رواية اجتياح عاطفي من الفصل الاول للاخير بقلم هاجر عبد الحليم

رواية اجتياح عاطفي من الفصل الاول للاخير بقلم هاجر عبد الحليم

رواية اجتياح عاطفي من الفصل الاول للاخير هي رواية من كتابة هاجر عبد الحليم رواية اجتياح عاطفي من الفصل الاول للاخير لاول مرة على موقع التواصل الاجتماعى فيسبوك رواية اجتياح عاطفي من الفصل الاول للاخير حقق تفاعل كبير على الفيسبوك لذلك سنعرض لكم رواية اجتياح عاطفي من الفصل الاول للاخير

رواية اجتياح عاطفي من الفصل الاول للاخير بقلم هاجر عبد الحليم

رواية اجتياح عاطفي من الفصل الاول للاخير

صحيت رودينا من النوم وهي تشعر بالضيق، لا تطيق نفسها ولا ترغب في سماع أي صوت حولها. وبينما كانت تحاول استجماع أنفاسها، جاءها صوت طرقات خفيفة على الباب، تلاه صوت الدادة نصيرة بنبرة قلقة:
نصيرة: "رودينا... يا بنتي، كل دا؟ اتأخرتِ جدًا، وسيادة اللواء على آخره مني!"
رودينا (متعبة): "معلش، يادادة..."
نصيرة (متنهّدة): "حقك عليا، يا بنتي. عقبال ما أكلت جدتك وادّيتها دواها، فضلت تصرخ وتقول عليا حرامية، لحد ما أخيرًا افتكرت إني شغالة هنا وهديت! تعرفي؟ رغم إن دا مش أول مرة يحصل، بس قلبي كل مرة بيقع في رجليا."
رودينا (بابتسامة خفيفة): "معلش، يادادة... إنتِ أكتر حد بيعرف يتعامل معاها وبيتحمل طباعها."
نصيرة (بحنان): "على قلبي زي العسل، يا بنتي. ولا عمري اشتكيت للغريب، دي عشرة عمر! اللي عملته معايا في عزّها يخليني أشيلها اللي باقي من عمري كله."
رودينا: "والله، يادادة، إنتِ عمود البيت ده، الكل مسنود عليكِ بحبك وصبرك. إنتِ مش مجرد شغالة، إنتِ صاحبة مكان وبيت، ودا مش مجرد كلام!"
نصيرة (متأثرة): "طول عمرك لسانك حلو، وقلبك بلسم... أمك الله يرحمها، لما ماتت، كنتِ لسه حتة لحمة حمرا، وستك ما كانتش عارفة تتعامل معاكي إزاي. لما قالت لي أجي، اعتبرتك بنتي، مش مجرد حد بربيه. عمري ما ندمت إني ما اتجوزتش، لأن ستك كانت نعم الأخت، استحملت وصبرت عليا، واحتوتني وقت ما كان ماليش حد... وشقايا فيكي مش رايح هدر، كل ما أشوف حنيّتك عليّا، بحس إن تعبي مجاش على الفاضي."
رودينا (بابتسامة ماكرة): "الكلام الحلو دا هيخليني أضعف وأدمع وأحضنك، ونقعد نبكي على حالنا، وأنا ورايا مأمورية مستعجلة وعايزلها قلب ميت!"
نصيرة (بقلق): "يا بنتي، ليه ما تغيّري الشغلانة دي؟"
رودينا (بحزم): "كله إلا كده! دا حبيبي وروحي... أقولك إيه، أنا اتجوزت الشغل دا، يرضيكي أطلق منه؟ دا خراب بيوت وظلم كبير، وميُرضيش ربنا!"
نصيرة (متنهّدة): "أهو كل مرة نتكلم، تفتحي فيا الفتحة دي!"
رودينا (تقبّل رأسها بحب): "مقدّرة خوفك عليّا، بس أنا قدّ المكان اللي أنا فيه، وإلا مكنتش دخلته! أنا هروح، وممكن أتأخر، فإنتِ كُلي ونامي، اتفقنا؟ يلّا، باي يا حبيبتي."
مشيت رودينا وتركت نصيرة تضع يدها على قلبها، تهمس بدعواتها أن تعود سالمة...
....
دخلت رودينا القسم بخطوات مهيبة، تتقدم بثبات رغم تسارع دقات قلبها. كانت نظرات الجميع تتابعها باحترام، وكل من مرّت بهم ألقوا عليها التحية، فردّت عليهم بتركيز شديد، لكن عينيها كانت موجهة مباشرة إلى مكتب اللواء.
في مكتب اللواء...
اللواء (بجدية): "جاهزة؟"
رودينا، رغم قبضة القلق التي شعرت بها في قلبها، ردّت بثقة ثابتة: "أيوة، يا فندم."
اللواء (بحزم): "على بركة الله."
.....
داخل إحدى المستشفيات، وقف مالك غاضبًا، ملامحه متشنجة وصوته يحمل تهديدًا واضحًا.
مالك (بعصبية): "يعني إيه الكلام دا؟! أنا وربنا منا ساكت... وهطربقها عليهم!"
يحيى (محاولًا تهدئته): "بطل عصبية، يا مالك، واعقل."
مالك (بانفعال): "إنت بتقولي كارثة حقيقية، وهيتهد على دماغنا كل حاجة في لحظة واحدة!"
يحيى (بتروٍ): "يا ابني، إحنا مالنا! مش بتاعتنا، مش هيتحقق معانا، فيه جهات مسؤولة، وإحنا مجرد نفذنا أوامرهم."
مالك (ساخرًا ومندفعًا): "يا سلام! وإحنا بقى معندناش دماغ نفكر بيها؟ مش بنوزن الأمور ونشوف تبعيات أي قرار؟ إحنا غنم وبنمشي ورا صاحبنا؟!"
يحيى (بقلق): "إحنا شاكين، آه، بس لسة مفيش أي دليل. أي رد فعل منك لو عرفوا بيه... إنت كده في عداد الأموات! وإنت ليك أهل، خاف عليهم."
مالك (بإصرار وغضب): "أنا مش بتهدد، ولا بهاب من مخلوق! عمري ما تعودت أشوف الغلط وأسكت عنه، حتى لو فيها موتي، يا يحيى! ولو الموضوع يخص الواد اللي خرج ومحدش عارف عنه حاجة، وأهله بيموتوا عليه... لو عرفت إن الإدارة ليها يد في اللي حصل، يبقى يتحملوا اللي هيشوفوه مني!"
يحيى (بتنهيدة ثقيلة وهو ينظر إلى صديقه بقلق): "ربنا يستر، يا صاحبي..."
....
في حي شعبي...
(سليمة تهرول نحو أمين، عيناها محمرة من كثرة البكاء، وصوتها يختنق بمرارة الألم.)
سليمة (بانفعال وانكسار): "ابني يا أمين! عايزة ابني، الله يخليك... الواد راح فين؟! منهم لله اللي كانوا السبب! اللي شاوره عليا أدخله المستشفى دي، واهو دخل ومطلعش منها!"
أمين (بهدوء مشوب بالحزن): "وإحنا كنا نعرف إيه اللي هيحصل، يا سليمة؟ دا قدر، ولما بييجي بيعمي البصر."
سليمة (بعصبية ودموعها تتساقط): "وبعدين؟ هنفضل ساكتين كده؟!"
أمين (بتعب وأسى): "أنا عملت اللي عليّا، روحت وبلغت، بس إنتي شايفة، مفيش جديد... قاعد مستني أي خبر يطمن قلبي على الواد."
سليمة (بغضب واتهام): "إيه البرود دا، أمين؟! دا لو كان ابنك من صلبك، كنت اتحركت أكتر! ولا عشان أنا اللي خلفته من راجل تاني اول مرة احس اني ندمت وخليتك تربيه بدل ابوه؟!"
أمين (ينفجر غاضبًا): "بطّلي الكلام اللي مالوش لازمة، يا سليمة! إنتي عارفة إني موجوع زَيّك!"
سليمة (بحزم وإصرار): "ماشي، بس أنا مش هقعد واحط أيدي ع خدي، مش هقعد دقيقة واحدة! هروح المستشفى وأقلبها على دماغهم! مش هرتاح غير لما أعرف ابني حصله إيه، ولو اللي في بالي طلع صح، هدخلهم السجن واحد واحد!"
(تحاول النهوض، وأمين يمسك يدها محاولًا تهدئتها، لكنها تفلت منه بعزم. تتجه إلى الباب، وحين تفتحه، تجد رودينا واقفة بثبات، نظرتها جادة.)
رودينا (بصوت حازم): "مساء الخير... المقدم رودينا صلاح، مباحث الأمن."
....
داخل منزل سليمة – الصالون
(تجلس رودينا على الكرسي بخشونة رسمية، ظهرها مستقيم وعيناها متيقظتان، بينما تتحرك سليمة بتوتر واضح، ممسكة بطرف طرحتها بين يديها.)
سليمة (بحفاوة لكنها قلقة): "تشربي إيه يا بنتي؟"
رودينا (بحزم وابتسامة مطمئنة): "ولا حاجة، يا حاجة. أنا جاية عشان أسألك شوية أسئلة تساعدني أوصل لابنك وأرجعه لحضنك في أقرب وقت."
سليمة (بعينين تلمعان بالأمل): "بجد يا بنتي؟!"
رودينا (بثقة): "أيوة، بس لازم تفهميني الأول... ابنك دخل المستشفى ليه؟"
سليمة (تتنهد بحزن): "كان عنده سخونية جامدة وحرارته ولعت فجأة! أول ما دخل المستشفى، قعدوا معاه خمس ساعات، وبعدها الإدارة خرجت تقول لنا إنه اختفى! حتى تشخيصه ما عرفناهش!"
رودينا (بدهشة): "إزاي يختفي من مستشفى كبيرة كده؟ دا مستحيل يحصل إلا لو حد من الإدارة متورط!"
أمين (مترددًا، لكنه يشعر بأهمية ما سيقوله): "بس ليه؟ هيستفادوا إيه؟ وبعدين، لما الولد دخل، بعدها بربع ساعة بدأوا يسألوني عن اسمي، فصيلة دمي، شغلي... وطلبوا تحاليل غريبة، غالية جدًا، لكن عملناها."
رودينا (بحذر): "تحاليل إيه؟"
أمين: "حاجات خاصة بالجينات والمناعة... الفكرة إن التحاليل دي بتاخد وقت، لكنهم قالوا إن حالة الولد مستعجلة، وعملوا لنا استثناء. النتيجة طلعت في ساعة بس! وبعدها مفيش دقايق، الدكتور يخرج ودكتور يدخل، لحد ما فجأة قالوا لنا الولد مش موجود!"
سليمة (بغضب وخوف): "أنا حاسة إنهم خطفوه يا حضرة المقدم! هو ممكن يكونوا قتلوه؟!"
رودينا (بحزم): "مستشفى كبيرة زي دي مستحيل تعمل كده علني، لكن ممكن يكون في حد متورط جوّا. بس اطمني، لو ثبت أي حاجة، الشرطة مش هتسكت!"
(تنظر إليهما رودينا بحزم، ثم تنهض، تشير إليهما للحاق بها.)
رودينا: "الأول، لازم تيجوا معايا حالًا... كل ثانية بتفرق!"
(يتبادلان نظرات قلقة، ثم ينهضان بسرعة، فالوقت الآن ليس في صالحهما.)
...
داخل المستشفى – مكتب المدير
(يجلس الدكتور خلف مكتبه، يتصبب عرقًا رغم برودة التكييف، بينما رودينا تقف أمامه متسلحة بنظراتها الحادة، وسليمة تمسك بطرف طرحتها بقوة، وعينها تراقب الطبيب كالصقر. أمين يقف خلفها، يعقد ذراعيه وهو ينظر إلى الطبيب بريبة.)
الدكتور (يحاول التماسك، بصوت هادئ لكنه متردد): "بصي حضرتك، مفيش أي مؤامرة هنا، بس في سوء تفاهم حصل. إحنا مستشفى كبير بنتعامل مع آلاف الحالات يوميًا، وممكن يحصل خطأ إداري."
رودينا (تميل للأمام، تضع كفيها على المكتب): "خطأ إداري؟ طفل يختفي من مستشفى وماحدش عارف هو فين؟ والكاميرات 'بالصدفة' كانت عطلانة؟ والملف فيه أوراق ناقصة؟ حضرتك متخيل الكلام دا منطقي؟"
(يسود صمت لثوانٍ، قبل أن يلتفت الطبيب للموظفة الواقفة بجانبه.)
الدكتور (بصوت جاد): "هاتي لي دكتور عصام من قسم التحاليل فورًا!"
(تهز الموظفة رأسها بسرعة وتخرج. يتنهد الطبيب، يمسح جبينه، ثم يلتفت لرودينا.)
الدكتور: "بصراحة، الحالة دي كانت تحت إشراف جهة معينة، و... ودي أوامر جاية من فوق، فوق أوي."
أمين (ينفعل، يضرب المكتب بيده): "يعني إيه فوق أوي؟! ابني فين؟!"
سليمة (تصرخ بانفعال): "إنتو عملتوا فيه إيه؟!"
(قبل أن يرد الطبيب، يدخل دكتور عصام، رجل في الأربعينات من عمره، يبدو أكثر هدوءًا واتزانًا، لكنه يحمل في عينيه شيئًا غامضًا.
رودينا (تنظر إليه مباشرة): "دكتور عصام، أنت المسؤول عن التحاليل، صح؟ الطفل اللي اختفى، ليه كانت تحاليله غريبة وسريعة بالشكل دا؟
(يتبادل عصام والطبيب الرئيسي نظرات سريعة، ثم يتنهد عصام ويقرر الرد بحذر.)
دكتور عصام: "الحقيقة... الطفل كان عنده تطابق نادر مع متبرع محتاج نقل عضو بشكل عاجل. لما اكتشفنا دا، جات لنا أوامر بمتابعة حالته بدقة."
سليمة (بصدمة، تخطو للخلف وهي تضع يدها على فمها): "يعني ابني كانوا هيبيعوا أعضاءه؟!"
أمين (يقترب من الطبيب بغضب، يكاد ينقض عليه): "انتو مجرمين! ابني فين؟!"
(يضع دكتور عصام يديه أمامه كأنه يهدئ الأمور، ثم يتحدث بسرعة.)
دكتور عصام: "استنوا! احنا ما عملناش حاجة للولد! كل اللي حصل إن جهة معينة نقلته لمكان تاني بعد ما عرفوا إنه مطابق لحالة خاصة جدًا... وأنا مش عارف أكتر من كدا."
رودينا (بلهجة تهديدية): "الجهة دي مين بالضبط؟
(ينظر الدكتور الرئيسي لدكتور عصام، ثم يزفر الأخير بقوة قبل أن يهمس بجملة واحدة قلبت الموقف كله.
دكتور عصام: "وزارة الصحة... وبالتحديد، وحدة الأبحاث الجينية."
.......
داخل منشأة طبية سرية – غرفة معزولة
(تُفتح الباب الحديدية، ويتقدم فريق من رجال الأمن بملابس رسمية، يتبعهم أمين وسليمة الملهوفان، ورودينا التي تتفحص المكان بعينين يقظتين.)
(في ركن الغرفة، على سرير أبيض، يجلس الطفل ملفوفًا ببطانية خفيفة، عيونه تائهة، لكنه يتحرك فور أن يرى والديه.)
الطفل (بصوت مرتجف): "ماما... بابا! الحقوني"
(تندفع سليمة نحوه، تضمّه بقوة، والدموع تنهمر من عينيها.)
سليمة (تبكي وهي تتحسس وجهه): "حبيبي. انا هنا ياروحي عملوا فيك حاجة احكيلي اوعي تخاف؟"
الطفل (يهز رأسه، صوته ضعيف): "كانوا بياخدوا مني دم كتير... بس أنا كويس، عايز أروح ياماما انا شوفت حاجات وحشة اوي هنا."
(أمين ينحني ليحتضنه هو الآخر، بينما رودينا تلتفت نحو أحد المسؤولين الواقفين بقلق.)
رودينا (بصوت صارم): "أنا عايزة تقرير شامل عن كل اللي حصل معاه، ولو ثبت إنه اتعرض لأي أذى، المسؤولين عن دا هيدفعوا التمن!"
(المسؤول يتلعثم، يحاول التهرب، لكن أحد الأطباء يتقدم، يبدو عليه التأثر بالموقف.)
الطبيب: "بصراحة... الطفل عنده تركيبة جينية نادرة، وكانوا بيدرسوها ضمن مشروع طبي سري... وتأكدت بنفسي إنه ما حصلوش ضرر، وكان الهدف فقط تحليله.
أمين (بغضب): "تحليل؟! تخطفوا ابني عشان تحليل انتو مجانين واشمعنا هنا ولا انتو متعودين اي مريض ييجو تحللو وتشوفو هينفع يخضع لمشاريعكم ولا لا ؟!"
رودينا (تقاطع بحدة): "القضية دي مش هتنتهي هنا...انا بكل بسهولة اقدر اعرف اذا كان فعلا وزارة الصحة عندها علم بكل اللي جرا منكم ولا لا؟"
(بينما يحتضن أمين وسليمة طفلهما بإحكام، تخرج رودينا هاتفها، تتصل بالقيادة لتبلغهم أن الطفل قد تم العثور عليه، لكن التحقيق لم ينتهِ بعد. فهذه القضية... قد تكون مجرد بداية لكشف حقيقة أكبر.)
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
 سليمة كانت تقف بجانب سرير ابنها، وعينها تتأمل فيه بقلق شديد. شعور غريب كان يعتصرقلبها بين الفرح والدهشة، فهي لا تصدق أنها بالفعل تشم رائحة ابنها وتشاهده على فراشه. كان الأمر يبدو لها وكأنها استفاقت من كابوس مفزع، لكن الحقيقة كانت أوقع بكثير. سليمة: "نام يا نين، عين أمك مش مصدقة إني بشم ريحته وبشوفه على فرشته، حاسة كأني فوقت من كابوس فظيع... يا أمين."
 أمين اقترب منها، وعيناه كانتا مليئتين بالقلق والرعب. كان ينظر إلى الولد وهو يترعش بشكل غير طبيعي، وعقله يكاد يتوقف عن التفكير من شدة الصدمة.
 أمين: "الواد عمال يترعش يا سليمة! مش حاسة؟" 
سليمة، التي كانت ما تزال تحاول استيعاب ما يحدث، نظرت إلى الولد بحيرة. لكنها لم تكن قادرة على فهم ما يحدث، وعينيها بدأت تزداد اضطرابًا مع كل لحظة تمر
.سليمة: "لا ونبي يا خويا، مش واخدة بالي! وريني فين؟" 
لكن الصدمة كانت أكبر مما توقعت، وعندما نظرت إلى الولد بوضوح أكبر، شعر قلبها يكاد يتوقف من الخوف
. سليمة: "يالهوي! دا مولع نار! جسمه بيتنفض جامد... هو ماله
 أمين، الذي كان يحاول ضبط أعصابه في تلك اللحظة الحرجة، علم أنه لا وقت للانتظار. يجب أن يتصرف فورًا. أمين: "أومي بسرعة، هاتيله كمادات، أومي! سترك يا رب!" سليمة، التي كانت مشاعرها ممزوجة بالخوف والقلق، بدأت تتحرك بسرعة وبلا تفكير، ودعاؤها يخرج من قلبها
. سليمة: "حاضر يا خويا، حاضر 
....
 في منزل رودينا، كانت الأجواء مشحونة بالصمت الثقيل. نصيرة تناديها بصوت مزيج من القلق والحنان
: نصيرة: "بت يا رودينا!" 
رودينا كانت جالسة على الكنبة، مغمضة عينيها كأنها تحاول الهروب من ضجيج أفكارها، واكتفت بهمسٍ ثقيل:
 رودينا: "أممم..."
 اقتربت منها نصيرة، وعيناها تتفحصان ملامحها المنهكة: نصيرة: "مالك يا بت؟ من ساعة ما جيتي من بره وحالك ميسرش حد." 
فتحت رودينا عينيها ببطء، وزفرت تنهيدة طويلة، كأنها تحمل على صدرها جبالًا: 
رودينا: "تعبت يا دادة! القضية بتاعة النهاردة كلها وجع دماغ، ومش مكتوبلي راحة فيها، بعد ما جبت الواد، فتحت على نفسي فتحات مش هتنوي على قفلة أبدًا."
 نظرت إليها نصيرة بحنان صادق، ومدّت يدها تمسح على كتفها
 نصيرة: "فضفضي طيب يا بنتي..."
 وقبل أن تبدأ رودينا في الكلام، رنّ هاتفها فجأة. نظرت إلى الشاشة، فإذا به اللواء يتصل. أجابت بسرعة، وبدت ملامح وجهها أكثر توترًا بعدما طلب منها الحضور فورًا. أغلقت الهاتف، اقتربت من نصيرة، قبّلت رأسها بحب، ثم غادرت المنزل بخطى سريعة، وكأنها تودع لحظة راحة لم تدم. 
......
 كان صوته حاسمًا، لا يقبل نقاشًا، لكن الكلمات التي خرجت منه جعلت عقل رودينا يتوقف للحظة. نظرت إليه بذهول، كأن الأرض اهتزت تحت قدميها، لم تكن تتوقع أن يُطلب منها هذا. رودينا (بتوتر وانفعال): "يعني إيه الكلام دا؟"
 رفع اللواء عينيه نحوها دون أن تظهر عليه أي ملامح للدهشة، نبرته ظلت ثابتة وباردة: 
اللواء: "من إمتى وإحنا بنسأل؟" خطت رودينا خطوة للأمام، قلبها ينبض بعنف، ودماغها يرفض يستوعب الطلب: 
رودينا: "حضرتك عايزني أراقب دكتور من المستشفى؟ وليه التعب؟! إحنا لو شاكين فيه، نقبض عليه على طول!" أغلق اللواء الملف اللي كان قدامه بهدوء ثقيل، وقال وهو بيحاول يضبط انفعالها بكلماته: 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
اللواء: "مافيش دليل ضده، وعايزين منك تركزي وتراقبي كل تحركاته. ممكن يكون ليه يد في اللي حصل للولد." 
ثم انحنى قليلًا للأمام، صوته بقى أوطى، لكنه أكتر ضغطًا: اللواء: "وبعدين… دي مش قضيتنا الحقيقية." سكت لحظة، وكأنه بيمهد للي بعدها
: اللواء: "قضيتنا الحقيقية إزاي المستشفى بتطلع أوراق رسمية من غير ما حد يقدر يمسك عليها حاجة. وحتى لو الدكتور طالع بريء، هيكون طرف خيط يدلنا."
 أشار بإيده نحو الباب، نظراته كانت واضحة
: اللواء: "ابدئي شغلك يا حضرة الظابط."
 ....
 في منزل أمين، خفت الرعشة أخيرًا، واستقر جسد الطفل على فراشه بهدوء نسبي بعد لحظات مرت كالدهر. جلست سليمة بجواره، تمسح جبينه بكمادات الماء وتتنفس براحة للمرة الأولى منذ ساعات. رفعت عينيها لأمين وقالت بصوت خافت، لكنه مطمئن: 
سليمة: "الحمد لله... الرعشة خفّت. أنا هنام معاه النهارده يا أمين." أومأ أمين بتفهم، صوته هادي ومليان حنية:
 أمين: "اللي يريحك يا سليمة... أنا برة، لو احتجتوا أي حاجة." همَّ أن ينهض مغادرًا، لكنه فوجئ بيدها تمسك يده فجأة، نظرت إليه بعينين مملوئتين بندم صادق:
 سليمة: "متزعلش مني... من الكلام اللي قولته. مكنتش في وعيي، كنت متاخدة وخايفة ع الواد... لكن انت أبوه، آه مش من صلبك، بس كفاية إنك ربيته... وهو متعلق بيك." 
نظر إليها، وقلبه كان مليان تقدير لصدقها. مد يده وربّت على يدها برقة، ثم طبع عليها قبلة خفيفة
 أمين: "مش زعلان يا سليمة. في الأوقات اللي زي كدا، الواحد لازم يقدّر... وانتي كنتي في حالة صعبة. أبقى إنسان ظالم لو حاسبتِك عليها. حمد الله ع سلامة الواد... يا حبيبي."
 نظرت إليه بامتنان حقيقي، وباست إيده بخجل وهدوء. هو ردّ القبلة على جبينها، وخرج من الغرفة تاركًا خلفه دفء المشاعر وطمأنينة كانت غايبة من سنين. 
.....
 كان مالك يقود سيارته بسرعة متوسطة، والشارع شبه خالٍ إلا من بعض المارة. كان هاتفه موصولًا بالسماعة، وصوت يحيى يصدح واضحًا وهو يحكي عن تلك الشرطية الغامضة
. مالك بدهشة: "شرطية!" 
يحيى بتأكيد: "آه والله، بس بميت راجل."
 رفع مالك حاجبه باستغراب واهتمام: "اسمها إيه؟" 
يحيى بضيق: "وأنا إيش عرفني يا جدع؟ إيه الأسئلة دي؟"
 مالك وهو يفكر بصوت مرتفع: "أصل الحكاية فعلاً ليها هيبة كدا... مش متصور في بنت تعملها، وهي كائن حساس بطبعه. دي شكلها عامل إزاي؟ حلوة؟ أكيد شكلها عادية؟"
 يحيى ضاحكًا: "لا، بيقولوا صاروخ أرض جو."
 وما إن همَّ مالك بالتعليق، حتى فُتح باب السيارة الأمامي فجأة بعنف، واندفعت فتاة داخله وهي تلهث، تغلق الباب بقوة، ووجهها مرعوب، وعيناها تتوسلانه بلا كلمة. استدار نحوها مذهولًا، وعلى وشك أن يسألها ما الأمر، لكنها لم تُمهله... انهارت فجأة وسقط رأسها إلى الخلف وقد أغمي عليها، بينما تجمدت يداه على عجلة القيادة، وصوت يحيى لا يزال يأتي من السماعة: 
"مالك؟ مالك؟ أنت سكت ليه؟!" لكن مالك لم يجب... كان ينظر إلى الفتاة المغمى عليها، غير مدرك أن من تجلس بجانبه الآن، ليست إلا "الشرطية"... نفسها.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
 كانت رودينا تسمعه بوضوح تام، لكنها قررت التمادي، فاستسلمت لوضعها وكأنها فقدت الوعي تمامًا، دون أدنى حركة. اقترب منها مالك بتوتر، وقد بدا عليه الارتباك الشديد، ثم هتف بصوت مضطرب: "مالك: مالك... يا آنسة! آنسة إنتي اسمك إيه؟ ولا طلعتيلي منين؟! يا بنتي أبوس إيدك فوقي، إحنا في مكان عام وزحمة، هيقولوا عليّا خطفتك كده!" 
أخذ يتلفت حوله بقلق متزايد، يحاول إيجاد طريقة لإفاقتها أو الهروب من الموقف
. "مالك (يهمس): طيب أعمل إيه؟ أفوّقها إزاي؟ واشمعنا أنا اللي دخلتلي من بين كل العربيات؟! إيه الحظ ده؟"
 وقبل أن يتخذ أي خطوة، جاءه صوت خافت تبعه خبطٌ خفيف على زجاج السيارة. التفت سريعًا، ليرى شرطيًا واقفًا يرمقه بنظراتٍ حادة. "
مالك (بصوت خافت ومذهول): أوبا... اهي كملت!
.........
