رواية عروسة بالغلط من الفصل الاول للاخير بقلم انجي الخطيب
رواية عروسة بالغلط من الفصل الاول للاخير هي رواية من كتابة انجي الخطيب رواية عروسة بالغلط من الفصل الاول للاخير لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية عروسة بالغلط من الفصل الاول للاخير حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية عروسة بالغلط من الفصل الاول للاخير
رواية عروسة بالغلط من الفصل الاول للاخير
إنت مين وعايز إيه؟! وإزاي تدخل عليا الحمام وأنا بستحمى؟!بصّلي باستغراب، ورفع حاجبه وهو بيقول بثقة غريبة:ـ أدخل عليكي إيه؟! إنتِي اللي مين أصلًا؟! وبتعملي إيه في حمامي ؟اتسمرت مكاني ورا ستارة البانيو، وحسيت إن قلبي هيقف من الخضة . بصيت حواليّا بسرعة، مش مصدقة اللي بيحصل، وبعدين همست بعصبية مكتومة:ـ حمامك إنت؟! ده الحمام اللي جوه الأوضة اللي قالولي إنها أوضتي! إنت دخلت هنا إزاي أصلًا؟!
ضحك ضحكة خفيفة، وهو بيسند كتفه على الباب المفتوح، وقال:ـ لا، استني عندك... أنا اللي داخل أوضتي وحمامي، ولا إنتِي اللي داخلة أوضة حد غريب وبتسأليه إزاي دخل؟!شهقت وأنا بحاول ألمّ الستارة حواليا أكتر، وقلتله بحدة:ـ يا أستاذ، أرجوك، ده مش وقت لا أوضتي ولا أوضتك! اخرج بره وخليني ألبس هدومي بدل ما أنا مستخبية ورا الستارة ومش عارفة حتى أوصل لحاجة ألبسها !
بص ناحية الكرسي اللي عليه هدومه، وبعدها رجع بصلي بنظرة خلتني أتوتر أكتر، وقال بهدوء مستفز:ـ طب ما تقوليلي هدومك فين، وأنا أجيبهالك. ـ لا، لا، لا! مش عايزة أي مساعدة منك! لو سمحت اخرج بره واقفل الباب، وأنا هجيب هدومي لوحدي ! رفع إيديه باستسلام مصطنع، لكنه ما اتحركش من مكانه، وقال بابتسامة جانبية:ـ حاضر يا ستي، مش هقرب من هدومك... بس عندي سؤال واحد قبل ما أخرج.
ـ سؤال إيه؟! اخرج الأول!ـ إنتِي اسمك إيه؟اتنهدت بضيق، وقلتله:ـ وإنت مالك باسمي؟ !ابتسامته وسعت، وعينيه فضلت ثابتة عليّا بطريقة أربكتني، وقال:ـ أصل واضح إنك داخلة بيتي من غير ما تعرفي صاحبه، ودي حاجة غريبة شوية... خصوصًا إنك مش باين عليكي إنك من الناس اللي بتدخل أماكن بالغلط!ـ يا أخي حرام عليك! أنا أصلًا مش عارفة أنا جيت هنا إزاي!
أنا معزومة هنا وقالولي إن دي الأوضة اللي هبات فيها، وأنا دخلت أستحمى... والله ما كنت أعرف إن حد هيكون موجود!أول ما سمع كلمة «معزومة»، ملامحه اتغيرت للحظة، وبعدين رجع لنفس هدوئه وقال:ـ معزومة عند مين؟ ـ عند واحدة صاحبتي ... في اسئلة تاني ولا كدا خلاص لو سمحت اخرج بقي عايزة البس هدومي والله عيب التحقيق اللي انت فاتحهولي وانا في الموقف دا.
سكت ثواني، وبعدين قال وهو بيبصلي بتركيز:ـ و بص ناحية الباب كأنه بيراجع حاجة في دماغه، وبعدها رجع بصلي وقال:ـ يعني إنتِي جاية في بيت واحدة صاحبنك هنا في الصعيد ؟ ـ أيوه يا سيدي يارب نخلص بقي ... هو إنت مش سامعني؟!ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال بثقة:ـ سامعك كويس أوي. وبعدين اتحرك أخيرًا ناحية الباب، وقبل ما يخرج، وقف والتفتلي وقال:ـ على فكرة، أنا آسف على الخضة.
.. بس انتي السبب انا ماليش ذنب واوعدك هصلح غلطي وغمزلي بعينة وخرج. عقدت حواجبي وقلتله تقصد إيه بهصلح غلطي دي ؟!رد وهو بيخرج وقال :ـ هتعرفي بعدين. وقفل الباب وراه. فضلت واقفة مكاني كام ثانية، مش قادرة أستوعب اللي حصلورغم اني مفهمتش يقصد ايه بس كان كل همي انه يخرج واعدي الموقف السخيف دا والبس هدومي أول ما سمعت صوت خطواته بتبعد، جريت على الكرسي، خطفت أول هدوم لقيتها، ولبست بسرعة، وأنا بدعي ربنا يكون فعلا خوج وما يكونش شافني بالشكل ده.
#انجي_الخطيب لكن وأنا بفتح باب الحمام، سمعت أصوات جاية من برا وصوت واحدة ظاهر بتقول بحماس:مبارك يا ولدي عروستك واهلها واصحابها وصلوا الصبح ودخلوا اوضهم وهينزلوا علي الغدا عشان تشوفها وتتعرف عليها ربنا يهديك يا ولدي وتوافق علي الجوازة دي ومتكسفش ابوك يارب العروسة تعحبك ونفرح بيكفضلت واقفة ورا باب الحمام، إيدي على الأوكره وقلبي بيدق بسرعة من الكلام اللي سمعته.
صوت الست كان واضح، وخصوصًا لما قالت كلمة «عروستك»! عروسته مين؟! وإيه حكاية الجواز اللي بيتكلموا عنها دي؟! قربت من الباب بحذر، وكنت لسه هفتحه وأخرج، لكن أول ما سمعت صوته بيرد على أمه، اتجمدت مكاني. ـ متقلقيش يا أمي، شوفتها وعجبتني. صوت أمه اتغير، وبان عليه الاستغراب. ـ شوفتها كيف يا ولدي؟
! دي من ساعة ما جت وهي مش لاقينها، من ساعة ما قالوا رايحين يتفرجوا على الخيل، وإحنا قلبنا عليها البيت! ضحك ضحكة خفيفة وقال بكل ثقة: ـ ما أنا لسه جاي من عند الفرسة دلوقتي. ـيعني إيه يا ولدي؟ ! إنت شوفت عروستك فين؟! ـ شوفتها في أوضتي. سكتت أمه لحظة، وبعدها قالت بصوت واطي، كأنها مش مصدقة اللي سمعته: ـ في أوضتك؟
!إنت دخلت على البت من غير ما نعزف يا واد إنت ولا اية؟! رد عليها ببرود وضحكة مستفزة ياريت يا امي بس متقلقيش، لسة معملتهاش بس هغملها قريب كل الموضوع اني دخلت أوضتي يا أمي، ولقيت واحدة بتستحمى في حمامي، وبدل ما تسألني أنا مين، فضلت تطردني من بيتي!فضلت اسمعهم وفي الرقت دا انا حطيت إيدي على بوقي بالعافية عشان ما أصرخش. يا نهار أسود! هو فاكرني عروسته؟!
والأدهى من كده إنه حكى لأمه اللي حصل بكل بساطة، وكأنه كان بيتكلم عن حالة الجو! سمعت أمه بتشهق وتقول: ـ يا مصيبتي يا ابني! وإنت عرفت منين إنها عروستك؟! ما يمكن تكون واحدة من صاحباتها؟ ! رد بسرعة، وبثقة خلت الدم ينشف في عروقي: ـ صاحباتها إيه يا أمي؟! هي اللي كانت في أوضتي، ولما سألتها قالتلي إنها معزومة هنا في الصعيد.
وبعدين أنا مش هتجوز غير اللي شوفتها مهما حصل. أمه ضربت كف بكف وقالت إنت لسه ما تعرفش اسمها حتى عرفت منين انها العروسة ومتأكد اكده ؟! ـالاسم سهل يا أمي، هعرفه على الغدا. المهم إني ارتحتلها. ـارتحتلها؟!علي بركة الله يا ابني إنت بقالك شهر رافض الجوازة دي، وقالب علينا البيت، وكل ما أبوك يفتح معاك السيرة تقوم سايب المجلس وماشي!
ودلوقتي بتقول ارتحتلها من مقابلة دقيقتين؟! صوته اتغير فجأة، وبقى جاد على غير عادته. ـ عشان أنا مش عايز أتجوز واحدة لمجرد إن أبويا اختارها ليا، ولا عايز أظلم بنت مالهاش ذنب بس البنت دي... فيها حاجة مختلفة خطفتني كيف الجنيه يا أمي لما سمعت كلامة وانا ورا الباب قلبي دق جامد من غير ما أفهم السبب، يمكن من طريقته وهو بيتكلم، ويمكن لأني لأول مرة أحس إن الموضوع أكبر من مجرد سوء تفاهم سخيف.
لكن أمه ما سابتلوش فرصة يكمل وقالت . ـ وإنت عرفت منين إنها مختلفة يا عين أمك؟! دي حتى اسمها ما سألتهاش عنه! ضحك وقال: ـ أهو النهاردة هسألها، وإنتِي هتساعديني يا أمي. ـ أساعدك في إيه؟! ـ في إنك تقنعي أبويا إن الجوازة دي تتمولا اقولك اية رايك ادهل الاوصة تاني اسألها اسمك اية. . اتسعت عيني بذهول، وحسيت إن الأرض بتلف بيا. يا لهوي!
دا عايز يدخل يسالني عن اسمي والمصيبة انه مش بس فاكرني عروسته... ده ناوي يتجوزني كمان! حطيت إيدي على رأسي، وبدأت أتمتم لنفسي: ـ يا رب استرها معايا! أنا جاية زيارة لصاحبتي يومين، مش جاية أتجوز كبير البلد! وفجأة، سمعت صوت أمه بيقرب من باب الأوضة. ـ طب اسمع يا ولدي، إنت اتأكد الأول، عشان لو طلعت مش هي البنت اللي أبوك مختارها ليك، هتبقى عملت مصيبة.
رد بكل ثقة: ـ حتي لو مطلعتش هي، هتجوزها يعني هتحوزها. ـ طب والبنت اللي أبوك مختارها؟! سكت لحظة، وبعدها قال بلهجة حاسمة: ـ البنت اللي هتجوزها لازم تكون أنا اللي عايزها، مش عشان اسم عيلتها ولا عشان أرض أبوها. وأنا لو لقيت اللي تريح قلبي، محدش هيقدر يجبرني أسيبها. حسيت بحاجة غريبة وأنا بسمعه، لكني رجعت فوقت لنفسي بسرعة. هو أنا مالي أصلًا؟! ده بني آدم شافني دقيقتين وقرر يتجوزني!
ده محتاج حد يفوقه، مش عروسة! رجعت خطوتين لورا عشان أبعد عن الباب، لكن رجلي خبطت في سلة الغسيل، فوقعت على الأرض بصوت عالي في الحمام كله. سكت الكلام بره مرة واحدة. وبعدين سمعت صوته: ـ مين جوه؟! بلعت ريقي، وفضلت ساكتة. خبط على الباب خبطتين، وقال: ـ إنتِي يا صاحبة الحمام؟! إنتِي لسه جوه؟!
كنت هرد عليه وأقوله إنه قليل الأدب وإنه يتعلم يخبط قبل ما يدخل على الناس، لكن أمه سبقته وقالت: ـ يا واد، سيب البنت في حالها! هو إنت هتفضل واقف على باب الحمام كمان؟! رد عليها وهو بيضحك: ـ ما أنا بس بطمن إنها ما تكونش هربت من الشباك! جزّيت على سناني من الغيظ.
هربت من الشباك؟! والله لو خرجت هسيبلك البيت كله وأمشي، بس الأول لازم أفهم أنا في أنهي مصيبة! سمعت خطواته بتبعد، وبعدها صوت أمه وهي بتنادي على الخدم: ـ، جهزوا السفرة، وبلغوا الحاج إن ولده أخيرًا وافق يقعد مع العروسة على الغدا! اتسعت عيني، وصرخت بصوت مكتوم: ـ يا خراب بيتك يا صاحبيتي! إنتِي جايباني على جوازة من ورايا ولا إيه؟
! طلعت موبايلي بسرعة، واتصلت بصاحبتي للمرة الخامسة، لكن تليفونها كان مقفول. بعتلها رسالة وأنا إيدي بتترعش: «إنتِي فين يا زفتة؟! إنتِي فاهمة المصيبة اللي أنا فيها؟! ابن الناس فاكرني عروسته، وأمه بتجهزني للغدا، ولو ما ظهرتيش حالًا أنا هخرج أقولهم الحقيقة بنفسي! » ما لحقتش أبعت الرسالة التانية، إلا وسمعت خبط خفيف على باب الحمام. ـ يا بنتي، إنتِي خلصتي؟! كان صوت ست كبيرة، غالبًا واحدة من الخدم.
ـ يا بنتي، إنتِي خلصتي؟! كان صوت ست كبيرة، غالبًا واحدة من الخدم. فتحت الباب بحذر، لقيتها واقفة وهي مبتسمة ابتسامة واسعة، وفي إيدها طرحة أنيقة. ـ اتفضلي يا عروسة، ستي بتقولك تنزلي على الغدا، والكل مستنيكي. بصيتلها بذهول. ـ عروسة مين يا حاجة؟بصتلي وبعدها همست وقالت يا بنتي، هو إنتِي لسه مكسوفة؟
! ده الواد من ساعة ما شافك وهو مش على بعضه! ـ يا حاجة، والله العظيم أنا مش عروسة حد! أنا جاية مع صاحبتي، وصاحبتي هي اللي عازماني! الست بصتلي بقلق، ولفت راسها ناحية الطرقة، وبعدين قربت مني وقالت بصوت واطي: ـ طب اسمعيني يا بنتي، أنا عايشة في البيت ده من قبل ما الواد يتولد، وعارفة طباعه كويس. لو هو قال كلمة، صعب يرجع فيها، خصوصًا لما يكون مقتنع إنه لقى اللي بيدور عليها.
ـ يا نهار أبيض! هو أنا ناقصة فلسفة دلوقتي؟! أنا عايزة صاحبتي وبس! وقبل ما تكمل كلامها،ظهر هو في آخر الطرقة، لابس جلابية صعيدي غامقة، وماشي بخطوات ثابتة، وعينيه أول ما وقعت عليّا، ابتسم نفس الابتسامة مستفزة وقال. ـ اية دا العروسة طلعت من مخبأها أخيرًا! بصيتله بغيظ وقلت: ـ لو سمحت، بطل تقول عليّا عروسة! أنا مش عروستك، ومش هبقى عروستك، ومش عايزة أسمع الكلمة دي تاني!
وقف قدامي، واختفت ابتسامته للحظة، لكنه ما ردش. اكتفى إنه بصلي نظرة طويلة، وبعدها قال بهدوء: ـ طب انزلي اتغدي معانا الأول، وبعدها نتكلم. ـ مش نازلة في حتة قبل ما أعرف صاحبتي فين! ـ صاحبتك موجودة، وهتشوفيها. ـ أمال فين؟! ـ تحت. ـ تحت فين؟! ابتسم وقال: ـ في المكان اللي المفروض تكوني إنتِي فيه من أول ما وصلتي.
