رواية جنون الوصال من الفصل الاول للاخير بقلم نور محمد
رواية جنون الوصال من الفصل الاول للاخير هي رواية من كتابة نور محمد رواية جنون الوصال من الفصل الاول للاخير لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية جنون الوصال من الفصل الاول للاخير حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية جنون الوصال من الفصل الاول للاخير
رواية جنون الوصال من الفصل الاول للاخير
— "يا بنتي ردي عليا.. إنتي إنس ولا جن؟ انطقي الله يرضيكي، وقفتي قلبي!"
صوت "زكريا" طلع مهزوز ومخلوط بصوت المطر اللي كان بينزل زي السيول في الليلة دي. واقف في نص طريق زراعي مقطوع، الكشافات بتاعة عربيته الربع نقل القديمة ضاربة في شجرة ضخمة.. وتحت الشجرة دي، كان في كيان غريب متكوم على نفسه.
كان راجع من شغله في المشتل بتاعه متأخر، طريق ضلمة وموحش محدش بيمشي فيه بعد المغرب، لكن عينه لمحت حركة غريبة، حاجة بتزحف في الطين وسط المطر. نزل من عربيته وهو بيسمي الله وبيستعيذ من الشيطان، لكن اللي شافه خلاه يتسمر في مكانه.
بنت.. أو ملاك مكسور الجناح، متكورة على نفسها بخوف مرعب. هدومها عبارة عن حتت قماش بالية ومقطعة يادوب ساترة جسمها، وشعرها أسود وطويل جداً ومبلول، مغطي وشها كأنه ستارة بتحميها من العالم.
— "يا ساتر يا رب.. يا بنتي إنتي كويسة؟"
قرب منها خطوة وهو بيوطي عشان يشوفها، فجأة البنت رفعت راسها.. وهنا "زكريا" حس إن نفسه اتكتم.
جمال مش طبيعي، جمال يفتن الحجر ويزلزل الجبال! عيونها واسعة بلون العسل الصافي، ملامحها بريئة لدرجة توجع القلب، وبشرتها بيضا زي التلج رغم الطين اللي مغرقها. لكن اللي لفت انتباهه أكتر من جمالها، هي "النظرة" اللي في عينيها.
نظرة رعب، نظرة كأنها أول مرة تشوف بني آدم! عينيها كانت بتتحرك في كل اتجاه بخوف، وبتطلع أصوات أنين خافتة زي طفل رضيع موجوع.
— "بسم الله ما شاء الله.. اللهم إني أسألك العفو والعافية."
تمتم "زكريا" بالكلمات دي وهو بيغض بصره بسرعة، أخلاقه وتربيته منعوه يطول النظر ليها في حالتها دي. قلع الجاكت الصوف بتاعه بسرعة، وقرب منها بحذر عشان يغطيها.
أول ما مد إيده بالجاكت، البنت صرخت صرخة مكتومة، وانكمشت في جذع الشجرة أكتر، ورفعت إيديها الاتنين كأنها بتحمي وشها من ضربة متوقعاها!
— "أهدي.. أهدي والله ما هأذيكي، أنا بس هغطيكي عشان البرد."
قالها زكريا بصوت هادي جداً وحنين، كأنه بيكلم طير خايف. رمى الجاكت عليها بالراحة، استغرب جداً من رد فعلها.. البنت مسكت الجاكت، شمت ريحته، وفضلت تبص للقماش باستغراب شديد كأنها أول مرة في حياتها تشوف هدوم!
حاولت تتغطى بيه بس مكانتش عارفة إزاي، كانت بتلفه حوالين رقبتها بطريقة عشوائية وهي بتترعش.
"زكريا" وقف مذهول. البنت دي مش طبيعية، دي مش بس خايفة، دي كأنها متعرفش يعني إيه تتصرف زي البشر! عمرها يبان في حدود الـ 18 سنة، لكن حركاتها وردود أفعالها طفلة عندها 3 سنين، أو أقل.
— "قومي معايا.. هتموتي من البرد هنا، تعالي اركبي العربية."
شاور لها على العربية، لكنها بصت للعربية برعب وشهقت، ورجعت تزحف لورا في الطين. زكريا مكنش عارف يعمل إيه، يسيبها؟ بس كده هتموت من البرد والكلاب الضالة. ياخدها معاه؟ طب هياخدها فين وهو شاب أعزب عنده 26 سنة عايش لوحده بعد وفاة أهله؟
روايه فتنه زكريا بقلمي نور محمد
لكن الموقف مكنش مستحمل تفكير. نزل على ركبته في الطين قدامها، ومد إيده ليها.
— "هاتي إيدك.. صدقيني أنا مش هسيبك هنا."
بصت لإيده الممدودة، وبعدين بصت لعينيه. يمكن شافت في عينيه الأمان اللي مشافتهوش في حياتها، أو يمكن البرد كان أقوى منها. مدت إيدها الصغيرة اللي كانت متجمدة من البرد، ولمست إيده.
أول ما مسكت إيده، زكريا لمح سلسلة فضة قديمة جداً ومصدية ملفوفة حوالين رقبتها بخنقة، ومحفور عليها بالعافية اسم:"فتنة مرزوق".
— "فتنة.. اسم على مسمى، سبحان من صورك."
همس بيها زكريا في سره، وسندها عشان تقوم. كانت مش عارفة تمشي، بتدوس على رجليها كأنها أول مرة تستخدمهم، وزنها كان خفيف جداً كأنها ريشة. وصلها للعربية، وفتح الباب.
فضلت واقفة مش فاهمة تعمل إيه.
— "اركبي يا فتنة.. ادخلي جوه."
لما لقاها مش مستوعبة، شالها بخفة وغمض عينيه عشان ميلمسهاش أكتر من اللازم، وحطها على الكرسي اللي جنبه. قفل الباب، ولف ركب مكان السواق.
شغل الدفاية بتاعت العربية بأعلى درجة. بص عليها لقاها مش قاعدة على الكرسي زي الناس، دي نزلت في الدواسة بتاعة العربية تحت، مكورة نفسها جنب رجليه، وماسكة الجاكت بتاعه بتعضه بأسنانها وبتترعش!
— "لا حول ولا قوة إلا بالله.. إيه اللي وصلك للحالة دي؟ ومين بس اللي خلاكي كده؟"
قالها زكريا وعينيه مليانة دموع وشفقة على حالها. دور عربيته واتحرك في طريق العودة لبيته في أطراف القرية، وهو بيستغفر ربنا وبيدعي يلهمه يتصرف إزاي في الابتلاء العظيم ده.
بنت متعرفش تتكلم، متعرفش تلبس، متعرفش تمشي، وفي نفس الوقت بتمتلك جمال يفتن أي راجل، وهو شاب لوحده معاها في بيت واحد.. اختبار قاسي من ربنا، و"زكريا" لازم ينجح فيه.
وصل زكريا قدام باب بيته، نزل من العربية وفتح الباب اللي جنبها.
— "وصلنا يا فتنة.. يلا ننزل."
لكنها بصتله بضياع، وفضلت ماسكة في الدواسة بتاعة العربية بأيديها الاتنين، رافضة تماماً إنها تخرج لعالم هي متعرفش عنه أي حاجة...
— "يا بنتي ارحمي ضعفي وقلة حيلتي.. مش هينفع تفضلي في دواسة العربية، هتموتي كده من البرد !"
زكريا وقف في الشارع والمطر بيغسله، بيحاول يسيس "فتنة" اللي مكلبشة في دواسة العربية كأنها الملاذ الأخير ليها. عينيها العسلي بتلمع في الضلمة برعب، وكل ما يقرب إيده تنكمش وتطلع صوت زي قطة خايفة من الضرب.
حس إن الكلام معاها ملوش فايده، هي في عالم تاني خالص غير عالمنا. استغفر ربنا في سره، وغمض عينيه نص تغميضة عشان يغض بصره عن هدومها المتقطعة المبلولة، ولف الجاكت الصوف بتاعه عليها كويس جداً كأنه بيكفنها بيه عشان ميلمسش جسمها، وشالها بين إيديه.
انتفضت في حضنه وبدأت ترفس برجلها وتخربش في الجاكت وهي بتطلع أصوات مكتومة.
— "بسم الله.. بسم الله.. أهدي أنا أمانك والله."
فضل يردد الكلمات دي بصوت دافي وحنين لحد ما دخل بيها باب البيت. قفل الباب برجله، وراح ناحية الكنبة الخشب اللي في الصالة ونزلها بالراحة.
أول ما رجليها لمست الأرض، جريت زحف على ركبها وإيديها واستخبت ورا الكنبة، في أضلم ركن في الأوضة!
زكريا وقف ياخد نفسه وهو بيمسح وشه من مية المطر. مد إيده وفتح كبس النور.. اللمبة اللي في نص الصالة نورت فجأة.
في اللحظة دي، "فتنة" صرخت صرخة عالية جداً، صرخة وجعت قلب زكريا وحطت إيديها الاتنين على عينيها كأن النور ده نار بتحرقها!
فهم فوراً إنها عاشت عمرها كله في العتمة، النور بالنسبة لها شيء مؤذي ومرعب. بسرعة قفل النور تاني، الصالة رجعت ضلمة إلا من نور الشارع الضعيف اللي داخل من الشباك.
— "خلاص.. خلاص قفلته والله، متخافيش."
راح المطبخ بسرعة، جاب شمعة وولعها، وحطها على الترابيزة بعيد عنها عشان النور يكون هادي وميوجعش عينيها.
رجع قعد على الأرض على مسافة بعيدة عنها عشان يديها مساحتها. لمحها بتترعش بعنف، أسنانها بتخبط في بعضها بصوت مسموع، وهدومها اللي عبارة عن خرق بالية بتنقط مية طين على البلاط.
روايه فتنه زكريا بقلمي نور محمد
هنا زكريا وقع في أكبر حيرة في حياته.. البنت دي لازم تغير هدومها فوراً وإلا هتموت بسبب البرد. بس إزاي؟ دي متعرفش حتى تغطي نفسها، وهو راجل غريب، مستحيل يلمسها أو يشوف منها حاجة، دينه وتربيته يمنعوه! ووو
يتبع.. نور محمد
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
— "بسم الله.. بسم الله.. أهدي أنا أمانك والله."
فضل يردد الكلمات دي بصوت دافي وحنين لحد ما دخل بيها باب البيت. قفل الباب برجله، وراح ناحية الكنبة الخشب اللي في الصالة ونزلها بالراحة.
أول ما رجليها لمست الأرض، جريت زحف على ركبها وإيديها واستخبت ورا الكنبة، في أضلم ركن في الأوضة!
زكريا وقف ياخد نفسه وهو بيمسح وشه من مية المطر. مد إيده وفتح كبس النور.. اللمبة اللي في نص الصالة نورت فجأة.
في اللحظة دي، "فتنة" صرخت صرخة عالية جداً، صرخة وجعت قلب زكريا وحطت إيديها الاتنين على عينيها كأن النور ده نار بتحرقها!
فهم فوراً إنها عاشت عمرها كله في العتمة، النور بالنسبة لها شيء مؤذي ومرعب. بسرعة قفل النور تاني، الصالة رجعت ضلمة إلا من نور الشارع الضعيف اللي داخل من الشباك.
— "خلاص.. خلاص قفلته والله، متخافيش."
راح المطبخ بسرعة، جاب شمعة وولعها، وحطها على الترابيزة بعيد عنها عشان النور يكون هادي وميوجعش عينيها.
رجع قعد على الأرض على مسافة بعيدة عنها عشان يديها مساحتها. لمحها بتترعش بعنف، أسنانها بتخبط في بعضها بصوت مسموع، وهدومها اللي عبارة عن خرق بالية بتنقط مية طين على البلاط.
روايه فتنه زكريا بقلمي نور محمد
هنا زكريا وقع في أكبر حيرة في حياته.. البنت دي لازم تغير هدومها فوراً وإلا هتموت بسبب البرد. بس إزاي؟ دي متعرفش حتى تغطي نفسها، وهو راجل غريب، مستحيل يلمسها أو يشوف منها حاجة، دينه وتربيته يمنعوه!
روايه فتنه زكريا بقلمي نور محمد
قام بسرعة دخل أوضة والدته الله يرحمها، فتح الدولاب القديم، وطلع عباية شتوي تقيلة جداً من بتوع أمه، وعباية تانية قطن، وفوطة كبيرة.
رجع للصالة، لقاها لسه متكورة ورا الكنبة.
— "فتنة..فتنة.. بصيلي."
اتكلم بصوت هادي وهو بيقرب خطوة بخطوة. رما الفوطة والهدوم على الأرض قدامها.
— "لازم تقلعي القماش المبلول ده، وتلبسي دول.. الهدوم دي ناشفة وهتدفيكي."
بصت للهدوم، وبعدين بصتله بعدم فهم. مدت إيدها لمست العباية الشتوي، شدتها، وشمتها.. وبعدين سابتها ورجعت تترعش وتحضن نفسها.
زكريا ضرب كف على كف بقلة حيلة. الدموع اتجمعت في عينيه وهو بيتخيل حجم المأساة اللي عاشتها البنت دي.
— "يا رب.. يا رب دلني، أنا عبدك الضعيف."
جاب ملاية سرير كبيرة، وعلقها بين كرسين كأنها ستارة بتفصل بينه وبينها.
— "أنا مش هبص عليكي، أنا ورا الستارة دي.. هرمي الفوطة تنشفي بيها، والبس هدومك."
لكن مفيش فايدة، مفيش أي استجابة غير صوت أسنانها اللي بتخبط في بعضها من البرد.
فهم إن مفيش حل غير التدخل. لف وشه الناحية التانية تماماً، ومد إيده من ورا الستارة بالعباية الشتوي التقيلة. قرب منها وهو باصص للسقف، حط العباية على كتافها ولفها حوالين جسمها كله زي البطانية، كأنها خيمة صغيرة.
وبعدها، بلمسات سريعة جداً وهو مغمض عينيه، شد بقايا القماش المبلول من تحت العباية ورماهم بعيد.
كل ده وهي متصلبة في مكانها، أنفاسها سريعة ومرعوبة، لكن الدفا اللي حست بيه من العباية خلاها تسكن شوية.
— "الحمد لله.. الحمد لله."
اتنهد زكريا براحة، وسابها متكورة جوه العباية وراح المطبخ.
وقف قدام البوتاجاز وهو بيغلي لبن، وبيحط عليه معلقتين عسل نحل ورغيف عيش سخنه على النار. عقله كان بيغلي أكتر من اللبن. مين دي؟ اتخطفت ليه؟ وليه يعيشوها عيشة دي؟ معقول في بشر بالوحشية دي؟!
رجع الصالة بالطبق والكوباية. حطهم قدامها على الأرض، ورجع خطوتين لورا.
ريحة اللبن السخن خلت عينيها توسع. بتبص للطبق كأنه كنز. فجأة، وبدون أي مقدمات، هجمت على الطبق، مدت وشها كله جوه الطبق عشان تشرب منه بسرعه كبيره زي القطط!
زكريا مقدرش يمسك نفسه، دموعه نزلت على خده وهو بيشوف المشهد ده. قلبه اتعصر من الوجع.
— "لا يا فتنة.. لا مش كده.. إنتي إنسانة كرمك ربنا.. استنى هساعدك."
قرب منها بسرعة، مسك إيديها الاتنين اللي كانوا بيترعشوا، ورفعهم. شهقت بخوف وحاولت تبعده، بس هو كان حازم وحنين في نفس الوقت.
مسك المعلقة، وحطها في إيدها، وقفل صوابعها عليها.
— "كده.. نمسك المعلقة كده."
