبصت له بغل وكسرة: "أيوه.. إبراهيم اللي أنت قتلته أنت وابنك بعمايلكم . إبراهيم اللي كان شايل هم العيلة دي لوحده"
محمود بصوت عالي وهزة راس حزينة: "إبراهيم؟ أنتي لسه بتفكري كدة؟ لسه شايفة إبراهيم ملاك؟ يا ثريا فوقي، إبراهيم ده هو اللي دمر حياتنا ،أنتي متعرفيش حقيقته الدنيئة اللي كان مخبيها عنك طول السنين دي"
ثريا صرخت بتوهان: "قصدك إيه؟ أنت كداب ...أنت طول عمرك بتغير منه وعايز تشوه صورته ،هو قالي إنكم موتم في حادثة، وإنه خسر الشركة بسبب قلة خبرته، وعشنا في فقر وهو كان بيزورنا أتا وابنه بالعافية عشان يبعدنا عن المشاكل"
محمود قعد بتعب قدامها وبدأ يسرد الحقيقة المرة: "لا يا ثريا، إبراهيم هو اللي حاول يقتلني من عشرين سنة، هو اللي رمى ولادي في دار أيتام وعاش بفلوسي، إبراهيم هو اللي قتل مراتي هو اللي فضل يمثل عليكي دور الضحية وهو الشيطان الحقيقي"
بدأ يحكي لها بالتفصيل مل اللي إبراهيم عمله، وثريا وشها بدأ يتحول لورقة سيجارة، الدم هرب من عروقها وأنفاسها بقت سريعة ومتقطعة: "مستحيل.. مستحيل إبراهيم يعمل كدة.. مستحيل يكون خدعني كل السنين دي.. أنا ضيعت عمري عشانه؟"
أدهم حس إن الست دي بتنهار، نزل على ركبته قدامها وقال بصوت فيه رجاء: "يا ست ثريا، أنتي دلوقتي عرفتي الحقيقة.. خلاص، اللعبة خلصت. أرجوكي قوليلي سليم خد بنتي وراح فين؟ أنقذي ما يمكن إنقاذه واعملي حاجة صح قبل ما تقابلي ربنا"
ثريا بدأت تتشنق وتشهق بصعوبة، وشها بدأ يزرق، وهمست بكلمات متقطعة: "سامحوني.. سامحوني.. أنا رايحة له.. ومصيري هيكون زيه.."
محمود بخوف: "مالك يا ثريا؟ فيه إيه؟"
ثريا فتحت عينيها بقوة في انتفاضة أخيرة، وشهقت شهقة طويلة وهي بتهتف باسم: "سليم.. سليم.." وفجأة غابت عن الوعي وغمضت عينيها للأبد.
أدهم وقف مذهول، وعلي جري قاس نبضها، وبص لأدهم بأسى وهز راسه: "ماتت يا أدهم.. ماتت."
أدهم صرخ بوجع هز حيطان البيت: "لااااااا بنتي فين؟ سليم خد بنتي وراح فين؟ بنتي راحت فين يا علي؟"
محمود وقف مكسور، عينه على جثة الست اللي عاشت وماتت مخدوعة
فجأة، قطع سكون الانكسار في بيت ثريا رنة موبايل علي الملحّة.. كان اسم "ياسمين" بيلمع على الشاشة كأنه طوق نجاة وسط بحر مالح. علي، بصوت ميت ومنهد من فرط التعب والخيبة، رفع الموبايل وودنه عليه، وعينه بتراقب أدهم اللي كان قاعد على أقرب كرسي، حاطط راسه بين كفوفه بكسرة قتالة، كأن جبال الأرض كلها نزلت فوق كتافه:
ـ "أيوه يا ياسمين..."
ثواني.. وعلي وقف مكانه كأن صاعقة ضربته وشلت حركته. عينه وسعت لدرجة مرعبة، والدم هرب من وشه، وتلفون كان هيقع من إيده غصب عنه. صرخة مكتومة طلعت من حنجرته هزت أركان الشقة الضلمة:
ـ "إيه!! بتقولي إيه؟ البنت عندكم؟ في المستشفى؟! إزاي؟ أنتي بتتكلمي جد؟"
أدهم قام انتفض من مكانه كأن كهربا لمسته، الصدمة والخضة شلت تفكيره وحركته للحظات. بص لعلي وعينه مبرقة، حاسس بإن الأرض بتميل بيه، وحس في الحظة دي إنه نسي إزاي يتكلم، الحروف هربت من لسانه. قرب من علي بغريزة أب بيموت، ومسك قميصه بعنف وهو بيترعش كله، وصوته طالع بحشرجة مرعبة:
ـ "بنت مين اللي بتتكلم عنها.. رد عليا يا علي .... بنتي أنا؟؟"
علي، والدموع نزلت من عينه من فرط الفرحة الذهول، ساب الموبايل وربت على كتف أدهم بقوة وهستيرية:
ـ " أيوة بنتك ...بنتك يا أدهم ... ياسمين بتقول إنها لقتها فجأة في السرير جنب جميلة، أنا مش فاهم حاجة ولا عا
رف ده حصل إزاي.. بس يلا بينا.. يلا بينا يا صاحبي على المستشفى، بنتك رجعت"
أدهم مسمعش باقي الكلام، سحب مفاتيحه وجري على السلم كأنه طاير، مكنش شايف قدامه غير صورة بنته، وعقله مش قادر يستوعب المعجزة اللي حصلت.