حسيت إن أعصابي سابت من كلامة. #بقلم_انجي_الخطيبإنت بتتكلم بالألغاز ليه؟! ما تقول كلام مفهوم! قرب خطوة، وبعدين وقف لما لاحظ إني رجعت لورا، وقال بصوت أهدى: ـ بصي، أنا مش هاجبرك على حاجة، ولا همنعك تمشي. بس قبل ما تاخدي قرار، انزلي معايا عشر دقايق، واسمعي اللي هيتقال على السفرة، وبعدها لو حبيتي تمشي، هخلي السواق يوصلك بنفسه.
بصيت في عينيه، ولأول مرة ما لقيتش فيها السخرية اللي كانت مضايقاني من أول ما شوفته. كان جاد فعلًا. وده خلاني أتردد. مش عشان كلامه أقنعني، لكن عشان كان واضح إن فيه حاجة بتحصل من ورا ضهري، وصاحبتي اختفت في أسوأ وقت كنت محتاجاها فيه . أخدت نفس طويل وقلت: عشر دقايق، مش أكتر.
هز راسه موافق، ومد إيده ناحية الطرقة، من غير ما يلمسني. ـ اتفضلي يا ست البنات. عديت من جنبه وأنا بتمتم: ـ ست البنات إيه؟! ده أنا لو خرجت من هنا سليمة هغير اسمي وأهاجر!ضحك ضحكة قصيرة، ومشي ورايا لحد ما وصلنا للسلم الواسع اللي بيطل على ساحة القصر من تحت كان البيت مليان حركة، والخدم رايحين جايين، وصوت الرجالة جاي من المجلس، وريحة الأكل الصعيدي مالية المكان.
أحب أعرفكم... دي البنت اللي أنا اخترتها. الراجل الكبير رفع عينه ببطء، وبصلي من فوق لتحت، وبعدها حط فنجان القهوة على الترابيزة وقال: ـ اخترتها إنت؟ ! من إمتى وإنت بتختار يا ولدي؟! رد من غير ما يتردد: ـ من النهارده يا أبوي. الراجل ضيق عينيه، وبعدين وجه كلامه ليا: ـ اسمك إيه يا بنتي؟
لسة كنت هـ أرد، لكن في اللحظة نفسها، سمعنا صوت بنت جاي من ورا ضهرنا، صوت أعرفه كويس، صوت كنت مستنياه من ساعة ما دخلت البيت. ـ اسمها مريم يا عمي... بس قبل ما حضرتك تسألها عن اسمها، في حاجة لازم تعرفها. اتجمدت مكاني. لفيت بسرعة، ولقيت صاحبتي واقفة عند باب الصالون، وشها شاحب وعينيها مليانة خوف. بصيتلها بصدمة وقولت :إنتِي كنتِي فين يا بنتي؟
! وإيه اللي بيحصل ده؟! لكنها ما بصتليش حتى. كانت عينيها متعلقة بالعريس، اللي ابتسامته اختفت لأول مرة من ساعة ما شوفته. أما الحاج، فقام من مكانه ببطء وقال بلهجة خلت كل اللي في الصالون يسكت: ـ اتفضلي يا بنتي... قولي اللي عندك. صاحبتي بلعت ريقها، وبصتلي لحظة، وبعدها قالت الجملة اللي قلبت وش العريس في ثانية: ـ يا عمي، البنت اللي ابنك فاكر إنها عروسته.
.. مش هي البنت اللي إنتوا جايبينها عشان يتجوزها! سكت المكان كله. العريس بصلي، وبعدين بص لصاحبتي، وقال بصوت منخفض لكنه مليان غضب: ـ يعني إيه مش هي؟! صاحبتي رفعت راسها، وردت وهي بتحاول تثبت صوتها: ـ يعني البنت اللي إنت شوفتها قررت تتجوزها من غير ما تعرف حتى اسمها. .. دي صاحبتي أنا، وجاية معايا زيارة، ومالهاش أي علاقة بالجوازة اللي أبوك مرتبها!
الحاج ضرب بعصاه على الأرض، وصوته علي في الصالون: ـ أية اللي بيحصل هنا دا ؟! العريس ما ردش. فضل باصصلي، وكأن الكلام اللي سمعه مش قادر يستوعبه، وبعد لحظات قرب مني خطوة وقال: ـ يعني كل اللي قولتيهولي كان حقيقي؟ ! إنتِي فعلًا مش عارفة أنا مين، ولا كنتِي جاية تقابليني؟!عقدت دراعاتي قدام صدري وقلت بحدة: ـ أيوه!
وكنت عايزة أخرج من الحمام من غير ما أعملك مشكلة، لكن واضح إنك إنت اللي عملتلي مشكلة بحجم الصعيد كله! لأول مرة ابتسم رغم الموقف لكن ابتسامته ما كملتش وقال. .......#انجي_الخطيباتسمرت مكاني، وحسيت إن رجلي مش شيلاني، وبصيت لهبة وأنا مش فاهمة حرف واحد من اللي بيتقال. ـ جواب إيه يا هبة؟! أبوكي مـ,ـات من سنين، إيه علاقتي أنا بجواب أبوكي؟
! هبة حطت إيديها على وشها وانهارت في العياط، بينما كريم فضل واقف بابتسامته المستفزة، كأنه مستمتع إنه بيشوفنا كلنا بنتعذب. سليم مسك الموبايل من إيده فجأة وقال بحدة: ـ إنت هتفضل ترمي كلام وتخوف الناس لحد إمتى؟! اتكلم كلام واضح! كريم حاول ياخد الموبايل منه، لكن سليم رفع إيده ومنعه. ـ ابعد إيدك يا سليم!
! هبة حطت إيديها على وشها وانهارت في العياط، بينما كريم فضل واقف بابتسامته المستفزة، كأنه مستمتع إنه بيشوفنا كلنا بنتعذب. سليم مسك الموبايل من إيده فجأة وقال بحدة: ـ إنت هتفضل ترمي كلام وتخوف الناس لحد إمتى؟! اتكلم كلام واضح! كريم حاول ياخد الموبايل منه، لكن سليم رفع إيده ومنعه. ـ ابعد إيدك يا سليم! ـ لما تتعلم تتكلم بأدب في بيت أبويا، ابقى مد إيدك.
الحاج صبري قام من مكانه بصعوبة، وعينيه كانت متعلقة بالموبايل. ـ يا كريم، التسجيل ده جبته منين؟ كريم بصله بثقة وقال: ـ من المكان اللي حضرتك فاكر إنه محدش يعرف عنه حاجة. الحاج صبري اتغير لونه، ونوال حطت إيدها على صدرها. أما أنا، فكنت حاسة إن فيه حاجة غلط، حاجة أكبر من قدرتي على الفهم، لكني ما كنتش مستعدة أسمح لحد يرميني في نص حكاية ما تخصنيش من غير ما أعرف حقيقتها.
اتقدمت خطوة وقلت: ـ أنا مش هتحرك من هنا قبل ما أفهم. كريم، إنت بتقول إني خبّيت جواب أبو هبة؟ إمتى؟ وفين؟ وإنت تعرفني منين أصلًا؟ بصلي من فوق لتحت وقال: ـ إنتِ متعرفيش، بس أنا أعرف عنك حاجات كتير. ـ زي إيه؟ ابتسم. ـ زي إن والدك الله يرحمه كان شريك قديم للحاج صبري، وإن فيه ورق اختفى قبل ما يتوفى، وإن الورق ده لو ظهر، ممكن ناس كتير تخسر كل اللي معاها.
بصيت للحاج صبري، ولقيته شاحب بشكل يخوف. ـ بابا كان شريك مين؟! سليم لف ناحيتي بسرعة. ـ إنتِ ما تعرفيش إن والدك كان شريك أبويا؟ هزيت راسي وأنا مش قادرة أستوعب. ـ بابا كان موظف حسابات في شركة صغيرة في القاهرة، ومات وأنا عندي سبع سنين. طول عمرنا عايشين على قدنا، وماما عمرها ما قالتلي إن ليه شراكة مع حد. الحاج صبري قعد على كرسيه تاني، كأنه فجأة كبر عشرين سنة. ـ الله يرحمه عماد.
.. كان راجل أمين، وعمره ما أكل حق حد. كريم ضحك بسخرية. ـ أهو ده اللي إحنا بنقوله من سنين! بس يا ترى لو كان أمين أوي كده، ليه اختفى الورق اللي يثبت حسابات الشركة؟ سليم قرب منه، وصوته بقى أخطر. ـ إياك تتكلم عن الراجل ده بالطريقة دي من غير دليل. ـ إنت مالك؟ ! هو أبوك اللي علمك تدافع عن الغريب وتسيب ابن عمك؟
ـ أنا بدافع عن الحق، واللي مش عاجبه يثبت العكس. في اللحظة دي، نوال قامت من مكانها، ومشيت ناحيتي، ومسكت إيدي بحنان. ـ تعالي يا بنتي، اقعدي هنا. إنتِ مالكيش ذنب في اللي بيحصل. كنت محتاجة حد يقولي الجملة دي أكتر ما كنت متخيلة. قعدت جنبها، وأنا بحاول أمنع دموعي تنزل. لكن هبة فجأة رفعت راسها وقالت: ـ أنا اللي خبيت الجواب.
كلنا بصينا لها. كريم ابتسامته اختفت. ـ إنتِ بتقولي إيه يا هبة؟ مسحت دموعها، وبصت لأخوها بوجع. ـ بقول الحقيقة اللي إنت خايف منها. أنا اللي خبيت جواب بابا، ومريم ما تعرفش أي حاجة عنه. كريم قرب منها بعصبية. ـ إنتِ اتجننتي؟! سليم وقف في طريقه. ـ مكانك! هبة كملت كلامها وهي بتعيط: ـ قبل ما بابا يمـ,ـوت بشهر، اداني جواب وقاللي أحافظ عليه، وما أسلموش لحد غير لما أتأكد إن الشخص اللي هياخده مش هيستخدمه في أذية حد.
وبعد وفاته، خفت. خفت من اللي كان بيحصل في البيت، وخفت منك إنت بالذات يا كريم. كريم رفع إيده كأنه هيقاطعها، لكنها صرخت: ـ لأ! المرادي هتكلم! أنا سكت سنين عشان كنت فاكرة إنك أخويا وإنك ممكن تتغير، لكن إنت كل يوم بتثبتلي إنك مستعد تبيع أي حد عشان الفلوس! الحاج صبري ضرب بعصاه على الأرض.
ـ هبة! الجواب فين؟ هبة نزلت عينيها وقالت: ـ مش معايا. كريم ابتسم ابتسامة انتصار. ـ أهو! يعني هي كمان مخبياه، وكلنا بنتكلم عن مريم ليه بقى؟ هبة رفعت عينيها وقالت: ـ الجواب مع مريم. حسيت إن قلبي وقع مني. ـ أنا؟ ! ـ أيوه يا مريم. بس إنتِ ما تعرفيش. قومت من مكاني، وقلت بعصبية: ـ يا هبة، إنتِ صاحبة عمري! لو فيه حاجة تخصني، كان لازم تقوليلي من الأول!
أنا من ساعة ما دخلت البيت ده وأنا كل شوية أسمع مصيبة جديدة، ومحدش فيكم بيشرحلي حاجة! هبة مسكت إيدي. ـ حقك عليا يا مريم، والله كنت هقولك، بس ما كنتش أعرف أبدأ منين. ـ ابدئي من الآخر! الجواب معايا إزاي؟ هبة أخدت نفس طويل، وبصتلي في عيني. ـ فاكرة السلسلة اللي إنتِ لابساها من وإنتِ صغيرة؟
حطيت إيدي على رقبتي بشكل تلقائي. السلسلة كانت فضة قديمة، فيها تعليقة صغيرة على شكل مفتاح. بابا كان جابهالي قبل ما يمـ,ـوت، وماما كانت دايمًا تقوللي إنه أغلى حاجة سابهالي، وعمرها ما سمحتلي أخلعها. ـ أيوه، مالها؟ هبة قالت بصوت مرتعش: ـ المفتاح اللي في السلسلة دي بيفتح صندوق صغير، والصندوق ده فيه الجواب الأصلي وأوراق الشراكة.
حطيت إيدي على فمي، وفضلت باصة لها وأنا مش مصدقة. ـ وإنتِ عرفتي الكلام ده منين؟ ـ بابا قاللي قبل ما يمـ,ـوت، وإن الصندوق اتساب عند والدتك أمانة. بعد وفاته، والدتك رفضت تسلمني أي حاجة، وقالتلي إنها هتحتفظ بيها لحد ما تكبري وتقدري تعرفي الحقيقة بنفسك. كريم ضحك ضحكة عالية. ـ جميل! يعني بنت عماد معاها الورق، ومراته كانت مخبياه! طب ما نروح نجيبه ونخلص من الفيلم ده!
سليم مسكه من دراعه بقوة. ـ محدش هيروح في حتة، ومحدش هيقرب من مريم ولا من أهلها. الورق ده مش هيتاخد بالعافية. كريم حاول يفلت منه. ـ إنت اتجننت عشان بنت شوفتها من ساعتين؟! سليم سابه، وبصله بثبات. ـ أنا ممكن أختلف معاك في أي حاجة، لكن عمري ما هسمحلك تخوف واحدة ملهاش ذنب عشان تحقق مصلحتك.
! سليم سابه، وبصله بثبات. ـ أنا ممكن أختلف معاك في أي حاجة، لكن عمري ما هسمحلك تخوف واحدة ملهاش ذنب عشان تحقق مصلحتك. بصيت لسليم، ولأول مرة حسيت إن كلامه مش مجرد استعراض قدام الناس. كان واقف فعلًا عشان يمنع أذى ممكن يحصل. لكن ده ما كانش معناه إني نسيت اللي عمله من ساعة ما دخل عليا الحمام!
لفيت ناحيته وقلت: ـ متشكرة إنك بتدافع عني، بس أنا مش محتاجة حد يقرر عني أنا هعمل إيه. أنا اللي هكلم ماما، وأنا اللي هعرف الحقيقة. هز راسه فورًا. ـ عندك حق. الرد البسيط ده خلاني أسكت. كنت متوقعة يجادلني أو يقوللي إنه أدرى مني، لكنه اكتفى بكلمتين. سليم كمل: ـ خدي وقتك، وكلمي والدتك، ولو حبيتي ترجعي القاهرة دلوقتي، السواق هيوصلك لحد باب بيتك.
ومحدش هنا هيضغط عليكي. كريم بصله باستهزاء. ـ يا سلام على الأخلاق! طب يا سيدي، ما دام إنت بقيت حامي حمى العيلة، خد بالك من نفسك. لأن الموضوع مش هيقف عند جواب. وبص للحاج صبري وأضاف: ـ الخميس قرب، يا حاج. ولو الورق ما ظهرش قبلها، في ناس مش هتسكت. وبعدين خرج من الصالون، وساب وراه صمت تقيل.
أنا فضلت واقفة مكاني، ومش عارفة أبدأ منين. نوال قربت مني، ومسحت على كتفي وقالت: ـ يا بنتي، إنتِ لازم ترتاحي شوية. كل حاجة هتتحل بإذن الله. بصيتلها وقلت: ـ أنا لازم أكلم ماما حالًا. طلعت موبايلي، واتصلت بيها. أول مرة ما ردتش، والتانية كمان، لكن في المرة التالتة سمعت صوتها. ـ أيوه يا مريم يا حبيبتي، وصلتي عند هبة؟ صوتها كان طبيعي لدرجة إني حسيت إني هعيط.