وجه إيدها للطبق، شال شوية لبن بالعيش، ورفع إيدها لحد بوقها. داقت طعم الأكل، عينيها لمعت ببريق غريب، بريق الجوع الحرمان. بدأت تاكل بنهم شديد، كانت بتوقع على نفسها وعلى الأرض، بس زكريا كان بيمسحلها بوشه المبتسم رغم دموعه.
بعد ما أكلت ودفيت، التعب نال منها. عينيها بدأت تقفل. زكريا فرشلها مرتبة صغيرة على الأرض في الصالة، وحط عليها بطانيتين تقال.
شاورلها على السرير: "نامي هنا.. ده مكان مريح."
لكن كالعادة، متجاوبتش. زحفت ببطء، وراحت تحت ترابيزة السفرة الصغيرة، كورت نفسها جوه العباية، وغمضت عينيها. الأماكن المقفولة الضيقة هي اللي بتديها الإحساس بالأمان.
زكريا ابتسم بوجع، جاب مخدة صغيرة وحطها تحت راسها بالراحة، وغطاها بالبطانية.
الساعة بقت 2 بالليل. المطر لسه بيخبط على الشباك. زكريا قعد على سجادته في الركن التاني من الصالة، ولع كشاف نور خافت جداً موجهه للحيطة، وفتح المصحف بتاعه.
بدأ يقرأ سورة "مريم" بصوت عذب، خاشع، ومؤثر جداً. الصوت كان بيملا أركان البيت .
تحت الترابيزة، "فتنة" فتحت عينيها. الصوت ده غريب عليها.. مش صوت ضرب، مش صوت زعيق، مش صوت كلاب بتنبح.. ده صوت بيطبطب على روحها اللي متكسرة من 13 سنة.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ببطء شديد، ومن غير ما زكريا يحس، طلعت من تحت الترابيزة، وزحفت على الأرض لحد ما وصلت لظهره. قعدت وراه بالظبط، ساندة راسها على ظهره وهو بيصلي، وغمضت عينيها بسلام لأول مرة في حياتها.
زكريا حس بتقل خفيف على ظهره، وحرارة جسمها اللي دفيت. قلبه دق بسرعة من المفاجأة، لكنه موقفش قراءة.. فضل يقرأ ويقرأ، لحد ما سمع صوت أنفاسها المنتظمة بتعلن إنها نامت أخيرًا نوم عميق.
فضل ساندها بظهره، خايف يتحرك ليقلقها.. في الليلة دي، زكريا نام وهو قاعد ساند بنت متعرفش عن الدنيا حاجة، وبينه وبين نفسه عاهد ربنا إنه هيرجعلها حياتها اللي اتسرقت منها، حتى لو كان التمن عمره كله.
روايه فتنه زكريا بقلمي نور محمد
شعاع شمس خفيف بدأ يتسحب من شق الشباك عشان يعلن عن بداية يوم جديد.
"زكريا" فتح عينيه ببطء، جسمه كله كان مكسر ومخشب من نومة الأرض وهو ساند ضهره للحيطة عشان ميقلقش "فتنة" اللي نامت وراه.
لف وشه بالراحة، لقاها مش موجودة
قلبه انتفض في مكانه، قام وقف بسرعة وبدأ يدور بعينيه في الصالة.. لمحها متكورة في أبعد ركن ضلمة، حاطة إيديها الاتنين على راسها، وبتبص لشعاع الشمس اللي داخل من الشباك برعب كأنه سيف مسلط على رقبتها. النور بالنسبة لها كان دايماً معناه إن في حد جاي يأذيها.
— "يا صباح الفرج من عند ربنا.."
قالها زكريا بصوت هادي ومبتسم عشان يطمنها. راح بسرعة على الشباك وقفل الشيش للاخر، ورخى الستارة. الأوضة رجعت ضلمة ودافية. سمع صوت تنهيدة راحة طلعت منها، فعرف إنه بدأ يفهم لغتها اللي من غير كلام.
دخل المطبخ، جهز فطار بسيط.. جبنة بيضا وعيش سخن وشاي بلبن. حط الصينية على الأرض بعيد عنها شوية، وقعد ياكل هو الأول عشان يوريها إن الأكل أمان.
عينيها كانت بتراقبه بتركيز شديد، حركة إيده، طريقة مضغه للأكل. وبعد دقايق، زحفت ببطء لحد الصينية، ومدت إيدها المرتعشة أخدت حتة عيش، وبدأت تاكل بلهفة بس المرة دي مأكلتش زي امبارح، حاولت تقلد حركة إيده وهي بترفع الأكل لبقها.
زكريا ابتسم بدموع.. هي ذكية، وبتتعلم بسرعة.
بعد الفطار، كان التحدي الأكبر. "فتنة" كانت ريحتها كلها طين ومطر، وشعرها الطويل الأسود عبارة عن كتلة من العقد والطين الناشف. كان لازم تستحمى.
زكريا دخل الحمام الصغير بتاعه، ملى "طشت" بلاستيك كبير بمية دافية، وحط فيه شوية شاور جيل ريحته ياسمين، المية عملت رغوة بيضا كتيرة. جاب فوطة نضيفة كبيرة، وعباية قطن واسعة، وهدوم داخلية جديدة كان شاريها لأخته قبل ما تتوفى ومستعملتهاش.
راح الصالة، وشاورلها تيجي وراه. وقفت مترددة، بس ريحة الياسمين اللي طالعة من الحمام شدتها.
مشيت وراه بخطوات بطيئة، أول ما شافت المية والرغوة، عينيها وسعت بدهشة، مدت صباعها لمست الرغوة البيضا كأنها سحر!
زكريا وقف على باب الحمام، وبدأ يشرحلها بلغة الإشارة.
— "بصي يا فتنة.. مية دافية.. حلوة."
مد إيده في المية وغسل وشه قدامها، وبعدين مسك ليفة نضيفة، وعمل حركة غسيل على دراعه من فوق الهدوم.
— "تغسلي هنا.. وهنا.. وبعدين تلبسي دول."
شاور على الهدوم النضيفة اللي حطها على الكرسي. خرج من الحمام وقفل الباب وراه نصه، وسابها تتعامل براحتها.
وقف بره الحمام يقرأ قرآن بصوت مسموع عشان يفضل محسسها بالأمان وإنها مش لوحدها. من جوه، كان سامع صوت المية بتطرطش، وصوت ضحكة خافتة جداً، طفولية وبريئة، كأنها بتلعب في الرغوة لأول مرة في حياتها. الصوت ده خلى قلب زكريا يرفرف من الفرحة.. دي أول علامة للحياة تظهر عليها.
بعد نص ساعة، الباب اتفتح ببطء.
خرجت "فتنة". زكريا غض بصره في الأول، بس لما اتأكد إنها لابسة العباية القطن كويس، رفع عينيه.. وتسمر مكانه.
المية نضفت الطين، وكشفت عن آية من آيات الله في الجمال. بشرتها اللي كانت متغطية بالتراب طلعت بيضا بياض شاهق، ملامحها الدقيقة، رموشها الطويلة، حمار خدودها من المية السخنة.. كانت حرفياً "فتنة".
لكن المشكلة كانت في شعرها. المية خلت الطين ينزل، بس العقد والتشابك زادوا جداً، وكان بينقط مية مغرقة العباية.
— "نعيماً يا فتنة.. بس كده هتستبردي تاني."
جاب كرسي خشب وحطه في نص الصالة، وشاورلها تقعد. قعدت باستسلام غريب المرة دي، كأنها بدأت تثق فيه.
زكريا جاب مشط خشب، وفوطة صغيرة. وقف وراها، حط الفوطة على كتافها، وبدأ يسرح شعرها.
كان بيسرح شعرها كأنه بيسلك خيوط روحها المتعقدة. إيده كانت خفيفة جداً، كل ما المشط يمسك في عقدة وتتأوه بصوت واطي، يوقف بسرعة، ويسمي الله، ويفك العقدة بصباعه بالراحة خالص.
— "بسم الله.. حقك عليا، بتوجع صح؟ معلش، استحملي شوية."
كان بيكلمها طول الوقت بصوت حنين كأنه بيكلم بنته الصغيره. اللمسة الحنينة اللي مفهاش أي غرض أو أذى، خلت جسم "فتنة" اللي كان متخشب يرخي تماماً. لأول مرة من ١٣ سنة، في إيد بتلمسها عشان تطبطب وتنضف، مش عشان تضرب وتهين.
بدأت تغمض عينيها بسلام، وراسها مالت لورا وسندت على بطن زكريا من غير ما تقصد. زكريا اتنفس بصعوبة، بلع ريقه ورجع خطوة لورا بأدب، وكمل تسريح لحد ما شعرها الأسود الطويل بقى مفرود على ضهرها زي شلال الحرير.
— "بسم الله تبارك الله.. خلصنا."
قالها وهو بيمسح العرق من على جبينه.
قامت من على الكرسي، وبدأت تتمشى في الأوضة بخطوات أثبت من امبارح. وفجأة.. وقفت متصلبة قدام دولاب خشب قديم في الصالة، بابه نصه مراية.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"فتنة" شافت انعكاسها.
عينيها وسعت برعب، رجعت خطوة لورا، الانعكاس رجع معاها. رفعت إيدها، الانعكاس رفع إيده.
بدأت تنهج بخوف، طلعت صوت خفيف، وكشرت كأنها بتهاجم حد غريب واقف قدامها ! خبطت المراية بإيدها بقوة، ولما لقت البنت اللي جوه بتخبطها هي كمان، صرخت صرخة فزع ووقعت على الأرض بتزحف لورا.
هي متعرفش شكلها! من وهي عندها ٥ سنين مشافتش مراية. هي فاكرة إنها كائن تاني، ومفزوعة من البنت اللي بتبصلها دي
زكريا جري عليها، نزل على ركبه جنبها.
— "أهدي! أهدي يا فتنة ده أنتي.. دي صورتك!"
لكنها كانت في حالة هيستريا، بتشاور على المراية وبتحاول تستخبى في حضن زكريا! لأول مرة هي اللي تلجأله وتستخبى فيه من الخوف.
زكريا مقدرش يصدها، مسك كتافها بالراحة، وقومها معاه ووقفوا هما الاتنين قدام المراية.
— "بصي يا فتنة.. بصي هنا."
شاور على نفسه في المراية.. وبعدين حط إيده على صدره.
— "ده أنا.. زكريا."
وبعدين شاور عليها في المراية، ومسك إيدها المرتعشة، وحطها على خدها الناعم.
— "ودي إنتي.. دي فتنة.. شايفة؟ مفيش حد غريب، دي إنتي.
عينيها كانت بتتنقل بينه وبين انعكاسه، وبين إيدها اللي على خدها وانعكاس إيدها في المراية. ببطء شديد، قربت من المراية.. مدت صوابعها ولمست إزاز المراية البارد.
لمست ملامحها.. عينيها، مناخيرها، شفايفها. كانت بتكتشف نفسها لأول مرة. دموع سخنة بدأت تتجمع في عينيها وتنزل على خدها من غير ما تفهم إيه المايه دي وليه بتنزل.
زكريا كان واقف جنبها، بيبصلها في المراية وعينيه هو كمان بتدمع.
في اللحظة دي، عينيهم اتقابلت في المراية.. نظرة طويلة جداً، نظرة بنت لقت روحها الضايعة، وشاب لقى رسالته في الدنيا.
بصتله في المراية، ولأول مرة من ساعة ما لقاها.. شفايفها اتحركت بصعوبة، وطلعت صوت مبحوح، ضعيف، كأنه طالع من بير عميق:
— "ز.. ز.. زكـ..ـريا."
الكلمة نزلت على قلب زكريا زي المطر على الأرض العطشانة. سجد على الأرض في مكانه شكر لله، وهو بيبكي من الفرحة.. النطق رجعلها، وأول كلمة نطقتها كانت اسمه. ووو
يتبع.. نور محمد
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
— "ز.. ز.. زكـ..ـريا."
الكلمة نزلت على قلب زكريا زي المطر على الأرض العطشانة. سجد على الأرض في مكانه شكر لله، وهو بيبكي من الفرحة.. النطق رجعلها، وأول كلمة نطقتها كانت اسمه.
صدى الحروف اللي طلعت من شفايفها كان بيتردد في ودان "زكريا" كأنه تسبيح. فضل ساجد على الأرض ودموعه بتنزل تغسل قلبه من الخوف عليها والشفقة على حالها.
"فتنة" كانت واقفة بتبصله باستغراب شديد. هي متعرفش يعني إيه بُكا، ولا تفهم ليه الماية بتنزل من عينيه. نزلت على ركبها ببطء قدامه، ومدت إيدها المرتعشة، وبنفس الطريقة اللي هو لمس بيها خدها من شوية، حطت صوابعها على خده ومسحت دمعة نزلت منه.
رفعت صباعها قدام عينيها، شافت الدمعة بتلمع، فقالت بصوت متقطع وضعيف:
— "ما.. مايه؟"
زكريا رفع راسه، وبصلها بابتسامة واسعة رغم دموعه، وهز راسه:
— "أيوة يا فتنة.. دي دموع، بس دموع فرحة.. عشان سمعت صوتك."
ملامحها فضلت جامدة، لسه مش مستوعبة المشاعر المعقدة دي، بس حست إن "زكريا" مبسوط، وده خلاها ترتاح.
روايه فتنة زكريا بقلمي نور محمد
عدى باقي اليوم بهدوء، زكريا كان بيحاول يعلمها أسامي الحاجات الأساسية حواليها. "معلقة.. كوباية.. مية.. باب". كانت بتسمع بتركيز شديد، عينيها بتراقب حركة شفايفه، وتحاول تقلدها بصوت مبحوح كأنه طالع من بير مهجور.
لما الليل دخل، الجو بدأ يبرد تاني، وصوت الهوا بره بقى عالي. زكريا كان قاعد بيقرأ كتاب، و"فتنة" قاعدة على السجادة بتلعب في شراشيب المخدة.
فجأة.. صوت كلب بره نبح بشراسة، وراه صوت خبطة قوية في صفيحة زبالة معدن في الشارع.
الصوت كان عالي ومفاجئ. وفي ثانية واحدة، "فتنة" اتحولت.
صرخت صرخة رعب هزت حيطان البيت، حطت إيديها على ودانها بقوة كأنها بتعاقب نفسها، وبدأت تضرب راسها في الحيطة اللي وراها بهيستريا!
— "فتنة! حاسبي!"
زكريا رمى الكتاب وجري عليها، حاول يمسكها بس كانت بتنتفض زي المذ*بوحة، بتخربش في أي حاجة تطولها، وبتطلع أصوات انين. كانت في عالم تاني.. عالم ضلمة، مليان ضرب، وقسوة، وكلاب بتنهش فيها. الذاكرة الملعونة رجعتلها في لحظة.
— "يا فتنة أهدي.. أنا زكريا! مفيش حاجة بره، ده كلب ومشي.. أنا هنا!"
لكنها مكنتش سامعاه. زحفت بسرعة البرق واستخبت تحت السرير، اتكورت على نفسها، وفضلت ترتعش وتعيط بصوت مكتوم بيقطع نياط القلب.
زكريا وقف مكانه حاسس بالعجز. أي محاولة إنه يخرجها بالعافية هتزود رعبها وتخليها تفقد الثقة اللي لسه بتبنيها فيه. نزل نام على بطنه على الأرض قدام السرير، وبصلها في الضلمة.
— "أنا مش هجبرك تخرجي.. بس أنا مش هسيبك لوحدك."
فرد دراعه تحت السرير، وخلى إيده مفتوحة على مسافة قريبة منها. فضل نايم على البلاط الساقع بالساعات، بيقرأ قرآن بصوت واطي ومطمن، لحد ما حس بلمسة باردة جداً.