 اقترب الشرطي من نافذة السيارة، يقطب حاجبيه وقد ارتسم الشك في ملامحه: الشرطي: البنت مغمي عليها ليه؟ إنت خاطفها؟
 ابتلع مالك ريقه بصعوبة، وأشار برعشة خفيفة نحو رودينا الممددة بجانبه
: مالك (مرتبك): والله يا حضرة الظابط، أنا ماشي في أمان الله، لقيتها بتفتح الباب وترمي نفسها عندي، وفجأة لقيتها كده! 
تأمله الشرطي بريبة، ثم انحنى قليلًا ليرى وجه رودينا، التي واصلت تمثيل دور الفتاة المغشي عليها ببراعة تستحق جائزة الأوسكار. 
الشرطي: طيب اسمها إيه؟ مالك: أنا حتى مش عارف اسمها! هي فجأة ظهرتلي! أقسم بالله حسّيت إني داخل فيلم خيال علمي مش شارع عام! اقترب الشرطي أكثر وطرق بأصابعه على الزجاج المجاور لرودينا:
 الشرطي: آنسة؟ آنسة فوقي كده معايا! 
حرّكت رودينا حاجبها بخفة، ثم أطلقت تنهيدة طويلة، وكأن روحها عادت من رحلة بعيدة، قبل أن تفتح عينيها ببطء. رودينا (بصوت ضعيف): ماما...؟ 
مالك (يهمس وهو يتلفت): ماما إيه بس؟ فوقي وحيات أبوكي احنا في مصيبة! 
الشرطي (بقلق): آنسة، إنتي كويسة؟ الراجل بيقول إنك دخلتله العربية فجأة، ممكن أفهم ليه؟
 رفّت رودينا بعينيها وتمسّكت بذراع مالك وهي تتحدث بصوت متهدّج
: رودينا: اطمن يا باشا، دا جوزي... بس إحنا متخانقين، عشان كده بيقولك كده... مش كده يا بيبي؟
 تجمّد مالك في مكانه، ينظر لها بذهول، كأن الزمن توقف، وعقله بيحاول يستوعب الكارثة اللي نزلت عليه
 أخذ الشرطي يحدّق فيهما بنظراتٍ متوجّسة، ثم قال بصوتٍ حازم:
 الشرطي: شكلكم مش مريحني خالص، وأنا ظابط ذكي قوي... وبشم ريحة الكدب من على بعد. لو فاكرين إني هبلع التمثيلية البايخة دي، تبقوا غلطانين! معاكم قسيمة جواز كإثبات؟ ولا تحبوا أشربكم شاي في القسم؟
 ارتبك مالك، وأشار بيده بقلق: مالك: إثبات إيه يا حضرة الظابط؟ هو حضرتك أي واحد ماشي مع مراته لازم يبقى شايل قسيمة جواز في جيبه؟
 رفع الشرطي حاجبيه بتحدي: الشرطي: أنا شايفها بعنيا وهي داخلة عربيتك!
 لوى مالك فمه بدهشة
: مالك: أومال ليه بتقول إني خاطفها؟ 
تدخّلت رودينا بسرعة، وقد بدا عليها التوتر لكنها حاولت السيطرة على الموقف:
 رودينا: حضرتك... أنا كنت بعمل فيه مقلب علشان أصالحه. متصورتش إن الموضوع هيزيد كده، ويبقى عايز يسلّمني للحكومة بالكذب! بس خلاص، صافِي يا لبن... سيينا نروح بقى عند حماتي، أصلها تعبانة قوي. أخذ الشرطي نفسًا عميقًا ثم قال بجدية:
 الشرطي: طيب، البطاقة؟ رودينا: كانت في الشنطة... وقعت مني لما نزلت ف الشارع. أشار الشرطي نحو الرصيف: الشرطي: انزلي ندور عليها.
 نزلت رودينا من السيارة، تبعها مالك بتردد، والشرطي يتقدّمهم بخطوات واثقة. كان قلب مالك يخفق بسرعة، وبينما يسير بجانبها، مالت نحوه وهمست في أذنه: 
رودينا (بهمس): جاريني... وهقولك على كل حاجة. 
رمقها مالك بنظرة جانبية، وهمس بنبرة تهديد: 
مالك: ولو فضحتك؟ 
بتسمت بخفة وقالت بثقة: رودينا: ساعتها... إنت اللي هتلبس في الآخر.
......
 تقدّم الشرطي بخطوتين للأمام، عينيه تمسحان المكان كصقر يتحرّى طريدته. صمته كان أثقل من التهمة، قبل أن ينطق بصرامة: 
الشرطي: مفيش حاجة ف الشارع... فين البطاقة؟ 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ترددت رودينا، نظراتها مشتتة كأنها تبحث عن مخرج وهمي، ثم قالت
: رودينا: شكلها طارت ف الهوا.
 لم يتحمل صبره أكثر، صرخ في وجهها بعصبية:
 الشرطي: انتي هتستعبطي عليا يابت؟!
 رفعت حاجبيها بتظاهر بالبراءة: رودينا: أبدًا يا باشا...
 تدخّل مالك سريعًا، يحاول إنقاذ الموقف قبل أن يتعقد أكثر: مالك: خلاص يا باشا، دي مهما كان... جماعتي.
 نظر إليهما الشرطي بعيون لا تصدق، ثم قال بلهجة تنذر بالخطر:
 الشرطي: أنا هعديها المرادي، رغم إني مش حاسسكم أصلًا. بس لو شوفتكم تاني، هطلع عليكم القديم كله. هزّ مالك رأسه بإذعان، 
وقال معتذرًا:
  تسلم يا باشا، آسفين على الإزعاج
. ثم مد يده فجأة، شدّ رودينا بعنف للداخل، وأغلق باب السيارة بقوة. انطلق كالرصاصة، وعيناه مشتعلة بالغضب. لم يلتفت نحوها، صوته كان باردًا كحد السكين:
 مالك: إنتي مين؟ وعايزة مني إيه؟
 ردّت بلا تردد، وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال:
: إنت اتورطت معايا خلاص. 
ضحك بسخرية، عيونه تنذر بالخطر:
 مالك: يا سلام؟ طب مانا ممكن أوقعك من العربية وأقتلك. صدمها بكلماته، لكنها تماسكت: رودينا: تقتلني؟!
 انحرف بفمه بابتسامة مريبة: مالك: خوفتي كده ليه؟ هو اللي زيك يعرف يخاف
 رمقته بثبات غريب، ثم همست بثقة:
 رودينا: إنت مش هتقدر تعمللي حاجة أصلاً. رفع حاجبه بتحدي: مالك: متأكدة؟
 وفجأة، دون إنذار، مد يده وفتح باب السيارة بعنف، وزقّها بقوة للخارج. صرخت رودينا، صوتها مزّق الهواء،
..............
 زَجَّ مالك بها فجأة، فصرخت رودينا، وجسدها مال ناحية الباب. قبل أن تقع، شدَّها من يدها وأرجعها داخل السيارة، والباب أغلق بقوة بينما كانت تنهج بصعوبة.
 قال مالك بنبرة تهديد ومكر: "شوفتي بقى إني مش بتاع كلام؟" 
أجابته رودينا بزعيق، وهي تحاول استعادة توازنها: "أنت مجنون! كنت هتوقعني!"
 رد مالك بحدة: "أجن من جنسك كله بت! قولي ع طول، أنا صبري قرب يخلص! اتكلمي بدل ما أوديكي القسم!" 
قالت رودينا بصوت منخفض: "هتكلم بس بشرط."
قال مالك بقسوة: "هتحايل عليكي ولا إيه؟"
 أجابته رودينا بثقة: "هتنفذه غصب عنك."
 شَدَّ مالك يدها بعنف، وتلاقت عيناه بعينيها، كان الشرر يتطاير بينهما
. قال مالك بنبرة غاضبة: "لو مستحملك عشان حاجة واحدة بس."
 نظرت رودينا إلى ملامحه بهيام، ثم قالت بهدوء: "إيه بقى الحاجة دي؟"
 بصَّ مالك إليها بعينين مليئتين بالهوس، بينما حاولت هي أن تجمد نفسها، لكنه دفعها مرة أخرى حتى لا يظهر عليه الضعف. ثم قال بنبرة متوترة: "شرط إيه اللي عايزاه؟"
 أجابته رودينا بتوتر: "تكتب عليا دلوقتي عند المأذون الشرعي؟"
 صُدم مالك للحظة، ثم فاجأها بجوابه: "نعم! اكتب اييييي ياختي!"
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
هاجر عبدالحليم
كان الليل قد بدأ ينسدل على المدينة، والهدوء الكاذب يغلف الشارع كستار يخفي خلفه الكثير من الفوضى. وقفت رودينا تحت عمود إنارة باهت، تتلفّت حولها بملامح مضطربة، لكن خلف عينيها كان هناك شيء مختلف... ثباتٌ غريب لا يليق بفتاة في ورطة.
مالك (بصوتٍ مرتفع ونبرة متوترة):
– إنتي يا بت، شكلك وراكي مصيبة وجاية تلبسيهالي! هو أنا ناقص؟ إحنا مش ف فيلم كرتون! أنا ورايا بلاوي سواء ف الشغل أو مع أهلي، مش ناقصني واحدة مجنونة جاية ترمي نفسها عليا بقلة عقل!
خفضت رودينا رأسها قليلًا، تمسح دمعة لم تنزل، تُتقن أداء الدور بإتقان ممثلة محترفة... أو بالأحرى، شرطية تعرف كيف تستدرج فريستها خطوة بخطوة. كانت كلماتها معدودة، مختارة بعناية، كأنها تلعب شطرنجًا بكلماتها.
رودينا (بهمس خافت):
– بس والله ما ناوية أذيك... كل الحكاية إني اتعشمت ف شهامتك ورجولتك، وقلت يمكن تساعدني...
تقدم مالك بخطوة، والعصبية تأكل ملامحه. كان يظنها فتاة تائهة، بينما كانت هي تراقب ردود فعله، تحفظ تعبيراته، وكأنها تجمع أدلة تُضاف إلى ملفه السري.
مالك (بتهكم):
– أساعدك ف إيه يا بنت المجانين إنتي؟!
رفعت رودينا عينيها نحوه، ونظرة الضعف في ملامحها كانت مجرد قناع. لكنها حافظت على أدائها، كأنها تكتب نهاية مشهد مهم في تحقيق سري.
رودينا (بصوت يملؤه القهر):
– متغلطش فيا، وصون لسانك بدل ما...
لكنه قاطعها، جذَب ذراعها بقسوة، وعيناه تقدحان شررًا. لم تهتز، رغم الألم. بل بدا وكأنها تنتظر هذه اللحظة بالذات.
مالك (بعصبية):
– بدل ما إيه؟! هاتي آخرك!
وفي داخلها، ابتسمت ببرود، لكنها أبقت على ملامح الانكسار. كانت قد بدأت في اصطياده، وها هو يسقط في الفخ بإرادته
......
 : كان الجو متوترًا، والمشاعر مشتعلة بين مالك ورودينا. كانت السيارة متوقفة على جانب الطريق، بينما مالك يحدق في رودينا بعيون مليئة بالشكوك والغضب.
رودينا (بصوت متقطع من الغضب، لكن هادئ):
– خلاص، أنا هروح ومش هتشوف وشي تاني.
نظر إليها مالك بشيء من الاستغراب، ولم يعرف كيف يرد. كان غارقًا في مشاعره المختلطة، هل هي جادة؟ أم أنها مجرد تهديد آخر؟ لكنه قرر أن يواجهها.
مالك (بخفة، بنبرة ساخره):
– وكان ليه من الأول؟
رودينا (بصوت هادئ وفيه مرارة):
– افتكرت إنك عندك ضمير.
توقف لحظة، وكانت نبرة كلامها تغلفها بحزن مرير. لكن هو لم يتأثر، بل زاد غيضه. استدار قليلًا ثم نظر إليها بعينين قاسيتين.
مالك (بحسم، وهو يرفع حاجبه في استهزاء):
– لا، مخك زنخ أوي، ياريت تقفليه وما تفكريش تاني. أنا واحد جاحد، ومش بيهمني حد. روحي بقى من مطرح ما جيتي. سلام.
خطواته كانت سريعة، كأنما يريد الهروب من الموقف كله. بينما كان يبتعد، استدارت رودينا لتراقبه عن كثب. وقبل أن يختفي تمامًا عن نظرها، تلفت إلى الوراء وقال بصوت هادئ، لكن حاد:
مالك (ببرود):
– أتمنى ما نتقابلش تاني.
كانت الكلمات ثقيلة، لكنها لم تكن قادرة على إخفاء التحدي الذي كان يلوح في عينيها. وقفت ثابتة، نظراتها لا تفارق عينيه.
رودينا (بصت له بتركيز، وكانت نظرتها مليئة بالتحدي):
– على حسب النصيب.
ثم انقضى الموقف كما كان، لكن التوتر الذي كان بينهما لن يختفي بسهولة.
.....
في قسم الشرطة، كان اللواء يراقب التقارير التي أمامه بعناية. نظراته ثابتة، وكأن عقله مشغول بالتخطيط لخطوة جديدة.
اللواء (بصوت حازم):
– حلو أوي كدا.
رودينا، التي كانت واقفة أمامه، لم تستطع إخفاء ترددها. كانت هناك الكثير من التساؤلات التي تراودها، لكنها كانت تعرف أن الوقت ليس مناسبًا لطرحها.
رودينا (بتردد، ثم صوت خافت):
– مش فاهمة، يا فندم، إحنا بنعمل دا كله ليه؟
اللواء نظر إليها بجدية، ثم رفع رأسه ببطء، وكأنما يقرأ أفكارها. كانت المهمة التي كلفها بها ليست سهلة، لكن هو كان يعلم أن الوقت قد حان لتطبيق الخطوة القادمة.
اللواء (بصوت حازم، مع نظرة ثابتة):
– استعدي للخطوة الجاية.
رودينا، رغم القلق الذي بدا في عينيها، أومأت برأسها في امتثال. كانت تعرف أنها لا تملك سوى تنفيذ الأوامر، مهما كانت.
رودينا (بقليل من الحيرة، لكن مع احترام تام):
– أوامر سعادتك، يا فندم.
...........
داخل أرشيف المستشفى – مساءً
كان الهدوء يخيم على المكان إلا من صوت أنفاس مالك المتسارعة، وعيناه تتنقلان بين الأوراق القديمة والملفات المتراكمة. يده ترجف وهو يقلب في الملفات، كل ورقة يسحبها كانت تثقل قلبه أكثر.
مالك (بهمس متوتر):
 مش معقول… كل دول!
(يقف مذهولًا، يحدّق في مجموعة من الملفات تحمل أسماء مرضى… معظمهم توفوا، أو اختفوا دون أثر.)
يقترب من أحد الملفات، يسحبه بسرعة، يقلبه… ويصدم.
مالك (بصوت مبحوح):
دي… دي الحالة اللي كنت متابعها من شهرين واتوفت مع انها كانت مستقرة جدا!
ينهار جالسًا على الكرسي، يغطي وجهه بيده. بعد لحظات، ينهض  فجأة وكأن شيئًا قد اشتعل داخله.
مالك (بحزم وغضب مكتوم):
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
لا… لازم حد يعرف باللي بيحصل
لازم أقول ليحيى… مش هسكت على اللي شُفته ضميري مش هيسمح بكدا. في ناس ماتت يمكن لو اتشجعت وبلغت هنقذ ارواح تانية كتير
...
مالك يمشي بسرعة، أنفاسه تتلاحق. وجهه مليء بالحيرة، وعيناه تائهتان.
مالك (في نفسه):
لو المعلومات دي صح يبقى في حد بيستغل المرضى… أو بيغطي على جرايم كبيرة بس مين؟
..........
في شقة يحيى
يدق مالك الباب بقوة. يحيى يفتح وهو لابس بيجامة، وعلامات النوم على وجهه.
يحيى (بدهشة):
مالك؟! في إيه؟ 
مالك (يندفع للداخل):
اقفل الباب… بسرعة!
(يحيى يقفل الباب، ومالك يبدأ يشرح له وهو يلهث، يخرج من حقيبته بعض الأوراق والملفات.)
مالك (بعصبية):
أنا كنت براجع ملفات أرشيف الحالات… ولقيت حاجات… حاجات مرعبة يا يحيى.
في حالات كتير ماتت في ظروف غامضة، وتشخيصهم اتغيّر فجأة… وفي ملفات متعدلة بخط مش بتاع الأطباء اللي كانوا متابعينهم!
يحيى (يأخذ الورق ويبدأ يقراه):
استنى… استنى كده… إنت بتقول إن في تلاعب في التقارير الطبية؟ 
مالك (بعينين مليانين خوف):
أنا مش متأكد، بس في أسماء اتكررت… وناس اختفت بعد ما دخلوا المستشفى.
أنا خايف يا يحيى… خايف أكون فتحت على نفسي باب مالوش آخر انا الكاميرات شافتني وانا معايا الورق يايحيي تفتكر هموت؟
يحيى (يسنده وبيتكلم بهدوء يحاول يطمنه):
مالك، إهدا… مش هتموت ولا حاجة، محدش هيقربلك،
مالك (بصوت مخنوق):
 المرضى اللي كانوا تحت إيدي، كانوا كويسين!
فجأة اتنقلوا العناية… وبعدها ماتوا.
وأنا ساكت… كل مرة كنت بقول دي قضاء وقدر… بس ده مش قدر، ده شغل بني آدمين!
يحيى (ينظر في الملفات، تقاطيع وشه بتتغير):
فيه توقيعات ناقصة، أدوية متغيرة…
ده ممكن يكون شغل شبكة، مش مجرد خطأ طبي.
مالك (بعصبية):
وأنا لسه سايب ورق هناك!
لو حد دخل الأرشيف ولقاني قلبت حاجات مش من اختصاصي…
أنا ورّطت نفسي يا يحيى!
يحيى (ينظر له بتركيز):
لا… إنت عملت الصح.
بس من اللحظة دي، لازم نتحرك صح
مالك (بقلق):
إزاي؟!
يحيى (يفكر بسرعة):
هنصور كل حاجة، نسجّل كل حاجة.
بس نحتفظ بيها في مكان برا المستشفى…
وهنبدأ نسأل ونراقب، بس من غير ما نلفت نظرهم.
(لحظة صمت بينهم، وبعدين…)
مالك (بنبرة فيها رعب):
إنت متخيل؟ لو اللي بيحصل ده من فوق… من إدارة المستشفى نفسها؟
يبقى احنا قدام وحش كبير يا يحيى…
يحيى (بصوت منخفض وخطير):
يبقى لازم نعرف اسم الوحش…
ونقطع راسه قبل ما يبلعنا.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
كان مالك يقود سيارته بسرعة ثابتة، لكن شيئًا ما استوقفه... لم تكن الزحمة هذه المرة، بل تلك السيارة السوداء التي انعكست في مرآته الجانبية، تتابعه بخطى ثابتة منذ وقت ليس بالقصير. نظر إليها مجددًا ليتأكد، فشعر بالقلق يتسلل إلى أعماقه.
أدار المقود فجأة، انعطف في أحد الشوارع الجانبية، ثم تابع السير في اتجاهات متباينة، محاولًا التمويه. تعمد التوقف عند إشارات فرعية، والانطلاق بشكل غير متوقع، إلى أن شعر بأنه تخلّص أخيرًا من الملاحقة.
تنهد بعمق، كأن صدره كان يضيق بشيء لم يفهمه بعد، وبينما يمد يده ليفتح هاتفه، وصلته رسالة.
فتحها دون اهتمام في البداية، لكن ما إن قرأ كلماتها حتى تجمدت ملامحه كليًا.
"يا ترى، إيه أخبار بنتك الصغيرة؟ مش هي عندها توحد برضو؟ بس تصدق؟ أول مرة أشوف طفلة صهباء بالجمال ده كله."
شحب وجهه، واتسعت عيناه في ذهول لا إرادي. قبض على الهاتف بيده بقوة، بينما دقّ قلبه بعنف...
من هذا؟ وكيف عرف عن ابنته؟
......
ضربات عنيفة على الباب أيقظت القلق في قلب سيدة، فهرعت تفتحه وهي تتمتم بذعرٍ مكتوم:
سيدة (بقلق):
– "في إيه؟ مين بيخبط كده؟!"
ما إن أدارت المقبض حتى انفتح الباب بعنف، ودخل مالك، شاحب الوجه، مبلل الجبين، وعيناه تلمعان برعبٍ واضح.
سيدة (مصدومة):
– "مالك يا ابني؟ وشك عامل كده ليه؟ حصل إيه؟"
لم يجب، بل اندفع داخل البيت وهو يلهث، ثم صرخ:
مالك:
– "فين بنتي؟ فين اسيا؟!"
سيدة (بصوت متهدج):
– "في أوضتها يا حبيبي، من الصبح وهي بتعيط وبتندهلك، ادخل شوفها."
اتجه مالك نحو الغرفة بخطوات متسارعة، قلبه يضج بالفزع، ويداه ترتجفان. فتح الباب بسرعة، وعيناه تسبقانه بالبحث.
كانت "اسيا" جالسة على الأرض، تحتضن ألعابها الصغيرة، وجهها البريء مشوب بالحزن. وما إن رأت أباها حتى أضاءت ملامحها، وقامت تجري نحوه وهي تصرخ بفرح:
اسيا:
– "باباااا!"
انحنى مالك بسرعة، وفتح ذراعيه، فاندفعت إليه واحتضنته. ضمها إلى صدره بقوة وكأنه يخشى أن تُنتزع منه، بينما تردد صوته المرتجف في الغرفة:
مالك (بهمس يرتجف):
– "الحمد لله... الحمد لله إنك بخير يا روح بابا..."
.....
في غرفة سيدة، كانت الإضاءة خافتة والهدوء يعم المكان، لكن قلب مالك كان مليئًا بالاضطراب والقلق. اقترب من السرير، حيث كانت اسيا نائمة، وركع بجانبها. وضع رأسه برفق على رأسها وهو يمرر أصابعه بين خصلات شعرها.
سيدة (وهي تراقب الموقف بحذر):
– "نامت؟"
مالك (بصوت منخفض، وهو ينظر إلى ابنته بقلق):
– "أمي... أنا لو جرالي حاجة، خلي بالك من بنتي، هي ملهاش غيرك بعد موت أمها الله يرحمها."
سيدة (باندهاش وخوف):
– "ياستار يارب! اي الكلام الوحش دا؟ لا، اوعي تتكلم بالطريقة دي تاني... أنا مش هسمح لك بكدا، بنتك انت اللي هتربيها، وهتعيش وتشوفها عروسة حلوة، وتسلمها للي يصونها. ماتقلقش، كل حاجة هتكون تمام."
لكن مالك لم يهدأ، ودموعه تكاد تنهمر. نظر إلى ليلي مرة أخرى، ثم قال بصوت يملؤه الحزن:
– "خايف عليها، البنت ظروفها مختلفة عن باقي الأطفال اللي في سنها. ومراتي كانت أكتر واحدة بتفهمها، وبترتاح في حضنها."
ظل ينظر إلى ليلي بحزن عميق، ثم سأل سيدة بصوت مهزوز:
– "تفتكري... أنا السبب؟"
سيدة (بتعجب وحزن، وهي تضع يدها على كتفه لتمنحه بعض الراحة):
– "تاني يبني؟ 
مالك (وهو يحاول كبح دموعه، ويفكر بصوتٍ عميق):
– "ومليون يا أمي، مش عارف أنام من تأنيب الضمير... شعور إن مراتي راحت قدامي وأنا ما قدرتش أعمل حاجة... شوفتها بتموت قدام عيني كان ممكن انزل من العربية وانقذها قبل الحادثة."
سيدة (تنهدت ثم قالت بصوتٍ هادئ لكن مليء بالطمأنينة):
– "اللي حصل كان حادثة،يبني.. لو كنت تقدر تمنع نصيبها، كنت هتمنعه لا والله لا انت ولا مليون يمنع قدر ربنا؟"
مالك (بصوتٍ حزين، وقد امتلأ قلبه بالندم):
– "بس كان ممكن تبقى ف وسطنا دلوقت... دلوقتي مشيت وسبتني أتحمل أمانة كبيرة أوي في رقبتي."
سيدة (بابتسامة هادئة وهي تضع يدها على قلبه):
– "وليه متقولش سبتلك حتة من الجنة؟ بنتك هي اللي هتخليك تشوف الحياة بشكل مختلف، وهي هتكون خير تعويض ليك عن كل الألم اللي عشته."
توقف مالك عن الكلام، وظل صامتًا لحظة، وكأن الكلمات التي قالتها سيدة لمست قلبه بشدة، وأعادت له بعض الراحة في هذا الوقت العصيب.
......
في القسم، كان الصمت يلف المكان. فجأة، سُمع صوت خبطات على الباب، ثم دخل يوسف بسرعة، وعيناه تعكس توترًا واضحًا.
يوسف (بصوت متعجل وهو يغلق الباب خلفه):
– "شوفتي اللي حصل النهاردة؟ المديرية مقلوبة، والكل عمال يجري!"
رودينا (تتوقف عن عملها وتنظر إليه بقلق، ثم تسأله بتوتر):
– "خير؟"
يوسف (بتنفس سريع، وكأنّه يحاول استيعاب ما حدث، ثم قال بسرعة):
– "قضية الطفل المفقود، يا بنتي... اللواء ف المكتب وقاعد معاه مالك."
رودينا (ترتجف، وتسحب نفسًا عميقًا قبل أن تعيد السؤال بصدمة):
– "بتقول مين؟!"
.........
رودينا أخذت نفسًا عميقًا، ثم تقدمت نحو باب غرفة المكتب. كانت مشاعرها متناقضة، لا تعرف كيف ستواجه مالك بعد الموقف الأخير بينهما. كيف سيكتشف أنه كانت هي نفسها التي تسببت في الموقف الغريب؟ حادثة الشرطي، والسيارة، وحالة الإغماء التي تظاهرت بها أمامه. كانت تتساءل إن كان سيصدق أنها كانت تمثل عليه، أم أنه سيعتقد أن هناك شيئًا آخر وراء ما حدث ؟
قبل أن تتمكن من دخول الغرفة، شعرت بشيء غير متوقع. يد قوية أمسك بها فجأة من معصمها، وشدها بقوة مرة أخرى نحو مكتبها.
رودينا (بدهشة، وهي تحاول الإفلات):
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
– "في إيه؟!"
يوسف (بصوت حاسم، وهو ينظر إليها بجدية):
– "متدخليش دلوقتي."
رودينا (مستفهمة، وهي تقف في مكانها):
– "ليه؟ مالك جاي ليه يايوسف؟"
يوسف (بجدية، وهو يشير إلى الباب):
– "عشان يبلغ عن الأوراق اللي في الأرشيف، والمعلومات ممكن تودي صاحبها وراء الشمس، بس لسة ما فيش تفاصيل واضحة."
رودينا (بتحدي، وهي تنظر إليه بعينين مليئتين بالحيرة):
– "دي عايزة كلام! أكيد المستشفى كانت فعلاً مكان لجرايم تجارة أعضاء الأطفال، والولد اللي اتخطف كان هيتقتل لولا ما لحقناه. الفكرة بقى أن أكيد في أرواح تانية ماتت، وفي أرواح تانية هتموت لو  مقبضناش عليهم في أسرع وقت."
يوسف (بنبرة هادئة ولكنه حازم):
– "الأوامر جتلي إنك لازم تخبي هويتك عن مالك عشان تقدري تحميه لو فعلاً بريء."
رودينا (بتفكير سريع، وهي تحاول تحليل الموقف):
– "وممكن يكون بيعمل كده عشان يضللنا، ويخلينا نركض وراء خيط غلط."