ـ أيوه يا ماما، بس محتاجة أسألك سؤال مهم. ـ خير يا بنتي؟ ـ بابا كان شريك للحاج صبري الصاوي؟ سكتت. سكتة قصيرة، لكنها كانت كفاية تخليني أعرف إنها عارفة. ـ إنتِ عرفتي الكلام ده منين؟ غمضت عيني، وقلت: ـ يعني الكلام صح؟ سمعتها بتاخد نفس طويل. ـ أيوه يا مريم. أبوكي كان شريك في شركة مع الحاج صبري، بس الحكاية قديمة، وأنا ما كنتش عايزة أفتحها تاني.
ـ ليه يا ماما؟ وليه ما قولتيليش؟ ـ عشان كنت خايفة عليكي. ـ خايفة عليا من إيه؟! صوتها اتكسر. ـ من الناس اللي ظلمت أبوكي، ومن اللي حصل بعد مـ,ـوته. حسيت إن قلبي اتعصر. ـ بابا مـ,ـات بسبب حد؟ ـ لأ يا حبيبتي، أبوكي مـ,ـات في حادثة عربية، بس قبلها كان فيه مشاكل في الشركة، وكان فيه ناس عايزة تجبره يوقّع على ورق مش سليم. هو رفض، وبعدها بأيام حصلت الحادثة.
حطيت إيدي على صدري. ـ وإنتِ كنتِ تعرفي كل ده وساكتة؟ ـ كنت خايفة، يا مريم. كنت لوحدي ومعايا طفلة صغيرة، وما كانش عندي دليل أقدر أواجه بيه حد. صوتها بقى أوطى. ـ الصندوق عندي لحد دلوقتي، يا بنتي. بصيت لهبة، اللي كانت واقفة جنبي وبتعيط في صمت. ـ ماما، أنا لازم أشوف الصندوق. ـ إنتِ في الصعيد؟ ـ أيوه.
سليم كان واقف بعيد، وسايبلي مساحة أتكلم براحتى، لكنه أول ما شافني بحاول أتماسك، قرب وقال: ـ مريم، تحبي تطلعي ترتاحي؟ بصيتله وقلت: ـ إنت ليه مهتم أوي بالموضوع؟ ابتسم ابتسامة صغيرة. ـ عشان إنتِ ضيفتي، واللي بيحصل ده مش ذنبك. ـ بس إنت قلت لأمك إنك عايز تتجوزني! ابتسامته اختفت، وبعدين حط إيده في جيبه وقال: ـ أيوه، قلت كده.
ـ وإنت تعرفني من إمتى عشان تاخد قرار زي ده؟ ـ من ساعة ما شوفتك. ضحكت بسخرية. ـ يا سلام! يعني شفتني وأنا مستخبية ورا ستارة الحمام، وقررت إني أنسب واحدة ليك؟ ابتسم رغم إحراجه. ـ لما تقوليها كده، الموضوع فعلًا شكله كارثي. ـ كارثي؟! ده محتاج لجنة تحقيق! ضحك، وبعدها بقى جاد. ـ بصي يا مريم، أنا مش هكدب عليكي.
أول ما شوفتك حسيت بحاجة مختلفة، لكن ده ما يدينيش الحق أفرض عليكي أي حاجة. أنا اتسرعت، وغلطت، ولو إنتِ مش عايزة تشوفيني تاني، هحترم ده. بصيتله شوية، وبعدين قلت: ـ كويس إنك فاهم. هز راسه. ـ بس عندي طلب. رفعت حاجبي. ـ طلب إيه؟ ـ لما تخرجي من هنا، ما تفتكريش إن كل رجالة الصعيد بيخشوا على البنات الحمام من غير ما يخبطوا.
رغم غضبي، ضحكت غصب عني. ـ لأ، دي هتفضل علامة مسجلة باسمك إنت. ضحك وقال: ـ أستاهل. ولأول مرة من ساعة ما دخلت البيت، حسيت إن الجو خف شوية. لكن اللي ما كنتش أعرفه إن الليلة دي كانت مجرد بداية لحكاية أكبر بكتير من جوازة بالغلط. الفصل التاني: صندوق الأسرار بعد ساعة، كنت قاعدة في أوضة واسعة في الدور التاني، وهبة جنبي بتحاول تشرحلي كل اللي حصل في السنين اللي فاتت.
قالتلي إن والدها، الحاج عبد الرحيم، كان شريك الحاج صبري في تجارة الأراضي ومحاصيل القصب، وإن الشراكة كانت ناجحة لحد ما ظهرت خلافات بسبب حسابات مش مفهومة. ـ بابا كان بيقول إن فيه فلوس بتختفي من الشركة، وإن حد بيزوّر الإمضا بتاعته على أوراق استلام، لكن ما كانش عنده دليل كفاية.
سألتها: ـ وكريم كان يعرف؟ هبة بصت للأرض. ـ كريم كان صغير وقتها، بس كان قريب من واحد اسمه فؤاد، محاسب الشركة. وبعد وفاة بابا، فؤاد اختفى فترة، وبعدين رجع واشتغل مع كريم في تجارة الأراضي. ـ وإنتِ ليه ما قلتيش للحاج صبري؟ ـ حاولت، بس كريم كان بيهددني إنه هيأذيني ويطلعني من البيت لو اتكلمت. وأنا كنت لسه صغيرة، ومكنش عندي حد أروحله.
مسكت إيديها. ـ كان لازم تقوليلي يا هبة. إحنا أصحاب من أيام الجامعة. هزت راسها ودموعها نازلة. ـ عارفة، وأنا غلطانة. بس كنت خايفة أخسرك، وخايفة أجرّك لمشكلة مالكيش ذنب فيها. ـ أهو أنا دخلت فيها من غير ما أعرف أصلًا! ضحكت وسط دموعها، وبعدها حضنتني. ـ حقك عليا. فضلنا ساكتين شوية، لحد ما خبط خفيف جه على الباب.
ـ ربنا يحفظك يا بنتي. أنا أمينة، مربية سليم من وهو صغير. الواد ده مهما كبر، هيفضل في عيني عيل صغير. هبة ضحكت. ـ عيل صغير؟! ده لو سمعك هيتخانق معاكي. أمينة هزت راسها. ـ يتخانق براحتُه. هو فاكر إن محدش عارف إنه من يوم ما شافك وهو بيطلع وينزل على السلم كل خمس دقايق عشان يشوف إنتِ خرجتي ولا لأ. حسيت وشي سخن.
ـ يا حاجة، هو مفيش حد في البيت ده بيحافظ على الأسرار؟ أمينة ضحكت. ـ أسرار إيه يا بنتي؟ ده الواد من سنين وهو رافض الجواز، ولما يشوف بنت تعجبه، تلاقينا كلنا عارفين قبل ما هو نفسه يفهم. هبة بصتلي بمكر. ـ أهو يا ستي، يمكن ربنا بعتلك العريس من الحمام! خبطتها بالمخدة. ـ إنتِ كمان؟! والله ما أنا قاعدة معاكي في أوضة واحدة! ضحكنا كلنا، ولأول مرة قدرت أنسى المصايب شوية.
لكن أمينة قبل ما تخرج، بصتلي بجدية وقالت: ـ يا بنتي، لو هتفضلي هنا، خلي بالك من نفسك. البيت ده كبير، وفيه ناس طيبين، وفيه ناس شايلة جواها حاجات محدش يعرفها. الجملة فضلت ترن في ودني بعد ما خرجت. بالليل، نزلت أتمشى في الجنينة عشان أصفّي دماغي. القصر كان هادي، والقمر منور الأرض، والهواء فيه ريحة الزرع والتراب بعد سقاية المغرب. كنت ماشية جنب السور، لما سمعت صوت حد بيتكلم في التليفون من الناحية التانية.
ـ لأ، البنت لسه هنا. .. أيوه، ومعاها المفتاح. لازم نتصرف قبل ما الصندوق يوصل. اتجمدت مكاني. الصوت كان صوت كريم. قربت بحذر من غير ما أحس، وسمعته بيكمل: ـ مش هينفع نسيبها تفتح الصندوق. لو الورق ظهر، إحنا الاتنين هنروح في داهية. سكت شوية، وبعدها قال: ـ فؤاد، أنا مش بهزر! إنت اللي قلتلي إن كل النسخ اتخلصنا منها. أمال إيه اللي مخلي الجواب ده لسه موجود؟
! قلبي بدأ يدق بسرعة. فؤاد! ده الاسم اللي هبة قالتهولي. رجعت لورا بهدوء، لكن رجلي خبطت في أصيص زرع ووقع على الأرض. الصوت دوّى في الجنينة. كريم سكت فجأة. ـ مين هناك؟! جريت ناحية باب القصر، وكنت لسه بطلع السلم، لما لقيت سليم واقف قدامي. ـ مريم؟! إنتِ بتجري ليه؟ مسكت دراعه وقلت بصوت واطي: ـ كريم... كريم بيكلم واحد اسمه فؤاد، وبيقول إن لازم يتصرفوا قبل ما الصندوق يوصل.
ملامح سليم اتغيرت. ـ إنتِ سمعتي الكلام ده بنفسك؟ هزيت راسي. ـ أيوه. بص ناحية الجنينة، وبعدها قال: ـ ادخلي أوضتك، وما تقوليش لحد إنك سمعتي حاجة. ـ وإنت هتعمل إيه؟ ـ هتأكد من حاجة. مسكت إيده من غير ما أفكر. ـ سليم، أوعى تروح تواجهه لوحدك. بص لإيدي اللي ماسكة إيده، وبعدها رفع عينه ليا.
ـ أوعدك. فضل باصصلي لحظة، وبعدها قال: ـ تصبحي على خير يا مريم. ـ وإنت من أهله. طلعت أوضتي، لكن النوم ما جاش لعيني. كنت كل شوية أفتكر طريقته وهو بيتكلم، وابتسامته لما كنت بتخانق معاه، وبعدين أفتكر إننا لسه غرب عن بعض. أنا مش من النوع اللي بيصدق الحب من أول نظرة، ولا من النوع اللي ينسى إن الإنسان لازم يعرف اللي قدامه قبل ما يثق فيه.
لكن كان فيه حاجة في سليم بتخليني عايزة أعرفه أكتر، حتى لو كنت مصممة ما أعترفش بده لنفسي. تاني يوم الصبح، وصلت عربية خالي محمود، ونزل منها وهو شايل صندوق خشب صغير. أول ما شوفته، جريت عليه وحضنته. ـ خالو! حضني بقوة وقال: ـ وحشتيني يا بنت أختي. أمك قالتلي إنك دخلتي في مشكلة كبيرة هنا. بصيتله باستغراب. ـ ماما قالتلك إيه؟ ابتسم. ـ قالتلي إنك هتفتحي صندوق أبوكي، وإن الوقت جه تعرفي الحقيقة.
دخلنا الصالون، وكان الحاج صبري وسليم ونوال وهبة قاعدين مستنينا. خالي حط الصندوق على الترابيزة، وبصلي. ـ قبل ما نفتحه، لازم تعرفي إن أبوكي كان راجل عظيم، وعمره ما كان بيسيب حق حد. واللي هتلاقيه جوه مش مجرد ورق، ده أمانة. طلعت السلسلة من رقبتي، وفكيت التعليقة الصغيرة اللي على شكل مفتاح، وحطيته في القفل. المفتاح لف بسهولة. الصندوق اتفتح، ولقينا جواه جواب قديم، ودفتر حسابات، ومجموعة أوراق متربطة بشريط أزرق.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الجواب. كان مكتوب بخط بابا: «إلى ابنتي مريم، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى كبرتي وبقيتي قادرة تعرفي الحقيقة. أنا ما كنتش عايز أحملك هموم أكبر من سنك، لكن فيه حقوق لازم ترجع لأصحابها. شراكتي مع صبري الصاوي كانت مبنية على الثقة، لكن بعد فترة اكتشفت إن فيه حد بيزوّر الحسابات وبيسحب فلوس من الشركة من غير علمنا.
احتفظت بنسخ من المستندات، وكتبت كل اللي أعرفه في دفتر الحسابات. لو حصلي حاجة، أوعي تتنازلي عن حقك، لكن كمان أوعي تظلمي حد من غير دليل. الحقيقة لازم تظهر مهما كان تمنها.» وقفت عن القراءة، ودموعي نزلت على الورقة. سليم كان واقف جنبي، لكنه ما حاولش يواسيني بكلام كتير. اكتفى إنه مدلي منديل، وسابلي الوقت.
كملت قراءة الجواب، لحد ما وصلت لآخر سطر: «الشخص اللي كان بيزور الحسابات اسمه فؤاد، لكن فيه شخص تاني كان بيساعده من داخل العيلة، وشخص واحد بس يعرف الحقيقة كاملة. » رفعت عيني من الورقة. ـ مين الشخص ده؟ خالي محمود هز راسه. ـ أبوكي ما كتبش اسمه. الحاج صبري كان باصص للدفتر كأنه شايف شبح. ـ فؤاد... قالها بصوت مبحوح، وبعدها حط إيده على وشه.
سليم سأله: ـ إنت تعرفه يا أبوي؟ الحاج صبري رد بعد صمت طويل: ـ فؤاد كان محاسب الشركة فعلًا. لكن بعد وفاة عماد، اكتشفت عجز في الحسابات، ولما واجهته، قاللي إن عماد هو اللي كان مسؤول عن الفلوس. أنا صدقته وقتها، وده كان أكبر غلط عملته في حياتي. خالي محمود قال: ـ الورق ده يثبت إن عماد كان بيحاول يكشف الحقيقة قبل ما يمـ,ـوت.
الحاج صبري رد بعد صمت طويل: ـ فؤاد كان محاسب الشركة فعلًا. لكن بعد وفاة عماد، اكتشفت عجز في الحسابات، ولما واجهته، قاللي إن عماد هو اللي كان مسؤول عن الفلوس. أنا صدقته وقتها، وده كان أكبر غلط عملته في حياتي. خالي محمود قال: ـ الورق ده يثبت إن عماد كان بيحاول يكشف الحقيقة قبل ما يمـ,ـوت. الحاج صبري غمض عينيه. ـ ظلمت صاحبي، وظلمت بنته من غير ما أعرف.
سليم مسك الدفتر وبدأ يقلب صفحاته. وفجأة وقف عند صفحة معينة. ـ استنوا. .. فيه حاجة هنا. قربنا منه، ولقينا ورقة صغيرة مدسوسة بين الصفحات، مكتوب فيها اسم شركة وأرقام حسابات وتاريخ قديم. سليم بص لأبوه. ـ الشركة دي لسه موجودة؟ الحاج صبري هز راسه ببطء. ـ دي شركة اتأسست من سنين باسم واحد من معارف فؤاد. خالي محمود قال: ـ يبقى لازم نراجع الحسابات دي عند محاسب قانوني مستقل، ونقدّم كل الورق للجهات المختصة.
الحاج صبري وافق، لكن قبل ما نكمل كلامنا، سمعنا صوت عربية بتقف قدام القصر. وبعد ثواني، دخل كريم الصالون. أول ما شاف الصندوق مفتوح، وقف مكانه. وشه بقى أبيض، وعينيه راحت على الدفتر. ـ إنتوا فتحتوه؟! سليم وقف قدامه. ـ أيوه. والمرادي الحقيقة هتظهر. كريم حاول يتماسك، وقال: ـ إنتوا فاكرين شوية ورق هيغيروا حاجة؟ هبة ردت عليه: ـ الورق ده هيغيّر كل حاجة يا كريم.