ببطء، "فتنة" مدت إيدها، ومسكت في صباع واحد من إيده، كأنها غريقة بتمسك في طوق نجاة. زكريا قفل إيده على إيدها بحنية، وغمض عينيه ونام مكانه على الأرض، راضي ومطمن إنها حست بالأمان معاه.
تاني يوم الصبح، زكريا صحي مكسر. كان لازم ينزل يروح "المشتل" بتاعه، مصدر رزقه الوحيد، وكمان محتاج يشتري أكل وحاجات للبيت. بس إزاي يسيبها لوحدها؟ مستحيل. دي ممكن تأذي نفسها، أو تفتح الباب وتخرج تضيع للأبد.
— "فتنة.. إنتي هتيجي معايا."
جاب عباية سودا واسعة جداً من بتوع والدته، لبسهالها فوق هدومها، وجاب طرحة سودا كبيرة، لفها على راسها ودارى بيها شعرها الطويل، وخلى الطرحة نازلة على وشها شوية عشان تداري ملامحها وجمالها اللي ممكن يجيبله مصيبة في القرية.
كانت متضايقة من الهدوم الكتير وبتحاول تشد الطرحة، بس زكريا مسك إيديها:
— "عشان خاطري سيبيها.. بره في ناس.. الناس ممكن تأذيكي لو شافوكي. دي هتحميكي."
كلمة "تأذيكي" خلتها تسكن فوراً، وبعنيها العسلي الواسعة بصتله بخوف، ومسكت في طرف الجاكت بتاعه.
ركبوا العربية النقل، والمرة دي قعدت على الكرسي جنبه، بس كانت منكمشة وماسكة في هدومه.
وصلوا المشتل.. مكان واسع جداً مليان شتلات ورد، وأشجار فاكهة، ونباتات زينة، وريحة الخضرة والياسمين مالية الجو. المشتل كان على أطراف القرية ومفيش عمال بتيجي بدري كده، المكان كان فاضي تماماً.
نزل زكريا وفتح لها الباب. أول ما رجليها لمست الأرض الزارعية، ورفعت عينيها شافت الألوان دي كلها.. الأخضر، والأحمر، والأصفر.. حصلها حالة ذهول.
سابت جاكت زكريا، وبدأت تمشي بخطوات بطيئة وسط الورد. رفعت إيدها لمست ورقة شجرة ليمون، شمت ريحتها، وعينيها لمعت. شافت زهرة "عباد شمس" كبيرة، قربت منها، وحطت وشها فيها وغمضت عينيها بسلام.
زكريا كان واقف بعيد بيراقبها ومبهور. لأول مرة يشوفها هادية وطبيعية ومفيش في عينيها نظرة الرعب. فجأة، سمع صوت طلع منها.. مكنش كلام، كان "همهمة" بلحن غريب، لحن حزين بس شجي جداً، كأنها بتغني للورد بلغتها الخاصة!
ابتسم زكريا، وراح يشتغل في ترويق الشتلات، وعينه عليها كل ثانية.
وهي ماشية، الطرحة شبكت في فرع شجرة ووقعت لورا، فظهرت رقبتها. زكريا لمح السلسلة الفضة اللي فيها اسمها بتلمع في الشمس.
قرب منها بالراحة:
— "فتنة.. ممكن أشوف دي؟"
شاور على السلسلة. بصتله شوية، وبعدين ميلت راسها لقدام كأنها بتسمحله.
مسك زكريا الدلاية الفضة. مكتوب عليها من قدام "فتنة مرزوق". قلب الدلاية عشان يشوف ظهرها، وهنا دمه نشف في عروقه.
ظهر الدلاية مكنش سادة، كان محفور عليه ختم غائر.. رسمة "عقرب" جواه حرف "النون".
زكريا بلع ريقه بصعوبة. الختم ده مش غريب عليه. ده ختم "عيلة النجعاوي".. عيلة من أخطر عائلات الجبل اللي مشهورين بتجارة السلاح والآثار الممنوعة، وعليهم تار ودم مع نص عائلات الصعيد.
إيه جاب بنت زي دي، بالبراءة والضياع ده، لعيلة زي النجعاوي؟ وليه مكتوب عليها اسمها بالختم ده كأنها "مُلكية خاصة"؟ ومين اللي خطفها ورماها في الشارع وليه؟
روايه فتنة زكريا بقلمي نور محمد
وقبل ما أفكاره تاخده لبعيد، سمع صوت فرامل عربية جيب سودة وقفت فجأة بفرملة قوية قدام باب المشتل.
قلب زكريا وقع في رجليه. شد الطرحة بسرعة غطى بيها وش وشعر فتنة، وخبّاها ورا ضهره، وهو بيبص للرجالة الضخمة اللي نزلوا من العربية، وداخلين عليه بخطوات سريعة وعينيهم بتدور في المكان كأنهم بيدوروا على حاجة ضايعة منهم! وو
يتبع.. نور محمد
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
صوت خطوات الرجالة الضخمة على الزلط بتاع المشتل كان بيقرب زي دقات طبول الحرب. كانوا تلاتة، لابسين عبايات سودا، وملامحهم قاسية ومخيفة، واحد فيهم كان بيبص يمين وشمال كأنه صقر بيدور على فريسته.
"زكريا" حس بقلبه هيقف، لكنه استجمع كل ذرة إيمان وشجاعة جواه. رجع إيده لورا، ومسك إيد "فتنة" اللي كانت بترتعش بعنف، وعصر عليها بخفة عشان يطمنها، ووقف بجسمه كله مداريها ورا ظهره العريض.
— "يا صاحب المشتل.. يا باشمهندس!"
الصوت كان أجش ومخيف. زكريا رسم على وشه ابتسامة هادية مصطنعة، ورد بثبات:
— "أهلاً يا رجالة.. أؤمروا، المشتل كله تحت أمركم."
الراجل اللي في النص، واللي باين عليه إنه الكبير بتاعهم، قرب من زكريا وعينيه بتفرز المكان حتة حتة:
— "لا مؤاخذة يا هندسة، إحنا مش جايين نشتري.. إحنا بندور على حاجة ضايعة مننا. عربيتنا عطلت على الطريق الزراعي امبارح بالليل في عز المطر، ومضيعين أمانة غالية.. مشوفتش حاجة غريبة وإنت مروح؟ حد غريب، أو.. بنت؟"
كلمة "بنت" نزلت على "فتنة" زي الصاعقة. رغم إنها ورا زكريا ومتغطية بالطرحة، لكن ريحة الرجالة دي، وصوتهم، فتحوا جواها أبواب الجحيم.
ذكريات الضرب، السلاسل، والعتمة هجمت عليها في ثانية. بدأت تنهج بصوت مسموع، وجسمها كله بينتفض تحت العباية، وطلعت منها أنة مكتومة جداً، أنة رعب حقيقية!
الراجل الكبير لقط الصوت، وعينيه ضاقت بشك، وبص على الكيان الأسود اللي مستخبي ورا زكريا:
— "مين اللي وراك دي يا باشمهندس؟ وليه بترتعش إكده؟"
الراجل خطى خطوة لقدام، ورفع إيده كأنه هيمدها يكشف الطرحة!
في اللحظة دي، زكريا متأخرش ثانية.. بذكاء وسرعة بديهة، خبط برجله قصرية زرع فخار كبيرة كانت جنبه، القصرية وقعت على الأرض اتدشملت ميت حتة، وعملت صوت عالي جداً خلى الرجالة ترجع لورا بخضة.
— "يا ساتر يا رب!"
قالها زكريا وهو بيمثل الخضة، وبعدين بص للراجل بملامح حادة وجادة جداً:
— "دي أختي يا محترم.. عيانة ومسحورة، وفيها مس من الجن، ومبتحتملش تشوف حد غريب ولا تسمع دوشة، وإنتوا خضيتوها.. خير؟ في حاجة تانية أقدر أساعدكم بيها؟"
الراجل بص للزرع المكسور، وبعدين بص لزكريا اللي ملامحه كانت صارمة وفيها غيرة الصعيدي على أهل بيته. تراجع الراجل خطوة، وقال بخشونة:
— "لا مؤاخذة يا هندسة، ربنا يشفيها.. عموماً، لو لمحت حد غريب ولا بنت تايهة، اتصل على الرقم ده.. وفي مكافأة عشرين ألف جنيه للي يلاقيها."
رمى كارت على الترابيزة الخشب، ولفوا ظهرهم ورجعوا للعربية الجيب. بمجرد ما العربية اتحركت واختفت من المكان، زكريا ركب ركبه على الأرض، وحس إن روحه بتتسحب منه.
لف لـ "فتنة".. كانت قاعدة على الأرض في الطين، ضامة نفسها، وحاطة إيديها على ودانها بتسدها بكل قوتها، وبتبكي بدموع صامتة بس بتشوي القلب.
زكريا مقدرش يستحمل يشوفها كده، نزل جنبها ومسك إيديها نزلهم من على ودانها بالراحة:
— "مشوا.. مشوا خلاص والله.. أنا هنا، مفيش حد هيلمس شعرة منك طول ما أنا بتنفس."
شالها بين إيديه وهي منهارة، ودخلها العربية، وقفل المشتل ورجع بيها على البيت بسرعة. مكنش ينفع يفضلوا بره دقيقة واحدة.
أول ما دخلوا وقفل الباب بالمفتاح والترباس، "فتنة" جريت استخبت تحت السرير زي ما بتعمل كل مرة تخاف فيها. بس المرة دي، زكريا مكنش هينفع يسيبها.
السلسلة الفضة اللي في رقبتها دي مش مجرد اسم.. دي العلامة اللي ممكن توصلهم ليها في أي وقت. لازم تتشال فوراً.
راح جاب "قصافة سلك" حديد كبيرة من عدة الشغل بتاعته، وقرب من السرير. نزل على الأرض وبصلها.
— "فتنة.. اطلعيلي.. عشان خاطري."
بصتله بعيون غرقانة دموع ومردتتش.
مد إيده، ومسك طرف العباية بتاعتها وشدها بالراحة. استجابتله المرة دي وطلعت ببطء، بس عينيها وقعت على القصافة الحديد اللي في إيده.. شهقت برعب، وحاولت ترجع لورا! الأدوات الحديد بالنسبة لها معناها "تعذيب".
— "لا لا.. متخافيش.. بصي.. بصي!"
زكريا بسرعة جاب حتة حبل قديم، وربطه حوالين معصم إيده هو، ومسك القصافة وقطع الحبل قدامها. الحبل وقع.
— "شايفة؟ دي بتفك الخنقة.. أنا عايز أفك الحديدة اللي بتخنقك دي، عايز أحررك منها."
بصت للحبل المقطوع، وبعدين بصت لعينيه اللي كانت مليانة رجاء وحنية. الثقة اللي اتبنت بينهم في الكام ساعة اللي فاتوا كانت أقوى من خوفها.
قربت منه ببطء شديد، ورفعت راسها لفوق، وميلت رقبتها كأنها بتقدم رقبتها باستسلام تام للي هيعمله.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الموقف كان بيقطع قلب زكريا. إيده كانت بتترعش وهو بيقرب القصافة الحديد من رقبتها البيضا الرقيقة.
— "بسم الله.. استحملي.. ثانية واحدة."
دخل القصافة في حلقة السلسلة الفضة التخينة، وضغط بكل قوته. السلسلة كانت قديمة ومصمتة، خدت مجهود كبير منه لحد ما سمعوا صوت قوي.. السلسلة اتقطعت!
زكريا سحب السلسلة بالراحة، ووقعت في إيده.
"فتنة" حطت إيدها على رقبتها بسرعة.. مفيش حديد، مفيش خنقة، مفيش تقل كان ملازمها من وهي طفلة! فضلت تحسس على رقبتها بذهول، وبعدين بصت لزكريا، وبصت للسلسلة المرمية على الأرض، كأنها مش مصدقة.
لأول مرة، ومن غير أي مقدمات، "فتنة" هي اللي بادرت. رمت نفسها في حضن زكريا!
لفت دراعاتها الضعيفة حوالين رقبته، ودفنت وشها في كتفه، وبدأت تعيط. بس دي مكنتش عياط رعب ولا وجع، ده كان عياط إنسانة كانت مسجونة في قفص ضلمة ولقيت اللي يكسر القفل ويفتح الباب للنور.
صوت بكاها كان بيزلزل البيت، وزكريا، اللي اتفاجئ تماماً وتصلب في مكانه لثواني، مقدرش يمنع نفسه. رفع إيده المرتعشة، وطبطب على ظهرها بحنية الدنيا كلها، ودموعه كانت بتنزل على حجابها الصوف وهو بيهمس:
— "أنتي حرة يا فتنة.. أنتي حرة وفي أمان ربنا، حقك عليا من كل وجع شُفتيه."
روايه فتنه زكريا بقلمي نور محمد
بعد ما هديت ونامت من كتر التعب والبكا، زكريا قعد على الترابيزة في الصالة، وولع اللمبة الصغيرة، ومسك الدلاية الفضة التقيلة.
الختم بتاع "عائلة النجعاوي" كان بارز. مسك مفك صغير من عدته، ولاحظ إن الدلاية دي عبارة عن جزئين مقفولين على بعض زي الكتاب الصغير بس متلحمين.
قعد يحاول يفك اللحام بالمفك بحذر شديد عشان ميبوظهاش. بعد ربع ساعة من المحاولات، الغطا الفضة اللي ورا اتفك ووقع.
زكريا قرب الدلاية من النور. مكنتش فاضية من جوه!
كان فيها حتة ورقة صغيرة جداً، متطبقة كذا تطبيقة لحد ما بقت قد عقلة الصباع، ولونها أصفر من كتر القدم.
بإيدين بتترعش، زكريا فرد الورقة بالراحة عشان متتقطعش.
الورقة مكنتش رسالة.. كانت صورة!
صورة صغيرة مقصوصة من صورة أكبر، لست في قمة الجمال.. جمالها هو هو بالظبط جمال "فتنة"، كأنها هي بس أكبر في السن، والست دي كانت لابسة لبس هوانم راقي جداً مش لبس صعيدي، ومبتسمة ابتسامة فيها حزن.
أما ظهر الصورة، فكان مكتوب عليه بخط إيد بحبر أحمر كأنه مكتوب بالدم:
"بنتي وحتة من روحي.. لو في يوم حد لقاكي ولسه فيكي الروح، دوري على عمك 'راشد الكيلاني' في الإسكندرية.. هو الوحيد اللي هيحميكي من شياطين النجعاوي.. متنسيش اسمك، أنتي مش جارية، أنتي فتنة الكيلاني."
زكريا قرأ الكلام، وحس إن الأوضة بتلف بيه.
دي مش مجرد بنت اتخطفت.. دي وراها تار، وعائلات كبرى، وقصة دم! عائلة النجعاوي في الصعيد، وعائلة الكيلاني في إسكندرية! وهو، الشاب البسيط بتاع المشتل، بقى في نص الإعصار ده.
بص لـ "فتنة" اللي نايمة بسلام على السرير بعد ما ارتاحت من السلسلة. ملامحها البريئة متستاهلش الجحيم ده كله.
طبق الصورة، ورجعها في جيبه، وقام وقف وهو حاسس بمسؤولية جبال نزلت على كتافه.
البيت ده مبقاش أمان، والقرية كلها مبقتش أمان. لو النجعاوية شموا خبر إنها معاه، مش بس هياخدوها، دول هيمحوه من على وش الأرض هو والمشتل بتاعه.
لازم يهرب بيها. بس هيروح فين؟ ولإسكندرية إزاي وهو ميعرفش حد هناك؟
وقبل ما يكمل تفكير، سمع صوت خبطتين تقال جداً على باب البيت الخارجي.. خبطات مش بتاعت جيران، خبطات ناس جاية تقتحم!
يتبع.. نور محمد
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الخبطتين كانوا زي زلزال ضرب أركان البيت القديم، وكل خبطة وراها كانت بتسحب الروح من جسد "زكريا".