يوسف (بثقة، وهو يضغط على كلماتِه):
– "وعشان كده لازم تكملي لعبتك لآخرها، عشان تكشفي ورقة اللواء. بيقولك هو هيخرج كمان ساعة، بعدها نفذي."
......
خرج مالك من القسم متثاقلاً، كأنّ أثقالًا قد رُفعت عن كتفيه لتُلقى على قلبه. سار ببطء، يتفادى نظرات الفضول من المارة، يسترجع في ذهنه تفاصيل التحقيق، وكل ما مرّ به. الهواء الليلي كان باردًا، لكن قلبه كان أكثر برودة.
وفجأة، شقّ سكون الليل صوتٌ مألوف، أنثويٌّ، دافئ رغم خفته:
رودينا (من خلف الأشجار):
– "ماااالك!"
توقف فجأة، تسارعت ضربات قلبه بشكل مفاجئ. ذلك الصوت… كم من مرة تردّد في ذاكرته، في ضحكاته القليلة التي يختطفها من بين ألمه. البنت الغريبة التي اقتحمت يومه منذ فترة، وتركت فيه أثرًا خفيفًا لكنه حيّ.
استدار سريعًا، لتلتقي عيناه بعينيها، تلك النظرة نفسها، وذلك الجنون اللذيذ.
رودينا (بابتسامة شقية):
– "مكنتش متوقّع تشوفني تاني، صح؟"
مالك (وهو يعقد حاجبيه بدهشة):
– "إنتي تاني؟! إنتي بتطلعي منين ؟!"
رودينا (وهي تقترب منه بخفة):
– " فجاه! لما بطلع بطلع فجاه دي انا ودايما بسيب اثر ف القلوب تقدر تنكر؟
مالك (يحاول يخفي ابتسامته):
– "إنتي عارفة إنك شبه الكوابيس اللي بتفزع الواحد؟."
رودينا (بضحكة خفيفة):
– "لا كوابيس إيه… أنا حُلم، بس أنت اللي مش عارف تعيشه صح!"
ابتسم رغماً عنه، ونظر لها نظرة طويلة… نظرة هزت كيانها بالكامل
....
أمام الكوبري، في وقت متأخر من الليل، حيث يعم الهدوء وتنفرد الأضواء البعيدة على الطريق. رودينا جالسة بجانب مالك، تتحرك قدمها في الهواء بشقاوة بينما يواجهها بنظرات مشوشة.
رودينا (بابتسامة خفيفة، تنظر إليه بعينيها المترقبتين):
– "أنا مش حرامية يامالك ع فكرة ولا عو تجري منه ولا غرضي اوقعك؟."
مالك (بدهشة، يلتفت إليها بسرعة):
–  اللي يقول كدا يبقي نيته عمرها م كانت خير!"
رودينا (بثقة، وهي تضحك قليلاً):
–  أنا إنسانة عادية يامالك."
مالك (يرتشف نفساً عميقاً، غير متأكد مما سمعه):
– "لكن إنتِ قولتي إنك مش حرامية دلوقت وتبرير لحاجات عمرها م جت ف دماغي."
رودينا (تلتفت إليه بجدية، تومئ برأسها):
– "جايز عشان أطمنك قولت كدا."
مالك (بتردد، يحاول تهدئة أعصابه):
– "مش خايف منك عشان اللي بتعمليه دا طيش وسذاجة."
رودينا (بابتسامة ساخرة، تلعب بقدمها في الهواء):
– "مش خايف اه بس انت عندك فضول ناحيتي."
مالك (يحدق فيها بتركيز، يحاول معرفة نواياها):
– "عرفتي مكاني منين؟"
رودينا (تنظر إليه نظرة قاطعة، وهي تجيب بكل هدوء):
– "براقبك."
مالك (بدهشة، يلتفت نحوها):
– "وليه ىقا؟ عجبتك ولا اي؟"
رودينا (تبتسم بخبث، عيونها تتسع قليلاً):
– "أوي، الصراحة."
مالك (بخوف بسيط، يحاول الفهم):
– "لينا سابق معرفة ولا حاجة ممكن اكون فاقد الذاكرة ونسيت انك بنت الحيران مثلا؟"
رودينا (تضحك بشكل غير متوقع، تنظر له بخفة):
– "مع إنك بتتريق، بس هجاوبك. أنا بحبك من زمان قوي. من قبل حتى ما تتجوز مراتك. وع فكرة، حبي ليك خسارة، بقالى أربع سنين بشوفك من بعيد. فيهم، هو دا بردو نفس عمر بنتك الصغيرة. هي عاملة إيه دلوقتي؟"
مالك (يتنفس بعمق، يجذبها نحوه بعنف، وبفزع يبدو على وجهه):
– "مستحيل!" (يشدها بحركة مفاجئة، وهي تصرخ قليلاً ثم تبتعد عنه.)
رودينا (تبتعد عنه، وترتجف قليلًا، وعينيها تتسع للدهشة):
– "في حاجة اسمها بق؟ ليه اللمس حرام كدا؟"
مالك (بغضب، يحاول السيطرة على نفسه):
– "امشي من قدامي."
رودينا (بتوتر، تبتعد خطوات، وتوجه له نظرة جادة):
– "الكلام دا ليّ أنا؟"
مالك (بصرامة، يحاول الحفاظ على مسافة):
– "لو عديت من واحد لتلاتة ولقيتك واقفة قدامي، مش هتردد ثانية، وارميكي من هنا. أنا مش باقي على حد."
رودينا (تنظر إليه بتركيز، عيونها تحمل تحديًا غير مسبوق):
– "لو عايز توصلي، هتلاقيني أقرب ليك أكتر مما تتوقع."
(تشير إلى قلبه من بعيد، ثم تضيف بابتسامة ساحرة.)
رودينا (بصوت هادئ، مليء بالثقة):
– "دا هيدلك عليا. أنا مش وحشة، يا مالك. أنا دواء لوجعك. وأكتر شخص هيرشدك وقت ما تكون تايه."
سلمت عليه بيدها، وهو ينظر إليها، قلبه يدق بسرعة. مشاعر متناقضة تعصف به. مش مصدق تصرفاتها، وفي الوقت ذاته، يشعر بالعجز أمام حضورها وتحدياتها.
...
داخل المنزل – منتصف الليل
كان الظلام يغلف المكان، إلا من بعض أضواء خافتة تتسلل من تحت باب الغرفة. سكونٌ ثقيلٌ يلفّ الأرجاء، لا يقطعه سوى صوت بكاء متقطع... بكاء يُمزّق القلب قبل الأذن.
دخل مالك وهو يلهث، عيناه تفتشان عن صغيرته، وجسده منهك من يوم طويل، لكن صوته المرتبك جاءه من والدته تقف عند باب الغرفة، متعبة، شبه منهارة:
سيدة (بوجه متوتر وعينين محمرتين):
– "كويس إني شفتك، البنت وشها زي الكبدة، أنا 
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
– "كويس إني شفتك، البنت وشها زي الكبدة، أنا غلبت معاها يا مالك… كل شوية تقوم تصوت وتخبط نفسها ع السرير، ويغمى عليها خمس دقايق وتقوم تصرخ وتجز على سنانها أكتر من الأول… عمالة تنادي ع أمها، وشوية تانية عليك… صحيتني مفزوعة عليها… خايفة عليها أوي…"
لم يردّ مالك، بل اندفع إلى داخل الغرفة، كأن قلبه سبقه بخطوتين.
كانت آسيا جالسة على طرف السرير، منكفئة على نفسها، شعرها مبعثر، وعيناها تنتفضان بالبكاء. كانت ترجو شيئًا لم يعد بين يديها... أوهام طفولية تبحث عن صدر أم رحلت.
آسيا (تصرخ، تئن بصوت مبحوح):
– "لاااا... ماماااا... لاااااااااا..."
مالك (اقترب منها ببطء، جثا على ركبتيه أمامها، مدّ يديه بخفة):
– "اهدي يا روحي… بابا جمبك اهو، متخافيش..."
آسيا (تبتعد عنه، تدمع عيناها أكثر):
– "لأ… مامااا… أنا عايزة مامااا… مش عايزاك!"
مالك (يحاول الابتسام، رغم الانكسار في عينيه):
– "كده يعني؟ مفيش حب لبابا خالص؟"
آسيا (بصوت مخنوق، ترفع رأسها وتنظر إليه بوجع):
– "إنت مش بتحبني… سبتني لوحدي… مفيش أب بيخلي بنته وحيدة في أوضتها مدة طويلة… العابي زهقت منها… أنا عايزة حد جمبي… مش كلام وبس…"
كان مالك يبلع غصته، يراها تتكلم كأنها أكبر من عمرها، كأنها توارثت الوجع عن والدتها… حتى صدى الكلمات كان يشبه صوت أمها.
مالك (يحاول التماسك، صوته يتهدج):
– "وسبتك ليه؟ ده شغلي… وبعدين ستك معاكي، وبتحبك!"
لكن آسيا لم تتوقف عن الصراخ، كانت تنادي… وتنادي… وجسدها الصغير يرتجف.
وهنا… لحظة مرت كالكهرباء في عروقه، تذكّر.
تذكّر كيف كانت والدتها تفعل حين تصيب آسيا الحالة…
كانت تمسك بها من كتفيها، تقرّب وجهها منها، تهمس في أذنها بحنية، تردد دعاءً تحبه الصغيرة، تمسح على شعرها…
ثم تحتضنها حتى تهدأ…
اقترب منها كما كانت أمها تفعل. وضع يده بخفة على كتفها، لم تقاوم، ثم سحبها برفق لحضنه…
وانهارت فيه.
بكت… وبكى معها.
كان حضنه لها مكسورًا، وصوته مبحوحًا، وهو يهمس:
مالك (يبكي، يدفن وجهه في شعرها):
– "معلش… حقك عليا… أنا آسف يا روحي… آسف على كل لحظة سببتلك فيها وجع اكبر منك اسف…"
آسيا أخيرًا هدأت، وصوتها تلاشى وهي تحتمي بضلعه، وكأنها وجدت وطنها أخيرًا… بعد غربة.
وكان هو، في تلك اللحظة، أكثر احتياجًا لهذا الحضن
.....
ليلٌ هادئ يلف المدينة... قلبان يسهران على طرفين متباعدين من الوجع.
في غرفتها المعتمة، كانت رودينا جالسة على السرير، ظهرها مستند إلى الجدار، وعينيها معلّقتان بالسقف كأنها تبحث عن إجابة من بين شقوقه. كانت تشعر بشيء لا تُسميه، لكن قلبها يضجّ بالأسئلة.
رودينا (بهمس مرتبك):
"هو إزاي بيدخل القلب كده؟! أنا المفروض أكون في مهمة... أكون واقعية... مش ضعيفة
ابتسمت بمرارة.
"ولو طلع متورط؟! قلبي هيحتمل؟ أنا شفت اللي ملفه مخبّيه، بس اللي جواه... مش مكتوب. وجعه باين في عينه... وأنا عايزة أعرف أكتر... يمكن علشان أطمن؟ يمكن علشان..."
سكتت، وكأنها تخاف تنطق بالكلمة.
في الجهة الأخرى من المدينة، في بيت صامت إلا من صوت أنفاس ناعمة، كان مالك نائمًا على جانبه، يحتضن أسيا، التي هدأت أخيرًا بعد عاصفة من الألم. كانت نائمة على صدره، ويده تلف كتفها كدرعٍ بشريّ، وعيناه مفتوحتان، شاردهما معلق بالسقف.
مالك (بصوت داخلي، يهمس دون حراك):
"البنت نامت... بس أنا؟ أنا قلبي مش نايم. ليه كل ما أفتكرها ألاقي نفسي بضحك؟! جنانها... طريقته صوتها وهي بتقولي إنها بتحبني..."
ضحك بخفوت، ثم عض شفته بقلق.
ممكن تكون مزقوقة عليا من حد عشان 
ضم أسيا بقوة كأن الخطر على بابه.
"أنا مش هاسمح لحد يقرب منها... دا انا اقتلهم كلهم"
ثم تنهد وأغمض عينيه، لكن فكره كان سابحًا معها، بكل تفاصيلها.
وفي اللحظة نفسها...
كلاهما كان يحدق في السقف، في توقيت متزامن كأن قلبيهما على خيط غير مرئي، يتنقل بينهما دون استئذان.
انتي مين؟
واسمك اي؟
ماشية ليه ؟
رايحة فين؟
ارجعي
ارجعي
دا الغنا والكلام
مش مكفي اللي انا حاسس بيه 
دي بيحصل مرة ف ميت سنة
مش شايف غير انتي وانا
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
في غرفة رودينا
وقفت نصيرة عند باب الغرفة تراقب الفتاة التي تستعد على عجل، وقالت بقلق:
– يابنتي، هتنزلي من غير فطار ليه؟
رفعت رودينا رأسها سريعًا وهي ترتب حقيبتها، وأجابت بتوتر:
– متأخرة يا دادة.
اقتربت منها نصيرة وهي تعقد ذراعيها بقلق:
– لا، مينفعش! إنتي امبارح جاية تعبانة، وخسيتي واتعدمتي، والله لو ما كلتي بزعل كبير بينا.
ابتسمت رودينا رغماً عنها، وقالت بدلال:
– كدا يا دادة؟ بتلوي دراعي عشان بحبك؟
ضحكت نصيرة وهزت رأسها:
– أيوة، يلا كلي، وبعدها روحي شوفي نَصايبك دي.
أومأت رودينا باستسلام وهي تتجه نحو المائدة:
– حاضر يا دادة، إنتي تؤمريني.
ربتت نصيرة على كتفها بحنان، وهمست بدعوة صادقة:
– يجبر بخاطرك ربنا يا بنتي
...
في منزل مالك
كان مالك مستغرقًا في نومه، طفلته الصغيرة تحتضنه كأنها تستمد الأمان من دفء صدره. قطع سكون الليل صوت رنين هاتفه، فحرّك ابن العزايزي يده بتثاقل، وأجاب بصوتٍ متهدّج:
– ألو؟
جاءه صوت غريب، مموّه، لا يُمكن تمييزه، قال بلهجة تنذر بالخطر:
– فضولك هو اللي حرّكك، وخلاك تدور ورا ناس... لو بس عرفوا إنك مش همك وهتروح تبلغ، هيزعلوك بالقوي على أكتر حد يفرق معاك.
جلس مالك فجأة، وقد اشتعل القلق في عينيه:
– مين اللي بيتكلم؟
أجابه الصوت المجهول ببرود:
– تقدر تقول... شخص قلبه عليك ومش عايزك تتوجع. فاعمل خير، وهات الورق... ويا دار ما دخلت شر.
لكن مالك شدد نبرته وهو يقبض على الهاتف بقوة:
– بقولك إيه؟ قول للي بعتك... إن مالك العزايزي بلّغ بالفعل. وكلها ساعات وهتترموا واحد ورا التاني ورا قضبان السجن. واللي عندهم يعملوه، أنا قادر أحمي عيلتي كويس.
ساد صمت قصير، قبل أن يختم المتصل المكالمة بكلمات باردة، حملت تهديدًا مبطّنًا:
– يبقى كدا... خلي الدار يدخلها شر، يا ابن العزايزي.
.....
في زاوية معتمة من شرفته، وقف مالك ممسكًا بهاتفه، قلبه يخفق كطبول حرب، والخوف على أحبّته يخنقه. ضغط على زر الاتصال، وبمجرد ما سمع صوت اللواء، خرج صوته مرتبكًا، تتخلله نبرة رجاءٍ وغضبٍ مكتوم.
– ألو، يا فندم؟
جاءه الرد بنبرة ثابتة:
– أيوة يا مالك.
– اسمعني يا فندم...  واسف اني بتكلم بانفعال، وأتمنى تسامحني، بس أنا أعصابي مشدودة، وخايف قوي على أهلي. أنا دنيتي كلها عبارة عن أمي وبنتي... مراتي توفت في حادثة عربية، ووصّتني عليها. أنا لو مت، البنت هتضيع، ومش هتلاقي حد يحنّ عليها.
سكت اللواء لحظة، ثم سأله بهدوء العارف:
– جالك مكالمة تهديد، مش كدا؟
مالك.. حصل، يا فندم... وكنت متوقع ده. الورق كله بقى معايا، بس أنا مش مأمن عليه عندي، شايله عند محامي ثقة. لازم تحموا عيلتي... أنا مش عارف ممكن يعملوا إيه، وإلا
رد اللواء بنبرة صارمة:
– مفيش "وإلا يا مالك. إحنا هنزوّد الحراسة على البيت، وهنراقب الخط. بس بلاش اندفاع، وتتصرف من دماغك... إنت فاهم؟
تنهد مالك، ثم قال بصوت محمّل بالعزم والقلق:
– أنا مستعد أدفع تمن إني خدت الورق، ولعبت مع شبكة كبيرة... يا عالم آخرتها فين. بس مش مستعد أدفعه في بنتي، يا فندم. أنا لو جرالها حاجة، مش هيهمني لا قانون ولا حكومة... وهاخد حقي بإيدي. أنا جيتلكم وبمد إيدي ليكم... لو حد سابني، مش هسمي عليهم.
صمت اللواء للحظة، ثم أجابه بحزمٍ صادق:
– إنت مش في حرب معاهم يا مالك... خلي بالك من بنتك، وسيب الباقي علينا
أغلق اللواء المكالمة مع مالك، ثم التفت نحو رودينا التي كانت واقفة تسترق السمع. كان قلبها يخفق بعنف، كأن كل نبضة تؤكد لها ما لم تكن واثقة منه من قبل... مالك بريء.
الآن فقط، شعرت أن واجبها تعدى مجرد تنفيذ الأوامر. أصبح عليها أن تحميه، أن تقف في ظهره، وتواجه معه تلك الشبكة التي تحيطه بالخطر.
همست لنفسها:
"يا رب يعرف إني كنت بأنفذ أوامر، وإنّي ما كنتش حرة أختار. بس بعد اللي سمعته، مستحيل أسيبه لوحده."
تمنت من أعماقها أن يسامحها حين يكتشف أنها شرطية، وأن وجودها في حياته ما كانش صدفة... بل مهمة.
.....
كان مالك واقفًا أمام الشبابيك الزجاجية، ينظر إلى الخارج بشرود. وفجأة، وقعت عيناه عليها... فتاة تجلس على أحد المقاعد، تحمل كوبًا من الشاي بالنعناع، وسماعة في أذنها، بينما عيناها معلّقتان به بنظرة هيام واضحة.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
شدّه المشهد. دقّ قلبه بعنف، وكأن الزمن توقّف للحظة. ركّز في ملامحها جيدًا...
يا الله، معقول هي!
نعم... هي نفسها. الفتاة "المجنونة" التي اقتحمت حياته فجأة، وبدأت تظهر له في كل مكان يذهب إليه، تلك التي عايش معها مواقف لم يكن ليصدقها لولا أنه عاشها بنفسه.
فتاة غير متوقعة، وكأنها من عالم آخر... ومع هذا، تركت أثرها في قلبه.
رودينا كانت تنظر إليه مباشرة، ابتسامة خفيفة على وجهها، ثم رفعت يدها ولوّحت له بإشارة هادئة.
داخله كان في صراع رهيب... بين غضبه، ودهشته، وشيء أعمق بكثير لم يستطع تسميته.
وفجأة، وكأنه لا يتحكم بنفسه، أغلق الباب بعنف.
ضحكت رودينا لنفسها، وكأنها كانت تتوقع ردّ فعله.
– "أكيد دلوقتي هييجي عندي انا واثقة اوي ف نظرته دي لازم استعد كويس"
قالتها وهي تنهض من مكانها، تتجهّز للقائه،
ركض مالك نحو الباب، ثم خبطه بعنف. فتحت رودينا الباب بسرعة، وحينما رآها، ابتسم قليلاً.
رودينا: "إيده مالك، ليك وحشة يا راجل." قالتها بصوت منخفض، وكأنها كانت تضحك رغم التوتر.
كان مالك على وشك الدخول، لكن رودينا منعت دخوله بيدها، موجهة له نظرة حازمة.
رودينا: "لا، عيب. ما ينفعش تدخل كده، أنا في بيت لوحدي. مش مناسب، شكلك جاي عشان تتخانق. بعد إذنك، استنى خمس دقايق لحد ما أغير، وننزل مع بعض نروح أي كافيه، على الأقل في مكان عام. عشان لو مديت إيدك عليَّ أو عقلك قالك حاجة، ما ألقاش حد أتكئ عليه غيرك." قالت الكلمات بسرعة، مع ملاحظة نبرة من الاستهجان في صوتها، مما جعلها تظهر أكثر قسوة.
مالك: "بت ملاوعة! ملكيش ملكة، وشكلك واحدة سايبة، وما ليكيش كبير." قالها وهو يرفع حاجبيه، صوته كان مليئًا بالاستفزاز والغضب، وعينيه تلمعان بالحقد.
رودينا: "الله يسامحك، مش هرد عليك. هتفضل واقف كده؟ ولا هقفل الباب في وشك؟ وبرضه مش هتعرف تتكلم معايا." قالتها بحزم، مع تقطيب حاجبيها، وكأنها تضع حدًا للكلام.
نظر مالك إليها بغضب، ثم خبط بيديه على الباب بعنف، قبضتاه كانتا شديدتين لدرجة أن عروقه ظلت بارزة. هي نظرت إلى يده فوجدت الدم ينزف منها، فتراجعت قليلاً، ثم مسكت نفسها بسرعة، متماسكة رغم الارتباك الذي شعرته.
ابتسمت ضاحكة، ثم توجهت لإغلاق الباب ببطء.
مالك: "لو اتأخرتي عن خمس دقايق، هطلع أجرسك في العمارة دي." قالها وهو يضغط على أسنانه، وعينيه تتوهج بالتهديد.
رودينا: "لا، أنت راجل. متعملهاش، وعندك بنت. وأنت أكتر واحد فاهم في الأصول، يا مالك." ردت عليها بنبرة هادئة ولكن حاسمة، وكأنها تضعه في موقف محرج.
شعر مالك بقلبه ينبض بسرعة، ثم ابتعد مسرعًا وهو لا يستطيع كبح نفسه. بينما كانت رودينا تستعد لما هو قادم، كانت تفكر في كلماتها، عازمة على الاستعداد للعبة التي باتت على وشك البدء.
...
في أحد المقاهي الهادئة المطلة على البحر، جلس مالك أمام رودينا، وعيناه تتفحصان المكان بحذر. كان الجو مشحونًا، ورغم هدوء الواجهة، إلا أن التوتر يزحف في الظلّ.
مالك (وهو يعبث بملعقته بملل): "إيه؟ واكلة سد حنك؟"
رودينا (رفعت حاجبيها بدهشة): "الله! مش بفكر في الكلام اللي بقوله!"
مالك (تمتم وهو يشهق من الضيق): "يا رب... الصبر من عندك."
رودينا (ابتسمت بخفة، تحاول كسر الحاجز): "هو أنا متعبة أوي كده؟"
مالك (نظر لها بتركيز): "مش متعبة... بس لا، إنتي تخلّي الواحد يِتجنن."
رودينا (بثقة مرحة): "مش بس كده، أنا أقدر أوقع أي حد ف حبي كمان!"
تغيرت ملامح مالك قليلاً، وصوته صار أكثر جدية.
مالك: "عايزة مني إيه؟"
رودينا (نظرت في عينيه مباشرة): "بحبك يا مالك."
مالك (تفاجأ، صوته منخفض): "من إمتى؟"
رودينا: "من أول ما فهمت يعني إيه حب... إنت يمكن عمرك ما شفتني قبل كده، لأني كنت بحبك من بعيد. بس أول ما جات الفرصة، لقيت نفسي بظهر قدامك... عشان أقولك على مشاعري. أمنيتي نتجوز... وأكون معاك، وأسعدك، رغم كل الظروف."
تجهم وجه مالك، نظر حوله بشك، ثم عاد بنظره إليها.
مالك: "إنتي شكلك كده معاهم ولا إيه؟ بتّ إنتي؟ حد بعتك ليا؟"
رودينا (بانفعال): "مع مين؟ مش فاهمة! وبعدين بلاش كلمة 'بت' دي، أنا اسمي—"
توقفت فجأة. عيناها اتسعتا وهي تلمح شيئًا من بعيد. كان هناك رجل يقف على سطح مبنى مقابل، يثبت بندقية طويلة، وكأنه... قناص!
فجأة، أمسكت بيد مالك بقوة.
رودينا (بصوت خافت مرتجف): "قوم!"
مالك (متفاجئ): "في إيه؟"
لكنها لم تمهله. سحبته فجأة، وركضت به قبل أن تصفر رصاصة بالقرب من رأسه. تعالى صراخ الناس من حولهم، وبدأوا في الهرب.
رودينا (وهي تركض): "بطل تبصلي كده! بص قدّامك!"
واصلوا الجري، وعيناها لا تتوقفان عن المسح السريع للمكان. لمحت رجلين يتقدمان نحوهما من الجهة المقابلة، يحملان شيئًا خفيًا تحت المعاطف.
مالك (همس بقلق): "شايفة اللي أنا شايفه؟"
أومأت رأسها بسرعة، ولم تنتظر. أحدهم أخرج مسدسًا. التقت عيونهما، صمتٌ خاطف مرّ بينهما.
رودينا: "تعالى معايا."
مالك: "رايحين فين؟!"
لم ترد، هرولت نحو حافة الرصيف المطل على البحر، نظرت إليه لحظة.
رودينا: "بتـ... بتهزر؟"
مالك (بصوت عالٍ وهو يراقب الأعداء): "يلا!!!"
وفجأة، قفزا معًا في البحر في لحظة واحدة.
في ذات اللحظة، انطلقت الرصاصات خلفهما، وزادت حدة الصراخ من رواد المقهى. الناس يركضون، الأطفال يبكون، الكراسي تتطاير.
وقف الرجلان فوق الرصيف، أطلقا عدة رصاصات تجاه الماء، ثم ركبا دراجة نارية واختفيا بسرعة بين الزحام.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
في البحر،
صوت الأمواج يغطي على أنفاسهما الثقيلة، وهما يحاولان التمسك بجدار صخري بعيد عن مرمى القناصة.
رودينا (بقلق وهي تتنفس بصعوبة):
"مين دول يا مالك؟"
مالك (ينظر بعيدًا، صوته يحمل وجعًا دفينًا):
"دول... أكيد نهايتي هتكون على إيدهم."
رودينا (بدهشة وجرح خفيف في نبرتها):
"وعشان كده اتهمتني إني معاهم؟"
مالك (ينظر لها نظرة شك):
"ودلوقتي... اتأكدت من شكوكي."
رودينا (بغضب مكبوت):
"صدقني، أنا معرفش أي حاجة عن اللي بتقوله!"
مالك (بصوت حاد):
"بس كنتي عارفة إنهم هيحاولوا يقتلوني، صح؟"
رودينا (تهز رأسها بعصبية):
"ليه؟ أنا بنجم ولا دجالة؟ حد قالك إني شغالة في السحر؟!"
تقترب منه قليلاً رغم البرد والخطر.
رودينا (بحدة):
"أنت شكلك كده دكتور تشريح بني آدمين... ووراك مصيبة سودة، وأنا مش هسيبك غير لما أعرف إيه هي!"
.....
كانت المياه تحيط بهما من كل جانب، يسبحان معًا وسط الظلمة الزاحفة، والهدوء المتوتر يخيّم على المكان. التفتت رودينا إليه، نظراتها مليئة بالأسئلة، وقالت بنبرة حائرة تخترق الصمت:
رودينا (بصوت خافت متردد): "احكي."