كريم بص لها بغضب. ـ إنتِ السبب في كل ده! ـ لأ، إنت السبب. من يوم ما قررت إن الفلوس أهم من الناس. كريم مد إيده ناحية الدفتر، لكن سليم منعه. ـ إيدك بعيد. كريم اتراجع، وبعدها بصلي نظرة مليانة حقد. ـ إنتِ فاكرة إنك كسبتي؟ لسه الموضوع ما خلصش. قلتله بثبات: ـ أنا مش داخلة معاك سباق عشان أكسب. أنا عايزة حقي وحق أبويا، والباقي مش فارق معايا.
ابتسم ابتسامة باردة. ـ هنشوف. وخرج. الحاج صبري بص لسليم وقال: ـ من النهارده، محدش يتحرك في الموضوع ده لوحده. هنروح لمحامي الشركة، ونبدأ الإجراءات الرسمية. سليم هز راسه، وبعدها بصلي. ـ وإنتِ يا مريم، هتفضلي هنا لحد ما نطمن إن كل حاجة بقت آمنة. رفعت حاجبي. ـ هو أنا مش قلت إني اللي بقرر؟ ابتسم بسرعة. ـ صح. آسف. تحبي تفضلي هنا، ولا تروحي القاهرة، وإحنا نتابع الموضوع مع خالك؟
فكرت شوية، وبعدين قلت: ـ هفضل لحد ما أسلم الورق للمحامي، وبعدها هقرر. سليم قال: ـ زي ما تحبي. وفي اللحظة دي، عرفت إن الراجل اللي كنت فاكرة إنه مجرد عريس متسرع، بدأ يفهم إن احترام اختياري أهم عندي من أي كلام حلو ممكن يقوله. الفصل التالت: الليلة اللي اتقلب فيها القصر عدّى يومين، والبيت كله كان مشغول بترتيب الأوراق والتواصل مع المحامي.
كل صباح ألاقي فنجان قهوة على الترابيزة بره أوضتي، ومعاه ورقة صغيرة مكتوب فيها جملة مختلفة. أول يوم: «القهوة من غير سكر عشان ما تفتكريش إن كل حاجة في الحياة حلوة.» تاني يوم: «النهارده القهوة بسكر، عشان يمكن يومك يكون أحسن. » وتالت يوم لقيت ورقة مكتوب فيها: «لو القهوة مش عاجباكي، قوليلي. أنا مستعد أتعلم أعملها من الأول.
» ضحكت وأنا بقرأها، وقلت لنفسي: ـ يا سلام! هو ناقصني أربي عريس كمان؟ لكن الحقيقة إني كنت بستنى الورقة كل يوم. في اليوم الرابع، نزلت الجنينة بدري، ولقيته واقف جنب شجرة جوافة كبيرة، بيتكلم في التليفون. أول ما شافني، أنهى المكالمة وقال: ـ صباح الخير يا مريم. ـ صباح النور. إيه أخبار القهوة النهارده؟ ابتسم. ـ النهارده عملتها بنفسي.
بصيتله بشك. ـ يعني لو شربتها، ممكن أحتاج إسعاف؟ ضحك. ـ جربي واحكمي. مدلي الكوباية، وأخدت رشفة صغيرة، وبعدها بصيتله بجدية مصطنعة. ـ محتاجة شوية تدريب. حط إيده على قلبه. ـ كده؟! ده أنا صحيت من الفجر عشان أعملهالك! ضحكت. ـ معلش، الحقيقة أهم من المجاملات. وقفنا جنب الشجرة، والهواء كان لطيف، ولأول مرة اتكلمنا عن نفسنا بعيد عن مشاكل العيلة.
عرفت إنه درس هندسة زراعية، وإنه كان بيحب يشتغل في الأرض من وهو صغير، وإنه قضى فترة في القاهرة بعد الجامعة، لكنه رجع الصعيد لما أبوه تعب وبقى محتاج حد يساعده في إدارة المزارع. وهو عرف إني خريجة تجارة، وبشتغل في شركة تسويق في القاهرة، وبحب القراءة والكتابة، وإن نفسي أفتح مشروع صغير باسمي يومًا ما. قاللي: ـ واضح إنك مش بتستسلمي بسهولة.
ابتسمت. ـ ولا إنت. واضح إنك واخد الموضوع تحدي. هز راسه. ـ لأ، أنا كنت فاكر إن الجواز قرار ممكن آخده بالعقل، وأختار واحدة مناسبة للعيلة وخلاص. لكن لما شوفتك، اكتشفت إن الموضوع مش بالبساطة دي. بصيتله بحذر. ـ سليم، إحنا لسه ما نعرفش بعض كويس. ـ عارف. ـ ومش معنى إنك ارتحتلي إني لازم أبادلك نفس الشعور. ـ عارف.
ـ وكمان أنا مش هقبل أعيش في بيت حد يقرر عني، ولا أسيب شغلي ولا حياتي عشان أرضي حد. سليم ابتسم وقال: ـ وأنا مش عايزك تعيشي حياتك عشان ترضيني. أنا عايزك تعيشيها وإنتِ مبسوطة، ولو قررتي في يوم إن وجودي جنبك هيساعدك، هكون أسعد واحد في الدنيا. سكت، وبعدين ضحك وقال: ـ بس بشرط.
رفعت حاجبي. ـ إيه هو؟ ـ لما أعملك قهوة تاني، تقوليلي إنها حلوة حتى لو وحشة. ضحكت من قلبي، وهو فضل باصصلي كأنه كان مستني يسمع ضحكتي دي من زمان. لكن اللحظة الهادية ما كملتش. ظهر واحد من العمال بيجري ناحية سليم، ووشه مرعوب. ـ يا سليم بيه! الحق الأرض! سليم اتحرك فورًا. ـ في إيه يا عم حسن؟
وصلنا لقينا دخان طالع من شباك صغير، وعاملين بيحاولوا يطفوا النار. سليم أمرهم يبعدوا عن الباب، واتصل بالمطافي، وبعدها دخل مع واحد من العمال من الناحية التانية عشان يخرجوا أي حد ممكن يكون محبوس جوه. فضلت واقفة بره، وقلبي بيتقطع من الخوف. بعد دقائق خرج سليم، وهدومه متربة، وعلى إيده خدش بسيط. أول ما شوفته، جريت عليه.
ـ إنت اتجننت؟! إزاي تدخل مكان فيه نار بالشكل ده؟ بصلي باستغراب من خوفي، وبعدها قال: ـ كنت بتأكد إن مفيش حد جوه. مسكت إيده وبصيت للخدش. ـ وإنت مش مهم؟! لو حصلك حاجة؟ الكلام خرج مني قبل ما أفكر فيه. سليم سكت لحظة، وبعدها قال بهدوء: ـ يبقى إنتِ خايفة عليا فعلًا. رفعت عيني في عينيه، واكتشفت إني لسه ماسكة إيده. سيبتها بسرعة وقلت: ـ أنا خايفة على الناس كلها، مش إنت لوحدك. ابتسم.
ـ طبعًا، طبعًا. كنت هرد عليه، لكن صوت عربية الشرطة وصل، وبعدها نزل منها ضابط ومعاه فردين. الضابط سأل عن اللي حصل، وبدأ ياخد أقوال العمال، وبعدها قال إنهم لقوا آثار اقتحام، وإن حد حاول يحرق أوراق موجودة في المخزن. سليم بصلي، وأنا فهمت من نظرته إننا الاتنين عارفين إن الموضوع مش مجرد حادث. في المساء، اجتمعنا كلنا في الصالون.
الحاج صبري كان غاضب، وقال: ـ اللي عمل كده فاكر إنه يقدر يخوفنا، لكن أنا مش هسيبه. المحامي، الأستاذ ياسر، كان وصل بعد ما سمع بالحادثة، وراجع الأوراق اللي قدرنا ننقذها. قال: ـ واضح إن فيه حد عايز يمحي أي دليل قبل ما نقدر نثبت التلاعب في الحسابات. لكن حرق الأوراق مش هيمنعنا من استكمال التحقيق، خصوصًا إن عندنا مستندات أصلية. هبة سألت بقلق: ـ يعني كريم ممكن يكون ورا اللي حصل؟
المحامي رد بحذر: ـ ما نقدرش نتهم حد من غير دليل، لكن هنطلب من الشرطة تفحص كل الاحتمالات. سليم قال: ـ وأنا هساعد في توفير تسجيلات كاميرات المراقبة. في اللحظة دي، أمينة دخلت وهي ماسكة ظرف بني. ـ يا حاج صبري، الظرف ده لقيته تحت باب المكتب. الحاج صبري أخده وفتحه.
كان جواه صورة قديمة للحاج صبري ووالد مريم ووالد هبة، واقفين قدام الشركة، وورا الصورة مكتوب: «لو عايزين تعرفوا مين خانكم، اسألوا عن اللي كان بيحضر الاجتماعات من غير ما يكون اسمه في الدفاتر. » المحامي أخد الصورة وبص فيها بتركيز. ـ الشخص اللي كان بيحضر الاجتماعات من غير ما يكون اسمه في الدفاتر... الحاج صبري رفع عينه فجأة. ـ منصور! نوال شهقت. ـ منصور؟! أخوك يا صبري؟ سليم بص لأبوه بصدمة.
ـ عمي منصور كان ليه علاقة بالشركة؟ الحاج صبري هز راسه ببطء. ـ أخويا كان بيساعدنا في بعض الصفقات زمان، لكنه خرج من الشراكة من سنين. المحامي سأل: ـ هل كان عنده صلاحية للوصول للحسابات؟ الحاج صبري سكت، وبعدها قال: ـ كان عنده صلاحية يدخل المكتب، وكان عارف كل تفاصيل الشغل. سليم وقف من مكانه. ـ لازم نكلمه. الحاج صبري رد بحدة: ـ محدش هيكلم حد قبل ما نتأكد من كل حاجة.
ـ لازم نكلمه. الحاج صبري رد بحدة: ـ محدش هيكلم حد قبل ما نتأكد من كل حاجة. لكن أنا كنت بفكر في حاجة تانية. لو فيه شخص تالت، غير فؤاد وكريم، فده معناه إننا لسه ما عرفناش الحقيقة كاملة. والأخطر إن الشخص ده ممكن يكون أقرب لينا مما نتخيل. في اللحظة دي، تليفون هبة رن. بصت للشاشة، ووشها اتغير. ـ مين يا هبة؟ ردت بصوت مرتعش: ـ كريم.
الحاج صبري أشارلها ترد وتحط المكالمة على مكبر الصوت. هبة ضغطت على الزر، وسمعنا صوت كريم: ـ مساء الخير يا جماعة. عرفت إنكم بتدوروا على منصور. الحاج صبري قال بغضب: ـ إنت تعرف حاجة عن الموضوع ده؟ كريم ضحك. ـ أنا أعرف أكتر مما تتخيلوا. بس قبل ما أقول أي حاجة، عندي شرط. سليم رد: ـ إنت مالكش شروط هنا. ـ يبقى مش هتعرفوا الحقيقة. صوته بقى جاد.
ـ بكرة الساعة تسعة، تيجوا المخزن القديم عند ترعة البلد. من غير شرطة، ومن غير محامين. ولو ما جيتوش، الورق اللي معايا هيختفي للأبد. المكالمة اتقفلت. الصالون كله سكت. وبعدين الحاج صبري قال: ـ محدش هيروح للمكان ده. سليم رد: ـ لو معاه دليل، لازم نعرفه. المحامي اعترض: ـ من غير شرطة؟ ده ممكن يكون فخ. قلت وأنا ببص للجميع: ـ يبقى ما نروحش من غير شرطة.
نخليهم يراقبوا المكان من بعيد، ونسيب كريم يفتكر إننا مش عارفين حاجة. كلهم بصوا ناحيتي. سليم ابتسم ابتسامة فخر صغيرة وقال: ـ أهو ده التفكير السليم. بصيتله وقلت: ـ اتعلم مني. ضحك، لكن عينيه كانت فيها قلق حقيقي. لأنه كان عارف إن اللي جاي ممكن يغيّر مصير العيلة كلها. الفصل الرابع: المواجهة عند الترعة تاني يوم، الساعة تمانية ونص، كنا جاهزين نتحرك.
المحامي كان نسّق مع ضابط التحقيق عشان المكان يتراقب من بعيد، من غير ما كريم يحس بوجود الشرطة. الحاج صبري أصر ييجي بنفسه، وسليم رفض يسيبه يتحرك لوحده. أما أنا، فكنت مصممة أروح، لأن الورق اللي كريم بيتكلم عنه ممكن يكون فيه دليل يخص أبويا. سليم وقف قدامي قبل ما أركب العربية.
ـ مريم، لسه قدامك فرصة تفضلي هنا. بصيتله بثبات. ـ مش هسيب حقي لحد تاني. هز راسه. ـ كنت عارف إنك هتقولي كده. وبعدين فتحلي باب العربية وقال: ـ بس خليكي قريبة مني، ولو حسينا إن فيه خطر، هنمشي فورًا. ـ حاضر يا سيادة الحارس. ابتسم. ـ الحارس ده بيشتغل من غير مرتب.
ـ أمال إنت مستفيد إيه؟ بصلي لحظة، وبعدين قال بهدوء: ـ لسه بحاول أعرف. قلبي دق أسرع، لكني ركبت العربية من غير ما أرد. وصلنا المخزن القديم، وكان المكان مهجور، حواليه أرض زراعية وقنوات مية صغيرة. كريم كان واقف قدام الباب، ومعاه راجل كبير شوية، أول ما شفته الحاج صبري قال بصدمة: ـ منصور! منصور ابتسم ابتسامة باهتة. ـ أهلًا يا أخويا. الحاج صبري قرب منه. ـ إنت إيه اللي جابك هنا؟
قلبي دق أسرع، لكني ركبت العربية من غير ما أرد. وصلنا المخزن القديم، وكان المكان مهجور، حواليه أرض زراعية وقنوات مية صغيرة. كريم كان واقف قدام الباب، ومعاه راجل كبير شوية، أول ما شفته الحاج صبري قال بصدمة: ـ منصور! منصور ابتسم ابتسامة باهتة. ـ أهلًا يا أخويا. الحاج صبري قرب منه. ـ إنت إيه اللي جابك هنا؟
منصور رد: ـ الحقيقة يا صبري. الحقيقة اللي إنت دفنتها سنين. كريم رفع إيده بظرف. ـ قبل ما حد يتكلم، أنا عايز أقول إن كل اللي حصل كان بسبب الطمع، وإن فيه ناس كتير شاركت فيه. سليم قال: ـ اتكلم. كريم بص للحاج صبري وقال: ـ عمي منصور كان عارف إن فؤاد بيزوّر الحسابات، وكان بياخد نصيبه من الفلوس اللي بتطلع من الشركة. ولما عماد اكتشف الموضوع، قرر يفضحهم.