على السرير، "فتنة" انتفضت من نومها مفزوعة، عينيها وسعت برعب وبدأت تتراجع لورا لحد ما لزقت في الحيطة، وصوت أنينها المكتوم بدأ يعلى. زكريا جرى عليها، وفي ثانية كان حاطط إيده على بقها بحنية بس بحزم:
— "شـشـش.. اكتمي نفسك خالص يا فتنة، حياتي وحياتك في خطر دلوقتي."
الخبط بره زاد، وبدأ يرافقه صوت أجش.. نفس الصوت بتاع الراجل الكبير في المشتل:
— "افتح يا باشمهندس زكريا.. عارفين إنك جوه، افتح بالذوق أحسن ما نكسر الباب على دماغك."
زكريا بص حواليه بسرعة البرق. البيت صغير ومفيش فيه مكان يستخبى فيه نملة، لكن افتكر "البدروم" الصغير تحت الأرض في أوضة والدته، كانت بتخزن فيه الغلة والجبنة القديمة زمان، ومقفول بباب خشب متداري تحت سجادة قديمة.
سحب فتنة من إيدها، وهي ماشية معاه بتترعش ومش قادرة تصلب طولها. دخل الأوضة، شال السجادة، ورفع الباب الخشب.. ريحة كتمة وتراب طلعت من المكان الضلمة.
فتنة شافت الضلمة تحت، شهقت ورجعت لورا، رافضة تماماً تنزل لمكان بيفكرها بقبرها اللي عاشت فيه ١٣ سنة!
— "عشان خاطري يا فتنة.. عشان خاطري انزلي، دول هياخدوكي مني!"
الكلمة دي.. "هياخدوكي مني"، كأنها سحر. بصت في عينيه اللي كانت بتلمع بالدموع والخوف عليها، وبدون مقاومة، نزلت رجليها في الحفرة الضلمة.
زكريا نزل وراها بسرعة، وقفل الباب الخشب فوقهم، وسحب السجادة من تحت عشان تغطي الشق.
المكان تحت كان ضيق جداً، يادوب واخدهم هما الاتنين وهما قاعدين القرفصاء. زكريا خدها في حضنه، كتم وشها في صدره عشان صوت نفسها المنهوج ميطلعش، وهي كلبشت في قميصه بضوافرها كأنها بتستمد منه الحياة.
ثواني وسمعوا صوت كسر الباب الخارجي. دخلوا.
صوت خطوات تقيلة بتدب على بلاط الصالة، كأنهم جيش مش تلات رجالة.
— "فتشوا البيت حتة حتة، الواد بتاع الكشك اللي على أول الطريق حلف ميت يمين إنه شافه داخل بحد متغطي معاه."
صوت "دياب" كبير الرجالة كان بيرن فوق دماغهم.
زكريا كان حاضن فتنة، بيقرأ آية الكرسي في سره بقلب بيرتجف. الخطوات دخلت أوضة والدته.. بقوا واقفين فوق السجادة اللي تحتها الباب الخشب بالظبط! تراب خفيف نزل من الشقوق على وش زكريا وفتنة.
فتنة حست بالاختناق، جسمها بدأ ينتفض بهيستريا، كانت هتكح من التراب. زكريا بصلها برعب، ملقاش حل غير إنه يضغط وشها أكتر في صدره، ويهمس في ودنها بصوت لا يُسمع:
— "يا رب.. يا رب أعمي أبصارهم، يا رب احميها."
فوق الأرض، واحد من الرجالة ضرب الدولاب برجله فكُسِر بابه:
— "مفيش حد يا معلم دياب.. البيت فاضي مفيهوش غير هدومه وهدوم حريمي قديمة باينها بتاعت أمه."
دياب رد بغل:
— "الواد ده بيلعب بينا.. ومخبي البت في حتة. بس هيروح مننا فين؟ عيوننا في كل شبر في البلد. يلا بينا، هنستناه بره لحد ما يظهر."
صوت الخطوات بدأ يبعد، وبعدها سمعوا صوت باب البيت بيترزع وراهم.
روايه فتنه زكريا بقلمي نور محمد
زكريا فضل مكانه متحركش لمدة عشر دقايق كاملة، خايف يكونوا عاملين كمين جوه. لما اتأكد إن السكوت تام، زق الباب الخشب بالراحة، وطلع راسه. الأوضة متدمرة، الهدوم مرمية على الأرض، والدولاب مكسور.
طلع، وسحب فتنة اللي كانت شبه فاقدة الوعي من كتمة النفس والخوف. نيمها على السرير، وجاب مية مسح وشها لحد ما بدأت تفتح عينيها وتتنفس بصعوبة.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
بصت لزكريا، ولأول مرة تحط إيدها على خده، كأنها بتأكد إنه لسه عايش ومسابهاش.
زكريا قعد على ركبه قدامها، ومسك إيديها الاتنين بقوة:
— "احنا مش هينفع نفضل هنا دقيقة واحدة يا فتنة.. البلد كلها بقت متراقبة، والنجعاوية مش هيهدالهم بال غير لما يقلبوا عليكي الأرض."
قام وقف بحسم. الشاب البسيط اللي كان كل طموحه يكبر المشتل بتاعه ويعيش في سلام، لقى نفسه مضطر يضحي بعمره كله، ببيته، بشغله، وبذكريات أهله، عشان ينقذ روح بريئة ربنا بعتهالها.
فتح درج مقفول في الدولاب المكسور، طلع حصالة صفيح كان بيحوش فيها قرش على قرش عشان يتجوز أو يوسع شغله.
كسرها، وطلع الفلوس.. كانوا حوالي خمستاشر ألف جنيه. حطهم في جيبه الداخلي، وجاب شنطة سفر قماش قديمة، حط فيها عبايتين لفتنة، وغيارات ليه، والأهم.. "الصورة" اللي لقاها في السلسلة.
لبسها العباية السودا التقيلة تاني، ولف الطرحة على وشها، ولبس هو جاكت تقيل.
— "اسمعيني كويس.. احنا هنخرج من الباب الخلفي بتاع المطبخ، بيطل على الزراعات ورا البيت. هنمشي في الطين وسط الغيط لحد ما نوصل للطريق السريع الناحية التانية.. مش هنركب عربيتي عشان أكيد مراقبينها. مهما حصل، مهما سمعتي.. متطلعيش صوت. اتفقنا؟"
هزت راسها بخوف، وماسكة في إيده كأنها خايفة يتبخر.
فتح باب المطبخ الخلفي بالراحة. الهوا البارد ضرب في وشهم. الليل كان كاحل مفيش فيه نجمة بتنور، كأن السما متآمرة معاهم عشان تخبيهم.
نزلوا في الطين بتاع الغيط. الزرع كان طويل بيخبي حركتهم، بس الطين كان بيغرز في رجليهم بتقل. زكريا كان بيمشي ويشدها وراه، وكل شوية يبص وراه يشوف في حد لامحهم ولا لأ.
"فتنة" كانت بتتكعبل وتقع في الطين، بس مكنتش بتطلع صوت زي ما طلب منها. كانت بتقوم وتكمل، عينيها متعلقة بظهره العريض اللي بيمثلها جدار الحماية الوحيد في العالم ده.
بعد أكتر من ساعة مشي متواصل في البرد والطين، وصلوا للطريق السريع. الإسفلت كان فاضي تماماً.
وقف زكريا ينهج، وبيبص حواليه.. لمح كشافات عربية نقل تقيل (تريلا) جاية من بعيد. شاورلها بسرعة.
العربية وقفت بصوت فرامل قوي. السواق نزل القزاز:
— "رايح فين يا بلدينا في الصقعة دي؟"
زكريا بلهجة فيها رجاء:
— "على إسكندرية يا أسطى.. أو أي طريق يوصلنا هناك، معايا أمانة ولازم اوصلها، وهندفعلك اللي تطلبه."
السواق بص لزكريا، وبص للكيان الأسود المتغطي بالطين اللي واقف وراه بيرتعش. قلبه حن:
— "اركبوا يا بني.. إسكندرية طريقي، خلي الفلوس في جيبك ربنا يستر طريقكم."
ركب زكريا، ورفع فتنة ركبها جنبه في الكابينة الواسعة بتاعت التريلا. السواق قفل الباب واتحرك.
جوه الكابينة كانت دافية. زكريا سند راسه على الكرسي، وحس إن جبل انزاح من على صدره مؤقتاً، بس عارف إن الحرب الحقيقية لسه هتبدأ هناك.. في إسكندرية.
بص جنبه.. لقى "فتنة" ساندة راسها على كتفه، عينيها كانت بتغمض من التعب، بس إيديها الصغيرتين كانوا مكلبشين في كف إيده بقوة، ومبتسمة ابتسامة خفيفة جداً، ابتسامة طفلة لقت أبوها اللي ضاع منها.
زكريا رفع إيدها، وباسها بحنية، وبص للطريق قدامه وهو بيهمس:
— "يا رب.. طريقنا ضلمة وإنت نور السماوات والأرض.. دُلنا."
يتبع...نور محمد
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
طول الطريق في كابينة التريلا، صوت محرك العربية كان هو الونيس الوحيد في الليل البارد ده.
"زكريا" كان قاعد ساند ظهره، وعينيه متعلقة بـ "فتنة" اللي نايمة على كتفه بعمق. وشها كان مرتاح، ملامحها الطفولية ظهرت بعد ما الخوف سابها شوية.
كان بيبص لإيدها اللي مكلبشة في هدومه، وبيسأل نفسه: "إيه اللي عملته في دنيتي عشان ربنا يختبرني الاختبار الصعب ده؟ تلات أيام بس قلبوا حياتي من شاب آخره يراعي شتلة ورد، لطريد شايل روحه على كفه وشايل معاها روح تانية أمانة في رقبته."
بعد ساعات طويلة، خيوط الفجر بدأت تشق السما. الهوا اللي داخل من شباك العربية اتغير، ريحته
التريلا وقفت على أطراف إسكندرية، السواق التفت لـ زكريا:
— "حمدالله على السلامة يا بلدينا.. دي إسكندرية، معرفش وجهتكم فين بالظبط، بس أنا هنزلكم هنا عشان طريقي للمينا."
زكريا شكره بامتنان ونزل، ولف الناحية التانية نزل "فتنة" اللي كانت لسه بتفرك في عينيها من النوم. أول ما نزلت، الهوا البارد خبط في وشها، بس المرة دي مكنش هوا بيخوف.. ده كان هوا بينعش الروح.
لفت وشها ناحية الشمال، وهناك شافت المنظر اللي خلاها تتسمر في مكانها.
البحر!
مساحة زرقا مالهاش آخر، أمواج بتخبط في الصخر وتعمل رغوة بيضا، وصوت هدير المية مالي المكان.
فتنة مشيت بخطوات بطيئة جداً ناحية السور الحجر، عينيها وسعت بدهشة طفولية، مسكت في السور وبصت للمية كأنها سحر.
— "ما.. مايه؟"
قالتها بصوت مبحوح وهي بتبص لزكريا وبتشاور على البحر بذهول.
زكريا ابتسم ووقف جنبها:
— "أيوة يا فتنة.. ده البحر. أكبر مايه ممكن تشوفيها في حياتك، أوسع من الخوف، وأكبر من أي وجع شُفتيه."
فضلت باصة للبحر دقايق، كأن الموج بيغسل حاجة جوه روحها المكسورة. بس زكريا كان عارف إن الوقت مش في صالحهم. منظرهم وهما متغرقين طين وهدومهم متبهدلة كده هيجلب ليهم الشبهات.
— "يلا يا فتنة.. لازم نغير هدومنا دي، مننفعش نمشي في البلد كده."
خدها ومشيوا في شوارع إسكندرية اللي كانت لسه بتصحى. زكريا سأل على أقرب جامع فيه حمامات، ودخلها هناك تغسل وشها وإيديها من الطين، وهو غسل وشه ونفض هدومه على قد ما يقدر.
بعدها، راحوا لسوق شعبي كان بيبدأ يفرش بضاعته. زكريا اشترى لفتنة فستان بسيط جداً، قماشه ناعم وفضفاض، لونه أزرق غامق، واشترى خمار طويل من نفس اللون، وجزمة خفيفة عشان رجليها اللي اتجرحت من المشي.
وقفها ورا باب محل مقفول، واداها الهدوم:
— "فتنة.. اقلعي العباية التقيلة دي والهدوم المتبهدلة، والبس دول.. أنا واقف أهو حارسك، محدش هيقربلك."
أخدت الهدوم بلهفة، هي حبت إحساس النضافة من وقت ما حماها. بعد دقايق، طلعتله.
زكريا أول ما لف وبصلها، حس إن قلبه فوت دقة، ونفسه اتخطف.
روايه فتنه زكريا بقلمي نور محمد
الفستان الأزرق كان كأنه مرسوم عليها، ملامحها البيضا الصافية نورت مع لون الخمار، وبقت تبان كأنها حورية من حوريات الجنه. الخمار كان مداري شعرها، بس ملامحها لوحدها كانت كفيلة تخلي أي حد يبصلها ميشيلش عينه من عليها.
زكريا بلع ريقه، وغض بصره بسرعة وهو بيستغفر في سره:
— "بسم الله تبارك الله.. زي القمر يا فتنة. كده محدش هيشك فينا، كأنك بنت عادية ماشية مع أخوها."
كلمة "عادية" فرحتها، ابتسمت ابتسامة خفيفة، ومسكت في طرف الجاكت بتاعه كالعادة.
بدأ زكريا رحلة البحث. راح لكشك جرايد كبير، وسأل الراجل العجوز اللي واقف فيه:
— "صباح الخير يا حاج.. متعرفش فين سكة عيلة الكيلاني؟ عم 'راشد الكيلاني'؟"
الراجل العجوز بصله من فوق لتحت باستغراب، وبص للبنت اللي مستخبية وراه:
— "راشد بيه الكيلاني؟ بتاع شركة الملاحة والشحن؟ يا بني ده أشهر من نار على علم، ده نص إسكندرية شغالة تحت إيده! هتاخد ميكروباص لمحطة الرمل، ومن هناك تسأل على قصر الكيلاني باشا.. ألف من هيدلك."
زكريا حس بتقل في قلبه. "راشد بيه" و"قصر"؟ الموضوع أكبر مما كان متخيل. عيلة النجعاوي في الصعيد، وعائلة الكيلاني الباشوات في إسكندرية! إيه اللي دخل البنت المسكينة دي بين الحيتان دي كلها؟
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ركبوا وراحوا المكان المطلوب. الشوارع اتغيرت، العمارات بقت قصور وفيلات، والعربيات الفخمة مالية المكان. لحد ما وصلوا قدام بوابة حديد ضخمة، عليها حرس لابسين بدل سودا، وكاميرات متشعلقة في كل حتة.
— "هو ده يا فتنة.. بيت عمك."
زكريا قالها وهو بيحاول يطمن نفسه قبل ما يطمنها. قرب من البوابة، الحرس أول ما شافوه هو وفتنة، ملامحهم اتغيرت. زكريا رغم نضافة وشه، بس باين عليه الإرهاق والسهر، وهدومه بسيطة جداً متلقش بالمكان.
— "رايح فين يا كابتن إنت وهي؟ ممنوع الوقوف هنا."
واحد من الحرس قالها بصوت خشن وهو بيزق زكريا من كتفه.
زكريا مسك نفسه، ورد بأدب:
— "لو سمحت، أنا عايز أقابل راشد بيه الكيلاني، معايا أمانة شخصية ليه مبتبعتش مع حد غيره."
الحارس ضحك باستهزاء:
— "أمانة إيه يا أبو أمانة؟ الباشا مش بيقابل شحاتين ولا ناس من الشارع، يلا اتكل على الله من هنا أحسن ما أعمل معاك الغلط."