تنهد مالك، وقد بدا في عينيه ثقل الأسرار، وقال وهو يواصل السباحة دون أن ينظر إليها:
مالك (بصوت منخفض وحذر): "دول عصابة كبيرة."
عقدت حاجبيها، وسبحت بالقرب منه وكأنها تحاول قراءة وجهه:
رودينا (بلهجة مصدومة): "بيطاردوك ليه؟"
ألقى عليها نظرة سريعة ثم أعاد عينيه إلى الأفق:
مالك (بجديّة): "عشان كشفت أوراق تخصهم."
توقف حركتها قليلًا، كأن الخوف بدأ يزحف إلى قلبها، ثم قالت:
رودينا (بصوت مشكوك فيه): "تجارة أعضاء؟"
استدار نحوها فجأة، نظراته مصدومة:
مالك (باندهاش): "وانتي إيش عرفك؟"
هزت رأسها وهي تتحدث بنبرة فيها خليط من العقلانية والقلق:
رودينا (بجدية): "عشان انت دكتور وشغال في مستشفى... فكرة إنك تكشف ورق هيكون إيه غير ناس شغالة ف إنها تموت أطفال وتستحل أجسامهم؟"
أومأ برأسه في صمت، ثم قال بصوتٍ متهدج:
مالك (بحزن ومرارة): "أيوة، وكان في طفل كان هييجي عليه الدور... بس في شرطية قدرت تنقذه، لكن..."
قطعت حديثه بنظرة فزعة:
رودينا (بقلق): "لكن إيه؟"
نظر للأرض وكأن الذكرى توجع قلبه:
مالك (بأسى): "المستشفى قدرت تجمع أوراق رسمية تبرّأهم... وخرجوا منها زي الشعرة من العجين."
صمتت رودينا لبرهة، ثم نظرت إليه وكأنها تحاول أن تسحب من لسانه الحقيقة:
رودينا (بفضول حذر): "وانت لقيت إيه؟"
زفر بقوة، وبدت عينيه تغوصان في الظلام:
مالك (بغضب مكبوت): "اللي لقيته ميجيش نقطة في بحر وسخ من أعمالهم المشبوهة."
هبت نسمات الليل الباردة، فارتعشت رودينا وهي تحضن جسدها بذراعيها:
رودينا (بأنين خافت): "الليل بدأ يليل، وأنا سقعت أوي."
ابتسم بسخرية خفيفة، ثم قال وهو يواصل السباحة:
مالك (بهدوء): "أجمّدي شوية، قربنا نوصل."
نظرت للأمام بعينين مليئتين بالريبة:
رودينا (بتوتر): "اللي احنا رايحين له شكله كده مهجور... إنت شايف؟ دي شكلها جزيرة."
أجابها دون أن يوقف سباحته، وصوته مليء بالحنين:
مالك (بلهفة صامتة): "أنا بس عايز أطمن على أهلي."
رفعت حاجبيها وغمغمت:
رودينا (باستغراب): "هما عارفين عنوانك؟"
ضحك ضحكة قصيرة مريرة:
مالك (بسخرية): "إيه الذكاء اللي انتي فيه ده! دول عارفين إني قاعد معاكي في كافيه، مش هيعرفوا يجيبوا عنوان بيتي؟"
هزت كتفيها وقالت بإصرار:
رودينا (بثقة): "بس أكيد الحكومة هتحميك!"
أجابها بنبرة مصممة، ونظراته معلقة بشيء لا تراه:
مالك (بحزم): "مش هرتاح غير لما أسمع صوتهم."
وقفت في مكانها لحظة، ثم سبحت نحوه بخطوات غاضبة:
رودينا (بعناد): "هتروح للمكان برجليك تاني؟"
نظر لها مطولًا، ثم قال:
مالك (بواقعية موجعة): "أيوة، مفيش عندي اختيار تاني... أنا هرجع، ومش هروح للجزيرة دي."
قالت فجأة، وكأن القرار خرج من أعماقها دون تفكير:
رودينا (بحزم مفاجئ): "هاجي معاك."
توقف عن السباحة ونظر لها بحدة:
مالك (بصوت مرتفع مندهش): "تيجي معايا فين؟ أنا أعرفك أصلاً؟ ما تحلي عني بقى!"
أجابته وقد علت وجهها ملامح الجدية:
رودينا (بصلابة): "مليش فيه، أنا اتورطت معاك وخلاص، مش هما شافوني معاك؟"
اقترب منها بقلق:
مالك (بتوتر): "إيه الإشكال يعني؟ مش فاهم؟"
قالت بنبرة منطقية مشوبة بالخوف:
رودينا (بتفكير عميق): "ممكن يفتكروا إنك قولتلي على سرك كله، ويحاولوا يصفوني زيك... فلازم نخلّص منهم، وبعد كده..."
سكتت فجأة، ثم ابتسمت ابتسامة مشاكسة وهي تميل برأسها:
رودينا (بمزاح وخفة دم): "اتجوزك يا جميل."
رمقها بنظرة طويلة، ثم قال ضاحكًا وهو يلوح بيده:
مالك (بضحك مصدوم): "لولا إننا ف عرض البحر، كنت غرقتك يا مجنونة إنتِ!"
قهقهت بخفة:
رودينا (بدلال): "غرقني ف حبك، طيب!"
لوّح بيده كأنه يطردها:
مالك (بتهكم): "غوري من هنا."
قالت بإصرار وهي تسبح بجانبه دون تراجع:
رودينا (بجدية): "لا، مش هسيبك، وده آخر كلام عندي."
نظر لها، وانفرجت شفتاه عن ضحكة صغيرة رغماً عنه. أما هي، فلم تضيع الفرصة:
رودينا (بمرح): "يا فرج الله! ضحك يعني قلبه مال!"
تنهد وقال بنبرة خافتة:
مالك (بقلق حقيقي): "أنا خايف عليكي."
أجابته بثقة، ونظرة فيها عزيمة لا تلين:
رودينا (بابتسامة متحدية): "متخفش، عمر الشقي بَقى... وأنا أشقى خلق الله."
وفي داخله، كان قلبه يدق بعنف. لا مهرب بعد الآن... لقد أصبحت الرحلة معها، ولن يهدأ له بال حتى يضمن سلامتها. لم يعرف من تكون بحق، لكن إحساسه كان واضحًا:
لقد أحبها.
وجد فيها ونيسًا في معركةٍ قد لا يعود منها حيًا، لكنه على الأقل لن يكون وحده.
....
كانت الشمس تميل إلى الغروب، وأشعتها تنساب على أطراف الستائر، تُضيء الغرفة بألوانٍ دافئة كحضن أم. جلست آسيا في زاويتها المعتادة، محاطةً بألعابها المرتبة بعناية مدهشة، كل شيء له مكانه، لا تقبل الفوضى في عالمها الخاص. كانت تهمس لنفسها، ترسم بأطراف أصابعها أشكالًا في الهواء لا يفهمها سواها.
دخلت سيدة، أم مالك، بخطوات واثقة لكنها هادئة، ترتدي عباءتها السوداء وحجابها المطرز بخيوط ذهبية بسيطة. نظرت إلى الصغيرة نظرة طويلة، ثم ابتسمت برفق. اقتربت وجلست على الأرض بجوارها، دون أن تقتحم مساحتها.
سيدة (بصوت حنون ومبحوح بشوق):
"يا عيني يا آسيا... أنتي بترتبي الدنيا على مزاجك، صح؟"
آسيا لم ترد، لكن يدها توقفت للحظة، كأنها التقطت صوتًا يهمّها.
سيدة (وهي تقرّب منها ببطء، تتأمل في عينيها بلهفة المحروم):
"ع أد ما العالم بتاعك مختلف... بس الحلو إنك بتعرفي ترسميه بإيدك، وتختاري ألوانه على مزاجك... يا ريتنا نعرف نعمل زيك."
مدّت يدها ببطء، ترددت لحظة، ثم وضعت كفّها فوق الأرض، بجوار يد آسيا دون أن تلمسها.
آسيا حرّكت رأسها ببطء، نظرت ليد جدتها، ثم لوجهها، نظرة قصيرة، عابرة... لكنها كافية لتوقظ في قلب سيدة رجفة.
سيدة (بهمس خانق بالعبرة):
"ربنا يهون ع أبوكي الطريق... أنا خايفة عليه أوي.
طول عمره جامد، وبيحب يغامر... بس لما أنتي جيتي، بقى بيمشي جنب الحيط.
لكن..."
سكتت لحظة، وتنهدت تنهيدة تقيلة فيها وجع سنين، ثم تمتمت:
"اللي شافه... وجع قلبه، وخلى اللي حاول يمحيه من جواه، رجع يمشي ع السطح من تاني."
رفعت يدها بحذر، ولمست أطراف كف آسيا، تلك اللمسة الخفيفة كأنها تتحسس الحياة في جلد حفيدتها.
سيدة (بابتسامة فيها وجع وحنين):
"ربنا يخليكي ليا، ويهون على أبوكي الطريق... ويرجع لحضنك سليم."
ثم بدأت تقرأ على رأسها آية الكرسي بصوت خافت، تدندنها كأنها تهدهد الألم، وآسيا، لأول مرة، أسندت رأسها على ركبة جدتها.
وفي قلب سيدة، نبت ورد صغير...
ربنا كبير،
......
خرج مالك و رودينا من البحر، وقد ارتجفت أجسادهما من البرد، لكن قلب مالك كان أشد برودة من أي وقت مضى. كان ذهنه مشغولًا بما هو قادم، بينما كانت رودينا تتبع خطواته بحذر، عيونها لا تفارق تعبيراته.
مالك (يأخذ نفسًا عميقًا، ويبدأ في التحرك بسرعة):
"يلا، لازم نتحرك."
رودينا (توقف فجأة وتنظر إليه بعناد، تعبير وجهها يعكس صراعًا داخليًا):
"لا يا مالك، مش هسيبك تروح لوحدك."
مالك (بصوت حازم، دون أن يلتفت إليها):
"وأنا مش هسيبهم للموت. مش هقدر أسيبهم في الوضع ده."
رودينا (بقلق في عيونها، لكن بصوت هادئ):
"يبقى، على الأقل، لو هتروح، خليهم يوصلوا لسكة أمان. خليهم في مكان آمن قبل ما تتورط في أكثر من كده."
مالك (يتنهد، يتوقف للحظة ثم يجيب بصوت منخفض):
"هسافرهم عند أخويا في ألمانيا... وكده هبقى مطمن عليهم."
رودينا (تسأله بتردد، وهي تحاول فهم الموقف أكثر):
"طب وبنتك؟"
مالك (يحرك رأسه بحزن، وعينيه تغلقان كأنهما يحاولان تجاهل الألم):
"أكيد أخويا مش هيرفض يخليها عنده، على الأقل لغاية ما أخلص من اللي أنا فيه."
رودينا (تنظر إليه بوجع، وتخفض رأسها للحظة، ثم ترفع عينيها له):
"أنا ممكن أساعدك."
مالك (ينظر إليها بتركيز، محاولًا استيعاب ما قالته، كأن الكلمات دخلت إلى عقله لكن لم يتوصل بعد إلى كيفية التعامل معها):
"إزاي؟"
رودينا (تتحدث بثقة وتصميم، عيونها متوهجة بإصرار):
"هقولك."
.....
في غرفة العمليات، الإضاءة خافتة والجو مليء بالتوتر. الأطفال على طاولة العمليات، بعضهم نائم تحت تأثير المخدر، والبعض الآخر يبدو عليه التعب والضعف. مجموعة من الأطباء والمساعدين يتحركون بسرعة، بينما الأجهزة الطبية تصدر أصواتًا متواصلة، وكل شيء يبدو على ما يرام من الخارج.
الطبيب الأول (ينظر إلى الطفل على الطاولة، وهو يحاول تهدئة نفسه):
"تمام اوي كدا الطفل جاهز للعملية يلا نبدا شغل بسرعة"
المساعد (يهمس بحذر، وهو يتفحص أوراق الطفل):
"الطفل ده هينفعنا كتير اوي ياباشا. لو العملية مشيّت زي م احنا مخططين ليها تمام هتكون صفقة رابحة اوي لينا."
الممرضة (ترتدي القفازات، وتبدأ في تجهيز الأدوات):
" العملية مش سهلة وعايزة تركيز كفايا كلام."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الطبيب الثاني (يقوم بضبط جهاز التخدير):
"مستوى التخدير مضبوط. هينام عادي ومش هيحس بحاجة."
المساعد (يقترب من الطفل، يتفحصه قليلاً):
"الطفل دخل في مرحلة التخدير."
الطبيب الأول (وهو يستعد للعملية):
"بعد م نخلص هنبدا ف بيع الاعضاء وهنكسب شهد"
الممرضة (تنظر إلى الطبيب، وتبتسم بابتسامة زائفة):
"وإحنا هننقلهم بعد كده؟"
الطبيب الأول (يرد بهدوء وهو يبدأ في العملية):
"هنخلص هنا، وبعدين هننقلهم على المكان التاني."
المساعد (مبتسم وهو يعد الأدوات):
"مش عايز اشوف اي اثر للعملية دي."
الطبيب الأول (وهو يبدأ في إجراء الجراحة):
". ولا كأن حصل حاجة ياباشا"
ثم في لحظة من التوتر بين الأطباء:
المساعد (وهو يلاحظ حالة الطفل المتدهورة):
"إنت غبي!"
الطبيب الأول (يبدو متفاجئًا):
"ليه؟"
المساعد (يشير إلى الطفل، والقلق يظهر على وجهه):
"الطفل كده هيموت!"
الطبيب الأول (يهز رأسه بتوتر):
"ولو مات، اي المشكلة؟"
المساعد (بتعجرف، وهو يحاول إخفاء القلق):
"لا، لازم نخدره بس عشان الأعضاء تشتغل."
الطبيب الأول (وقد تذكر شيئًا هامًا، يتنهد):
"آه، آسف، فاتتني دي."
المساعد (بابتسامة ساخرة، وهو يستعد للمتابعة):
، خلينا نركز "
 كل شيء يتم بهدوء وكأنهم متمرسين في هذا العمل المظلم.
.....
في المكتب:
الرجل المجهول (وهو يضرب الطاولة بيده بعنف، غاضبًا):
"أغبياء! إيه ده؟ مش قادرين تخلصوا منه؟ ده إنسان ضعيف، قادر أفعصه وأعصره تحت رجلي! مش معقول!"
الرجل الأول (يحاول تبرير نفسه، مرتجفًا):
"يا باشا، مكناش نتصور إن البنت هتشوف القناص... وغير كده، مفكروش مرتين، لما نطوا في البحر، الدنيا كانت فوضى بسبب صريخ الناس. كان لازم نهرب قبل ما الوضع يبقى أسوأ."
الرجل المجهول (يصرخ في وجهه):
"الورق اللي معاه ده، هو ده الأهم! لازم نرجع نعمل أي حاجة، نختطف بنته، نقتل أمه... لكن قبل كل ده، أعرفولي مين البت دي!"
الرجل الثاني (يتنهد بحيرة، ثم يقول بتردد):
"عنيها حادة قوي يا باشا، وحاسين إننا شوفناها قبل كده... مش متأكدين بس... شكلها مألوف اوي لينا."
الرجل المجهول (يتمتم بغضب وهو يفكر):
"لو طلعت هي نفس الشرطية اللي جت المستشفى، يبقى إحنا بنلعب في عداد عمرنا! لازم نتحرك فورًا قبل ما تكتشف الحقيقة، لو كانت هي، هيعرفوا كل حاجة!  وساعتها هنكون احنا كبش الفدا بدالهم!
الرجل الأول (يحاول التوضيح):
"ممكن تكون هي فعلاً ياباشا."
الرجل المجهول (بغضب شديد وهو يوجه تعليماته):
"اعرفولي تفاصيل اكتر عن البنت دي، وعن كل حاجة ليها علاقة بيها! وده قبل ما نقرر خطواتنا الجاية. أنا مش عاوز مفاجآت تانية."
الرجل الثاني (يهز رأسه بجدية):
" عايزين وقت ياباشا عشان لو هي هيكون كل حاجة عنها مخفية."
الرجل المجهول (بصوت خافت، ولكن عميق):
"اخلصوا بسرعة من كل حاجة قبل ما تفضحنا يابهايم الناس اللي برة لو عرفو هنفلسع كلنا وهنخسر عمرنا وفلوسنا يلاااااا." الجو مشحون بالتوتر، حيث أصبحت حياتهم مهددة بسبب كل خطوة يتخذونها، ويمتد الشك حول هوية تلك الفتاة التي قد تكون هي مفتاح نهاية اللعبة بالنسبة لهم.
....
في الشارع، كان الجو باردًا، ولكن خطواتهم كانت تبتلع الأرض بسرعة. رودينا كانت تمشي بصعوبة، وكأنها تشعر بكل خطوة، وجعلت من نفسها تُظهر بعض التعب:
رودينا (بصوت ضعيف، تمسك قدمها بشدة):
"رجلي وجعتني أوي."
مالك (ينظر إليها بحذر، وهو يحاول أن يظهر بعض الاطمئنان):
"خلاص، قربنا نوصل."
رودينا (تسأل بحذر، وبصوت متألم):
"بيتك قدامه قد إيه؟"
مالك (يحاول أن يكون مطمئنًا، ولكن نبرته تحمل بعض القلق):
"يعني ساعة."
رودينا (ترد بسرعة، وكأنها مستحيلة، تشعر بأن قدميها لن تتحمل المزيد):
"ساعة مشي؟ أنا رجلي مبقتش شايلاني."
مالك (بتأكيد وحسم، يحاول أن يخفف من قلقها):
"متبقيش خرعة كده، دا إنتي اللي انقذتي حياتنا."
رودينا (بتحدٍ، ابتسمت رغم الألم، وكان واضح في صوتها):
"ليه؟ أنا مش جيمس بوند يعني! الراجل كان غبي، معرفش يخبي نفسه كويس."
مالك (نبرته تغيرت، يظهر جزء من جديته ولكن أيضًا يشير إلى اعتراف غير معلن):
"بس خاطرتي بحياتك عشان أنا أعيش."
رودينا (بصوت أخف، حروفها تحمل نبرة من الغموض والمشاعر المختلطة، تنظر للأمام، مستمرة في المشي):
"يمكن عشان من بعدك، مش هيكون ليّ حياة."
في تلك اللحظة، كان قلبه يدق بعنف في صدره، وأحس بشيء ثقيل يجثم على صدره، وكأنه يريد أن يتوقف عن الحركة. لكنه استمر في المشي بجانبها، دون أن ينطق بكلمة إضافية.
...
في الشارع أمام منزل مالك...
وقف مالك للحظة، ينظر إلى المنزل الذي أمامه. قلبه ينبض بسرعة، ولكن قراره كان حازمًا. هذه اللحظة هي الفصل الحاسم.
مالك:
"ده البيت."
أخذ نفسًا عميقًا، ثم نظر إلى رودينا، التي كانت تقف بجواره، مترددة بين القلق والرغبة في المساعدة.
رودينا (بتوتر):
"طيب، يلا روح هات البنت."
مالك نظر إليها بعينيه الحادتين، وكأنها تنتظر إشاراته أو ربما تطمئن إليه قبل أن يقرر المضي قدمًا.
مالك (بتأكيد):
"خليكي هنا، أنا مش هتأخر."
رغم حرصه على ألا يدعها تشعر بالخوف أو القلق، كان هناك نوع من التأكيد في صوته.
رودينا (بتطمين):
"تمام، حاضر."
أومأت برأسها، مع أنها كانت تعرف أن الأمور قد تخرج عن السيطرة في أي لحظة، لكنها كانت مستعدة لتقديم المساعدة في الوقت المناسب.
....
في منزل مالك...
الباب خُبط بعنف، كان الصوت قاسيًا سيدة، التي كانت في الداخل، اندفعت نحو الباب فورًا، فتحته ووجدت مالك يقف أمامها، ملامح وجهه مليئة بالإرهاق والقلق.
سيدة (تنفست الصعداء، وعينيها تدمع من الفرح):
"مالك... الحمد لله، ربنا ردك لينا بسلامة."
مالك (احتضنها بقوة، صوته مشوش من القلق):
"هاتي أسيا وتعالي معايا."
سيدة (بقلق، تتردد قليلاً):
"حاضر... بس هنروح فين في الوقت ده؟"
مالك (يحاول تهدئتها، لكن قلقه واضح في نبراته):
"الناس اللي كشفوني أكيد هيأذوني فيكم... لازم نروح مكان آمن، مكان هتكوني مرتاحة فيه أكتر من هنا. أبوس إيدك، يا أمي، اتحركي بسرعة."
دخل مالك إلى الداخل، أخذ ابنته أسيا بين ذراعيه، وتوجه نحو الباب بسرعة. كانت خطواته سريعة، يرافقه الإحساس بالضغط العصبي. بينما هو يخطو نحو الخارج، سيدة توقفت فجأة، تذكرت شيئًا هامًا.
سيدة (بلهفة، متجهمة وجهها):
"نسيت دبلة أبوك."
مالك (محاولًا تهدئتها بعصبية، وقد بدت عليه علامات الإرهاق):
"يا أمي، ملهاش لازمة دلوقتي، هجيبلك واحدة جديدة والله."
سيدة (بإصرار، عينيها مليئة بالعاطفة):
"لا، مش هتحرك من غيرها. دي من ريحة الغالي، ولا يمكن أفرط فيها أبدًا."
عيني مالك كانت تتابعها بحيرة وهو يراها تعود إلى الداخل بسرعة، غير قادر على إيقافها.
وفي اللحظة التي دخلت فيها سيدة إلى داخل المنزل، حدث ما لم يتوقعه أحد. البيت كله اشتعل بالنيران في لحظة، وكأن جحيمًا انفجر من الداخل.
مالك (أصابته الصدمة، عيناه تفتح على مصراعيها، لا يصدق ما يحدث، وحمل ابنته على صدره وهو يصرخ):
"أمااااااااااااي!!!"
في تلك اللحظة، كانت رودينا بجواره قد سقطت على الأرض نتيجة قوة الانفجار، الدخان يغلف المكان، وكل شيء في محيطه كان ينهار. مالك، رغم الألم، ظل يصرخ محاولًا حماية ابنته التي كانت في أحضانه، بينما كان الإحساس بالعجز يسكنه، وكل شيء من حوله يتحطم.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ما إن بدأ الهجوم، حتى تجمّدت رودينا في مكانها. صُدمت، واتّسعت عيناها والدموع تلمع فيهما، نظرت إلى مالك بنظرة مذعورة، ثم هرعت بسرعة لتُخرج هاتفها وتتصل بالشرطة.
بعد نصف ساعة...
وصلت سيارات الشرطة والإطفاء، وتمكن رجال المطافئ من السيطرة على الحريق. كانت الجموع متحلقة من بعيد، العيون متسعة من الرعب، والوجوه شاحبة كأن الخوف تجسّد عليها.
كان مالك يرتجف، يحتضن ابنته الصغيرة التي لم تكف عن البكاء والصراخ، وكأنه يحاول أن يضمّها إلى قلبه ليحميها من العالم. أما رودينا، فكانت تحاول التماسك. لطالما كانت امرأة قوية، شرطية ذات قلب صلب، لا تهتز بسهولة. لكن مع مالك، كل شيء تغيّر، أصبحت هشة، ضعيفة أمام ألمه.
رودينا (بصوت مبحوح ومرتجف):
مالك... أنا... والله مش عارفة أقولك إيه... الموضوع صعب أوي، وحاسة بيك... بس لازم تجمد.
عشان بنتك اللي ف حضنك دي... مرعوبة، وكل مرة هتشوفك بتعيط، هتتخض أكتر... وهتعيط زيك.
مالك (بصوت مكسور، كأنه بينهار):
أمي ماتت... وأنا السبب... أنا اللي قتلتها...
دلوقتي بقيت شايل ذنب اتنين فوق رقبتي!
اقترب اللواء منهم بخطوات بطيئة، وعيناه تحاولان أن تخفيا حزناً غير معلن.
اللواء (بهدوء):
دي أمك يا مالك... وأنا عمري ما هقدر أواسيك فيها.
خد وقتك، احزن... بس أتمنى دا ما يأثرش على الاتفاق اللي بينّا.
مالك (بعينين مشتعلة غضب):
هو دا اللي فارق معاكم؟
تقبضوا على العصابة حتى لو التمن ناس تموت؟!
اللواء:
دا عمرها، يا مالك...
مالك (رافع صوته، وألمه بيغلي جواه):
لو ما كنتش روحت وبلغت، مكنوش قتلوها!
وإنتو! لو كنتوا حطيتوا حراسة على بيتي، مكنوش قدروا يحطوا قنبلة!
الحمد لله إن الانفجار ما أذيش حد... بس كان ممكن يطير بيوت تانية!
أنا مش هكمل... مش قادر أكمل!
اللواء (بصرامة):
مش بمزاجك... الورق معانا، ومش هتاخده.
مالك (بحنق):
يبقى أنا هروحلهم... وهسلم نفسي ليهم!
اللواء (محاولًا يثبت صوته):
محدش هيصدقك، وهياخدوك جثة... وتلحق والدتك!
اعقل، يا مالك!
نظرة مالك اشتعلت بالغضب، وبحركة مفاجئة، خطف مسدس من أحد الضباط القريبين، ورمى بنته في حضن رودينا اللي وقفت متصلبة من الصدمة.
اللواء (يرفع صوته بحدة):
نزل سلاحك حالًا... ولا!
مالك (بعينين دامعتين وصرخة من جوه):
مش خايف منك... سيبوني ف حالي!
رودينا (بتوسل، وعينها على بنته):
مالك... بالله عليك اعقل!
اللي حصل لوالدتك... عارفة، وجع... وكسرة!
بس طالما عملوا كده، يبقى هما مرعوبين منك،
واللي عملوه مش هيعدّي...
أيام وهيقعوا، وحقها هيرجع!
بس نزل السلاح، بلاش تضيّع نفسك أكتر... أرجوك!
مالك بصّ ناحية البيت، لقى رجال الإسعاف شايلين جثة والدته...
مشى خطوتين، وكأن رجليه مش شايلينه... صوته اتكسر، والدموع غرقت وشّه:
مالك (بهمس موجوع):
أمي...
اقتربت رودينا، تطلّعت في عينيه بنظرة حنونة لكنها قوية.
رودينا (بصوت ناعم لكنه حازم):
بلاش تستسلم يا مالك...
إنت أقوى من كده، أقوى منهم ومن كل خططهم...
أنا عارفة الوجع اللي جواك، بس كتمه، وطلعه وقت ما تاخد حقها.
بنتك في حضني مرعوبة، بس عينها عليك...
كل ما تشوفك واقع هتتكسّر أكتر، قوم عشأنها، خليك ضهرها يا مالك.
مالك نزل بنظره للأرض، كأنها سحبت منه آخر ذرة قوة.
مالك:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
أنا فشلت...
كزوج، كابن، ودلوقتي بفشل كأب.
كلهم راحوا...
وبنتي هتضيع مني زَيّهم.
اللواء (يتنهد بثقل ويقرب بخطوة):
وإنت فاكر والدتك هترضى تشوفك كده؟
ده مش وقت ندم... وقتك تجيب حقها.
وما تقولش "لو ما كنتش بلغت"... لأن لو ما كنتش، كان ناس أكتر ماتوا...
واحد ورا التاني، بدون ما نقدر نوقفهم.