الحاج صبري بص لمنصور بعدم تصديق. ـ الكلام ده صحيح؟ منصور سكت. كريم كمل: ـ ولما عماد رفض يسكت، بدأوا يضغطوا عليه عشان يوقّع على ورق يحمّل نفسه المسؤولية. لكنه رفض. أنا كنت واقفة مكاني، وقلبي بيدق بعنف. ـ وإيه اللي حصل بعد كده؟ كريم بصلي، وبعدها نزل عينه. ـ بعد الحادثة اللي مـ,ـات فيها عماد، فؤاد قال إن المشكلة اتحلت، وإن محدش هيقدر يثبت حاجة. حسيت الدنيا بتلف بيا. ـ إنت بتقول إيه؟
! إنت بتلمّح إن أبويا اتقـ,ـتل؟ سليم اتحرك ناحيتي، لكنه ما لمسنيش، واكتفى إنه وقف جنبي. منصور قال بسرعة: ـ محدش قال إن الحادثة كانت مدبرة. كريم رد عليه: ـ بس إنت كنت عارف إن فؤاد هدد عماد قبلها بيومين! منصور رفع صوته: ـ أنا ما كنتش أعرف إنه هيوصل لكده! الحاج صبري كان واقف كأنه مش قادر يتنفس. ـ إنت أخويا يا منصور.
.. إزاي تسكت على ظلم صاحب عمرك؟ منصور نزل عينه. ـ كنت جبان. خفت أخسر كل حاجة، ففضلت ساكت. كريم رفع الظرف. ـ أنا معايا نسخة من مراسلات فؤاد، وفيها تفاصيل عن الفلوس اللي اتسرقت، وكمان أسماء الأشخاص اللي كانوا بيساعدوه. المحامي، اللي كان متخفي بعيد عن المكان مع الضابط، كان مستني الإشارة. لكن قبل ما نقدر نتحرك، ظهر اتنين رجالة من ورا المخزن.
واحد منهم مسك كريم من دراعه، والتاني حاول ياخد الظرف. كريم صرخ: ـ سيبوني! إنتوا بتعملوا إيه؟! سليم اندفع ناحيتهم، وأنا رجعت لورا وأنا بصرخ. كل حاجة حصلت في ثواني. واحد من الرجالة حاول يهرب ناحية الطريق، لكن الشرطة ظهرت من الجهة التانية، والضابط أمرهم يرفعوا إيديهم. الراجل التاني رمى الظرف على الأرض وحاول يجري، لكن اتقبض عليه هو كمان. كريم وقع على ركبته، وفضل يلهث.
سليم قرب منه وسأله: ـ إنت كنت عارف إنهم جايين؟ كريم هز راسه بسرعة. ـ لأ! والله ما أعرفهم! الضابط أخد الظرف، وبعد ما فحصه بشكل مبدئي، قال: ـ هنحتاج نراجع كل المستندات دي، وهنسمع أقوال الجميع في القسم. الحاج صبري بص لمنصور بوجع. ـ أنا مش قادر أصدق إن ده حصل بينا. منصور قال بصوت مكسور: ـ أنا مستعد أتحمل مسؤوليتي.
ـ أنا مش قادر أصدق إن ده حصل بينا. منصور قال بصوت مكسور: ـ أنا مستعد أتحمل مسؤوليتي. الضابط طلب منه يروح معاهم عشان يدلي بأقواله، وكريم كمان اتاخد للتحقيق، بينما الرجالة اللي حاولوا يسرقوا الظرف اتقبض عليهم. وأنا كنت واقفة جنب العربية، حاسة إن الحقيقة بدأت تظهر، لكن قلبي كان لسه موجوع. سليم قرب مني. ـ مريم، إنتِ كويسة؟ هزيت راسي، لكن دموعي كانت بتنزل. ـ أنا مش عارفة أفرح ولا أزعل.
طول عمري فاكرة إن بابا مـ,ـات في حـ,ـادثة عادية، ودلوقتي اكتشفت إنه كان بيحارب ناس ظلمته، وإن ناس تانية سكتت عن حقه. سليم قال بهدوء: ـ من حقك تزعلي. ومش مطلوب منك تسامحي حد دلوقتي. بصيتله. ـ إنت لو مكان الحاج صبري، كنت هتقدر تسامح أخوك؟ فكر شوية، وبعدها قال: ـ مش عارف. بس عارف إن السكوت عن الغلط مش معناه إننا نفضل نعيش أسرى ليه طول عمرنا.
ممكن الواحد يحاسب اللي غلط، وفي نفس الوقت ما يسمحش للغلط إنه يدمّر باقي حياته. مسحت دموعي. ـ إنت بتتكلم كأنك أكبر من سنك. ابتسم. ـ ده عشان أنا اتولدت كبير البلد. ضحكت رغم حزني. ـ رجعنا للغرور تاني! ـ أصل دي الحاجة الوحيدة اللي ما عرفتش أغيّرها. ضحكت، وهو ابتسم، لكن بعد لحظة بقى جاد. ـ مريم، عايز أقولك حاجة. بصيتله. ـ قول.
ـ أنا عارف إن اللي حصل بينا بدأ بطريقة غريبة جدًا، وعارف إني اتسرعت لما قلت إني عايز أتجوزك. بس من ساعة ما عرفتك، وأنا كل يوم بكتشف فيكي حاجة تخليني أحترمك أكتر. سكت لحظة، وبعدين كمل: ـ أنا مش هطلب منك قرار، ولا هقولك إني بحبك وإحنا لسه في بداية معرفة بعض.
بس لو سمحتيلي، نفسي أتعرف عليكي بجد، من غير ضغط، ومن غير وعود كبيرة. بصيتله طويلًا. كان ممكن أرفض، وأقول إن كل اللي حصل كفاية، وإن حياتي في القاهرة، وإن الصعيد بالنسبة لي مجرد زيارة انتهت. لكن الحقيقة إني كنت بدأت أشوف فيه شخص مختلف عن الصورة اللي رسمتها عنه أول ما دخل عليا الحمام. قلت بهدوء: ـ ممكن نتعرف، بس بشروطي. ابتسم. ـ قولي. ـ أولًا، مفيش قرارات بالنيابة عني. ـ موافق.
ـ ثانيًا، شغلي وحياتي مش هسيبهم عشان أتجوز. ـ موافق. ـ ثالثًا، مفيش دخول حمامات من غير استئذان! ضحك بصوت عالي. ـ دي بقى هتفضل تلاحقني طول عمري؟ ـ أيوه. مد إيده كأنه بيصافحني. ـ اتفقنا. بصيت لإيده، وبعدها صافحته وأنا بضحك. كانت مصافحة بسيطة، لكنها كانت أول خطوة حقيقية بينا، بعيد عن سوء الفهم والاندفاع.
لكن اللي ما كناش نعرفه إن كريم، وهو في طريقه للتحقيق، كان مخبي معلومة أخطر من كل اللي قاله. معلومة تخص حادثة وفاة أبويا نفسها. الفصل الخامس: الحقيقة اللي اتأخرت عشرين سنة عدّت أيام طويلة، والمحامي كان بيتابع التحقيقات، والشرطة جمعت مستندات وشهادات جديدة. اتضح إن فؤاد كان بالفعل متورط في تزوير حسابات الشركة، وإن منصور ساعده في إخفاء جزء من الأموال، لكنه ما كانش هو اللي دبّر حادثة وفاة أبويا.
المحامي رد بحذر: ـ الشهادة وحدها مش كفاية نجزم بده، لكن بعد مراجعة المستندات والمراسلات، التحقيقات بتراجع كل الاحتمالات من جديد. سليم سأل: ـ والشخص اللي كان سايق العربية التانية، عرفوا هويته؟ المحامي هز راسه. ـ لسه. لكن فيه اسم اتكرر في أكتر من مستند. حط ورقة قدامنا. كان الاسم: فؤاد. غمضت عيني، ودموعي نزلت. سليم قرب مني، وقال: ـ أنا معاكي يا مريم.
بصيتله، ولأول مرة ما حاولتش أخبي حزني أو أبعد عنه. قلت: ـ أنا كنت صغيرة أوي لما بابا مـ,ـات. كل اللي فاكرَاه إنه خرج الصبح، وباس راسي، وقاللي إنه راجع بدري. فضلت مستنياه لحد ما نمت، ولما صحيت لقيت ماما بتعيط. سليم سكت، وسابني أتكلم. ـ طول عمري كنت بتخيل إنه لو كان عايش، كان هيبقى فخور بيا ولا لأ. كنت نفسي أحكيله عن شغلي، وعن كل حاجة نجحت فيها.
ودلوقتي حاسة إني اتسرقت منه، واتسرقت من سنين كان المفروض أعيشها معاه. سليم قال بصوت دافي: ـ أنا متأكد إنه كان فخور بيكي، حتى لو ما شافش كل اللي حققتيه. من كلامه في الجواب، واضح إنه كان بيحبك جدًا، وإنه كان بيحاول يحميكي حتى بعد ما يمـ,ـوت. بصيتله، وابتسمت وسط دموعي. ـ إنت بتعرف تقول الكلام الصح في الوقت الصح. ابتسم. ـ دي أول مرة تحصل، غالبًا.
ضحكت، وده خفف عني شوية. بعد أسبوعين، ظهرت نتيجة التحقيقات بشكل أوضح. فؤاد اتقبض عليه بعد ما حاول يهرب، وبدأت النيابة تواجهه بالمستندات والشهادات. ومع استمرار التحقيق، اعترف بتزوير الحسابات، لكنه أنكر في البداية أي علاقة بحادثة أبويا. لكن شهادة جديدة من السواق، ومعاها سجلات قديمة، كشفت إن فؤاد كان موجود في المنطقة وقت الحادثة، وإنه حاول بعد كده يضغط على شهود عشان يسكتوا.
النيابة استكملت التحقيق، واتخذت الإجراءات القانونية اللازمة، وبقى مصير فؤاد في إيد القضاء. أما منصور، فاعترف بدوره في إخفاء بعض الحسابات، وقرر يتعاون مع التحقيق، وسلم كل المستندات اللي كانت عنده. الحاج صبري، من ناحيته، قرر يرجّع حق أبويا من غير ما يستنى حكم نهائي في كل التفاصيل المالية. استدعاني أنا وخالي محمود لمكتبه، وقال: ـ يا مريم، أبوكي كان شريك أصيل في الشركة، وحقه وحقك لازم يرجعوا.
أنا مش هقدر أرجع السنين اللي ضاعت، ولا هقدر أصلح كل الغلط اللي حصل، لكن أقدر أبدأ بإني أديكي حقك كامل. المحامي شرح لنا قيمة الحصة المالية اللي كانت مثبتة في المستندات، واتفقنا على مراجعة الحسابات بصورة مستقلة قبل إتمام التسوية القانونية. أنا ما كنتش عايزة فلوس لمجرد الفلوس. كنت عايزة الحقيقة تتثبت، واسم أبويا يرجع محترم زي ما كان.
قلت للحاج صبري: ـ أنا مش عايزة أكتر من حق بابا، ومش عايزة حد يديني حاجة من جيبه. عايزة كل حاجة تكون بالقانون. هز راسه باحترام. ـ وده حقك يا بنتي. وبعدين سكت، وبعدها قال: ـ أنا عارف إن الاعتذار مش هيكفي، بس أنا آسف إني صدقت كلام فؤاد زمان، وآسف إني ما دورتش على الحقيقة أكتر.
استدعاني أنا وخالي محمود لمكتبه، وقال: ـ يا مريم، أبوكي كان شريك أصيل في الشركة، وحقه وحقك لازم يرجعوا. أنا مش هقدر أرجع السنين اللي ضاعت، ولا هقدر أصلح كل الغلط اللي حصل، لكن أقدر أبدأ بإني أديكي حقك كامل. المحامي شرح لنا قيمة الحصة المالية اللي كانت مثبتة في المستندات، واتفقنا على مراجعة الحسابات بصورة مستقلة قبل إتمام التسوية القانونية. أنا ما كنتش عايزة فلوس لمجرد الفلوس.
كنت عايزة الحقيقة تتثبت، واسم أبويا يرجع محترم زي ما كان. قلت للحاج صبري: ـ أنا مش عايزة أكتر من حق بابا، ومش عايزة حد يديني حاجة من جيبه. عايزة كل حاجة تكون بالقانون. هز راسه باحترام. ـ وده حقك يا بنتي. وبعدين سكت، وبعدها قال: ـ أنا عارف إن الاعتذار مش هيكفي، بس أنا آسف إني صدقت كلام فؤاد زمان، وآسف إني ما دورتش على الحقيقة أكتر.
بصيتله وقلت: ـ أنا مقدرة اعتذارك يا حاج، بس اللي حصل علّمنا كلنا إن الثقة من غير دليل ممكن تظلم ناس بريئة. دموعه لمعت في عينيه. ـ عندك حق. خرجت من المكتب وأنا حاسة إن حمل كبير اتشال من على صدري. لكن رغم إن الحقيقة بدأت تظهر، كان لسه فيه قرار لازم آخده. كنت هارجع القاهرة، لحياتي وشغلي، وسليم كان عارف إن اللحظة دي قربت.
في الليلة اللي قبل سفري، لقيته مستنيني في الجنينة، جنب نفس شجرة الجوافة اللي وقفنا عندها أول مرة واتكلمنا من غير مشاكل. كان ماسك علبة صغيرة. أول ما شافني، ابتسم وقال: ـ مساء الخير يا صاحبة القهوة الوحشة. ضحكت. ـ مساء النور يا أستاذ القهوة. قعدنا على كرسيين تحت الشجرة، وهو حط العلبة على الترابيزة. سألته: ـ إيه ده؟
ـ افتحي وشوفي. فتحت العلبة، ولقيت جواها سلسلة فضة رقيقة، فيها تعليقة صغيرة على شكل كتاب مفتوح. بصيتله باستغراب. ـ إيه المناسبة؟ قال: ـ عرفت إنك بتحبي القراءة والكتابة، وإن نفسك تفتحي مشروع خاص بيكي. فقلت أجيبلك حاجة تفكرك إن أحلامك مش لازم تستنى لحد ما كل مشاكل الدنيا تخلص. حسيت بتأثر كبير. ـ سليم، الهدية جميلة، بس أنا مش عايزة أحس إنك بتحاول تكسبني بالهدايا. هز راسه. ـ وأنا مش عايزك تحسي بكده.
دي هدية بسيطة، من غير مقابل، ومن غير ما أستنى منك أي قرار. بصيتله طويلًا، وبعدها قلت: ـ أنا هسافر بكرة. ابتسامته هديت. ـ عارف. ـ هرجع شغلي، وهرتب حياتي، ومش هقدر أفضل هنا. قال بهدوء: ـ وده حقك. سكت شوية، وبعدين سأل: ـ ينفع أزورك في القاهرة؟ قلبي دق أسرع. ـ عشان إيه؟ ابتسم. ـ عشان أتعلم أعمل قهوة كويسة، وأثبتلك إني مش مجرد واحد دخل عليكي الحمام بالغلط.
بصلي بمكر. ـ حتى دي مش عايزة مساعدة؟ ابتسمت. ـ واحدة واحدة يا سليم. رفع إيده باستسلام. ـ حاضر يا ست مريم. وقبل ما أمشي، بصيتله وقلت: ـ على فكرة، أنا موافقة أخد الهدية. ابتسم. ـ أخيرًا خبر حلو! ـ بس عشان عجبتني، مش عشان إنت اللي جايبها. ضحك. ـ هنعتبرها بداية. ومشيت ناحية القصر، وأنا لأول مرة من سنين بحس إن قلبي ممكن يفتح بابه لحد جديد.
الفصل السادس: لما الحب يختبر أصحابه رجعت القاهرة، ورجعت لشغلي، وحاولت أرجع لحياتي الطبيعية. لكن حياتي ما بقتش زي الأول. سليم كان بيتصل كل يوم، وأحيانًا يبعتلي صور من الأرض، أو يحكيلي عن موقف حصل معاه في البلد، أو يسألني عن يومي. في البداية كنت برد باختصار، لكن مع الوقت بقيت أحكي له تفاصيل أكتر.