في المستشفى، كانت غرفة جميلة عبارة عن قطعة من الجنة انتزعت من وسط جحيم الوجع. جميلة، اللي كانت من ساعات مجرد جثة هامدة، كانت دلوقتي حاضنة بنتها بقوة خرافية، كأنها بتحاول تدخلها جوه ضلوعها، تخبيها من الدنيا كلها جوه قلبها. كانت بتبكي وتضحك في نفس اللحظة، دموع الفرحة كانت بتغسل وشها الشاحب، وعمالة تبوس كل إنش في وش بنتها بلهفة وحرمان ميتوصفش. كانت بتبوس جبينها، خدودها الناعمة، عيونها المقفولة، وإيديها الصغيرة اللي في حجم عقلة الصباع.
ـ "يا روح ماما.. يا قلب ماما.. يا عيون ماما من جوه.. يا نور عيني اللي رجعلي وردلي روحي تاني.. مكنتش مصدقة إني هشم ريحتك تاني يا حبيبتي."
ياسمين ونادية كانوا واقفين في ركن الأوضة، ميتين من العياط والتأثر، المنظر كان أسطوري، مشهد ولادة جديدة للعيلة كلها.
فجأة، الباب اتفتح بعنف، ودخل أدهم.. أول ما عينه وقعت على السرير، اتصنم في مكانه، كأن الزمن وقف بيه. ملامحه اتحولت في ثانية من الرعب والكسرة للذهول التام وعدم التصديق. بَص لجميلة، وبَص للطفلة اللي في حضنها، وحس إن عقله بيخونه، إن ده أكيد سراب من كتر القهر.
جميلة، مكنتش حاسة بوجوده ولا بأي حاجة حواليها، كانت غرقانة في ريحة بنتها وبراءتها. لكن أدهم بدأ يقرب.. خطواته كانت بطيئة، حذرة، ومقلقلة، كأنه خايف يلمس المشهد ده فيختفي، ويطلع حلم قاسي تاني. كان بيلهث بأنفاس مقطوعة، وعينه بتلمع بدموع ممزوجة برعب وأمل.
ياسمين بعدت براحة وسابت مكانها لأدهم، وراحت لعلي اللي كان وصل ووقف جنب نادية، وضم ياسمين لحضنه بقوة، وهما متابعين المشهد وهما بيحبسوا أنفاسهم، ودموعهم نازلة صامتة.
أدهم وقف قصاد السرير، ملامحه كانت بتنهار تماماً. جميلة رفعت راسها ببطء، وأول ما شافت عينه، ضحكت بوجع وفرحة هستيرية، ودموعها نزلت شلالات:
ـ " بنتنا يا أدهم.. رجعت يا حبيبي.. بنتنا رجعت."
أدهم مكنش قادر ينطق، وقع على ركبه جنب السرير كأنه بيقدم آيات الشكر، مد إيده المرتجفة ببطء شديد، ولمس وش ريحانة بصباعه، وكأنه بيتأكد إنها حقيقية مش خيال. بمجرد ما حس بملمس جلدها الناعم الدافي، الانهيار التام صابه.
دفن وشه في وسط جميلة وبنته، وصدره بدأ يعلو ويهبط بشهقات مكتومة وقوية، دموعه نزلت بغزارة وبللت هدوم جميلة ووش الطفلة. بدأ يبوس في إيديها الصغيرة بجنون، ويشم ريحتها بلهفة أب كان بيموت من غيرها، ريحة براءة وطهر مكنش يتخيل إنها هترجعله تاني.
ضم جميلة وبنته في حضن واحد، حضن كان بيلم شتات روحه اللي ضاعت وتبددت، حضن بيعلن نهاية الكابوس وبداية حياة جديدة. بدأ يبوس جبين جميلة بحرقة وندم وشكر، ويرجع يبوس راس بنته بحنان مفرط، ويضمهم هما الاتنين لقلبه بقوة خرافية، وكأنه بيقول للعالم كله، ولأي قوة شر، إن مفيش حاجة على الأرض هتقدر تفرقهم تاني بعد النهاردة.
كانت لحظة صمت مهيبة في الأوضة، مبيقطعهاش غير صوت شهقات أدهم العالية، وضحكات جميلة المكسورة الممزوجة بالبكا، ومناغاة ريحانة الصغيرة اللي كأنها كانت بتحس بأبوها وبتعلن براءتها من كل اللي حصل. أدهم همس وهو بيبوس إيد جميلة بقهر وفرحة:
ـ "حقك عليا.. وحقها عليا.. نورتي دنيتنا يا حبيبة أبوكي.. يا أغلى حاجة في دنيتي ."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الخاتمة❤
مر شهر كامل، وكأن القصر اللي كان مهجور من الفرحة، اتنفس من جديد وبقت الضحكة مسموعة في كل ركن. في جناح أدهم وجميلة، الهدوء بقى له طعم السكينة والرضا، والحياة بدأت تاخد مجراها الطبيعي وتستقر، رغم إن الغموض لسه محاوطهم من جهة واحدة....
أدهم طوال الشهر ده مهديش، قلب الدنيا حرفياً عشان يوصله. سخر كل رجالته، واستخدم كل نفوذه وعلاقاته، وحتى علي مسبش خيط إلا ومشى وراه، لكن سليم كان كأنه فص ملح وذاب. اختفى من الوجود تماماً، لا له أثر في بيته القديم، ولا مستشفيات، ولا حتى الأماكن اللي كان ممكن يتردد عليها.. كأنه اتبخر في الهوا ... رغم إن سليم لسه لغز ملوش حل، إلا إن أدهم قرر في اللحظة دي إنه يستسلم لسلامه النفسي مع بنته وزوجته، ويسيب الأيام تكشف له اللي مستخبي، وهو بيملس على إيد ريحانة الصغيرة ويحمد ربنا على وجودها في حضنه.