مالك عضّ على شفته، كأن الكلام بينحر فيه، وبص للنعش اللي بيتشال في الإسعاف.
مالك (بدموع مكتومة):
مش قادر...
مش قادر أشوفها كده...
كانت هنا من شوية، بتدعيلي...
كانت بتضحكلي...
يااااااارب!
رودينا (بهدوء وشجاعة):
قوم وودّعها يا مالك...
قولها إنك هتجيب حقها، وإنك ماكسرتش...
وإن اللي عملوه مش هيعدي.
تحرك مالك ببطء، ركع بجانب الجثمان، قرب شفايفه من رأس أمه وهمس:
مالك:
حقك راجع يا أمي...
آه سامحيني...
هتوحشيني...
والله العظيم ما هرحم واحد فيهم.
رجع وقف، لقى رودينا واقفة ثابتة، والبنت نايمة في حضنها وهي مضمياها جامد.
بصّ لرودينا، متفاجئ من هدوئها، وكم الحنان اللي في عينها.
رودينا (بصوت دافي):
أنا جمبك يا مالك...
ومش هسيبك في الحرب دي لوحدك، حتى لو حاولت تبعدني.
اللواء:
اتمنى تجهز وتفوق من الصدمة دي...
بكرا هستناك في القسم، يا مالك.
أومأ مالك برأسه علامة القبول، ثم حوّل نظره نحو طفلته الصغيرة، فوجدها هادئة بين ذراعي رودينا، كأنها استمدّت منها طمأنينة لا يملكها هو. مدّ يده ببطء، يمرّر أصابعه على خصلات شعرها بنعومة، وملامحه تنطق بحنان مثقل بالأسى.
ثم استدار بخطوات بطيئة نحو النقالة، حيث ترقد والدته بلا حراك. انحنى في خشوع، وطبع قبلة طويلة على جبينها البارد، عينيه تمتلئان بالدموع التي لم تعد تعرف طريقها إلى الانهمار، قبل أن تُغلق أبواب سيارة الإسعاف وتنطلق بها إلى حيث لا عودة.
...
كانت السيارة تسير بسرعة في الظلام، تتقاطع أضواء الشوارع الضعيفة مع الظلال التي تملأ الجو. مالك كان جالسًا في المقعد المجاور، عيناه تائهتان في الفراغ، يواجه الصمت الثقيل. أما رودينا، فقد كانت تقود السيارة بثبات، محاولة أن تترك لنفسها مجالًا للحديث وتخفف من أجواء التوتر التي كانت تحيط بهم.
رودينا (نظرت له بسرعة ثم قالت بحذر):
"أنت أكيد خلتني أسوق عشان مش قادر تسوق صح؟"
مالك (نظرة شاردة، وهو يحاول أن يظهر مشاعر أقل مما بداخله):
"البنت هتروح فين؟"
رودينا (بتأكيد في صوتها، تحاول تهدئته):
"هوديها بيتي."
مالك (بتشكك، وعيناه مليئة بالقلق):
"أمان ولا لأ؟"
رودينا (بعزم، وهي لا تبالي بالتردد في صوته):
"مفيش حد يقدر يهوب ناحيتها نهائي."
مالك (متسائلًا بنبرة تحمل قدراً من الاستفهام):
"وإيه الثقة دي؟"
رودينا (بتوضيح، وبدون تردد):
"عمرها ما حصلت قبل كده."
مالك (بصوت مرتجف قليلاً، وكأن الشكوك تراوده):
"بس العصابة وارد تيجي."
رودينا (بثقة، صادقة في كلماتها، كأنها تضع النقاط على الحروف):
"وأنا بقولك مش هيحصل."
مالك (وبدأ القلق يتسرب إلى صوته مرة أخرى):
"بس المكان مش مضمون."
رودينا (ثم قالت، وبصوت أكثر هدوءًا، محاولًة طمأنته):
"كلمتي أنا ضمان يا مالك. البنت هتروح عندي، ومش هيجرالها حاجة. استودعها عند ربنا واتوكّل عليه."
....
فتح الباب بقوة مفاجئة، وظهرت نصيرة بوجه متجهم وملامح مصدومة، نظرت إلى رودينا ثم إلى مالك، وكأنها لا تصدق ما تراه.
نصيرة (وهي تضع يدها على خدها):
"إيده يا لهوي! وشّك ماله يا بنتي؟ شكلك مرعّب ليه كدا"
رودينا (بهدوء وثبات):
"ممكن نخش يا دادا؟"
وقبل أن تتحرك، أوقفتها نصيرة بنظرة حادة، وعينيها تتنقلان بين مالك والطفلة التي يحملها.
نصيرة (بتوجس):
"ومين الجدع دا بقى؟ جايبالي راجل الساعة دي هي حصلت؟!"
مالك (بصوت مكسور ومحمل بالذنب):
"واضح إنّي اتسببتلكم في إحراج... آسف."
رودينا (نظرت له بسرعة ثم التفتت للدادة):
"لا إحراج ولا حاجة يا مالك، دا بيتك... هي بس اتخضت من المنظر، وأنا هشرح لها كل حاجة. بس بالله عليكي يا دادا، بلاش وقفة الباب دي، يلا بينا."
نصيرة (رافضة تزيح من مكانها):
"لأ، مش هيخش غير لما أفهم، دا إيه اللي بيحصل؟ يخرب بيت الشـ..."
وقبل أن تُكمل الجملة، أسرعت رودينا وأمسكت بفمها بلطف، ثم همست لها برجاء وهي تدفعها للداخل.
رودينا:
"هفهمك كل حاجة، بس دلوقتي ادخلي واسمعيني، ماينفعش نقف كده."
ثم التفتت لمالك بنظرة هادئة وابتسامة باهتة، تحاول التخفيف عنه رغم الحزن الواضح على وجهه.
رودينا:
"اتفضل يا مالك، البيت بيتك... اتصرف براحتك كأنك في مكانك. تعالي معايا يا دادا، عاوزاكي في كلمتين على جنب."
...
بمجرّد أن دخل الجميع إلى المنزل، تقدّمت رودينا بخطى سريعة نحو الصالة. كان الضوء الخافت يتسلّل من إحدى الأباجورات الزجاجية، ناشرًا هدوءًا غريبًا في المكان. ظلّ مالك واقفًا للحظات عند المدخل، يحمل طفلته بين ذراعيه، كأنها آخر ما تبقّى له من هذا العالم. عيناه غارقتان في الذهول، ووجهه شاحب يشهد على ما مرّ به لتوّه.
التفتت رودينا نحو نصيرة التي كانت تراقب المشهد بقلق، وسحبتها من يدها بلطف نحو المطبخ، ثم أغلقت الباب خلفهما.
نصيرة (بهمس مرتبك وهي تحدّق في وجه رودينا):
. إيه اللي حصل بقا انا حاسة انه في مصيبة؟ وشك متخربش كده ليه؟ والراجل اللي جايبة وراه  مين؟! واابت اللي شايلها دي خاطفها ولا اي؟!"
رودينا (تتنهد بعمق، وتتكلم بنبرة هادئة لكنها ثابتة):
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"هقولك يا دادا، بس بالله عليكي اسمعيني للآخر وبلاش تحكمي غير ف الآخر الراجل دا اسمه مالك، والدته اتقتلت النهاردة قدّام عينه، والبنت اللي كان شايلها... بنته."
نصيرة (شهقت ووضعت يدها على صدرها):
"والنعمة دا صح ياوجع قلبي عليك يبني الله يعينه ع حاله بس اي الشطارة اللي انتي فيها دي جايباه هنا ع بيتنا يافالحة؟طب ولو حد منهم كان مراقبه اي عايزانا نموت احنا نموت؟!"
رودينا (تنظر في عينيها بإصرار):
"أنا اللي جبته، وأنا اللي هتحمّل النتيجة. الراجل اتكسر، ومفيش قدامه غير بنته... وأنا مقدرتش أسيبه. حسيت إني لازم أكون جمبه وبعدين دي اوامر شغل يادادة."
نصيرة (ترفع حاجبها باستغراب):
"بس عينك مش بتقول انه دا شغل؟
رودينا (بهمس وهي تبص لتحت):
. قلبي وجعني عليه يا دادا."
سكتت نصيرة لثوانٍ، تقرأ الصدق في وجه رودينا، ثم وضعت يدها على كتفها وربّتت عليه بحنان.
نصيرة (بهدوء):
"طالما إنتي شايفة إنك بتعملي الصح، أنا معاكي. بس خدي بالك من نفسك... ومن قلبك قبل كل حاجة."
رودينا (بابتسامة صغيرة فيها شكر):
"بوعدك... هخلّي بالي من كل حاجة، ومنه كمان."
فتحت الباب وخرجت برفقة نصيرة، لتجدا مالك جالسًا على الأريكة، وطفلته نائمة بين ذراعيه، بينما هو غارق في سكونٍ غريب، كأنه فقد الشعور بالزمن، لكن عينيه حين رفعتا على رودينا، كان فيهما شيء مختلف... شيء يشبه النجاة
....
اقتربت نصيرة من مالك وهي تمدّ يديها برفق، تتطلع إلى الصغيرة النائمة بشيء من القلق والحنان:
نصيرة (بصوت دافئ):
"هاتها يا ابني، متخافش عليها. البنت لازم تستحمى وتنام وتلبس حاجة نضيفة، ريحتها عرق وتعب."
مالك (يشد ابنته إليه بغريزة الأب الجريح):
"بنتي عندها توحد... ومش بتقبل حد بسرعة. بتخاف من أي ريحة غريبة، من أي إيد مش إيدي."
نصيرة (بحزن طيب ونبرة فيها إيمان):
"وجعك كبير وكسرتك شديدة، بس نصر ربنا دايمًا قريب، قال تعالى: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}. صدقني يا ابني، ربنا شايفك وهينصرك عاجلًا مش آجلًا."
رودينا (وهي تحاول تهدئة الموقف، وتدعم كلام نصيرة):
"دادا نصيرة بتعرف تتعامل كويس، والبنت مش هتتعب، دي هترتاح في حضنها، يمكن أكتر من حضن أي دكتور."
مالك (يخفض صوته، كأن اعترافًا يخرج منه رغماً عنه):
"مش هاين عليّا... حضنها بيهون عليّا أنا، مش بس هي. أنا محتاجها... دي بنتي، واللي فاضلي من الدنيا. أنا... مبقاش ليا حد."
للحظة، تاهت نصيرة في كلماته، وكأنها رأت فيه ابنها الضايع. مدت يدها مرة أخرى، وقالت بصوت يملأه الحنان:
نصيرة:
"هاتها يا حبيبي...  يمكن أنا أكون حضنها التاني، بس عمري ما هكون غير أمينة عليها."
تردد مالك، ثم نظر إلى وجه ابنته. لمس خدها بلطف، ثم همس بصوت يكاد يُسمع:
مالك:
"أنا آسف يا آسيا..."
وببطء، مدّ يده وسلّم الطفلة إلى نصيرة، لكنها ما إن اقتربت منها، حتى انتفضت آسيا قليلاً، وكأنها استشعرت ريحة غريبة عنها. ضمّت نفسها بشدة، وبدأت تضطرب بين ذراعي المرأة.
مالك (يحاول استعادتها بسرعة):
"مش قولتلك؟ أنا هاخدها معايا، هي مش مستعدة لحد تاني."
لكن نصيرة لم تتراجع، بل قالت بحزم ورفق:
نصيرة:
"استنى... ثواني بس."
ثم رفعتها قليلاً، وأخذت تدندن دعاء خافتًا في أذنها، وهمست بأذكار كأنها تسقي بها روحها، حتى بدأت آسيا تهدأ، وتترك جسدها يستكين للدفء الجديد.
...
نصيرة (بصوت دافئ وحنون وهي تفتح الباب): "خدوا بالكم."
رودينا (بابتسامة مطمئنة، بينما تدير رأسها نحو نصيرة): "خليها على الله يا دادا."
مالك (بنبرة عميقة وهو ينظر إلى نصيرة بتوتر واضح): "حطيها في عينك، الله يباركلك."
نصيرة (وهي تحتضن آسيا بحنان، ثم تنظر إلى مالك بعينين مليئتين بالطمأنينة): "دي هتبقى بنتي الصغيرة، روح وانت مطمن. قلبك عليها... ربنا معاكم."
أشارت رودينا برأسها موافقة على كلام نصيرة، بينما مالك مسك يد نصيرة بقوة وشكرها بحرارة، ثم قبّل يدها وهو يهمس: "ممتن ليكي جدًا."
ثم استدار مالك بهدوء، وقلبه يثقل بحزن الفراق، لكنه ترك آسيا مع نصيرة وهو يحمل في قلبه وعدًا بأن يتمنى عودتها بأمان. بينما نصيرة وقفت ثابتة، تحمل آسيا بين ذراعيها، عيونها مليئة بالعزم والطمأنينة، مستعدة للمهمة التي أمامها، قائلة في سرها: "محدش هيقرب منكم، وربنا معانا."
وبخطوات ثابتة، تلتها رودينا، ليبتعد الجميع عن المكان. مالك كان يبتعد وهو يشعر بالحزن يتسلل إليه شيئًا فشيئًا، لكن الأمل في قلبه كان باقيًا، ولو قليل.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
كان مالك ورودينا جالسين في السيارة.
كانت رودينا تتولى القيادة، بينما كان مالك يكتم عصبيته وقلقه الشديد على ابنته. كانت رودينا بين الحين والآخر تلتفت إليه، تراقب ملامحه الصامتة.
قالت رودينا وهي تنظر إليه:
ــ "الووو!"
تطلع مالك إليها، وسرح في ملامحها.
ابتسمت رودينا بمرح وقالت:
ــ "هل تسمعني؟ نحن هنا!"
ظل مالك يحدق بها دون أن ينطق بكلمة.
ضحكت رودينا وأردفت:
ــ "أنا أخطف العين، آه، بس مش لدرجة إنك تسبلّي كده!"
قال مالك بصوت مبحوح:
ــ "انتي بتعملي ده كله ليه؟"
ردت رودينا ببساطة:
ــ "عشان وديت بنتك عندي. كل الموضوع إنك صعبت عليا، قولت آخد فيك ثواب يعني! مش معقول راجل قلبه واكله على بنته والدنيا عنده بتتقلب وأنا أسيبه لوحده، دا حتى عيب ف حقي."
تنهد مالك بمرارة وقال:
ــ "عجزي قدامك إني شايفك واحدة غامضة ومجهولة، ومع ذلك ماشي معاكي زي المغمض، لا فاهمك ولا فاهم الطريق، ومع ذلك متأكد إني مش هتأذي منك."
قالت رودينا بهدوء:
ــ "ثق فيا بس."
هزّ مالك رأسه وقال بصوت منخفض:
ــ "مش معقول اللي بيحركك معايا هو الحب بس."
ابتسمت رودينا بألم وقالت:
ــ "والواجب كمان، يا مالك. واجبي تجاه قلبي اللي بيتعصر من جوا كل ما يشوف التوهة والغربة ف عينك دي."
فتح مالك فمه ليقول شيئًا، لكن فجأة انطلقت أصوات الرصاص من حولهم.
توقف الحديث، والتفت مالك بسرعة إلى الخلف، مذهولًا.
صرخ مالك بصوت عالٍ:
ــ "انزلي بسرعة!"
نظرت رودينا خلفها، لترى سيارة مجهولة تطلق عليهما النار بلا توقف.
قالت رودينا بدهشة:
ــ "هما مالهم شادين حيلهم علينا كده ليه؟ كله ضرب ضرب!"
صاح مالك بغضب:
ــ "ده وقت هزار؟ هنموت يا مجنونة! ارجعي مكاني وسيبيني أنا أسوق!"
امتثلت رودينا سريعًا لأمره، وانتقلت إلى المقعد الآخر.
قالت بتذمر:
ــ "أنا اتخنقت أوي!"
ظل مالك يحمي رأسه بذراعيه من الرصاص المتطاير، ثم صاح:
ــ "في مسدس تحت الدواسة عندك! هاتيه!"
بحثت رودينا بسرعة حتى وجدته.
قالت بحماس:
ــ "سيبلي بقى الفرصة دي! دي لعبتي!"
مالك بدهشة:
ــ "نعم؟!"
أردفت رودينا بحزم:
ــ "افتح سقف العربية من فوق!"
صرخ مالك رافضًا:
ــ "لا يمكن أخاطر بيكي!"
قالت رودينا بعناد:
ــ "اسمع الكلام، مش هيجرالي حاجة! المهم مانسبش المجرمين دول يفلتوا ويحرّموا يتعرضوا لينا تاني! يلا يا مالك!"
صرخ مالك بصوت مختنق:
ــ "لأ! أنا مش هستحمل تضيعي مني انتي كمان! لو حصلك خدش، أنا هموت من قهري! مش هستحمل!"
ابتسمت رودينا بثقة وقالت:
ــ "أنا محدش يقدر عليا يا مالك! أنا واحدة براوية قوي وجامدة، وفوت ف الحديد! دماغي حجر صوان! يللاااااا!"
وبالفعل، فتح مالك سقف السيارة.
تمتمت رودينا في سرها:
ــ "توكلنا على الله!"
بمهارة عالية كشرطية محترفة، تمكنت رودينا من إصابة اثنين من المهاجمين بدقة، ثم صوبت نحو إطارات السيارة الأخرى حتى فقد السائق السيطرة واصطدم بعنف.
ترجلت رودينا من السيارة بثقة، بينما كان مالك يحدق بها مصدومًا من قوتها وثباتها.
صرخت رودينا:
ــ "العربية هتولع!"
كان مالك يهم بالكلام حين سمع دوي انفجار، ورأى النيران تلتهم السيارة الأخرى.
.....
بعد أن انفجرت السيارة واشتعلت النيران فيها، نظر مالك حوله متفحصًا المكان، ليكتشف أنهما في منطقة مهجورة تمامًا.
قالت رودينا، وهي تتلفت بقلق:
ــ "إيه المكان دا؟"
رد مالك وهو يتنهد:
ــ "أنا عارف! ببص لقيتنا هنا زيك على فكرة... يعني متسألنيش."
قالت رودينا بنفاد صبر:
ــ "وإيه اللي جابنا هنا؟ يلا نرجع!"
أجابها مالك محاولًا التماسك:
ــ "مش لما أعرف المنطقة دي فين الأول؟ اهدي بقى شوية."
نظرت رودينا حولها وقالت بقلق أكبر:
ــ "مفيش حد غيرنا هنا... يعني مش هنعرف نسأل حد حتى!"
ابتسم مالك بثقة مصطنعة وقال:
ــ "اتقلي بقى... وأنا هتصرف."
أولما نزلوا من السيارة، نظرت رودينا حولها بدهشة وقالت:
ــ "هو إحنا جرينا منهم كل المسافات دي؟"
أجاب مالك وهو يسرع في خطواته:
ــ "خليكي حريصة وأنتِ ماشية."
استمروا في السير، وفجأة سمع مالك صوت خطوات تقترب.
قالت رودينا بتوجس:
ــ "إيدة في صوت."
أمسك مالك سلاحه بحذر، وبدأ يتقدم نحو الصوت.
ــ "شايفة النور ده؟"
قال مالك وهو يشير بيده إلى النور البعيد.
ــرودينا"تعالي نمشي بالله عليك.
ــ "أنا مش حاسة أن المكان ده آمن."
أجاب مالك وهو يشعر بالتوتر:
ــ "أنا فعلاً مش عارف أتحرك في مكان زي ده."
قالت رودينا، وهي تحاول أن تجد حلاً:
ــ "خلاص، أنا هتصرف."
ركبت رودينا السيارة بسرعة وحاولت تشغيلها، لكنها كانت متوقفة.
ــ "إيه الزفت ده؟! هي لما بتخرب بتخرب من كله هنروح فطيس فعلا كدا!
قال مالك، وهو يبدو مرتبكًا:
ــ "مفيش بنزين صح؟"
قالت رودينا بدهشة.وانت ازاي مختش بالك
ــ مالك بتهكم:آسف لجنابك، كان المفروض أحط بنزين زيادة كاحتياط."
ــ رودينا بحزم:"عَ فكرة، كان المفروض دا يحصل من غير تريقتك دي. دلوقتي، إحنا توهنا واتحسبنا هنا!"
مالَ مالك وهو يمشي غاضبًا. ثم قال:
ــ "استني هنا."
نزلت رودينا بسرعة وبدأت تمشي معه.
ــ مالك:"لازم نلاقي على الأقل عربية توصلنا، يمكن في حد رايح اتجاه المنطقة بتاعتنا."
قالت رودينا بتشكك:
ــ "ولو مفيش؟ اي العمل هنبات؟
ــ "استحالة أبقى معاك هنا، إنت مجنون!"
رد مالك، وهو يتحدث بحزم:
ــ "مش أكتر من جنونك، واسكتي... خليني أنا كمان أعرف أربط لساني عليكِ."
قالت رودينا، وهي ترفع حاجبها:
ــ "لا، سيبه! وأنا أقصه وأروضه كمان."
قال مالك بصوت مرتفع:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ــ "يابت، آخرسي بقى!"
لكن رودينا ردت بنبرة حازمة:
ــ "لا مش هخرس، ومتزعقش فيا!"
فجأة، حاول مالك أن يشد يدها بقوة، لكنها ابتعدت عنه بسرعة.
ــ "متسوقش فيها، ومتعودش إيدك كل شوية إنها تتحط على جسمي عمال على بطال."
في تلك اللحظة، ظهر رجل غريب من الظلام، ممسكًا بعصا خشبية.
قال الرجل بصوت منخفض:
ــ "مين هنا؟"
مالك، وهو يحاول أن يكون مهذبًا رغم الموقف العصيب:
ــ "آسفين جدًا على الإزعاج، بس إحنا عايزين نلاقي طريقة نخرج بيها للشارع الرئيسي."
الرجل نظر إليهم بتشكك، وقال:
ــ "وانتو إيه اللي وصلكم هنا؟ المكان دا مش آمن للناس اللي زيكم."
رودينا، وهي تبذل جهدًا للحفاظ على هدوئها:
ــ "إحنا مستعدين ندفع لك أي مبلغ، بس اتصرف ودلنا على أي طريقة تخرجنا من هنا."
الرجل أوقف خطواته للحظة، ثم أضاف:
ــ "أعرف شخص معاه عربية هيوصلكم، بس ممكن يطلب مبلغ كبير."
رودينا، وهي تنظر إليه بتركيز:
ــ "اللي هو عايزه، المهم إنه ينجدنا."
وبالفعل، تحرك الرجل ببطء، يقودهم نحو المكان الذي يعتقد أن الشخص الذي سيساعدهم ينتظره.
مالك، وهو يشعر بالقلق:
ــ "مش معايا فلوس... الفيزة عند واحدة صاحبي حاليًا."
رودينا، محاولة أن تهدئه:
ــ "أنا معايا، اطمن."
......
بينما كانوا يسيرون مع الرجل، لم يكن مالك ورودينا يدركان أنهما كانا يقتربان من فخ آخر. الرجل الذي ظنوا أنه قد يساعدهم في الخروج من المأزق كان هو نفسه من نصب لهم كمينًا جديدًا.
عندما وصلوا إلى الباب، فتحه الرجل ببطء، لكن لحظة دخولهم تغير كل شيء. الباب أغلق خلفهم بقوة، وأحاط بهم رجال ملثمون، وجعلوا الجو مشحونًا بالتوتر.
الرجل الذي رافقهم ابتسم ابتسامة خبيثة وقال بنبرة تهديد:
ــ "أخيرًا وقعتوا تحت إيدينا."
مالك نظر حوله سريعًا، لكنه لم يستطع الخروج من هذا المأزق. فصرخ غاضبًا:
ــ "دا كان كمين! أدي آخره اللي يمشي وراكي يا وش المصايب أنتِ!"
رودينا كانت في حالة غضب شديد، ولكنها لم تستطع منع نفسها من الرد:
ــ "ياسلام يا أخويا! وأنا كنت إيش عرفني أنه كمين تاني مترصد لينا؟ مش كان راجل عجوز؟"
مالك نظر إلى الرجل الذي كان معهم، ليكتشف أنه كان متنكرًا. الرجل خلع شنبًا وباروكة، ليظهر في شكله الحقيقي. مالك، الذي شعر بالخداع، قال:
ــ "دا إحنا أغبياء بشكل!"
رودينا، التي لم تكن لتقبل اللوم، ردت بحدة:
ــ "اتكلم عن نفسك! لو أنت شايف نفسك غبي دي مشكلتك مش بتاعتي!"
لكن مالك لم يستطع الصمت أكثر. مسك مسدسه وهو عازم على مواجهة الموقف مهما كلفه الأمر. وبينما كان يحضر المسدس، شعر بشيء غريب. فشال المسدس قبل أن يراه الرجل الذي كان معهم.
رفع المسدس تجاههم وقال بحزم:
ــ "مشينا من هنا."
أحد الرجال الآخرين، الذي كان يراقب عن كثب، قال ببرود:
ــ "مش قبل ما ناخد الورق اللي معاكم."
رودينا لم تتمالك نفسها وقالت بعنف:
ــ "مين تبعكم؟"
الرجل الآخر رد بنبرة قاسية:
ــ "لو قولنا، هنموت. إحنا مش جايين عشان نتساير."
مالك، الذي شعر بالغضب الشديد من الموقف، قال، محاولًا فهم الوضع:
ــ "مأجركم يعني؟"
رودينا، التي شعرت بالضغط، قالت مباشرة:
ــ "شكلها كده. لو سيبتونا نمشي، هديكم ضعف المبلغ."
الرجل الآخر ابتسم بسخرية وقال:
ــ "إيه؟ هتقبضونا بالدلاور زيهم؟"
رودينا ردت بسرعة، وهي تتحدى كلامه:
ــ "زي مين بالضبط؟"
أحد الرجال نظر إليه بازدراء وقال:
ــ "أنتِ عبيط يلا  دي بتوقعك في الكلام.
رودينا رمقت مالك بنظرة سريعة وهمست له بنبرة بالكاد تُسمع:
ــ "أنا هلهيهم.. خليك جاهز، وحاول تهرب أول ما تلاقي فرصة."
اكتفى مالك بإيماءة خفيفة برأسه تأكيدًا لفهمه.
حينها أخذت رودينا نفسًا عميقًا، ثم تقدمت نحو الرجال بخطوات متهادية، تمتلئ بالدلال والإغراء.
كان تأثيرها عليهم واضحًا، إذ تسمرت أنظارهم عليها وكأنهم وقعوا تحت سحر لا يستطيعون مقاومته.
مالك، الذي كان يراقب المشهد بذهول، تدارك أمره بسرعة، وأخذ يبحث بعينيه عن مخرج. وقعت عيناه على شباك نصف مفتوح في الجهة الأخرى من الغرفة، فبدأ يتحرك نحوه بحذر شديد، حتى نطّ منه بخفة واختفى خارج المكان.
رودينا، بعد أن تأكدت من خروجه، تبدلت ملامح وجهها في لحظة؛ من الابتسامة المغرية إلى نظرة صارمة وقوية.
في ومضة عين، أمسكت بذراع أقرب رجل إليها، واستدارت بجسده حولها بقوة، ثم سددت له ركلة عنيفة في بطنه أطاحت به أرضًا.
لم تمنح الآخرين فرصة لالتقاط أنفاسهم، فوجهت ركلة جانبية إلى رأس رجل آخر، جعلته يسقط فاقدًا للوعي.