عرفت إنه بيحب الأطفال، وإنه بيتبرع بجزء من أرباح المزرعة لتجهيز فصل دراسي في قرية قريبة، وإنه رغم عصبيته، عنده جانب هادي ومش بيحب يتكلم عنه كتير. وهو عرف إني لما بزعل بسكت، وإن أكتر حاجة بتضايقني إن حد يقلل من شغلي أو يتعامل معايا كأني مش قادرة أقرر لنفسي. بعد شهر، جه القاهرة فعلًا. قابلني قدام الشركة، وكان لابس قميص بسيط وبنطلون غامق، وماسك كيس صغير.
أول ما شوفته، ضحكت. ـ إيه ده؟ إنت جيت بجد؟ قال وهو بيفتح دراعاته باستسلام: ـ لأ، ده خيالك الباطن. طبعًا جيت! ضحكت، وسألته: ـ جايب إيه؟ رفع الكيس. ـ قهوة. بصيتله بشك. ـ إنت لسه مصمم على الموضوع ده؟ ـ أيوه. جبت نوع جديد، وقالولي إنه ممتاز. خدته منه، وبصيت جوه.
ـ طب تعالى نشوف هتنجح المرة دي ولا لأ. مشينا لكافيه قريب من الشركة، وقعدنا نتكلم ساعات. ما حاولش يضغط عليا، ولا فتح موضوع الجواز غير مرة واحدة، لما سألني بهدوء: ـ إنتِ شايفة إن ممكن في يوم نكون أكتر من أصحاب؟ فكرت شوية، وبعدين قلت: ـ أنا مرتاحة معاك، وبحب كلامنا، وبحس إنك بتسمعني. بس الحب بالنسبة لي مش مجرد راحة أو إعجاب.
أنا محتاجة وقت أشوفك في مواقف مختلفة، وأعرف إن اللي بتقوله النهارده هتفضل مقتنع بيه بكرة. ابتسم وقال: ـ وده حقك. أنا مش مستعجل. بعدها بدأ يزور القاهرة كل فترة، وأحيانًا كنت أنا أروح الصعيد مع هبة لما نكون محتاجين نتابع بعض الإجراءات. بالتدريج، بقيت أعرف أهله أكتر. نوال كانت بتعاملني بحنان، وأمينة كانت كل ما تشوفني تقول: ـ أهو الواد أخيرًا بطل يرفض الجواز!
وأنا أرد عليها: ـ لسه يا حاجة، ما تستعجليش. فتضحك وتقول: ـ يا بنتي، أنا مستنية اليوم اللي أزغردلك فيه. لكن اختبار حقيقي ظهر لما جالي عرض شغل مهم في شركة كبيرة، بمرتب أعلى ومسؤوليات أكبر، وكان معناه إني هسافر كتير وأشتغل لساعات طويلة. كنت متحمسة، لكن قلقة من رد فعل سليم. لما حكيتله، سكت لحظة، وبعدين سألني: ـ إنتِ عايزة تقبلي؟
ابتسم. ـ مريم، أنا مش عايز أبقى سبب إنك ترفضي فرصة إنتِ بتحلمي بيها. لو علاقتنا قوية، هنلاقي طريقة نكمل بيها. الكلام ده خلاني أحبه أكتر، رغم إني ما قلتلوش. لكن بعد أسبوع، حصل موقف خلاني أكتشف إن مش كل الناس كانت بتتمنى لينا الخير. كنت في اجتماع مهم في الشركة، لما وصلتني رسالة من رقم غريب فيها صورة لسليم واقف جنب بنت أنيقة في مناسبة عائلية، وتحتها جملة: «العريس اللي بتضيعي وقتك معاه، أهله اختاروله عروسة من زمان.
اسأليه هو بيخبي عنك إيه.» حسيت بغصة في قلبي. ما رديتش على الرسالة، لكن طول الاجتماع ما كنتش مركزة. بعد ما خلصت، اتصلت بسليم. رد بسرعة: ـ أيوه يا مريم، خير؟ سألته مباشرة: ـ فيه بنت اسمها رنا؟ سكت لحظة. ـ أيوه، بنت عمتي. مالها؟ ـ أهلك اختاروها ليك عروسة؟ سكت مرة تانية، وبعدها قال: ـ الموضوع ده كان من زمان، قبل ما أعرفك.
أبويا كان بيتكلم مع أهلها، لكن أنا رفضت من البداية، وقلتله إني مش هتجوز حد لمجرد إن العيلتين متفقين. حسيت إن فيه حاجة جوايا هديت، لكني كنت لسه زعلانة إنه ما حكاليش. ـ وليه ما قلتليش؟ ـ عشان الموضوع انتهى من زمان، وما حبيتش أفتح سيرة ملهاش لازمة. قلتله بحدة: ـ بالنسبة لك ملهاش لازمة، لكن بالنسبة ليا أنا مش عايزة أكتشف حاجات عنك من ناس غريبة.
سليم سكت، وبعدها قال: ـ عندك حق. كان المفروض أقولك. أنا آسف. ما كنتش عايزة أتكلم أكتر وأنا متضايقة، فقلت: ـ محتاجة أفكر شوية. وقبل ما أقفل، سمعته بيقول: ـ مريم، أنا مش هضغط عليكي. بس أوعي تحكمي عليا من رسالة مجهولة من غير ما تسمعي مني كل حاجة. قفلت المكالمة، وقعدت أفكر.
بعد يومين، عرفت من هبة إن رنا نفسها كانت بتحاول تقرب من سليم، وإنها زعلانة من رفضه، وإنها قالت لأكتر من حد إنها مش هتسيبه يتجوز واحدة من بره العيلة. اتصلت بسليم وطلبت أقابله. جالي القاهرة في نفس اليوم. قعدنا في مكان هادي، وبصيتله وقلت: ـ أنا مش زعلانة إن كان فيه بنت أهلك اختاروها ليك قبل ما تعرفني. أنا زعلانة إنك ما حكيتليش. هز راسه. ـ أنا فاهم. ومش هبرر لنفسي.
أنا اتعودت أتعامل مع المشاكل لوحدي، وافتكرت إن طالما الموضوع انتهى، مش لازم أحكيه. بس إنتِ مش أي حد في حياتي، ومن حقك تعرفي الحاجات اللي ممكن تأثر علينا. بصيتله شوية، وبعدها قلت: ـ أنا مش عايزة علاقة كلها أسرار. رد بسرعة: ـ وأنا مش عايز أخبي عنك حاجة. من النهارده، أي موضوع يخصني ويخص حياتي، هحكيلك عنه. مد إيده فوق الترابيزة، لكنه ما مسكش إيدي غير لما أنا حطيت إيدي في إيده.
وخلال اللقاء، اعترفت رنا إنها كانت عارفة إن كريم بيحاول يضغط على سليم عشان يبعد عني، وإنها ساعدته في نشر الإشاعة لأنها كانت فاكرة إن سليم هيرجع يفكر في الجواز منها. نوال بصتلها بحزن وقالت: ـ يا بنتي، الحب مش إنك تكسري حد عشان تاخدي مكانه. الحب إنك تتمني الخير للي بتحبيه، حتى لو الخير ده مش معاكي. رنا عيطت، واعتذرت، وبعدها قررت تبعد عن الموضوع كله.
لما سليم حكى لي اللي حصل، قلتله: ـ كويس إنك واجهت الموضوع بهدوء. ابتسم. ـ اتعلمت منك. ـ أخيرًا اعترفت! ضحك. ـ ما تفرحيش أوي، لسه قدامي كتير. ومع مرور الوقت، بقيت مشاعري ناحيته أوضح. لكن قبل ما أقول له إني بحبه، كان لازم أتأكد من حاجة واحدة. هل أنا بحبه هو فعلًا، ولا بحب إحساسي إني لقيت حد بيحترمني وبيسمعني؟ والإجابة ما كانتش هتظهر في كلامنا الحلو، لكنها ظهرت في أصعب يوم مرّ علينا.
الفصل السابع: يوم الاختيار الحقيقي بعد شهور من التحقيقات، صدر قرار بإحالة المتهمين في قضية التلاعب المالي للمحاكمة، واستمرت الإجراءات الخاصة بالأموال وحقوق الشركاء. أما قضية وفاة أبويا، فكانت لسه محتاجة استكمال أدلة وشهادات، لكن لأول مرة بقى فيه تحقيق جاد بدل ما الحكاية تتقفل باعتبارها حادثة عادية. في الوقت نفسه، كنت بدأت شغلي الجديد، وبقيت أسافر كتير، وأحيانًا ما كنتش بلحق أرد على سليم غير آخر اليوم.
كان بيتفهم، لكني بدأت ألاحظ إنه بقى قليل الكلام، وإن فيه حاجة شاغلاه. لما سألته، قال إن الحاج صبري تعبان، وإنه محتاج يفضل في الصعيد فترة عشان يدير الشغل. قلتله: ـ طب ما أنا أقدر أجيلك في الإجازة. رد: ـ مش لازم تتعبي نفسك. استغربت. ـ إيه اللي حصل؟ إنت من إمتى بتقوللي ما تجيش؟ سكت شوية، وبعدين قال: ـ مفيش حاجة يا مريم. أنا بس مش عايزك تحسي إنك مطالبة تفضلي مستنية.
الجملة وجعتني. ـ إنت فاكر إني مستنياك بالعافية؟ ـ لأ، بس مش عايزك تربطي حياتك بيا لو إنتِ مش متأكدة من مشاعرك. اتعصبت. ـ سليم، إحنا مش أطفال. لو عندك حاجة مضايقاك، قولها بدل ما تقرر عني أنا حاسة بإيه! تنهد. ـ أنا مش عايز أكون سبب في إنك تتنازلي عن أي حاجة. قلتله: ـ وإنت فاكر إنك لما تبعد عني من غير ما تسألني، كده بتحميني؟
! سكت. ـ أنا تعبت من إن كل واحد فينا يحاول يكون قوي لوحده. أنا مش محتاجة حد يقرر بدالي، لكن محتاجة حد يشاركني قراراتي. لو إنت خايف من المستقبل، نتكلم. لو مش عايز تكمل، قول. إنما ما ينفعش تفضل تحطني قدام أبواب مقفولة وتستنى مني أفهم لوحدي. سليم قال بصوت واطي: ـ أنا آسف. لكن المرة دي ما كنتش مستعدة أقبل الاعتذار وخلاص.
كان بيتفهم، لكني بدأت ألاحظ إنه بقى قليل الكلام، وإن فيه حاجة شاغلاه. لما سألته، قال إن الحاج صبري تعبان، وإنه محتاج يفضل في الصعيد فترة عشان يدير الشغل. قلتله: ـ طب ما أنا أقدر أجيلك في الإجازة. رد: ـ مش لازم تتعبي نفسك. استغربت. ـ إيه اللي حصل؟ إنت من إمتى بتقوللي ما تجيش؟ سكت شوية، وبعدين قال: ـ مفيش حاجة يا مريم. أنا بس مش عايزك تحسي إنك مطالبة تفضلي مستنية.
الجملة وجعتني. ـ إنت فاكر إني مستنياك بالعافية؟ ـ لأ، بس مش عايزك تربطي حياتك بيا لو إنتِ مش متأكدة من مشاعرك. اتعصبت. ـ سليم، إحنا مش أطفال. لو عندك حاجة مضايقاك، قولها بدل ما تقرر عني أنا حاسة بإيه! تنهد. ـ أنا مش عايز أكون سبب في إنك تتنازلي عن أي حاجة. قلتله: ـ وإنت فاكر إنك لما تبعد عني من غير ما تسألني، كده بتحميني؟
! سكت. ـ أنا تعبت من إن كل واحد فينا يحاول يكون قوي لوحده. أنا مش محتاجة حد يقرر بدالي، لكن محتاجة حد يشاركني قراراتي. لو إنت خايف من المستقبل، نتكلم. لو مش عايز تكمل، قول. إنما ما ينفعش تفضل تحطني قدام أبواب مقفولة وتستنى مني أفهم لوحدي. سليم قال بصوت واطي: ـ أنا آسف. لكن المرة دي ما كنتش مستعدة أقبل الاعتذار وخلاص.
قلت: ـ لما تبقى جاهز تتكلم بصراحة، كلمني. وقفلت المكالمة. عدّى أسبوع من غير ما نتكلم غير رسائل قصيرة. كنت مشغولة بالشغل، لكنه كان وحشني بطريقة ما كنتش متوقعاها. في يوم، وأنا خارجة من الشركة، لقيت نوال بتتصل بيا. رديت بقلق: ـ أيوه يا طنط، خير؟ صوتها كان متوتر. ـ يا مريم، سليم في المستشفى. حسيت الدنيا وقفت. ـ إيه؟
! ماله؟! ـ الحاج صبري تعب فجأة، وسليم كان معاه في المستشفى طول الليل، ومن التعب والإرهاق وقع وأغمى عليه. الدكتور بيقول إنه محتاج راحة، بس هو رافض يسيب أبوه. ما فكرتش. حجزت أول وسيلة سفر متاحة، واتجهت للصعيد. طول الطريق كنت بدعي ربنا يطمن قلبي عليه. لما وصلت المستشفى، لقيت نوال قاعدة قدام أوضة الحاج صبري، وهبة جنبها.
أول ما شافتني، قامت وحضنتني. ـ الحمد لله إنك جيتي. سألتها: ـ سليم فين؟ أشارت ناحية أوضة تانية. دخلت بهدوء، ولقيته نايم على السرير، وشه شاحب، وفي إيده محلول. قعدت جنبه، وبصيتله وأنا بحاول أمنع دموعي. بعد شوية، فتح عينيه، ولما شافني افتكر إنه بيحلم. ـ مريم؟! مسكت إيده. ـ أيوه يا سليم، أنا هنا. حاول يقوم، لكني منعته. ـ استنى، إنت لازم ترتاح. بصلي باستغراب. ـ إنتِ جيتي ليه؟
الكلمة وجعتني، لكني رديت بهدوء: ـ عشان إنت تعبان، وعشان أنا مش هسيبك تواجه كل حاجة لوحدك. نزل عينه، وبعدها قال: ـ أنا آسف. مسحت على إيده. ـ نتكلم لما تبقى أحسن. لكنه هز راسه. ـ لأ، أنا عايز أتكلم دلوقتي. أنا كنت خايف. بصيتله. ـ خايف من إيه؟ ـ خايف إنك في يوم تكتشفي إن حياتك معايا أصعب من حياتك لوحدك.
ثانيًا، ما تاخدش قرارات تخصنا من غير ما نتكلم. وثالثًا، تبطل تعمل قهوة وحشة. ضحك، وبعدها كح شوية. قلتله بقلق: ـ إنت كويس؟ هز راسه. ـ أيوه، بس واضح إن موضوع القهوة ده هيحتاج سنين. ضحكت، وهو مسك إيدي. ـ مريم، أنا بحبك. قلبي وقف لحظة. كانت أول مرة يقولها بالشكل ده، من غير هزار ولا تلميحات.
كمل: ـ بحبك عشان إنتِ قوية، وعشان بتعرفي تقولي لأ، وعشان بتخليني أفكر قبل ما أتصرف. بحبك عشان وجودك في حياتي خلاني أفهم إن الرجولة مش إن الواحد يفرض رأيه، لكن إنه يعرف يسمع ويحترم ويشارك. ومش عايز منك رد دلوقتي، بس كان لازم أقولك. عيني دمعت، وابتسمت. ـ وأنا كمان بحبك يا سليم. بصلي بصدمة. ـ بجد؟! ضحكت. ـ لأ، بهزر معاك وأنا جاية من القاهرة مخصوص عشان أقولك صباح الخير!