أدهم كان قاعد على طرف السرير، قالع جاكيت البدلة وراميه بإهمال وراه، رافع ريحانة قصاد وشه، بيلاعبها بحب وشغف ؛ نسخته الجديدة اللي ظهرت من وقت ولادتها ..أدهم اللي كان مبيعرفش يبتسم غير بالعافية، بقى بيقضي ساعات يعمل أصوات مضحكة ويحرك حواجبه بس عشان يسمع ضحكة مكتومة من بنته. ريحانة كانت بتبص له بعيونها الفيروزية الواسعة، وبتحرك رجليها في الهوا بحماس،وبتصدر أصوات لطيفة 
ريحانة :ءءء أااا
أدهم همس لها بصوت دافي:
"يا روحي.. شكلك جعانة ؟خلاص مامي بتاخد شاور وزمانها جاية وهترضعك."
ريحانة طلعت صوت أغوو لطيف، أدهم ضحك وقرب ودنه من شفايفها الصغيرة كأنه بيسمع سر خطير:
"بتقولي إيه؟ وحشتك؟ والله وأنا كمان يا قلب بابا.. بس معلش، لازم  نسيب مامي تاخد وقت لنفسها شوية، مش كل حاجة لينا إحنا وبس، خلينا نلعب سوا شوية."
رفعها بإيديه الاتنين للسما ونزلها بسرعة وهو بيبوس بطنها، فطلعت منها ضحكة طفولية رنت في أركان الجناح، ضحكة خلت قلب أدهم يرقص من السعادة ... في اللحظة دي، خرجت جميلة من الحمام، كانت لابسة روب ناعم وبتجفف شعرها الطويل اللي واصل لآخر ضهرها. وقفت قدام المراية تسرحه بهدوء، وعينها متعلقة في المراية بالمشهد اللي وراها.. مشهد أدهم وهو بيدوب في تفاصيل بنته. الابتسامة مكنتش بتفارق وشها، كانت حاسة إنها في حلم مش عايزة تصحى منه.
أدهم لمح عينيها في المراية، ساب ريحانة براحة على السرير وسط المخدات الي حطها بعناية حواليها عشان متقعش، وقام مشي خطوات هادية لحد ما وقف وراها. حاوط وسطها بإيديه من ضهرها، وسند دقنه على كتفها، وغمض عينه وهو بيمرغ أنفه في شعرها المبلل .
أدهم همس بصوت رخيم:
"نعيماً يا جميلتي.. تعرفي إن المنظر ده هو أحلى حاجة بشوفها في يومي؟ أنتي وهي.. مجمعين لي كل معاني الجنة في أوضة واحدة."
جميلة سابت المشط من إيدها، وحطت إيديها فوق إيديه اللي محاوطاها، لفت راسها ناحيته شوية وهمست بحب:
"الله ينعم عليك يا حبيبي.. تعرف يا أدهم، أنا ساعات بخاف أغمض عيني لحسن أصحى ملاقيكوش. الشهر ده كان أحلى شهر في عمري كله، رغم كل الوجع اللي فات، بس وجودك أنت وريحانة جنبي عوضني عن كل حاجة."
أدهم شدد من ضمة إيده عليها وباس كتفها برقة:
"مفيش خوف بعد النهاردة يا جميلة.. أنا موجود، وريحانة في حضننا. اليوم اللي رجعت فيه، حسيت إن ربنا بعت لي رسالة إن اللي جاي كله تعويض. أنا مكنتش متخيل إني ممكن أحب حد كدة، بس ريحانة خلتني أكتشف أدهم تاني خالص.. أدهم اللي بيضعف قدام ضحكة، وبيتهزم قدام دموع طفلة قد كف إيدي."
جميلة لفت في حضنه وبقت مواجهة ليه، رفعت إيدها ولمست دقنه الخفيفة وقالت بعيون بتلمع:
"أنت أحن أب في الدنيا يا أدهم.. بجد شكراً إنك وافقت في الآخر نسميها ريحانة، الاسم ده بقى له رنة خاصة في قلبي، كأنه ريحة الأمان اللي رجعت لنا."
أدهم سكت لحظة، وابتسامة هادية اترسمت على وشه وهو بيفتكر اليوم ده.. لما شاف الاسورة اللي مكتوب عليها الاسم. افتكر إزاي كان رافض تماماً، وصورته وهو بيزعق بضيق لسه قدام عينه: "مش هسمي بنتي على ذوقها يا جميلة ،ثريا هي اللي اختارت الاسم ده، وأنا مش عايز أي حاجة تفكرني بيها ولا بخطفها لبنتي"
لكن جميلة وقتها وقفت قدامه، وعينيها كانت مليانة رجاء وإصرار غريب: "عشان خاطري يا أدهم، الاسم رقيق أوي وحساه لايق عليها.. بلاش نربط الاسم بحد، خلينا نبدأ بيه صفحة جديدة."
أدهم بص لجميلة دلوقتي وضحك بخفة وهو بيبوس جبينها بوسة طويلة:
"عارفة.. لولا إصرارك ده وزعلك اللي مكنتش أقدر عليه، مكنتش وافقت أبداً. كنت مستعد أسميها أي اسم تاني في الدنيا إلا ده، بس لما شوفت دموعك في اليوم ده استسلمت.. ومكنتش أعرف إن الاسم ده فعلاً هو اللي هيملى حياتنا بالراحة كدة."
شدد من ضمته ليها وكمل بعمق:
"لو هي ريحانة البيت اللي بتعطر أيامنا، فأنتي روح البيت ده وقلبه اللي بيخليني أتنفس.. أنا بحبك يا جميلة، بحبك لدرجة تخوفني على نفسي منك."