زكريا اتعصب، كرامته كشاب صعيدي وجعته:
— "احترم نفسك ونزل إيدك.. أنا مش شحات، أنا بقولك معايا أمانة تخص عيلة الكيلاني، وتخص لحمهم ودمهم، لو ممشتنيش لراشد بيه، هتبقى إنت اللي هتتجازى!"
صوتهم علي، والحرس التانيين اتجمعوا. فتنة بدأت ترتعب، خافت من أصوات الرجالة العالية، استخبت ورا ظهر زكريا وبدأت ترتعش، المشهد بيفكرها بالنجعاوية.
واحد من الحرس فقد أعصابه، ورفع إيده وضرب زكريا بوكس مفاجئ وقوي جداً في وشه!
زكريا رجع لورا خطوتين من قوة الضربة، والدم نزل من شفته، ووقع على ركبته في الأرض.
في اللحظة دي، حصلت حاجة محدش توقعها.
"فتنة" اللي طول عمرها بتهرب وتستخبى، اللي بتخاف من خيالها.. أول ما شافت الد*م بينزل من زكريا، الراجل الوحيد اللي حماها وطبطب عليها.. اتحولت!
صرخت صرخة قويه، صرخة مفيهاش أي ضعف.. وهجمت على الحارس الضخم!
مسكت في هدومه بكل قوتها، وبدأت تضربه بإيديها وتخربش فيه وهي بتطلع أصوات غاضبة، كأنها بتدافع عن ابنها مش عن حد غريب!
الحارس اتفاجئ من هجوم البنت، وحاول يزقها بقوة، فدفعها لورا ووقعت على الأرض، الخمار بتاعها اتزحلق لورا، وشعرها الأسود الطويل نزل على كتافها، وملامحها الغاضبة الباكية ظهرت بوضوح في نور الشمس.
وفي نفس اللحظة دي بالظبط.. بوابات القصر الحديد اتفتحت، وعربية مرسيدس سودا فخمة جداً كانت خارجة، بس وقفت فجأة بسبب الدوشة دي.
باب العربية الخلفي اتفتح، ونزل منه راجل في أواخر الخمسينات، شعره نصه أبيض، لابس بدلة غالية جداً، ملامحه فيها هيبة ووقار، بس عينيه كانت بتلمع بغضب.
— "في إيه هنا؟ إيه المهزلة دي اللي تحصل على باب بيتي؟"
صوت الراجل كان قوي ورخيم. الحرس سابوا زكريا ووقفوا انتباه برعب:
— "يا باشا، دول شحاتين ملمومين على الباب وعايزين يدخلوا بالعافية."
الراجل العجوز قرب خطوتين وهو متعصب، بس عينيه وقعت على البنت اللي واقعة على الأرض، واللي كانت ساندة زكريا وبتمسح الدم من على وشه بلهفة بضهر إيدها.
أول ما عينه جت في عين "فتنة".. الراجل اتصلب مكانه كأن صاعقة ضربته.
عصايته وقعت من إيده على الأرض بصوت مكتوم. ملامح القسوة اللي على وشه دابت في ثانية، واتحولت لصدمة، وذهول، وبعدين رعب..
شفايفه كانت بتترعش، وهو بيبصلها كأنه شايف شبح طالع من القبر.
زكريا وهو ساند على الأرض، رفع راسه وبص للراجل العجوز، وقال بصوت متقطع بس مليان تحدي:
— "أنا جايبلك أمانة يا راشد بيه.. أنا جايبلك حتة من روح أخوك.. أنا جايبلك فتنة الكيلاني!"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
صمت قاتل نزل على المكان، صمت تقيل كأنه سحب الأكسجين من الهوا. الحرس اللي كانوا رافعين سلاحهم ومستعدين يفتكوا بـ "زكريا"، اتجمدوا مكانهم وهما باصين لـ "راشد بيه" اللي كان بيبص للبنت كأنه شاف معجزة نزلت من السما.
الراجل اللي بيمتلك نص تجارة البحر، واللي اسمه بيرعب أعتى رجالة الأعمال، ركبه مقدرتش تشيله.
نزل على الأرض ببطء، على ركبتين بيترعشوا، ودموعه نزلت شقت تجاعيد وشه بوجع السنين كلها.
مد إيده المرتعشة في الهوا ناحية "فتنة" وهو بيهمس بصوت مخنوق، كأنه خايف الصوت العالي يخليها تتبخر:
— "فتنة؟... ريحة الغالي.. حتة من قلبي اللي اندفن؟ معقولة عايشة؟"
"فتنة" لما شافت الراجل الضخم ده بيقرب إيده منها، الرعب رجع يتملكها. هي متعرفش يعني إيه عم، ولا يعني إيه عيلة. كل اللي تعرفه إن أي إيد بتتمد لها معناها ضرب وألم.
صرخت صرخة مكتومة، ودفنت وشها في صدر زكريا، وكلبشت في الجاكت بتاعه بكل قوتها وهي بتترعش زي العصفور المبلول.
زكريا رغم جرح شفته اللي بينزف، لقى نفسه بيلف دراعه حواليها بتلقائية عشان يحميها، وبص لراشد بصرامة:
— "براحة يا باشا.. البنت مرعوبة ومفيهاش حيل لصدمات تانية، لو سمحت ابعد حرسك دول وخلونا ندخل من الشارع، إحنا مطاردين."
راشد فاق من صدمته على كلمة "مطاردين". الدم غلى في عروقه، ووقف فجأة وهو بيمسح دموعه، واتحول لأسد كاسر. لف للحرس وزعق بصوت زلزل الشارع:
— "افتحوا البوابات!! دخلوا البني آدم ده والبنت فوراً! وأي كلب فيكم هيجيب سيرة باللي شافه هنا، هقطعه وارميه لكلاب.. اتحركوا!"
داخل قصر الكيلاني
دخلوا القصر. المكان كان عبارة عن تحفة فنية.. سجاد بيغوص فيه الرجل، نجف كريستال بيخطف العين، وخدم واقفين صفين.
التباين كان مرعب.. زكريا بهدومه البسيطة المتبهدلة، وفتنة اللي بتبص للمكان برعب كأنها دخلت قفص جديد بس متزوق، ماشيين وسط كل الفخامة دي.
راشد شاور للخدم يختفوا كلهم، وقفل باب الصالون الكبير عليهم هما التلاتة بس.
شاور لزكريا يقعد على صالون ، بس فتنة لما شافت الكرسي العالي، خافت تقعد عليه، وشدت زكريا من إيده ونزلت قعدت على السجادة في الأرض، وخبّت نفسها وراه.
زكريا مقدرش يسيبها، فنزل قعد جنبها على الأرض، وربت على إيدها يطمنها.
راشد الكيلاني، الملياردير، لما شاف المنظر ده.. مقدرش يقعد على الكرسي. قلع الجاكت بتاعه ورماه، ونزل قعد معاهم على السجادة، وبص لزكريا بانهيار:
— "احكيلي.. لقيتها فين؟ وعاشت إزاي؟ ومين اللي عمل فيها كده؟ انطق يا بني وريح ناري اللي قايدة بقالها ١٣ سنة!"
زكريا مد إيده في جيبه، وطلع "الصورة" اللي كانت جوه الدلاية، وحطها قدام راشد.
— "أنا ملقيتش غير دي.. دي اللي دلتني عليك. البنت دي أنا لقيتها مرمية في طريق زراعي في عز المطر، متسلسلة من رقبتها بختم عيلة النجعاوي.. متعرفش تتكلم، متعرفش تاكل زي البني آدمين، وبتخاف من النور كأنها عاشت عمرها كله في مقبرة."
راشد أول ما شاف الصورة، مسكها وضمها لقلبه وبكى بكاء حارق، بكاء طفل يتيم مش بكاء راجل عجوز:
— "نرجس.. مرات أخويا! السلسلة دي أنا اللي كنت شاريها لفتنة وهي عندها ٥ سنين! النجعاوية ولاد الحرام.. حرقوا قلبنا."
بص لزكريا وعينيه مليانة غل وحسرة:
— "من ١٣ سنة، أخويا الصغير 'حسن' عرف إن النجعاوية بيخزنوا سلا*ح وآثار في أرض تابعة لينا في الصعيد. هدد دياب النجعاوي إنه هيبلغ عنهم. في ليلة ضلمة، هجموا على بيته.. د*بحوا أخويا ومراته نرجس قدام عيني، ولما روحت ألحقهم، ضربوني بالنار في رجلي وكتفي، وخطفوا البنت! دورنا عليها في كل شبر في مصر، دياب حلف لي إنه رماها لكلاب الجبل تاكلها.. عيشت ١٣ سنة ميت بالحيا، وأتاريهم كانوا حابسينها بيعذبوها عشان يكسروا عيني ويفضلوا كاسرين شوكة الكيلاني!"
زكريا كان بيسمع والدم بيغلي في عروقه. بص لـ "فتنة" اللي كانت قاعدة بتلعب في زرار قميصه بطفولة، مش فاهمة أي حاجة من الكلام اللي بيتقال، وكل اللي هاممها إن زكريا جنبها.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
— "هما عرفوا إنها ضاعت منهم.. وقالبين عليها الدنيا. وصلوا لحد بيتي، وأنا هربت بيها من تحت أنيابهم. المكان هنا مش أمان يا باشا، دول معاهم مش سهلين ابدا وممكن يوصلوا إسكندرية في أي لحظة."
راشد مسح وشه بايديه، وقام وقف وهو بيسند على عصايته:
— "إسكندرية دي بتاعتي.. لو النجعاوية عتبوها، هخليهم رماد. أنا هطلب دكاترة البلد كلهم يشوفوها، هسفرها بره، هعالجها وهرجعها ست البنات."
راح جاب دفتر شيكات من مكتبه، وكتب شيك برقم خيالي، ومده لزكريا:
— "أنت عملت اللي محدش قدر يعمله. أنقذت شرف وروح عيلة الكيلاني. الشيك ده فيه مليون جنيه.. وتقدر تطلب أدهم، ده حقك. خد الفلوس، وسافر ابدأ حياة جديدة بعيد عن الد*م والنار دي، وأنا هوفرلك حماية تخرجك بره مصر كلها لو تحب."
زكريا بص لشيك.. مليون جنيه! رقم عمره ما شافه ولا تخيله في أحلامه. رقم يعوضه عن المشتل والبيت والحياة اللي سابها.
مد إيده.. بس قبل ما يلمس الورقة، حس بشدة قوية في قميصه.
لف وشه، لقى "فتنة" باصاله بعيون مليانة رعب حقيقي. هي مفهمتش كلام الفلوس، بس حست، إن "الوداع" بيقرب. إن جدار الأمان بتاعها هيمشي ويسيبها مع الراجل الغريب ده.
شفايفها اتهزت، وبدأت تطلع أصوات متقطعة، والدموع اتجمعت في عينيها زي طوفان:
— "أ.. زكـ..ـريا.. لا.. لا."
أول مرة تقول كلمة "لا". قالتها وهي بتلف إيديها الاتنين حوالين دراعه، وبتخبى وشها في صدره، كأنها بتقوله "لو مشيت هروح معاك".
زكريا بص لراشد، وبص للشيك، وبعدين سحب إيده بهدوء شديد.
ابتسم بوجع وهو بيمسح على راس فتنة بحنية، ورفع عينيه لراشد الكيلاني:
— "أنا ماببعش روحي بفلوس يا باشا.. البنت دي أنا اللي شيلت السلسلة من رقبتها، وأنا اللي شوفت خوفها، وأنا الوحيد اللي بتأمنله. الفلوس دي تشتري بيها سلاح وحرس، لكن متشتريش بيها قلب زكريا."
وقف زكريا، وسند فتنة توقف معاه، وهي ماسكة فيه زي ضله:
— "أنا مش ماشي.. البنت دي أمانتي، ومش هسيبها غير لما ترجع إنسانة طبيعية، أو أموت دونها."
راشد الكيلاني بصله بذهول وإعجاب في نفس الوقت. الشاب البسيط ده طلع أنبل من كل باشوات البلد.
وقبل ما راشد يرد.. باب الصالون اتفتح بعنف، ودخل واحد من الحرس الخاص، وشه مخطوف وبينتفض:
— "يا باشا.. في مصيبة! رجالتنا اللي على الطريق الصحراوي بلغوا إن في تلات عربيات جيب دفع رباعي كسروا الكمين، وداخلين إسكندرية.. العربيات دي عليها نمر قنا، ومسلحين تسليح تقيل.. دياب النجعاوي بنفسه معاهم!"
قلب زكريا دق بعنف، وراشد الكيلاني سحب مسدسه الشخصي من درج المكتب وعينيه بتطق شرار.
المعركة الحقيقية مبدأتش في الصعيد.. المعركة الحقيقية هتبدأ دلوقتي، على أبواب القصر الكيلاني
يتبع.. نور محمد
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
كلمة "دياب النجعاوي" نزلت على القصر زي صفارة إنذار في وقت الحرب. "راشد الكيلاني" اللي كان من ثواني راجل عجوز بيبكي على بنت أخوه، اتحول لأسد مجروح كشر عن أنيابه.
سحب أجزاء مسدسه بصوت رن في الصالون الواسع، ورفع سماعة التليفون الأرضي وضغط على زرار أحمر.
— "حالة طوارئ قصوى! اقفلوا البوابات الحديد، وجهزوا سواتر المضادة للرصاص، وأي كلب يقرب من سور القصر، اضربوه في المليان من غير إنذار!"
صوت سارينات الإنذار بدأت تضرب في القصر كله. "فتنة" حطت إيديها على ودانها وصرخت، الأصوات العالية والأنوار الغريبة رجعتلها حالة الهيستريا.زكريا نزل لمستواها بسرعة وحض وشها بين كفوفه:
— "فتنة.. بصيلي.. بصيلي أنا! متخافيش، مفيش حاجة هتمسك طول ما أنا فيا نفس."
راشد فتح باب خفي ورا مكتبة خشب ضخمة، ظهر وراه سلم ضيق نازل لتحت.
— "يا زكريا، خد فتنة وانزلوا المخبأ ده، ده متحصن ضد الرصاص، خليهم يضربوا نار للصبح، محدش هيعرف يوصلكم."
زكريا سحب فتنة من إيدها عشان ينزلوا، بس أول ما عينيها شافت السلم الضلمة اللي نازل لتحت الأرض، اتصلبت مكانها. جسمها كله بدأ ينتفض كأن تيار كهربا مسك فيها. الضلمة، وتحت الأرض.. ده معناه "القبر" اللي عاشت فيه ١٣ سنة!
بدأت ترفس وتشد إيدها من زكريا وتصرخ بدموع حارقة:
— "لا.. لا.. عتـ.. عتمة.. لا!"
زكريا قلبه اتقطع، الدموع لمعت في عينيه وهو شايفها بتنهار. مكنش قادر يجبرها تنزل الجحيم ده تاني حتى لو عشان يحميها. بص لراشد اللي كان مستعجل:
— "مش هتنزل يا راشد بيه.. لو نزلت هنا هتموت من الرعب قبل ما الرصاص يطولها. أنا هخبيها في مكان آمن فوق، وهقف حرس على الباب."
راشد بصله بقلة حيلة، بس هز راسه موافق:
— "في أوضة في آخر الممر في الدور التاني، بابها مصفح.. خبيها هناك، وخد السلاح ده معاك."
راشد مد إيده بمسدس لـ زكريا. زكريا اللي عمره ما شال سلاح غير الفاس ومقص الشجر، مسك المسدس بإيد بتترعش خفيف، بس ملامحه كانت كلها إصرار.