ضحك من قلبه، وبعدها شد على إيدي برفق. ـ والله ما مصدق. قربت منه، وقلت بصوت واطي: ـ صدق، بس نام دلوقتي، ولما تفوق نبقى نكمل كلامنا. ابتسم وهو بيغمض عينيه. ـ حاضر يا قلبي. الكلمة لمست قلبي بطريقة مختلفة. يا قلبي. ما كنتش متخيلة إن كلمة بسيطة ممكن تحسسني بالأمان بالشكل ده. بعد يومين، الحاج صبري خرج من المستشفى، وسليم بدأ يستعيد صحته.
قررنا نتكلم مع أهلنا عن علاقتنا، لكن من غير استعجال. لما رجعت القاهرة، سليم جه بعد أسبوع، وقابل ماما في بيتنا. ماما كانت متوترة في البداية، خصوصًا لما عرفت إننا اتقابلنا لأول مرة في ظروف غريبة. بصتله وقالت: ـ يا ابني، أنا بنتي غالية عندي، ومش هقبل إن حد يضغط عليها أو يطلب منها تتنازل عن حياتها. سليم رد باحترام: ـ وأنا مش طالب منها تتنازل عن حاجة يا طنط.
أنا جاي أطلب فرصة أكون شريكها، مش صاحب القرار الوحيد في حياتها. ماما سكتت شوية، وبعدها بصتلي. ـ وإنتِ يا مريم، مرتاحة؟ ابتسمت. ـ أيوه يا ماما. وأنا عارفة إن لسه قدامنا تحديات، بس أنا مش خايفة طول ما إحنا بنتكلم بصراحة. ماما بصت لسليم، وبعدها قالت: ـ ربنا يكتبلكم الخير. كانت دي أول موافقة حقيقية من غير ضغط أو استعجال. وسليم، وهو خارج من البيت، بصلي وقال: ـ أظن إني نجحت في أول اختبار.
ضحكت. ـ لسه الامتحانات كتير يا أستاذ. قال: ـ المهم إنك تبقي معايا وأنا بحلها. الفصل الثامن: الخطوبة اللي ما كانتش شبه أي خطوبة بعد شهور من التعارف، وبعد ما الأمور القانونية بدأت تستقر، قرر سليم ييجي مع أهله عشان يطلب إيدي رسمي. كنت متوترة، مش عشان مش عايزاه، لكن عشان كنت عايزة اليوم ده يكون مختلف عن كل اللي حصل في بداية حكايتنا.
نوال دخلت بيتنا وهي شايلة علبة حلوى كبيرة، وأمينة كانت معاها، وكل شوية تقول: ـ يا فرحتي بيكم! أخيرًا هنفرح بالواد ده! سليم كان قاعد جنب الحاج صبري، ووشه فيه توتر واضح. همستله وأنا بقدم الشاي: ـ إيه يا كبير البلد؟ خايف؟ بصلي وقال بصوت واطي: ـ جدًا. ضحكت. ـ طب أمال كنت بتقول إنك هتتجوزني من أول نظرة ليه؟
نوال دخلت بيتنا وهي شايلة علبة حلوى كبيرة، وأمينة كانت معاها، وكل شوية تقول: ـ يا فرحتي بيكم! أخيرًا هنفرح بالواد ده! سليم كان قاعد جنب الحاج صبري، ووشه فيه توتر واضح. همستله وأنا بقدم الشاي: ـ إيه يا كبير البلد؟ خايف؟ بصلي وقال بصوت واطي: ـ جدًا. ضحكت. ـ طب أمال كنت بتقول إنك هتتجوزني من أول نظرة ليه؟
رد وهو بيحاول يخبي ابتسامته: ـ كنت فاكر إن أصعب حاجة إني أقنعك، طلعت أصعب حاجة إني أعدي قعدة العيلة من غير ما أقول كلمة غلط. ضحكت، وماما بصتلنا وهي بتبتسم. الحاج صبري بدأ الكلام، وقال: ـ إحنا جايين النهارده نطلب إيد مريم لابني سليم، ونتمنى نكون أهل عند حسن ظنكم. ماما ردت: ـ مريم بنتنا، وإحنا أهم حاجة عندنا راحتها ورضاها. الحاج صبري هز راسه. ـ وده حقها.
وإحنا مش جايين نفرض عليها حاجة، إحنا جايين نطلب موافقتها. كل العيون اتجهت ناحيتي. بصيت لسليم، لقيته مستني ردي بهدوء، من غير ما يحاول يبتسم أو يستعجلني. قلت: ـ أنا موافقة. سليم اتنفس براحة، لدرجة إن أمينة ضحكت وقالت: ـ يا ابني، ده إنت كنت هتغمى عليك قبل ما تقول موافقة! الكل ضحك، وسليم غطى وشه بإيده. ـ يا أمينة، حرام عليكي! بعدها اتفقنا على خطوبة بسيطة، تجمع أهلنا وأصحابنا، من غير مظاهر مبالغ فيها.
لكن قبل الخطوبة بأيام، سليم فاجأني بحاجة ما كنتش متوقعاها. كان عارف إني نفسي أفتح مشروع خاص بيا في التسويق وصناعة المحتوى، فاستأجر مكتب صغير في القاهرة، وجهزه بشكل بسيط، وبعدها خدني أشوفه. أول ما دخلت، لقيت مكتبين، وركن صغير للقراءة، ورفوف كتب، وعلى الحيطة لوحة مكتوب عليها: «حكاية جديدة. .. بإيدك إنتِ». وقفت مكاني، ودموعي نزلت.
سليم قال بسرعة: ـ استني قبل ما تعيطي، أنا عارف إنك هتقوليلي إنك مش محتاجة حد يعملك مشروع. بصيتله. ـ فعلًا، أنا مش محتاجة حد يعمللي مشروع. هز راسه. ـ عارف. كملت وأنا بمسح دموعي: ـ بس محتاجة حد يؤمن بيا، وإنت عملت كده. ابتسم. ـ المكتب ده مش هدية جواز، ولا حاجة باسمك بفضل حد.
ده مكان إنتِ تقدري تبدأي فيه مشروعك، والعقد باسمك، وكل قرار فيه قرارك. أنا ساعدت في التجهيز بس، والباقي إنتِ اللي هتعمليه. حضنته بقوة. ـ شكرًا يا سليم. حضني برفق وقال: ـ أنا فخور بيكي يا مريم، حتى قبل ما تبدأي. بعدها بدأنا نجهز للخطوبة، وكنت سعيدة بطريقة ما عرفتش أوصفها. لكن قبل الحفلة بيوم، وصلنا خبر إن كريم خرج بكفالة على ذمة بعض الإجراءات القانونية، وإنه عايز يقابلني.
في البداية رفضت، لكن المحامي قال إن كريم طلب يقابلنا عشان يسلم مستندات إضافية تخص فؤاد. وافقت أقابله في مكتب المحامي، بحضور سليم وخالي محمود. دخل كريم، وكان شكله مختلف. ما بقاش فيه نفس الغرور، ولا الابتسامة المستفزة. قعد قدامي، وقال: ـ أنا عارف إن مفيش كلام هيصلح اللي عملته، بس أنا جاي أعتذر.
هز راسه. ـ مش طالب منك تسامحيني. أنا بس عايزك تعرفي إني ندمان. وبعدين بصلي. ـ يا مريم، أنا آسف على كل اللي حصل. إنتِ ما كانش ليكي ذنب في أي حاجة، وأنا حاولت أستخدمك عشان أضغط على العيلة. قلتله بهدوء: ـ الاعتذار بداية، لكن مش نهاية. لو إنت ندمان فعلًا، لازم تتحمل مسؤولية اللي عملته، وتسيب القانون ياخد مجراه، وما ترجعش تهدد حد أو تأذيه.
هز راسه. ـ موافق. سليم قال: ـ أهم حاجة إنك تبطل تحاول تهرب من مسؤوليتك. كريم نزل عينه. ـ هحاول أصلح اللي أقدر عليه. ما قلتلوش إني سامحته، لأن ده كان أكبر من قدرتي في اللحظة دي، لكني قررت ما أعيش حياتي كلها وأنا شايلة غضب ناحيته. خرجنا من المكتب، وسليم مسك إيدي. ـ إنتِ قوية يا مريم. ابتسمت. ـ وإنت بقيت بتعرف تقول كلام حلو من غير ما تعمل مصيبة قبله.
ضحك. ـ الحمد لله، التطور واضح. الفصل التاسع: الفرح اللي جمع القلوب يوم الخطوبة، بيتنا كان مليان حركة وضحك، وماما كانت بتراجع كل تفصيلة للمرة العاشرة، وخالي محمود بيهزر مع سليم ويقوله: ـ لسه عندك فرصة تهرب يا ولدي. سليم رد: ـ بعد كل اللي شوفته مع مريم، الهروب بقى مخاطرة أكبر من الجواز نفسه.
سمعته وضحكت. كنت لابسة فستان بسيط لونه لبني، وشعري مرفوع بطريقة ناعمة، والسلسلة القديمة اللي بابا سابهالي كانت في رقبتي، جنب السلسلة الجديدة اللي سليم جابهالي. لما شافني، وقف مكانه لحظة. قرب مني وقال بصوت واطي: ـ إنتِ جميلة أوي. ابتسمت. ـ شكرًا. ـ لا، استني، أنا كنت محضر كلام كتير، بس كله راح. ضحكت. ـ أحسن، عشان ما تقولش حاجة تندم عليها.
ابتسم وقال: ـ أنا مش محتاج كلام كتير. أنا بس عايزك تعرفي إن اليوم ده من أسعد أيام حياتي. عيني دمعت، فمسك إيدي وقال: ـ إيه؟ هتعيطي في الخطوبة؟ قلتله: ـ لأ، دي دموع فرح. رد بسرعة: ـ طب الحمد لله، كنت خايف أكون بوظت حاجة. ضحكت، وبعدها لبسني الدبلة. الكل صفق، وأمينة زغردت بصوت عالي لدرجة إن سليم غطى ودنه وهو بيضحك.
هبة كانت جنبي، ووشها أخيرًا رجع له النور. بعد فترة من الحفلة، وقفت معاها في البلكونة. قالتلي: ـ عمري ما تخيلت إن الزيارة اللي كنت جايباكي فيها للصعيد هتنتهي بكده. ضحكت. ـ وأنا عمري ما تخيلت إني هلاقي عريس في الحمام! ضحكنا، وبعدها هبة بقت جادة. ـ مريم، أنا عايزة أبدأ حياة جديدة. هسيب البيت القديم، وهشتغل في مشروع خيري لتعليم البنات في القرية. عايزة أعمل حاجة مفيدة بدل ما أفضل عايشة في خوف.
حضنتها. ـ وأنا معاكي، وهساعدك على قد ما أقدر. ابتسمت. ـ إنتِ صاحبة عمري، ومهما حصل، مش هسمح للأسرار إنها تبعدنا عن بعض تاني. رجعنا للحفلة، وسليم كان مستنيني. مد إيده وقال: ـ تسمحيلي بالرقصة دي؟ بصيتله بمكر. ـ بتعرف ترقص؟ رد بثقة: ـ طبعًا. مسكت إيده، وبعد أول دقيقتين اكتشفت إنه فعلًا ما بيعرفش! ضحكت لدرجة إني ما قدرتش أكمل.
ـ أوعدك إني أفضل أستحق الفرصة دي كل يوم. ابتسمت، وحسيت إن قلبي مطمئن. لكن السعادة ما كانتش هتكتمل لو ما خلصناش آخر فصل من حكاية أبويا. بعد الخطوبة بشهر، المحامي بلغنا إن المحكمة أصدرت حكمها في قضية التلاعب المالي بعد ثبوت الأدلة، وإن حقوق الشراكة هتتسوى وفق الإجراءات القانونية.
أما التحقيق المتعلق بحادثة وفاة أبويا، فاستمر لحد ما ظهرت أدلة جديدة وشهادات دعمت وجود تهديدات سابقة، واتخذت الجهات المختصة إجراءاتها ضد المتورطين وفق ما ثبت في التحقيق. ما قدرتش أرجع الزمن، ولا أرجع أبويا، لكن قدرت أرجع اسمه لمكانه الطبيعي. وفي يوم، رحت أنا وماما وخالي محمود نزور قبره. وقفت قدام القبر، وحطيت إيدي على التراب، وقلت بصوت مبحوح: ـ وحشتني يا بابا.
كان نفسي تكون معايا النهارده، وتشوف إني قدرت أعرف الحقيقة، وإن كل اللي عملته عشاني ما راحش هدر. أنا لسه بنتك الصغيرة، حتى لو كبرت، ولسه محتاجة دعواتك. ماما كانت بتعيط جنبي، وخالي محمود حط إيده على كتفي. بعدها، حسيت بإيد سليم بتلمس إيدي برفق. كان واقف بعيد شوية، وسايبلي مساحتي، لكنه لما بصيتله، قرب وقال: ـ أبوكي أكيد فخور بيكي.
ابتسمت وسط دموعي. ـ نفسي أصدق ده كل يوم. رد بهدوء: ـ صدقيه. إنتِ مش بس رجعتي حقه، إنتِ كمان حافظتي على نفسك، وما خليتيش الظلم يغير قلبك. مسكت إيده، وقلت: ـ شكرًا إنك معايا. ابتسم. ـ أنا هنا، يا مريم. وفي اللحظة دي، حسيت إن فيه صفحة اتقفلت من حياتي، وإن صفحة جديدة بدأت.
الفصل العاشر: بيتنا مش ساحة معركة بعد سنة من الخطوبة، اتجوزنا في فرح بسيط في الصعيد، حضره أهلنا وأصحابنا والناس اللي وقفوا جنبنا في أصعب الأيام. كنت مصممة إن شغلي في القاهرة يفضل جزء أساسي من حياتي، وسليم كان موافق، واتفقنا إننا نقسم وقتنا بين القاهرة والصعيد حسب ظروف شغلنا ومسؤولياتنا. جهزنا بيت صغير في القاهرة، قريب من شغلي، واحتفظ سليم ببيته في الصعيد عشان يفضل قريب من أهله والأرض.
أما المشروع اللي بدأته في المكتب الصغير، فكبر تدريجيًا، وبقيت عندي مجموعة من الموظفين، وبدأت أشتغل مع شركات كبيرة. سليم كمان طور شغله في المزرعة، وخصص جزءًا من أرباحها لدعم مدرسة القرية ومشروع هبة لتعليم البنات. هبة بدأت حياة جديدة، وبقت أقوى وأكثر استقلالًا. علاقتها بكريم فضلت محتاجة وقت طويل عشان تتعافى، لكنها قررت تحط حدود واضحة، وما تسمحش لأي حد يرجع يخوفها أو يتحكم فيها.
أما الحاج صبري، فبقى يتعامل مع الناس بهدوء أكتر، وبدأ يصلح بعض الأخطاء اللي كان ارتكبها في الماضي. وفي ليلة من الليالي، بعد ما رجعنا من الصعيد للقاهرة، كنت واقفة في المطبخ بحاول أعمل قهوة. سليم دخل، وبص للكوباية اللي في إيدي، وقال: ـ إيه ده؟ قلتله: ـ قهوة. قرب وشمها، وبعدها رجع لورا. ـ دي قهوة ولا تجربة علمية؟ بصيتله بغيظ. ـ بدل ما تتريق، تعال علمني.