جميلة ابتسمت ودفنت راسها في صدره:
"وأنا بعشقك يا أدهم.. ربنا يديمك لينا سند وعمر مبيخلصش."
وسط اللحظة الرومانسية دي، ريحانة قررت تثبت حضورها وطلعت صرخة اعتراض لأنها اتسابت لوحدها، أدهم وجميلة ضحكوا في نفس الوقت، وأدهم شالها وحطها بينه وبين جميلة، وكأنهم بيعلنوا إن دي دائرتهم الخاصة اللي مفيش قوة تقدر تخترقها.
_________________________________
علي دخل الشقة وهو مجهد، فك الجرافتة ورماها على الكرسي وهو بيتنفس براحة أول ما قفل الباب وراه. وبمجرد ما تكة المفتاح رنت، ظهرت فتون، بتزحف على الأرض بسرعة خرافية وهي بتضحك، كأنها كانت مستنية ورا الباب .علي نزل لمستواها وشالها من على الأرض، لف بيها في الهوا وصوت ضحكاتها العالية ملت المكان بهجة ونسّته تعب اليوم كله.
"وحشتيني يا قلب بابا.. إيه الحلاوة دي؟ أنتي كبرتي كدة امتى وبقيتي بتزحفي وتسبقي الريح؟"
فتون نطقت بلهثتها الطفولية: "بـ.. بـ.. بابا"
علي ضحك من قلبه وباس خدها المليان: "يا روحي.. بابا وقلب بابا. أومال ماما فين؟ راحت فين وسابت القمر دي لوحدها؟ تعالى ندور عليها."
مشي بيها ناحية الأوضة وفتح الباب براحة، لقى ياسمين واقفة قدام التسريحة، كانت بتلمس لمسات أخيرة للميكب بتاعها وبتحط روج، أول ما شافته في المراية لفت بابتسامة نورت وشها:
"حمد الله على السلامة يا حبيبي.. جيت امتى؟"
علي قرب منها وميل باس خدها وهو لسه شايل فتون على دراعه:
"الله يسلمك يا حبيبتي.. لسه واصل، ولقيت القردة دي مستنياني عند الباب. عاملة إيه يا ياسمين؟"
ياسمين بحب: "الحمد لله يا حبيبي، بخير طول ما أنت بخير."
علي بص حواليه باستغراب: "أومال خالتو فين؟ مشوفتهاش يعني خرجت تستقبلني زي كل يوم."
ياسمين ضحكت وهي بتلم شعرها: "نامت من بدري يا علي.. فتون هانم طلعت عينيها طول اليوم، فضلت تلعب معاها وتجري وراها لحد ما الست تعبت واستسلمت للنوم بدري."
علي هز راسه بضحكة: "حقها والله، البنت دي طاقة متحركة. طيب يا حبيبتي، أنا هغير هدومي بسرعة عشان أرتاح."
ياسمين سألت بلهفة وهي بتعدل له ياقة قميصه: "أجهزلك العشا؟ أنا عملت لك النهاردة أكلتك المفضله."
علي رفع حاجبه بفضول: "أكلة إيه؟ شوقتيني."
ياسمين بابتسامة: "صينية بطاطس بالفراخ في الفرن.. وعملت لك جنبها شوية رز بالشعرية مفلفلين يستاهلوا بقك."
علي حط إيده على بطنه بتمثيل للجوع الشديد: "ااااه يا وعدي، أنتي بتيجي على الجرح يا ياسمين. طبعاً هاتي، هي دي فيها كلام؟ ده أنا ريحتها بدأت تندهلي من دلوقتي. هغير هدومي بسرعة عقبال ما تجهزي السفرة.
"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ياسمين ضحكت وقالت له: "ماشي يا حبيبي، متتأخرش عشان الأكل ميببردش."
علي دخل يغير هدومه، وياسمين خرجت المطبخ وهي حاسة إن بيتها الصغير ده هو جنة الدنيا، وإن ضحكة فتون ووجود علي هما كل اللي محتاجاه من الدنيا.
__________________________________
في بيت محمود، كان الجو هادي، نادية قاعدة في الركن المفضل ليها بتبص للمصحف اللي قدامها وبتحاول تداري شرودها وتفكيرها اللي مبيخلصش. فجأة دخل محمود، وإيده ورا ظهره مخبي فيها حاجة. وقف قدامها بابتسامة دافية، نادية رفعت عينيها وقلعت نضارة القراية وبصت له باستغراب:
"فيه إيه يا محمود؟ مخبي إيه ورا ظهرك ؟."
محمود طلع بوكيه ورد أحمر رقيق من ورا ظهره وقدمهولها بحب:
"أنا جايب ورد لأجمل وردة في حياتي.. الورد ده غار منك وهو في إيدي يا نادية."
نادية ابتسمت غصب عنها، لمسة الرومانسية دي لمست قلبها، خدت منه الورد وغمضت عينيها وهي بتشم ريحته العطرة اللي ملت المكان. محمود قعد جنبها، قرب وباس راسها بحنان وقال بصوت هادي:
"أنا ملاحظ إنك متغيرة بقالك فترة، فيه حاجة شاغلة بالك؟ حاسس إنك بعيدة عني وأنتي قاعدة جنبي.. ممكن أعرف فيه إيه؟"
نادية اتنهدت تنهيدة طويلة، تنهيدة فيها حمل سنين، وقالت وهي بتهرب بعينيها:
"مفيش حاجة يا محمود.. مجرد تعب من الأحداث اللي فاتت."