أخد فتنة وجريوا على السلم الداخلي للقصر. وصلوا للأوضة اللي في آخر الممر. دخلها وقفل الباب المصفح. الأوضة كانت واسعة وفيها نور هادي. قعدها على السرير، وخلع الجاكت بتاعه ولبسهولها عشان تدفى وتحس بريحته.
طلع من جيبه "سبحة" خشب قديمة بتاعته، وحطها في إيديها وقفل صوابعها عليها.
— "السبحة دي غالية عندي أوي يا فتنة.. خليها معاكي. هقف بره الباب، لو حسيتي بخوف، شمي ريحة الجاكت، وامسكي السبحة.. أنا بره، خطوة واحدة بيني وبينك."
بصتله بعيون غرقانة دموع، ومسكت في هدومه رافضة تسيبه. زكريا باس راسها بحنية الدنيا كلها، وفك إيديها بالراحة، وخرج وقفل الباب وراه.
وقف زكريا في الممر، ضهره للباب، وماسك المسدس. ثواني، والدنيا بره قامت مابين نار ورصاص.
صوت ضرب النار بدأ يزلزل المكان. دياب النجعاوي ورجالته مكنوش جايين يهوشوا، كانوا جايين يقتحموا بأي تمن. الرصاص كان بيخترق إزاز الشبابيك اللي مش مصفحة في الأدوار العُليا، وصوت تكسير كان مالي القصر. رجالة راشد كانوا بيردوا بقوة، بس النجعاوية كانوا أكتر ومسلحين
زكريا كان واقف مكانه، بيقرأ آيات الحفظ في سره، وقلبه مع اللي جوه الأوضة. فجأة، لمح خيالين طالعين من السلم الخلفي بتاع الخدم! رجالة دياب قدروا يتسللوا من ورا!
زكريا استخبى ورا عمود رخام. الرجالة كانوا طالعين بأسلحتهم، وبيدوروا في الأوض. أول ما واحد فيهم قرب من الممر، زكريا مكنش عنده وقت يفكر أو ينشن بالمسدس اللي ميعرفش يستخدمه كويس.
خرج من ورا العمود فجأة، وضرب الراجل بكتفه بكل قوته خبطه في الحيطة، المسدس وقع من إيد الراجل.
زكريا اللي متعود على شيل جذوع الشجر الثقيلة، استخدم قوته البدنية، وضربه بوكس في وشه وقعه في الأرض فاقد الوعي.
لكن الراجل التاني ظهر من وراه فجأة!
رفع المسدس بتاعه عشان يضرب زكريا في ضهره. زكريا لف وشه وشاف فوهة السلاح متوجهه لقلبه.. الموت كان على بُعد ثانية.
وفي اللحظة دي.. باب الأوضة اتفتح!
"فتنة" مقدرتش تستحمل صوت الرصاص وهي لوحدها. خرجت تدور على أمانها. أول ما طلعت، شافت الراجل الضخم موجه السلاح لظهر زكريا.
الخوف اللي كان بيخليها تتشل، اتبخر. لأول مرة في حياتها الغضب ينتصر على الرعب.
صرخت صرخة شقت قلب **زكريا** قبل ما تشق سكون الممر:
— "زكـرياااااااااا!"
ومش بس صرخت، دي مسكت فازة نحاس تقيلة جداً كانت محطوطة على ترابيزة جنب الباب، وبكل قوة وحسرة السنين، رمتها على الراجل!
الفازة خبطت في راس الراجل من ورا بقوة خليته يفقد توازنه والرصاصة تخرج من سلاحه وتضرب في السقف.
زكريا مستناش، هجم على الراجل زي النمر، ضربه برجله وقعه على السلم، ونزل فوقه ضرب لحد ما الراجل فقد النطق.
زكريا كان بينهج بجنون، وشه مليان عرق، وإيده مجروحة من الاحتكاك بتنزف. رفع راسه وبص لآخر الممر.
"فتنة" كانت واقفة، بتنهج، عينيها واسعة، والسبحة بتاعته لسه في إيدها. ملامحها مكنتش ملامح الطفلة الخايفة، كانت ملامح واحدة حاربت الموت عشان تنقذ روحها التانية.
زكريا قام وقف بصعوبة، وجري عليها، ركع على ركبه قدامها وأخدها في حضنه بكل قوته. كانت بتترعش، بس المرة دي لفت دراعاتها حوالين رقبته وبدلت معاه الحضن.
— "أنتي أنقذتيني.. أنتي اللي حاميتيني يا فتنة!"
قالها زكريا ودموعه بتنزل على الخمار بتاعها.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
في نفس الوقت، صوت سرينات الشرطة بدأ يقرب بشكل مرعب من بره. راشد الكيلاني كان مكلم قيادات الأمن، وقوات العمليات الخاصة وصلت وحاصرت المكان.
دياب النجعاوي لما لقى الحكومة كبست، عرف إن المعركة خسرانة. لم رجالته اللي قدر يلمهم، وركبوا العربيات عشان يهربوا، بس قبل ما عربيته تتحرك، دياب بص للقصر من بره، وصرخ بصوت عالي جداً واصل لكل اللي جوه:
— "ورحمة الميتين ما هسيبها يا راشد! البت دي بتاعتي، واللي معاها ده دمه مهدور.. الجبل لسه مخلصش كلامه!"
انسحب النجعاوية، وسابوا وراهم قصر متدمر، ودم على الأرض
راشد الكيلاني طلع السلم وهو بينهج، لقى زكريا ساند ضهره على الحيطة في الممر، وحاضن فتنة اللي نامت من كتر الإرهاق والاستنزاف النفسي في حضنه.
راشد بصلهم، وبص للرجالة اللي زكريا وقعهم، وعيونه دمعت بفخر. قرب من زكريا، ونزل لمستواه، وحط إيده على كتفه:
— "أنا كنت فاكر إني هحميكوا بفلوسي ورجالتي.. بس أتاري ربنا باعتك إنت عشان تحمينا إحنا. بنتي مش هتبعد عنك يا زكريا.. إنت بقيت كبير عيلة الكيلاني من النهاردة."
زكريا بصلها وهي نايمة في أمان على صدره، ومسح الدم من على وشه، ورد بصوت هادي بس كله يقين:
— "أنا مش كبير عايلات يا باشا.. أنا راجل قلبه اتعلق بروح بريئة، وعهد عليا قدام ربنا، لا دياب ولا غيره هيلمس شعرة منها طول ما قلبي ده بينبض."
روايه فتنه زكريا بقلمي نور محمد
شمس يوم جديد طلعت على قصر "الكيلاني"، شمس بتكشف حجم الدمار اللي سابه هجوم "النجعاوية"، بس في نفس الوقت بتنور طريق جديد لروحين اتولدوا من تاني.
في أوضة واسعة بتطل على البحر، كان "زكريا" قاعد على طرف السرير، ودكتور العيلة العجوز بيطهرله الجرح العميق اللي في إيده ووشه.
وعلى الأرض، بين رجلين زكريا، كانت "فتنة" قاعدة مربعة، الخمار بتاعها ملفوف حوالين كتفها، وعينيها العسلي بتراقب كل حركة بيعملها الدكتور برعب وتحفز، كأنها قطة مستعدة تهاجم لو الدكتور وجع زكريا.
— "بسم الله ما شاء الله يا بني.. بنيتك قوية، بس الجرح ده كان محتاج خياطة، إنت نزفت كتير."
قالها الدكتور وهو بيلف الشاش. زكريا ابتسم بتعب وبص لفتنة اللي مكلبشة في طرف بنطلونه:
— "الحمد لله يا دكتور.. جت سليمة. المهم هي.. طمني عليها."
الدكتور اتنهد وبص لفتنة بشفقة:
— "راشد بيه حكالي حالتها. علمياً، اللي مرت بيه اسمه 'متلازمة الحرمان البيئي والنفسي'. ١٣ سنة في العتمة والضرب كافية إنها تدمر عقل أي إنسان وتخليه يفقد النطق تماماً وتتحول لحيوان مذعور. بس الأغرب من حالتها، هو 'إنت'.
زكريا عقد حواجبه بعدم فهم: "أنا؟ مالي أنا يا دكتور؟"
الدكتور كمل: "البنت دي لقت فيك طوق النجاة. في العادي، الحالات دي بتاخد سنين من العلاج النفسي عشان بس تبدأ تتواصل بالعين. لكن إنها تنطق اسمك في يومين، وتدافع عنك وتضرب راجل ضخم عشان تحميك.. ده معناه إنها ربطت وجودها بوجودك. إنت بالنسبالها مش بس أمان.. إنت 'الحياة'. زكريا.. لو إنت غبت عنها لأي سبب، البنت دي هترجع لنقطة الصفر، وممكن تموت فيها."
الكلمات دي نزلت على قلب زكريا زي الرصاص. المسؤولية مبقتش مجرد حماية بنت تايهة، دي بقت روح متعلقة في رقبته ليوم الدين.
الدكتور مشي، وزكريا نزل على ركبته قدام فتنة، رفع وشها بإيديه السليمة، وبص في عينيها اللي مليانة براءة ضايعة.
— "سمعتي الدكتور؟ بيقول إني أنا الحياة.. بس هو ميعرفش إنك إنتي اللي رجعتي لقلبي دقاته يا فتنة."
في حديقة القصر
الضهر أذن، وراشد الكيلاني كان قالب الدنيا. الحرس اتضاعفوا، وكاميرات المراقبة اتجددت، والأمن في إسكندرية كلها كان على رجل وحدة بعد الجرأة اللي عملها دياب النجعاوي
زكريا أخد فتنة ونزلوا جنينة القصر. الجنينة كانت واسعة جداً، مليانة أشجار نادرة وزهور متنسقة بطريقة مبهرة، بس رغم جمالها، قلب زكريا كان مقبوض.. افتكر "المشتل" بتاعه، الورد البلدي اللي كان بيزرعه بإيده، وريحة الطين اللي مريحة لروحه أكتر من رخام القصور.
وقف قدام شجيرة ورد أحمر، ومد إيده يلمس ورقة دبلانة فيها، وبتلقائية بدأ ينضف الورق الناشف حواليها.
فتنة كانت ماشية وراه زي ضله. شافت نظرة الحزن في عينيه، قربت منه بالراحة، ومدت إيدها الصغيره قطفت وردة حمرا مقفولة، وميلت راسها وقدمتها لزكريا، وبصوت واطي جداً، بهمس رقيق قالت:
— "زكـ..ـريا.. حـ.. حلو."
الكلمتين دول خلوا زكريا يسيب الشتلة ويقف مكانه متسمر. عينيها كانت بتبصله بصفاء غريب. أخد الوردة من إيدها، ودمعة يتيمة هربت من عينه:
— "حلو عشان من إيدك إنتي يا ست البنات."
مسك إيدها، وبدأ يمشي معاها في الجنينة، بيشاورلها على الشجر والورد ويقولها أساميهم، وهي بتحاول تردد وراه. دي مكنتش جلسة تخاطب، دي كانت جلسة شفاء لروحهم هما الاتنين.
على الجانب التاني، وتحديداً في الصعيد.. الجو كان مختلف تماماً.
في دوار عائلة النجعاوي، كان دياب قاعد على كرسي ضخم، وعينيه بتطق شرار. هجوم إسكندرية فشل، وراشد الكيلاني بقى عارف كل حاجة، والبنت اللي كانت كارت الضغط والذل بقالها ١٣ سنة، طارت من إيده، واللي طيرها مجرد "فلاح" بسيط ملوش ضهر.
— "عجيبة يا زمن.. حتة عيل بيزرع ورد، يكسر عين دياب النجعاوي ويهرب باللحم من بين سناني!"
قالها دياب وهو بيضرب عكازه في الأرض بغل.
واحد من رجالته قرب منه بخوف: "تؤمر بإيه يا كبير؟ القصر في إسكندرية متحصن دلوقتي، والحكومة سادة الطرق."
دياب ابتسم ابتسامة شيطانية:
— "مش هنروحله إسكندرية.. إحنا هنجيبه لحد تحت رجلينا هنا راكع بيبوس الجزم. الواد ده وحيد ملوش أهل، بس سألنا وعرفنا إن روحه وعمره كله في حتة الأرض اللي بيزرعها دي.. المشتل بتاعه. هاتوا جراكن الجاز.. وخلوا ليل البلد النهاردة ينور بنار تاكل تعب عمره.. ولما يوصله الخبر، صدقني.. هييجي يجري يسلم رقبته ورقبة البت بإيده."
المغرب نزل على قصر الكيلاني. راشد كان قاعد في المكتب، وزكريا قصاده بيشربوا قهوة، وفتنة نايمة على الكنبة الجلد الضخمة المتغطية ببطانية، حاطة إيدها تحت خدها ومستكينة..
فجأة، تليفون زكريا المحمول القديم رن.
الرقم كان لجار له في البلد، راجل عجوز فاتح كشك جنب المشتل.
زكريا فتح الخط: "ألو.. أيوة يا عم جابر."
صوت عم جابر كان بيترعش ومخلوق بالعياط:
— "إلحق يا زكريا يا ولدي.. يا خراب بيتك يا بني! المشتل.. المشتل ولع يا زكريا! الرجالة الملثمين نزلوا عليه بالجاز ولعوا في كل شبر فيه، الزرع، الشجر، الأوضة اللي فيها ذكريات أبوك وأمك.. كله بقى كوم رماد، والنار مسكت في كل حاجة مسبتش عود أخضر!"
زكريا قام وقف فجأة، الكوباية وقعت من إيده اتدشدشت على الأرض ووو
يتبع.. نور محمد
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
— "إلحق يا زكريا يا ولدي.. يا خراب بيتك يا بني! المشتل.. المشتل ولع يا زكريا! الرجالة الملثمين نزلوا عليه بالجاز ولعوا في كل شبر فيه، الزرع، الشجر، الأوضة اللي فيها ذكريات أبوك وأمك.. كله بقى كوم رماد، والنار مسكت في كل حاجة مسبتش عود أخضر!"
زكريا قام وقف فجأة، الكوباية وقعت من إيده اتدشدشت على الأرض والقهوة السخنة طرطشت على البنطلون، بس هو محسش بأي حاجة.
التليفون وقع من إيده، وعينيه وسعت في حالة من الصدمة والذهول.
المشتل.. تعب عمره، ذكريات أهله، شقاه، ومصدر رزقه الوحيد، الأمان الوحيد اللي كان بيمتلكه في الدنيا دي.. راح! بقى رماد!
راشد الكيلاني قام بسرعة من مكانه:
— "في إيه يا زكريا؟ مالك يا بني؟"
زكريا نزل على ركبتيه في الأرض، حط إيديه الاتنين على وشه، وانهار. الشاب الجبل اللي وقف قدام الرصاص ومخافش، اللي شال مسؤولية روح من الموت، مقدرش يتحمل قهر الرجال.
صوت نحيبه المكتوم كان بيقطع القلب، دموعه كانت بتنزل بين صوابعه زي المطر.
— "حرقوا دنيتي يا باشا.. حرقوا ريحة أبويا وأمي.. حرقوا شقايا وتعب عمري! أنا مليش حاجة في الدنيا دي غير المشتل ده، ده كان ضهري وسندي!"
على صوت الكوباية اللي انكسرت وعياط زكريا، "فتنة" صحيت مفزوعة.
بصت لزكريا اللي واقع على الأرض ومنهار.. المنظر ده كان جديد عليها. زكريا دايماً قوي، دايماً هو الحصن. تشوف الحصن بيقع، ده رعب من نوع تاني.
بس المرة دي، هي معملتش زي زمان.. مستخبتش، ومصرختش بخوف.
نزلت من على الكنبة بسرعة، زحفت على الأرض لحد ما وصلتله. شدت إيديه الاتنين من على وشه بصعوبة. شافت دموعه اللي مغرقة وشه.