كان نفسي تكون معايا النهارده، وتشوف إني قدرت أعرف الحقيقة، وإن كل اللي عملته عشاني ما راحش هدر. أنا لسه بنتك الصغيرة، حتى لو كبرت، ولسه محتاجة دعواتك. ماما كانت بتعيط جنبي، وخالي محمود حط إيده على كتفي. بعدها، حسيت بإيد سليم بتلمس إيدي برفق. كان واقف بعيد شوية، وسايبلي مساحتي، لكنه لما بصيتله، قرب وقال: ـ أبوكي أكيد فخور بيكي.
ابتسمت وسط دموعي. ـ نفسي أصدق ده كل يوم. رد بهدوء: ـ صدقيه. إنتِ مش بس رجعتي حقه، إنتِ كمان حافظتي على نفسك، وما خليتيش الظلم يغير قلبك. مسكت إيده، وقلت: ـ شكرًا إنك معايا. ابتسم. ـ أنا هنا، يا مريم. وفي اللحظة دي، حسيت إن فيه صفحة اتقفلت من حياتي، وإن صفحة جديدة بدأت.
الفصل العاشر: بيتنا مش ساحة معركة بعد سنة من الخطوبة، اتجوزنا في فرح بسيط في الصعيد، حضره أهلنا وأصحابنا والناس اللي وقفوا جنبنا في أصعب الأيام. كنت مصممة إن شغلي في القاهرة يفضل جزء أساسي من حياتي، وسليم كان موافق، واتفقنا إننا نقسم وقتنا بين القاهرة والصعيد حسب ظروف شغلنا ومسؤولياتنا.
جهزنا بيت صغير في القاهرة، قريب من شغلي، واحتفظ سليم ببيته في الصعيد عشان يفضل قريب من أهله والأرض. أما المشروع اللي بدأته في المكتب الصغير، فكبر تدريجيًا، وبقيت عندي مجموعة من الموظفين، وبدأت أشتغل مع شركات كبيرة. سليم كمان طور شغله في المزرعة، وخصص جزءًا من أرباحها لدعم مدرسة القرية ومشروع هبة لتعليم البنات.
هبة بدأت حياة جديدة، وبقت أقوى وأكثر استقلالًا. علاقتها بكريم فضلت محتاجة وقت طويل عشان تتعافى، لكنها قررت تحط حدود واضحة، وما تسمحش لأي حد يرجع يخوفها أو يتحكم فيها. أما الحاج صبري، فبقى يتعامل مع الناس بهدوء أكتر، وبدأ يصلح بعض الأخطاء اللي كان ارتكبها في الماضي. وفي ليلة من الليالي، بعد ما رجعنا من الصعيد للقاهرة، كنت واقفة في المطبخ بحاول أعمل قهوة.
سليم دخل، وبص للكوباية اللي في إيدي، وقال: ـ إيه ده؟ قلتله: ـ قهوة. قرب وشمها، وبعدها رجع لورا. ـ دي قهوة ولا تجربة علمية؟ بصيتله بغيظ. ـ بدل ما تتريق، تعال علمني. ضحك، وأخد الكوباية من إيدي. ـ يا ستي، أنا علمتك قبل كده. ـ أيوه، وطلعنا بنتيجة إن القهوة بتاعتك أسوأ من بتاعتي. حط إيده على قلبه. ـ كده يا مريم؟
! بعد الجواز كله ده؟ ضحكت. ـ هو الجواز هيغير الحقيقة؟ ابتسم، وبعدها قرب مني وقال: ـ لا، بس ممكن يخليني أطلب منك طلب. رفعت حاجبي. ـ طلب إيه؟ قال وهو بيبصلي بحنان: ـ تيجي نقعد شوية في البلكونة؟ أنا جايبلك حاجة. مشيت وراه، ولقيت على الترابيزة صندوق صغير. بصيتله باستغراب. ـ إيه ده كمان؟ فتح الصندوق، وطلع منه صورة قديمة ليا وأنا طفلة، كانت ماما بعتها له بعد جوازنا.
كان لازم يكون فيه شجاعة، ومواجهة، وقرارات صح، واحترام لحدود كل واحد فينا. وأنا وسليم اتعلمنا ده بالطريقة الصعبة. الفصل الحادي عشر: المفاجأة الأخيرة بعد سنتين من الجواز، حياتنا كانت استقرت بشكل جميل. شغلي كبر، وسليم بقى يقضي جزءًا من الأسبوع في القاهرة وجزءًا في الصعيد، واتفقنا إن أي قرار كبير لازم نتكلم فيه سوا. وفي يوم، رجعت البيت متأخرة، ولقيته مستنيني في الصالة، لابس قميصه المفضل، وعلى الترابيزة عشا بسيط. بصيتله باستغراب.
ـ إيه المناسبة؟ ابتسم. ـ اقعدي الأول. قعدت، وهو جابلي طبق الأكل. ـ إنت عامل كل ده بنفسك؟ هز راسه بفخر. ـ أيوه. بصيت للأكل، وبعدها بصيتله. ـ سليم، إنت بتحاول تسممني ولا إيه؟ ضحك. ـ يا بنتي، جربي الأول! أخدت لقمة صغيرة، وفضلت أمضغ ببطء، وهو مستني رأيي بتوتر. قلتله: ـ بصراحة... رفع حاجبه. ـ نعم؟ ابتسمت. ـ أحسن من القهوة. ضحك بصوت عالي. ـ الحمد لله!
أخيرًا إنجاز جديد! بعد العشا، طلع من جيبه علبة صغيرة. قلبي دق. ـ إيه ده؟ قال: ـ افتحي. فتحتها، ولقيت جواها ورقة صغيرة مطوية، مكتوب فيها بخطه: «فيه حد جديد جاي ينور بيتنا، وإنتِ أول واحدة لازم تعرف.» رفعت عيني له، وكنت مش فاهمة. سليم ابتسم، ومسك إيدي. ـ مريم، أنا عارف إننا اتكلمنا قبل كده عن الأطفال، وإننا كنا مستنيين الوقت اللي نحس فيه إننا جاهزين.
والدكتور قال إن كل حاجة كويسة، وإننا محتاجين نكمل المتابعة بهدوء. حسيت قلبي بيدق بسرعة، وبصيتله بذهول. ـ سليم... إنت تقصد إيه؟ ابتسم وعينيه لمعت. ـ أنا مش هقدر أقولك نتيجة قبل ما نتأكد منها، بس أنا حاسس إن بيتنا ممكن يبقى فيه ضحكة صغيرة قريب. حطيت إيدي على فمي، ودموعي نزلت. ـ إنت عرفت حاجة وأنا لسه ما أعرفش؟ ضحك. ـ لأ، أنا بس متحمس، ومش عايز أستعجل عليكي.
بكرة عندنا ميعاد المتابعة، ونسمع من الدكتور. حضنته بقوة. ـ يا رب يا سليم. مسح على شعري وقال: ـ ربنا يكتب لنا الخير، أيًا كان. تاني يوم، رحنا للمتابعة، وبعد الفحوصات، الدكتورة ابتسمت وقالت: ـ ألف مبروك، فيه حمل في بدايته. بصيت لسليم، ولقيته واقف مكانه مش قادر يتكلم. وبعدين فجأة ضحك، ودموعه نزلت. ـ بجد يا دكتورة؟
هزت راسها. ـ أيوه، بس لازم تتابعي بانتظام وتاخدي بالك من نفسك. مسك إيدي وقبّلها، وبعدها حط إيده على رأسي وقال: ـ الحمد لله يا رب. وأنا كنت بعيط وبضحك في نفس الوقت. بعد ما خرجنا، وقف قدام العربية وقال: ـ مريم، أنا عايز أطلب منك طلب. ضحكت وسط دموعي. ـ طلباتك ما بتخلصش! قال بجدية: ـ عايز أسمي بنتنا على اسم والدتك لو وافقتي، ولو ولد نختار الاسم سوا.
كان يجهز الأكل، ويروح معايا مواعيد المتابعة، ويستحمل عصبيتي لما أكون تعبانة، وكل ما أقولله إني خايفة، يمسك إيدي ويقول: ـ إحنا مع بعض، خطوة بخطوة. وفي يوم الولادة، كان واقف بره الأوضة، بيلف في الممر رايح جاي. أمينة كانت معانا، وكل شوية تقول: ـ يا ابني، اقعد! إنت هتتعب أكتر منها! يرد: ـ يا أمينة، إنتِ مش فاهمة، أنا قلبي هيطلع من مكانه!
وبعد ساعات، خرجت الدكتورة وهي مبتسمة. ـ ألف مبروك، ربنا رزقكم ببنت جميلة. سليم حط إيده على وشه، ودموعه نزلت. لما دخل يشوفني، كنت شايلة بنتنا الصغيرة، وببص لملامحها اللي لسه في بدايتها. قرب مننا، ولمس خدها برفق. ـ دي بجد بنتنا؟ ضحكت بتعب. ـ لأ، دي بنت الجيران، جابوها لنا بالغلط! بصلي بصدمة، وبعدها ضحك. ـ حتى في اللحظة دي هتفضلي تفتكريني بالغلط؟
قلتله وأنا بضحك: ـ طبعًا. قعد جنبي، وبص لبنتنا بحب. ـ نسميها إيه؟ بصيتله وقلت: ـ نوال، على اسم والدتك. إيه رأيك؟ ابتسم، ودموعه رجعت لعينيه. ـ أحلى اسم في الدنيا. وبعدين قرب مني وقال: ـ شكرًا يا مريم. بصيتله باستغراب. ـ على إيه؟ ـ على إنك دخلتي حياتي، وعلى إنك علمتيني أحب من غير ما أتحكم، وأخاف من غير ما أهرب، وأبقى سند من غير ما ألغي اللي قدامي.
دموعي نزلت، وقلتله: ـ وإنت علمتني إن فيه ناس ممكن تبدأ معاهم الحكاية غلط، لكن لو كان عندهم صدق واحترام، يقدروا يكتبوا نهاية أحلى بكتير من البداية. باس رأس بنتنا، وبعدها باس جبيني باحترام وحنان. وفي اللحظة دي، حسيت إن كل التعب والخوف اللي مرينا بيه كان وراه حياة جديدة، مليانة أمل.
الفصل الأخير: الحكاية اللي بدأت بالغلط وانتهت بالحب عدّت خمس سنين. بنتنا نوال كبرت، وبقت طفلة شقية، عيونها فيها نفس لمعة أبوها، ولسانها فيه نفس جرأتي. كنا قاعدين في بيتنا في الصعيد في إجازة العيد، والبيت مليان ضحك وأصوات الأطفال. هبة بقت مديرة مشروع تعليمي ناجح، وبدأت تساعد بنات كتير يكملوا تعليمهم ويلاقوا فرص شغل.
علاقتها بكريم اتحسنت بشكل محدود بعد ما التزم بالإجراءات القانونية وبدأ يصلح أخطاءه، لكنها فضلت محافظة على حدودها، وده كان قرارها اللي الكل احترمه. الحاج صبري بقى يقضي وقت أطول مع حفيدته، وكل ما يشيلها يقول: ـ دي عسل الصاوي كلهم! فترد عليه نوال الصغيرة: ـ لأ يا جدو، أنا عسل ماما كمان! الكل يضحك، وسليم يقول: ـ أهي دي اللي هتطلع عيني.
كنت قاعدة في الجنينة، وببص لسليم وهو بيلعب مع بنتنا، لما جه وقعد جنبي. قال: ـ سرحانة في إيه؟ ابتسمت. ـ فاكرة أول يوم جيت فيه هنا. ضحك فورًا. ـ يا نهار أبيض! لسه فاكرة؟ ـ هو أنا ممكن أنسى؟ ! قال وهو بيحط إيده على قلبه: ـ والله العظيم أنا تبت! ضحكت. ـ توبتك مش مقبولة قبل ما تعترف بالذنب كاملًا.
ـ وكمان إني استعجلت لما قررت أتجوزك من أول نظرة. بصيتله بحنان. ـ دي مش أغبى حركة. رفع حاجبه. ـ أمال إيه؟ قلت: ـ الغلطة كانت إنك افتكرت إنك تقدر تقرر لوحدك. إنما إنك حبيتني، دي أحلى حاجة حصلتلي. سليم سكت لحظة، وبعدها مسك إيدي. ـ بحبك يا مريم. ابتسمت. ـ وأنا بحبك يا سليم. نوال الصغيرة جريت علينا، ووقفت بينا وهي بتقول: ـ ماما، بابا قاللي إنه أول مرة شافك كنتِ مستخبية في الحمام!
بصيت لسليم بصدمة. ـ إنت حكيتلها إيه؟! سليم ضحك وحاول يقوم. ـ أنا ماليش دعوة! دي سمعت أمينة وهي بتحكي! جريت وراه وأنا بضحك: ـ سليم الصاوي! تعالى هنا! نوال كانت بتضحك وبتجري ورايا، والبيت كله مليان حياة. وفي وسط الضحك، بصيت لسليم، ولقيته بيبصلي بنفس النظرة اللي شفتها في أول يوم، لكن المرة دي ما كانش فيها غرور ولا تحدي. كان فيها حب وامتنان وطمأنينة.
افتكرت البنت اللي دخلت البيت ده وهي فاكرة إنها جاية زيارة يومين، واللي لقت نفسها فجأة وسط أسرار عيلة كاملة، وقضية قديمة، وراجل قرر إنه عايز يتجوزها قبل حتى ما يعرف اسمها. ضحكت بيني وبين نفسي. مين كان يتخيل إن سوء تفاهم في الحمام هيكون بداية الحكاية دي كلها؟ لكن الحياة علمتني إن مش كل بداية غريبة معناها نهاية وحشة، وإن الحب الحقيقي مش مجرد انجذاب أو كلام حلو، لكنه احترام، وصبر، وصدق، واختيار بيتجدد كل يوم.
وسليم، اللي بدأ حكايته معايا بجملة «إنتِ مين وبتعملي إيه في حمامي؟ »، بقى بعد سنين الشخص اللي لما الدنيا تضيق بيا، أعرف إني هلاقيه جنبي، مش عشان ياخد القرار بدالي، لكن عشان يساعدني أختار وأنا مطمنة. وفي آخر اليوم، لما بنتنا نامت، قعدنا في البلكونة، وهو جابلي كوباية قهوة. أخدت رشفة، وبصيتله بجدية.
ـ سليم؟ ـ عيونه. ـ القهوة دي وحشة. فتح عينيه بصدمة. ـ بعد خمس سنين جواز؟! ضحكت وحطيت راسي على كتفه. ـ بهزر معاك يا حبيبي، دي أحلى قهوة. ابتسم، وباس رأسي وقال: ـ طول ما إنتِ جنبي، حتى القهوة الوحشة ليها طعم تاني. ضحكت، وغمضت عيني وأنا حاسة بالسلام.
وهنا انتهت حكاية مريم وسليم، الحكاية اللي بدأت بخضة وسوء تفاهم، وعدّت بأسرار وخيانة ووجع، لكنها وصلت في الآخر للحب الحقيقي، والبيت الدافي، والعيلة اللي اتعلمت إن الحق ما يضيعش، وإن القلب لما يلاقي اللي يحترمه ويصونه، يقدر يبدأ من جديد مهما كانت البداية غريبة. تمت بحمد الله ❤️