محمود مسك إيديها بحنان، وبص في عينيها بعمق رغم مرور السنين:
"بتكدبي على مين يا نادية؟ أنا بحبك وحافظك وفاهمك أكتر من نفسك.. قوليلي مالك، أنا عملت حاجة زعلتك؟"
نادية بلعت ريقها بأسى، ولمعة الدموع بدأت تظهر في عينيها وقالت بصوت مهزوز:
"أنا.. أنا كنت فاكرة كدة يا محمود."
محمود استغرب ورد: "كنتي فاكرة إيه؟"
نادية بصت له والقهر باين في عينيها: "كنت فاكرة إنك بتحبني يا محمود..."
محمود اتصدم، مسك وشها بين إيديه وقال بعتاب:
"ليه بتقولي كدة؟ أنتي بتشكي في حبي ليكي يا نادية بعد كل السنين دي؟ بعد كل اللي مرينا بيه سوا؟"
نادية نزلت دمعة من عينيها وقالت بعتاب مليان وجع:
"أنا مش بشك.. أنا متأكدة إنك لسه منسيتهاش يا محمود، لسه ذكرى أم أدهم هي اللي مسيطرة على قلبك. أنا مهما عملت، ومهما كنت جنبك وسندتك، حاسة إني دايماً في المرتبة التانية.. أنا مش عايزة أخد مكانها يا محمود، أنا عارفة غلاوتها، بس أنا كان نفسي يكون ليا حتة صغيرة في قلبك، حتة أسكن فيها وأحس إني لوحدي فيها، مش مجرد بديل أو حد بيكمل المشوار."
محمود سكت ثانية، بص لها بعتاب رقيق ممزوج بحب كبير، وسحبها لحضنه بقوة وهو بيهمس في ودنها:
"بديل؟ ده أنتي اللي أنقذتي روحي يا نادية. أنتي فاهمة الموضوع غلط خالص... أم أدهم كانت حكاية وانتهت من سنين، ذكراها جزء من الماضي، لكن أنتي الحاضر والمستقبل، أنتي السند اللي قومت عليه لما كنت هقع، ووقفتي جنبي في أصعب أيامي، أنتي اللي هتربي معايا أحفادي ."
رفع راسها وبص في عينيها بصدق:
"نادية، أنتي مش ساكنة حتة صغيرة في قلبي.. أنتي القلب نفسه دلوقتي. لو كنتي واخدة مكان حد، مكنتش قدرت أكمل يوم واحد معاكي. أنا بحبك لشخصك، لروحك، لصبّرك عليا.. أنتي الملكة في البيت ده وفي حياتي، ومفيش حد يقدر ياخد مكانك أبداً."
نادية بدأت تهدا في حضنه، كلامه كان زي البلسم على جرحها القديم، محمود مسح دموعها وقال بابتسامة:
"صالحيني بقى، ده أنا جايبلك الورد اللي بتحبيه.. مفيش زعل بعد النهاردة، ماشي؟"
نادية ابتسمت بصفاء ودفنت راسها في صدره: "ماشي يا محمود.. ربنا ما يحرمني منك."
__________________________________
مر تمن سنين .... والوقت مكنش مجرد أيام بتعدي، ده كان عمر بيبني فيهم حب وجدران أمان مابتتهدش. جناح أدهم وجميلة كان شاهد على كل ضحكة وكل لحظة حنين مرت عليهم.
جميلة كانت واقفة قدام المراية، لابسة فستان سهرة بلون الروز اللي بيعكس رقة ملامحها، بس كانت عمالة تنفخ بضيق وهي بتحاول تربط رباط الظهر اللي كان معقدها، وكل ما تقرب تظبطه يفك منها تاني. في اللحظة دي، انفتح الباب ودخل أدهم.. كان شكله جذاب ورجولي في بدلة التكسيدو السوداء، والقميص الأبيض اللي نطق سواد البدلة، مع ببيونة بنفس لون البدلة، ووقار زاد مع السنين.
وقف وراها من غير ولا كلمة، ملامحه لانت أول ما شاف طيفها في المراية. مد إيده وبدأ يزيح شعرها الطويل اللي كان مغطي ظهرها ونازل بنعومة، وبدأ يربط الرباط ببطء دوء، وأصابعه كانت بتلمس بشرتها برقة خلت رعشة خفيفة تسري في جسمها.
جميلة بصت لصورته في المراية، وابتسامة حب اترسمت على شفايفها:
ـ "تسلم يا حبيبي.. غلبتني والله، كنت لسه هنادي عليك."
أدهم مسبهاش تبعد، حاوط خصرها بإيديه وبص لملامحها في المراية بعيون مليانة إعجاب مبيقلش مع الزمن، بل بيزيد:
ـ "إيه الجمال ده يا جميلة؟ أنتي كل ما بتكبري بتحلوي أكتر، كأن السنين بتزيدك نور مش بتغيرك."
جميلة لفت وشها له بكسوف طفولي لسه مرافقتهاش:
ـ "بجد يا أدهم؟ شكلي حلو فعلاً؟"
أدهم مرمغ راسه في شعرها كعادته، واستنشق ريحة الورد اللي بقت هويته الشخصية، وهمس بصوت رخيم:
ـ "بيجنن.. لدرجة إني بدأت أغير رأيي ومش عايزك تنزلي الحفلة خالص، ولا عايز حد يشوف الجمال ده غيري."
جميلة ضحكت برقة ودلعت عليه:
ـ "طيب يلا يا حبيبي ننزل بقى، الضيوف زمانهم وصلوا، ومنقدرش نتأخر أكتر من كدة على عيد ميلاد ريحانة.. دي صاحبة الحفلة وممكن تعمل لنا ثورة لو اتأخرنا."