ملامحها اتعصرت من الوجع. إيديها الصغيرة المرتعشة اترفت، وبدأت تمسح دموعه من على خده بسرعة، كأنها بتطفي نار قايدة.
ولأول مرة.. بصوت واضح، مفيش فيه تقطيع، طالع من أعماق قلب اتعلم الحب بعد العذاب.. قالت جملة كاملة:
— "متعيطش.. زكريا.. أنا أمانك."
الكلمات دي خلت الصمت يلف المكان. راشد الكيلاني حط إيده على بقه من الصدمة وهو بيبكي. وزكريا رفع عينيه المليانة دموع وبص لفتنة.
البنت اللي كانت محتاجة أمان، بقت هي اللي بتقدمهوله.
زكريا سحبها لحضنه، وعيط في كتفها زي الطفل. وبعد دقايق من البكا اللي غسل قهره.. رفع راسه.
ملامحه اتغيرت تماماً. الحزن اللي في عينيه اتحول لغضب أسود، غضب راجل صعيدي دمه حر، اتسلب حقه، وانحرق شقاه، وانتهكت حرمة أمانه.
قام وقف، وسند فتنة توقف معاه، وبص لراشد الكيلاني بعيون كأنها جمر نار:
— "النجعاوية حرقوا بيتي عشان يكسروني ويجرجروني ليهم. هما فاكرين إني فلاح غلبان ماليش في الدم.. بس هما ميعرفوش إن الفلاح لما أرضه بتتحرق، بيقلب الأرض دي مقابر للي حرقها."
راشد بصله بقلق: "هتعمل إيه يا زكريا؟ إنت مش هتروح الصعيد، ده فخ عشان يقتلو*ك وياخدوها!"
زكريا مسح بقايا الدموع من على وشه، وصوته كان حازم وقاطع:
— "أنا مش هروح لوحدي يا باشا.. المعركة دي مبقتش معركتك لوحدك عشان بنت أخوك، دي بقت معركتي أنا كمان على شرفي وأرضي وقهري. جهز رجالتك يا راشد بيه، جهز سلا*حك.. إحنا مش هنستناهم يجولنا، إحنا هنروح نهد الجبل على دماغ دياب النجعاوي في عقر داره.. المعركة الحقيقية هتبدأ النهاردة!"
ليل إسكندرية كان هادي بره أسوار القصر، لكن جوه قلب "زكريا"، كانت بتقوم عواصف براكين.
الشاب الهادي، المبتسم، اللي إيديه متعودة على الطبطبة على ورق الورد، اتحول لراجل عينيه بتلمع بقسوة القصاص. جنون حنينه لأرضه اللي بقت رماد، وذكريات أمه وأبوه اللي اتحرقت غدر، خلطت جواه مشاعر الوجع بنار الغضب.
روايه فتنه زكريا بقلمي نور محمد
في بدروم القصر اللي متصمم كغرفة عمليات وسلاح، "راشد الكيلاني" فتح خزنة حديد ضخمة، وطلع منها أحدث الأسلحة.
— "المعركة في الجبل مش زي شوارع يا زكريا.. دياب متحصن في دواره، وحواليه رجالة مبيعرفوش غير لغة الد*م. متأكد إنك عايز تيجي؟ دي مش حربك لوحدك، أنا أقدر أبعت جيش يمحيهم."
زكريا كان واقف بيلبس واقي من الرصاص فوق قميص أسود، ملامحه كانت جامدة زي الحجر:
— "لا يا باشا.. دي حربي أنا. هو حرق أرضي عشان يكسرني، ولو مروحتش وقفت قدامه وعيني في عينه، هيفضل فاكر نفسه وحش الجبل اللي محدش بيقدر عليه. وجه الوقت لـ ترويض وحش النجعاوية ده، ودفنه في نفس الجبل اللي بيتحامى فيه."
راشد بصله بفخر، إعجابه بالشاب ده بيزيد كل دقيقة. ناوله مسدس ، زكريا مسكه، سحب الأجزاء بمهارة متولدتش من التدريب، بس اتولدت من القهر.
في غرفة فتنة
قبل التحرك بساعة، زكريا وقف قدام باب أوضة "فتنة". مسح وشه بإيده كأنه بيمسح ملامح الغضب، ورسم ابتسامة هادية جداً، ودخل.
كانت قاعدة على الأرض جنب السرير، ضامة ركبها لصدرها، والسبحة الخشب بتاعته لسه بين إيديها.
أول ما الباب اتفتح وشافته بلبسه الأسود، ملامحها اتغيرت. حست بريحة الخطر.
قامت وقفت بسرعة، جريت عليه ومسكت في ياقة قميصه بإيديها الاتنين، عينيها العسلي الواسعة اتملت دموع في ثانية.
— "رايح.. عتمة؟"
قالتها بصوت بيرتعش، هي ربطت اللبس ده والتوتر ده بالضلمة اللي كانت عايشة فيها.
زكريا مقدرش يمسك نفسه، نزل على ركبته قدامها، ومسك كفوفها الصغيرين اللي مكلبشين في قميصه، وباسهم بحنية خلت دموعها تنزل.
— "أنا رايح أموت العتمة دي يا فتنة.. رايح أكسر الباب اللي كانوا حابسينك فيه، عشان ميقدروش في يوم يوصلولك تاني."
هزت راسها بعنف وبدأت تعيط بصوت طفولي موجوع:
— "لا.. لا تمشي.. زكريا يموت.. فتنة تموت!"
الجملة نزلت على قلبه زي السكينة. رفع وشها بإيديه الاتنين، وبص في عينيها بنظرة كلها يقين:
— "زكريا مش هيموت طول ما فتنة بتتنفس. أنتي خليتيني أتمسك بالحياة، وأنا بوعدك.. هرجعلك. أنا عمري ما كدبت عليكي صح؟"
هزت راسها ببطء وسط دموعها.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
— "يبقى تستنيني.. ومفيش حاجة هتقدر تمنعني إني أرجع أشوف العيون دي تاني."
قلع سلسلته الفضة اللي كان لابسها تحت القميص، سلسلة بسيطة جداً فيها آية الكرسي، ولبسهالها فوق الفستان، وحط السبحة في إيدها التانية.
— "دول حتة مني.. خليهم معاكي لحد ما أرجع أستلمهم بإيدي."
حضنته بقوة مرعبة كأنها بتخبيه جوه ضلوعها، وزكريا ضمها لصدره وهو بيستمد منها القوة اللي هيواجه بيها الجبل.
خمس عربيات دفع رباعي سودا متفيمة، طالعة من إسكندرية شقة طريق الصحراوي في جنون الليل، متجهة لقلب الصعيد. في العربية الأولى، كان زكريا قاعد جنب راشد الكيلاني.
طول الطريق زكريا كان ساكت، عينيه باصة للطريق ، بيسترجع ريحة المشتل، وشجر الليمون اللي زرعه بإيده، والورد اللي بقى رماد، وصوت فتنة وهي بتقوله "أنا أمانك".
بعد ساعات طويلة، خيوط الفجر الأولى كانت بتشق السما وهما على أطراف قنا.
راشد طلع خريطة للمكان:
— "دوار النجعاوية مبني على ربوة عالية في حضن الجبل. الطريق الرئيسي مليان ناضورجية وحرس.. مستحيل نقتحم من قدام من غير ما يسقط مننا رجالة كتير."
زكريا بص للخريطة، وابتسم ابتسامة قاسية مفيهاش أي رحمة:
— "ومين قال إننا هندخل من الباب يا باشا؟ الفلاح مابيدخلش أرضه من الباب لما تكون مليانة آفات.. بيلفلها من ضهرها."
زكريا كان دارس طبيعة الأراضي الزراعية والجبال. قاد القوة من طريق زراعي مهجور ورا الجبل، طريق العربيات متقدرش تمشي فيه. سابوا العربيات، وكملوا مشي في المدقات الجبلية الوعرة.
زكريا كان بيمشي بثبات كأنه مولود في الجبل، ووراه رجالة الكيلاني متسلقين الصخور بحذر.
في الدوار، دياب كان قاعد في المندرة الواسعة، حواليه أتباعه بيشربوا شاي وقهوة، وبيضحكوا بصوت عالي على خبر حرق المشتل.
— "زمان الواد الفلاح ده بيلطم زي الحريم على شقاه.. يومين بالكتير وهتلاقوه جاي راكع يبوس رجلي عشان أسيبه يعيش، وساعتها هجيب رقبته هو والبت."
دياب قالها وهو بينفث دخان الشيشة بكبرياء.
فجأة.. الكهربا قطعت عن الدوار كله!
الضحك سكت، والرجالة وقفوا بسرعة بيعمروا سلاحهم في الضلمة.
— "في إيه يا بهايم منك ليه؟ حد يشوف المولد بره!" صرخ دياب.
وقبل ما أي حد يتحرك.. صوت تكسير إزاز عنيف جه من الدور التاني للدوار. ثواني، وقنابل دخان مسيلة للدموع بدأت تنزل عليهم في المندرة من الشبابيك اللي فوق.
الرعب دب في قلوب رجالة الجبل، الدخان عماهم، وبدأوا يكحوا ويضربوا نار عشوائي في كل اتجاه.
باب المندرة الخشب الضخم اتكسر برجلة من بره، ودخل راشد الكيلاني ورجالته، لابسين أقنعة غاز، ومسلحين بأحدث الأسلحة، وفي دقايق كانوا مجردين رجالة دياب من سلاحهم ومنيمينهم على الأرض.
دياب كان واقف في الزاوية، بيكح ومش شايف حاجة، رفع سلاحه عشان يضرب عشوائي.. لكن فجأة، حس بماسورة سلاح باردة جداً بتتحط على مؤخرة راسه، وصوت هادي، عميق، وقاسي زي نصل السكينة بيهمس في ودنه:
— "نار المشتل كانت بتوجع.. بس نار قلبي النهاردة هتحرق كبرياءك يا دياب."
الدخان بدأ يخف شوية مع كشافات الرجالة اللي نورت المكان. دياب لف وشه ببطء مرعوب.. ولقى "زكريا" واقف قدامه.
الشاب اللي كان فاكره مجرد فلاح مكسور الجناح، واقف دلوقتي عينيه بتطق شرار، وسلاحه ثابت، وهيبته بتسبق خطواته.
زكريا مسك دياب من ياقة الجلابية، ورماه على الأرض تحت رجليه بقوة زلزلت كيان راجل الجبل العجوز، وبصوت هز حيطان الدوار قال:
— "أنا اللي جيتلك لحد بيتك يا نجعاوي.. مش عشان أركع.. أنا جيت عشان أطفي نار تعبي، وأحرر روح بنت بريئة أنتوا خليتوا حياتها جحيم.. والنهاردة، كشف الحساب هيتدفع بالدم!"
يتبع.. نور محمد
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
كانت أنفاس "زكريا" الساخنة تضرب في وجه "دياب النجعاوي" المرمي تحت قدميه. المندرة الواسعة اللي كانت من دقايق مسرح لضحكات الشر، بقت مقبرة لعيلة النجعاوي.
رجالة بتوع "راشد الكيلاني" كانوا مكتفين حرس دياب كلهم على الأرض، والبنادق متوجهة لروسهم.
دياب، رغم إنه على الأرض وسلاح زكريا في راسه، ضحك بصوت خشن ومبحوح، ضحكة مليانة غل شيطاني:
— "مفكر إنك انتصرت يا حتة فلاح؟ مفكر إنك لما تحط سلاحك في راسي هخاف؟ أنا دياب النجعاوي! الجبل ده كله بيترعب من اسمي.. اقتلني! بس خليك عارف إن مو*تي هيفتح عليكم أبواب جهنم، وتاري مابينامش!"
راشد الكيلاني قرب بخطوات بطيئة، عصايته بتدب على الأرض بقوة، وعينيه بتلمع بدموع قهر السنين. وقف فوق راس دياب، وقال بصوت فحيح الأفاعي:
— "تارك؟ تار إيه يا نجعاوي؟ إنت اللي فتحت باب الدم من 13 سنة لما د*بحتم أخويا ومراته وهما عزل، وخطفتم حتة لحمة حمرا ورميتوها في مقبرة عشان تكسروني! أنا عيشت عمري كله مستني اللحظة دي.. اللحظة اللي أشوفك فيها مكسور ومذلول تحت رجلينا!"
دياب بص لراشد بشماتة:
— "مرات أخوك ماتت وهي بتبوس جزمتي عشان أسيب البت.. وأنا مسيبتهاش. عيشتها زي الكلاب، أكلتها من الأرض، ونسيتها إنها بني آدمة!"
الكلام نزل على زكريا زي نار جهنم. افتكر رعب "فتنة"، صراخها من النور، علامات السلاسل في رقبتها، ورعشتها تحت الشجرة في ليلة المطر.
صباعه ضغط على الزناد، وعروق رقبته برزت من الغضب.
— "الكلب اللي زيك، رصاصة واحدة فيه رحمة.. وإنت متستاهلش الرحمة!"
صرخ زكريا، بس بدل ما يضرب الرصا*صة في راس دياب، رفع المسدس وضرب دفعة رصاص كاملة في السقف الكريستال بتاع المندرة.
الإزاز نزل يتكسر فوق راس دياب ورجالته زي المطر.
دياب صرخ وحط إيديه على راسه بخوف حقيقي لأول مرة. وحش الجبل انهار قدام غضب الشاب البسيط.
زكريا نزل لمستوى دياب، ومسكه من خناقه:
— "أنا كان ممكن أفرغ السلا*ح ده في صدرك، وأطفي ناري على شقايا ومشتلي اللي حر*قته.. بس أنا مش زيك. أنا راجل عارف ربنا، وديني يمنعني أقتل روح غدر حتى لو كانت روح شيطان. عقابك مش المو*ت السريع.. عقابك إنك هتعيش بقية عمرك مكسور، والبلد كلها هتشوف كبير النجعاوية وهو بيتساق زي الخرفان!"
في اللحظة دي، راشد الكيلاني كان مجهز الضربة القاضية. أصوات سارينات الشرطة شقت سكون الجبل. قوات الأمن المركزي والمدرعات حاصرت الدوار من كل اتجاه، بناءً على بلاغات وتسجيلات قدمها راشد الكيلاني بتثبت تورط دياب في تجارة السلا*ح، الآثار، وخطف فتنة وقتل أهلها.
الظباط دخلوا الدوار، والكلبشات اتحطت في إيد دياب النجعاوي. وهو بيتشد عشان يركب البوكس، البلد كلها كانت واقفة بتتفرج.
زكريا وقف في نص حوش الدوار، بياخد نفسه بصعوبة، وشه مليان عرق وتراب، بس قلبه لأول مرة من أيام يحس بالبرد والراحة. راشد حط إيده على كتف زكريا:
— "خلصت يا بني.. الجبل نضف، وحق أخويا وحق بنته رجع.. وحق مشتلك هعوضهولك أضعاف."
زكريا ابتسم بتعب، وبص للسما اللي بدأت تنور بشمس الصبح:
— "مشتلي الحقيقي مستنيني في إسكندرية يا باشا.. يلا نرجعلها."
في قصر الكيلاني..
الساعات كانت بتمر على "فتنة" كأنها سنين. قاعدة في أوضتها، رافضة تاكل أو تشرب. السلسلة الفضة بتاعت زكريا في رقبتها، والسبحة الخشب بين كفوفها الصغيرين، بتفرك في حباتها بخوف.
كل ما تسمع صوت عربية بره القصر، تجري على الشباك وتبص بلهفة، ولما تلاقيها مش عربيتهم، ترجع تقعد على الأرض وتضم ركبها لصدرها.
الدكتور العجوز دخلها يحاول يديها حقنة مهدئة لأنها كانت بترتعش من التوتر، بس هي صرخت فيه ورمت الحقنة على الأرض، وهربت في زاوية الأوضة بتدافع عن نفسها. هي رافضة أي حد يقربلها غيره. أمانها الوحيد غايب، وروحها متعلقة بخيط رفيع اسمه "وعْد زكريا".