أحد الرجال حاول رفع سلاحه، لكنها كانت أسرع منه؛ خطفت المسدس من حزامه بحركة دقيقة، وأطلقت رصاصة خاطفة أصابت أحدهم في صدره، فسقط صريعًا.
استدارت بسرعة نحو آخر رجل يحاول مهاجمتها، وضربته بقوة بمقبض المسدس على صدغه، فسقط أرضًا يتلوى من الألم.
لم تتردد رودينا لحظة، ركضت بكل قوتها نحو الشباك وقفزت منه بخفة، حيث كان مالك ينتظرها.
ما إن لمح مالك رودينا تهبط من الشباك، حتى أسرع نحوها، قبض على يدها بقوة، وبدأ الاثنان بالجري معًا دون تردد.
لكن سرعان ما لمحا رجلين آخرين يندفعان نحوهما من الزقاق الضيق، أصوات أقدامهم تقترب بسرعة.
صرخ أحد الرجال:
ــ "أهوم! امسكوهم بسرعة!"
ازدادت وتيرة الجري، وصاحت رودينا وهي تلهث:
ــ "الجري دلوقت الجدعنة كلها، اجري يا مالك!"
رد عليها مالك، محاولًا مضاعفة سرعته:
ــ "دول ورانا! اجري جامد!"
أبصر الاثنان جدارًا منخفضًا أمامهما، لم يترددا لحظة وقفزا من فوقه بخفة.
هبطا على الجانب الآخر ليجدا أنفسهما وسط تجمع كثيف من الأشجار، حيث اختبآ بين الظلال محاولين كتم أنفاسهما.
همس مالك وهو يراقب الطريق خلفهم:
ــ "لو اتكتب لينا عمر جديد وعرفنا نخرج من هنا... لازم أعمل حاجة مهمة أوي."
نظرت إليه رودينا بحذر وهي تراقب حركة الأشجار، وسألته بصوت منخفض:
ــ "حاجة إيه دي؟"
ابتسم مالك ابتسامة خفيفة، ثم مال نحوها وهمس بعاطفة صادقة:
ــ "أكتب عليكي."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
حدّقت رودينا فيه بدهشة، قلبها ينبض بعنف، ليس فقط من الجري، بل من وقع كلماته المفاجئة.
حاولت أن تبدو متماسكة، لكنها لم تستطع منع احمرار خديها الخفيف رغم الظلام المحيط بهما.
همست بتوتر خافت:
ــ "انت بتقول إيه يا مالك دلوقتي؟ إحنا ف مصيبة مش وقت هزار!"
ابتسم مالك، عيونه كانت بتلمع بصدق غريب وسط الظلمة، وقال بنبرة فيها إصرار:
ــ "مش هزار... أنا بتكلم جد. أنا عمري ما حسّيت إني عايز أحمي حد بالشكل دا قبل كدا."
لم تجد رودينا ما ترد به، شعرت أن الوقت توقف لثوانٍ، كأن الخطر المحيط بهما اختفى، ولم يبقَ سواهما.
لكن صوت خطوات تقترب أعاد لهما وعيهما فجأة. شد مالك على يدها مرة أخرى، وهمس لها:
ــ "كلامنا لسة مخلص بس نروق الاول"
أومأت له بصمت، وركض الاثنان بين الأشجار، تختلط أنفاسهما المتلاحقة بصوت الريح... وبدقات قلوب لا تعرف إن كانت تهرب من الموت، أم تهرب نحو حب يولد وسط الخطر.
.....
انطلق مالك ورودينا بأقصى سرعة بين الأشجار، يتلفتان خلفهما بين الحين والآخر، حتى لمح مالك من بعيد ضوءًا خافتًا. شد على يد رودينا بحماس وهمس:
ــ "بصي هناك بصي! في عربية. اخيرا بجد !"
اندفع الاثنان نحو الضوء، يتعثران أحيانًا بين الحشائش الكثيفة، حتى اقتربوا أكثر. كانت سيارة صغيرة قديمة، يبدو أن صاحبها نزل ليبحث عن شيء قرب الغابة.
مالك التفت لروادينا وهو يلهث:
ــ "اسمعي، هنركب بسرعة ونمشي من غير ما ياخد باله... مفيش وقت نشرحله يلا!"
هزّت رأسها بالموافقة دون تردد. في لحظة خاطفة، قفز مالك إلى المقعد الأمامي وبدأ يحاول تشغيل السيارة، بينما رودينا كانت تراقب الطريق برعب.
رودينا بصوت خافت مضطرب:
ــ "مالك، بسررررعة... هما  خلاص قربوا!"
مالك وهو بيحاول يثبت أعصابه:
ــ "معلش... العربية قديمة، بحاول اهو."
وأخيرًا دارت المحرك ببطء، ومع أول محاولة انطلقت السيارة تعافر فوق الطريق الترابي.
أحد الرجال صاح من بعيد:
ــ "اهوم! العربية! امسكوهم!"
لكن كان الأوان فات، فقد اندفعت السيارة بعيدًا عن الغابة، ورودينا التفتت للخلف تراقب الرجال وهم يتضاءلون خلفهم.
أخذ مالك نفسًا عميقًا وقال بنبرة فيها مزيج من الراحة والضحك:
ــ "نجينا يا بنتي... نجينا ههههههه الحمد الله ربنا نجدنا يارب
رودينا وهي بتحاول تهدي نفسها:
ــ "مش مصدقة... دا احنا فعلاً هربنا منهم بجد كانت لحظة مرعبة"
ابتسم مالك وهو بيبص لها بنظرة دافئة وقال:
ــ "قلتلك حاليا خلاص الغزالة راقت ولازم نتكلم
استمروا في القيادة حتى بدأت أضواء الحياه تلوح لهم من بعيد، كأنها بوابة نجاة أخيرًا فتحت لهم أبوابها وسط ظلمة الخطر.
.....
ف الشارع 
كانت رودينا تبتعد عنه بخطوات متعثرة، وكأنها تهرب من مواجهة محتومة. لحق بها مالك، وقد ضاق صدره بنيران الأسئلة التي لم يجد لها جوابًا.
قال مالك، وصوته يختنق بالغضب والخذلان:
ــ "خلاص! منا لازم أفهم... انتي رافضة الجواز مني ليه؟ مش بتحبيني ولا كنتي كدابة من الأول؟"
توقفت رودينا، واستدارت نحوه والدموع تلمع في عينيها، لتجيبه بصوت مرتجف:
ــ "لا والله، مش كدابة... أنا فعلا بحبك."
اقترب منها خطوة أخرى، وهو يحاول أن يلملم شتات قلبه:
ــ "يبقى في حاجة مخبياها عني! احكيلي علطول، بلاش لف ودوران."
همست رودينا بألم، وهي تطرق برأسها للأرض:
ــ "مقدرش... مقدرش."
تحركت لتبتعد، لكنه أمسكها فجأة بشدة من خصرها، وقربها إليه بعنف لم يعهده في نفسه.
ــ "لو كنتي مين، أنا هكتب عليكي النهارده! هتكوني ليا... برضاكي أو غصب عنك."
صرخت رودينا وهي تحاول تحرير نفسها:
ــ "شيل إيدك عني... عيب كده!
استفاق مالك على صوتها المرتجف، وأرخى قبضته على الفور. مد يده لها برفق وقال بحسم:
ــ "ولا تزعلى نفسك... يلا بينا عالمأذون حالًا! مش هستنى لحظة. إحنا عمرنا بقى ع المحك، وعايزك شريكة حقيقية معايا، مش بس وقت الجري والهروب."
ظلت رودينا ساكنة لبرهة، قبل أن تهمس بتردد:
ــ "هنتجوز... بس بعد ما نقبض عليهم ونكون في أمان."
ضغط مالك على أسنانه، وألقى عليها نظرة ملؤها الإصرار، ثم قال بحدة:
ــ "لآخر مرة... انتي مين؟"
رفعت رودينا رأسها، والدموع تحرق عينيها، وقالت وهي تشد أنفاسها بشجاعة:
ــ "أنا رودينا... ظابط شرطة. ومكلفة بحمايتك، يا مالك."
تسمرت قدماه في الأرض من هول الصدمة، واتسعت عيناه بدهشة لا تصدق. دفعها عنه بقوة لا إرادية، كأنها خدعته بطعنة في القلب، وصاح بذهول:
ــ "انتي... الظابط اللي جه المستشفى... واللي رجع الطفل المفقود لأهله؟!
.....
وقفت رودينا أمامه مكسورة، تحاول أن تبحث عن كلمات تنقذ ما تبقى بينهما. تمتمت بصوت مبحوح:
ــ "أنا مش هدافع عن نفسي... مش هقول إني مليش ذنب، ضحكت عليك في الأول، بس أنا..."
قاطـعها مالك بحدة، صوته يعلو بغضب:
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
ــ "انتي إييي؟ قولي! إي هااااا؟!"
اغمضت عينيها بألم، ثم فتحتها لتهمس بصدق:
ــ "أنا... أنا حبيتك."
شد مالك يدها بعنف، ونظراته تشتعل قسوة وهو يقول بسخرية لاذعة:
ــ "حضرة الشرطية اللي قلبها ميت... تعرف يعني إيه حب؟! مظنش! اللي معندهاش دم، مستحيل يكون عندها روح تحس بالوجع."
ابتلعت رودينا دموعها بالقوة، وتمسكت بآخر خيط للأمل:
ــ "آه ليا... بس كانت أوامر... مقدرتش أخالفها. كنت فاكرة إنها مجرد مهمة وتعدي، لكن مع كل يوم، مشاعري ناحيتك كانت بتزيد... غصب عني."
ضحك مالك ضحكة ساخرة، ثم مال نحوها قائلًا بازدراء:
ــ "واو! بجد؟ تفتكري شوية كلام هيخلوني أضعف؟! انتي إنسانة مخادعة... مش قادر أصدق نفسي إزاي كنت أعمى للدرجة دي! انجذابي ليكي كان غباء مني... خلاص، أنا مش عايزك في حياتي، ولا عايز حمايتك!"
استدار ليبتعد عنها، لكن رودينا مدت يدها تمسك بذراعه بيأس، وصاحت:
ــ "أنا موافقة نتجوز يا مالك!"
توقف لحظة، التفت إليها بنظرة ملؤها الاحتقار، وقال ببرود قاتل:
ــ "وأنا مبقتش عايزك... بقيت قرفان منك، ومش طايق أشوف وشك."
وبدون أن يمنحها فرصة للرد، استدار ومضى بعيدًا، يتركها خلفه تتخبط بين دموعها والخذلان.
......
وقفت رودينا مكانها، تحدق في ظهره البعيد بعينين غارقتين بالدموع. شعرت أن الأرض تهتز تحت قدميها، أنفاسها صارت متقطعة وكأنها تلفظ روحها مع كل خطوة يبتعدها عنها.
حاولت أن تناديه، أن تركض وراءه، لكن كرامتها ـ التي لطالما كانت درعها ـ شدت عليها القيود.
رفعت رأسها رغم الألم، مسحت دموعها بكف مرتعشة، وتمتمت بقلب منكسر:
ــ "حقك تزعل... حقك تكرهني، بس أقسم بالله بحبك أكتر من نفسي."
سارت ببطء بين الأشجار، تشعر أن الطريق يضيق عليها، وأن الوحدة تنهش روحها بلا رحمة.
مرّت سيارة شرطة في الجوار، توقفت عندها، نزل منها زميلها في المهمة، وهو يصرخ بقلق:
ــ "رودينا! انتي كويسة؟ وصلنا بلاغ عن إطلاق نار هنا!"
أومأت برأسها ببطء، وكأن الكلمات تخونها، ثم تمتمت بصوت خافت بالكاد يُسمع:
ــ "كويسة... بس فقدت أهم حاجة كنت بحارب الدنيا عشانها."
لم يفهم زميلها شيئًا، لكنها لم تكن بحاجة لشرح شيء. كل ما أرادته الآن هو أن تختفي عن الأنظار، أن تختبئ من نفسها قبل أي أحد.
ركبت السيارة في صمت، وقلبها يحترق على حب لم يكتمل... على قلب خذلته بيدها.
.......
كان مالك يمشي في الشارع المظلم، يكتم الغضب في صدره بعد مشادة رودينا، حين شعر بحركة خلفه. استدار بسرعة، ليجد رجلاً ضخم الجثة ينقض عليه حاملاً عصا غليظة.
بلا تردد، حاول مالك تفادي الضربة الأولى، لكنها لامست كتفه بقوة فدفعته للخلف. تألم بشدة لكنه لم يستسلم، زم شفتيه وهو يشد قبضته واندفع نحو الرجل، وجّه له لكمة مباشرة في وجهه.
ارتد الرجل خطوة للخلف وهو يزأر غاضبًا، ثم عاد يلوّح بعصاه بقوة. مالك، رغم إصابته، انخفض بمرونة وتفادى الضربة، ثم ركله بكل قوته في ركبته فاضطر المهاجم للانحناء قليلًا.
استغل مالك اللحظة، أمسك بالعصا من يد الرجل بقوة، وجذبها نحوه بحدة حتى اختل توازن المهاجم وسقط أرضًا. ولكن قبل أن يلتقط أنفاسه، انقض الرجل عليه مجددًا، تشابكا بالأيدي، يتبادلان الضربات بقسوة.
مالك كان يتلقى الضربات لكنه يردها بصلابة، يتشبث بروحه المقاتلة. تلقى لكمة قوية في فكه جعلته يترنح، لكنه بسرعة استعاد توازنه ووجه ضربة عنيفة بقبضته في معدة خصمه.
سقط الرجل على الأرض يتلوى من الألم، بينما وقف مالك فوقه، يتنفس بصعوبة ووجهه ينزف قليلًا من شفته.
نظر مالك إلى خصمه الملقى تحت قدميه، وعيناه تلمعان بمرارة وعزم. رغم كل شيء، كان لا يزال واقفًا... لا يزال يقاتل.
...
كان مالك يلهث وهو ينظر إلى خصمه الملقى أمامه. لمح شيئًا يلمع يخرج من جيب الرجل بفعل السقوط، فانحنى والتقطه. كانت بطاقة تعريف مزورة، وإلى جوارها ورقة مطوية.
فتح الورقة بسرعة، فوجد خريطة مبسطة لمكان المستشفى وبعض العلامات عليها وكلمة واحدة بخط بارز:
"التنفيذ الليلة."
اتسعت عينا مالك بصدمة، وتمتم:
"الليلة؟ يعني في مصيبة كبيرة بتحصل دلوقتي وأنا واقف هنا!"
لم يكن بوسعه إضاعة لحظة واحدة، يجب أن يصل إلى المستشفى ويكشف ما يُخطط له، لكنه يعرف جيدًا أن اقتحام وكر العصابة بمفرده انتحار.
أمسك هاتفه بسرعة واتصل بأول رقم في باله: رودينا.
مالك وهو يلهث: "رودينا!  أنا محتاجك دلوقتي ضروري."
رودينا بتوتر: "مالك؟ في إيه؟ أنت كويس؟"
مالك: "لقيت ورقة مهمة، في مصيبة هتحصل في المستشفى ولازم نتصرف في ارواح لازم ننقذها"
رودينا: "طيب  الاقيك فين؟"
مالك: "هقابلك تحت الكوبري اللي جنب المحطة القديمة... بسرعة."
أغلق المكالمة دون انتظار، ثم تواصل مع اللواء المسؤول مباشرة، يبلغه بكل التفاصيل.
مالك بحزم في المكالمة مع اللواء: "يا فندم، أنا لقيت دليل بيأكد إن في عملية إجرامية ضخمة بتحصل جوه المستشفى... محتاج دعم وحماية للمدنيين اللي جوه."
اللواء: "كويس يا مالك، احذر وخليك متخفي، بس أوعى تتحرك لوحدك، إحنا هنجهز قوة دعم ونتواصل معاك."
أنهى المكالمة، وركض مسرعًا إلى مكان اللقاء.
لم تمر دقائق حتى ظهرت رودينا، تقود دراجة نارية صغيرة. توقفت أمامه وهي تقول بسخرية رغم التوتر:
رودينا: "ايه يا بطل؟ محتاج توصيلة؟"
ابتسم مالك بسخرية وهو يركب خلفها:
مالك: "محتاج أكتر من توصيلة... محتاجك جمبي وبس يلة احنا اتكتب علينا نكون سوا ولازم نكمل للاخر."
وانطلقا معًا وسط الظلام نحو المستشفى، الخطر يحيط بهما من كل جانب، لكن هذه المرة... لم يعودا وحدهما.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
في الموتوسيكل، وقفا بالقرب من المستشفى، كانت الأجواء مشحونة بالتوتر
مالك: يلا، عايزين نخلص اللي جايين عشانه.
رودينا، التي كانت مشغولة في أفكارها الخاصة، نظرت له بعينين ملؤهما الحيرة. كانت تعرف أن هناك شيء غير عادي بينهما، وأن العلاقة بينهما دائمًا محكومة بالقلق. لكنها قررت أن تكسر هذا الصمت الذي بدأ يطبق عليها. تنهدت، وقالت بصوتٍ منخفض، محاولة تخفيف التوتر:
رودينا: لسه زعلان مني مش كده؟
رودينا كانت تعرف أن مالك متوتر، لكن قلبها كان يشعر بحالة من التردد. في هذه اللحظة، مشاعرها المختلطة بين القلق عليه وعلى حياتهم المشتركة جعلتها تشعر بأنها تخوض معركة داخلية صعبة. مالك، الذي يشعر بالضغط الكبير من كل جهة، رد بصوتٍ غاضب لكنه محبط، ليس لأن كلامها أثار غضبه، بل لأن الوضع لا يحتمل أي شيء آخر الآن.
مالك: بذمة أهلك، ده وقت الكلام ده؟ ارحميني، مش كفايا اللي إحنا فيه؟ إحنا داخلين على عصابة ممكن منرجعش غير جثث. وانتي كل اللي فارق معاكي زعلي؟
نظرت له رودينا للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، وهي تشعر بمرارة موقفهم. لكن رغم ذلك، كان قلبها ينبض بالكثير من الهمسات العاطفية التي تجعلها تهتم بتفاصيله، حتى لو كانت صغيرة.
رودينا: طبعًا، عشان لما قلبك يكون زعلان حتى لو بسيط، أنا مش بكون على بعضي، وببقى عاملة زي المجنونة اللي مش راسية عَ بر.
ضحك مالك بشكل شبه يائس، ثم نظر لها بنظرة مختلطة بين الاستهجان والتعجب.
مالك: وأيه الجديد؟ انتي فعلاً مجنونة. معرفش ازاي دخلتي كلية الشرطة بدماغك البصلة دي.
رودينا لم تجد ردًا، فقط فكرت قليلاً قبل أن تُجذب نحو الموقف. لكن كانت عيناها تلمع بعناد وتحدٍّ، وكأنها تقول له بدون كلمات: "أنت مش عارف كل شيء عني."
رودينا: لا، حاسب! أنا...
ثم فجأة، مالك أمسك بفمها بيده، موجهًا وجهها نحوه، وقال بحزم، وعينيه مليئة بالتركيز على الهدف:
مالك: مش وقت فتحة دلوقتي، خلينا في اللي إحنا جايين عشانه.
رودينا نظرت إليه بعينين مليئتين بالأحاسيس المتضاربة، وفي تلك اللحظة، اختلط لديها مشاعر الدهشة بالإعجاب، لكنها حاولت أن تُظهر رباطة جأشها. مالك لم يكن قادرًا على إخفاء اضطرابه، لكنه كان في ذات الوقت يشعر بشيء ما في داخل قلبه نحوها.
توقفت رودينا لحظة، ثم وضعت عينيها على يده التي كانت على شفتيها، فتراجع مالك فجأة، وكأن لمسه لشفتيها أخرجته من شرودٍ عميق.
رودينا: بس مينفعش ندخل المستشفى وانت هدومك غرقانة دم بسبب ضربك للراجل. كده هنثير الشبهات.
مالك، الذي كانت كل أعصابه مشدودة الآن، قال بصوت خافت لكنه حازم:
مالك: والعمل؟ إحنا لازم نخش وحالا.
بدأت تفكر بسرعة، تبحث عن حل، وحين خطر لها شيء في رأسها، ابتسمت ابتسامة صغيرة من نوعها، ربما تكون بداية لحل 
رودينا: بااااس... لقيتها! أيوة... بقى يارودي يا جامدة!
.......
في مكان بعيد عن المستشفى، نظرت رودينا إلى مالك بابتسامة رضا وقالت:
"بس كده، الشغل بقى تمام... لوز يا لوز!"
مالك نظر لنفسه في المراية، ثم قال باستفهام:
"إيه لزومه إنك تقلعيني القميص؟"
ردت عليه رودينا بتفكير عميق، ثم قالت:
"حظك كمان إنه كان معايا هدوم مقطعة للضرورات السرية اللي بنحتاجها في شغلنا. هنخش دلوقتي وكأنك شخص مصاب وحالتك حرجة جداً. هتعمل نفسك مش قادر تتنفس، وأنا هعملك شوية خدوش بسيطة في جسمك، كأن حد ضربك أو جرحك، وهنقول إن فلوسنا اتسرقت. هنعمل حوار عليهم  وبااشكل دا هيدخلونا المستشفى وهيركزو معاك، وأنا هخش شوية، أفتش في الورق أو أي دليل. لكن الأكيد إننا مش هنرجع وأيدنا فاضية، يا ننجح في إنقاذ الأطفال ياع الاقل نلاقي دليل وقوي كمان وانا بردو هتنكر عشان محدش يعرفني."
مالِك كان يبدو مترددًا، فقال بعصبية
"وانتي عايزة تعوريني؟"
رودينا ابتسمت ابتسامة مغرية، ثم أمسكت بالسكينة وقالت بصوت هادئ:
"ايوة، انشف كده، ها. أنا بحب راجل يفوت ف الحديد
.......
في مكان بعيد عن المستشفى، مالك نظر إلى رودينا بعينين مليئتين بالخوف والتردد، ثم قال:
مالك:
"بت خفي لبط معايا ها
رودينا ابتسمت ابتسامة مليئة بالثقة، وقالت بصوت هادئ:
رودينا:
"قلب البت."
مالك أخذ نفسًا عميقًا وقال وهو يحاول إخفاء التوتر في صوته:
مالك:
"أنا هروح... كفاية. مش قادر أكمل كده."
رودينا ضحكت بخفة وقالت بنبرة متسائلة:
رودينا:
"خايف يا بيضةولا إيه؟
مالك رد بجدية، كأنه يحاول أن يجد مخرجًا آخر:
مالك:
"فكري في أي طريقة تانية. في حلول تانية ممكن نعملها."
رودينا نظرت إليه بعينين تحدد كل شيء في تلك اللحظة، ثم أجابت ببرود:
رودينا:
"يا مالك، دي مجرد خدوش بسيطة، مش حاجة كبيرة."
مالك:
"يعني هنزل شربات مش دم؟!
رودينا نظرت له نظرة قاسية وقالت بسرعة:
رودينا:
"يا سكر، اخلص بقى، الوقت دا ضدنا مش معانا. لو قعدنا بنقنعك دلوقتي، ممكن ينفذوا المهمّة وأنت قاعد هنا بنقول نفس الكلام. اعتبرها تضحية...."
مالك انفجر في صمت، ثم تمتم بكلمات مليئة بالقهر والألم:
مالك:
"في تضحية أكتر من إني أمي ماتت؟"
رودينا خفضت رأسها للحظة بحزن عميق، ثم قالت بصوت خافت:
رودينا:
"الله يرحمها. خلاص، يا مالك، براحتك. لو مش قادر، أنا هخش لوحدي."
مالك شدها إليه بعنف مفاجئ، وعينيه مليئة بالإصرار والتحدي، وهو ينظر إليها كالصقر. هي سرحت في عينيه للحظة، وعينيه كانت تلاحق شفايفها، اقترب منها قليلاً، لكنهة بعدت عنه بضعف.
مالك، متسمرًا في مكانه، مد ذراعه إليها وقال بهدوء عميق، وهو يضغط على قلبه:
مالك:
"ابدئي، وأنا هستحمل."
......
داخل المستشفى، كان كل شيء يزداد تعقيدًا. رودينا ومالك يمران عبر الممرات الضيقة بسرعة، محاولةً الحفاظ على مظهر طبيعي قدر الإمكان رغم الحالة المتوترة التي يعشيانها. الصوت الوحيد الذي يقطع الصمت هو صرير خطواتهم على الأرضية اللامعة.
رودينا (همس):
"ركز معايا... لو حد شافك أو سأل،، كل اللي هنقوله إننا ضحية حادثة كبيرة وحالتك حرجة جدا
مالك كان يلهث بصعوبة، ولكن عينيه تراقب كل شيء حوله. كانت أعصابه مشدودة لدرجة أنه كاد ينسى دوره في الخطة. نظر إلى رودينا، ثم بصعوبة، قال:
مالك (بصوت خافت):
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"ولو اتشك فينا ولا اتحقق معانا يافالحة؟
رودينا لم تلتفت إليه مباشرة، ولكن كانت عينها على الممرات والأشخاص من حولهم. كان قلبها ينبض بسرعة، ولكنها حاولت الحفاظ على هدوئها قدر الإمكان.
رودينا (مبتهجة لكن بلهجة هادئة):
"متقلقش، لو حصل أي حاجة، هنعرف نتعامل. دلوقتي، فكر في نفسك عايزك تمثل كأنك شخص بينك وبين الموت شعرة"
وصلوا أخيرًا إلى غرفة الطوارئ. دخلوا، وعيني رودينا تراقب كل حركة في المكان. كان الجو مشحونًا بالقلق، والأطباء والممرضات مشغولين بحالات أخرى. وقف مالك على ساقيه بتعب، ولكنه حاول أن يظهر كما لو كان عاجزًا تمامًا، متألمًا بشدة.
رودينا تقدمت نحو الممرضة المتمركزة بالقرب من الباب. بحركات سريعة ومدروسة، قالت بصوت منخفض ولكنه ملح 
رودينا:
"الامؤخذة ياحبيتي اخويا  محتاج مساعدتكم بالله عليكي دخليه يشوفهولي ماله انا قلبي واكلني عليه من الصبح
الممرضة نظرت إليه بسرعة ثم نظرت إلى رودينا، وبدأت تسجل بياناته. قبل أن يسألها أي سؤال، اقترب الطبيب المسؤول عن الطوارئ وأخذ الملف الطبي من الممرضة. رودينا لم تتوقف عن إظهار القلق في ملامح وجهها.
الطبيب (بصوت حاد):
"إيه الحكاية ماله جسمه؟
رودينا شدّت على يده ببطء، محاولةً التأثير عليه بابتسامتها الخفيفة رغم الوضع الصعب.
رودينا
".. كان معانا مبلغ كبير من الفلوس، واتسرق مننا، ده اللي حصل حاولنا نقاوم بس هما عورو وجتله النوبة وانا حتى دواه مش معايا."
مالك زفر بصوت منخفض، محاولةً التظاهر بأنه يفتقد القدرة على التنفس بسببه الألم، وكل خطوة كانت تزداد في صعوبة التنفيذ.
مالك (بصوت مكتوم)
"مش قادر أتنفس، يا ريت.. تسرعو شوية، بجد ما بقاش فيا حاجة،."
الطبيب أشار إلى الممرضة بسرعة.
الطبيب:
"خليه في غرفة الطوارئ فورًا،."
دخلوا إلى غرفة الطوارئ، وكان الجو داخل الغرفة أكثر اضطرابًا. رودينا كانت تتنقل بسرعة بين الأدوات الطبية، مستغلة انشغال الطبيب معه ولكن في الوقت نفسه كانت عيناها تبحثان في الغرفة وفي الأثاث والملفات عن أي شيء قد يفيدها.