أدهم ابتسم وهو بيفتكر شقاواة بنته اللي واخدة منه العناد ومن أمها الجمال الساحر، مد ساعد إيده ليها وقال بابتسامة دافية:
ـ "يلا يا برنسيس.. ريحانة السويسي ومامتها ليهم حق الدلع النهاردة."
__________________________________
في بيت علي. الهدوء كان مسيطر على الغرفة..علي كان فارد جسمه على السرير ببدلته الكحلي، وماسك الموبايل بيقلب فيه بملل وهو مستني ياسمين تخلص  اللبس والميكب.ياسمين قامت وقفت أخيراً بعد ما حطت اللمسات الأخيرة، وجابت الهيلز وقعدت على الكرسي عشان تلبسه. رفعت طرف الفستان لركبتها وبدأت تحاول تربط الرباط الرفيع على ساقها، لكن في ثانية لقت علي قدامها، ركع على ركبه بوقار وسحب منها الهيلز بهدوء.
أخد رجلها وفردها على رقبته، وياسمين شهقت بتفاجؤ ممزوج بابتسامة:
ـ "علي! بتعمل إيه يا حبيبي؟"
علي وهو عينه على الرباط وبيربطه بهدوء:
ـ "بعمل شغلي يا ياسمين.. مش عيب تسألي سؤال زي ده؟"
ياسمين ضحكت برقة: "شغلك؟!"
علي رفع عينه وبصلها بنظرة كلها عشق ودفا:
ـ "أيوة ده شغلي الأساسي.. إني أدلعك، وأهننك، وأشيل عنك أي مجهود حتى لو بسيط.. ده العقد اللي بيني وبين قلبي من يوم ما عرفتك."
ياسمين حست بقلبها بيدق بسرعة، ولمست كتفه بحنان:
ـ "علي.. أنت بجد بتخطف قلبي بكلامك وتصرفاتك دي، بعد كل السنين دي ولسه بتعرف تخليني أتكسف كأني لسه في أول يوم."
قام وقف بعد ما خلص لبسها الفردة التانية، وقومها معاه وحاوط وسطها بتملك وحب:
ـ "ومالو.. أنا عايز أخطف قلبك وعقلك وكل حتة فيكي كل يوم من جديد.."
لسه بيميل عشان يبوس جبينها، انقطع حبل الكلام بخبطة سريعة على الباب، ودخلت فتون اللي بقت عندها تسع سنين.
ـ "بابي ! مامي.. بجد اتأخرنا أوي على عيد ميلاد ريحانة، وهي بتبعتلي مسدجات بتقولي لو مجتوش دلوقتي هتزعل."
علي أول ما شافها، انتفض وساب ياسمين، وعينه وسعت بصدمة:
ـ "إيه اللي أنتي لابساه ده ؟"
فتون لفت حوالين نفسها برقة وبراءة: "ماله يا بابي؟ فستاني الجديد؟ مش حلو عليا؟"
علي ضيق عينه بغيرة أب واضحة: "حلو يا حبيبة بابي.. بس قصير أوي. إيه يا ياسمين، أنتي موافقة على ده؟"
ياسمين هزت راسها بيأس وحيرة:
ـ "عندك حق الفستان قصير فعلاً.. ده أنا خايفة يزن يشوفها كدة ويتضايق ويقلب الحفلة نكد."
علي وشه جاب ألوان وانتفض كأن عقربة لدغته:
ـ "نعم يا اختي؟ مين يزن ده اللي يتضايق؟ وهو ماله أصلاً؟ بنتي تلبس اللي هي عايزاه.. هو وصي عليها؟"
ياسمين ضحكت بصوت عالي:
ـ "أيوة يا علي.. ده محرج عليا ألبسها أي حاجة قصيرة أو مكشوفة، ده ساعات هو اللي بيختار لبسها معايا لما بنخرج سوا، وما بيوافقش على أي حاجة بسهولة."
علي بصلها بغضب غيرة ذكوري:
ـ "نعم يا روح أمك! ولما هو عامل فيها ديك البرابر أوي كدة، مختار الفستان ده ليه؟ "
فتون تدخلت بسرعة وهي بتعدل شعرها:
ـ "يا بابي ما أنا قولتله إن مامي طلبت الفستان أونلاين وملحقتش أشوفه ولا أقيسه غير دلوقتي وهو ميعرفش.. خلاص بقى يلا نمشي"
علي نفخ بضيق وبص لياسمين بتريقة:
ـ "ماشي يا اختي.. لما نروح هناك حسابي مع الأستاذ يزن ده.. بقى الواد عايز بيتحكم في بنتي؟
اتفضلوا يا هوانم قدامي."
نزلوا وهما بيضحكوا، وعلي جواه بركان غيرة مشتعل ،من فكرة إن فيه حد تاني  بيشارك في الاهتمام ببنته الصغيرة.