المغرب أذن. والشمس بدأت تغيب في البحر.
فجأة، صوت حركة غير عادية بره القصر. بوابات الحديد بتتفتح. عربيات بتدخل.
فتنة وقفت زي المسمار. قلبها كان بيدق بسرعة كأن طبلة بتضرب جوه صدرها. الباب بتاع الأوضة خبط بالراحة، وبعدين اتفتح.
زكريا كان واقف على الباب.
هدومه متبهدلة، وشه مرهق، وفي جرح جديد في جبهته من شظايا الإزاز، بس عينيه.. عينيه كانت بتلمع بحنية الدنيا كلها أول ما شافتها.
السبحة وقعت من إيد فتنة على الأرض.
ثانية واحدة من الذهول.. وبعدها، طارت.
أول مرة تجري بالسرعة دي، أول مرة متخافش من المواجهة. رمت نفسها في حضنه بقوة خبطته في الباب وراه.
لفت دراعاتها النحيفة حوالين خصره، ودفنت وشها في صدره، وصوت عياطها شق سكون القصر. عياط مفيش فيه رعب، ولا وجع.. عياط روح رجعت لصاحبها.
زكريا قفل دراعاته عليها بكل قوته، غمض عينيه ودفن وشه في خمارها، ودموعه نزلت على قماش الخمار تغسله. فضل يطبطب على ضهرها، ويمسح على راسها، وبيهمس بصوت مبحوح من التعب والفرحة:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
— "رجعتلك يا فتنة.. رجعتلك يا قلب زكريا. وعدتك إني مش هسيبك، وزكريا مبيخلفش وعده."
رفعت راسها ببطء، عينيها العسلي غرقانة في الدموع، بصت لجبهته المجروحة، ومدت صوابعها المرتعشة لمست الجرح بخفة شديدة جداً خايفة توجعه. شفايفها اتحركت، وبصوت مليان لهفة وخوف حقيقي عليه قالت:
— "زكريا.. وجع؟"
زكريا مسك إيدها اللي على خده، وباس باطن كفها بعمق، وابتسم ابتسامة منورة:
— "راح الوجع يا فتنة.. الجبل اللي كان مخوفك اتهد وانتهى، والحديد اللي كان خانقك اتكسر للأبد. مفيش عتمة تاني.. مفيش غير النور."
راشد الكيلاني كان واقف على باب الأوضة من بره، بيبص للمشهد وهو بيمسح دموعه. قرر ينسحب بهدوء ويقفل الباب وراهم، ويسيب الروحين دول يداووا بعض.
زكريا أخدها وقعدوا على طرف السرير. هي كانت لسه مكلبشة في إيده رافضة تسيبها.
— "المشتل بتاعي اتحرق يا فتنة.. المكان اللي كنت باخدك فيه تشمي الورد، بقى رماد."
قالها زكريا وفي صوته غصة خفيفة.
فتنة بصتله، ملامحها الحزينة ظهرت، هي فاكرة كويس الزرع والألوان اللي حست فيها بالراحة.
شدت إيده بقوة، وبصت في عينيه مباشرة، وبنبرة فيها إصرار طفولي غريب، قالت جملة كاملة جديدة أبهرت زكريا:
— "نزرع ورد.. أنا وأنت.. هنا."
وشاورت على قلبها، وبعدين شاورت عليه.
زكريا ضحك من قلبه ضحكة صافية زلزلت الأوضة لأول مرة من أيام. دموع الفرحة اتجمعت في عينيه، شدها لحضنه تاني، وهو حاسس إن ربنا عوضه عن كل شقاه بالجوهرة اللي بين إيديه.
— "هنزرع ورد يا ست البنات.. هنبني مشتل أكبر من اللي راح ميت مرة، وهسميه 'جنينة فتنة'.. وهعلمك إزاي تزرعي بإيدك، وإزاي تشوفي الدنيا بالألوان، مش بالضلمة."
في الليلة دي، قصر الكيلاني نام في سلام لأول مرة من 13 سنة. دياب النجعاوي ورا القضبان مستني حبل المشنقة، و"راشد الكيلاني" استرد روحه المفقودة.
لكن الانتصار الأكبر كان لـ "زكريا". الشاب البسيط اللي تاهت منه سكته، فلقى نفسه بيبني سكة جديدة، بينقذ فيها إنسانة من الموت، وهي بتنقذه من القهر.
"فتنة" نامت الليلة دي، مش متكورة على نفسها، ولا مستخبية تحت السرير.. نامت مفرودة، راسها على المخدة، وماسكة في إيدها السبحة الخشب، وعلى شفايفها ابتسامة هادية.. ابتسامة بنت، أخيرًا، لقت الحياة.
مرت ست شهور.. ست شهور كأنها ست سنين من طوق النجاة اللي اتمد لروح "فتنة".
جوه قصر "الكيلاني"، الدنيا اتغيرت تماماً. البنت اللي كانت بتخاف من النور وبتستخبى تحت السرير، بقت بتصحى مع أول شعاع شمس تفتح شبابيك أوضتها للبحر.
العلاج النفسي المكثف، والأهم.. وجود "زكريا" جنبها كـ ضل وحماية، عملوا معجزة. رجعت تتكلم بطلاقة، اتعلمت القراية والكتابة، وبقت "فتنة الكيلاني" اسماً على مسمى.. أميرة في بيت عمها، بس قلبها وعقلها لسه معلقين بـ الشاب الصعيدي اللي زرع الورد في روحها.
راشد الكيلاني اشترى حتة أرض ضخمة جداً على أطراف إسكندرية، وسجلها باسم زكريا وفتنة، وبدؤوا يبنوا فيها أكبر مشتل ونقطة لتصدير الزهور في مصر.. وسموه "جنة فتنة".
في ليلة من ليالي، زكريا كان متواجد لوحده في أرض المشتل الجديد. العمال مشيوا، وهو فضل يراجع حسابات الشتلات اللي هتوصل الفجر.
فجأة، كلاب الحراسة اللي في الأرض بدأت تنبح بشراسة، وبعدين صوتها سكت فجأة بخبطة مكتومة.
زكريا رفع راسه من على الورق، إيده راحت بتلقائية للمسدس اللي راشد أصر إنه يفضل معاه.
النجعاوية في السجن، بس زكريا عارف إن "ديل الحية بيفضل يلعب حتى لو راسها اتقطعت".
باب الكرفان الخشب اللي زكريا قاعد فيه اتفتح بضربة رجل قوية.
دخل تلات رجالة متلثمين، في إيديهم أسلحة بيضا وجراكن بنزين. واللي في النص شال اللثام عن وشه.. كان "غالب"، ابن أخو دياب النجعاوي اللي هرب من الأمن في الصعيد، وجاي ياخد بتار عمه.
— "الزهر لعب معاك يا فلاح وخدت بتارك.. بس إحنا صعايدة وتارنا مابيباتش بره."
قالها غالب وهو بيطلع مطو*اة قر*ن غزال بتلمع في الضلمة.
زكريا وقف بثبات، ملامحه متغيرة، مسحبش مسدسه، لأنه عارف إنه لو ضرب نار هيجيب لنفسه ولعيلة الكيلاني مشاكل هما في غنى عنها في وقت بيبنوا فيه حياة جديدة.
— "عمك في السجن مستني عشماوي يا غالب، وانت جاي ترمي روحك في التهلكة عشان تار باطل؟"
غالب هجم عليه بدون إنذار. زكريا اتفادى الضربة الأولى بمرونة، ومسك دراع غالب لواه ورا ضهره، بس التنين التانيين هجموا مع بعض.
المعركة كانت شرسة وغير متكافئة. زكريا ضرب الأول برجله وقعه، وصد ضربة التاني بكرسي خشب اتكسر على ضهره. بس في زحمة الضرب، غالب قدر يفلت، وغرز المطواة في كتف زكريا الشمال!
زكريا طلع منه صوت أنين مكتوم، ورجع لورا وهو حاطط إيده على جرحه اللي بدأ ينزف. غالب ضحك بغل، ورفع المطو*اة عشان يضرب الضربة القاضية في قلب زكريا.
وفي اللحظة الحاسمة دي..
كشافات عربية قوية جداً ضربت في إزاز الكرفان من بره، وصوت فرامل عنيف شق سكون الليل.
باب الكرفان اتفتح بقوة، بس اللي دخل مكنش حرس راشد الكيلاني.. اللي دخلت كانت "فتنة"!
كانت لابسة بالطو أسود طويل، وخمار بلون السما. وقفت على الباب، الهوا بيطير خمارها، بس المرة دي.. مفيش رعشة، مفيش دموع، مفيش خوف مستخبي ورا ضهر حد.
عينيها العسلي كانت بتشع غضب وقوة، كأنها أسد شاف حد بيقرب من شبله.
غالب اتصدم لما شافها، دي البنت الخرساء المرعوبة اللي كانوا بيلعبوا بيها!
— "فتنة؟" قالها بذهول.
فتنة متراجعتش خطوة. رفعت راسها لفوق، وبصوت قوي، صافي، وفيه كبرياء عيلة الكيلاني اللي بيجري في دمها، قالت:
— "العتمة اللي عيشتوني فيها خلصت يا غالب. الحديد اللي لفتوه حوالين رقبتي أنا كسرته.. واللي يقرب من زكريا، مش هياخد بتاره، ده هيكتب نهايته بإيده!"
وقبل ما غالب يستوعب التغيير المرعب ده، كانوا حرس القصر (اللي فتنة أجبرتهم يجيبوها لما قلبها اتقبض وحست إن زكريا اتأخر) اقتحموا المكان وصوبوا أسلحتهم على غالب ورجالته.
في ثانية، كانوا متكتفين على الأرض زي الفيران.
فتنة مستنتش تبص عليهم. جريت على زكريا اللي كان ساند على الحيطة وماسك كتفه. نزلت على ركبها قدامه، ووشها اتملى بالرعب الحقيقي.. مش رعب من الناس، بس رعب عليه.
شالت إيده من على الجرح، ودموعها نزلت بصمت وهي بتشوف الدم.
— "زكريا.. أنت كويس؟ قولي إنك كويس!"
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
زكريا رغم الوجع، ابتسم ابتسامة وسعت وشه كله. رفع إيده السليمة ومسح دموعها من على خدها.
مكنش حاسس بجرحه، كان حاسس بالفخر. البنت اللي كان بيشيلها عشان تعدي الطين، بقت هي اللي بتقف قدام السلاح عشان تفديه.
— "أنا كويس يا ست البنات.. أنا زي الفل. أنتي اللي كنتي عظيمة.. شُفتك وانتي بتهديهم بكلمة.. كبرتي يا فتنة، وبقيتي ملكة بجد."
دفنت وشها في صدره السليم، ومسكت فيه بقوة:
— "أنت اللي بنيت الملكة دي من الرماد يا زكريا.. لو كنت مت النهاردة، أنا كنت هموت وراك."
بعد أسبوع من الحادثة.. الجرح في كتف زكريا لمّ، وغالب ورجالته انضموا لدياب في السجن.
النهار طلع على قصر الكيلاني، بس النهار ده كان مختلف.
في جنينة القصر، كان في تجهيزات أسطورية. راشد الكيلاني قرر إن فرح بنته الوحيدة اللي رجعتله من الموت، لازم يكون حديث إسكندرية كلها، رغم إن زكريا أصر إن الفرح يكون هادي وإسلامي وعلى قد أهل البيت وحبايبهم.
زكريا كان واقف قدام المراية في جناحه، لابس بدلة سودا شيك جداً، بس ملامحه لسه محتفظة بوقار. بص لنفسه في المراية وافتكر اليوم اللي كان واقف فيه في الشارع تحت المطر مش عارف يستر البنت اللي لقاها إزاي.. والنهاردة، هو بيسترها باسمه قدام ربنا والدنيا كلها.
الباب خبط، ودخل راشد الكيلاني وعينيه بتلمع بالدموع:
— "المأذون مستني تحت يا عريس.. بس قبل ما تنزل، عروستك عايزاك."
زكريا قلبه دق. خرج من الجناح، وراح لأوضة فتنة. وقف على الباب، وفتحه بالراحة.
الصدمة شلّت لسانه.
كانت واقفة قدام الشباك الكبير اللي بيطل على البحر. لابسة فستان زفاف أبيض فضفاض زي الأميرات، متطرز بحبات لؤلؤ رقيقة، وخمار أبيض من حرير ناعم جداً مكلل بتاج صغير من الورد البلدي الحقيقي اللي زكريا زرعه بإيده.
كانت آية من آيات الله على الأرض. الجمال اللي كان متخبي في الطين، بيلمع دلوقتي زي الماسة في عز الشمس.
لفت وشها وبصتله. عينيها دمعت من الفرحة أول ما شافته.
قرب منها بخطوات بطيئة كأنه خايف الحلم يطير. وقف قدامها، ومقدرش يقول ولا كلمة غير:
— "بسم الله ما شاء الله.. تبارك الخلاق فيما أبدع."
فتنة ابتسمت بخجل، ومدت إيدها، ورفعت السبحة الخشب القديمة بتاعته اللي كانت دايماً في إيدها.. وعلقتها في إيده.
— "السبحة دي كانت الأمان اللي مسكت فيه في عز عتمتي.. بس أنا النهاردة مبقتش محتاجاها.. لأن الأمان نفسه بقى جوزي وسندي."
زكريا مسك إيديها الاتنين وباسهم بعمق، ورفع عينيه ليها:
— "أنا اللي ربنا نجاني بيكي يا فتنة. أنا اللي كنت عايش تايه في الدنيا، ولما شيلتك من الأرض، حسيت إني بشيل روحي اللي كانت ضايعة مني.. أنا بعاهد ربنا قدامك، إني هفضل أزرع الورد في طريقك لحد آخر نفس في عمري."
تحت السما الصافية، وفي وسط جنينة القصر، المأذون قال جملته اللي زلزلت قلب زكريا بالفرحة:
(بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير).
تعالت الزغاريد من الخدم، وراشد الكيلاني سجد شكر لله على الأرض وهو بيبكي من الفرحة.
زكريا قام وقف، وراح ناحية عروسته. حط إيده على راسها فوق الخمار، وبدأ يقرأ سورة "مريم".. نفس السورة، بنفس الصوت العذب الخاشع، اللي قرأها في أول ليلة نامت فيها ورا ضهره على الأرض وهي مرعوبة.
فتنة سمعت الصوت، أغمضت عينيها، ودمعة فرح دافية نزلت على خدها.
افتكرت العتمة، والبرد، والكلاب، والخوف.. وافتكرت الجاكت الصوف، وطبق اللبن الدافي، والإيد الحنينة اللي سلكت شعرها.
ميل زكريا على ودنها بعد ما خلص قراءة، وهمس بصوت خطف قلبها:
— "خلصت الحكاية الحزينة يا ست البنات.. ومن النهاردة، مفيش رواية هتتكتب غير رواية عشق زكريا لفتنته."
رفعت راسها، وبصت في عينيه، وبابتسامة منورة زي شمس الصبح، ردت عليه:
— "وأنا.. هفضل عايشة في نورك، يا اللي طفيت العتمة."
مسك إيدها، ومشوا سوا بين صفوف الورد المعطرة بـ ريحة البحر، رايحين لـ دنيتهم الجديدة.. دنيا مفهاش خوف، ولا قسوة، دنيا متبنية على الصبر، واليقين، وحب نبت من بين الأشواك، ليثبت للدنيا كلها.. إن الورد ممكن يطلع من قلب الرماد، لو لقى اللي يرويه بحنية.
تمت بحمدلله .. نور محمد