بعد لحظات، لم يكن أمامها سوى التقدم إلى المكتب المليء بالملفات الطبية. دست يدها بين الأوراق بسرعة، وبينما مالك كان على طاولة العلاج يحاول أن يتحمل الألم ويلهي الطبيب، سمع صوت خطوات قادمة خلفه.
سريعة، أغلقت رودينا الملف الذي كانت تبحث فيه وابتسمت بوجهها المطمئن، لكنها كانت تحاول إخفاء التوتر الذي بدأ يظهر على ملامحها.
رودينا (بصوت خافت إلى مالك):
"انا لقيت ورق بس معتقدش هنطلع من هنا بسهولة ."
.......
بينما كانت رودينا واقفة بجانب مالك، الذي كان يُلقى العلاج بسرعة على الطاولة، كانت عيونها تراقب كل شيء بحذر. الطبيب كان مشغولًا في فحصه لحالته، والممرضة كانت تتابع التعليمات الطبية. كانت رودينا تزداد توترًا، ولا تستطيع أن تضيّع الوقت أكثر. فكرت في طريقة للخروج دون أن تثير أي شكوك 
فجأة، لاحظت أن الممرضة بدأت تبتعد عنها قليلاً لتجلب بعض المعدات من الغرفة المجاورة. كانت هذه فرصتها. بخفة وسرعة، اقتربت من مالك، همست له بسرعة:
رودينا (بصوت منخفض، ولكن حاسم): "خلي عينك مفتوحة. لو حد سألك، احكي إنك مش قادر تتحمل الألم  وانا هعمل  نفسى هروح اجيبلك اي حاجة تشربها
مالك (بصوت ضعيف): "أيوه... تمام.
رودينا ابتسمت له بشكل مطمئن، ثم اختارت لحظة مناسبة حينما كانت الممرضة قد دخلت في غرفة أخرى. دون أن تُلاحظ، توجهت نحو الباب الجانبي المفضي إلى الممرات الخلفية للمستشفى، حيث يمكنها الوصول إلى الأقسام غير المعلنة أو المشبوهة.
والهدف العثور على المكان الذي يتم فيه تنفيذ عمليات تجارة الأعضاء.
رودينا كانت تتنقل بحذر عبر الممرات، تتجنب الظهور في الأماكن العامة. كانت تتفقد الأبواب والنوافذ المفتوحة، بينما كانت تراقب العلامات أو أي شيء يوحي بمكان العمليات المشبوهة. وصلت إلى منطقة أكثر هدوءًا، ورأت بابًا صغيرًا يؤدي إلى سلالم غير مرئية تقريبًا.
توجهت بخطوات سريعة، ولكن خفيفة، حتى دخلت إلى المنطقة التي بدت كمنطقة عمليات. كانت الأضواء خافتة والمكان يبدو مغلقًا، ولكن هناك صوت خفيف يتسرب من الداخل.
رودينا (همس لنفسها): "ده المكان... انا متاكدة."
بدأت رودينا تقترب بحذر، ملاحظة الباب الذي يقود إلى غرفة عمليات غير مرخصة، تظهر على حيطانها بعض الأدوات الطبية. كان هناك رائحة قوية من المعقمات، لكنها كانت تعرف أنها في المكان الصحيح. بحذر شديد، فتحت الباب قليلًا لكي ترى ما يحدث داخل الغرفة، لكنها تراجعت بسرعة عند سماع صوت خطوات تقترب.
كانت رودينا بحاجة إلى الخروج من هناك بسرعة دون أن تثير انتباه أي شخص، ولكنها كانت قد جمعت ما يكفي من الأدلة حول مكان عمليات تجارة الأعضاء. حاليًا، كل شيء يعتمد على الخروج بأمان والعودة إلى مالك بسرعة.
......
داخل المستشفى، كانت رودينا تشعر وكأن الأرض تهتز تحت قدميها. كانت خطواتها تتسارع، لكن كل خطوة كانت تخفق بها روحها كما لو كانت تُسحب إلى قاع البحر. تلك الأوراق التي اكتشفتها، تلك الحقيقة المريعة التي تكتنفها، كانت تقف أمامها كجبل هائل، وكأنها تجد نفسها في مواجهة وحش مظلم يبتلع كل ما هو عزيز.
لقد مرت بتجارب صعبة في حياتها، لكن ما اكتشفته الآن كان يقذفها إلى عالم لا تعرفه، عالم مليء بالخوف والظلام. تجارة الأعضاء التي اكتشفتها في قلب المستشفى، كانت أبشع من أي كابوس. كيف يمكن أن يحدث هذا؟ كانت تسأل نفسها مرارًا وهي تسرع في خطواتها، وأفكارها تتسابق معها، تتنقل بين الوجوه التي مرت بجانبها، وأصوات الضجيج في أذنيها كأنها لا تنتمي إليها.
"هذه مكان العمليات؟ هذه الطاولات؟ هؤلاء الذين يُجبرون على الموت؟"
كانت تشعر كأن قلبها ينبض بسرعة كأمواج البحر التي تتلاطم دون رحمة. لم تستطع أن تُنكر هذا الصراع الداخلي، فكل جزء من جسدها كان يتألم بطريقة لا تُحتمل، بينما عيونها كانت تملأها الدموع، ولكنها لم تجرؤ على السماح لها بالخروج.
......
بينما كان الدكتور يقترب أكثر من مالك، كان قلب رودينا يخفق بشدة، لكنها تمالكت نفسها. جاءتها الفرصة. بخفة وسرعة، توجهت نحو الطبيب وابتسمت ابتسامة هادئة، ثم قالت بسرعة:
رودينا (بهمس): "يا دكتور، أنا شوفت أوضة سرية هناك فيها زي إنذارات، بيحصل حاجة غريبة تحت، ولا إيه كفا الله الشر."
الدكتور شعر بتوتر مفاجئ، ارتبكت ملامحه، وصرخ في وجهها: "إنتي روحتي فين؟!"
في لحظة واحدة، اقتربت رودينا منه سريعًا، وضغطت على زجاجة البنج الصغيرة التي كانت في يدها. رشّت البنج على وجهه، فاختل توازنه، وأغشي عليه قبل أن يتمكن من الحركة.
مالك، الذي كان يراقب الموقف بعينيه المليئتين بالتوتر، نهض بسرعة. خطواته كانت متسارعة، جرى إلى جانب رودينا، ورؤيتهما للأشخاص الذين اقتربوا من الغرفة جعلت خطواتهم تتسارع أكثر.
نظرا عبر الباب، ورأوا فريقًا قادمًا بسرعة. لم يكن هناك وقت للتفكير، فاندفعوا معًا إلى الشباك.
مالك، الذي كان يحاول تهدئة نفسه، قال بنبرة مشحونة بالقلق: "المرة اللي فاتت كان بحر، المرة دي عمارة. أنا خايف المرة الجاية ترميني في جهنم."
رودينا نظرت إليه بتركيز، وهمست: "لو نطينا للمسافة دي بشكل مدروس، النطة هتكون بأقل الخساير الممكنة. جاهز؟"
مالك مسك يدها بقوة، ونظر في عينيها، وقال بصوت حازم: "جاهز."
وفي لحظة، اندفعوا معًا. القفزة كانت محكومة بعقلانية، لم يكن لديهم سوى تلك اللحظة للهرب. المسافة التي بين الشباك والأرض كانت مخيفة، ولكن مع التركيز، استطاعا التنقل عبرها بسهولة أكبر مما توقعا.
الهواء كان يعصف بهما أثناء قفزتهما، وكانا يشعران وكأن الوقت قد توقف للحظة. الهبوط كان قريبًا، ولكن مع تلك القفزة، كانا قد تجاوزا الخط الفاصل بين الحياة والموت. بعد أن لامست أقدامهم الأرض، قامت رودينا بلمس يد مالك، وأسرعا بالركض نحو الزاوية المظلمة بعيدًا عن الأنظار.
كان الهروب جزءًا من حياتهم الآن، كل لحظة كانت تعني النجاة أو السقوط.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
الركض مستمر...
استمروا في الجري، لكن فجأة، رودينا سقطت على الأرض. شعرت بألم حاد في قدمها وكأن عظامها تحطمت. حاولت النهوض، لكنها لم تستطع، وكان وجهها يكتسي بالمعاناة.
مالك اقترب منها، شعر بشيء غير طبيعي في قدمها. كانت نبرة صوته مشدودة، وأعينه متسائلة.
مالك: "إنتِ تمام؟" سأل وهو يقترب منها، وكان صوته يحمل قلقًا واضحًا.
رودينا: قالت بابتسامة مرهقة، رغم الألم الذي يعتصر قلبها: "أنت طلعت بطل بجد، يا مالك."
مالك مسح العرق الذي تجمع حول جبينها بنعومة، وكأن تلك اللمسة محاولة لتهدئتها.
مالك: "وأنتِ أكتر واحدة شجاعة شوفتها في حياتي."
رودينا كانت تكاد لا تقدر على الحركة، لكن صوتها كان لا يزال صلبًا رغم الألم الذي يشتعل في رجليها.
رودينا: "مش قادرة اتحرك، حاسة بكسر رهيب في رجلي."
مالك، الذي كان يراقبها بتركيز، لم يتردد لحظة. حملها بين ذراعيه بحذر، وبصوت هادئ، لكنه مليء بالقلق قال:
مالك: "تحبي أوديكي فين؟"
رودينا: قالت بنبرة غاضبة متسائلة: "إنت مش سامعني ولا إيه؟"
مالك: بدا متفاجئًا، محاولًا التأكد: "هنروح فين؟"
رودينا: نطقت بصوت قوي رغم الألم: "القسم يا مالك."
مالك: عبّرت نبرته عن القلق: "بحالتك دي، مش هينفع."
رودينا: "لا، ودينا هناك، هيتصرفوا. بس نزّلني، أنا هتصل بحد ييجي ياخدنا."
مالك نزلها ببطء، ورغم ذلك، كانت عيونه تتابعها بقلق مستمر.
رودينا ابتعدت قليلاً وأخرجت هاتفها، وعندما تأخرت في الرد، عاد مالك بنبرة غريبة، يشعر بالغيرة ويكتمها بصعوبة:
مالك بغيرة: "كل دا؟"
رودينا: كانت نبرتها هادئة، لكن بإصرار: "كنت بشرح له الوضع."
مالك: أطلق نفسًا متوترًا وقال بحيرة: "وهو مش فاهم يعني؟"
رودينا: حاولت أن تكون متفهمة: "هيعرف منين، بس أنا كنت بوصله الأخبار."
وبنبرة ملؤها السخرية، قال مالك:
مالك: "خلاص، خلصنا يا ستي."
رودينا: ردت بطريقة غير مألوفة، بها تحدٍ واضح: "غيران عليّ؟"
مالك: نطقها بحيرة، ثم أضاف: "وعشان إيه؟"
رودينا: تحدثت بثقة وكأنها تستفزه: "قول لنفسك."
مالك: ارتفع صوته قليلاً وهو يرد بقسوة: "لا، إنتِ بس واخدة مقلب في روحك."
رودينا: عادت لتغمره بالثقة، ثم قالت بابتسامة ساخرة: "لا، أنا مرغوبة، وألف واحد يتمنوا نظرة مني."
مالك: الرد كان سريعًا، لكن بدا كأنه يحاول كبح مشاعر الغيرة: "وأنا بقى مش منهم. أتمنى القضية دي تخلص، ومشوفش وشك ده تاني."
رودينا: كان وجهها مليئًا بالتهكم عندما قالت: "على أساس إني دايبة في هواك."
مالك فغر فمه بنظرة غاضبة وقال بنبرة تهديد:
مالك: "كلمة كمان وهكسر رجلك التانية."
رودينا: تحدته بابتسامة ساخرة: "اعملها، وأنا أقطع نسلك خالص بضربة مني."
استمروا في مشاكستهما كقط وفأر، وتبادلوا الكلمات اللاذعة حتى وصلت السيارة وأوقفوا التوتر لحظة الوصول.
....
مكتب اللواء في مبنى الأمن العام. يجلس اللواء وسط الأوراق المتناثرة على الطاولة. مالك ورودينا في مواجهة معه، وكل منهم يحمل في قلبه همًا ثقيلًا. كلاهما يحمل معلومات دقيقة حول الجريمة التي كان من الصعب الكشف عنها.
اللواء: (ينظر إلى الأوراق أمامه بصمت، ثم يرفع رأسه في اتجاه مالك ورودينا) "المعلومات اللي عندكم في الملفات دي... مش بسيطة ولا هينة ابدا"
مالك: (يتنهد بشدة ويقترب من الطاولة، ثم يلتقط الورقة الأولى):  كل اسم هنا هو جزء من شبكة كبيرة جدًا.، ده تلاعب بحياة ناس وارواح بنخسرها كل ثانية ."
رودينا: (تضع يدها على الورقة وتبدأ في تحريكها، قبل أن ترفع رأسها قائلة بصوت هادئ): "كل واحد من الأسماء هنا كان جزء من الجريمة... لكن مش بس كده، الورق ده بيكشف الطريقة اللي كانوا بيشتغلوا بيها. كانت عملياتهم مخفية جدًا، الطريقة اللي كانو بيجمعو الضحايا بيهم مريبة اوي."
اللواء: (يتنهد ثم ينظر للورق بتركيز) "اسامي الاطفال معظمه متشفر
مالك: (يعقد حاجبيه ويقلب الورقة) "ل كل عملية كانت بتتم عن طريق فرق معروفة. كان فيه شبكة طبية متكاملة، من جراحين لناس بتتلاعب في بيانات المرضى، وكل ده كان بيخدم أغراض الشبكة دي."
رودينا: (بصوت أكثر حدة): "كل الأوراق دي كانت مخفية عن الأنظار، بسبب الحماية من ناس تقال اوي . فيه أسماء كبيرة موجودة هنا... هما اللي خلصو اي اوراق رسمية كانت بتعرقل ظهور الحقيقة لينا"
مالك: (يعود لنظر في الأوراق بتركيز شديد، ثم يلتفت للواء) "إنت لازم تشوف دا بعينك التشفير دا كان بيتم عشان ميكونش في اي بلاغات او  اسامي اطفال مفقودة مخفيين عن وسايل الإعلام تماما."
اللواء: (مفاجأ، يفحص الورق بتمعن) "واي كمان؟"
رودينا: (تنظر للورقة في يديها، وعينها مليئة بالغضب، كمان وصلنا لمعلومات بتتكلم عن أماكن تخزين الأعضاء والأشخاص اللي كانوا بيشتغلوا معاهم واتضح انه مدير المستشفي هو المحرك الاساسي للشبكة هنا ف مصر"
مالك: (بجديه وحسم): "كله لازم بتحاسب."
اللواء: (يضع الورق بحذر على الطاولة، وعيناه تزداد توترًا): "ده عمل إجرامي ماشي يترتيب دولي لازم نتحرك فورا"
رودينا: (وهي تجلس، تبعد يدها عن الورقة، ثم تقول بصوت متألم): "لو ما كناش دخلنا مكناش هنعرف نوصل لحاجة بس سيبناها ع الله وجازفنا. وحالا القضية دي هتخلص يلا بينا"."
.....
في السيارة، يتبادل مالك واللواء نظرات من التوتر قبل أن يتحدث اللواء:
اللواء: (بصوت هادئ وموجه) "دلوقتي، روحي على المستشفى وامشي ناحية الباب اللي بيكون فيه العمليات. أول ما توصلي، اديني الإشارة."
رودينا: (بتأكيد وحزم) "حاضر يا فندم."
رودينا بدأت تمشي، لكن مالك مسك إيدها بشدة، كأنه مش قادر يسيبها تروح لوحدها. هي بصت له بحب، وطبطبت على إيده برقة.
مالك: (بصوت منخفض وكأنه يتنهد) "لا إله إلا الله."
رودينا: (بتأكيد، كأنها تواسيه) "محمد رسول الله."
ثم نزلت رودينا لتبدأ تنفيذ خطتها، بينما مالك كان يتابع كل حركة منها بعينيه، قلبه مشغول.
اللواء: (ينظر إلى مالك، محاولًا تهدئته) "متخفش عليها."
مالك: (بصوت هادئ ومليء بالعاطفة) "بحبها."
اللواء: (يبتسم ابتسامة خفيفة) "وماله.. اتجوزها."
مالك: (بتنهيدة من القلب، بصوت حازم) "في دماغي والله يا فندم."
اللواء: (ينظر إليه باهتمام، يضيف بنبرة أكثر جدية) "بس أوعى تقولها اقعدي ف بيتها . دي زهرة نبتت في الصخر، ما نقدرش نعيش من غير نفسها."
مالك: (بتصميم، نظرته تزداد حدة) "ولا أنا هقدر أعيش من غيرها. دي بقت كل دنيتي. وهتكون مراتي قريب اوي بس احاسبها ع اللي هي عملته الأول"
.....
المستشفى تعج بالحركة، الأضواء الساطعة تسطع على جدران الممرات بينما يسير الحراس في خطى ثابتة، يحرسون كل مداخل المستشفى. الممرات مليئة بالزحام، والحركة مستمرة بين الأطباء والممرضات. الحراس يقفون في أماكنهم، يتبادلون النظرات الحادة، والعيون تراقب كل حركة.
رودينا: (تتوقف عند أحد الزوايا المظلمة للممرات، تراقب الموقف بدقة. تبتلع ريقها ثم تلتقط أنفاسها بسرعة. اليوم هو اليوم الذي ستكشف فيه أسرارًا خفية. تحركت بخطوات هادئة باتجاه أحد الممرات الرئيسية التي تقود إلى منطقة العمليات. كانت تعرف أن الحراس يمرون من هذه المنطقة بين الحين والآخر، ولكن كان عليها أن تجد اللحظة المناسبة.)
رودينا: (بينما تمشي في الممر الضيق، تتنقل بين الموظفين دون أن تلفت الانتباه. رأسها مرفوع، وحركاتها تبدو طبيعية تمامًا. في لحظة، ترى أحد الحراس يقترب منها من الاتجاه المعاكس. تتحرك خطوة للجانب في الوقت المناسب، وتظهر أمامها ممرضة في زي رسمي، مشغولة بتوثيق بعض المعلومات.)
رودينا: (سرعان ما تندفع نحو الممرضة بخفة، وتضربها بشكل مفاجئ في جانب رأسها باستخدام جزء من الأدوات التي كانت قد أعدتها مسبقًا. الممرضة تسقط على الأرض بصمت، بينما ينزل جسدها على الأرض بشكل سريع. رودينا تتنفس بسرعة، ثم تلتفت حولها بحذر شديد، للتأكد من عدم وجود أي شخص يراقبها.)
رودينا: (بسرعة، تلتقط ملابس الممرضة من حولها وتسرع بتغيير ملابسها. كل حركة تقوم بها محسوبة بدقة. تلبس زي الممرضة، وتسحب الحجاب الذي كان موضوعًا على رأسها، وتضعه بحذر. تُخفي شعرها، بينما تضع حقيبة الممرضة على كتفها، متأكدة أنها الآن تبدو كأي ممرضة أخرى في المستشفى.)
رودينا: (تسير بخطى ثابتة في الممرات وكأنها جزء من النظام. تتجنب النظر المباشر إلى الحراس، بينما تراقبهم من زاوية عينها. كلما اقتربت أكثر من منطقة العمليات، تزداد وتيرة قلبها. تلتفت وتجد أحد الحراس يقف بالقرب من الباب. لحسن الحظ، لا يلتفت إليها، فتستمر في سيرها بهدوء، بينما هي تبتسم داخل نفسها، متأكدة أن الخطة تسير كما هو مخطط لها.)
رودينا: (أخيرًا، تصل إلى الباب المؤدي إلى غرفة العمليات. قبل أن تفتح الباب، تنظر خلفها لتتأكد أن الحراس لا يراقبون. تفتح الباب ببطء شديد وتدخل، بينما قلبها ينبض بقوة. الآن هي في قلب المكان الذي يجب أن تكون فيه. ولكن خطر الاكتشاف ما زال يطاردها، إذ يجب عليها أن تتحرك بسرعة وأن تبقى متأهبة في كل لحظة.)
....
رودينا، بعد لحظات من التأمل والتخطيط، تصل إلى الباب المغلق لغرفة العمليات. تدفع الباب بهدوء، ولكنها تفاجأ بأنه مغلق. شعرت بشيء من الإحباط يتسرب إليها، فكل شيء كان يعتمد على هذه اللحظة. لكن نظراتها الحادة استقرت على الحارس الذي كان يقف على مقربة من الباب، مشغولًا في محادثة عبر جهاز اللاسلكي.
رودينا: (بصوت خافت داخل نفسها) " عمال يتكلم ف التليفون واكيد المفتاح معاه يلة يارودينا دي فرصتك."
نظرًا للوضع المحفوف بالمخاطر، كانت رودينا تعرف أن الوقت لا يسمح لها بالانتظار أو التراجع. استدارت ببطء، وعيناها تركزان على الحارس. في لحظة خاطفة، ابتسمت لنفسها، بينما كانت تدس يديها في حقيبتها، تخرج منها قنينة صغيرة تحتوي على مخدر قوي، كانت قد أخذتها من المستشفى سابقًا.
رودينا: (تتحدث إلى نفسها بهدوء) "واحد اتنين تلاتة."
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
قربت نفسها من الحارس بخطوات واثقة، ولم تترك مجالًا لأي شك. عندما اقتربت منه بشكل كافٍ، رشه المخدر بسرعة على وجهه. هز الحارس رأسه قليلاً، ثم بدأ يشعر بالدوار، قبل أن يسقط على الأرض في غيبوبة قصيرة. رودينا تأكدت أنه غير قادر على الحراك، ثم سحبت منه المفتاح الكبير الذي كان معلقًا في جيبه.
رودينا: (همست) "قويني يارب"
بيدين مرتجفتين قليلاً من التوتر، فتحت الباب بهدوء، وتسللت إلى داخل غرفة العمليات. كانت الإضاءة في الغرفة ساطعة، والجو مشبع برائحة مطهرات طبية حادة. الحوائط كانت مغطاة بألواح معدنية لامعة، تعكس الأضواء بشكل قاسي، وكأن الغرفة نفسها تنبض بالبرودة والتعقيم.
رودينا: (تنظر حولها بسرعة)  كل واحد دخل هنا مكنش ليه الفرصة انه يطلع حي
غرفة العمليات كانت مليئة بالأجهزة الطبية المتطورة. على الطاولة المركزية، كان هناك جهاز تنفس صناعي كبير، وهو يهمس بصوت متقطع، مع أنابيب ومعدات متصلة به. الجدران مغطاة بأنابيب وأجهزة مرقمة، بينما كان هناك طاولة جانبية مغطاة بقطع قماش معقمة، تحتوي على عدة أدوات طبية حادة، كالسكاكين والمباضع، التي يمكن استخدامها في أي لحظة.
على أحد الجدران، كانت توجد شاشة ضخمة تعرض معلومات حول المرضى، مع رسومات بيانية للعلامات الحيوية، وهو ما جعل الغرفة أكثر قسوة على الروح. بعيدًا عن هذه الأجهزة، كان يوجد جهاز تعقيم ضخم في الزاوية، يحمل أدوات جراحية نظيفة لا تزال في أكياس معقمة.
رودينا: (تنظر حولها، يدها تتشبث بالمفتاح، عيناها تلمعان بغضب) "هنا بتتغير مصير الناس. هنا بيتاجروا في الأرواح."
بينما كانت تتقدم خطوة خطوة، كانت ملامح وجهها تبدو أكثر جدية. بدأت تنظر إلى الطاولة التي كانت فارغة إلا من بعض الأدوات الملقاة على جنبيها. لم تجد أي علامات تشير إلى أن هناك عمليات جارية الآن، لكن المكان يظل مرعبًا بكل تفاصيله. كانت الغرفة نفسها لا تحمل أي نوافذ، وكأنها صممت لعزل العالم الخارجي تمامًا. هو مكان لا يرحم.
أثناء تفحصها الغرفة، رأت بابًا آخر يؤدي إلى غرفة تحكم داخلية. "لازم أكتشف أكثر"، همست في نفسها بينما تتجه بخطوات واثقة نحو الباب، عازمة على الوصول إلى أعماق الأسرار المخفية
على الطاولة المركزية، كان هناك مريض مغطى بالكامل بالملاءة البيضاء، على وجهه قناع الأوكسجين، وعليه خطوط رفيعة تظهر على جهاز مراقبة الحياة. كانت الآلات من حوله موصلة بشكل دقيق إلى جسده، تتنفس معه، وتراقب كل نبضة، وكأنها لا تكتفي بحياة واحدة، بل تراقب لحظة بلحظة.
كانت الآلات الإلكترونية على الحائط تواصل عملها، أما الأجهزة الجراحية فأشبه بمخلوقات حادة بلا روح، تتناثر على الطاولة الجانبية، حيث المباضع والسكاكين، التي برقت بفعل الضوء الساطع. الأجواء كانت معقمة، جافة، تُشعرك أنك تدخل إلى مكان مخصص للفناء. الأواني المملوءة بالدماء المتجلطة كانت تغطي بعضها البعض بشكل فوضوي، وقد تركت آثارًا من الرعب على كل ما حولها.
وفي الزاوية البعيدة، كانت شاشة كبيرة تعرض أرقامًا متقلبة، وبجانبها حاسوب يتابع العملية الجراحية بشكل مستمر، مع رسم بياني يوضح حالة المريض، وكأن حياته تتناقص أمام عينيه، وكل نبضة قلب تذهب في اتجاه مجهول.
رودينا، بكل قسوة، نظرت إلى الأدوات الجراحية الموضوعة بجانبها. كانت تعرف أن هذه الأدوات لم تُستخدم فقط في العمليات الطبيعية، بل كانت تلامس جسد ضحايا هذه الشبكة المجرمة. نظرت بحقد إلى الأدوات التي كانت تُستخدم في سرقة الأعضاء، في تجارب مرفوضة على أجساد بشرية لا تمت لهم بصلة. أيديها ارتجفت، لكن عيناها كانت أكثر قسوة من أي وقت مضى.
ثم استدارت لتكتشف رفًا جانبيًا آخر مغطى بآلات معقمة وأسطوانات ضخمة مملوءة بغازات ومخدرات. تلامس أصابعها جزءًا من الأسطوانة، ثم تحركت نحو طاولة العمليات الرئيسية. هنا كان الوضع أكثر كارثية، فالصمت كان قاتلًا، ولم يكن هناك أي صوت سوى دقات قلبها التي تزداد سرعة في كل لحظة.
شعرت ببرودة المكان تتغلغل إلى أعماق قلبها. كانت الغرفة تقف على حافة الهاوية، كل زاوية فيها تحمل مشاهد مرعبة، ولا تترك سوى علامات الصمت والانتظار المميت. ركضت أفكارها بين تفاصيل الحياة المفقودة في هذه الغرفة، ومع كل خطوة كانت تشعر بثقل الحزن واليأس يتركان أثرًا في روحها.
كانت هذه غرفة مخصصة لإنهاء الحياة، وحياتهم كانت مجرد أرقام في قوائم لا تنتهي. أسفل الطاولة، كانت هناك أوراق مشوشة، ملفوفة بشكل سريع، بعضها ممزق والآخر يحمل توقيعات وهمية، كأنها دلائل على قسوة أكبر من مجرد السرقة.