________________________________
في الصالة تحت، كانت الأجواء تخطف الأنفاس، القصر تحول لقطعة من الخيال احتفالاً بميلاد ريحانة السويسي. الثريات الكريستالية كانت بتعكس إضاءة خافتة وراقية، والورد البلدي الأبيض مع أوراق الريحان الأخضر ماليين الأركان، ومديين للمكان ريحة منعشة وساحرة. شاشات عرض كبيرة كانت بتعرض صور ريحانة من يوم ولادتها لحد ما تمت ثمان سنين، والضيوف من صفوة رجال الأعمال والمجتمع ماليين القاعة بهمساتهم الراقية.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
وفجأة، اتجهت الأنظار للسلالم العريضة.. نزل بخطوات هادية، واثقة، وفيها رزينة وزهو ورثهم عن أدهم السويسي. لابس قميصه باللون الاسود القاتم ، اللي بيبينه بطل من رواية غامضة، القميص كان مرسوم على بنيته القوية وعضلات صدره وكتافه العريضة. رغم إنه لسه مكملش العشرين، إلا إن جسمه كان مثالي، نتيجة سنين من التمرين العنيف في الجيم بتوجيه من علي اللي كان سبب رئيسي لحبه للتمرين، وده اللي أهله بامتياز إنه يخطو أول خطوة في مستقبله ويدخل الكلية الحربية.
مسح القصر بعينه الزرقاء اللي بتشبه موج البحر في قوته، لحد ما شاف جميلة واقفة بترحب بالضيوف بطلتها الساحرة، قرب منها وبكل شقاوة صفر بصوت عالي ورا ودنها، لدرجة إنها اتنفضت :
ـ "يزن! خضتني يا ولد.."
يزن عض على شفايفه وهو بيبص من فوق لتحت:
ـ "إيه يا جميلتي الجمال ده؟ حرام عليكي أدهم السويسي، قلبه مش حمل كل الشياكة دي."
جميلة ضحكت بخجل وهي بتعدل خصلة من شعرها: "بجد يا زينو شكلي حلو؟".
يزن كشر بتمثيل مضحك: "أهو كده أزعل! بذمتك لو صحابي في الكلية الحربية عرفوا إن يزن السويسي، بيتنادى بـ زينو... منظري هيبقى عامل إزاي قدام العساكر؟ هيبتي هتضيع."
جميلة طبطبت على خده بحب وفخر: "أنت أحلى زينو في الدنيا."
لسه يزن هيتكلم، حس بإيد أدهم التقيلة والمسيطرة على كتفه، وصوته الرخيم اللي ملوش مثيل رن وراه:
ـ "أومال مبتقولش الكلام ده لفتون بنت خالتك ليه؟ ولا هو ناس وناس يا حضرة الضابط؟"
يزن لسه هيرد : "لا فتون دي..." بس الكلمة وقفت في زوره، وعيونه الزرقاء فجأة اتحولت لجمر نار، وتركيزه كله اتنقل للباب الرئيسي، وكمل :" يومها اسود."
دخل علي وياسمين، وفي وسطهم كانت فتون.. كانت زي النجمة الصغيرة اللي تاهت من السما. أدهم لاحظ، وحاوط خصر جميلة وهو بيكتم ضحكته بصعوبة: "لا.. ده إحنا نستعد للملحمة بقى، الوحش صحي."
علي قرب بابتسامة واسعة: "السلام عليكم يا جماعة"
جميلة حضنت ياسمين بحرارة، وعلي سلم على أدهم، بينما يزن كان في عالم تاني خالص. عينه كانت بتاكل فتون اللي وقفت ورا والدتها بخجل وارتباك دبتشد طرف فستانها على أمل إنه يبان أطول لما شافت نظراته. كانت بتبص له ببراءة وخوف، وهو بيبص لها بنظرة صقر حدد فريسته وقرر ميسيبهاش.
علي مد إيده ليزن: "أزيك يا يزن."
يزن سلم ببرود وعينه لسه منزلتش من على فتون: "أهلاً يا بشا.. الحمد لله."
علي حس بالتوتر، وضرب أدهم على ظهره بهزار: "شايف ابنك بيبص لبنتي إزاي؟ ده ناقص ياكلها!"
أدهم ببرود وثباته الانفعالي المعهود: "إيه المشكلة؟ مش خطيبها؟
علي صرخ بذهول وهو بيحرك إيده في الهوا: "خطيب مين يا عم أنت! البنت لسه في ابتدائي وبعدين أنتوا جيتوا خطبتوها من مين؟"
أدهم بص لياسمين اللي كانت بتحاول تتدارى ورا جميلة: "خطبناها من أمها.. والعروسة موافقة، صح يا ياسمين؟"
علي لف لياسمين ببطء زي أفلام الرعب، وياسمين بلعت ريقها ورجعت خطوة لورا: "والله يا علي ما عملت حاجة.. هما اللي ضغطوا عليا وقالوا يزن مش هيسيبها لغيره"
علي بص لياسمين بغل: "ماشي يا ياسمين.. الحساب في البيت على موضوع الخطوبة اللي من ورايا ده!"
يزن مقدرش يستنى أكتر من كده، اتقدم خطوات واسعة وبكل حزم مسك إيد فتون من ورا ياسمين:
"عن إذنكم يا جماعة.. فتون تعالي عايز أقولك كلمة في الجنينة."
علي لسه هيتحرك يمنعه، أدهم مسكه من دراعه بضحكة مكتومة: "تعالى يا علي.. رايح فين؟ سيب العيال يتصافوا."
علي بزعيق مكتوم: "يتصافوا إيه ؟ أنت مش شايف نظرة ابنك؟ ده عجل وبنتي بسكوتاية ،يعني تتفتفت فى إيده"
في الجنينة ...
سحب فتون لمكان هادي في طرف الجنينة، بعيد عن عيون الضيوف وزحمة الحفلة. وقف قدامها وهو مربع إيده، ملامحه كانت صارمة بس نظرة عينيه فيها حنية غريبة، حنية مبيطلعهاش غير لها هي وبس.
فتون كانت واقفة قدامه بتفرك في إيديها بخجل، وعينيها الزرقاء بتبص في الأرض وقلبها بيدق بسرعة من هيبته. يزن نزل لمستواها شوية وهدّى صوته خالص:
"بصيلي يا فتون.."