وفي هذه الأجواء المشحونة، تمكنت رودينا من التقاط مفتاح إضافي كان في الجيب الأمامي لشخص كانت تظن أنه أحد أعضاء الشبكة. استدارت نحو الباب الذي كان يؤدي إلى غرفة أعمق في هذه الشبكة المظلمة. همست في نفسها وهي تفتح الباب بهدوء: "لازم اوقف لازم."
وما إن دخلت الغرفة الأخرى، حتى أُضيئت شاشة أخرى بها رسومات بيانية تحلل أعضاء بشرية. كانت هناك صور لضحايا فقدوا حياتهم في عمليات تجارة الأعضاء، وصور أخرى تظهر كيف تم زرع الأعضاء في أجساد بشرية جديدة، لتُستغل وتُباع بثمن بخس.
......
بعد لحظات من الترقب، بدأت رودينا تتنفس ببطء وهي تقف عند الباب، تحمل المفتاح بين يديها، عيونها لا تترك أي زاوية من الغرفة. مع كل خطوة، كانت تزداد ثقتها في نفسها، لكن أيضًا كانت أدركت تمامًا حجم الخطر الذي يحيط بها. نظرت إلى الساعة، ثم رفعت يدها وأعطت الإشارة المقررة.
فور أن أعطت الإشارة، اشتعلت الحركة في المكان. اللواء وزملاؤه، الذين كانوا في الخارج، دخلوا من أبواب متعددة واندفعوا نحو الهدف المحدد. الصوت الذي كان يعم المكان كان صوت خطوات متسارعة، وصوت الأنفاس المتسارعة التي كانت تُكتم وسط جدران المستشفى الباردة.
في نفس اللحظة، دوت أصوات تصادمٍ وصرخات في الغرف المجاورة. رجال الأمن اقتحموا الممرات، وفتحوا الأبواب بحركة منسقة، بينما كانت رودينا تراقب بتركيز شديد كل ما يحدث من حولها. كانت تتابع الهجوم الذي خططوا له بكل حذر، وعينيها تراقب خطوات الجنود وهم يدخلون الغرف بشكل مفاجئ.
داخل غرفة العمليات، كان الوضع قد بدأ يشتد. الحراس داخل المكان حاولوا مقاومة الهجوم، لكنهم كانوا يواجهون قوة كبيرة من الشرطة وأفراد الأمن المدربين. الهجوم كان سريعًا ومنظمًا، وسرعان ما وجد رجال الأمن أنفسهم يسيطرون على الوضع.
ثم جاء الصوت الذي طالما انتظرته، الصوت الذي يشير إلى النجاح: "تم القبض عليهم!".
مع إعلان النجاح، سكنت رودينا لبضع لحظات، ثم أخذت نفسًا عميقًا، وأعينها تلمع بالارتياح. كان من الصعب تصديق أن كل شيء قد انتهى في لحظة واحدة. جريمة تجارة الأعضاء التي استمرت لفترة طويلة، والتي دمرت حياة العديد من الأبرياء، تم كشفها في لحظة.
ركض مالك نحوها، وأخذ يلتفت يمينًا ويسارًا، يتأكد من أن كل شيء قد تم السيطرة عليه. ثم اقترب منها قائلاً، بصوت هادئ، لكنه مليء بالطمأنينة:
"الحمد لله... انتي كويسة ياحبيتي طمنيني عليكي "
رودينا ابتسمت بحزن، فبينما كانت تشعر بالراحة لنجاحهم، كان هناك شيء عميق في قلبها يظل غير مرتاح. نعم، تم القبض على الجناة، ولكن كم من الأرواح قد فقدت؟ كم من الناس تأذوا قبل أن يتم إيقافهم؟
"المعركة انتهت، وانا بخير بس لازم نعرف مين كان وراء كل ده."
أومأ مالك برأسه، وعيناه تتسعان شيئًا فشيئًا. كان يدرك تمامًا أن هذا ليس سوى بداية رحلة طويلة نحو الكشف عن كل الحقائق المظلمة التي لا تزال تخفى عن الجميع
....
في مشهد مشحون بالتوتر، كانت الأنفاس تتسارع مع اقترابهم من الهدف الأخير. رجال الأمن والشرطة كانوا يتنقلون بهدوء عبر الممرات المظلمة للمستشفى، وهو يسيرون بسرعة وحذر في آن واحد، على أمل أن لا يشعر بهم أحد. كانت الساعة قد قاربت على منتصف الليل، وكانت جميع الأنوار في المكان خافتة، باستثناء الأضواء الساطعة التي تومض في زوايا غرف العمليات.
رودينا ومالك كانا يقفان على بُعد خطوات من الباب الذي يؤدي إلى غرفة الزعيم الكبير، الرجل الذي كان يقف وراء شبكة تجارة الأعضاء. كانت عيون رودينا تتلألأ بالتركيز، بينما كانت يدها تلامس مسدسها، عازمة على إنجاز المهمة مهما كانت الصعوبات. مالك كان يقف إلى جانبها، عينيه تتبعان كل حركة، مستعدًا لأي شيء قد يحدث في أي لحظة.
اللواء كان في القيادة، هو وزملاؤه، يتابعون خطط الهجوم الأخيرة. كانت اللحظات التي تسبق الهجوم كالسكون الذي يسبق العاصفة.
اللواء: (يهمس في جهاز الاتصال) "الهدف على بعد خطوات. تأكدوا من إغلاق كل الطرق."
كان الصوت داخل غرفة الزعيم يتعالى مع كل لحظة، وقد بدا أن هناك اجتماعًا مشبوهًا يجري داخل الغرفة. رودينا ومعها مالك كانا يعرفان أن هذا الاجتماع هو اللحظة الحاسمة، وأن أي خطأ قد يؤدي إلى تعقيد الأمور أكثر.
رودينا: (تلتفت لمالك بنظرة حادة، بصوت منخفض) "الأنسان دا شرس جدا اتمني تكون حذر."
مالك: (بصوت جاد، وهو يضغط على قبضته) "طاري وطار كل واحد قلبه اتحرق ع حبيبه انا اللي هاخده."
عندما أعطى اللواء الإشارة، انطلقت الهجمة. رجال الأمن اقتحموا الغرفة دفعة واحدة، وفتحوا الباب بقوة، مما جعل صوت الخشب يتصدع في أرجاء المكان. الزعيم الكبير كان يجلس في منتصف الغرفة، محاطًا بعدد من رجاله المخلصين، ولكنه كان يبدو متفاجئًا للغاية.
الزعيم: (ينظر بحذر، ثم يحاول السيطرة على الموقف) "أنتو مين؟!"
لكن قبل أن يستطيع الهروب، كان رجال الأمن قد أغلقوا جميع المداخل. فُجأة، شعر بالتهديد المحيط به، وعيناه تتسارعان بين رجال الأمن ورودينا التي كانت تقف بثبات، عيناها تُحدقان فيه بشدة.
رودينا: (بصوت حازم) "خلصت ياباشا 
الزعيم: (محاولًا تهديدهم) "أنتم مش عارفين مين اللي بتقفوا قدامه لو حبين تعيشو امشو من هنا وانسوني"
لكن الوقت كان قد فات. رجال الأمن أحاطوا به من كل اتجاه، وتم تقييده بسرعة. الزعيم حاول أن يقاوم، ولكن قبضتهم كانت أقوى. الآن، بعد كل هذا العناء والمخاطرة، كان الزعيم الكبير في قبضة العدالة.
مالَك: (يمسك بذراع الزعيم، وهو يبتسم بقوة) متتصورش تعبنا اد اي عشان نوصلك حاولت تخلص مننا كتير والحمد الله كشفتكم والا كنت هتهم بالباطل واحصلك ف السجن
رودينا: (تنظر إليه ببرود، لكنها قلبها كان يخفق بشدة من الداخل) " المسلسل خلاص خلص ياباشا."
وبينما كان الزعيم الكبير يُسحب بعيدًا، كانت رودينا ومالك يقفان معًا، يدركان أن المعركة لم تنتهِ بعد، وأن الطريق طويل للانتقام لكل الأرواح التي أُهدرت. ولكن، في تلك اللحظة، كان ما يعترفون به هو الحقيقة الوحيدة التي كانت في أذهانهم: العدالة قد بدأت أخيرًا.
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
مرّت ثلاثة أشهر...
كانت رودينا تقف أمام المرآة في الحمام، تغسل وجهها، وعيناها غارقتان في الحزن. حدّقت في انعكاسها طويلاً، كأنها تبحث فيه عن شيء ضائع... عن حضوره الذي غاب عنها، وترك خلفه فراغًا لا يُملأ.
خرجت من الحمام متثاقلة، لتفاجأ بنصيرة جالسة في الصالة تبكي بحرقة.
رودينا (بقلق): في إيه بس يا دادة؟
نصيرة (بصوت مختنق): أنا عايزة البِت.
رودينا (وهي تجلس بجوارها): أجيبها منين دلوقتي؟ إنتي عارفة أبوها مش راضي يخلّيها تيجي، حتى خمس دقايق، كأننا هنعضّها ولا ننقص منها حتة!
نصيرة: ما هو برضو حرام يا بنتي... البت كانت معايا طول اليوم، أكل وشرب ونوم، وف الآخر تروح مني كده؟ بعد ما قلبي اتعلّق بيها وحبّها؟ اتصلي بيه، قوليله يجيبها، عايزة أشوفها.
رودينا (بأسى): دي لو بنتك، مش هتعملي كده...
نصيرة (تبتسم بألم): ضحكتها لسه مش راضية تفارق دماغي... لما كنت بقرأ لها آيات ربنا، ولما كنت بحضنها... بس لما كنت بشم ريحتها، كنت بحس إني عايشة عشان خاطر حد. لو ليا خاطر عندك، اتصلي بيه.
رودينا (تخفض عينيها): بلاش يا دادة.
نصيرة (بتعجب): ليه بس؟
رودينا (بحزم متماسك): من بعد آخر مرة... أنا حالفة، الشارع اللي يمشي فيه، أمشي ف غيره، وأدور وشي عنه.
نصيرة (بإصرار): كل الكلام دا ميشغلش بالي... هاتيلي البت.
تنهدت رودينا بعمق، ثم ابتعدت قليلاً، وجلست إلى جانب الحائط، تخرج هاتفها وتتصل به...
.....
رفعت رودينا الهاتف بتردد، وقلبها يخفق بقلق. ترددت قليلًا قبل أن تضغط على الرقم المحفوظ، ذاك الرقم الذي أقسمت ألا تطلبه مجددًا. وضعته على أذنها وانتظرت.
رنّ الهاتف مرة... مرتين... ثلاثاً... ثم جاء صوته، هادئًا كعادته، باردًا كالجليد.
مالك: ألو؟
رودينا (بصوت خافت): مساء الخير يا مالك.
مالك (ببرود): خير؟ بتتصلّي ليه؟ خلفتي وعدك، يعني اتضح إن ما عندكيش كرامة أهو.
رودينا (تتردد): كنت... بتصل بيك عشان طلب.
مالك: طلب؟ على أساس إنك بتكلميني أصلاً؟ من ساعة آخر مرة وأنا مرتاح، دلوقتي رجعتي تزنّي عليا تاني؟
رودينا (تحبس دموعها): الدادة... نفسها تشوف آسيا، بس تشوفها يا مالك. مش قادرة تبطّل عياط من يوم ما خدت البنت.
مالك (بتهكم): وهي كانت مين عشان تبكي عليها؟
رودينا (بحزم وألم): كانت عايشة وسطنا، وكانت بتحبها، وبنتك كانت متعلقة بيها.
مالك (بعد صمت): لازم ننسى إننا نعرف بعض.
رودينا: دي ست كبيرة، بتموت من البُعد ده.
مالك (بصوت منخفض): طيب... هبعتلكوا صورة.
رودينا (بذهول): صورة؟!
مالك (نهائيًا): أكتر من كده مفيش. دا اللي عندي... يلا، ومن غير سلام.
وأغلق المكالمة.
نظرت رودينا للهاتف في يدها، كأنها تنتظر أن يعود الصوت من جديد، لكنها لم تسمع سوى الصمت القاسي.
عادت إلى نصيرة، تنظر إلى الأرض، تتجنب عينيها.
نصيرة (بتوتر): قالك إيه؟
رودينا (بمرارة): قال... هيبعت صورة. شوفتي؟ كأنه بيتمسخر علينا... بيلوي دراعنا على أي بلا نيلة.
نصيرة (باندهاش): صورة؟ أنا عايزة البِت، مش صورتها!
ثم انفجرت بالبكاء من جديد، بينما جلست رودينا بجوارها، تضمّ يدها بصمت، وعيناها تهربان من الحقيقة المؤلمة التي تطوّقهما.
.....
في غرفة واسعة ذات جدران باردة، جلست آسيا الصغيرة على سجادة مزركشة بالألوان، تحضن دميتها بقوة، وكأنها تحتمي بها من عالم لا تفهمه بعد. عيناها تبحثان في الوجوه من حولها عن حضنٍ مألوف، صوتٍ حنون، أو حتى رائحة طمأنينة تذكرها بمن كانت تحبهم.
دخلت الخادمة الأجنبية، تحمل طبقًا من الطعام، وابتسامة باهتة.
الخادمة: يلا ياآسيا، تعالي كُلي. بابا قال لازم تخلصي الطبق.
آسيا لم تتحرك. كانت تحدّق في الأرض، شفتاها مضمومتان، وكأنها قررت ألا تفتح فمها إلا حين يُنادى عليها بصوت جدتها، أو تُحتضن بين ذراعي "رودينا".
اقترب منها مالك، وقف أمامها عاقدًا حاجبيه.
مالك (بصوت حاد): آسيا، لما حد يقولك تعالي، تقومي فورًا. مش عايز دلع.
رفعت الطفلة عينيها نحوه، بدموع محبوسة، ثم همست:
آسيا: عايزة الدادة اللي كانت بتقرالي القران يابابا.
ارتعش شيء ما في ملامحه، لكنه تمالك نفسه سريعًا.
مالك: خلاص مش هتشوفيها تاني مش فاهم بجد اي سر تعلقك بيها اعملي حسابك مفيش مراوح هناك تاني امسحيهم من ذاكرتك
ثم خرج، تاركًا وراءه طفلة تئنّ بصمت.
....
جلس مالك في غرفته، يغمره الصمت، فيما شردت عيناه في سقف الغرفة كأنما يفتّش فيه عن ملامح ماضٍ قريب. تذكّر آخر مرة رأى فيها رودينا، حين كانا معًا في قاعة المحكمة، يقفان جنبًا إلى جنب بعد أن خاضا المعركة ذاتها وانتصرَا.
كانت جلسة النطق بالحكم، والهواء مشحونًا بالتوتر، والكل يترقّب.
عندما نطق القاضي بالحكم بإعدام أفراد العصابة المتورطة في تجارة الأعضاء، وتشميع المستشفى محلّ الفساد، وفرض رقابة صارمة على باقي المستشفيات... شعر مالك أن قلبه عاد ينبض بالحياة.
كان النجاح مشتركًا، النصر يُحسب لهما معًا
.........
بعد انتهاء المحاكمة ركب مالك سيارته بسرعة، أغلق الباب بعنف وكأنما يغلق قلبه معها، لكن فجأة... سمع صوتها يعلو خلفه:
رودينا (بلهفة):
– مالك! استنّى!
مالك (من دون أن يلتفت وهو يصرخ):
– مش هستنّى... أنا ماشي حالًا.
رودينا (بحدة):
– بتزعقلي يا مالك؟!
مالك (يلتفت بعينين تشتعلان):
– أيوة! روحي بقى... احبّسيني! مش دا شغلك؟!
رودينا (بصوت غاضب ومرتجف):
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
– إنت بالفعل كنت هتتحبس... لو ما أدّيتش واجبي يامالك
مالك (يضحك بسخرية موجعة):
– واجبك؟ كان حمايتي؟
ولا كسر قلبي؟
ولا إنك تمثّلي الحب عليا بكلمات حافظاها مش حاسّاها؟
قلبي بيقولي دلوقت... إنك عمرك ما كنتي صادقة معايا ولا هتكوني مع غيري!
رودينا (تتقدّم نحوه بخطوات بطيئة):
– لا يا مالك... قلبي ما كانش بيمثّل،
كل تنهيدة، كل ضحكة، كل خوف كان بيخرج مني ليك،
كنت بعيشهم بكياني،.
الحب اللي فيا اتخلق عشانك إنت.
مالك (بغصة حارقة):
– إنتِ... معجونة بمية كذب.
رودينا (تبكي):
– لا... أنا بحبك، يا مالك.
بصدق، بضعف، بكل اللي جوايا.
مالك (يشيح بنظره عنها، ثم يتمتم):
– مش مسامحك...
أيوه، مش عايزك في حياتي...
بس... مستحيل أنساكي.
ركب سيارته من جديد، أدار المحرّك دون أن ينظر خلفه، ورحل، تاركًا خلفه قلبًا مكسورًا... وقلبًا آخر لا يعرف كيف يعيش بعده.
باك
جلس مالك في غرفته، وأمامه مرآة محطمة. كيف أنه حاول جاهدًا أن يتجاهل مشاعره، وأن يضع حواجز بينه وبين رودينا. ثلاثة أشهرٍ من الصراع الداخلي، ومن التساؤلات التي لم تجد لها إجابة. ولكن، في النهاية، لم يستطع أن ينكر الحقيقة.
وقام فجأةً بعصبية، ليكسر المرآة بقبضته، ثم بدأ يضرب الحائط بيده الأخرى، وكأنّه يحاول تحطيم كل الذكريات التي تمسكه، 
وقف أمام الحائط، يلهث من شدة الغضب، ثم نطق وهو يكاد يخرّ من شدة الانفعال:
مالك (بغضب عارم):
"ثلاثة شهور في دماغي، أني أربيك على كذبك ليّ، بس دلوقت. خلاص! مش قادر! ضحكتك، صوتك، جنونك، قوتك... مش قادر أبعد عنك لحظة واحدة، خلاص!"
لم يكن الغضب هو ما يسيطر عليه فقط، بل كان شعورًا بالضياع والندم،
رغم كل ما حدث، كانت رودينا تمثل له شيءً لا يمكن الاستغناء عنه
.....
جلس مالك في سيارته، عقله يغلي كبركانٍ على وشك الانفجار. تردّد للحظة، ثم أمسك هاتفه وأجرى الاتصال. لم تمضِ سوى لحظات حتى جاء صوتها... ذاك الصوت الذي يعرف كل انعكاساته.
رودينا (ببرود متعمد):
"يانعم؟"
مالك (بلهجة حازمة):
"قابليني في الكافيه اللي اتقابلنا فيه آخر مرة."
صمتٌ قصير، ثم ردّت بصوت ساخر:
رودينا:
"مش فاضية... ورايا مواعيد مهمّة أوي. يلا سلام."
تصلّب وجهه، واشتعلت نبرة صوته بالغضب والعناد:
مالك:
"أقسم بالله يا رودينا، لو قفلتي... لأجي البيت وأكسّر عضمك!"
ارتفع حاجباها بدهشة على الطرف الآخر، لكنها لم تتراجع، بل ابتسمت بخفة متحدّية:
رودينا:
"أنا بقى عايزاك تيجي... عشان أشوف كلامك ده ف الهوا ولا جد."
صمت مالك لوهلة، ثم قال بنبرة مختلفة، أكثر لينًا... أكثر صدقًا:
مالك:
"طيب... أنا بجد عايز أشوفك."
لكن رودينا لم تمنحه الراحة، وردّت بابتسامة لاذعة:
رودينا:
"وأنا بجد بقولك... لا. ونجوم السما أقربلك مني... باي."
أغلقت الخط، بينما ظل مالك ممسكًا بالهاتف، يحدّق فيه كمن تلقّى صفعة أيقظته من وهمٍ مؤلم.
........
كان مالك جالسًا في ركنه المعتاد، جسده ساكن لكن قلبه في صخب لا يُحتمل. رغم كلماتها الحادة ورفضها المتكرر، كان لديه يقين بأنها ستأتي.
الليل ثقيل، كأن اليأس نفسه اتخذ شكل ظلاله. همّ أن ينهض ويغادر... لولا أنها ظهرت أمامه.
وقفت رودينا على بعد خطوات، تنظر إليه بثبات، لكن في عينيها بحر من العتاب، موج متلاطم من الألم الصامت.
رفع نظره نحوها... وابتسم.
جلست بهدوء، كأنها تعترف دون كلام أنها ما زالت مرتبطة بخيط خفي لم يُقطع بعد.
رودينا (بصوت بارد، وهي تتجنب النظر في عينيه):
"أنا ماجيتش عشانك... ومكنتش أعرف إنك هنا. كنت فاكراه كافيه تاني."
مالك (عيناه ثابتة عليها، بنبرة ساخرة):
"معقول؟ رودينا اللي بميت راجل... بتتكلم وعينيها بتلف يمين وشمال كأنها عاملة مصيبة؟ باين أوي."
رودينا (تحاول الحفاظ على اتزانها):
"مش حقيقي. وبصراحة... إيش عرفني إنك هتفضل قاعد مستنيني الوقت دا كله؟"
مالك ( مال عليها ويبتسم بخبث خفيف):
"تعالي نلعب على المكشوف بقى."
رودينا (ترفع حاجبًا، بتوتر بسيط):
"يعني إيه؟"
مدّ مالك يده فجأة، وأمسك بكفّها... كانت نبرته هادئة، لكنها محمّلة بقرار:
مالك:
"تعالي نتجوّز."
اتسعت عيناها بدهشة... لكن ابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهها، لم تستطع إخفاء سعادتها المفاجئة.
رودينا (بصوت متهدج):
"يعني... هتسامحني؟"
أخفض رأسه، وقبّل يدها برقة، كأنه يعتذر عن كل ما مضى:
مالك:
"آه، هسامحك... وهنبدأ من جديد."
لكنها تمتمت بخوف:
رودينا:
"بس يمكن تفضل فاكر اللي عملته فيك..."
همّت أن تقوم، لكن قبضته أمسكت بذراعها برفق، ونزل على ركبته أمامها، أخرج خاتمًا كانت تعرفه جيدًا... الخاتم الذي تمنّت أن تراه في يدها يومًا ما.
عيناها اغرورقتا بالدموع، لم تستطع المقاومة، فتركت نفسها له.
لبّسها الخاتم، ثم جذبها إليه، لتجد رأسها يستقر على صدره، كأنها عادت أخيرًا إلى الوطن.
مالك (وهو يضمّها ويهمس بلهفة):
"بحباااااااااااك..."
ثم فاجأها.
حملها بين ذراعيه أمام الجميع، يدور بها بخفة كأنها قطعة من روحه استعادها أخيرًا. ضحكت رغماً عنها، وتعلّقت بعنقه، فيما هو دار بها دورة كاملة وسط دهشة الموجودين.
مالك (وهو يهمس في أذنها):
"دوّختيني شهور… جه الوقت أدوّخك بجد!"
رودينا (تضحك وهي تحاول تخبي وشها):
"مالك… نزلني، الناس بتتفرج!"
مالك (بضحكة دافية):
"ياريتهم يتفرجوا ويتعلموا… كدا الرجولة، وكدا الحب يا رودينا."
نزلها بهدوء، لكنها ظلت قريبة، أنفاسها تتسارع، ووجهها محتقن بلون الخجل والفرحة.
رودينا (بصوت واطي):
انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا
↚
"بحبك بحبك اوي"
مالك (بنبرة واثقة):
"أنا بعيش اللي حلمت بيه… وأهو بدأ يتحقق بيكي. ياحبيتي وانا بموت ف التراب اللي بتمشي عليه"
.......
كان المطر ينهمر بغزارة، يغسل الأرصفة والقلوب معًا، ومالك يسير إلى جانب رودينا تحت سماء رمادية كأنها تشاركهما الحنين. لم يهتما أن البلل طال ملابسهما، فقد كان الدفء الحقيقي في قربهما، في تلك الخطوات البطيئة التي تشي برغبة في البقاء أكثر.
توقف مالك فجأة، أمسك بيدها بلطف، سحبها تحت مظلة صغيرة تكسوها لمبات صفراء خافتة، وابتسم رغم قطرات المطر التي انسدلت على جبينه.
مالك (بصوت دافئ وسط صوت المطر):
"تعرفي؟ من يوم ما بعدتي وأنا كل يوم بقعد لوحدي أقول… لو رجعت، مش هسيبها تاني. وهخليها ف حضني طول العمر."
رودينا (وهي تمسح خصلات مبتلة عن وجهها):
"بس أنا  وحشة واندفعت."
مالك (بنظرة ثابتة وهو يمسك بيدها):
"اللي جرالي منك خلاني  اعرف أحبك صح."
قبّل يدها برقة، ثم وضعها على صدره.
مالك:
"حاسّة صح؟ هنا في مكان ليكي… متخافيش ابدا، مش هتطردي منه لانك مخلوقة منه"
رودينا (بنبرة ممتزجة بالدموع):
"وأنا قلبي من جواه عمره ما رفضك."
اقترب أكثر، حتى تلاشت المسافة بينهما، والمطر يلفّهما كوشاح شفاف من حب قديم يتجدد.
مالك (يهمس):
"يلا نكمّل الليلة دي عند البحر اي رايك حابب اقول للكون كله إني أخيرًا بقيتي ليا؟"
رودينا (تضحك وهي تحتمي بذراعه):
"بس أوعى تغرقني هنا!"
مالك (يشبك يده في يدها ويبدأ بالجري وسط المطر):
"أنا هغرقك ممكن بس هتنقذي نفسك بيا لاني داءك ودواكي"
انطلقت ضحكتها، واختلطت بصوت المطر، لتكتب السماء فوقهما سطرًا جديدًا من قصة… تأخرت، لكنها لم تُنسَ.
....
وصلوا إلى الشاطي
واقترب مالك بخطوات ثابتة، ثم خلع سترته ووضعها برفق على كتفيها، وهمس من خلفها:
مالك: "بردانة؟"
رودينا (بابتسامة خفيفة) لا ياحبيبي انا بخير."
استدارت إليه، فعانقها بعينيه قبل أن تلمسه يداها.
مالك: "رودينا... حبك يبنيني من أول وجديد."
رودينا (بصوت مرتعش):  إنا كنت ضعيفة من غيرك. اوي يامالك"
اقترب منها أكثر، أمسك وجهها بين يديه، ومسح المطر عن وجنتيها كأنه يمحو كل ألمٍ مضى.
مالك: "عايزة ننسى؟"
رودينا: "لا... عايزة نفتكر، بس نفتكر وإحنا مع بعض."
ضحك، ثم رفعها بين ذراعيه وسط دهشتها، ودار بها في حلقة دافئة، بينما المطر يبللهما، والبحر يصفّق للحب الذي انتصر أخيرًا.
مالك: "هعيش طول عمري أربّي قلبك جوا قلبي."
رودينا (وهي تبكي وتضحك): "وأنا خلاص... سلّمته ليك."
وتنتهي القصة حيث المطر غسل الألم، والبحر شهد على البداية الجديدة...
نهاية، ولكنها بداية أخرى لقلبين وجدا طريقهما رغم كل العتمة.
كل حاجة 
ناقصة حاجة
وانت مش جمبي حبيبي
نفسي اعمل اي حاجة بس ترجعلي حبيبي
مشاااااعر تشااااور ااااه مشاعر تموت وتحيي مشااااعر
مشاعر
تمت بحمد الله

انضم لجروب التليجرام ( هينزل فيه الرواية كاملة ) اضغط هنا
للانضمام لقناة الواتساب اضغط هنا