رفعت عينيها له ببطء، فكمل بنبرة حازمة بس ناعمة: "أنا مش قولت بلاش الفساتين القصيرة ؟  ترضي يزن يفضل متضايق طول الحفلة؟"
فتون ردت بصوت رقيق زي الهمس: "يا يزن، والله مامي اللي اختارته وما حبيتش أزعلها.. وبعدين أنا لسه صغيرة والله، يعني عادي."
يزن ابتسم ابتسامة خفيفة، ومد إيده لمس خدها بحنان: "صغيرة في نظر الكل، بس عندي أنتي كبرتي وبقيتي مسؤولة مني.. ماشي يا فوتي؟ المرة دي سماح عشان خاطر النهاردة عيد ميلاد ريحانة"
فتون هزت راسها بخجل: "اتفقنا."
فجأة، انقطع جوهم الهادي بصوت طفولي شقي ومليان ثقة:
"إيه يا عصافير الحب؟ واقفين بتعملوا إيه هنا؟ "
ظهرت ريحانة... ذات 8سنين ... كانت لابسة فستان أخضر غامق مخلي عينيها الفيروزية تنور، وشعرها الأسود الطويل والناعم واصل لآخر ظهرها، كأنها نسخة مصغرة من جميلة في سحرها بس بشخصية أدهم الحادة والقوية.
فتون جريت عليها بحماس وحضنتها: "كل سنة وأنتي طيبة يا ريحانة ،أنا جبتلك هدية حلوة أوي، هتعجبك جداً."
ريحانة ابتسمت : "شكراً يا فوتي يا عسل، أكيد أي حاجة منك حلوة."
يزن قرب منهم ولعب في شعر البنتين بلطافة وهو بيضحك: "طيب يلا يا برنسيسات نخش جوة."
ريحانة وقفت مكانها وقالت: "لا.. ادخلوا أنتوا، أنا هعمل حاجة وجاية وراكم على طول، عايزة أشم شوية هوا."
يزن عارف عناد أخته وهدوئها، فهز راسه ودخل وهو ماسك إيد فتون.
 راحت قعدت على كرسي مرجيحة في وسط الجنينة، بدأت تحركها برجلها وهي بتزق النجيلة الخضراء. المرجيحة كانت بتتحرك بيها، وشعرها الأسود بيتطاير وراها في الهوا بجمال ملوكي. رغم إن عندها 8 سنين بس، إلا إن شخصيتها كانت أعمق من سنها بكتير؛ ذكية، هادية، وعنيدة جداً، مابتحبش حد يسيطر عليها ولا يفرض رأيه، نسخة طبق الأصل من أدهم السويسي في كبريائه.
وقفت المرجيحة فجأة، وميلت على الأرض قطفت ورقة ريحان من الشتلات اللي أدهم مالي بيها الجنينة عشان خاطرها. قربت الورقة من أنفها وغمضت عينيها وهي بتشم الريحة بانتعاش وابتسامة رقيقة مرسومة على وشها.مكانتش واخدة بالها إن فيه عيون أسد مراقباها من بعيد.. خلف أسوار القصر العالية، كان واقف في الضلمة، عيونه حادة ومسيطرة، مركزة عليها هي وبس وكأن مفيش حد غيرها في الوجود.
كان واقف زي الضل، ساكن ومبيتحركش ورا سور القصر، كأنه حتة من ليلهم الطويل.مابقاش هو هو ذاك الطفل اللي هرب زمان وقلبه مكسور؛ التمن سنين اللي فاتوا نحتوا ملامحه بقسوة الصخر، وشلوا من وشه أي أثر للضعف، وبدلوه بقوة صامتة وغموض ملوش آخر. 
لابس بالطو أسود طويل بلون الفحم، مدي له هيبة وطول يخلي القلب يقبض، كأن جسمه اتصاغ من رخام ناشف بعد سنين من حروب محدش يعرف عنها حاجة. شعره اللي كان زمان رافعة ببراءةلايقة على سنه ، بقى دلوقتى متسرح بانتظام صارم، إسود زي الليل محدد وشه اللي فقد براءته وبقت زواياه حادة، وعينه ثاقبة ومبترمش. على الرغم منه سنه اللي ميزيدش عن  18 سنه.
أما عينيه.. فبقت زي بير غريق ملوش قرار، فيها لمعة تخوف زي لمعة الفولاذ، ونظرة أسد رجع يسترد مملكته. بصته لريحانة مكنتش مجرد بصة عادية، دي كانت نظرة تملك وسيطرة، كأن كل نَفَس بتسحبه البنت الصغيرة دي هو ملكه هو وبس.كان مراقبها وهي بتشم الريحان، وعقله بيرجع لشريط ذكريات الليلة اللي سابها فيها في سريرها ومشي. ودلوقتي، راجع بصوت رخيم، عميق، يخلي الجسم يقشعر، وهو بيهمس لنفسه بكلام كله وعد ووعيد:
"كبرتي يا صغيرة.. كبرتي وبقيتي ريحانة اللي زرعت اسمها في قلبي من قبل ما يتكتب في ورقهم.. بس لسه بدري يا ريحانتي، لسه مابقتش قوي كفاية عشان أقرب منك، ولسه معنديش نفوذ وقوة كفاية عشان أتحدى  أدهم السويسي وأحرق قلبه فيكي ،وأنتي ....أنتي لسه صغيرة أوي على اللي ناوي أعمله فيكي، بس أوعدك.. هبقى أقوى، وهرجعلك يا ريحانتي ."
❤️ تمت بحمدالله ❤️ 

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا